《١》
طغى طعم الدم ولونه ورائحته على كيان غارفيل بأسره.
شعر بالغرق في الدم، وهو إحساس مختلف تمامًا عن الغرق في الماء. لم يستطع التحرك بحرية، وكأن جسده قد ابتلعه سائل لزج، ليس بالسائل تمامًا، ولم يتمكن من رؤية فقاعات الهواء وهي تهرب من فمه.
حتى القمر الأبيض الذي كان يضحك عليه من أعلى اختفى عن ناظريه.
في أوج معركته مع كورغان، ابتلعت كتلة غريبة من الدم غارفيل بالكامل.
كانت أول فكرة خطرت بباله هي أن رئيس أساقفة الشهوة لم يكن سوى كتلة بلا شكل من الدماء التي قد تكون حية أو لا. هذا الكائن الغريب كان صادمًا لولا أن المدينة كانت بالفعل تغصُّ بجنود الجثث الميتة وأنصاف الوحوش— تهديدات جديدة لم تُعتبر حتى وحوشًا شيطانية حقيقية. وفي هذا السياق، لم تكن كتلة دماء زاحفة فكرة غير معقولة فجأة.
المشكلة كانت في الوضع الخطير الذي وجد غارفيل نفسه فيه، إذ كان مغمورًا بالدماء ويفقد الهواء بسرعة.
هذا السائل اللزج طغى على حواسه؛ لم يستطع الرؤية أو التذوق أو الشم أو حتى السمع. أما عن حاسة اللمس، فلم يتمكن من الشعور بأي شيء يمينه أو يساره، أمامه أو خلفه. ومع تعطل حواسه الخمس، لم يكن أمامه سوى الاعتماد على الحاسة السادسة.
كان سوبارو هو مَن علَّمه هذا المصطلح.
«—غه.»
طغى طعم الدم ولونه ورائحته على كيان غارفيل بأسره.
أفكار عابرة. أفكار عابرة. أفكار عابرة. كان لدى غارفيل الكثير من الأفكار العابرة. ورغم أنه أدرك ذلك بنفسه مرارًا وتكرارًا، حتى عندما تحرر مؤقتًا من وطأة الجاذبية، كان عقله ما زال مثقلًا بالأفكار العابرة.
طالما ظل عقله مشغولًا، لن يتمكن من تحريك أطرافه بحرية.
كان يبحث عن أي شيء ليثبِّت نفسه، مهدرًا ما تبقى من أكسجينه الثمين، بينما غاص وعيه أكثر فأكثر في الدماء.
النصر، الانفراج، القرار، وكل ما كان يرغب فيه انزلق من بين أصابعه وتلاشى.
بهذه الوتيرة، سيموت غارفيل موتًا بائسًا مهزومًا—
—المرأة ذات الشعر الوردي التي يحبها، الفتاة القطة ذات الفراء البرتقالي، ذلك الفتى الأسود الشعر الذي يبدو غير موثوق ولكنه دائمًا ما يكون ملاذًا.
وسط كل تلك الأفكار العابرة التي مرت في ذهنه لتتلاشى، رأى الأشياء المهمة التي لا يمكنه السماح لها بالهروب من بين أصابعه.
«غآآآآآآآآآه.»
توهج الضوء في عينيه الخضراوين؛ فمه انفتح كاشفًا عن أنياب حادة كالسكين. تدفقت الدماء إلى حلقه، ملأت رئتيه، لكنه لم يهتم.
ازأر. ازأر واصرخ. أطلق مخالبك، أنيابك.
كان لدى غارفيل الكثير من الأفكار العابرة. ولهذا السبب، حتى وهو على شفا الموت، استمر عناده وندمه وهوسه بالتدفق حتى النهاية المريرة.
لم تملك أطرافه القوة لكسر سطح الدماء. لم تكن ذراعه طويلة بما يكفي. كان جسده صغيرًا للغاية.
ماذا لو كان أكبر… أطول؟ ماذا لو كانت مخالبه أشد حدة وقوة؟
ماذا حينها؟
«—نغههههه!»
استجابةً لغريزة البقاء، بدأ جسد غارفيل ينبض، ولحمه يتحول.
هيكله العظمي تغير، محدثًا صوت أنين مسموع، وأطرافه بدأت تطول بوضوح.
غطى جسده بالكامل فراء ذهبي؛ مخالبه وأنيابه نمت، أصبحت أكبر، أقوى، وأشد حدة.
القوة الكامنة في الدماء التي امتلكها غارفيل تينزل منذ ولادته حوَّلته إلى نمر محارب، مكنته من اختراق جدار الدم.
في اللحظة التي اخترقت مخالبه السطح، انفجرت الكتلة الدموية كالفقاعة.
فهم غارفيل بفطرته أنه قد قضى عليها. مخالبه مزقت كل ما كان يحوي الحياة داخل تلك الكتلة الدموية.
تناثر الدم في كل مكان، ملوثًا الشارع والمباني المحيطة بلون قرمزي بغيض. زفر أنفاسًا عنيفة، مختلطة برائحة الدم، وأخيرًا تحرر من عذاب الغرق في الدماء—
«—»
في اللحظة التالية، شقت ذراع ضخمة الهواء، وضربت غارفيل المتحوِّل بلا رحمة، طائرةً به بعيدًا.
قبضة بحجم رأس طفل اخترقت وجه النمر، تبعتها لكمات أخرى ضربت جانبه وبطنه ومعدته.
سلسلة الضربات ألقت به في الهواء رغم وزنه الهائل الذي بلغ مئات الأرطال في هيئته الحالية.
بينما انكسرت عظامه وتمزقت أعضاؤه الداخلية، اخترق الألم رأسه كالسهم، لكنه مقارنة بعذاب الغرق في الدماء، بدا هذا وكأنه نعيم.
—في مرحلة ما، ابتعدت معركته كثيرًا عن الشارع الذي بدأ فيه القتال.
تشوش إحساسه بالوقت بعد أن ابتلعته الدماء، ولم يعد بإمكانه رؤية أو سماع دوي الصراع بين شيطان السيف وقديس السيف.
البرج المركزي، الذي كان بعيدًا، بات يقترب على نحوٍ مقلق.
التفَّ بجسده أثناء طيرانه في الهواء؛ ليهبط على أطرافه الأربعة، متوقفًا بذلك عن الانزلاق.
توقف في الساحة أمام البرج المركزي، وفتح فمه ليطلق زئيرًا، لكنه رصد مَن أطاح به واقفًا أمامه.
انخفض بجسده، مستعدًا للقفز نحو ذلك الشكل الضخم، وأنيابه مكشوفة.
في تلك اللحظة، شعر بوجود عدائي بجواره مباشرة. دون أن يحول نظره، لوَّح بمخالبه.
«—!»
مزق وحشًا مشوهًا أطلق أنينًا عميقًا. كان مسخًا استُبدلت أطرافه بسيوف، مزيجًا غير طبيعي بين العضوي والصناعي— كائنًا شبه وحشي.
حاصرت غارفيل مجموعة من هذه الكائنات، كل منها مشوه بطريقة فريدة.
مثل الكتلة الدموية التي قضى عليها للتو، يبدو أنها أُطلقت لمهاجمة أي شخص يحاول تحرير البرج— أمر قاسٍ وجهد بلا جدوى.
«—أووووواغه!»
زأر غارفيل وهو يمزق الأعداء المتقدمين بمخالبه.
انفجر رأس أول نصف وحش، متناثرًا بالدماء والأدمغة في كل مكان. ومع ذلك، خطا البقية فوق جثته دون تردد، جيش من الكائنات الوحشية يندفع نحو الموت على مخالب النمر العنيفة.
لم تتردد هذه المخلوقات أنصاف الوحوش في التضحية بنفسها في معركة لا أمل لها فيها بالنصر.
حسها بالخطر كان شبه معدوم، وغريزة البقاء لديها غائبة تمامًا.
كانت كائنات مشوهة ومسحوقة الكرامة.
لم يعلم غارفيل كيف وصلت إلى هذه الحال، لكنه أدرك أمرًا واحدًا بغريزته: كان لا بد من تدميرها.
لم يكن ذلك بدافع الكراهية أو الاحتقار، بل كان إحساسًا قويًا بالواجب. كان يجب القضاء عليها.
«—»
وأثناء استمرار غارفيل في ذبح تلك أنصاف الوحوش بلا تردد، اصطدم به حضور قوي غامر. كانت هالة مدمرة مألوفة على الفور.
سقط عنفها على غارفيل كعاصفة. لم يكن لديه حتى الوقت لمحاولة التملص. انزلقت قدماه، وارتطم بالجدار الحجري خلفه. سعل دمًا وبصق أسنانًا محطمة.
استغل أحد الكائنات أنصاف الوحوش الفرصة واندفع نحوه ليطعنه بسيف حاد—
في اللحظة التالية، حول هجوم ذو الأذرع الثمانية ذلك الكائن إلى بقعة من الدماء على أرضية الحجارة.
«—»
حولت الكائنات أنصاف الوحوش تركيزها نحو كورغان، الذي وقف في صمت مطبق.
بإيماءة بسيطة من ذراعه، كمَن يزيح أغصانًا تعترض طريقه في الجبال، أطاح بالسرب الذي هجم عليه بأنيابه.
لم يكن في نيته إنقاذ غارفيل، ومع ذلك، فإن بقايا شرف المحارب التي ظلت محفورة في جسده لم تسمح بتدخل الكائنات أنصاف الوحوش بهذه الفجاجة.
هذه كانت معركة بين أسطورة الحرب والنمر المحارب.
ورغم ظهور عدو جديد، لم يتراجع أنصاف الوحوش، وظل المصير الدموي الذي ينتظرها على حاله.
«—غغاه!»
زأر غارفيل بينما لوح بمخالبه، لكن كورغان أوقفه باستخدام ثلاث من أذرعه اليسرى.
تشقق الرصيف الحجري أسفلهم بينما أمسكت مخالبه الأخرى بجذع كائن نصف وحش لا حول له.
«—»
كورغان ظل صامتًا، مغلفًا بهالة مرعبة، بينما وجه لكمة واحدة إلى بطن النمر، في الوقت الذي حطمت قبضاته السبع الأخرى رؤوس الكائنات الوحشية التي قفزت نحوه.
تناثرت الدماء، وتمزقت الأنسجة، وتحطمت العظام، وتوهجت الأرواح.
جلب غارفيل وكورغان الموت على أنصاف الوحوش، وحولا الساحة إلى مسرح للدمار والخراب.
لماذا أقاتل؟ لماذا أقاتل؟ لماذا تُراق الدماء هنا؟
أنامله، أنيابه، دمه، عينيه، حنجرته… ملأ كل تلك التساؤلات في جسده بأسره، وصبَّها في كل ضربة وجهها نحو عدوه. غمرت مشاعره بهجة غريزية، معلنة أن هذا هو المعنى الحقيقي للمعركة.
«—غغاه!»
قبضة ضخمة أمسكت برأسه وضربته بالجدار خلفه. تذبذبت رؤيته وبدأت تتلاشى من شدة الصدمة، لكنه قاوم بكل عضلة في جسده.
أذرع كورغان الأخرى أمسكت به وأحكمت قبضتها، ساحقة أطراف النمر بقوة لا تُصدق.
تردد صوت تهشم العظام وتمزق الأوتار بصوت مرعب، ومزقت صرخة رهيبة حنجرته.
الموت كان قريبًا. إذا لم يتحرر الآن، ستنتهي حياته.
«—!»
لثانية واحدة فقط، هدأ غارفيل العاصفة الهائجة داخله، مبددًا تلك الطاقة الهائلة.
الأذرع والساقان التي أمسك بها كورغان تقلصت فجأة— في الواقع، عادت ببساطة إلى هيئتها الأصلية، رغم أنها ظلت نحيلة وعضلية.
تساقط الفراء، وتقلص جسد غارفيل على نحو كبير.
لم تكن هذه الخدعة لتنجح مرة ثانية، لكن في تلك اللحظة القصيرة التي صنعها لنفسه، تمكن غارفيل من الإفلات من قبضة كورغان.
ثبت قدميه على الأرض بقوة، واستدعى كامل قوته المستمدة من بركة روح الأرض، مما تسبب في انتفاخ الأرض أسفل كورغان ورفع جسده نحو الأعلى.
«—»
بطبيعة الحال، لم تكن هذه الحيلة البسيطة لتخدع أسطورة الحرب. بقرار خاطف، حطم كورغان الأرض تحته. ارتفع للحظة في الهواء قبل أن يهبط.
ومع ذلك، حتى ولو للحظة عابرة، انفتح شق صغير في دفاعاته، ولم يفوِّت غارفيل الفرصة.
«أوووووووووه!»
خفض رأسه وهاجم خصر كورغان. تفاعل خصمه فورًا محاولًا سحبه بعيدًا، لكن قبل أن يتمكن من توقيفه، التصق غارفيل بجذع كورغان العريض وقذفه نحو الجدار خلفهم— نحو برج التحكم.
اصطدم كورغان بالجدار، محطمًا إياه، وسقط وسط البرج. كان نفس الجدار الذي سبق لكورغان أن ضرب رأس غارفيل عليه.
تسببت الهجمات المتكررة في اهتزاز البرج بشدة، وأطلقت الميتيا الضخمة، التي طالما أشرفت على بريستيلا، أنينًا مرعبًا.
لكن لم يكن هناك وقت للتفكير في ذلك. في أثر كورغان، اقتحم غارفيل برج التحكم. في ظلام المكان غير المضاء، تكيفت حدقتاه مع العتمة—
«—!»
—وتفادى بالكاد قبضة خرجت من الظلال، لتجرح وجنته.
واجه اللكمة التالية بقبضته، محاولًا صدها، لكن ذراعه نزفت بغزارة. عض على أسنانه متحملًا الألم. الأطراف التي كانت قد سُحقت أثناء هيئته النمرية لم تكن قد شُفيت بالكامل بعد.
باستخدام ذراعه اليمنى المكسورة لصد هجوم كورغان التالي، ركز قواه العلاجية على ذراعه اليسرى. عادت العظام لتلتحم، وتماسكت العضلات من جديد، وبمجرد أن شعر بالرضا عن الإسعاف الطارئ، حول تركيزه إلى ساقيه، ثم إلى بقية الجروح التي غطت جسده.
بالطبع، وبينما كان يفعل ذلك، لم تتوقف الإصابات الجديدة عن الانضمام إلى طابور الجروح الذي لا ينتهي. لكمة تتبعها أخرى، ركلة يتبعها رد مماثل. انفجرت سلسلة من الهجمات المتبادلة بينهما داخل برج بدا أصغر من أن يستوعب هذا القتال الوحشي.
كانت تبادلات الهجوم والدفاع مدمرة. وكما في الساحة، كانت هناك كائنات أنصاف وحوش متربصة داخل البرج، لكن لم يكن لديها أي فرصة لاختراق هذه العاصفة من الدمار.
بضرب الأرض والجدران، استخدم غارفيل كل زاوية في البرج للهجوم على كورغان من جميع الاتجاهات. وفي المقابل، ظل كورغان راسخًا في مكانه، مستخدمًا جسده المتصلب لصد المخالب والأنياب التي تطايرت نحوه، بينما رد بهجمات قوية وثابتة.
في مواجهة إحدى اللكمات، سدد غارفيل ركلة مضادة بقدمه، لكنه أُرسل طائرًا إلى الطوابق العلوية من البرج. اخترق السقف الحجري بعنف، واندفع إلى الطابق التالي، ليصل أخيرًا إلى قمة البرج.
«هذا هو…»
لقد وصل إلى المكان الذي انطلق نحوه منذ البداية.
دون أن يدرك أو يخطط لذلك، وصل إلى الهدف الذي كانت الخطة تهدف إليه. وكأن الحظ قد حالفه، لم يكن أسقف الشهوة، الذي احتاج إلى هزيمته، موجود في المكان.
بينما كان ينظر بدهشة، أدرك غارفيل أخيرًا ما يجري.
قديس السيف، والثمان أذرع، والكائنات أنصاف الوحوش التي ملأت البرج والساحة— كل ذلك ليس سوى تمويه.
لقد سخرت الشهوة من هجومهم المضاد، تاركة وراءها طُعمًا يُوحي بأنها ما زالت هناك. احترق قلب غارفيل من الغضب وهو يتذكر خبث الشهوة وبثها المشؤوم.
لقد هربت كابيلا من البرج، واختفت إلى مكان مجهول. ومن المؤكد أنها ستظهر في أسوأ مكان ممكن عندما يتطلع الجميع إلى انتصار كبير.
«مسخ…!»
شتم غارفيل وهو يمد يده إلى ردائه. لم يكن قد انحل أثناء تحوله أو خلال المعركة العنيفة، ولا تزال مرآة المحادثة محفوظة هناك.
عازمًا على تحذير مَن بقي في مبنى الحكومة، لمس سطح المرآة بإصبعه—
«—؟!»
ذراع خرجت من الأرض، أمسكت بساقه وبدأت تسحبه للأسفل.
ثبت نفسه على الأرضية الحجرية، لكنها بدأت تتشقق بالفعل، غير قادرة على الحفاظ على تماسكها. تحطمت الأرضية وسقطت، لتكشف عن عيني كورغان الخاليتين من الحياة.
اندفع غارفيل إلى الجانب بينما اصطدم رأسه بجدار البرج. سالت الدماء والدموع من رأسه بينما رفع ساقه بقوة هائلة.
هذه المرة، اصطدم كورغان بالجدار بصوت مدوٍ. وبحلول هذه اللحظة، كان البرج شبه مدمر.
وبينما استمر الاثنان في السقوط، لم يتوقفا عن توجيه الضربات إلى بعضهما البعض.
«—»
كان هناك فرق شاسع بين قوتهما وبين عدد الهجمات التي يمكن لكل منهما توجيهها. أي لكمة من قبضات أسطورة الحرب الثمانية كانت كفيلة بأن تكون قاتلة، ولم يتردد في معاقبة غارفيل بكل ضربة وجهها.
بين محارب بذراعين وآخر بثمانية أذرع، كان واضحًا مَن يملك اليد العليا. وجد غارفيل نفسه أمام خصم يتفوق عليه بمراحل، ومع كل لحظة كان يقترب من حافة الموت.
«أغهاااااااااه!»
صد إحدى الضربات بدرعه، وتفادى الأخرى بالقفز في الهواء لتجنب الثالثة. صد الضربة الرابعة ليخفف من قوتها، وقابل الخامسة بلكمة بكل ما يملك من قوة. السادسة حطمت فكه، لكنه تجنب أن تكون قاتلة، وقبض على عضلات بطنه لتحمل السابعة التي ضربت وسطه بعنف. أما الثامنة فقد أصابت وجهه مباشرة، مما جعله يشعر بالدوار.
«—آه…»
مع انتهاء عاصفة الهجمات الثمانية، وجد غارفيل نفسه مستلقيًا على الأرض.
كان يسعل دمًا، ورؤيته تتلاشى بين موجات الألم. وهو يكافح للتنفس، اعتمد على بركته، مستجمعًا القوة عبر ظهره لشفاء جروحه.
وقف كورغان متكئًا على أذرعه المطوية، يحدق في غارفيل من أعلى.
«—»
الأسطورة التي مضت، والهيئة غير البشرية التي تحولت إلى بطل، الرجل الذي أُطلق عليه لقب أسطورة الحرب.
في إمبراطورية فولاكيان، حيث القوة والقدرة هما المعيار الوحيد، كان سكان القبائل ذات الأذرع المتعددة موضع ازدراء واحتقار، يُنظر إليهم كفئة دونية. لكن محاربًا واحدًا غير مصير شعبه بأكمله بمفرده.
كان ذلك البطل الحقيقي الذي نظر إليه غارفيل بإعجاب.
بينما كان يسمع خفقات قلبه تضرب أذنيه، نهض غارفيل ببطء على قدميه.
«هاه… هاه…»
بين أنفاسه اللاهثة، عض على أسنانه وهو يلاحظ أن وضعية كورغان لم تتغير.
كم مرة تجاهل هذا المحارب الفرصة للقضاء عليه؟
لم يستخدم أبدا سيفي قواطع الشياطين المُغمدين على ظهره.
اشتعل غارفيل بالغضب، إذ شعر بالإهانة؛ كبرياؤه وثقته كمحارب تحطما.
لو كان بهذا القدر من الضعف، فإن الموت كان ليكون خيارًا أفضل.
في اللحظة التي راوده فيها هذا التفكير—
«كان الأمر ليكون أسهل… لو أنهيت الأمر فحسب.»
عاد لضبط دروعه، رافعًا ذراعيه المتشققتين، عارضًا أنيابه المكسورة، مستعدًا لما سيأتي.
كان لدى غارفيل الكثير من الأفكار المتناثرة. حتى الآن، لم يتوقف عن سماع العديد من الأصوات.
أصوات دافئة وودية. أصوات مألوفة ومريحة. أصوات جعلت قلبه ينقبض وحنجرته تحترق. أصوات جعلت عينيه تلينان فخرًا وأيقظت القوة بداخله.
كان يسمع تلك الأصوات تنادي باسمه.
«—غرر.»
عليَّ أن أذهب. يجب أن أصل إليه.
شعور قوي تردد في صدره. رسم غارفيل ابتسامة بينما تألقت عيناه.
«—»
لاحظ كورغان هذا التغير، وبدأ بالتحرك.
ببطء، أخرج أسطورة الحرب السيفين الضخمين على ظهره. كانت تلك قواطع الشياطين، المشهورة بقوتها التدميرية الهائلة.
رفع أسطورة الحرب سيفيه، وللمرة الأولى اتخذ وضعية قتالية حقيقية.
«إذًا هذا يعني أنك كنت تعاملني كطفل حتى الآن. أعتقد أن الشتاء قد مضى، وأبنجام غادر عشه.»
«—»
«…شكرًا لك.»
همس غارفيل ممتنًا لأسطورة الحرب الصامت.
لم يقل المزيد، ولم يفسر هذا الامتنان. لقد بدأت المعركة أخيرًا.
《٢》
ومضة من الشرر اشتعلت، كما لو أن الشفرات المضيئة تحت ضوء القمر كانت تشق الليل ذاته.
«هيااااه!»
دوى صراخ في ظلمة الليل بينما رسمت شفرتي شيطان السيف قوسًا من الموت.
ليس هناك أدنى لعب في تلك الضربات المتتالية التي لا تُحصى، كل واحدة منها بلغت ذروة فنون المبارزة، وعرضًا مذهلًا لتقنيات السيف التي قد تأسر قلوب ممارسي هذا الفن حتى لو كانوا في طريقهم نحو حتفهم.
«—»
أما السيف الطويل الذي واجه تلك العاصفة العنيفة من الهجمات، فقد كان في يد سيد يتجاوز مهارته نطاق البشر العاديين.
بيدين رشيقتين، استلت قديسة السيف سيفًا بطول جسدها، مستخدمة إياه كامتداد طبيعي لجسدها.
في هذه المواجهة التي اتسمت بالعنف والجمال، وقفت قديسة السيف حاجزًا أمام الموت ذاته.
توهجت شفراتهما في رقصة برية ومذهلة، مليئة بالجمال القاتل.
كانت اصطدامات الفولاذ المتتالية تُضفي إحساسًا غامضًا بالحزن، حيث بدت كل ضربة كأنها همسة حميمة بين عاشقين.
فعل مواجهة السيوف يعني سعي كل منهما لسلب حياة الآخر.
لكن في اللحظة التي تتشابك فيها الشفرات، ومع كل ضربة تنبع من القلب، تتدفق حرارة شديدة عبر الفولاذ، مخلِّفة شعورًا لا يمكن وصفه.
ليس هناك مكان لما هو زائد عن الحاجة. لم تكن هناك أي تشتيتات. كان كل شيء منصبًا في ملاحقة الآخر بعزيمة لا تتزعزع.
—لذلك، معركة السيوف تشبه الحب.
على الأقل، في تلك اللحظة الفريدة، كانت مغازلة من الفولاذ بين اثنين من أساتذة السيف، تضيئها أشعة القمر وشرارات شفراتهم المتصادمة.
«—»
في تلك المعركة التي بلغت أقصى حدود السيف، سعوا لاكتشاف أعماق أرواح بعضهم البعض. كانت مغازلة معقدة، ولكن الحب الذي جمع شيطان السيف وقديسة السيف قد صيغ بهذا النوع من الحدة ذاتها.
وهنا أنا، أتمنى لو أن هذا لا ينتهي أبدًا.
إذا لم يظهر منتصر، فلن تنتهي علاقتهما العابرة، ولن تُقطع هذه اللحظة المستحيلة.
«—نغغ!»
رغم أنه تصدى لطعنة خاطفة كانت لتخترق جمجمته، شعر
ويلهيلم بحرارة حارقة تتدفق من جبينه.
لم يكن لأي اضطراب، حتى لو دام أقل من رمشة عين، أن يمر دون عواقب في هذه المبارزة التي تجاوزت حدود قدرات الفانين.
تدفقت الدماء من الجرح الجديد، وتسللت عبر جفنه، مما أعاق رؤيته قليلًا.
انطلقت طعنة قديسة السيف التالية بسرعة جعلت الهواء نفسه يصرخ كأنه يبكي ألمًا.
كان الموت.
السيف الطويل يقترب من جذعه. يمكنه بالفعل تخيل موت مذل لا مفر منه، حيث تتناثر دماؤه وأحشاؤه دون مقاومة.
كانت تلك لتكون لحظاته الأخيرة على طريق السيف الذي سار عليه طوال حياته.
—لم يكن ليسمح بنهاية كهذه.
«أووووووووووووواااااه!!!»
بصرخة مدوية، رفض ويلهيلم المصير الدموي الذي مرَّ بخياله.
أحرق تلك الرؤية في نيران إرادته، شعر بدمائه تغلي.
تباطأ الوقت فجأة مع اشتداد تركيزه، ليختفي العالم بأسره ما عدا خصمه.
اختفت الأصوات، الألوان، وكل ما هو خارج هذه اللحظة.
اندفعت الشفرة المتقدمة متبعة المسار الذي تخيله، متجهة مباشرة نحو جذعه.
قبل أن تصل إليه، دفع نفسه عن الأرض بقوة هائلة، جعلت الحجارة المتصدعة تتناثر من تحت قدميه، واستدار في الهواء متجاوزًا الضربة القاتلة.
«—»
حتى قديسة السيف كانت تحتاج إلى لحظة لاستعادة توازنها بعد هجوم كامل القوة لم يصب هدفه.
وخلال تلك اللحظة، قفز شيطان السيف للخلف، متفحصًا الجرح في جانبه.
كان الجرح عميقًا، ونزيفه لن يتوقف بشكل طبيعي بسبب تأثير نعمة قديسة السيف.
الجروح التي يسببها مَن يمتلكون نعمة حاصد الأرواح ترفض الشفاء، ولا تنغلق أبدًا.
الإصابات المتراكمة تركت الضحايا ينزفون حتى يجف دمهم، إلى أن يستسلم الجسد تمامًا.
تلك كانت القوة التي جعلت من قديسة السيف، تيريزيا فان أستريا، الأقوى.
«…مَن كان ليظن أنني سأتمكن من القتال كل هذه المدة؟»
شيطان السيف -ويلهيلم- لف سترته حول خصره محاولًا وقف النزيف الجديد.
توقفت قديسة السيف عن الهجوم، ولم تحاول الضغط عليه أكثر.
وضع ويلهيلم يده على جرحه، موبخًا نفسه على أمله الخافت بأن يجد ذرة من المشاعر في عينيها الزرقاوين الفارغتين كدمية.
«لا أوهم نفسي بوجود فرصة لتوديع لائق، ولا أتوقع من السماء أن تكون سخية معي. سنحظى بمتسع من الوقت لنستمتع على الجانب الآخر. هذا ليس مكانًا للانغماس في أوهام عابرة. هذه هي الحقيقة.»
حدَّق في الجندي الميت الذي كان يستخدم التقنيات التي امتلكها في حياته.
الشعر الأحمر الطويل البراق، البشرة البيضاء الناعمة، والعينان الزرقاوان الجميلتان اللتان احتوتا السماء نفسها— إذا أغمض عينيه، اجتاحت ذهنه ذكريات دافئة لا حصر لها.
ذكريات لم يكن ليملَّ من استرجاعها.
والآن، كانت كل تلك الذكريات تقف أمامه حيث لا ينبغي لها أن تكون.
«أنتِ جميلة، تيريزيا. ولهذا السبب، يجب ألا تكوني هنا.»
وأمام نسخة من زوجته المفقودة، أعاد ويلهيلم اتخاذ وضعية القتال. بد سيفه أكثر حدة من أي وقت مضى.
غلى دمه من الغضب الذي لا يموت تجاه ذلك الشرير الذي تسبب في هذا كله.
لكن في تلك اللحظة الواحدة، ذلك الفاصل القصير، تلك المواجهة المنفردة، لم يكن بحاجة إلى أي تشتيت عابر.
استحضر كلمات صديقته القديمة، شريكته، زوجته:
«لا تدع غضبك يُضل سيفك. حتى لو غلى دمك. كن مثل الفولاذ المستقيم.»
«ماذا الآن؟ هل بدأت تفقد أعصابك؟»
«كلا، أنا بارد مثل برودة الفولاذ.»
دون أي إشارة مسبقة، اشتعلت شفراتهم مجددًا وهم يستأنفون مبارزة الموت.
دوى صدى الفولاذ المتصادم كأنه صرخة، تمني، واعتراف بالحب في آنٍ واحد.
كان الصوت أشبه برغبة في الوصول إلى خاتمة، لكنه في الوقت ذاته تمنى ألا تأتي النهاية أبدًا.
استمرت مبارزة شيطان السيف وقديسة السيف ترن في الأرجاء، كأنها كلمات حب هامسة.
《٣》
في تلك الأثناء، كان جوليوس جوكوليوس يُعرف بأنه أفضل فرسان لوغونيكا.
رغم أن كلماته وأفعاله كثيرًا ما أسيء فهمها، إلا أنه آمن إيمانًا راسخًا بأن الناس في جوهرهم طيبون.
اعتقد بصدق أن لكل شخص سببًا لما يفعله، وأن السبب الكامن وراء الأفعال السيئة غالبًا ما يكون مرتبطًا بالبيئة التي وقعت فيها.
لهذا، كان يتصور أن في كل فرد بذرة من الخير.
كان ذلك المثال الأعلى أشبه بحلمٍ طفولي يمكن وصفه بالسذاجة أو حتى الغفلة.
لطالما أقلق هذا الجانب من جوليوس أصدقاءه وعائلته، لكنهم في الوقت ذاته أحبوه بسببه.
وجوليوس، بدوره، بذل أقصى جهده لتلبية توقعاتهم والرد على مخاوفهم.
كان جوليوس شخصًا طيبًا. شخصًا أحب الناس وأحبَّه الناس.
ولهذا، بالنسبة له، كانت وجودياتٌ مثل أساقفة الخطيئة أمثال بيتيلجيوس رومانيه كونتي وأتباع الطائفة الآخرين الذين يرتكبون الشر دون أدنى ندم غير قابلة للتسامح.
كانوا أشرارًا يتحدُّون كل تفسير أو فهم.
بالنسبة لجوليوس، كانت طائفة الساحرة تمثل تهديدًا يزعزع جوهر عزيمته كفارس.
«إل كلوذيريا!»
استعار قوة الأرواح العظمى الست، فانفجر قوس قزح من الضوء من طرف سيفه.
في سعيه لحسم المعركة سريعًا، شن هجومًا على خطيئة الشراهة بلا أي تحفظ.
كانت الخيوط الستة المتشابكة من الضوء تركيبة سحرية طورها جوليوس بنفسه، مستوحاة من فكرةٍ حصل عليها من روزوال، الذي كان يعتبره أعظم ساحر في البلاط الملكي.
وقد صُقلت تلك التقنية إلى درجة تجعل الضوء الناتج عنها قادرًا على اختراق أي دفاع مهما كان نوعه— سواء في حالة كلاريستا التي تُضفي القوة على سيفه أو كلوذيريا التي تنطلق كأشعة مدمرة.
كان هذان السلاحان السريان سببًا رئيسيًا في أن يُعد جوليوس من أعظم فرسان المملكة.
وكان واضحًا لكل مَن رأى ذلك الشعاع المتألق أنه خطير، ومَن يظن بسذاجة أنه يمكن أن ينجو بعد تلقيه لن يعيش ليشعر بالندم.
بهذا الهجوم حاول جوليوس القضاء على خطئة الشراهة والتخلص من كل الشكوك التي ظلت تعصف به.
«ماذا؟!»
«… يا للعجب، لديك نقطة ضعف صغيرة، أخي العزيز. تميل إلى غض الطرف عن الأمور المزعجة.»
كانت خطيئة الشراهة، روي ألفارد، يبتسم ابتسامة ساخرة وهو ينحني للخلف، بالكاد متجنبًا الشعاع القاتل، ثم خاطب جوليوس بازدراء.
طارت أشعة الضوء بسرعة ودقة كأنها سهام خاطفة. وكان تجنبها يتطلب ردود فعل تضاهي تلك التي يتمتع بها راينهارد، أو—
«لقد كنا نراك قدوتنا، أخي. فلا عجب أننا نعرف السحر الذي عملت بجد لتطويره!»
بعد أن تفادى الهجوم وكأنه توقعه، قفز ألفارد في الهواء.
«بلاه، بلاه، بلاه، ثرثر كما تريد، لكنك ستضحك يا على الجانب الآخر!»
اندفع ريكاردو بسيفه نحو جسد رئيس الأساقفة الصغير كأنه طفل.
بمهارة مدهشة، أخرج ألفارد السيوف القصيرة من تحت أكمامه الطويلة، واعترض الهجوم ببراعة، مما أثار شرارات أثناء مرور سيف ريكاردو بالقرب منه ليشق الأرضية الحجرية.
كان رئيس أساقفة خطيئة الشراهة يبدو مستمتعًا بالمعركة، بينما لمع بريق سيوفه القصيرة وسط شظايا الحجارة المتناثرة.
«لحم الكلاب يحتاج إلى سيخ، أتعلم! للحم القوي والمفتول، يجب أن تطعن، تطعن، تطعن حتى يصبح طريًا، وسهل الأكل، وسهل الهضم، وسهل التحول إلى سماد مغذٍ! إنها دورة الحياة! آه، إنها جميلة جدًا، جدًا، جدًا! لا أستطيع أن أكتفي منها! أليس كذلك، ريكاردو؟!»
«أوه! غاه… واه؟!»
بينما كان ألفارد يثرثر، دار جسده الصغير في الهواء ووجه ضرباته إلى ريكاردو. نظرًا لحجمه الصغير، وجد ريكاردو نفسه في وضع غير ملائم تمامًا، إذ كان الحجم الأكبر ميزة لألفارد، وليس العكس.
رغم أن فرو ريكاردو الكثيف وعضلاته القوية قدما له بعض الحماية من السيوف، إلا أنه لم يكن بوسعه إنكار المأزق الذي وقع فيه.
وما زاد الطين بلة، أن هجمات ألفارد كانت عنيدة ودقيقة، بل ويمكن وصفها بالكمال غير المنطقي.
اتجهت الطعنات السريعة نحو أضعف مناطق فروه وأكثر أجزائه عرضة للإصابة، مما أدى إلى استنزاف قوته تدريجيًا. رؤية المحارب يتم التلاعب به بهذه الطريقة أصابت جوليوس بالذهول.
تلك المهارة ليس شيئًا يمكن تعلمه في حياة واحدة فقط.وكانت تلك تقنيةَ خبيرٍ حقيقي
.
«تراجع، ريكاردو! إري! ألو!»
تدخَّل جوليوس مجددًا وأعطى توجيهات جديدة لأرواحه. أحاطت روح النار إري وروح الرياح ألو سيفه، فانطلق ليهاجم ألفارد بضربة متوهجة من الجانب.
«هذا هو العمل الجماعي الذي كنا نتوقعه!»
«ماذ—؟! أغه—!»
لكن ألفارد رد بسهولة، موجِّهًا ركلة دقيقة إلى معدة جوليوس وكأن لديه عيونًا في ظهره.
تأوه جوليوس متألمًا وهو يطير بعيدًا، بينما تلقى ريكاردو ركلة على ذقنه من الأمام، وكأن ألفارد كان يسعى لوضع مسافة بينه وبينهما.
«رائع، رائع. الأمور أصبحت ممتعة الآن! أخي! وريكاردو! نحن نخوض معركةً رائعة ضد كليكما! إنه مشهد غير مسبوق! قمة جديدة! لا تُطال ولا تُفهم! عالم كنا قد تخلَّينا عنه! آه، هذا غير عادل، غير عادل، غير عادل!»
«… عن ماذا تهذي أيها القزم المخيف؟! طريقتك بالكلام، ما تقوله، وكل شيء يتعلق بك يثير الغيظ!»
رغم أنه ينزف بشدة، انفجر ريكاردو غضبًا أمام هراء ألفارد المتواصل. ولم يستطع جوليوس إلا أن يوافقه الرأي وهو يلتقط أنفاسه ويحاول استعادة توازنه.
كان هناك شيء ما في ثرثرة ألفارد يستفز جوليوس.
«كان الأمر نفسه خلال معركة مبنى الحكومة. في الواقع، أصبح أكثر غموضًا الآن، لكن هذا يعني فقط أنه علينا تجاهل محاولاتك للتلاعب بنا.»
«ومع ذلك، ريكاردو هو بالضبط ذلك الغبي الطيب الذي تجذبه الأمور الفضولية على نحوٍ مبالغ فيه، وأنت كذلك، أليس كذلك، أخي؟ نعرف الحقيقة!»
«—إذًا، احكم بنفسك!»
صفَّق ألفارد بشكل استفزازي بينما انطلق جوليوس منخفضًا إلى الأرض قبل أن يهجم.
«هيه! انتظر! لا تبدأ بدون أن أكون معك، جوليوس!»
«ابقَ بعيدًا ولا تفعل شيئًا متهورًا حتى يتوقف النزيف!»
بينما أمسك سيفه أمامه، أمر جوليوس روح الماء كوا بمعالجة ريكاردو، وأدى مهمات متعددة في وقت واحد.
تقدم جوليوس بسرعة وقوة أكبر من هجومه السابق—
«ها-ها-ها! هذا كل ما لديك… أوه؟!»
سخر ألفارد بينما تصدَّى بضربته بسيفه، لكن تعبيره تغيَّر عندما شعر بشيء غير متوقع.
في اللحظة التي اصطدمت فيها السيوف، مدَّ جوليوس ساقه ووجه ركلةً مباشرة إلى معدة ألفارد، انتقامًا للركلة السابقة.
كانت الضربة المباشرة كافية لتطيِّر ألفارد في الهواء. ارتطم الشرير بالأرض على أطرافه الأربع، مصدومًا وهو يحملق في جوليوس.
«وااااه! ماذا؟! ماذا كان ذلك للتو، أخي؟!»
«لقد أضفت طاقة الضوء إلى جسدي عبر روح إني وطاقة الظلام إلى سيفي عبر روح نيس. النتيجة هي مزيج من التعزيز الجسدي للضوء وتأثير الإضعاف للظلام. لم تشهد هذا من قبل، أليس كذلك؟»
«…هي-هي-هي، صحيح! إنه عبقرية العمل الشاق لفارس المملكة الأعظم! إنك تغمرنا بسحرٍ لا نزال نجهله!»
«—؟!»
احمرَّت وجنتا ألفارد بينما حدَّق في جوليوس بتعبير مفعم بالانبهار. تجمَّد جوليوس في مكانه بينما أسقط خصمه سيفيه القصيرين.
صدر صوت ارتطام عالٍ عندما لامسا الأرض، ثم انطلق كعب ألفارد الصغير ليشقَّ الأرضية الحجرية.
«—إكليبس.»
اختصر ألفارد المسافة بينهما في غمضة عين، ملتفًا بجسده ليضرب براحته الأمامية بقوة مرعبة.
بتلقائية، صدَّ جوليوس الضربة بذراعه اليسرى، لكن قوة الهجوم اخترقت دفاعه وضربت صدره.
«آهغ.»
كانت الخطوة الأمامية مع التفاف الورك كفيلة بنقل قوةٍ هائلة إلى الضربة التي وجَّهها ألفارد بكفِّه. اخترقت قوته جسد جوليوس الهزيل، مما تسبب في أضرار داخلية جعلته ينهار كليًا ويتطاير للخلف.
«هذه الضربة قتلت ثمانيةً وثمانين من الشبان الوسيمين… هل شعرتَ بها تتغلغل في نخاع عظامك، يا أخي؟»
لهث ألفارد بأنفاسٍ متقطعة، ملامحه ترتسم عليها ابتسامة غريبة مليئة بالحماس، وهو يشاهد جسد جوليوس يتدحرج بعيدًا. هرع ريكاردو للإمساك به، لكن—
«أوغ؟! ما هذا؟!»
تأوه ريكاردو بينما استجمع كل قوته في ساقيه، بالكاد يتمكن من إيقاف جسد جوليوس المتطاير. ضرب ظهره بقوة، مما أجبره على السعال وإخراج الدم المتجلط الذي ملأ حلقه ورئتيه.
«غاه… أك!»
«يا روح! انساني واعتنِ بجوليوس! لا تتهاون!»
استدعى نداء ريكاردو المستميت ضوءًا أزرق أحاط بجسد جوليوس، مشيرًا إلى أن عملية الشفاء قد بدأت. وقف ريكاردو أمام صديقه المُنهك، رفع سيفه واستعدَّ لمواجهة ألفارد مرة أخرى.
«أنت…»
«مرحبًا بعودتك! هل تريد وجبة خفيفة؟ أم مقبِّلات؟ أم أنك… العشاء؟»
ابتسم ألفارد ابتسامةً زاحفة وهو يرفع يديه، مما جعل جسد ريكاردو يقشعر.
وقف ألفارد في وضعية ظهره إلى القناة المائية، بينما بدأت المياه خلفه تتلاطم، لترتفع من السطح مثل عنق تنين مائي.
«ها-ها-ها.»
«أسلحة، فنون قتالية، والآن سحر؟ …ما الذي تكونه بحق؟»
«نحن مجرد ساحر بائس، تافه، ومجهول. منبوذ اجتماعي لا يحظى حتى بحب عائلته. أليس هذا هو الوصف؟»
ضحك ألفارد بينما أخذ السيل السحري شكل أنيابٍ تهدد ريكاردو.
كانت مجرد كتلة من المياه المستمدة من القناة، لكن قوتها وحجمها كانا كافيين لسحق جسد شخصٍ وتمزيقه. في تلك اللحظة، كان جوليوس خلف ريكاردو، مما جعل الهروب خيارًا مستحيلًا.
لم يكن أمام ريكاردو خيارٌ سوى أن يُهيِّئ نفسه لتلقي الصدمة.
«وا-ها!»
غرس سيفه الكبير في الأرض وثبَّت قدميه بينما كان يصرخ متحديًا.
الهجوم الصوتي الذي استخدمته ميمي وإخوتها معًا كان في الأصل تقنيةً من اختراع ريكاردو. كان هو مبتكرها، وعلى عكس الإخوة، كان قادرًا على تنفيذها بمفرده. لم تكن أضعف من تقنيتهم، بل ربما كانت أقوى، لكنه تحمل العبء وحده دون أن يشاركه أحد.
تمسَّك بالسيف بينما كان جسده يئن تحت الضغط، صامدًا في وجه الطوفان بصيحته المدمرة.
«واااو، كان ذلك مذهلًا.»
تلاشى رد ألفارد المذهول بينما تبددت المياه الضخمة في ستارٍ ثقيل من الضباب. مع زوال الزخم القاتل، تحولت الكتلة إلى أمطارٍ خفيفة تساقطت فوق الساحة، بينما كان ريكاردو راكعًا وسط بركة من الماء.
سال الدم من زاوية فمه الممزق بينما كان يلهث بصعوبة.
«لم أشعر بهذا الألم… أوغ… منذ فترة، أيها الوغد الصغير.»
«واو، واو، واو! مرت فترة طويلة منذ أن نجا أحدٌ من ذلك! لا نستطيع حتى تذكُّر آخر مرة حدث فيها هذا! رائع، رائع، رائع، رائع، رائع، رائع، رائع!»
«هذا يكفي من ثرثرتك.»
تقدَّم جوليوس ليقف بجوار ريكاردو المُنهك. بدا هادئًا ومتعافيًا وهو يقطع هذيان ألفارد. أظهرت ملامحه شاحبة، وملابسه الملطخة بالدماء آثار معركته القاسية. أنفاسه كانت شبه منتظمة، ولا يمكن لأي أحدٍ أن يزعم أنه بكامل قوته. لكن—
«يبدو أنني حمَّلتك عبئًا مزعجًا للغاية، ريكاردو.»
«أجل، أنت محق. تأكد من أن تخبر سيدتنا كم بذلت من جهدٍ حين ننتهي هنا. سأحتاج إلى تعويض إضافي عن كل هذا.»
«في هذا الأمر، يمكنك أن تطمئن؛ صوتي هو صوتك.»
أحكم جوليوس قبضته على سيف الفارس الذي يحمله، وربَّت على كتف ريكاردو قبل أن يعيد نظره نحو ألفارد. لاحظ الأخير ذلك، وابتسم ابتسامةً ملتوية، وقد تراقص بريقٌ شاذ في عينيه.
تعابيره، كلماته، أسلوبه في القتال— كل شيء فيه كان مثيرًا للاضطراب إلى أبعد حد. وكأنما جمع هذا المجرم أجزاء شخصيته من شظايا متناثرة. أو ربما كان هذا هو طابع الظلام الذي استحوذ على رئيس أساقفة الشراهة.
«لماذا تغرق نفسك في الشر رغم أنك قد أتقنت السيف، والفنون القتالية، وحتى السحر؟ مع كل هذه القوة، ألم يكن بوسعك أن تجد طريقًا آخر؟»
«أوه، هل حان وقت المشورة الآن؟ طريقٌ آخر؟ أخبرنا إذًا، أي نوع من الطرق تتخيله يا أخي؟»
كان سماع ألفارد يناديه بأخي مرارًا وتكرارًا يثير قشعريرة جوليوس.
كانت هذه الكلمة تكتسب دلالةً أعمق وأشد ظلامًا مع كل مرة يكررها ألفارد، بنبرةٍ متزلفة ونظرة تتسلل على جسد الفارس كما لو كانت لسانًا فاضحًا. تصرفاته المفرطة في التودد جعلت الموقف أكثر غرابة.
—لا أملك أي أقارب قد يخاطبونني بهذه الطريقة.
«ربما فارس. ربما مرتزق. وربما حتى بطل. القوة بلا قناعة يمكن أن يفسدها الشر بسهولة. والقوة غير المنضبطة قد تقود إلى العنف الأعمى. ولهذا السبب—»
«كنا واثقين أنك ستقول ذلك! كنا نعلم أنك ستقول ذلك، يا أخي! الأخ الأكبر الذي نعرفه، الأخ الأكبر الذي نؤمن به، كان سيقول هذا بالتأكيد!»
دون سابق إنذار، قاطع ألفارد حديث جوليوس وانقضَّ عليه.
رفع جوليوس سيفه فورًا ليصد الركلة القادمة، لكنه شعر بارتدادٍ صلب، وكأن نعل حذاء الخصم يحتوي على صفيحة معدنية، مما حال دون قطع السيف له.
دار ألفارد في الهواء، وأطلق سلسلةً من الركلات العنيفة، مما وضع جوليوس في وضعية الدفاع الكامل.
«هل تتذكر حين كنا أطفالًا؟ كنا ضعفاء، يا أخي، وفي يومٍ مرضنا فيه بشدة طلبنا منك تفاحة من الشجرة في الفناء، أليس كذلك؟!»
كان حديث ألفارد غير مفهوم، لكن صوته اقترب من نبرة البكاء.
بينما كان جوليوس يصد السيل المتواصل من الهجمات بسيفه، انعقد حاجباه من سلوك الشراهة المنفر. ما الذي يهدف إليه؟ ماذا يحاول أن يحقق؟ هل كان يخطط لاستخدام قصة مختلقة كوسيلة لإلهائه؟
أو ربما كان خط التفكير هذا جزءًا من حبائل مؤامرة الشراهة؟
«كنا صغارًا، وقلت إنك لا تستطيع أن تفعل ذلك! هل تتذكر؟ لا أعتقد أنك تتذكر. ولكن كلما قلت لا، زاد اشتياقنا للتفاحة! هل تعرف لماذا؟ بالطبع لا تعرف!»
«ما الذي… ما الذي تهذي به؟! لا… لا أتذكر أي شيء من هذا القبيل!»
صرخ جوليوس بغضب، مدافعًا عن نفسه ضد الهجوم الشامل لألفارد، الذي أتي من كل اتجاه بدأت ذراعه تفقد الإحساس، وكل ضربة كان يشعر بها في جسده الذي لم يتعافَ بعد من إصاباته السابقة. سرعان ما تذوَّق الحديد في فمه، لكن لم يكن ذلك نتيجة سعال الدم— بل لأنه عضَّ شفتيه بشدة. تصاعد إحساسٌ غريب داخله.
لسببٍ غير مفهوم… لم يستطع تجاهل أوهام ألفارد الجامحة.
«ذلك بسبب ما حدث لاحقًا أننا—أنك—!»
«نغه!»
«دائمًا، دائمًا كنا نفكر في ذلك! دائمًا شعرنا به! نحن مختلفون! نحن مجرد عبء! وماذا في ذلك؟! ماذا عن الآن؟! نشعر بشعورٍ رائع! هل كان هذا هو شعورك؟! أراهن أنه كان شعورًا مذهلًا! الآن فقط نفهم!»
«أنا لا أفهم أي شيء عنك!»
انفجر جوليوس غضبًا من ثرثرة ألفارد المستمرة. أسقط موقفه الدفاعي واندفع للهجوم. بضرباتٍ متتالية من السيف والركلات، ضغط على ألفارد الذي بدأ موقفه ينهار.
كانت ضرباته مشبعة بغضب وعداء لا يمكن وصفهما، ولا يعرف مصدرهما. مزَّق جوليوس بعضًا من خصلات شعر ألفارد الطويلة عندما تباطأ الأخير قليلًا، لكنه ارتكب خطأً كبيرًا بالتركيز فقط على مراقبة السيف.
«براعم!»
استجابةً لنداء جوليوس، أضاءت الأرواح المرتبطة به وهجًا ساحرًا.
غطَّى اللمعان الجميل لستة أشباه أرواح جسد جوليوس، الذي استغلَّ قوتها ليغلف نصل سيفه بالنور بهدف تدمير خصمه. كان هذا هو السيف القوس قزحي المغمور بكل العناصر السحرية الستة— نفس الهجوم الذي هزم به رئيس أساقفة الكسل.
«هذه هي النهاية!»
متيقنًا من انتصاره، اندفع جوليوس نحو ألفارد. بكل ثقته، وجه طعنة مباشرة نحو صدر ألفارد-ج
«الضربة النهائية.»
جمع ألفارد يديه السوداوين معًا أمامه مباشرة، ليقبض على حافة سيف جوليوس ويحطمه إلى شظايا.
تحطم الفولاذ، وفقدت الطعنة المميتة كل زخمها.
لكن شعاع الضوء المتعدد الألوان واصل تقدمه نحو العدو.
«ساحر الشفق.»
انبثق وهج سحري خلف ألفارد، ليبتلع الشعاع بالكامل. اعترضته تعويذة من نفس اللون تمامًا، مما أدى إلى إلغاء الاثنين تمامًا.
وفوق ذلك، ومع فقدان وسيلة الهجوم، اتسعت عينا جوليوس في ذهول.
«الأفعى ذات النصلين.»
بمهارة، استخدم ألفارد أصابع قدميه ليركل السيفين القصيرين اللذين ألقاهما سابقًا. كان ذلك جزءًا من خطته طوال الوقت؛ التظاهر بأن هجوم جوليوس العنيف قد دفعه للتراجع، ليقودهما إلى المكان الذي ألقيت فيه السيوف على الأرض.
التقط ألفارد النصلين الدوَّارين بكلتا يديه، واندفع نحو جوليوس بسرعة البرق.
هاجمت عاصفة من الضربات جوليوس، الذي رفع سيفه المكسور على الفور في محاولةٍ للدفاع.
—وكأن كل الأيام التي قضاها جوليوس في التدريب، وكل الجهد الذي بذله كفارس، وكل ما بناه في حياته، قد تحطم في لحظة واحدة.
«—أحضرت لنا التفاحة، يا أخي. لهذا كرهناك.»
مع صوت تمزيقٍ حاد، قُطعت ذراع عند المرفق، لتطير في الهواء قبل أن تسقط على الأرض بصوت مكتوم.
////
حسابنا بتويتر @ReZeroAR
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.