2 - ضحية الإقليم.
ضحية الإقليم
«كنتِ جزءًا من المشكلة أيضًا، سيدة أناستاشيا؛ لذا حاولي أن تأخذي الأمر بجدية أكثر، من فضلـ—»
《١》
حركت الفتاة رأسها نحو الرجل ذو الذراع الواحدة الذي هاجمها وهو يحمل سيفه على أهبة الاستعداد.
مالت رأسها ببراءة، حملت في مظهرها جمالًا ملائكيًا يفيض برقة الزهور. بشرتها البيضاء الناصعة بدت ناعمة كالحليب، وأطرافها الرشيقة كانت أنيقة حتى أطراف أظافرها. شعرها الأشقر المتلألئ كالذهب وعيناها الحمراوان كالياقوت أسرتا الأنظار. أما بشرتها المكشوفة بفعل ملابسها القليلة ونظراتها المغرية، فقد كانت كافية لإغواء الرجال رغم إدراكهم أنها مجرد فخ.
تشققت جمجمة الذئب وسالت منها كميات هائلة من الدماء، مما أدى إلى ترنح كابيلا المرتبطة به. استغل آل تلك اللحظة وانقض عليها بضربة شرسة.
ومع ذلك—
«كي-ها-ها-ها! هذا مثير جدًا للسخرية، أيها الفتى اللحمي! ’ليس قبل أن أموت، بل قبل أن تفعل أنت؟‘ من أين سرقت هذه الجملة؟ سأموت من الضحك!»
اكتفت كابيلا بهز كتفيها بينما كرر آل تحذيره بشأن احتمال قتلها. عندما تخلل صوته بعض التردد، تابعت بنبرة هازئة:
صوت ضحكاتها الحادة كان كافيًا لتحويلها إلى تجسيد للجمال… لولا أن نصف وجهها كان محطمًا وعينها على وشك الخروج من محجرها.
كانت جرذانًا صغيرة بحجم كف اليد، طبيعية تمامًا لا يثير وجود أي منها قلقًا. لكن المئات منها كانت تتلوى في الظلام، تتحرك كتيار هائج.
تنهد آل بأسى بعدما باءت خطته بالفشل، بينما بدأت رأس كابيلا تنهض من جديد.
كانت تتلوى تقريبًا على الأرض من شدة الضحك بينما اهتز وجهها نصف المدمر وهو يعيد تكوين نفسه مع صوت غرغرة غريب. توقف النزيف، وعادت الأوتار والعضلات لتتشابك معًا بينما تعافت ملامح وجهها على نحو مذهل.
تحرك عنقها المبتور بغرابة، وكأنما إشارة لفيضان اللحم الأسود الذي تدفق منه. سرعان ما تشكلت منصة من هذا اللحم تحت رأسها؛ لتُبني عليها جذعًا وأطرافًا، ثم تحولت هذه الكتلة المتلويَّة تدريجيًا إلى بشرة شاحبة، لتستعيد كابيلا شكلها الأصلي كاملًا.
انطلق ضحكها الحاد، المثير للاشمئزاز، ليملأ الليل المضاء بضوء القمر.
ذلك التجدد غير الطبيعي—لا، ذلك التحول نفسه كان إحدى قدرات رئيسة أساقفة الشهوة.
«—ما هذا؟ هل فاتتني معركة حياة أو موت من دوني؟»
«هذا مشهد مقزز حقًا. لم أكن يومًا من محبي الأمور الدامية. أنا من النوع الذي يبهت عندما يرى الدماء. تفهمين ما أعنيه؟»
وفي أثناء حديثها، راحت تغير لون شعرها بسرعة: أسود، بني، أخضر، أزرق، حتى وصلت إلى اللون الأحمر، ثم انتقلت إلى اللون البرتقالي.
«الرجل الذي يهين امرأة فور لقائها ولا يعرف كيف يحسن أسلوب كلامه لن يكون يومًا محبوبًا من الفتيات. محاولة جيدة أن تتظاهر بالكوميديا لتجعلني أخفض حذري. وماذا تنوي أن تفعل بتلك القطعة الكبيرة الطويلة في يدك؟!»
«لا ينبغي لسيدة أن تبدأ بالنكات الوقحة بهذه السرعة. ذلك يفسد الأجواء.»
عند سماع ذلك، رفعت الفتاة، كابيلا، حاجبًا باستغراب. أعادت ملامح وجهها المُعاد تشكيلها إلى جمالها الساحر، عاكسًا تناقضها التام مع دواخلها.
بينما يعلو صدره ويهبط، أعلن آل انتصاره على البقايا المشوهة بلهجة منتصرة. لم يكن هناك داعٍ للقول، لكن لا يوجد مخلوق بشري يمكنه البقاء على قيد الحياة بعد هذا الكم من التمزق. صدى إعلان آل تردد في المكان دون إجابة—
رآها آل من طرف عينه وهو يواصل الجري، يصر على أسنانه بقوة مدركًا أنه لا يستطيع مطاردتها. لم يتبقَّ سوى شعور بالهزيمة، سرعان ما استبدلته موجة كاسحة من القلق وهو يواصل الهروب.
ثم، وبالتواء وجهها الظريف مجددًا، ضحكت كابيلا بصوت عالٍ.
«وربما الشهوة لن تكتفي بدفنها تحت ذلك المبنى أيضًا! لا وقت لدينا لنضيعَه في هذا الهراء!»
«كي-ها-ها-ها! ماذا؟ تبدو كعذري حقيقي! هل لديك حقل زهور فارغ جميل تحتفظ به في رأسك؟ كيااا، أريد فقط أن أسحق كل شيء فيك وأدوس عليه وأفسده تمامًا!»
«لا تجبريني على تكرار نفسي. لست في مزاج جيد اليوم. بصراحة، لا أشعر بالرغبة في فعل ذلك الآن.»
بصق الرجل ذو الخوذة الحديدية، آل، كلماته بحدة ردًا على أسلوب كابيلا المستفز.
انفجر فيريس، غير قادر على مجاراة تسارع الأحداث. اندفع بينهما مباشرة، دافعًا صدره المسطح نحو حافة سيف آل.
ضيقت كابيلا عينيها بينما رفض آل مجاراتها واستمر في التصرف وكأنه لا يرغب حقًا في التواجد هناك. كان موقفه مختلفًا تمامًا عن المجموعة التي أوقعتها في الفخ وأسقطتها من الطابق العلوي.
«—أغها! أيها القذر الخائن الحقير!»
«مـ-مَن تكونين أنتِ؟! ما…؟!»
«ما الأمر؟ ’لا أريد فعل ذلك، لكن لا يمكنني التراجع؟‘ يبدو متناقضًا جدًا، أليس كذلك؟ مَن تظن أن السبب في هذه المشكلة الممتعة بيننا؟»
«هل هذا ما تسمينه؟ ثم إن هذا وكل شيء آخر هو خطؤك بالكامل.»
انفجر فيريس، غير قادر على مجاراة تسارع الأحداث. اندفع بينهما مباشرة، دافعًا صدره المسطح نحو حافة سيف آل.
«ربما كنا السبب الأول. لكن هل هذا كل شيء حقًا؟ هل كل ما حدث هنا هو خطأنا بالكامل؟ أترى أن كل ما جرى في هذه المدينة يقع على عاتقنا؟»
«أعتقد أن وجهي ليس في حالٍ مناسب ليُعرض أمام الآخرين الآن».
بصراحة، لو كانت هنا فقط لقتلهم، لكان ذلك أهون. لكن الأسوأ على الإطلاق أن تغيِّرهم كما فعلت مع الضحايا الآخرين في البرج.
رفعت كابيلا يديها مكونة إطارًا بأصابعها وأغمضت عينًا بينما كانت تنظر إلى آل عبر الإطار. ظل آل صامتًا بينما قابل نظرتها الحمراء كالدم.
«أوه، أووووه، دونا!»
ضحية الإقليم
بعد أن حبس أنفاسه لفترة طويلة، زفر أخيرًا.
هبط صوت آل إلى نبرة منخفضة مفعمة بالتحذير، فيما اختفى كل أثر للتعبير عن وجه أناستاشيا. ساد جو خطير بين الاثنين، يوشك على الانفجار—
«… تحاولين قول شيء؟»
شعر آل بالضيق، وكأنها تعمدت إزعاجه بهذه الحركة.
«ليس تمامًا. الأمر فقط أن هناك ذلك الأحمق الذي يواصل القيام بأكثر الأمور إزعاجًا، صحيح؟ وكنت أفكر منذ وقت طويل في مَن يكون ذلك الوغد حقًا. هذا كل شيء.»
«كيف؟ حسنًا…»
«هذا مشهد مقزز حقًا. لم أكن يومًا من محبي الأمور الدامية. أنا من النوع الذي يبهت عندما يرى الدماء. تفهمين ما أعنيه؟»
«…»
انفجر فيريس، غير قادر على مجاراة تسارع الأحداث. اندفع بينهما مباشرة، دافعًا صدره المسطح نحو حافة سيف آل.
«صحيح! على سبيل المثال، مَن هو الأحمق الذي فتح بوابة المياه وغمر نصف المدينة قبل ساعات؟ ألا يزعجك ذلك؟ ألا يبقيك مستيقظًا طوال الليل؟»
«لا ينبغي لسيدة أن تبدأ بالنكات الوقحة بهذه السرعة. ذلك يفسد الأجواء.»
بسطت كابيلا ذراعيها على اتساعهما، مع ابتسامة أشبه بزهرة سامة على وجهها. رؤية سخريتها وازدرائها جعلت آل يفرقع عنقه.
—أصوات رطبة مختلطة بصوت ارتطام المعدن بالجدران، بينما أحاطت بهم مخلوقات وحشية.
بينما رفعت كابيلا عينيها نحو الانهيار الذي يندفع نحوها، قفز آل عبر صدع في الجدار باتجاه صوت الماء القادم من الجهة الأخرى— نحو المجاري التي تتدفق تحت الأرض.
«آه. لا أستطيع القول إنني أعرف عما تتحدثين.»
«أوبس ليس الشعر الذهبي؟ هذا الأكثر شيوعًا في لوغونيكا، ولكن… حسنًا. في هذه الحالة، لنحاول اللون الأحمر… لا، بل البرتقالي.»
هذه المرة، اندفع جسد ثعبان ضخم باتجاهه من زاوية عمياء أثناء تدحرجه على الأرض. ومع ذلك، استطاع آل تجنب الهجوم بقفزة للخلف، وأمسك فور هبوطه بفكَّي الذئب بسيفه الحاد.
«هه، تتظاهر بالغباء؟ لا داعي للتكتم معي. يمكن أن يكون سرًا بيننا. لن أخبر أصدقاءك. إلى جانب ذلك، لو لم يحدث ذلك، لكانت هذه القصة قد انتهت بالفعل؛ لذا لن يكون لديهم مبرر ليلوموك.»
قهقهت كابيلا بينما تابعت:
«—ما هذا؟ هل فاتتني معركة حياة أو موت من دوني؟»
«أم أن الأمر سيكون مزعجًا لو اكتشفوا أنك تسللت وتصرفت في الظلال؟ أوه نعم، وعلى نحو غير ذي صلة تمامًا، بقايا الساحرة التي أرغب فيها! كل الحمقى الذين يعرفون مكانها بدأوا بالتساقط واحدًا تلو الآخر بسبب طرف ثالث غير مرتبط تمامًا.»
«—لكن، إن كان هذا كذبًا لخداعي، فلن أسامحك.»
«… أشعر بالأسف لخسارتهم. في مثل هذه الفوضى، يمكن أن تحدث أمور مؤسفة.»
«…»
«كي-ها!»
«إن كنت تصر.»
غطت كابيلا فمها بحركة بدت وكأنها تعبير عن فرح حقيقي بعد سماع رد آل البارد. تسللت نظرتها عبر جلده بينما تنهد وضرب الأرض الباردة بصندله.
«أنتِ من هذا النوع، هاه؟ أنتِ مختلفة تمامًا عن بقية رؤساء الأساقفة الذين أعرفهم.»
لكن ليس هناك أحد ليشهد على هذا المشهد الغريب، غير المسبوق، حيث ابتلع الركام والأتربة كابيلا وأخفاها تمامًا تحت الأطنان المنهارة من الأرض.
«أوه؟ أتُدرك أحد تلك الحثالات عديمة الجدوى؟ تلك الخنزيرة الغارقة في الأحقاد؟ أو ذلك البائس عديم الكفاءة؟ أو ذاك الوجه الطفولي الجائع الذي يفتقد تمامًا لأي شخصية؟ أم أنك تتحدث عن الروح المضللة الغارقة في أوهامها؟! لا أحد منهم يستحق الوقت أو الجهد! ألم يحذِّرك والداك يومًا من سوء اختيار الأصدقاء؟!»
«لا تكن بهذا البرود. أخبرني، ما الذي لا يعجبك فيَّ؟»
«—غــرر.»
«… للأسف، أنا كنت ذلك الذي يحذر الأهل أطفالهم من الاقتراب منه.»
«كيا-ها! أرى ذلك واضحًا! ولكن، عليك أن تعلم أن حبي السامي يمكنه أن يحتضن حتى أمثالك. ما رأيك في أن تُظهر لي وجهك وتأخذني معك إلى السرير؟!»
ضحية الإقليم
على الرغم من كل محاولات الرفض التي أظهرها آل، ظلَّت كابيلا متمسكة بفكرة حب متطرف وغير متبادل، مُصرَّة على أن تنال قبولًا حتى لو كان مجرد وهم. ومع ذلك، لم يكن أحد ليُطلق على هذا الهوس الأناني حبًا حقيقيًا.
وبطبيعة الحال، جاء رد آل على تلك المحاولات غير الإنسانية برفع سيفه وقال:
ثم، وبالتواء وجهها الظريف مجددًا، ضحكت كابيلا بصوت عالٍ.
«عذرًا، أقدِّر المبادرة، لكن علاقتنا لم تصل بعد إلى هذا الحد، وسيكون من المحرج لو انتشرت شائعات بين أصدقائي؛ لذا سأضطر إلى رفض عرضك.»
انفجرت جثتها بعنف، متناثرةً إلى أشلاء. أطرافها تطايرت بينما امتلأت جدران السرداب بأحشائها الوردية ودمائها الحمراء الزاهية.
«ما ألطفك! تهتم بما قد يظنه الآخرون. لا أمانع إن كنت من النوع الذي يُحب أن تتسلط عليه امرأة. لا بأس بالقليل من المازوخية.»
«هاه؟ عما تتحدثين؟»
«كما قلت. انتهيت الآن. ببساطة، فعلت كل ما رغبت بفعله. لقد سجلت وجوهكم الصغيرة اللطيفة في ذاكرتي أيضًا. والأهم من ذلك—»
«تجاهل كامل لأي شخص أو شيء من حولها، نظرة قاسية، جسد متناسق مغرٍ، مع شعور بأنها قد تنفجر غضبًا في أي لحظة. طويلة القامة نسبيًا مع جرأة في الكشف عن أجزاء من جسدها، متقلبة المزاج وكثيرة الحديث لكنها ذكية. تعتمد عليك ولكنها تبقيك على مسافة. هذه النقاط بالذات مهمة جدًا، أليس كذلك؟!»
وأثناء حديثها، بدأ جسد كابيلا يتحول ويتبدل أمام عيني آل. أطرافها تطول، وملابسها تتحول إلى فستان يكشف عن أكتافها وظهرها وأجزاء كبيرة من صدرها. وجهها أصبح مشرقًا بثقة لا تهتز، وعيناها امتلأتا بوميض من الحكمة الراسخة. امتدت خصلات شعرها الذهبي الطويلة على ظهرها، ليظهر أمام آل امرأة فاتنة بجمال استثنائي.
«بام بادا بام! كابيلا تعود إلى الساحة من جديد!»
لم تكن تلك الهيئة لأحدٍ من المدينة، لكنها بدت مألوفة بالنسبة له—
«أوبس ليس الشعر الذهبي؟ هذا الأكثر شيوعًا في لوغونيكا، ولكن… حسنًا. في هذه الحالة، لنحاول اللون الأحمر… لا، بل البرتقالي.»
وفي أثناء حديثها، راحت تغير لون شعرها بسرعة: أسود، بني، أخضر، أزرق، حتى وصلت إلى اللون الأحمر، ثم انتقلت إلى اللون البرتقالي.
«أعجبك؟ لو كان لدينا طفل صغير وظريف، ربما يمتلك القدرة ذاتها. آه، لكن لا، هذا لن ينجح أبدًا. حبك ملك لي أنا وحدي. قد أموت من الغيرة إن أحببتَ أي شخص غيري.»
«لأنك فعلت شيئًا ما كان يجب على أناستاشيا هوشين أن تكون قادرة على فعله. ما الذي تخططين له بحق؟»
ومع هذا التغيير الدقيق، بدا أن الصورة التي عكستها اقتربت للغاية من شخصية مألوفة لآل.
«هذا الكتاب مجرد أداة لاتخاذ القرارات. لا يزال لديَّ الحرية لاختيار طريقي. لذا مشاعري تجاهكم، أيها الحمقى الأعزاء، حقيقية. لا تسيئوا فهمي. هذا هو الحب النقي.»
«تش، هذا انطباع بشع. أين حصلت على فرصة لرؤية الأميرة؟»
«هل أنت غبي؟ لا تخلط بين الأوهام والأمل وأنت تعلم الحقيقة. دمي التنيني مشكلة مختلفة تمامًا! حتى لو قتلتني، لن يختفي ذلك الدم ببساطة!»
«لم أرها أو أتعرف عليها من قبل. كل ما في الأمر أنني خمنت نوع الوجه والجسد الذي يناسب ذوقك بناءً على ردود أفعالك. أليس من الطبيعي أن تسعى امرأة مخلصة لتلبية تفضيلات شريكها؟»
«… وأنتِ آخر مَن يحق له التحدث عن ذلك، سيدة أناستاشيا، وأنتِ تواصلين الادعاء بأنكِ لا تجيدين القتال.»
كان ذلك مزيجًا من الشفقة والتعاطف والحزن، حزنٌ على وجود تلك الوحوش النصفية.
«ردود أفعالي؟ تبا لكِ، أنتِ لا تستطيعين حتى رؤية وجهي—»
لكن ليس هناك أحد ليشهد على هذا المشهد الغريب، غير المسبوق، حيث ابتلع الركام والأتربة كابيلا وأخفاها تمامًا تحت الأطنان المنهارة من الأرض.
«صوتك، إيماءاتك، التوقفات في حديثك، اتجاه نظرك بناءً على زاوية عنقك، وسلوكك. شخصيتك، طبيعتك، وتفضيلاتك التي تسربت من خلال حديثنا.»
التفت ليجد فيريس يطل من زقاق قريب. أذناه القططيتان المطويتان وشعره وملابسه الفوضوية، بالإضافة إلى علامات المعركة على وجهه، كانت دليلًا على ما مر به.
عند سماع ذلك، رفعت الفتاة، كابيلا، حاجبًا باستغراب. أعادت ملامح وجهها المُعاد تشكيلها إلى جمالها الساحر، عاكسًا تناقضها التام مع دواخلها.
قاطعت كابيلا حديث آل بهدوء، بينما ظلَّ صامتًا مجبرًا على مواجهة نظراتها المتحولة ذات العيون القرمزية.
«أبذل نفسي بالكامل، دون أن أغفل عن أي تفصيل صغير أو أتهاون في أي جهد. أفعل كل هذا من أجلك؛ لذا انظر إليَّ. إليَّ فقط. لا تنظر إلى أي أحد آخر. وجهي، جسدي، صوتي، إيماءاتي—كل شيء يجب أن يكون بالضبط ما تفضله!»
«ما الأمر؟ ’لا أريد فعل ذلك، لكن لا يمكنني التراجع؟‘ يبدو متناقضًا جدًا، أليس كذلك؟ مَن تظن أن السبب في هذه المشكلة الممتعة بيننا؟»
رفعت كابيلا صوتها أثناء حديثها، ومع كل كلمة كانت تتحول تدريجيًا لتقترب أكثر فأكثر من مظهر بريسيلا. كان طلبها صريحًا وواضحًا إلى درجة مدهشة، لكنُّه كان أيضًا مباشرًا إلى حدٍ مزعج.
«إذًا، لماذا تصوِّب سيفك نحوي؟»
«… آسف، لكن الناس لم يستعدوا بعد لهذا النوع من الحب.»
«من وجهك، أظن أنك لم تحصل على ما كنت تبحث عنه. هل أنت بخير؟»
تألقت عينا كابيلا بحماس وهي تسيء تفسير محاولات آل غير المتماسكة، ولفَّت ذراعيها حول جسدها النحيل، وعيناها تتلألآن بالإثارة وهي تحدق فيه.
«لا تكن بهذا البرود. أخبرني، ما الذي لا يعجبك فيَّ؟»
هز زلزال المبنى الهائل، وبدأت أجزاءه تتهاوى، مما ملأ المكان تحت الأرض بالركام المتساقط من الأعلى مباشرة.
«لا تُسيء الفهم. أنا لا أحبك ولا أكرهك. في الواقع، لا أكترث لك على الإطلاق… عذرًا، هذه كذبة. أنتِ مثير للاشمئزاز، نعم، أكرهك. يؤلمني مجرد النظر إليك.»
«… صحيح، نسيت أنك تستطيعين التحول إلى تنين.»
«—أغها! أيها القذر الخائن الحقير!»
ابتسمت كابيلا ابتسامة سامة بينما أمسك آل بفيريس ليمنعه من الاندفاع نحوها. أحاط بذراعه خصر فيريس النحيل وهو لا يزال ممسكًا بسيفه، ثم التفت إلى أناستاشيا قائلًا:
دبَّت كابيلا بقدمها بعنف، بينما تحولت ذراعها اليمنى من الكتف إلى رأس ذئب عملاق.
«—مهلًا؟ أي شكلٍ لي تفضله أكثر؟»
عوى الوحش بشراسة وهو يندفع بسرعة عالية نحو آل الذي ظل واقفًا بلا حراك. كانت أسنان الذئب الحادة على وشك أن تغرز في الجزء العلوي من جسده— لكن قبل أن تُطبق بفارق لحظات، قفز إلى الجانب، متجنبًا الهجوم برشاقة.
أضاءت ابتسامة بريئة وجهها للحظات، قبل أن تتلاشى فجأة. تحوَّل جسدها إلى جدار أسود من اللحم الذي أخذ في التضخم على نحو انفجاري. ارتفعت الكتلة الهائلة، وملأت أرجاء المكان هديرًا مدويًا بينما ظهرت مخلوقة سوداء مغطاة بالحراشف.
«لا تظن أنك ستفلت بهذه السهولة!»
«لا أظن ذلك! بعد الجانب، حان وقت القفز للخلف!»
هذه المرة، اندفع جسد ثعبان ضخم باتجاهه من زاوية عمياء أثناء تدحرجه على الأرض. ومع ذلك، استطاع آل تجنب الهجوم بقفزة للخلف، وأمسك فور هبوطه بفكَّي الذئب بسيفه الحاد.
وافق آل الرأي فيما يتعلق بقدرات كابيلا التجددية غير الطبيعية. فقدرتها على التعافي من قطع رأسها، وانتزاع قلبها، وحتى سحق جسدها بالكامل وتحويله إلى كتلة لزجة، جعل التفكير في كيفية قتلها أمرًا عبثيًا.
«أوه، أووووه، دونا!»
وبينما يخسر أمام قوة اندفاع الوحش، أطلق آل تعويذة قبل أن يرتد للخلف من شدة الاصطدام. ارتفع جدار من الأرضية المدمرة للسرداب، ساحقًا ذراع كابيلا المتحولة إلى ذئب بين السقف والأرض.
تشققت جمجمة الذئب وسالت منها كميات هائلة من الدماء، مما أدى إلى ترنح كابيلا المرتبطة به. استغل آل تلك اللحظة وانقض عليها بضربة شرسة.
رفعت كابيلا يديها مكونة إطارًا بأصابعها وأغمضت عينًا بينما كانت تنظر إلى آل عبر الإطار. ظل آل صامتًا بينما قابل نظرتها الحمراء كالدم.
«غررر، يااااااا!»
شطر سيفه عنقها تمامًا، وطارت رأسها- التي كانت تشبه بريسيلا- في الهواء، لتتبعها لحظة لاحقة دفقة من الدماء تنبعث من الجسد المبتور. وبالنظر لما حدث مع كروش بعد تعرضها لدماء كابيلا، لم يكن هناك مجال للتساؤل عن مدى خطورة ملامسة ذلك الدم.
«عذرًا، أقدِّر المبادرة، لكن علاقتنا لم تصل بعد إلى هذا الحد، وسيكون من المحرج لو انتشرت شائعات بين أصدقائي؛ لذا سأضطر إلى رفض عرضك.»
وجب عليه أن يبتعد عن الجسد ليتجنب الدفقة، لكن—
«—بمَ تفكر الآن؟»
«لا تستخفي بي، أيتها المحتالة!»
«سحر…؟»
ابتسمت كابيلا ابتسامة سامة بينما أمسك آل بفيريس ليمنعه من الاندفاع نحوها. أحاط بذراعه خصر فيريس النحيل وهو لا يزال ممسكًا بسيفه، ثم التفت إلى أناستاشيا قائلًا:
—لم يتردد آل ولو للحظة في التقدم مباشرة نحو سيل الدماء، مغرزًا سيفه في ظهر كابيلا.
اختفى الغضب العارم من صوت فيريس فجأة، وامتلأت عيناه الصفراوان الواسعتان بمشاعر لا تُحتمل وهو يحدق بأنصاف الوحوش.
شقَّ قلبها وهي على وشك الانهيار بعد أن فقدت رأسها، مضيفًا جرحًا قاتلًا آخر إلى الأول. لكن ذلك لم يكن كافيًا بالنسبة له.
وأثناء حديثها، بدأ جسد كابيلا يتحول ويتبدل أمام عيني آل. أطرافها تطول، وملابسها تتحول إلى فستان يكشف عن أكتافها وظهرها وأجزاء كبيرة من صدرها. وجهها أصبح مشرقًا بثقة لا تهتز، وعيناها امتلأتا بوميض من الحكمة الراسخة. امتدت خصلات شعرها الذهبي الطويلة على ظهرها، ليظهر أمام آل امرأة فاتنة بجمال استثنائي.
«حان وقت عرض ناري صغير! إل دونا!»
قائلةً ذلك، تحوَّلت كابيلا مجددًا. هزَّ آل رأسه أثناء تمدد لحمها، وإصدارعظامها أصواتًا خشنة، ونموها في الحجم.
ركل جسدها إلى الأمام، وأطلق تعويذة أخرى باندفاع شرس، مستخدمًا طرف سيفه لتوجيه السحر داخل جسد كابيلا وتفجيرها تمامًا.
حسابنا بتويتر @ReZeroAR
في الهواء البارد، تصاعد البخار من قطع اللحم المتبقية، بينما أسدل المشهد الأكثر وحشية في مدينة بوابة الماء الستار.
انفجرت جثتها بعنف، متناثرةً إلى أشلاء. أطرافها تطايرت بينما امتلأت جدران السرداب بأحشائها الوردية ودمائها الحمراء الزاهية.
في الهواء البارد، تصاعد البخار من قطع اللحم المتبقية، بينما أسدل المشهد الأكثر وحشية في مدينة بوابة الماء الستار.
«إذًا، جربي أفضل ما لديك.»
«كنتِ جزءًا من المشكلة أيضًا، سيدة أناستاشيا؛ لذا حاولي أن تأخذي الأمر بجدية أكثر، من فضلـ—»
«هااه، هااه… هل هذا يكفي؟ هذا يجب أن يكون كافيًا…»
《١》
بينما يعلو صدره ويهبط، أعلن آل انتصاره على البقايا المشوهة بلهجة منتصرة. لم يكن هناك داعٍ للقول، لكن لا يوجد مخلوق بشري يمكنه البقاء على قيد الحياة بعد هذا الكم من التمزق. صدى إعلان آل تردد في المكان دون إجابة—
قالت ذلك وهي ترفع يدها نحوهما بينما كان آل يستعد للقتال، ثم أخرجت لسانها الأحمر ساخرة، لتتركه عاجزًا عن الرد.
«—أليس هذا قاسيًا؟ ليس عليك أن تذهب إلى هذا الحد.»
وبطبيعة الحال، جاء رد آل على تلك المحاولات غير الإنسانية برفع سيفه وقال:
بينما يعلو صدره ويهبط، أعلن آل انتصاره على البقايا المشوهة بلهجة منتصرة. لم يكن هناك داعٍ للقول، لكن لا يوجد مخلوق بشري يمكنه البقاء على قيد الحياة بعد هذا الكم من التمزق. صدى إعلان آل تردد في المكان دون إجابة—
«سحقًا.»
عندما سمع ذلك الصوت، رفع آل سيفه مرة أخرى، موجِّهًا إياه ليس نحو الجثة المشوهة، بل نحو الرأس الذي أطاح به سابقًا— الوجه الذي يشبه بريسيلا، الملقى على الأرض. الوجه الذي بدا وكأنه يستمتع برد فعل آل بينما يستند على خده.
أما آل، فقد هوى بسيفه ليويداو على أنصاف الوحوش التي حاولت مطاردتهم.
«قطع الرأس، شق القلب، ونثر أعضائي في كل مكان؟! ألا يكفي ذلك؟ لابد أنك تغش…»
«الرجل الذي يهين امرأة فور لقائها ولا يعرف كيف يحسن أسلوب كلامه لن يكون يومًا محبوبًا من الفتيات. محاولة جيدة أن تتظاهر بالكوميديا لتجعلني أخفض حذري. وماذا تنوي أن تفعل بتلك القطعة الكبيرة الطويلة في يدك؟!»
«هذا فقط أنا، لا أزال حية بعد قطع رأسي وطعن قلبي ونثر جسدي بالكامل في المكان. مع أن الأمر نادر الحدوث، إلا أنه يبدو أنني ما زلت هنا. على فكرة، ألم أكن قريبة جدًا من الفتاة المثالية التي تحلم بها؟ ماذا؟ هل إيذاء الناس هو طريقتك في التعبير عن الحب؟ أحد هواياتك؟»
وبينما يخسر أمام قوة اندفاع الوحش، أطلق آل تعويذة قبل أن يرتد للخلف من شدة الاصطدام. ارتفع جدار من الأرضية المدمرة للسرداب، ساحقًا ذراع كابيلا المتحولة إلى ذئب بين السقف والأرض.
تنهد آل بأسى بعدما باءت خطته بالفشل، بينما بدأت رأس كابيلا تنهض من جديد.
لم تفهم الإشارة، لكنها أدركت أنها إهانة.
تحرك عنقها المبتور بغرابة، وكأنما إشارة لفيضان اللحم الأسود الذي تدفق منه. سرعان ما تشكلت منصة من هذا اللحم تحت رأسها؛ لتُبني عليها جذعًا وأطرافًا، ثم تحولت هذه الكتلة المتلويَّة تدريجيًا إلى بشرة شاحبة، لتستعيد كابيلا شكلها الأصلي كاملًا.
تألقت عينا كابيلا بحماس وهي تسيء تفسير محاولات آل غير المتماسكة، ولفَّت ذراعيها حول جسدها النحيل، وعيناها تتلألآن بالإثارة وهي تحدق فيه.
«… وماذا عن بقية ذلك الحطام؟»
«لا أحتاج إليه؛ لذا سأذيبه فحسب.»
«أشعر وكأنني دُفنت تحته ثلاث مرات، لكن على الأقل خرجت بخير أيضًا. أوه بالمناسبة، أين ذلك الصبي ذو الأذنين الشبيهتين بالقطة؟ هل أصابه شيء؟»
أمالت كابيلا رأسها بينما تذوب بقايا جسدها السابق بصوت حاد، لتتحول إلى طين أسود يتلاشى تدريجيًا. الأعضاء واللحم وكل شيء آخر اختفى، مخلفًا وراءه رائحة نتنة مزعجة.
«مـ-مَن تكونين أنتِ؟! ما…؟!»
شعر آل بالضيق، وكأنها تعمدت إزعاجه بهذه الحركة.
«حقًا… لقد أخفتني. كان تصرفك أكثر جرأة مما توقعت منك، فيريس.»
«لكن مع ذلك، لم تتردد حتى في قطع رأسي. لديك صديق يعاني وضعًا سيئًا بسبب دمي؛ ألم تخف أن يحدث لك الشيء نفسه؟»
«حان وقت عرض ناري صغير! إل دونا!»
«لا تحاولي خداعي. أعلم جيدًا أن الأمر ليس مجرد سم مجنون يتفعل بمجرد التلامس. أخطأت مرة من قبل عندما حاولت تجنبه.»
«آااغه، تبًا…»
رفعت كابيلا يديها مكونة إطارًا بأصابعها وأغمضت عينًا بينما كانت تنظر إلى آل عبر الإطار. ظل آل صامتًا بينما قابل نظرتها الحمراء كالدم.
«—؟ لا أذكر أنني رأيتك تحاول تجنب أي شيء.»
أشاح فيريس بنظره وهو يتمتم بتلك الكلمات، مسترجعًا ما دار بينهما قبل أن تهاجمهم كابيلا. أثناء التحضير لكمينها، كان من الطبيعي أن يتبادل الجميع المعلومات عن قدراتهم القتالية. كجزء من ذلك، تطوع كل منهم بالكشف عما يمكنه فعله، وبعد تنقيح الخطة، استقر الرأي أخيرًا على إسقاط المبنى بأكمله فوق رأس كابيلا كضربة حاسمة.
«أتحدث عن وقت لن تعرفي عنه شيئًا. على أي حال، يبدو أن قطع الرأس والقلب ليسا كافيين، وتفجير جسدك لم يُجدِ نفعًا أيضًا. ربما عليَّ تجربة سحق الرأس بعد قطعه؟… بصراحة، أنا لا أمزح عندما قلت إنني لا أحب هذه المجازر الدامية.»
أطلق آل تنهيدة ثقيلة ومجهدة. ليست تلك فقط بسبب إدراكه لخطر كابيلا، بل أيضًا بسبب إحساس بالإرهاق مصدره شيء آخر.
في هذه الأثناء، وبعد اكتمال تجددها، لم يظهر على كابيلا أي تأثر من الدقة التي قتلها بها مرارًا. إلى جانب قدرتها على تغيير مظهرها والتحولات المتطرفة، امتلكت قوة تجديد تقترب من الخلود— ظلت رئيسة الأساقفة واقفة، وما زالت قوية.
«واااو، لا تتراجع رغم كل هذه الصعوبة! كم هذا نبيل! لا أستطيع مقاومة هذه الرجولة! تقييمي لك يرتفع إلى عنان السماء! كيا-ها-ها!»
«آااغه، تبًا…»
ضحكت كابيلا بخفة وهي تضع يديها على صدرها:
«واااو، لا تتراجع رغم كل هذه الصعوبة! كم هذا نبيل! لا أستطيع مقاومة هذه الرجولة! تقييمي لك يرتفع إلى عنان السماء! كيا-ها-ها!»
«إيه؟»
《٣》
«—»
كان ذلك مزيجًا من الشفقة والتعاطف والحزن، حزنٌ على وجود تلك الوحوش النصفية.
بصق الرجل ذو الخوذة الحديدية، آل، كلماته بحدة ردًا على أسلوب كابيلا المستفز.
«—هيييه. أنت حقًا من ذلك النوع، أليس كذلك؟ أولئك المتحمسون أكثر من اللازم؟»
بينما رفع آل سيفه بصمت مرة أخرى، اختفت السخرية من صوت كابيلا. حدَّقت بعينيها القرمزيتين الضيقتين مباشرة إلى آل بينما كان يزفر بقوة.
رفعت كابيلا صوتها أثناء حديثها، ومع كل كلمة كانت تتحول تدريجيًا لتقترب أكثر فأكثر من مظهر بريسيلا. كان طلبها صريحًا وواضحًا إلى درجة مدهشة، لكنُّه كان أيضًا مباشرًا إلى حدٍ مزعج.
«للأسف، أمرتني الأميرة بالتعامل مع هذا المكان. مواجهة مخلوق يشبه الـ ت-١٠٠٠ أمر مخيف، لكن ما أخشاه أكثر هو ما قد يحدث إن أغضبتها؛ لذا لا يمكنني التراجع الآن.»
تحوَّل سرب الجرذان إلى كتلة من اللحم، خرجت منها فتاة شقراء ذات عينين حمراوين، جميلة بقدر ما هي وحشية. تلك الفتاة لم تكن سوى رئيسة أساقفة الشهوة: كابيلا إيميرادا لوغونيكا، التي مالت برأسها قليلًا قائلة:
«… هل تتحدث عن امرأة أخرى أمامي مجددًا؟ يبدو أنني سأضطر إلى أخذ وقتي في تعليمك الأدب من البداية.»
«اللعنة… أنا الضحية هذه المرة. لا حظ لي على الإطلاق.»
قائلةً ذلك، تحوَّلت كابيلا مجددًا. هزَّ آل رأسه أثناء تمدد لحمها، وإصدارعظامها أصواتًا خشنة، ونموها في الحجم.
وراء خوذته السوداء، ضاقت عيناه وهو يتمتم في نفسه: «آاااغه، كانت توقعات حظي لهذا اليوم أسوأ ما يكون.»
وراء خوذته السوداء، ضاقت عيناه وهو يتمتم في نفسه: «آاااغه، كانت توقعات حظي لهذا اليوم أسوأ ما يكون.»
《٢》
عند سماع ذلك الصوت، التفت الثلاثة برؤوسهم نحو الممر المائي بسرعة كادت تتسبب بآلام في أعناقهم. جاء الصوت من الطريق على الجانب الآخر من القناة، حيث زحف آل في وقت سابق.
اتخذ صوت آل نبرة أعمق بينما اخترقت عيناه، المختبئتان خلف خوذته السوداء، كابيلا بنظرة نافذة. أما كابيلا، فاستقبلت نظراته بابتسامة وغمزة، متجاهلة تحذيره.
هذه المرة، اندفع جسد ثعبان ضخم باتجاهه من زاوية عمياء أثناء تدحرجه على الأرض. ومع ذلك، استطاع آل تجنب الهجوم بقفزة للخلف، وأمسك فور هبوطه بفكَّي الذئب بسيفه الحاد.
أمالت كابيلا رأسها بينما تذوب بقايا جسدها السابق بصوت حاد، لتتحول إلى طين أسود يتلاشى تدريجيًا. الأعضاء واللحم وكل شيء آخر اختفى، مخلفًا وراءه رائحة نتنة مزعجة.
«هيَّا الآن، هل يليق بك أن تستهين بالموقف هنا؟ لقد قلتُ للتو أنك لا تملك أي وقت لتضيعه. إن لم تتحرك بسرعة، قد تجد نفسك جزءًا من قصة غريبة عن هجوم يسحق الأرواح أو شيء من هذا القبيل.»
«سحقًا.»
«إذًا، جربي أفضل ما لديك.»
لم ينسي إصراره العنيد على أن يكون أول مَن يواجه كابيلا عندما تهاجم، وكان ذلك في ذهن آل كذكرى حية. ولقد تحقق ما أراده، وكان يجب أن يحصل على فرصة للتحدث مع كابيلا، ولكن…
«إيه؟»
اكتفت كابيلا بهز كتفيها بينما كرر آل تحذيره بشأن احتمال قتلها. عندما تخلل صوته بعض التردد، تابعت بنبرة هازئة:
بالطبع، كان من الطبيعي أن يحتفظ كل شخص ببعض أوراقه الرابحة دون كشفها بالكامل، لكن—
«أقول لك، افعلها. لقد بذلت جهدًا كبيرًا لتقديم هذا الاستقبال الجميل من أجلي، أليس كذلك؟ أعني، كل هذا كان بسببي، صحيح؟ لا أستطيع، من باب المبدأ، أن أرفض هدية بهذا التفكير العميق!»
«للأسف، أمرتني الأميرة بالتعامل مع هذا المكان. مواجهة مخلوق يشبه الـ ت-١٠٠٠ أمر مخيف، لكن ما أخشاه أكثر هو ما قد يحدث إن أغضبتها؛ لذا لا يمكنني التراجع الآن.»
«على أي حال، لا خيار أمامنا سوى الاستعداد للقتال. أتوسل إليكما، لا مجال لتوفير الجهد هذه المرة، حسنًا؟ إذا فعلتما ذلك، فسنموت جميعًا، أو… سنتحوَّل إلى مجموعة من الذباب العملاق—»
«انتظري، انتظري. هل أنتِ جادة؟ هل ستقبلين الموت فعلًا؟ الموت مؤلم، ومخيف للغاية. خصوصًا إذا كان للمرة الأولى. فكِّري جيدًا؛ يجب أن تدَّخري أول مرة لموقف أكثر خصوصية.»
«—»
«أوه، كم أنتَ مهتم ولطيف، حتى أنك تضيف النكات القذرة أيضًا!»
شطر سيفه عنقها تمامًا، وطارت رأسها- التي كانت تشبه بريسيلا- في الهواء، لتتبعها لحظة لاحقة دفقة من الدماء تنبعث من الجسد المبتور. وبالنظر لما حدث مع كروش بعد تعرضها لدماء كابيلا، لم يكن هناك مجال للتساؤل عن مدى خطورة ملامسة ذلك الدم.
«هذا مشهد مقزز حقًا. لم أكن يومًا من محبي الأمور الدامية. أنا من النوع الذي يبهت عندما يرى الدماء. تفهمين ما أعنيه؟»
تألقت عينا كابيلا بحماس وهي تسيء تفسير محاولات آل غير المتماسكة، ولفَّت ذراعيها حول جسدها النحيل، وعيناها تتلألآن بالإثارة وهي تحدق فيه.
«هااه، هااه… هل هذا يكفي؟ هذا يجب أن يكون كافيًا…»
«—لكن، إن كان هذا كذبًا لخداعي، فلن أسامحك.»
«صحيح! على سبيل المثال، مَن هو الأحمق الذي فتح بوابة المياه وغمر نصف المدينة قبل ساعات؟ ألا يزعجك ذلك؟ ألا يبقيك مستيقظًا طوال الليل؟»
أضاءت ابتسامة بريئة وجهها للحظات، قبل أن تتلاشى فجأة. تحوَّل جسدها إلى جدار أسود من اللحم الذي أخذ في التضخم على نحو انفجاري. ارتفعت الكتلة الهائلة، وملأت أرجاء المكان هديرًا مدويًا بينما ظهرت مخلوقة سوداء مغطاة بالحراشف.
أما آل، فقد هوى بسيفه ليويداو على أنصاف الوحوش التي حاولت مطاردتهم.
لكن ليس هناك أحد ليشهد على هذا المشهد الغريب، غير المسبوق، حيث ابتلع الركام والأتربة كابيلا وأخفاها تمامًا تحت الأطنان المنهارة من الأرض.
«… صحيح، نسيت أنك تستطيعين التحول إلى تنين.»
مازحًا، مال آل برأسه وأخرج الماء من قاع خوذته. ابتسمت أناستاشيا بابتسامة ساخرة على رده العنيد.
تحولت كابيلا أمام عينيه إلى تنين أسود أسطوري، ناشرًا جناحيه العريضين.
«… شكرًا على قلقك. أنا بخير.»
أثناء النهار فوق الأرض، وتحت الأرض بعد غروب الشمس، عاد المبنى الحكومي ليشهد تهديد التنين الأسود مرة أخرى. بدا الأمر كما لو كان المبنى ملعونًا، وآل لم يستطع إلا أن يشعر بأن حظه يزداد سوءًا مع كل ثانية تمضي.
اختفى الغضب العارم من صوت فيريس فجأة، وامتلأت عيناه الصفراوان الواسعتان بمشاعر لا تُحتمل وهو يحدق بأنصاف الوحوش.
«اللعنة… أنا الضحية هذه المرة. لا حظ لي على الإطلاق.»
«لكن لا جدوى من تعليق آمالنا على موتها بأمر بهذه البساطة… لقد خرجت سالمة بعد تلقيها ضربة سحرية مباشرة من السيدة أناستاشيا، في النهاية.»
«—ماذا تعني؟ فعلتها من أجلي. هذا بالتأكيد حب، أليس كذلك؟»
«—مهلًا؟ أي شكلٍ لي تفضله أكثر؟»
قائلةً ذلك، تحوَّلت كابيلا مجددًا. هزَّ آل رأسه أثناء تمدد لحمها، وإصدارعظامها أصواتًا خشنة، ونموها في الحجم.
«كي-ها!»
حتى في هيئة التنين الأسود، ظلت كابيلا تتحدث بصوت فتاة مرحة.
تحت وطأة أنفاس التنين الملطخة بالدماء، هز آل رأسه، وكأنه قرر أن الوقت قد حان—
«—أغها! أيها القذر الخائن الحقير!»
«نحن الاثنان من النوع الذي يحذر الآباء أطفالهم منه، أليس كذلك؟ لذلك، لم يكن هناك أي أمل في أن تسير الأمور بيننا.»
بحركة سلسة، أعاد سيفه إلى غمده على ظهره، ثم رفع إصبعه الأوسط نحو كابيلا بعد أن أصبح يده خالية مرة أخرى.
لم تفهم الإشارة، لكنها أدركت أنها إهانة.
«أنتَ…»
«—أغها! أيها القذر الخائن الحقير!»
«لا أحب أحدًا.»
«إذًا، جربي أفضل ما لديك.»
انبثق ضوء وحشي من عينيها الذهبيتين فورًا بعد تصريحه الجاف.
تحت وطأة أنفاس التنين الملطخة بالدماء، هز آل رأسه، وكأنه قرر أن الوقت قد حان—
وفي اللحظة التالية، ألقى تعويذة لم تكن موجهة نحو كابيلا، التي كانت في وضع الاستعداد، بل نحو عمودٍ في زاوية المكان. انهار العمود بعنف، وارتفع معه الأرضية من تحته.
«فـ-فهمت! فهمت! فقط لا ترتكب حماقة!»
حركت الفتاة رأسها نحو الرجل ذو الذراع الواحدة الذي هاجمها وهو يحمل سيفه على أهبة الاستعداد.
هز زلزال المبنى الهائل، وبدأت أجزاءه تتهاوى، مما ملأ المكان تحت الأرض بالركام المتساقط من الأعلى مباشرة.
«كيا-ها-ها-ها-ها!»
«—نغه! لقد كان فخًا بالفعل.»
«أوه؟ أتُدرك أحد تلك الحثالات عديمة الجدوى؟ تلك الخنزيرة الغارقة في الأحقاد؟ أو ذلك البائس عديم الكفاءة؟ أو ذاك الوجه الطفولي الجائع الذي يفتقد تمامًا لأي شخصية؟ أم أنك تتحدث عن الروح المضللة الغارقة في أوهامها؟! لا أحد منهم يستحق الوقت أو الجهد! ألم يحذِّرك والداك يومًا من سوء اختيار الأصدقاء؟!»
«تم إعداده بكل ما لدينا، خصيصًا من أجلك. ليس بدافع الحب، بل بدافع الكراهية الخالصة.»
بينما رفعت كابيلا عينيها نحو الانهيار الذي يندفع نحوها، قفز آل عبر صدع في الجدار باتجاه صوت الماء القادم من الجهة الأخرى— نحو المجاري التي تتدفق تحت الأرض.
رفع آل سيفه مجددًا بينما واصلت كابيلا ترديد هراء حبَّها المشوَّه والمريض. لقد ظهرت أمامهم مرة أخرى، ومن الطبيعي أنَّها ستسعى لتصفية الحسابات والهجوم مجددًا—
بطبيعة الحال، لم يكن الثقب في الجدار واسعًا بما يكفي ليسمح لكابيلا بالمرور فيه بعدما تحولت إلى تنين ضخم—
«—ماذا تعني؟ فعلتها من أجلي. هذا بالتأكيد حب، أليس كذلك؟»
«—ماذا تعني؟ فعلتها من أجلي. هذا بالتأكيد حب، أليس كذلك؟»
احمرَّت وجنتا التنين احمرارًا طفيفًا، وبدا في عينيها وميض حالم أشبه بعشق فتاة مراهقة.
لكن ليس هناك أحد ليشهد على هذا المشهد الغريب، غير المسبوق، حيث ابتلع الركام والأتربة كابيلا وأخفاها تمامًا تحت الأطنان المنهارة من الأرض.
غطت كابيلا فمها بحركة بدت وكأنها تعبير عن فرح حقيقي بعد سماع رد آل البارد. تسللت نظرتها عبر جلده بينما تنهد وضرب الأرض الباردة بصندله.
«قطع الرأس، شق القلب، ونثر أعضائي في كل مكان؟! ألا يكفي ذلك؟ لابد أنك تغش…»
《٣》
«—بواه.»
دفع آل بقدميه من قاع القناة المائية ليخترق السطح، مستنشقًا الهواء لملء رئتيه المحترقتين.
قاطعت كابيلا حديث آل بهدوء، بينما ظلَّ صامتًا مجبرًا على مواجهة نظراتها المتحولة ذات العيون القرمزية.
لحسن الحظ، كان سباحًا ماهرًا. عادةً ما تفاجأ الناس من ذلك، معتقدين أنه سيجد صعوبة، لكن حياته الطويلة بذراع واحدة علمته كيف يتعامل مع أغلب المواقف الاعتيادية.
«… للأسف، أنا كنت ذلك الذي يحذر الأهل أطفالهم من الاقتراب منه.»
«تجاهل كامل لأي شخص أو شيء من حولها، نظرة قاسية، جسد متناسق مغرٍ، مع شعور بأنها قد تنفجر غضبًا في أي لحظة. طويلة القامة نسبيًا مع جرأة في الكشف عن أجزاء من جسدها، متقلبة المزاج وكثيرة الحديث لكنها ذكية. تعتمد عليك ولكنها تبقيك على مسافة. هذه النقاط بالذات مهمة جدًا، أليس كذلك؟!»
ببطء، اعتمد على طفو جسده ليصل إلى حافة القناة، حيث أمسك بها وسحب نفسه إلى الخارج.
«عذرًا، أقدِّر المبادرة، لكن علاقتنا لم تصل بعد إلى هذا الحد، وسيكون من المحرج لو انتشرت شائعات بين أصدقائي؛ لذا سأضطر إلى رفض عرضك.»
نظر إلى ملابسه المبللة كليًا وقال لنفسه: «أنا غارق تمامًا. سيكون من الجيد أن أخلع خوذتي وأخرج الماء منها، لكن…»
«طريقة خبيثة لتهديد شخص… تفعل ذلك وأنت تبدو لطيفًا هكذا…»
«أعتقد أن وجهي ليس في حالٍ مناسب ليُعرض أمام الآخرين الآن».
تنهَّد آل بضيق وهو يحدق من حوله، وقد فهم ما حدث للتو. أما فيريس وأناستاشيا فقد تجمدت ملامحهما بتوتر شديد.
«ليس عليك أن تتحفظ من أجلي. لن أمانع».
«تم إعداده بكل ما لدينا، خصيصًا من أجلك. ليس بدافع الحب، بل بدافع الكراهية الخالصة.»
—وركض.
«أنا فقط شديد الحرج. فكرة أن يبدأ الجميع بالحديث عن وجهي تجعلني أشعر بالغثيان».
قاطعت أناستاشيا المزحة السخيفة، وهي تستفسر من آل بينما يعصر مئزره المبتل. لم يكن قد بقي ليرى ما فعلته كابيلا في اللحظات الأخيرة، لكنها تحولت إلى تنين أسود ضخم في ذلك الحيز الضيق تحت الأرض. ليس هناك متسع من الوقت لتعود إلى هيئتها البشرية ثم تهرب.
«ناه، لا تقلل من نفسك، لقد بذلت جهدًا لا بأس به. حتى إنني فكرت للحظة أنني قد أموت… حسنًا، ليس حقًا! لكن مع ذلك، شعرت بانقباض صغير في صدري!»
مازحًا، مال آل برأسه وأخرج الماء من قاع خوذته. ابتسمت أناستاشيا بابتسامة ساخرة على رده العنيد.
غطت كابيلا فمها بحركة بدت وكأنها تعبير عن فرح حقيقي بعد سماع رد آل البارد. تسللت نظرتها عبر جلده بينما تنهد وضرب الأرض الباردة بصندله.
«إن كنت تصر.»
وبطبيعة الحال، جاء رد آل على تلك المحاولات غير الإنسانية برفع سيفه وقال:
التف نظر الفتاة ذات الشعر الأرجواني الفاتح والعينين الخضراوين العميقتين من جانب ال بينما يهز رأسه ليخرج آخر قطرات الماء من خوذته، ووجهت نظرها إلى المبنى الحكومي الذي انهار.
تحرك عنقها المبتور بغرابة، وكأنما إشارة لفيضان اللحم الأسود الذي تدفق منه. سرعان ما تشكلت منصة من هذا اللحم تحت رأسها؛ لتُبني عليها جذعًا وأطرافًا، ثم تحولت هذه الكتلة المتلويَّة تدريجيًا إلى بشرة شاحبة، لتستعيد كابيلا شكلها الأصلي كاملًا.
«مَن كان يصدق أن الأمور ستنتهي بتدميره بالكامل؟ من الجيد أنك بخير.»
«أشعر وكأنني دُفنت تحته ثلاث مرات، لكن على الأقل خرجت بخير أيضًا. أوه بالمناسبة، أين ذلك الصبي ذو الأذنين الشبيهتين بالقطة؟ هل أصابه شيء؟»
«… شكرًا على قلقك. أنا بخير.»
«لا أحتاج إليه؛ لذا سأذيبه فحسب.»
«واه.»
«ناه، لا تقلل من نفسك، لقد بذلت جهدًا لا بأس به. حتى إنني فكرت للحظة أنني قد أموت… حسنًا، ليس حقًا! لكن مع ذلك، شعرت بانقباض صغير في صدري!»
تفاجأ آل بالصوت غير المتوقع، مما أفقده توازنه وهو يقف على قدم واحدة محاولًا إخراج الماء من أذنه.
«… ربما لأن أحدًا لم يعلمني يومًا ألا أعبث بالجثث، أليس كذلك؟»
«لا تظن أنك ستفلت بهذه السهولة!»
التفت ليجد فيريس يطل من زقاق قريب. أذناه القططيتان المطويتان وشعره وملابسه الفوضوية، بالإضافة إلى علامات المعركة على وجهه، كانت دليلًا على ما مر به.
كانت تتلوى تقريبًا على الأرض من شدة الضحك بينما اهتز وجهها نصف المدمر وهو يعيد تكوين نفسه مع صوت غرغرة غريب. توقف النزيف، وعادت الأوتار والعضلات لتتشابك معًا بينما تعافت ملامح وجهها على نحو مذهل.
لم ينسي إصراره العنيد على أن يكون أول مَن يواجه كابيلا عندما تهاجم، وكان ذلك في ذهن آل كذكرى حية. ولقد تحقق ما أراده، وكان يجب أن يحصل على فرصة للتحدث مع كابيلا، ولكن…
«من وجهك، أظن أنك لم تحصل على ما كنت تبحث عنه. هل أنت بخير؟»
لحسن الحظ، كان سباحًا ماهرًا. عادةً ما تفاجأ الناس من ذلك، معتقدين أنه سيجد صعوبة، لكن حياته الطويلة بذراع واحدة علمته كيف يتعامل مع أغلب المواقف الاعتيادية.
«—بمَ تفكر الآن؟»
«قلتُ إنني بخير… ماذا عنك؟ كنت أنت مَن واجهها طوال هذا الوقت. هل أصابك شيء؟»
«أوه، كم أنتَ مهتم ولطيف، حتى أنك تضيف النكات القذرة أيضًا!»
«فكرة الحصول على علاج مجاني من حسناء مغرية، لكنني كنت محظوظًا ونجوت دون إصابات. أو ربما هذا يعني أنني كنت سيئ الحظ؟»
«ربما كنا السبب الأول. لكن هل هذا كل شيء حقًا؟ هل كل ما حدث هنا هو خطأنا بالكامل؟ أترى أن كل ما جرى في هذه المدينة يقع على عاتقنا؟»
«نعم، نعم، يكفي هذا المزاح الآن… ماذا حدث لرئيس الأساقفة، آل؟»
«واه.»
قاطعت أناستاشيا المزحة السخيفة، وهي تستفسر من آل بينما يعصر مئزره المبتل. لم يكن قد بقي ليرى ما فعلته كابيلا في اللحظات الأخيرة، لكنها تحولت إلى تنين أسود ضخم في ذلك الحيز الضيق تحت الأرض. ليس هناك متسع من الوقت لتعود إلى هيئتها البشرية ثم تهرب.
«هه، تتظاهر بالغباء؟ لا داعي للتكتم معي. يمكن أن يكون سرًا بيننا. لن أخبر أصدقاءك. إلى جانب ذلك، لو لم يحدث ذلك، لكانت هذه القصة قد انتهت بالفعل؛ لذا لن يكون لديهم مبرر ليلوموك.»
«لا شك في أنَّها أصبحت جزءًا من أساس ذلك المكان الآن. لكن…»
«كيف؟ حسنًا…»
قهقهت كابيلا بينما تابعت:
«لكن لا جدوى من تعليق آمالنا على موتها بأمر بهذه البساطة… لقد خرجت سالمة بعد تلقيها ضربة سحرية مباشرة من السيدة أناستاشيا، في النهاية.»
أثناء النهار فوق الأرض، وتحت الأرض بعد غروب الشمس، عاد المبنى الحكومي ليشهد تهديد التنين الأسود مرة أخرى. بدا الأمر كما لو كان المبنى ملعونًا، وآل لم يستطع إلا أن يشعر بأن حظه يزداد سوءًا مع كل ثانية تمضي.
«—»
«سحر…؟»
ومع هذا التغيير الدقيق، بدا أن الصورة التي عكستها اقتربت للغاية من شخصية مألوفة لآل.
وافق آل الرأي فيما يتعلق بقدرات كابيلا التجددية غير الطبيعية. فقدرتها على التعافي من قطع رأسها، وانتزاع قلبها، وحتى سحق جسدها بالكامل وتحويله إلى كتلة لزجة، جعل التفكير في كيفية قتلها أمرًا عبثيًا.
ببطء، اعتمد على طفو جسده ليصل إلى حافة القناة، حيث أمسك بها وسحب نفسه إلى الخارج.
ومع ذلك، لم ينبع رد فعله من قدراتها الجنونية بقدر ما أثار انتباهه تلك الكلمة تحديدًا.
«لا تظن أنك ستفلت بهذه السهولة!»
«لكن بدا أن هجومك قد أحدث تأثيرًا ما، فيريس. أنت مَن جعل ذراعها الزهرية تذبل، صحيح؟ الاحتفاظ بخدعة كهذه سرًا ليس من اللطف في شيء.»
ثم، وبالتواء وجهها الظريف مجددًا، ضحكت كابيلا بصوت عالٍ.
«… وأنتِ آخر مَن يحق له التحدث عن ذلك، سيدة أناستاشيا، وأنتِ تواصلين الادعاء بأنكِ لا تجيدين القتال.»
لم ينسي إصراره العنيد على أن يكون أول مَن يواجه كابيلا عندما تهاجم، وكان ذلك في ذهن آل كذكرى حية. ولقد تحقق ما أراده، وكان يجب أن يحصل على فرصة للتحدث مع كابيلا، ولكن…
وراء خوذته السوداء، ضاقت عيناه وهو يتمتم في نفسه: «آاااغه، كانت توقعات حظي لهذا اليوم أسوأ ما يكون.»
أشاح فيريس بنظره وهو يتمتم بتلك الكلمات، مسترجعًا ما دار بينهما قبل أن تهاجمهم كابيلا. أثناء التحضير لكمينها، كان من الطبيعي أن يتبادل الجميع المعلومات عن قدراتهم القتالية. كجزء من ذلك، تطوع كل منهم بالكشف عما يمكنه فعله، وبعد تنقيح الخطة، استقر الرأي أخيرًا على إسقاط المبنى بأكمله فوق رأس كابيلا كضربة حاسمة.
«لا تقل شيئًا. فقط انتقل خلفي وابتعد عنها.»
بالطبع، كان من الطبيعي أن يحتفظ كل شخص ببعض أوراقه الرابحة دون كشفها بالكامل، لكن—
تغيرت ملامح كابيلا إلى انزعاج واضح من مقاطعة أناستاشيا، ثم رفعت ذراعها اليسرى، حيث بدأ الجزء العلوي منها ينتفخ على نحو مريب. وببطء، برز كتاب -معرفتها- من بين اللحم المنتفخ.
«… للأسف، أنا كنت ذلك الذي يحذر الأهل أطفالهم من الاقتراب منه.»
«—بمَ تفكر الآن؟»
«لا أظن ذلك! بعد الجانب، حان وقت القفز للخلف!»
فجأة، تحدثت أناستاشيا بصوت هادئ، بينما غص فيليكس وحدق بعينين صفراء متوهجة. ال، مليء بالعداء، مشهرًا بسيفه إياه نحوها.
«مـ-مَن تكونين أنتِ؟! ما…؟!»
دبَّت كابيلا بقدمها بعنف، بينما تحولت ذراعها اليمنى من الكتف إلى رأس ذئب عملاق.
«لا تقل شيئًا. فقط انتقل خلفي وابتعد عنها.»
«وربما الشهوة لن تكتفي بدفنها تحت ذلك المبنى أيضًا! لا وقت لدينا لنضيعَه في هذا الهراء!»
«أقول لك، افعلها. لقد بذلت جهدًا كبيرًا لتقديم هذا الاستقبال الجميل من أجلي، أليس كذلك؟ أعني، كل هذا كان بسببي، صحيح؟ لا أستطيع، من باب المبدأ، أن أرفض هدية بهذا التفكير العميق!»
أشار آل بذقنه، التي لا تزال تتقاطر منها قطرات الماء ببطء. لكن فيريس لم يتحرك. أطلق آل صوت تسك خافتًا:
«هذا الكتاب مجرد أداة لاتخاذ القرارات. لا يزال لديَّ الحرية لاختيار طريقي. لذا مشاعري تجاهكم، أيها الحمقى الأعزاء، حقيقية. لا تسيئوا فهمي. هذا هو الحب النقي.»
«إن كانت هذه مزحة، فهي غير مضحكة، آل. عمَّ تتحدث؟»
«كيا-ها! أرى ذلك واضحًا! ولكن، عليك أن تعلم أن حبي السامي يمكنه أن يحتضن حتى أمثالك. ما رأيك في أن تُظهر لي وجهك وتأخذني معك إلى السرير؟!»
«تطرح أسئلة غبية. تخفي ورقة رابحة مثل السحر عنا، وهذا لا يخدم سوى العدو… لكن ليست هذه هي المشكلة. لو استخدمت هذا المنطق ضدك، لارتدَّ إليَّ كالسهم.»
«… للأسف، أنا كنت ذلك الذي يحذر الأهل أطفالهم من الاقتراب منه.»
«لكن مع ذلك، لم تتردد حتى في قطع رأسي. لديك صديق يعاني وضعًا سيئًا بسبب دمي؛ ألم تخف أن يحدث لك الشيء نفسه؟»
«إذًا، لماذا تصوِّب سيفك نحوي؟»
«—»
واصلت ترديد تفاهاتها المريضة وهي تعبث بالكتاب في يدها، ثم راحت تدلك الكتاب الأسود على خدها.
«لأنك فعلت شيئًا ما كان يجب على أناستاشيا هوشين أن تكون قادرة على فعله. ما الذي تخططين له بحق؟»
«لكن لا جدوى من تعليق آمالنا على موتها بأمر بهذه البساطة… لقد خرجت سالمة بعد تلقيها ضربة سحرية مباشرة من السيدة أناستاشيا، في النهاية.»
«… وماذا عن بقية ذلك الحطام؟»
هبط صوت آل إلى نبرة منخفضة مفعمة بالتحذير، فيما اختفى كل أثر للتعبير عن وجه أناستاشيا. ساد جو خطير بين الاثنين، يوشك على الانفجار—
«حان وقت عرض ناري صغير! إل دونا!»
«تماسكا! لقد انتهينا للتو من المعركة، وها أنتما تتصرفان هكذا؟!»
تنهَّد آل بضيق وهو يحدق من حوله، وقد فهم ما حدث للتو. أما فيريس وأناستاشيا فقد تجمدت ملامحهما بتوتر شديد.
انفجر فيريس، غير قادر على مجاراة تسارع الأحداث. اندفع بينهما مباشرة، دافعًا صدره المسطح نحو حافة سيف آل.
«… أوي، أوي، ما الذي تفعله؟ هذا ليس وقت المزاح.»
«—أليس هذا قاسيًا؟ ليس عليك أن تذهب إلى هذا الحد.»
«مزاح؟ هل يبدو لك أنني أمزح؟ ألا تفهم أن هذا ليس وقت الشجار بين الحلفاء؟ الجميع لا يزالون يقاتلون!»
قالت ذلك وهي ترفع يدها نحوهما بينما كان آل يستعد للقتال، ثم أخرجت لسانها الأحمر ساخرة، لتتركه عاجزًا عن الرد.
«—»
رفعت كابيلا صوتها أثناء حديثها، ومع كل كلمة كانت تتحول تدريجيًا لتقترب أكثر فأكثر من مظهر بريسيلا. كان طلبها صريحًا وواضحًا إلى درجة مدهشة، لكنُّه كان أيضًا مباشرًا إلى حدٍ مزعج.
«وربما الشهوة لن تكتفي بدفنها تحت ذلك المبنى أيضًا! لا وقت لدينا لنضيعَه في هذا الهراء!»
«صوتك، إيماءاتك، التوقفات في حديثك، اتجاه نظرك بناءً على زاوية عنقك، وسلوكك. شخصيتك، طبيعتك، وتفضيلاتك التي تسربت من خلال حديثنا.»
«هاه؟ عما تتحدثين؟»
«فـ-فهمت! فهمت! فقط لا ترتكب حماقة!»
«لكن لا جدوى من تعليق آمالنا على موتها بأمر بهذه البساطة… لقد خرجت سالمة بعد تلقيها ضربة سحرية مباشرة من السيدة أناستاشيا، في النهاية.»
«فهمت! من هذا الطريق!»
تقدم فيريس خطوة إلى الأمام وهو يصرخ، مما اضطر آل لسحب سيفه فورًا عندما شعر بحدِّه يلامس صدر فيريس.
«طريقة خبيثة لتهديد شخص… تفعل ذلك وأنت تبدو لطيفًا هكذا…»
تفاجأ آل بالصوت غير المتوقع، مما أفقده توازنه وهو يقف على قدم واحدة محاولًا إخراج الماء من أذنه.
«حقًا… لقد أخفتني. كان تصرفك أكثر جرأة مما توقعت منك، فيريس.»
أومأت أناستاشيا برأسها بإعجاب في غير محله بينما خفَّض آل سلاحه. وعند سماع ذلك، عقد فيريس حاجبيه المشكلين بدقة وقال:
بينما رفع آل سيفه بصمت مرة أخرى، اختفت السخرية من صوت كابيلا. حدَّقت بعينيها القرمزيتين الضيقتين مباشرة إلى آل بينما كان يزفر بقوة.
«كنتِ جزءًا من المشكلة أيضًا، سيدة أناستاشيا؛ لذا حاولي أن تأخذي الأمر بجدية أكثر، من فضلـ—»
«مـ-مَن تكونين أنتِ؟! ما…؟!»
«—ما هذا؟ هل فاتتني معركة حياة أو موت من دوني؟»
وافق آل الرأي فيما يتعلق بقدرات كابيلا التجددية غير الطبيعية. فقدرتها على التعافي من قطع رأسها، وانتزاع قلبها، وحتى سحق جسدها بالكامل وتحويله إلى كتلة لزجة، جعل التفكير في كيفية قتلها أمرًا عبثيًا.
عند سماع ذلك الصوت، التفت الثلاثة برؤوسهم نحو الممر المائي بسرعة كادت تتسبب بآلام في أعناقهم. جاء الصوت من الطريق على الجانب الآخر من القناة، حيث زحف آل في وقت سابق.
انقبض حلق فيريس، وأطلق زفيرًا أجش. يشاهد بعينين مرتجفتين بينما تدفقت الجرذان وتجمعت، ثم اندمجت معًا. تشوَّه محيط الكتلة وتقلَّب، إلى أن ذابت الحدود بين الأجساد لتشكِّل جسدًا واحدًا—
حدَّقوا بأعين ضيقة، وبتركيز أكبر لمحوا شيئًا ما—في زقاق مظلم، عشرات من النقاط الحمراء الصغيرة تومض في العتمة.
لكن ليس هناك أحد ليشهد على هذا المشهد الغريب، غير المسبوق، حيث ابتلع الركام والأتربة كابيلا وأخفاها تمامًا تحت الأطنان المنهارة من الأرض.
كانت جرذانًا صغيرة بحجم كف اليد، طبيعية تمامًا لا يثير وجود أي منها قلقًا. لكن المئات منها كانت تتلوى في الظلام، تتحرك كتيار هائج.
انقبض حلق فيريس، وأطلق زفيرًا أجش. يشاهد بعينين مرتجفتين بينما تدفقت الجرذان وتجمعت، ثم اندمجت معًا. تشوَّه محيط الكتلة وتقلَّب، إلى أن ذابت الحدود بين الأجساد لتشكِّل جسدًا واحدًا—
غطت كابيلا فمها بحركة بدت وكأنها تعبير عن فرح حقيقي بعد سماع رد آل البارد. تسللت نظرتها عبر جلده بينما تنهد وضرب الأرض الباردة بصندله.
«بام بادا بام! كابيلا تعود إلى الساحة من جديد!»
«أتحدث عن وقت لن تعرفي عنه شيئًا. على أي حال، يبدو أن قطع الرأس والقلب ليسا كافيين، وتفجير جسدك لم يُجدِ نفعًا أيضًا. ربما عليَّ تجربة سحق الرأس بعد قطعه؟… بصراحة، أنا لا أمزح عندما قلت إنني لا أحب هذه المجازر الدامية.»
تحوَّل سرب الجرذان إلى كتلة من اللحم، خرجت منها فتاة شقراء ذات عينين حمراوين، جميلة بقدر ما هي وحشية. تلك الفتاة لم تكن سوى رئيسة أساقفة الشهوة: كابيلا إيميرادا لوغونيكا، التي مالت برأسها قليلًا قائلة:
«هاه؟ يا له من رد فعل بائس. الصغيرة الظريفة، الجميلة، أنا، أعود للظهور من جديد، ألا يجدر بكم البكاء من شدة الفرح والتبول على أنفسكم؟ كيا-ها-ها!»
«أوه؟ أتُدرك أحد تلك الحثالات عديمة الجدوى؟ تلك الخنزيرة الغارقة في الأحقاد؟ أو ذلك البائس عديم الكفاءة؟ أو ذاك الوجه الطفولي الجائع الذي يفتقد تمامًا لأي شخصية؟ أم أنك تتحدث عن الروح المضللة الغارقة في أوهامها؟! لا أحد منهم يستحق الوقت أو الجهد! ألم يحذِّرك والداك يومًا من سوء اختيار الأصدقاء؟!»
«… للأسف، أنا كنت ذلك الذي يحذر الأهل أطفالهم من الاقتراب منه.»
انطلق ضحكها الحاد، المثير للاشمئزاز، ليملأ الليل المضاء بضوء القمر.
رؤيتها واقفة على الجانب الآخر من الممر المائي، دون خدش يُذكر، جعل آل يتنهد:
«لم أرها أو أتعرف عليها من قبل. كل ما في الأمر أنني خمنت نوع الوجه والجسد الذي يناسب ذوقك بناءً على ردود أفعالك. أليس من الطبيعي أن تسعى امرأة مخلصة لتلبية تفضيلات شريكها؟»
«…ولم أتوقع حقًا أن تموت بهذا، لكن أن لا يُحدث أي ضرر على الإطلاق؟ هذا صعب الهضم.»
ضحكت كابيلا بخفة وهي تضع يديها على صدرها:
«ناه، لا تقلل من نفسك، لقد بذلت جهدًا لا بأس به. حتى إنني فكرت للحظة أنني قد أموت… حسنًا، ليس حقًا! لكن مع ذلك، شعرت بانقباض صغير في صدري!»
«قطع الرأس، شق القلب، ونثر أعضائي في كل مكان؟! ألا يكفي ذلك؟ لابد أنك تغش…»
«أعني، من الطبيعي أن يحدث ذلك، بما أنك كنت تفكر بي بهذه الحدة، أليس كذلك؟»
«كي-ها!»
«لا يمكنني احتمال هذا النوع من عقلية الملاحقين المرضى حقًا…»
رفع آل سيفه مجددًا بينما واصلت كابيلا ترديد هراء حبَّها المشوَّه والمريض. لقد ظهرت أمامهم مرة أخرى، ومن الطبيعي أنَّها ستسعى لتصفية الحسابات والهجوم مجددًا—
«لم أرها أو أتعرف عليها من قبل. كل ما في الأمر أنني خمنت نوع الوجه والجسد الذي يناسب ذوقك بناءً على ردود أفعالك. أليس من الطبيعي أن تسعى امرأة مخلصة لتلبية تفضيلات شريكها؟»
بصراحة، لو كانت هنا فقط لقتلهم، لكان ذلك أهون. لكن الأسوأ على الإطلاق أن تغيِّرهم كما فعلت مع الضحايا الآخرين في البرج.
«إيه؟»
«المنطقة أُبطلت بالفعل، وقوتها هي أسوأ تطابق ممكن بالنسبة لي أيضًا…»
«أوه؟ أتُدرك أحد تلك الحثالات عديمة الجدوى؟ تلك الخنزيرة الغارقة في الأحقاد؟ أو ذلك البائس عديم الكفاءة؟ أو ذاك الوجه الطفولي الجائع الذي يفتقد تمامًا لأي شخصية؟ أم أنك تتحدث عن الروح المضللة الغارقة في أوهامها؟! لا أحد منهم يستحق الوقت أو الجهد! ألم يحذِّرك والداك يومًا من سوء اختيار الأصدقاء؟!»
لو كانت العملة قد سقطت على الوجه الآخر، لكان لديه على الأقل شيء يمكنه المحاولة به، لكن—
«على أي حال، لا خيار أمامنا سوى الاستعداد للقتال. أتوسل إليكما، لا مجال لتوفير الجهد هذه المرة، حسنًا؟ إذا فعلتما ذلك، فسنموت جميعًا، أو… سنتحوَّل إلى مجموعة من الذباب العملاق—»
«هيه، مهلًا الآن— لا تتسرع في الاستنتاجات، من فضلك. رغم أنك تبدو ظريفًا في غبائك وعدم قدرتك على رؤية الصورة كاملة، إلا أنني انتهيت لليوم.»
«… هاه؟»
«أوبس ليس الشعر الذهبي؟ هذا الأكثر شيوعًا في لوغونيكا، ولكن… حسنًا. في هذه الحالة، لنحاول اللون الأحمر… لا، بل البرتقالي.»
قالت ذلك وهي ترفع يدها نحوهما بينما كان آل يستعد للقتال، ثم أخرجت لسانها الأحمر ساخرة، لتتركه عاجزًا عن الرد.
«هاه؟ عما تتحدثين؟»
ثم، وبالتواء وجهها الظريف مجددًا، ضحكت كابيلا بصوت عالٍ.
«كما قلت. انتهيت الآن. ببساطة، فعلت كل ما رغبت بفعله. لقد سجلت وجوهكم الصغيرة اللطيفة في ذاكرتي أيضًا. والأهم من ذلك—»
أشار آل بذقنه، التي لا تزال تتقاطر منها قطرات الماء ببطء. لكن فيريس لم يتحرك. أطلق آل صوت تسك خافتًا:
«هل هذا ما يقوله لكِ كتابك؟»
دفع آل بقدميه من قاع القناة المائية ليخترق السطح، مستنشقًا الهواء لملء رئتيه المحترقتين.
تغيرت ملامح كابيلا إلى انزعاج واضح من مقاطعة أناستاشيا، ثم رفعت ذراعها اليسرى، حيث بدأ الجزء العلوي منها ينتفخ على نحو مريب. وببطء، برز كتاب -معرفتها- من بين اللحم المنتفخ.
«قلتُ إنني بخير… ماذا عنك؟ كنت أنت مَن واجهها طوال هذا الوقت. هل أصابك شيء؟»
وفي أثناء حديثها، راحت تغير لون شعرها بسرعة: أسود، بني، أخضر، أزرق، حتى وصلت إلى اللون الأحمر، ثم انتقلت إلى اللون البرتقالي.
«… مكان تخزين عملي جدًا.»
في الهواء البارد، تصاعد البخار من قطع اللحم المتبقية، بينما أسدل المشهد الأكثر وحشية في مدينة بوابة الماء الستار.
«أعجبك؟ لو كان لدينا طفل صغير وظريف، ربما يمتلك القدرة ذاتها. آه، لكن لا، هذا لن ينجح أبدًا. حبك ملك لي أنا وحدي. قد أموت من الغيرة إن أحببتَ أي شخص غيري.»
«—غــرر.»
«هل هذا ما يقوله لكِ كتابك؟»
واصلت ترديد تفاهاتها المريضة وهي تعبث بالكتاب في يدها، ثم راحت تدلك الكتاب الأسود على خدها.
«المنطقة أُبطلت بالفعل، وقوتها هي أسوأ تطابق ممكن بالنسبة لي أيضًا…»
«هذا الكتاب مجرد أداة لاتخاذ القرارات. لا يزال لديَّ الحرية لاختيار طريقي. لذا مشاعري تجاهكم، أيها الحمقى الأعزاء، حقيقية. لا تسيئوا فهمي. هذا هو الحب النقي.»
ذلك التجدد غير الطبيعي—لا، ذلك التحول نفسه كان إحدى قدرات رئيسة أساقفة الشهوة.
«………»
«غه! أي حب نقي هذا…؟ مَن سيصدق كلمة واحدة تخرج من فمكِ؟!»
صرخ فيريس من بين أسنانه، واحمرَّ وجهه من استفزاز كابيلا المتعمد. مدَّت أناستاشيا يدها وأمسكت بكتفه قبل أن يتقدم خطوة أخرى أو يحاول القفز فوق الممر المائي.
لو كانت العملة قد سقطت على الوجه الآخر، لكان لديه على الأقل شيء يمكنه المحاولة به، لكن—
«أفهم شعورك، لكن تمالك نفسك. إن سمحتَ لها باستفزازك…»
«كلما أسرعت… كلما قتلت هذا الشيء بسرعة، سيمكنني استعادة جسد السيدة كروش…»
«هل أنت غبي؟ لا تخلط بين الأوهام والأمل وأنت تعلم الحقيقة. دمي التنيني مشكلة مختلفة تمامًا! حتى لو قتلتني، لن يختفي ذلك الدم ببساطة!»
«—غــرر.»
«عذرًا، أقدِّر المبادرة، لكن علاقتنا لم تصل بعد إلى هذا الحد، وسيكون من المحرج لو انتشرت شائعات بين أصدقائي؛ لذا سأضطر إلى رفض عرضك.»
بطبيعة الحال، لم يكن الثقب في الجدار واسعًا بما يكفي ليسمح لكابيلا بالمرور فيه بعدما تحولت إلى تنين ضخم—
«لكن، إن كنت لا تزال راغبًا بمطاردة مؤخرتي الظريفة، فلا بأس.»
—أصوات رطبة مختلطة بصوت ارتطام المعدن بالجدران، بينما أحاطت بهم مخلوقات وحشية.
وأثناء حديثها، بدأ جسد كابيلا يتحول ويتبدل أمام عيني آل. أطرافها تطول، وملابسها تتحول إلى فستان يكشف عن أكتافها وظهرها وأجزاء كبيرة من صدرها. وجهها أصبح مشرقًا بثقة لا تهتز، وعيناها امتلأتا بوميض من الحكمة الراسخة. امتدت خصلات شعرها الذهبي الطويلة على ظهرها، ليظهر أمام آل امرأة فاتنة بجمال استثنائي.
نظرت إلى فيريس الذي صرَّ على أسنانه بألم، ثم ابتسمت ابتسامة خبيثة وصفعت صدرها بيدها. دوى صوت التصفيق، وفي اللحظة التالية، بدأ التحول حولهم.
تحرك عنقها المبتور بغرابة، وكأنما إشارة لفيضان اللحم الأسود الذي تدفق منه. سرعان ما تشكلت منصة من هذا اللحم تحت رأسها؛ لتُبني عليها جذعًا وأطرافًا، ثم تحولت هذه الكتلة المتلويَّة تدريجيًا إلى بشرة شاحبة، لتستعيد كابيلا شكلها الأصلي كاملًا.
«آه. لا أستطيع القول إنني أعرف عما تتحدثين.»
«…حقًا؟»
«سحر…؟»
«سحر…؟»
تنهَّد آل بضيق وهو يحدق من حوله، وقد فهم ما حدث للتو. أما فيريس وأناستاشيا فقد تجمدت ملامحهما بتوتر شديد.
ابتسمت كابيلا ابتسامة سامة بينما أمسك آل بفيريس ليمنعه من الاندفاع نحوها. أحاط بذراعه خصر فيريس النحيل وهو لا يزال ممسكًا بسيفه، ثم التفت إلى أناستاشيا قائلًا:
—أصوات رطبة مختلطة بصوت ارتطام المعدن بالجدران، بينما أحاطت بهم مخلوقات وحشية.
«وربما الشهوة لن تكتفي بدفنها تحت ذلك المبنى أيضًا! لا وقت لدينا لنضيعَه في هذا الهراء!»
«—أنصاف وحوش.»
أمالت كابيلا رأسها بينما تذوب بقايا جسدها السابق بصوت حاد، لتتحول إلى طين أسود يتلاشى تدريجيًا. الأعضاء واللحم وكل شيء آخر اختفى، مخلفًا وراءه رائحة نتنة مزعجة.
«أوه؟ ما هذا؟ اسم لا بأس به. غير مكتمل وبشع، نصف ميت ونصف حي. يناسبهم تمامًا. أراهن أن مَن اخترع هذا الاسم يمتلك حسًّا فكاهيًا رائعًا.»
«كي-ها-ها-ها! ماذا؟ تبدو كعذري حقيقي! هل لديك حقل زهور فارغ جميل تحتفظ به في رأسك؟ كيااا، أريد فقط أن أسحق كل شيء فيك وأدوس عليه وأفسده تمامًا!»
اصطفَّت تلك الكائنات بين كابيلا والثلاثة الآخرين. بعضها كان يحمل سيوفًا بدلًا من رؤوس، والبعض الآخر امتلك فؤوسًا مكان أرجله الأمامية، أو دروعًا بدلًا من جذوع أجسادهم، مع أجزاء أخرى مشوَّهة ومستبدلة بطريقة مروعة.
رفع آل سيفه مجددًا بينما واصلت كابيلا ترديد هراء حبَّها المشوَّه والمريض. لقد ظهرت أمامهم مرة أخرى، ومن الطبيعي أنَّها ستسعى لتصفية الحسابات والهجوم مجددًا—
بحركة سلسة، أعاد سيفه إلى غمده على ظهره، ثم رفع إصبعه الأوسط نحو كابيلا بعد أن أصبح يده خالية مرة أخرى.
«… لماذا…؟ كيف يمكنكِ فعل شيء كهذا؟»
«أوه؟ أتُدرك أحد تلك الحثالات عديمة الجدوى؟ تلك الخنزيرة الغارقة في الأحقاد؟ أو ذلك البائس عديم الكفاءة؟ أو ذاك الوجه الطفولي الجائع الذي يفتقد تمامًا لأي شخصية؟ أم أنك تتحدث عن الروح المضللة الغارقة في أوهامها؟! لا أحد منهم يستحق الوقت أو الجهد! ألم يحذِّرك والداك يومًا من سوء اختيار الأصدقاء؟!»
كان ذلك مزيجًا من الشفقة والتعاطف والحزن، حزنٌ على وجود تلك الوحوش النصفية.
اختفى الغضب العارم من صوت فيريس فجأة، وامتلأت عيناه الصفراوان الواسعتان بمشاعر لا تُحتمل وهو يحدق بأنصاف الوحوش.
كان ذلك مزيجًا من الشفقة والتعاطف والحزن، حزنٌ على وجود تلك الوحوش النصفية.
«كيف يمكنكِ فعل شيء بهذه القسوة…؟!»
على الرغم من كل محاولات الرفض التي أظهرها آل، ظلَّت كابيلا متمسكة بفكرة حب متطرف وغير متبادل، مُصرَّة على أن تنال قبولًا حتى لو كان مجرد وهم. ومع ذلك، لم يكن أحد ليُطلق على هذا الهوس الأناني حبًا حقيقيًا.
«كيف؟ حسنًا…»
لمست كابيلا ذقنها بإصبع طويل نحيل، متظاهرة بالتفكير في سؤال فيريس قبل أن تومئ برأسها ببطء، كما لو أنها أدركت الجواب أخيرًا.
لم تفهم الإشارة، لكنها أدركت أنها إهانة.
«… ربما لأن أحدًا لم يعلمني يومًا ألا أعبث بالجثث، أليس كذلك؟»
«—بواه.»
«………»
«لا تدعها تعبث برأسك، أيها الأحمق!»
«أعتقد أن وجهي ليس في حالٍ مناسب ليُعرض أمام الآخرين الآن».
ابتسمت كابيلا ابتسامة سامة بينما أمسك آل بفيريس ليمنعه من الاندفاع نحوها. أحاط بذراعه خصر فيريس النحيل وهو لا يزال ممسكًا بسيفه، ثم التفت إلى أناستاشيا قائلًا:
«ناه، لا تقلل من نفسك، لقد بذلت جهدًا لا بأس به. حتى إنني فكرت للحظة أنني قد أموت… حسنًا، ليس حقًا! لكن مع ذلك، شعرت بانقباض صغير في صدري!»
«اركضي الآن! خذي زمام المبادرة وسأتولى تغطية ظهورنا!»
«كلما أسرعت… كلما قتلت هذا الشيء بسرعة، سيمكنني استعادة جسد السيدة كروش…»
«فهمت! من هذا الطريق!»
أمسكت أناستاشيا بذراع فيريس وبدأت بالركض. لم يبدِ فيريس أي مقاومة وهو يُسحب معها، بل اكتفى بعض شفته من الغضب والإحباط بينما تحركت ساقاه على مضض.
أما آل، فقد هوى بسيفه ليويداو على أنصاف الوحوش التي حاولت مطاردتهم.
«—غــرر.»
«تبا لكم!»
«قلتُ إنني بخير… ماذا عنك؟ كنت أنت مَن واجهها طوال هذا الوقت. هل أصابك شيء؟»
«اهربوا، اهربوا، ابتعدوا ما استطعتم! إن لم تتحركوا بسرعة، سيموت المزيد من الناس! والمزيد من الجثث يعني المزيد من أنصاف الوحوش! اقتلوا بلا رحمة! افنوا كل شيء! كيا-ها-ها!»
بصق الرجل ذو الخوذة الحديدية، آل، كلماته بحدة ردًا على أسلوب كابيلا المستفز.
«ما الأمر؟ ’لا أريد فعل ذلك، لكن لا يمكنني التراجع؟‘ يبدو متناقضًا جدًا، أليس كذلك؟ مَن تظن أن السبب في هذه المشكلة الممتعة بيننا؟»
تقهقهت كابيلا بصوت مقزز وهي تراقبهم يفرُّون، ثم ذاب جسدها المشوَّه في عتمة الظلام.
تحرك عنقها المبتور بغرابة، وكأنما إشارة لفيضان اللحم الأسود الذي تدفق منه. سرعان ما تشكلت منصة من هذا اللحم تحت رأسها؛ لتُبني عليها جذعًا وأطرافًا، ثم تحولت هذه الكتلة المتلويَّة تدريجيًا إلى بشرة شاحبة، لتستعيد كابيلا شكلها الأصلي كاملًا.
رآها آل من طرف عينه وهو يواصل الجري، يصر على أسنانه بقوة مدركًا أنه لا يستطيع مطاردتها. لم يتبقَّ سوى شعور بالهزيمة، سرعان ما استبدلته موجة كاسحة من القلق وهو يواصل الهروب.
«كيا-ها-ها-ها-ها!»
«… أوي، أوي، ما الذي تفعله؟ هذا ليس وقت المزاح.»
—وركض.
انفجر فيريس، غير قادر على مجاراة تسارع الأحداث. اندفع بينهما مباشرة، دافعًا صدره المسطح نحو حافة سيف آل.
////
حسابنا بتويتر @ReZeroAR
«لا أحب أحدًا.»
