تجاوز إلى المحتوى
ملوك الروايات — أفضل منصة لقراءة روايات الخيال الصينية، الكورية، اليابانية، الإنجليزية والعربية معلومات الاتصال

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

الفصلvol.20

5 -  تيريشيا ڤان أستريا.

المشاهدات 260 نشر في تاريخ مارس 29, 2025
Sins ReZero
ترجمة ورفع الفصل Sins ReZero
ملوك الروايات

حمّل تطبيق ملوك الروايات الآن!

تابع أحدث الفصول براحة تامة، بدون إعلانات مزعجة، مع ميزة التحميل للقراءة أوفلاين.

تحميل التطبيق

《١》

 

إلى أي مدى ستتفاجأ لو أخبرتك أنني وقعت في حبك منذ اللحظة التي تلاقت فيها أعيننا لأول مرة؟

 

《٢》

 

«—أخي، القديسة القادمة للسيف هي ابنتك، تيريشيا.»

 

بهذه الكلمات، كشف قديس السيف السابق بلا رحمة عن الخدعة التي أخفتها ابنة أخيه.

 

—في ذلك اليوم، حين كانت تيريشيا لم تتجاوز الثانية عشرة، نالت بركة قديس السيف.

 

—وفي ذلك اليوم، انهار عالمها بالكامل.

 

عُرِفَت عائلة أستريا عبر الأجيال بأنها مهد قديسي السيف، أولئك الذين وُهِبُوا هذا اللقب منذ قرون تكريمًا لإنجازات أول قديس للسيف، ريد أستريا. ومنذ ذلك الحين، حملت العائلة شرف أن تكون سيف مملكة لوغونيكا.

 

لهذا، سواء كانوا رجالًا أو نساءً، ليس لأحد من أفراد آل أستريا أن يعيش بعيدًا عن السيف.

 

وتيريشيا ليست استثناءً. ولهذا السبب بالتحديد، مقتت جدَّها الأكبر، ريد أستريا، بل كرهته.

 

كانت تيريشيا تخشى البركة التي وُلِدَت بها—بركة الحاصد.

 

الجروح التي تسببت بها لم تلتئم، بل نزفت إلى الأبد. وعندما أدركت هذه الحقيقة، ارتعدت خوفًا من نفسها.

 

لذا، حتى لا يكتشف أحد بركتها، قررت أن تُغلِق على نفسها قوتها.

 

—لكن العيش دون أن تؤذي أحدًا، ولو عن غير قصد، ليس بهذه السهولة.

 

حتى لو لم تتعمد إلحاق الضرر بالآخرين، تربص الخطر بها في كل لحظة من حياتها اليومية. بركتها لم تميز، وخطأ بسيط أو حركة غير محسوبة كفيلان بكشف ما حاولت إخفاءه.

 

كان عليها أن تبقي الأمر سرًا، ولهذا كرهت تدريب السيف الإجباري في العائلة.

 

—لا يجب أن ألمس السيف. لأنني جالبة الموت.

 

بإرادة حديدية وخوف متجذر، حاولت أن تبتعد عنه. تحججت بكل عذر ممكن لتجنب التدريب، حتى استسلمت العائلة وتوقفت عن إجبارها.

 

وأخيرًا، وجدت راحة البال. تخلَّت عن السيف، وعاشت كفتاة عادية، تقضي أيامها في تأمل الأزهار والاعتناء بها.

 

—حتى جاء اليوم الذي انتقلت إليها بركة قديس السيف بينما كانت تعتني بحديقتها.

 

«أمسكي بالسيف، تيريشيا.»

 

حين حبست نفسها في غرفتها محاولةً إنكار ما جرى، اقتحم عمها عزلتها بلا رحمة، وجذبها خارجًا رغمًا عنها.

 

كان شعرها مبعثرًا، وملابسها غير مرتبة، وعيناها مغرورقتان بالدموع، لكنه لم يُعر ذلك اهتمامًا، بل قادها إلى الحديقة وأعاد أمره مجددًا:

 

«أمسكي بالسيف، تيريشيا.»

 

رفضت بعناد، هزَّت رأسها مرارًا وتكرارًا، لكنها في النهاية استسلمت وأمسكت بالسيف الخشبي بقبضة واهنة. حينها، أمسك عمها برأسها وأجبرها على النظر أمامها.

 

كان شقيقها الأكبر واقفًا هناك. كان لطيفًا، بملامح تشع طيبة، لطالما دللها، ولطالما أحبَّته.

 

لكن لمَّا نظرت إليه، لمعت في عقلها فكرة واحدة صادمة:

 

—كم هو مليء بالثغرات.

 

ارتعبت من نفسها. كيف راودها مثل هذا الخاطر؟

 

إلا أن عمها لم يكترث، بل التفت نحو شقيقها الأكبر وأصدر أمرًا قاطعًا، أمره بأن يسحق أخته الصغيرة بالسيف الخشبي، ليبرهن على موهبته.

 

«لا يمكنني فعل ذلك!» صرخ مستنكرًا.

 

«جبان!» صاح عمها موبخًا.

 

التواء الألم في ملامح شقيقها الأكبر كان شديدًا، وكأن صوته اخترق قلبه. لطالما نظر بإعجاب إلى قديس السيف، وحين سمع هذا التوبيخ منه، لم يستطع سوى أن يتألم بصمت. كان شقيقاها الآخران، اللذان أُحضرا ليشهدا الأمر، يحملان التعبير ذاته على وجهيهما.

 

ورغم الجرح الذي تركته الكلمات في نفسه، لمع الإصرار في عيني شقيقها الأكبر، وإن كان إصرارًا حزينًا.

 

تمكنت من الشعور بنيته، كان سيهوي بالسيف الخشبي بطريقة لا تؤذيها. أدركت ذلك من وقفته، ومن نظراته، ومن الهواء الذي أحاط به.

 

بمهارت أخي، لن يكون الأمر صعبًا عليه. إن كان هو، فبوسعه إنهاء هذه المهزلة.

 

«— يكفي.»

 

استفاقت تيريشيا من شرودها على مشهد السيف الخشبي وهو يهوي بعيدًا، مغروسًا في الأرض. في صوت عمها، انبهارٌ جليٌّ أكد أن النزال قد حُسم. كيف لا، وسيف تيريشيا كان موجهًا مباشرة إلى حنجرة شقيقها الأكبر، الذي حدَّق بها مذهولًا؟

 

«قديس السيف القادم هو تيريشيا. لا مجال للشك في ذلك.»

 

صوت عمها، ونظرات شقيقها التي التقت بعينيها، مزقا قلبها.

 

هزَّت رأسها، ثم أطلقت صرخة وهي تلقي السيف جانبًا، تضغط على رأسها بيديها. كحيوان جريح، صاحت بجنون، مزقت شعرها القرمزي، وانهارت في نحيبٍ مرير.

 

صرخت كأنما فقدت عقلها، تنتحب بندمٍ مستميت، تتمنى لو أن الزمن عاد بها إلى الوراء.

 

—وفي ذلك اليوم، أصبحت تيريشيا قديس السيف.

 

《٣》

 

السنوات التي أفناها إخوتها في صقل مهاراتهم بالسيف… سُحِقَت بلا رحمة أمام موهبة تيريشيا الخارقة.

 

لم يكن للوقت والجهد أي قيمة حين يواجهان عبقرية فطرية طاغية. رأت إخوتها مثيرين للشفقة، رغم أن الفارق بين قدراتهم وقدرتها كان هائلًا، إلا أنهم لم يتمكنوا من التخلي عن السيف.

 

لماذا ما زالوا يلوحون بسيوفهم، وهم يدركون أنهم لن يتمكنوا من اللحاق بها مهما قضوا أعمارهم في ذلك؟

 

لماذا، بينما أمكنهم فعل أي شيء آخر؟ لماذا لم يتركوه وراءهم ببساطة؟

 

لا زال بوسعهم اختيار طريق آخر، العيش كما يريدون، والمضي في الحياة كما يحلو لهم.

 

أما تيريشيا… فقد سُلب منها هذا الخيار إلى الأبد.

 

«أمسكي بالسيف، تيريشيا.»

 

منذ ذلك اليوم، حين هزمت شقيقها الأكبر، لم يختفِ ذلك الصوت من أذنيها.

 

ورغم ذلك، لم تمسك بسيفٍ منذ ذلك الحين. تحدت ذلك الصوت، وبذلت جهدها لتبتعد عن السيف. لكن السيف لم يسمح لها بالهرب.

 

لقد كان الجحيم. جحيمًا لا مفر منه، داخل عقلها.

 

لكن حتى ذلك الجحيم ليس شيئًا مقارنة بالجحيم الحقيقي الذي انتظرها.

 

بدأت أكبر وأعنف حرب أهلية شهدتها المملكة—حرب أنصاف البشر.

 

بدأت كحادثة بسيطة، لكنها تصاعدت بسرعة، تزداد حدة كل يوم.

 

لطالما حملت المملكة ازدراءً عميقًا لأنصاف البشر، وكأن الشرارة التي أشعلت نار هذه الحرب لم تكن سوى فتيلًا ينتظر الانفجار.

 

وفي غضون أيام، انتشرت ألسنة اللهب في أنحاء المملكة، والتهمت كل شيء.

 

وبعد عامٍ كامل من محاولات فاشلة لإخمادها، أدركت المملكة فداحة الأمر، واتخذت قرارها بإرسال أقوى أسلحتها—قديس السيف.

 

—وفي ليلة نشرها إلى ساحة القتال لأول مرة، كانت تيريشيا منطوية على نفسها في خيمتها، تضغط على ركبتيها وترتجف وحدها.

 

لأنها كانت أول مرة ترسل فيها، كان الجيش الذي رافقها هائلًا. تطوع كثير من الجنود للقتال، متحمسين للقتال إلى جانب قديس السيف الحالي في أول معركة لها.

 

تلك الثقة العمياء التي وضعوها فيها… كانت تطحن قلبها بلا رحمة.

 

لم تستطع مشاركة مخاوفها مع أحد—

 

«—تيريشيا، هل أنتِ خائفة؟»

 

صوت مألوف اخترق عزلتها. لقد كان شقيقها الأكبر، الذي أُرسل لمرافقتها في معركتها الأولى.

 

منذ ذلك اليوم، تعمدت تيريشيا تجنبه—لا، ليس هو فقط. لقد وضعت جدارًا بينها وبين جميع إخوتها، ووالديها، وعمها، وكل مَن حولها.

 

مضى عامان منذ أن تحدثت إلى شقيقها الطيب، الذي لطالما أحبته بصدق.

 

خفضت رأسها، غير قادرة على التفوُّه بكلمة. أما هو، فاكتفى بالجلوس بجانبها، ولفَّ ذراعه حول كتفها، وربَّت على رأسها برفق.

 

عندها… انهارت تيريشيا.

 

ظنَّت أنها لا تملك الحق في الشكوى. ظنت أنه لا يحق لها أن تقول هذا لمَن سحقته في ذلك اليوم.

 

لكنها لم تستطع كبح نفسها. تمسكت به، وانهارت في البكاء. اعترفت، بصوت مختنق، بأنها خائفة. بأنها لا تريد القتال. بأنها آسفة.

 

«أنتِ أختي الصغيرة الغالية. إن لم تردِ فعل شيء، إن خفتِ… فسأحميكِ. لأنني شقيقك الأكبر.»

 

«——»

 

«أعترف أنني شعرت بالخيبة حين هُزِمتُ أمامكِ. لكنني أدركت بعدها أنني حقًا أحب السيف. أنا ممتن لكوني وُلدت في هذه العائلة، ممتن لإخوتي الصغار، وممتن لكِ، أختي الصغيرة… ممتن للسيف على كل ذلك.»

 

عندما سمعت تيريشيا شقيقها يقول ذلك بثقة، مبتسمًا، لعنت غباءها.

 

ظنَّت أن إخوتها حمقى لاستمرارهم في التلويح بسيوفهم رغم هزيمتهم أمامها. نظرت إليهم باستعلاء، مقتنعة بأنهم يتشبثون بالسيف لمجرد أنهم لم يجدوا شيئًا آخر يتمسكون به.

 

حتى شقيقها الأكبر، الذي أحبَّته وكان جديرًا باحترامها، ازدرتها عينُها فقط لأنها وُهبت موهبة فطرية بالسيف.

 

فمَن كان الأحمق الحقيقي؟ لقد كانت هي… كانت دومًا هي. أما اله السيف، فكان الأحمق الأكبر بينهم جميعًا.

 

لماذا لم يمنح بركته لمَن أحبه بصدق؟

 

لماذا أنعم بها على تيريشيا، التي ظلت تهرب من السيف؟

 

«ليس عليكِ أن تقاتلي… فأنتِ فتاة طيبة، لا تقدر حتى على إيذاء ذبابة.»

 

كانت سعيدةً بما قاله شقيقها… ولذا استغلَّت لطفه. وضعت كل آمالها عليه.

 

وفي معركتها الأولى، مات شقيقها الأكبر وهو يحمي المعسكر الرئيسي حيث كانت تيريشيا.

 

لم تلوِّح تيريشيا بسيفها ولو لمرة واحدة… لم تستطع.

 

احملي سيفكِ، تيريشيا.

 

لكنها عصت ذلك الصوت الذي لم يكفَّ عن ملاحقتها… فلم ترفع سيفها.

 

ومضت سنواتٌ أخرى، دون أن تمسَّ السيف مرةً واحدة.

 

《٤》

 

انتهت أول معركة خاضتها تيريشيا بهزيمة نكراء.

 

ودُفن ذلك العار تحت ركام الأكاذيب والتستر. فوجود قديسة السيف كان رمزًا لصمود المملكة، وآخر ما أرادته أن يتسرب للعامة هو الحقيقة.

 

ولذا، لم تتعرض تيريشيا لأي لومٍ رغم فرارها من وجه العدو، وظلت مختبئةً داخل قوقعتها.

 

شقيقها الأكبر، ثامس، الطيب الحنون الذي حقق كل طلباتها مهما بلغت صعوبتها.

 

شقيقها الأوسط، كارلان، الحاد الطباع، لكنه أول مَن يبادر بالاعتذار حين يحين وقت التصالح.

 

شقيقها الأصغر، كاجيريس، الصغير الجبان الذي تشبث بها باكيًا كلما شعر بالخوف.

 

جميعهم حملوا سيوفهم وخاضوا ساحات القتال بدلًا عنها… وجميعهم لقوا حتفهم.

 

لطالما كنتُ عبئًا عليكم… آسف، تيريشيا.

 

حتى عمَّها، الذي استعان بمكانته كقديس السيف السابق لرفع معنويات الجيش، قُتل هو الآخر.

 

رغبت في أن تكرهه، في أن تلقي اللوم عليه. فلولاه، ربما استطاعت أن تُبقي على حقيقة امتلاكها لبركة قديسة السيف طيَّ الكتمان.

 

ولو حدث ذلك، لما اضطر إخوتها إلى خوض القتال لحمايتها… ولربما بقي الجميع على قيد الحياة.

 

كان من الأسهل أن تقتنع بذلك. لكنها أدركت أن الحقيقة ليست كذلك.

 

فهم عمَّها يفهم عبء اللقب أكثر من أي شخصٍ آخر.

 

كان قد اختبر المعاناة ذاتها التي عاشتها تيريشيا. ولهذا، ترك لها تلك الكلمات الأخيرة… كلمات الاعتذار. لقد أدرك تمامًا ما فرضته المملكة على تيريشيا، ومدى قسوة ذلك المصير.

 

ولأنها فهمت ذلك، لم يعد بإمكانها أن تحقد عليه بعد الآن.

 

فمَن تبقى لتلومه إذًا؟ لم يعد هناك أحدٌ تلقي عليه اللوم… سوى نفسها.

 

نفسها الحمقاء، العاجزة عن فعل شيء سوى البكاء، رغم أنها كانت قديسة السيف.

 

احملي سيفكِ، تيريشيا.

 

ما زالت تسمع ذلك الصوت… حتى بعد موت عمَّها الذي قاله لها.

 

محاولةً الهروب من ذلك الصوت، غادرت تيريشيا القصر وتسللت إلى الخارج، تائهةً بلا وجهة.

 

— بعد خمس سنواتٍ من اندلاع حرب أنصاف البشر، بلغت تيريشيا التاسعة عشرة من عمرها.

 

كانت العاصمة قد فقدت بريقها وغرقت في الكآبة جراء الحرب الأهلية المستعرة، وساد الشوارع جوٌّ من الكآبة الثقيلة. تجنبت تيريشيا التجوُّل في تلك الطرقات المعتمة، وبدلًا من ذلك، قادتها قدماها إلى أطراف العاصمة، حيث حيٌّ من المباني المتهالكة.

 

توقفت أعمال البناء بسبب الحرب، فبقيت المباني نصف مكتملة، مهجورة بلا هدف. وباعتبارها قديسة السيف التي أخفقت في أداء دورها، شعرت تيريشيا بنوعٍ من الألفة مع تلك الهياكل التي لم تؤدِّ وظيفتها كبيوتٍ كما ينبغي.

 

زفرةٌ خفيفة تسللت من بين شفتيها، وذابت في الهواء الصباحي النقي والبارد، بينما تشق طريقها نحو فسحةٍ مفتوحة بين تلك الأبنية المهجورة. لم يستحق المكان حتى أن يُسمَّى ساحة. جلست على إحدى الدرجات الحجرية، محدقةً بالجدار المتداعي أمامها.

 

كان هناك حقلٌ صغير من الأزهار الصفراء الزاهية، نَمَت بحرية، دون أن يرعاها أحد.

 

مكانٌ سري، لم يعلم أحدٌ بوجوده. استغلت تيريشيا ذلك، ونثرت هناك بعض بذور الأزهار. لم تملك العزيمة الكافية للعناية بالحدائق الباهتة في القصر، لكنها أتت هنا فقط لتراقب ثمار ما زرعته ذات يومٍ على حين غرة. لهذا وجدت نفسها مجدَّدًا في هذا المكان.

 

«… كيف نَمَوتِ بهذا الجمال رغم أنني لم أسقِكِ حتى؟ أنتنَّ رائعات حقًا».

 

كانت الأزهار قوية. بينما كانت تيريشيا تمضي وقتها في الندم على ضعفها، واجهت تلك الأزهار السماء ونثرت بتلاتها، مزهرةً بكل شموخ.

 

ذلك الوجود الصامد، النبيل… كاد أن يدفعها للبكاء.

 

— عندها شعرت بحضورٍ حادٍّ يقترب.

 

«آه، عذرًا».

 

انتهكت خصوصية ملاذها الصباحي بقدوم شخصٍ ذي هالةٍ تنذر بالخطر.

 

كادت دموعها أن تُكشف، لكنها أجبرت نفسها على التظاهر بالهدوء، متصنعةً الراحة وهي تتحدث، ثم استدارت لمواجهة ذاك المتطفل.

 

وحين التقت عيناها به… صُعقت.

 

«——»

 

شعرٌ بنيٌّ طويلٌ مربوطٌ للخلف، ملامح متناسقة لكنها تنطق بالحدة، جسدٌ ممشوقٌ معتادٌ على التمرين، وهالةٌ شرسة تنبعث منه بكل وضوح.

 

لم يقتصر الأمر على جديته القاتمة، بل كان هناك ما هو أشد وقعًا على تيريشيا.

 

— لقد بدا في عينيها كسيفٍ مسلول.

 

كأنما هناك نصلٌ ساخن، مشحوذٌ بدقة، يحدق إليها مباشرةً.

 

ذلك المشهد جعل قلبها ينبض بعنف. للحظةٍ قصيرة، تملكها ارتباكٌ لم تفهم سببه. لكن، وقد شعرت بالخجل من فكرة أن يلحظ هو ذلك، فتحت فمها محاولةً التظاهر بالثبات.

 

«مَن كان يظن أن أحدًا قد يأتي إلى هنا في هذا الوقت المبكر؟ ما الذي—».

 

«——»

 

كان ذلك استقباله.

 

حاولت تيريشيا أن تبادره بنبرةٍ ودِّية، لكنه لم يرد سوى بصمته القاسي.

 

ليس سوى عداءٍ محض موجهٍ نحوها.

 

سرعان ما فقدت اهتمامها. إن كان سيعامِلها بهذه الفظاظة، فلن تكلف نفسها عناء التظاهر بالمجاملة.

 

فلنرَ كيف سيتصرف حين يدرك أن هالته المخيفة هذه لا تؤثر بي.

 

«… ما الأمر؟ لمَ هذا الوجه المتجهم؟»

 

عند سماعه لكلماتها، بدا وكأنه أصيب بخيبة أملٍ طفيفة.

 

على ما يبدو، كان قد صنَّفها فورًا كشخصٍ لا علاقة له بالقتال، لدرجة أنها لم تلحظ هالته على الإطلاق.

 

ولم يكن ذلك بعيدًا عن الحقيقة. فتيريشيا، في نهاية المطاف، لم تخض معركةً حقيقية من قبل، ولم تمضِ وقتًا يُذكر في التلويح بسيفها.

 

لو كانت قادرةً على القتال، لفاقت الجميع قوةً، لكنها، في الواقع، ليست سوى فتاةٍ لا تملك أدنى خبرة في المعارك.

 

«ما الذي تفعله امرأةٌ في مكانٍ كهذا في هذا الوقت المبكر؟».

 

ألقى كلماته بخشونة، بلا أي تصنعٍ أو تلطيف.

 

كان هذا أول ما تسمعه منه، وقد بدا منزعجًا، غير أن صوته كان واضحًا، يسهل تمييزه وسط الصمت.

 

— تيريشيا شعرت بنبضةٍ أخرى تخفق في قلبها.

 

《٥》

 

بعد ذلك، بات لقاؤهما أمرًا متكررًا.

 

ليس لأنهما تعهَّدا بذلك، ولا لأن أحدهما أراد لقاء الآخر على وجه التحديد.

 

كانت تيريشيا تجلس على الدرجة الحجرية، تحدِّق بصمتٍ إلى الأزهار، بينما كرس هو نفسه للتدريب، متفرغًا تمامًا للتلويح بسيفه المصقول.

 

وهكذا، غدا مشهد وجودهما معًا في تلك الساحة المخفية أمرًا مألوفًا.

 

«——»

 

متظاهرةً بعدم الاكتراث، راقبت تيريشيا أسلوبه بالسيف خلسةً، ولم تستطع إخفاء دهشتها.

 

حتى من باب المجاملة، لم يكن من الممكن وصف أسلوبه بالمصقول أو المتقن.

 

بالنسبة لتيريشيا، التي حظيت ببركة قديسة السيف، كانت أخطاؤه جلية، لا يمكن التغاضي عنها. لطالما كان انتقادها لعيوب الآخرين في فن القتال عادةً سيئة لديها، لكن، رغم ما يعتري أسلوبه من قصور، فقد عوَّض ذلك بشيء آخر تمامًا…

 

… إحساسٌ جارف.

 

«… أحمق…».

 

—لم يكن في أسلوبه أي شائبة.

 

كرَّس كلَّ كيانه للسيف. تبدو هذه العبارة بسيطةً في ظاهرها، وقد اعتقدت تيريشيا سابقًا أن إخوتها فعلوا الشيء نفسه. لكنها أدركت الآن أن الأمر أعمق من ذلك بكثير.

 

لم يكن في حياته شيءٌ سوى السيف.

 

كلَّ ما لديه، كلَّ شغفه، صبَّه فيه. لم يكن هناك شيءٌ يحبه سوى السيف. لم يكن شخصًا يستطيع أن يحبَّ أي شيءٍ آخر. كان كالنصل، قطعةً صلبةً من الفولاذ، لا تعرف سوى طريقها الحاد.

 

«… أحمق…».

 

بينما تراقب حركات سيفه بطرف عينها، شعرت بحرارةٍ تتسلل إلى وجنتيها.

 

تيريشيا كانت قديسة السيف، الشخصية التي تجسِّد الذروة المطلقة لفن المبارزة، المحبوبة من اله السيف، حتى وإن لم ترغب في ذلك.

 

الهدف الذي يركض خلفه بجنون… القمة التي يسعى لبلوغها بكل شغف… كانت هي.

 

لم يكن سوى وهمٍ في خيالها، لكنها شعرت وكأنه كان يغازلها بسيفه.

 

«—أحمقٌ حقيقي…».

 

قديسة السيف تيريشيا تستطيع أن تفهم كلَّ شيءٍ عن السيف بمجرد النظر إليه.

 

يمكنها تمييز جوهر أي نصلٍ عريق، سواء كان سيفًا مقدسًا أو سيفًا شيطانيًا، حتى سيف التنين الأسطوري ذاته. ويمكنها استخدام أيٍّ منها بسهولةٍ مطلقة. لم يكن هناك نصلٌ يستطيع أن يخبئ عنها جوهره الحقيقي.

 

إلا هو. كان النصل الوحيد الذي لم تستطع التلويح به كما تشاء.

 

وربما كان ذلك السبب الذي دفعها إلى الاهتمام به.

 

«أنا ويلهيلم ترياس».

 

مرَّت ثلاثة أشهرٍ منذ لقائهما الأول قبل أن يعرِّفا بنفسيهما أخيرًا.

 

رغم كثرة المرات التي التقيا فيها، أصرَّ ويلهيلم بعنادٍ على عدم السؤال عن اسمها. ولم يكن ليحدث ذلك إلا لأن تيريشيا ضاقت ذرعًا، وقررت أن تأخذ المبادرة بنفسها.

 

«كنتُ أناديكِ في رأسي باسم ”فتاة الأزهار“ حتى الآن».

 

—ياللوقاحة.

 

لم يكن في كلامه أدنى لمحةٍ من اللطف أو اللباقة. لم يكن معنيًا بشيءٍ سوى نفسه، مكتفيًا بأبسط حديثٍ ممكن، ثم ينصرف وكأن شيئًا لم يكن.

 

بينما كان قلب تيريشيا يتأرجح.

 

«هل تحب الزهور؟»

 

«لا، أنا أكرهها.»

 

حتى عندما أظهرت له حديقتها الخاصة، كان هذا كل الرد الذي تلقته.

 

لم يكن هناك شك في أنه كان غير قادر جسديًا على أن يكون لطيفًا مع أي شخص أو يقول شيئًا عمدًا لإسعاده.

 

كانت لتنفجر استنكارًا عند سماع ذلك، لكنها لم تملك حيلة؛ لأن الفكرة التالية التي تبادرت إلى ذهنها هي: ولكن لأنه هكذا لأنه يشبه السيف تمامًا، ولهذا…

 

كانت قديسة السيف تتعثر بسبب وجود نصلٍ لا تستطيع التحكم به كما تشاء. في ذلك الوقت، لم تدرك أنه كان ينقذها أيضًا.

 

«هل بدأت تحب الزهور؟»

 

«كلا، أكرهها.»

 

«لماذا تلوِّح بسيفك؟»

 

«لأنه كل ما أملك.»

 

في مرحلةٍ ما، صار هذا الحوار جزءًا ثابتًا من صباحاتهما. تُرى، أي إجابة انتظرت عندما ظلت تكرر الأسئلة ذاتها؟

 

هل أملت أن تحصل على نفس الجواب كل مرة، أم أنها تاقت سرًا لأن يتغير؟ أم أن الإجابة لم تهمها بقدر ما رغبت فقط في الحديث معه؟

 

غير قادرة على تغيير ذاتها، أي إجابة كانت تبحث عنها في ويلهيلم؟

 

—ثم فجأة، ودون أي مقدمات، جاءها الجواب.

 

في ذلك اليوم، وصلت تيريشيا أولًا.

 

كانت الرياح تداعب الأزهار بينما تنتظر قدومه بفارغ الصبر. وبحلول تلك اللحظة، كانت قد أدركت السبب الحقيقي لمجيئها إلى تلك الساحة الصغيرة.

 

«—ويلهيلم.»

 

استدارت تيريشيا حين شعرت بوجوده، وقد تملكتها مشاعر خافتة لم تعهدها من قبل.

 

وحين رأته عند مدخل الساحة، ارتسمت على شفتيها ابتسامة، وامتلأ قلبها بدفء لم تختبره من قبل.

 

«——»

 

—في تلك اللحظة، انهارت السدود التي احتجزت مشاعر ويلهيلم طويلًا.

 

اتسعت عيناه، وارتعشت شفتاه، ثم رفع يده ليخفي وجهه. تفاجأت بردة فعله العنيفة، وكادت تندفع نحوه، لكنها توقفت.

 

لطالما قطعت تيريشيا روابطها بالناس خشية أن تؤذيهم، ولهذا لم تكن تعرف كيف تتصرف عندما تجرح قلب أحدهم.

 

تيريشيا قديسة السيف ليست سوى آلة مصممة للإيذاء والقتل. لم تملك القدرة على إنقاذ أحد.

 

«ويلهيلم…»

 

دفعت خوفها جانبًا، فوجدت نفسها واقفة أمامه مباشرة. كانت خائفة من أن تؤذيه، لكن فكرة فقدانه أرعبتها أكثر بكثير.

 

مدَّت يدها ولمست أصابعه المرتعشة. وفجأة، حين شعرت بحرارةٍ لا تصدَّق، أدركت الحقيقة—

 

السيف ليس سوى قطعةٍ من الفولاذ صُقلت بحرارةٍ مهولةٍ لتزداد قوة.

 

وويلهيلم كان سيفًا. لكنه كان سيفًا غير مكتمل.

 

والآن، وسط هذه النيران، كان يخضع لعملية إعادة تشكيل، كان يُصقل من جديد.

 

—إن كان سيفًا، فإن قديسة السيف يجب أن تفهمه.

 

إن كان هو، إن كان هذا السيف، فعليَّ أن أرغب في فهمه.

 

«هل… بدأت تحب الزهور؟»

 

وكما راودها ذلك التفكير، وجدت سؤالها المعتاد يشق طريقه إلى شفتيها.

 

لو سمعهما أحدٌ من الخارج، لربما بدا سؤالهما خارج السياق تمامًا. لكنه كان كافيًا لهما وحدهما.

 

«… أنا… لا أكرههم.»

 

لكن هذه المرة، جاءها ردٌّ جديد على سؤالها المعتاد.

 

— لطالما خشيت تيريشيا اليوم الذي قد يتغير فيه جواب ويلهيلم.

 

كما لو كانت تخشى أن تُترك خلف الجميع، بينما يواصلون التقدم.

 

خائفةً من أن تعيش رعب أن يُترك أحدهم خلفه، حين يتغير الآخرون.

 

لكن ذلك لم يحدث. لم يكن تغيُّره إلا ليجعله أكثر قيمةً في نظرها.

 

تلك القطعة الفولاذية الصلبة، ذلك النصل الذي لا يعرف سوى حده، لم يكن تغيُّره إلا ليزداد قوة، وليغدو أقرب إلى قلبها.

 

«لماذا تلوِّح بسيفك؟».

 

كان من المؤكد أن يكون لهذا السؤال إجابةٌ مختلفة الآن.

 

وربما تكون تلك الإجابة هي الخلاص الذي بحثت تيريشيا عنه—

 

«لأن السيف هو كل ما أملكه… لأنني لا أجد وسيلةً أخرى لحماية الأشياء.»

 

نعم، لأنه لا يملك سوى السيف.

 

سيكون بخير، لأنه ذلك النوع من الأشخاص.

 

وبعد ذلك، توقَّف تبادلهما المعتاد لهذا السؤال.

 

بدلًا من ذلك، ازدادت الأحاديث، وتغيَّرت المواضيع، وازداد عدد الابتسامات بينهما شيئًا فشيئًا.

 

دفع ويلهيلم نفسه للتحدث رغم افتقاره للباقة، بينما كانت مشاعرها تجاهه تنمو أكثر فأكثر.

 

«لقد حصلتُ على وسام الشرف، وتمت ترقيتي إلى فارس».

 

لن تنسى تيريشيا أبدًا الطريقة التي زفَّ بها الخبر في ذلك اليوم، ولا النظرة الغريبة التي ارتسمت على وجهه.

 

لطالما وجدت تيريشيا صعوبةً في التعامل مع الآخرين، واعتادت تجنُّبهم لفترةٍ طويلة، لكنها لم تكن غافلةً إلى الحد الذي يجعلها تجهل المعنى الحقيقي وراء اعترافه بذلك.

 

فأن يُمنح شخصٌ من العامة لقب فارسٍ لمجرد براعته في ساحة القتال، كان أمرًا نادر الحدوث.

 

إذًا، ما الذي أمل ويلهيلم أن يحدث حين ألقى بهذه الكلمات أمامها؟

 

«أرى ذلك. مباركٌ لك. هذه خطوةٌ أخرى نحو حلمك، أليس كذلك؟».

 

كانت تدرك تمامًا لماذا جاء ليخبرها بذلك؛ لذا تعمدت أن تجيبه ببرود.

 

لو لم تفعل، لربما احمرَّت وجنتاها لا إراديًا، ولهذا، استنفدت كل قواها بصفتها قديسة السيف للحفاظ على رباطة جأشها، ولم تترك سوى ابتسامةٍ هادئة تعلو وجهها.

 

«حلمي؟»

 

«أنت تحمل سيفك لحماية الناس، صحيح؟ الفارس هو مَن يحمي الآخرين في نهاية المطاف.»

 

بلا تردد، أومأ ويلهيلم موافقًا بكل احترام. رغم مزاجه المتجهم دائمًا، كان هناك لحظات نادرة يستجيب فيها بمثل هذا الصدق الطفولي.

 

—سيكون جميلًا لو كنتُ واحدةً من الأشياء التي يريد حمايتها.

 

كرهت تيريشيا نفسها لأنها لم تبح بذلك مباشرةً، وكأنها تترك لنفسها بابًا للهرب.

 

رغم أنها كانت شبه متأكدةٍ من الجواب، ورغم إدراكها بأن كليهما يحمل مشاعر تجاه الآخر، إلا أنها بقيت مترددة، غير قادرةٍ على التصرف.

 

كرهت ذلك الجبن فيها…

 

وبسبب ذلك، ارتكبت خطأ آخر. عندما تذكرت ذلك، لم تتمكن تيريشيا من العثور على مرة واحدة فعلت فيها الشيء الصحيح.

 

《٦》

 

حين عاد ويلهيلم للقلق بشأن وطنه، ألقى بنفسه في أتون المعركة وحده.

 

بمجرد أن سمعت ذلك التقرير، شحب وجه تيريشيا حتى بدا كالموتى. سقطت على ركبتيها دون وعي، بينما وقفت خادمتها بجانبها في ارتباكٍ واضح، لكنها لم تستطع الرد.

 

فهمت تيريشيا على الفور مدى يأس الموقف.

 

احملي سيفك، تيريشيا.

 

بينما تحدق بصمتٍ في الأرض، سمعت ذلك الصوت العتيق المألوف يتردد في أذنها.

 

الصوت الذي لم تسمعه منذ زمنٍ طويل. منذ التقت بويلهيلم، منذ بدأت مشاعرها تجاهه تتبلور، بدا وكأن ذلك الصوت قد ابتعد عن تيريشيا شيئًا فشيئًا.

 

لم يسبق لها أن اعتبرت ذلك الصوت خيرًا. ولكن هذه المرة، كان على حق. الصوت الذي توسَّل إليها أن ترفع سيفها، لم يكن سوى الحقيقة المجردة.

 

«— احملي سيفك، تيريشيا».

 

كررت الكلمات على شفتيها، ثم وقفت بثبات.

 

لقد تخلَّت عن كل شيء لإخوتها، وألقت بالمسؤولية على عاتق عمها، وتركتهم جميعًا يلقون حتفهم.

 

لأنها لم تقاتل، مات الكثيرون.

 

لكنها لن تسمح بذلك هذه المرة.

 

لن تفرِّط به. ويلهيلم وحده كان مختلفًا.

 

ذلك السيف، ذلك الفولاذ— ذلك الرجل ملكٌ لها وحدها.

 

«احملي سيفك، تيريشيا… هذه المرة، سأفعل».

 

—كان الخط الدفاعي حول مسقط رأس ويلهيلم على وشك الانهيار.

 

ساحة قتالٍ جحيمية، تملؤها الصرخات والهتافات المدوية، ممتزجةً برائحة الدم والدخان. وسط هذا المشهد المفزع، عادت إلى ذهن تيريشيا ذكريات معركتها الأولى المريرة، تتوالى أمام عينيها.

 

كم من مرةٍ طاردتها تلك الذكريات؟

 

كم من مرةٍ تخيلت نفسها تقف على ساحة المعركة، تحمل على عاتقها آمال الجميع، وتؤدي دورها كقديسة السيف ببراعة؟

 

لكن الحقيقة القاسية حطَّمت تلك الصور الجميلة بكل سهولة.

 

«——»

 

حبست أنفاسها، تكتم رغبتها في التقيؤ، وبدأت  تيريشيا تبحث عن ويلهيلم وسط أتون المعركة. بحواسها المتحفزة، انطلقت بعينين محتقنتين بالدماء، تمسح ساحة القتال حتى وقع بصرها عليه أخيرًا.

 

وفي اللحظة التي رأته فيها، دفعت الأرض بقدمها وانطلقت.

 

ركضت دون تردد، متجاوزةً جبال الجثث، عابرةً أنهار الدم، مخترقةً ميدان الصرخات والأنين.

 

وبينما كانت رائحة الحديد الخانقة تملأ المكان، وجدته.

 

كان ملقى على الأرض، وجهه ملطخٌ بالدماء، وعيناه شاخصتان نحو خصمه.

 

رأت ذلك النصف بشري يرفع سيفه الضخم نحو ويلهيلم، يهم بإنهاء الأمر. وفي تلك اللحظة، تحركت شفتا ويلهيلم، وخرج صوته المبحوح الهامس:

 

«لا أريد أن أموت…»

 

— سيكون بخير. كل شيء سيكون بخير.

 

لم تعد تسمع شيئًا.

 

لوَّحت بسيفها الطويل. كان خفيفًا بين يديها.

 

لا صوت. لا صدمة. لم يتطلب الأمر منها سوى ضربةٍ واحدة، فتناثر رأس ذلك النصف بشري بعيدًا.

 

بقي السيف مرفوعًا، بينما سقط الجسد بلا حياة، خاليًا من رأسه. وفي اللحظة التالية، تحوَّلت أنظار الأعداء من حولها إليها، لتتوجه نحوها موجةٌ من العداء القاتل.

 

شعرت بها قبل أن تراها. قرأتها في الهواء. أحسَّت بها على جلدها. ثم… أفلتت منها.

 

بخفةٍ لا تصدق، تيريشيا تحركت، متفاديةً جميع الهجمات، ورأت أمامها ذلك الخط الأبيض الغريب.

 

كان أمرًا غامضًا. في لحظةٍ ما، ظهر أمامها خطٌ أبيض، معلقٌ في الهواء، وبطريقةٍ أكثر غرابة، أدركت غريزيًا أن عليها فقط أن تتبعه بسيفها.

 

هبت عاصفةٌ حادة مع اندفاع النصل في الهواء، وانقسم أنصاف البشر الذين كانوا في مسار الخط الأبيض إلى شطرين، متفجرين برشقاتٍ هائلة من الدماء.

 

أطرافٌ بُترت، رؤوسٌ أُطيح بها، بطونٌ شُقَّت، أرواحٌ حُصدت.

 

وأخيرًا، مُنحت تيريشيا الفرصة. بركة قديسة السيف -بركة الحاصد القاتل- تفجرت بكل عنفوانها.

 

«سيدتي تيريشيا…غغ…»

 

تناهى إلى سمعها صوتٌ وسط أتون المعركة. كان صوت خادمتها، تلك التي لم تتخلَّ عنها يومًا، والتي بقيت إلى جانبها رغم كل شيء.

 

لم تهجرها حين أدارت ظهرها لدورها كقديسة السيف، ولم تتركها عندما فرت من ساحة القتال في معركتها الأولى، ولم تتخلَّ عنها حتى بعدما فقدت تيريشيا إيمانها بنفسها.

 

كانت دائمًا تردد لها:

 

سيدتي تيريشيا، ذات يوم، عندما تحين الفرصة، ستكونين أقوى من أي شخصٍ آخر، وستحملين لقب قديسة السيف بحق… وسأظل إلى جانبك حتى ذلك اليوم.

 

وكانت على حق. تيريشيا كانت الأقوى. كانت الأبرع في القتل.

 

—يا ليتها أدركت ذلك في وقتٍ أبكر.

 

«——»

 

أُخرج ويلهيلم الجريح من ساحة القتال على أيدي رفاقه الذين جاؤوا لإنقاذه. حاول المقاومة، أراد البقاء، لكنه لم يستطع.

 

شعرت تيريشيا بالراحة مع تلاشي وجوده بعيدًا. ومع ذلك، لم تتوقف عن التلويح بسيفها. واصلت حصد الأرواح.

 

عندها، سمعت ضحكةً تتردد في أذنها. كان ذلك الصوت الذي سمعته في عقلها دائمًا— وفي تلك اللحظة، أدركت تيريشيا أخيرًا أنه صوت اله السيف نفسه.

 

حاولت تيريشيا أن تغرق صوته وسط صرخات الموتى، أن تمحوه من ذهنها.

 

رفضت أن تسمع سوى صوتٍ واحد.

 

ذلك الصوت المتوسل للحياة.

 

دفعَت كل الأصوات بعيدًا، ولم تسمح لشيءٍ بالتسلل إلى عالمها سوى صوت ويلهيلم—

 

《٧》

 

لم يقطعا عهدًا باللقاء مجددًا.

 

ومع ذلك، كانت على يقينٍ من أنه سيكون هناك، في تلك الساحة، إن ذهبت إليه.

 

«يا للمهانة.»

 

وقف هناك، ينظر إليها بغضب، بينما التزمت تيريشيا الصمت.

 

لقد أوقفَت تيريشيا سيفه، الذي هجم به بكل قوته، بين إصبعيها فقط.

 

«هل كنتِ تسخرين مني؟».

 

«——»

 

«أجيبيني، تيريشيا… أجيبيني، قديسة السيف، تيريشيا ڤان أستريا!!!».

 

لم تكن تنوي ذلك على الإطلاق. لكن ما الجدوى من التبرير؟

 

تراجعت، متجنبةً هجومه العنيف، ثم أسقطته أرضًا مرارًا وتكرارًا، حتى ترنَّح أخيرًا وسقط على ركبتيه بعدما تلقى ضربةً قاضية بمقبض سيفه الذي انتزعَته منه.

 

عندها فقط، نطقت بكلماتها الأخيرة:

 

«لن آتي إلى هنا بعد الآن.»

 

لم تعد تحتمل ذلك المزيج من الكراهية، والشفقة، والمشاعر السلبية التي اشتعلت في عينيه.

 

«لا تحمل السيف بذلك الوجه!»

 

ويلهيلم هو مَن كرَّس نفسه تمامًا للسيف، مَن آمن بجمال النصل وقيمة الفولاذ أكثر من أي شخصٍ آخر. لكنها، بقوتها المطلقة، حطَّمت كل ما آمن به.

 

كانت الإجابة التي منحها إياها هو نفسه ويلهيلم ترياس.

 

«لأنني قديسة السيف… لم أكن أعلم السبب من قبل، لكنني أدركته أخيرًا.»

 

«أدرك…تِ… غغ…»

 

«أن تحمل السيف لتحمي شخصًا ما… أعتقد أن هذا هو الجواب الذي يناسبني أيضًا.»

 

أن تحمي الناس بقوة القتل التي تمتلكها… باللعنة التي تكرهها. أن تحمي ويلهيلم.

 

أن تحميه، أن تحمي عائلتها، أن تحمي الجميع، أن تحمي البلاد. أن تصبح قديسة السيف التي تستحق هذا اللقب. قديسة السيف الأقوى من أي أحد.

 

لأنني الأقوى… لأن قديسة السيف هي الأقوى.

 

«انتظري… تيريشيا…»

 

كادت تتوقف عند سماع الصوت الذي ناداها، لكن بكل ما أوتيت من قوة، أجبرت نفسها على المضي قدمًا.

 

ومع ذلك، بلغها صوت ويلهيلم. بلغ قلبها.

 

«سأنتزع منك السيف… انسي البركات والأدوار… لا تحتقري معنى التلويح بالنصل… لا تستهيني بجمال السيف، قديسة السيف…!».

 

أقسم أن يسلبها إياه.

 

ورغم ذلك، لم تتوقف تلك الهلوسة اللانهائية عن التردد في رأسها.

 

كأن اله السيف نفسه كان يسخر من ذلك المبارز عديم الموهبة الذي تجرأ على أن يحلم بهزيمة قديسة السيف.

 

—كأنما يسخر من ابنته العزيزة، التي تزعزع قلبها بأملٍ ضئيل.

 

《٨》

 

استشعرت وجودًا طاغيًا يقترب من خلفها، فاستدارت تيريشيا تلقائيًا.

 

ساد الاضطراب في المكان، وتحطمت الهالة المهيبة التي سادت الحاضرين في المراسم. دون أن يكترث لأي نداءٍ بالتوقف، ظهر رجل -لا، مبارز- داخل المراسم.

 

كان الاحتفال مزيجًا بين مراسم تأبين ونهاية حرب أنصاف البشر، كما كان مناسبةً للإعلان رسميًا عن قديسة السيف، تيريشيا ڤان أستريا، وتسليط الضوء على مَن لعبت الدور الأكبر في إنهاء النزاع الداخلي.

 

بزيٍّ رسمي وسيفٍ احتفالي، راودت تيريشيا الشكوك في عقلها.

 

لم تستطع تيريشيا تصديق ما تراه. كان مستحيلًا. لا بد أنه كابوس، أو وهمٌ خلقه حبُّ اله السيف الملتوي.

 

أما ذلك الذي وقف أمامها الآن، فقد كان… شيطان السيف. كان يحمل نصلًا بليدًا صدئًا.

 

«——»

 

تيريشيا لم تنطق بكلمة، بل رفعت سيفها الاحتفالي، واتخذت وضعية القتال.

 

سارع الحراس ليحيطوا بالرجل الذي تجرأ على مقاطعة المراسم، لكن الملك أوقفهم بإشارةٍ من على المنصة. كانت ممتنةً لقراره.

 

على الأقل حتى ولو كان حلمًا— فلن يتدخل أحد في موعدها مع شيطان السيف.

 

لم يكن هناك إعلانٌ عن بدء النزال.

 

كما لو كان الأمر قد رُتِّب مسبقًا، انطلقت سيوفهما في ذات اللحظة.

 

انفجر الصليل الأول، وأُزيح الستار عن المبارزة.

 

كما حدث دائمًا، تجلى المسار الذي يراه الاله المحب لابنته. ذلك المسار الذي لا يقود سوى إلى مذبحة. إلا أن ما كسره ليس سوى اجتهاد شيطان السيف… اجتهاده الذي لم يعرف الكلل.

 

كان في سيفه شغفٌ مجنون، وهو يقطع الخط الأبيض في الهواء بذلك النصل الصدئ.

 

خفق قلب تيريشيا بقوة. في كل مرة تتقاطع سيوفهما، يُمزَّق الخط الأبيض. في كل مرة تلتقي عيونهما، تتدفقت مشاعرها أكثر.

 

أحبت شيطان السيف… ذلك الذي وقف أمام عينيها الآن.

 

أحبت قديسة السيف شيطان السيف… في كل مرة تتصادم فيها نصالهما.

 

—لا أستطيع الاكتفاء منه.

 

مع كل ضربة سيف، تعاظمت مشاعرها. أرادت أن تُسقط نصلها، أن تهرع إليه، أن تلقي بنفسها بين ذراعيه.

 

لكنها لم تستطع. لم يكن ذلك مسموحًا. وما منعها لم يكن اله السيف، بل شيطان السيف نفسه.

 

لقد أقسم أن ينتزعها بقوته وحده، ورفض أن يقبل العون من أي أحد. حتى ولو كانت هي من قدمته.

 

كان سيقتنص قديسة السيف بقوته الخاصة، بإصراره وحده، بكل ما كسبه بعدما أفنى كل شيء من أجل السيف.

 

كم مرةً يا ترى…؟

 

عشرات الآلاف؟ مئات الآلاف؟ ملايين لا تُحصى؟

 

كم مرة لوَّح بسيفه وهو يفكر بها؟

 

التقت نصالهما مجددًا، تتشابك، تتناطح، تتألق في صداماتٍ لا تنتهي.

 

حركةٌ تتبعها أخرى، درءٌ وهجوم، دفعٌ وسحب، حتى…

 

«إنه…»

 

«——»

 

«… إنه نصري.»

 

تساقط السيف الاحتفالي من يد تيريشيا.

 

فقدت الإحساس بيدها من شدة التصادمات المتكررة، فارتطمت النصل المقدسة بالأرض خلفها. أما ذلك السيف الصدئ، النصف مهشم، فقد كان مشيرًا مباشرةً إلى عنقها الشاحب.

 

قديسة السيف المتألقة، المغلفة بالجمال والقداسة، هُزمت على يد شيطان السيف، ذلك الذي صُقِل في لهيب الهوس.

 

في تلك اللحظة، تحطم وهم قديسة السيف. في تلك اللحظة، سقطت النصل المقدسة أمام ذلك السيف المهترئ.

 

«أنتِ أضعف مني؛ لذا لا حاجة لأن تمسكي بالسيف مجددًا.»

 

مر زمن طويل منذ آخر مرة سمعت فيها صوته الجاف، الصارم.

 

وكان من المناسب جدًا أن تكون تلك كلماته الأولى لها.

 

«إن لم أحمل السيف، فمَن سيفعل؟»

 

«سأتولى أنا السبب الذي يجعلك تمسكين بالسيف. يمكنكِ ببساطة أن تكوني أنتِ السبب الذي يجعلني ألوِّح بسيفي.»

 

سببُه في حمل السيف كان الحماية.

 

خفض غطاء رأس عباءته، فوقعت عينا تيريشيا على الوجه الذي اشتاقت لرؤيته… ذلك الوجه العابس، الملطخ بالأتربة.

 

يا له من رجل سيئ… يأتي بكل هذه الكلمات الرنانة عن السرقة والحماية، ثم لا يفهم شيئًا عن قلب امرأة.

 

لكن… كيف له أن يفهم؟ وهو ليس إلا سيفًا؟

 

«يا لكَ من شخص فظيع… تأخذ عزيمة شخصٍ ما، وإصراره، وكل شيء آخر، ثم تلقي به بعيدًا وكأنه لا شيء.»

 

«سأرث كل ذلك. لذا، انسي أمر حمل السيف… وخذي الحياة ببساطة. لديَّ فكرة، لمَ لا تزرعين الأزهار وتعيشين بسلام خلف ظهري؟»

 

«محميّةً بسيفك؟»

 

«نعم.»

 

«هل ستحميني؟»

 

«نعم.»

 

إن كان سيسمح لها بأن تكون من بين أغلى أشيائه… إن كان سيُجيب على حبها…

 

ابتسمت تيريشيا لكلمات شيطان السيف— لكلمات ويلهيلم.

 

ثم، بينما تلمس النصل التي استقرت على عنقها، خطت خطوة إلى الأمام.

 

من خلال تلك الشفرة، شعرت بآلاف الأيام من صقل الذات، بانغماس الجسد والروح في التدريب.

 

امتلأت عيناها بالدموع، واندفعت مشاعر لا تُقاوَم في كل كيانها.

 

بدأت الدموع تنساب ببطء على خديها، بينما تلمع عيناها الزرقاوان وهي تبتسم.

 

«هل تحب الأزهار؟»

 

«توقفتُ عن كرهها.»

 

«لماذا تلوِّح بسيفك؟»

 

«لحمايتكِ.»

 

لقد بلغت الحد.

 

منذ أن سقط السيف من يدها، لم تعد تسمع صوت اله السيف…

 

لم تعد ترى سوى ويلهيلم.

 

لم تعد تشعر سوى بويلهيلم.

 

لم يكن هناك شيء في هذا العالم… سوى ويلهيلم.

 

تشبثت بصدره، أغمضت عينيها، ثم ضغطت شفتيها على شفتيه. كان ذلك الإحساس دافئًا… ناعمًا… إحساسًا جعل حبها ينفجر، وجعل عالمها كله يتغير.

 

احمرَّ وجهها وهي تنظر إلى حبيبها الواقف أمامها.

 

لم يقل ويلهيلم شيئًا، بل اكتفى بالتحديق فيها، منتظرًا أن تتكلم.

 

رأت تيريشيا ذلك… وضحكت. لا بأس… كما هو الحال دائمًا، عليها أن تكون هي مَن يسأل أولًا.

 

«هل تحبني؟»

 

«—أنتِ تعلمين الجواب بالفعل.»

 

أدار وجهه جانبًا.

 

اتسعت عينا تيريشيا لوهلة، ثم سرعان ما عبست، منتفخة الخدين، وهي تحدق فيه بعتاب. كيف يجرؤ على التهرب بعد كل ما وصلا إليه؟!

 

مالت للأمام، رافضةً السماح له بالإفلات من ذلك بسهولة.

 

«هيا الآن، هناك أمور يجب أن تُقال بصوت مسموع.»

 

«هاه.»

 

حكَّ ويلهيلم رأسه وهو يشيح بوجهه، كما لو كان يحاول المراوغة.  لكنه في النهاية، تنهد مستسلمًا أمام إصرار نظرات تيريشيا، ثم… ضمَّ خصرها بين ذراعيه. وفي مفاجأة غير متوقعة، اقترب بشفتيه من أذنها، وهمس:

 

«يومًا ما… حين يروق لي ذلك.»

 

— أشعر بأن ذلك اليوم لن يأتي قريبًا.

 

أزعجها جوابه، لكنها شعرت بقشعريرةٍ حين تخيَّلت أنه قد يأتي يومًا ما.

 

وقعت تيريشيا في حب ويلهيلم إلى درجة أنها باتت مستعدةً لغفران أنانيته.

 

《٩》

 

«أنا أحبك، ويلهيلم.»

 

«——»

 

في النهاية، لم يُجب ويلهيلم مرةً واحدة بجوابٍ صريح.

 

لكنه كان دائمًا يُعبّر عن مشاعره بأفعاله، حتى وإن عجز عن قولها بالكلمات.

 

ذلك النوع من السلوك لا يمكن لامرأةٍ أن تتقبَّله إلا إن كانت بالغة اللطف… أو مجنونةً بحبه— وتيريشيا كانت كلاهما معًا؛ لذا لم تُمانع قط، وتركته على حاله.

 

عاشا معًا حياةً هادئةً، رقيقةً، بوصفهما زوجًا وزوجة.

 

كما وعدها، لم يمنحها ويلهيلم، منذ مبارزتهما، أي سببٍ لحمل السيف مجددًا. أما هي، فلم يعد لديها أي تعلقٍ به، فقد توقف صوت اله السيف عن مناداتها منذ وقتٍ بعيد.

 

لكن… بين الحين والآخر، كانت تشعر بعدم الارتياح.

 

لأن نعمة قديسة السيف لم تختفِ.  بل بقيت كامنةً داخلها.

 

«تيريشيا.»

 

«—مم-همم.»

 

كلما راودها ذلك الشعور، كان ويلهيلم، وكأنه يشعر به، يحتضنها. كان يمزِّق الستار الذي تحاول الاختباء خلفه، يُجبرها على مواجهة مخاوفها الدفينة، ويتدخل رغمًا عنها.

 

وكان ذلك كافيًا.

 

«هل تحبني؟»

 

«——»

 

لكن، رغم كل شيء، ظلَّ يرفض الإجابة على ذلك السؤال بعنادٍ شديد.

 

《١٠》

 

الحياة مليئة بالتقلبات… من الطبيعي أن تتخللها لحظاتُ سعادة ولحظاتُ حزنٍ.

 

تيريشيا وويلهيلم أنجبا ابنًا واحدًا، هاينكل.

 

ثم تزوج هاينكل من لويانا، وأنجبا بدورهما ابنًا… حفيدهما الأول، راينهارد.

 

وما حدث بعدها… لم يكن ذنب أحدٍ منهم.

 

لم يكن ذنب هاينكل، الذي كان مخلصًا، وبذل قصارى جهده في دراسة فن السيف، رغم أنه لم يُجْزَ عن ذلك.

 

لم يكن ذنب لويانا، التي أصابها داءُ الأميرة النائمة، فحكمت على زوجها وابنها بعزلةٍ لم يتمنَّياها يومًا.

 

لم يكن ذنب راينهارد، الذي حُمِّلَ أقدارًا قاسيةً لا يستطيع شخصٌ واحدٌ حملها وحده.

 

لم يكن أيٌّ منهم مخطئًا… لم يكن أيٌّ منهم مذنبًا.

 

هاينكل انحرف عن طريقه، ولويانا تاهت في أحلامها، وراينهارد لم يرد سوى أن يُحَبَّ مجددًا.

 

إن كان هناك مَن أخطأ، فهي تيريشيا. تيريشيا، التي لاحظت كل ذلك… ولم تفعل شيئًا.

 

«أنا أعارض هذا بشدة! ماذا تفكرين بحق؟!»

 

تيبَّس جسد تيريشيا عند سماع تلك النبرة الحادَّة… تلك الهالة الحاسمة التي باغتتها عن قرب.

 

كانت تتوقع هذا الرد. علمت أنه سيعارض.

 

للمرة الأولى منذ عقود، استدعاها البلاط الملكي، ليس بصفتها مجرد لقبٍ زائف، بل بصفتها قديسة السيف الحقيقية. لقد طلبوا منها الانضمام إلى الحملة المرسلة لاصطياد الحوت الأبيض، أحد الوحوش الشيطانية الثلاثة العظمى التي تهدد سلام العالم.

 

حدَّقت في وجه زوجها. بدأ الشيب يغزو شعره، لكن ملامحه لم تزدد إلا حدةً ورجولةً مع تقدم العمر. لم يتغير شيء في توهج المشاعر داخل عينيه الزرقاوين، ولم يخفت أبدًا ذلك الشعور الجارف الذي يحمله تجاه تيريشيا.

 

كان هذا وجه الرجل الذي أحبته تيريشيا… ووجه الرجل الذي أحبها.

 

هزَّت رأسها نفيًا.

 

«لقد اتخذت قراري بالفعل.»

 

«كيف يمكنكِ ذلك؟! مَن أخبركِ بهذا أصلًا…؟!»

 

من عناد تيريشيا، أدرك ويلهيلم أن أحدًا ما قد همس في أذنها بهذا الأمر. وفي اللحظة التالية، صار وجه شيطان السيف قناعًا من الغضب، وسرعان ما بدأ جو الغرفة يشتعل من هالة المعركة التي لم يعد قادرًا على كبحها.

 

«ذلك الأحمق! وجب عليه أن يشعر ببعض الخجل…!»

 

«لا أنتَ ولا أنا نملك الحق في قول ذلك.»

 

ندمت على ما آل إليه مصير ابنهما بقدر ما ندم ويلهيلم. ولهذا تحديدًا، لم ترد أن يُلقي باللوم على هاينكل. أدرك ويلهيلم مغزى كلماتها، فقبض على أسنانه وحاول تهدئة غضبه. كانت تلك علامةً على أنه نضج ولو قليلًا.

 

لكن هذا النضج جعله مثقلًا بالكثير من المسؤوليات، حتى إنه لم يعد قادرًا على التخلي عن كل شيء ببساطةٍ كما فعل في الماضي.

 

لم يكن بإمكان ويلهيلم الانضمام إلى حملة اصطياد الحوت الأبيض.

 

فالعاصمة كانت غارقةً في فوضى غير مسبوقة— ابنة شقيق الملك قد اختُطِفت، والحرس الملكي استنفر كل قوته للبحث عن الجاني وإنقاذ الطفلة.

 

وبوصفه قائد الحرس الملكي، كان على ويلهيلم تكريس كل وقته وجهده لهذا الأمر.

 

وهكذا، بما أن شيطان السيف لم يكن قادرًا على المشاركة، فقد طلبوا من تيريشيا أن تنضم بدلًا منه… بصفتها الشخص الوحيد الذي لا يزال يحمل بركة قديسة السيف ولقبها، رغم مرور سنوات طويلة منذ آخر مرة أمسكت فيها بسيف.

 

تذكَّرت تيريشيا وعد ويلهيلم… وعدها بأنه لن يدعها تحمل السيف مجددًا.

 

وفي الحقيقة، أوفى بوعده. عاشت حياةً هانئة، تحيط نفسها بالزهور، في ظل حمايته. لكن حان الوقت لتوديع تلك الحياة.

 

«ويلهيلم، هل تحبني؟»

 

«ماذا—؟»

 

لم يكن مستعدًا لسماع هذا السؤال، بعد كل هذه السنوات، تجمَّد في مكانه، مشدوهًا بابتسامة زوجته.

 

واستغلت تيريشيا لحظة ذهوله، فمدَّت يدها بهدوءٍ ومرَّرتها على كتفه، مخدوشةً إياه بأظافرها. منذ زواجهما، تمكنت من السيطرة على بركة حاصد الأرواح، لكنها هذه المرة… استخدمتها بكامل إرادتها.

 

توسَّعت عينا ويلهيلم وهو يحدِّق في الجرح السطحي الذي خلفته أصابعها على كتفه.

 

لم يكن الجرح عميقًا… لكن الدم لم يتوقف عن التدفق. ولن يتوقف أبدًا… طالما كانت تيريشيا إلى جانبه.

 

«تيريشيا…؟»

 

اقتربت منه، وأسندت رأسها إلى صدره العريض.

 

آخر دفءٍ ستشعر به بين ذراعيه. وبينما كان يحتضنها، رفعت  تيريشيا رأسها قليلًا وقبَّلت الجرح النازف على كتفه.

 

اصطبغت شفتيها باللون القرمزي… للمرة الأولى، تذوقت دم زوجها.

 

«الآن… لا يمكنك ملاحقتي. إن فعلت… فلن يلتئم هذا الجرح أبدًا.»

 

«هل هذا هو سببكِ لفعل هذا الحماقة؟ تظنين أن هذا سيمنعني؟»

 

«إن تبعتني… فسيصبح كل هذا بلا معنى.»

 

ضحكت بخفَّة، ثم أفلتت تيريشيا نفسها من بين ذراعيه. رفعت يدها إلى كتفه مشيرةً إلى الجرح.

 

«دع الجرح كما هو… ليذكِّرك بألَّا تلحق بي. وعندما ننهي مهمتينا، سأعتني به بنفسي.»

 

«——»

 

«لا تقلق، مَن تظنني؟ لستُ أقل منك مهارةً في السيف.»

 

«تنافسين مجموعةً من الشبان رغم أنكِ على مشارف الخمسين…»

 

«راقب لسانك، عزيزي.»

 

تردد صوت صفعة خفيفة عندما وضعت يدها على فمه.

 

حقًا… عشرون عامًا قضيناها معًا، ومع ذلك…

 

هذا السيف الصلب، هذا الرجل الفولاذي… لا يزال كما هو.

 

ولهذا—

 

«أحبك، ويلهيلم.»

 

«——»

 

«هذا يكفي… في الوقت الحالي.»

 

«في الوقت الحالي؟»

 

أومأت برأسها بينما قطَّب ويلهيلم حاجبيه.

 

كان الجرح على كتفه عهدًا بلقاءٍ قادم—

 

«—عندما أعود… أريد أن أسمع إجابتك أخيرًا.»

 

《١١》

 

قفزت ذاكرتها إلى الأمام.

 

لم تستطع الرؤية بوضوح. وكأنها واقفة وسط عاصفةٍ من الرمال. حتى الأصوات… بدت مكتومةً وبعيدة.

 

«—!»

سمعت صوت صرخة، ثم صرخةً أخرى… ثم عويلًا مريرًا.

 

انهارت حملة القضاء على الحوت الأبيض بالكامل.

 

ضبابٌ كثيف أحاط بالمكان، ولم يكن لأحد وجهةٌ يهرب إليها. ارتفعت الأصوات في محاولةٍ يائسة لردع ذلك الشعور الطاغي بالهلاك الذي اجتاحهم.

 

«——»

 

وفجأة… لم تعد تذكر ما حدث.

 

كانت المعركة قاسية، لكن الحملة كان يفترض أنها في موقع القوة. تذكَّرت أنها شعرت للحظة أنهم ثبتوا أقدامهم أمام الحوت الأبيض… وأنها أدَّت دورها حتى بعد انسحابها من الخطوط الأمامية.

 

لكن عندما بلغت هذه الفكرة، تسلل إلى قلبها إحساس غريب. شعورٌ طفيف… لكنه خاطئ.

 

ذراعاها بخير… ساقاها سليمتان… بصرها لم يصبه شيء…

لكن… كان هناك فراغٌ ما، إحساسٌ وكأنها فقدت جناحيها—

 

«البركة…»

 

لم تعد تشعر ببركة قديس السيف.

 

تلك القوة التي لم تفارقها يومًا، مهما ابتعدت عن السيف.

 

«—راينهارد!»

 

في لحظة، أدركت لمَن انتقلت البركة. كان ذلك أمرًا طبيعيًا، غريزيًا حتى. تمامًا كما علم عمَّها يومًا أنها ورثتها منه.

وربما كان الأمر أبسط من ذلك…

 

فلقد أدركت منذ زمنٍ بعيد الموهبة الفطرية اللامحدودة التي يملكها راينهارد.

 

مهما يكن، كانت تيريشيا واثقةً تمامًا بأن راينهارد هو قديس السيف الذي سيخلفها.

 

قد يكون ذلك خيانةً لهاينكل، الذي لطالما توق إلى اللقب… لكن لم يكن هناك وقتٌ ولا أحدٌ ليلومها على ذلك الآن.

 

«أوه… امرأةٌ وحدها في مكانٍ كهذا؟ هذا تصرُّفٌ شجاع.»

 

«—نغه.»

 

ارتجف جسد تيريشيا وهي تستدير نحو مصدر الصوت.

 

كان ناعمًا وأنيقًا… لكنه بدا غريبًا تمامًا وسط هذا الخراب. ظهرت فتاة ذات شعرٍ بلاتيني من بين الضباب الكثيف. كان على وجهها ابتسامةٌ لطيفة، وفي عينيها بريقُ مودةٍ غامضة، وكأنها تنظر إلى صديقٍ مجهول بعاطفةٍ غير مشروطة.

 

لكنها كانت محبةً مغلوطة، مشَوّهة، وأكبر مما يجب. ولم يكن لذلك سوى أثرٍ واحد…

 

الرعب.

 

«آووو، لقد تم رفضي.»

 

ألقت تيريشيا بسيف التنين جانبًا، ذلك السيف الذي لم تعد قادرةً على سحبه، والتقطت السيف الطويل عند قدميها… ثم اندفعت نحوها.

 

تحت أي ظرفٍ آخر، لم تكن لتتخذ قرارًا كهذا، لكن في عالمٍ مغطَّى بضباب الموت الذي خلَّفه الحوت الأبيض، لم تكن الفتاة التي تجول بهدوء وسط الخراب مجرد لغز— بل كانت تهديدًا.

 

حتى دون بركة قديسة السيف، لم تفقد تيريشيا مهارتها في القتال. وكانت الضربة التي وجهتها كفيلةً بأن تشطر الفتاة نصفين بكل سهولة—

 

«—أريد أن أفهمكِ.»

 

في اللحظة التالية، داعب أذنيها صوتٌ ساحرٌ خافت، وجذب وعيها إلى العتمة.

 

سقطت وكأنها تهوي من السماء، أو تغرق في أعماق بحرٍ بلا قرار.

 

لم تعرف ما الذي حدث. ولا ما الذي سيحدث بعدها.

لكن أفكارها…

 

قفزت نحو مستقبل حفيدها، وقلب ابنها، والمرأة التي تربط بينهما.

 

وأخيرًا—

 

«ويلهيلم…»

 

نطقت اسم الرجل الذي أحبَّته بكل كيانها… قبل أن يختفي وعيها بالكامل.

 

ثم—

 

《١٢》

 

«تبدين بحالةٍ مزرية…»

 

فتحت عينيها ببطء، فرأت وجهًا أرهقته السنوات.

 

كان شعره أبيض بالكامل، وخطت التجاعيد قسماته، ومع ذلك، لم تستطع إلا أن تفكر في كم بدا وسيمًا. ليس هناك أدنى شك.

 

هذا الوجه… يخص زوجها. وإن كان واضحًا أن وقتًا طويلًا قد مضى منذ آخر لقاءٍ بينهما.

 

«——»

 

زفرت أنفاسها ببطء.

 

شعرت بوجود شخصين آخرين قريبين… لا بد أنهما هاينكل وراينهارد.

 

رجال عائلة أستريا الثلاثة… كانوا هنا لرؤيتها للمرة الأخيرة.

 

لأنهم كانوا… طيبين جدًا.

 

«تيريشيا، أنا…»

 

ارتجف وجه ويلهيلم المتجعد، ونبرته متعثرة.

 

يالها من هيئةٍ غير لائقة، أمام ابنه وحفيده أيضًا! أين ذهب ذلك الوقار الصلب الذي عرفته عنه دائمًا؟

 

…ولكن، إن فكرت بالأمر، لطالما كانت تلك اللحظات القليلة التي يسقط فيها قناعه من أكثر الأشياء جاذبيةً فيه.

 

«هيه، ويلهيلم…»

 

كان صوتها مبحوحًا… لكنه حمل رنينًا شابًا غريبًا، وكأن الزمن لم يمر بها.

 

يا للحرج… صوتي يبدو تمامًا كما كان يوم وقعتُ في حبِّه.

 

«——»

 

شعرت بالإحراج من مجرد التفكير في العودة إلى ذلك الماضي البعيد. حتى مع إدراكها أن وقتها كان ينفد، بقيت تحدِّق في عينيه.

 

لكن لا بأس. لقد قالت له كل ما أرادت قوله بالفعل. وكانت واثقةً أن ويلهيلم فهمها تمامًا.

 

هو مَن كان بحاجةٍ إلى الوقت، كان بحاجةٍ إلى الفرصة، كان بحاجةٍ إلى العثور على الكلمات الصحيحة.

 

أما تيريشيا ،فقد اكتفت بالانتظار بصمت. سيجعلها تنتظر لكنُّه لن يخيب ظنها. ذلك هو الرجل الذي أحبَّته… ويلهيلم تيرياس.

 

ذلك هو الرجل الذي امتلك ما يلزم ليكون زوجها…

 

ويلهيلم ڤان أستريا.

 

«هناك شيءٌ… عليَّ أن أخبركِ به.»

 

«——»

 

«أنا-أنا لطالما كنتُ ضعيفًا في التعبير عن مشاعري، وأرهقتكِ بذلك… طوال عشرين عامًا، لم أقوَ يومًا على أن…»

 

«——»

 

«لا بد أنني أقلقتكِ طوال تلك السنوات، لكنني—»

 

«—أحمق.»

 

نوت الاستماع إليه بصمت، لكن رؤيته وهو يعاني بهذه الصورة كانت أكثر مما تحتمل.

 

ضحكت، ما الذي يحاول قوله حتى؟

 

«ألم تلاحظ قط؟»

 

مدَّت يدها إلى وجنته، حيث كان يكافح بكل ما أوتي من قوة، وجهه على حافة الدموع، يعتصر عقله ليعبِّر عما في قلبه.

 

كان جسدها ثقيلاً جدًا، لم يعد فيها سوى ذرة من القوة، لكنها صبَّت كل ما تبقى لها منها في أطراف أصابعها؛ لتجفِّف دموع عن وجنتيه.

 

تمكنت من الوصول إليه بالكاد.

 

لكن ذلك… كان كافيًا.

 

بما تبقى لها من قوة، مسحت دموعه برفق؛ دموع الرجل الذي أحبته.

 

«كنتَ تقولها دائمًا.»

 

هل ظن أنه يخفيها؟

 

هل اعتقد أنه قد كتمها لمجرد أنه لم ينطق بها؟

 

«عيناك، صوتك، تصرفاتك، أفعالك— كلها. أخبرتني بذلك في كل يوم.»

 

لقد نذر ويلهيلم كل شيء لتيريشيا.

 

وما كان بحاجة إلى كلمات؛ لأن أفعاله وحدها كانت أصدق تعبير عن مشاعره.

 

«تيريشيا، أنا—»

 

«أعلم.»

 

كان ذلك كافيًا.

 

«—أحبك.»

 

من البداية وحتى النهاية، كانت بلا شك حياة مباركة.

 

كان لديَّ إخوة أتفاهم معهم، ووالدان أحاطاني بالحب، وأصدقاء اعتنوا بي.

 

 

 

 

لقد ساعدني الكثير من الناس، والتقيتك أنت يا ويلهيلم.

 

لا شك أن المشاكل ستظل قائمة.

 

لكنني أؤمن أنكم جميعًا ستكونون بخير.

 

لأنني أحبكم جميعًا.

 

منذ البداية وحتى النهاية، أحببتكم دائمًا.

 

لا أملك سوى ندمٍ واحد… سؤالٌ لم أتمكن من طرحه.

 

ما مدى دهشتك لو أخبرتك أنني وقعت في حبك منذ اللحظة الأولى التي تلاقت فيها أعيننا؟

 

《١٣》

 

بعد لحظة أخيرة جمعتهما معًا، حان الوقت.

 

ابتسمت وكأنها راضية، وقد احمرَّت وجنتاها في مظهر بديع بينما غمرت عينيها الدموع. ثم انهار جسد تيريشيا ڤان أستريا في أحضان ويلهيلم في غمضة عين، متحولًا إلى رماد.

 

«——»

 

تيريشيا أحرقت آخر ما تبقى من حياتها وعادت إلى التراب. ألقى ويلهيلم نظرةً صامتة على ما تبقى منها، مطأطئ الرأس.

 

«… هل ارتحت الآن؟»

 

انطلق صوت هاينكل، قاطعًا الصمت.

 

تألقت عيناه بالكراهية وهو يحدِّق براينهارد، الذي راقب المشهد من جانبه. التفت راينهارد إليه وأخذ نفسًا خافتًا.

 

«ماذا تعني بقولك ”ارتحت“؟»

 

«لا تتظاهر بالغباء! أعني ما سمعته! لا بد أنك سعيد الآن! لقد حصلت على لقب قديس السيف بكل معانيه! تهانينا! والآن لا مجال لإنكار الشائعات التي تقول إنك سلبت البركة وتسببت في موت قديسة السيف السابقة! أليس هذا ما أردته؟!»

 

«لا أستطيع فهم ما تقوله.»

 

«لا تتصنَّع البراءة أيها الوغد!»

 

صرخ هاينكل محاولًا الإمساك براينهارد، لكن الأخير أفلت من قبضته بسهولة وأمسك بوالده قبل أن يتعثر ويسقط.

 

كان الأمر أشبه بعرضٍ يبرهن على أنه ليس حتى نِدًّا لابنه. ولم يكن لذلك سوى أن يزيد من حنق هاينكل، فقبض على أسنانه بغيظٍ شديد.

 

«لا تتفاخر بنفسك، راينهارد…!» صرخ هاينكل بصوتٍ مشحونٍ بالغضب، ولفظ كلماته مصحوبةً برذاذ من فمه، متهمًا ابنه بلهجةٍ متهدجة: «لا شيء مما تقوله يمكن أن يغير ما رأيته بعينيَّ. الحقيقة أن يدك امتدت نحو أمي… أنك أنت مَن قطع تيريشيا ڤان أستريا! سأشهد بذلك، وسأتأكد أن الجميع يعلم! لن يعترف بك أحدٌ كقديس السيف بعد الآن!»

 

«——»

 

«أنا واثق أنك ستختلق أعذارًا لتحتفظ باللقب، وقد أفلت من كل شيء حتى الآن، لكن ذلك لن ينفع بعد الآن. قديس سيف قتل جدته؟ سيف المملكة؟ ها! لا تضحكني! أنت مجرد قاتل!»

 

«—نائب القائد، أنا حقًا لا أفهم ما تشير إليه. يبدو أنك تحت وهمٍ بأنني قطعت قديسة السيف السابقة.»

 

«… هاه؟»

 

أجاب راينهارد ببرود بينما ضغط هاينكل عليه بانفعال. اتسعت عينا هاينكل من الدهشة، لكن راينهارد لم يكن يحاول تقديم أعذار.

 

كان ببساطة يصرِّح بحقيقة باردة قاسية.

 

«العدو الذي رأيناه كان مجرد جثة تحركها قوة شريرة. لا يمكن أن تكون تلك قديسة السيف السابقة… لا يمكن أن تكون جدتي. ربما أسأت الفهم؟»

 

«——»

 

كان جواب راينهارد صاعقًا.

 

غرس هاينكل يده في شعره الأحمر وعبث به بجنون، ثم انبعثت من حلقه ضحكة مبحوحة وارتسمت على وجهه ابتسامة جنونية.

 

«إذًا… ما الذي رأيناه الآن؟ ما الذي دار بينك وبين أبي؟ ما الذي كان يحدق بنا بذلك الاستياء…؟ ما الذي كان ذلك إن لم يكن أمي؟!»

 

«—كفى، هاينكل.»

 

كانت أسنان هاينكل مكشَّرة، تسيل كلماته بسمٍ يفوق الحقد ذاته، لكن صوت ويلهيلم هو مَن أوقف فورانه أخيرًا.

 

كان العجوز لا يزال جاثيًا على الأرض، ففك معطفه عن خصره ومزَّق كُمَّه، ليضمد به الجرح العميق في ساقه اليمنى، حيث غُرِزَ سيفها الطويل.

 

كانت بركة حاصد الأرواح هي ما أبقت جراحه نازفة، لكنها تلاشت في اللحظة التي اختفى فيها وجود تيريشيا. أما الخدش القديم على كتفه الأيسر، فقد حمل الأثر نفسه.

 

لقد نُقِشت الندبة على كتفه الأيسر عندما كانت تيريشيا على قيد الحياة، أما ساقه اليمنى، فحملت ندبة تلقتها منه بعد مماتها. غير أن كلا الجُرحين، وقد كانا محفورين ببركتها، فقدا تأثيرهما الآن.

 

«ماذا تعني بـ ”كفى“، أبي…؟! هل يروق لك أن تترك الأمور على هذا النحو؟! إنُّه—»

 

«كفى يا هاينكل… فقط… كفى…»

 

للمرة الثانية، طلب ويلهيلم منه أن يضع حدًّا لكل هذا.

 

بسط معطفه على الأرض، وبدأ يجمع به رماد تيريشيا، فلم يكن بوسعه أن يتركها تتلاشى مع الريح.

 

كان أقل ما يمكنه فعله أن يصطحبها معه، ليضعها في مرقدٍ يليق بها، بين عائلتها التي أحبتها بكل قلبها.

 

«—غخ.»

 

نظر هاينكل إلى والده، وغص بالكلمات، وقضم لسانه بغيظٍ مرير.

 

وحين انتهى ويلهيلم من جمع الرماد، حاول أن ينهض على ساقين واهنتين.

 

كان النزيف قد توقف، لكن الجرح كان غائرًا، وقد فقد كمية كبيرة من الدم. مدَّ راينهارد يده إليه فورًا، محاولًا دعمه. لكن—

 

«لا تلمسني!»

 

انطلق زئير ويلهيلم كسوطٍ مفاجئ، قبل أن تلامس أصابع راينهارد جسده.

 

توقف راينهارد، لكن ويلهيلم لم يحاول حتى النظر إليه. لم تلتقِ أعينهما، بينما زفر شيطان السيف بهدوء.

 

«راينهارد…»

 

«—نعم، سيدي.»

 

على عكس صوته المرتجف، جاء صوت راينهارد مهيبًا، ثابتًا لا تشوبه ذرة اضطراب.

 

أغمض ويلهيلم عينيه للحظة عند إدراكه ذلك، ثم واصل حديثه:

 

«هل تندم على قطع تيريشيا… جدتك؟»

 

«——»

 

ساد الصمت برهة.

 

لعلَّه تجاهل السؤال ببساطة، معتبرًا إياه بلا معنى، تمامًا كما فعل مع هاينكل من قبل.

 

لكن بعد لحظة من التوقف، جاء رده:

 

«لا، سيدي. لقد فعلت ما هو صحيح. لا أشعر بأي ندم.»

 

«… أجل… بالطبع.»

 

«——»

 

«أنتَ على حق. كنت أنا المخطئ… ليس لديَّ ما أقوله لك بعد الآن.»

 

قالها بصوت خافت، ثم أدار ظهره لراينهارد، وهكذا، أُغلِق السؤال الفاصل بين الجد وحفيده من دون أن يتبادلا حتى النظرات.

 

«أنا واثق أن هناك أماكن أخرى تحتاج إلى قوتك في أنحاء المدينة. أشعر بقلق خاص على السيد غارفيل، فقد انفصل عني أثناء القتال. إن سمحت لي، قديس السيف راينهارد.»

 

«——»

 

حبس راينهارد أنفاسه عند سماع ذلك التصريح البارد المتجرد. لكنه استقام، ثم أخيرًا، ألقى نظرة نحو هاينكل.

 

كان هاينكل يغلي بالحقد، وعندما شعر بنظرة راينهارد، تصلب جسده قليلًا، لكنه لم ينبس ببنت شفة. تجاهل راينهارد ذلك الارتعاش الطفيف، وصرف بصره عنه.

 

«الأوضاع خطرة في الخارج، نائب القائد. من الأفضل أن تتوجه إلى أحد الملاجئ… مع السيد ويلهيلم.»

 

«مـ-ما حاجتي إلى نصيحتك؟! ارحل من هنا فحسب!»

 

إلى آخر لحظة، لم يكن في صوته ذرة دفء. استدار راينهارد، وانخفض بجسده قليلًا، ثم وثب عاليًا ليشق سماء الليل.

 

وفي لمح البصر، اختفى قديس السيف عن الأنظار. تأمل هاينكل تلك القوة الخارقة للحظة، قبل أن يبصق على الأرض بامتعاض عندما لم يعد راينهارد في مدى بصره. ثم اندفع ليلحق بوالده، الذي كان يسير متثاقلًا، يجرُّ ساقه المصابة خلفه.

 

«أبي، لا ينبغي لك…»

 

«دعني وشأني. لا أريد أن يرى أحد وجهي الآن.»

 

«أبي…»

 

«لا داعي لأن تقلق عليَّ… فقط اعتنِ بسلامتك. هذا أكثر من كافٍ…»

 

كان صوته مبحوحًا، كأنَّه يهمس بتلك الكلمات لتكون عزاءً أو ربما قناعًا يخفي به ألمه، ثم واصل المضيَّ قدمًا، محكمًا قبضته على رماد زوجته، الذي لفه في معطفه. ظل يسير بخطًى ثقيلة، يتهادى بعيدًا، حتى تلاشى ظهره عن الأنظار.

 

«——»

 

ظل هاينكل في مكانه، عاجزًا عن اللحاق به، غير قادر على مناداته.

 

وحين تلاشى ظل والده تمامًا عن ناظريه، لم يكن منه إلا أن…

 

«لمـ… لماذا… لماذا، لماذا، لماذا، لماذااااا؟!»

 

بقي وحده، يحدق في الأرضية تحت قدميه بعينين محمومتين، يصرخ في جنون، يعتصر رأسه بكفيه، قبل أن يركل سيفه الملقى على الأرض بجنون.

 

ارتدَّ سيف أستريا اللامع على الحجارة، متراقصًا كحجر يتقافز فوق صفحة الماء.

 

«تبًّا، تبًّا، تبًّا! ليذهب الجميع إلى الجحيم! تبًا!»

 

صرخة هاينكل المغموسة بالدماء دوَّت في الساحة المهجورة، حيث تُرِك وحيدًا تمامًا.

 

صرخ وصرخ، وتعالت صيحاته المفعمة بالحقد والحزن، مترددةً في الأفق البعيد—

 

وهكذا انتهت ساحة المعركة التي اجتمع فيها الجد والأب والابن— عائلة أستريا بأكملها.

 

لقد رحلت المرأة التي كانت جدةً وأمًّا وزوجة.

 

لحظة تيريشيا ڤان أستريا الأخيرة تركت ندوبًا لا تمحى في قلوبهم الثلاثة.

 

وبذلك، أسدل الستار على المعركة الأخيرة دفاعًا عن بريستيلا.

 

 

////

حسابنا بتويتر @ReZeroAR

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات

التعليقات

سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.

READER EDITION

إعدادات القراءة

خصّص مظهر القراءة على هذه الصفحة.

الخط والفقرات

215%
1.0×
معاينة الخط

هذه معاينة قصيرة لشكل النص أثناء القراءة.

وهنا تظهر المسافة بين فقرتين.

عرض الصفحة

90%

تحكّم بعرض النص داخل الصفحة؛ يُحفظ اختيارك للفصول التالية.

محاذاة النص
شريط التقدم

يخفي شريط الموقع الثابت الذي يظهر عند التمرير أثناء قراءة الفصول.

طريقة القراءة

انقر داخل نص الفصل للانتقال إلى أسفل بمقدار الشاشة المحدد.

40 px/ث
يتوقف التمرير عند استخدام لوحة المفاتيح أو اللمس.

اسحب أفقيًا داخل النص للانتقال إلى الفصل المجاور. يمكنك استخدام Shift مع سهم اليمين أو اليسار من لوحة المفاتيح.

وضع التصفية

لتغيير كلمة إله إلى شيء آخر

مظهر القراءة

تختار السمة لون الخلفية والنص معًا. يمكنك تعديل كل لون بعدها.

اختر لون خلفية مريحًا للقراءة.

لا يتوفر غلاف لهذه الرواية.

رفع صورة خلفية مخصصة

تُحفظ الصورة في هذا المتصفح فقط.

100%

خفّض التباين لجعل النص أكثر راحة وأقل بروزاً.

عند إيقافه، يختار الموقع لون النص حسب السمة.

عناصر صفحة الفصل

يحفظ اختيارك في هذا المتصفح ويخفي زري الإعدادات والانتقال إلى أعلى الصفحة.

حفظ إعداداتك في هذا المتصفح

تبقى الإعدادات على هذا المتصفح. لا يتضمن التصدير صورة الخلفية المخصصة.

لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.
READER EDITION

تخصيص الموقع

اختر ألوان الموقع والوضع الداكن بما يلائم ذوقك.

دعم الرواية

ري زيرو: بدء الحياة في عالم أخر من الصفر

سجّل الدخول لإرسال الذهب إلى خزنة الرواية.