5 - تيريشيا ڤان أستريا.
《١》
إلى أي مدى ستتفاجأ لو أخبرتك أنني وقعت في حبك منذ اللحظة التي تلاقت فيها أعيننا لأول مرة؟
ما زالت تسمع ذلك الصوت… حتى بعد موت عمَّها الذي قاله لها.
《٢》
لماذا أنعم بها على تيريشيا، التي ظلت تهرب من السيف؟
«—أخي، القديسة القادمة للسيف هي ابنتك، تيريشيا.»
من عناد تيريشيا، أدرك ويلهيلم أن أحدًا ما قد همس في أذنها بهذا الأمر. وفي اللحظة التالية، صار وجه شيطان السيف قناعًا من الغضب، وسرعان ما بدأ جو الغرفة يشتعل من هالة المعركة التي لم يعد قادرًا على كبحها.
بهذه الكلمات، كشف قديس السيف السابق بلا رحمة عن الخدعة التي أخفتها ابنة أخيه.
—في ذلك اليوم، حين كانت تيريشيا لم تتجاوز الثانية عشرة، نالت بركة قديس السيف.
وحين رأته عند مدخل الساحة، ارتسمت على شفتيها ابتسامة، وامتلأ قلبها بدفء لم تختبره من قبل.
—وفي ذلك اليوم، انهار عالمها بالكامل.
عُرِفَت عائلة أستريا عبر الأجيال بأنها مهد قديسي السيف، أولئك الذين وُهِبُوا هذا اللقب منذ قرون تكريمًا لإنجازات أول قديس للسيف، ريد أستريا. ومنذ ذلك الحين، حملت العائلة شرف أن تكون سيف مملكة لوغونيكا.
لهذا، سواء كانوا رجالًا أو نساءً، ليس لأحد من أفراد آل أستريا أن يعيش بعيدًا عن السيف.
وتيريشيا ليست استثناءً. ولهذا السبب بالتحديد، مقتت جدَّها الأكبر، ريد أستريا، بل كرهته.
ثم—
كانت تيريشيا تخشى البركة التي وُلِدَت بها—بركة الحاصد.
كان من المؤكد أن يكون لهذا السؤال إجابةٌ مختلفة الآن.
الجروح التي تسببت بها لم تلتئم، بل نزفت إلى الأبد. وعندما أدركت هذه الحقيقة، ارتعدت خوفًا من نفسها.
فقدت الإحساس بيدها من شدة التصادمات المتكررة، فارتطمت النصل المقدسة بالأرض خلفها. أما ذلك السيف الصدئ، النصف مهشم، فقد كان مشيرًا مباشرةً إلى عنقها الشاحب.
لذا، حتى لا يكتشف أحد بركتها، قررت أن تُغلِق على نفسها قوتها.
وكان ذلك كافيًا.
—لكن العيش دون أن تؤذي أحدًا، ولو عن غير قصد، ليس بهذه السهولة.
شعرت بوجود شخصين آخرين قريبين… لا بد أنهما هاينكل وراينهارد.
حتى لو لم تتعمد إلحاق الضرر بالآخرين، تربص الخطر بها في كل لحظة من حياتها اليومية. بركتها لم تميز، وخطأ بسيط أو حركة غير محسوبة كفيلان بكشف ما حاولت إخفاءه.
حدَّقت في وجه زوجها. بدأ الشيب يغزو شعره، لكن ملامحه لم تزدد إلا حدةً ورجولةً مع تقدم العمر. لم يتغير شيء في توهج المشاعر داخل عينيه الزرقاوين، ولم يخفت أبدًا ذلك الشعور الجارف الذي يحمله تجاه تيريشيا.
كان عليها أن تبقي الأمر سرًا، ولهذا كرهت تدريب السيف الإجباري في العائلة.
—لا يجب أن ألمس السيف. لأنني جالبة الموت.
بإرادة حديدية وخوف متجذر، حاولت أن تبتعد عنه. تحججت بكل عذر ممكن لتجنب التدريب، حتى استسلمت العائلة وتوقفت عن إجبارها.
وأخيرًا، مُنحت تيريشيا الفرصة. بركة قديسة السيف -بركة الحاصد القاتل- تفجرت بكل عنفوانها.
وأخيرًا، وجدت راحة البال. تخلَّت عن السيف، وعاشت كفتاة عادية، تقضي أيامها في تأمل الأزهار والاعتناء بها.
أحبت شيطان السيف… ذلك الذي وقف أمام عينيها الآن.
—حتى جاء اليوم الذي انتقلت إليها بركة قديس السيف بينما كانت تعتني بحديقتها.
لكن، رغم كل شيء، ظلَّ يرفض الإجابة على ذلك السؤال بعنادٍ شديد.
«أمسكي بالسيف، تيريشيا.»
لم يكن الجرح عميقًا… لكن الدم لم يتوقف عن التدفق. ولن يتوقف أبدًا… طالما كانت تيريشيا إلى جانبه.
إن كان هو، إن كان هذا السيف، فعليَّ أن أرغب في فهمه.
حين حبست نفسها في غرفتها محاولةً إنكار ما جرى، اقتحم عمها عزلتها بلا رحمة، وجذبها خارجًا رغمًا عنها.
كان شعرها مبعثرًا، وملابسها غير مرتبة، وعيناها مغرورقتان بالدموع، لكنه لم يُعر ذلك اهتمامًا، بل قادها إلى الحديقة وأعاد أمره مجددًا:
أحبت شيطان السيف… ذلك الذي وقف أمام عينيها الآن.
«أمسكي بالسيف، تيريشيا.»
رفضت بعناد، هزَّت رأسها مرارًا وتكرارًا، لكنها في النهاية استسلمت وأمسكت بالسيف الخشبي بقبضة واهنة. حينها، أمسك عمها برأسها وأجبرها على النظر أمامها.
كان شقيقها الأكبر واقفًا هناك. كان لطيفًا، بملامح تشع طيبة، لطالما دللها، ولطالما أحبَّته.
ارتجف وجه ويلهيلم المتجعد، ونبرته متعثرة.
لقد نُقِشت الندبة على كتفه الأيسر عندما كانت تيريشيا على قيد الحياة، أما ساقه اليمنى، فحملت ندبة تلقتها منه بعد مماتها. غير أن كلا الجُرحين، وقد كانا محفورين ببركتها، فقدا تأثيرهما الآن.
لكن لمَّا نظرت إليه، لمعت في عقلها فكرة واحدة صادمة:
—كم هو مليء بالثغرات.
«… إنه نصري.»
ارتعبت من نفسها. كيف راودها مثل هذا الخاطر؟
«لأنني قديسة السيف… لم أكن أعلم السبب من قبل، لكنني أدركته أخيرًا.»
كان العجوز لا يزال جاثيًا على الأرض، ففك معطفه عن خصره ومزَّق كُمَّه، ليضمد به الجرح العميق في ساقه اليمنى، حيث غُرِزَ سيفها الطويل.
إلا أن عمها لم يكترث، بل التفت نحو شقيقها الأكبر وأصدر أمرًا قاطعًا، أمره بأن يسحق أخته الصغيرة بالسيف الخشبي، ليبرهن على موهبته.
«لا يمكنني فعل ذلك!» صرخ مستنكرًا.
آخر دفءٍ ستشعر به بين ذراعيه. وبينما كان يحتضنها، رفعت تيريشيا رأسها قليلًا وقبَّلت الجرح النازف على كتفه.
«جبان!» صاح عمها موبخًا.
لكن حتى ذلك الجحيم ليس شيئًا مقارنة بالجحيم الحقيقي الذي انتظرها.
لماذا لم يمنح بركته لمَن أحبه بصدق؟
التواء الألم في ملامح شقيقها الأكبر كان شديدًا، وكأن صوته اخترق قلبه. لطالما نظر بإعجاب إلى قديس السيف، وحين سمع هذا التوبيخ منه، لم يستطع سوى أن يتألم بصمت. كان شقيقاها الآخران، اللذان أُحضرا ليشهدا الأمر، يحملان التعبير ذاته على وجهيهما.
يا للحرج… صوتي يبدو تمامًا كما كان يوم وقعتُ في حبِّه.
ورغم الجرح الذي تركته الكلمات في نفسه، لمع الإصرار في عيني شقيقها الأكبر، وإن كان إصرارًا حزينًا.
ساد الصمت برهة.
تمكنت من الشعور بنيته، كان سيهوي بالسيف الخشبي بطريقة لا تؤذيها. أدركت ذلك من وقفته، ومن نظراته، ومن الهواء الذي أحاط به.
«——»
بمهارت أخي، لن يكون الأمر صعبًا عليه. إن كان هو، فبوسعه إنهاء هذه المهزلة.
قفزت ذاكرتها إلى الأمام.
أما ذلك الذي وقف أمامها الآن، فقد كان… شيطان السيف. كان يحمل نصلًا بليدًا صدئًا.
«— يكفي.»
هل أملت أن تحصل على نفس الجواب كل مرة، أم أنها تاقت سرًا لأن يتغير؟ أم أن الإجابة لم تهمها بقدر ما رغبت فقط في الحديث معه؟
استفاقت تيريشيا من شرودها على مشهد السيف الخشبي وهو يهوي بعيدًا، مغروسًا في الأرض. في صوت عمها، انبهارٌ جليٌّ أكد أن النزال قد حُسم. كيف لا، وسيف تيريشيا كان موجهًا مباشرة إلى حنجرة شقيقها الأكبر، الذي حدَّق بها مذهولًا؟
لأن نعمة قديسة السيف لم تختفِ. بل بقيت كامنةً داخلها.
«قديس السيف القادم هو تيريشيا. لا مجال للشك في ذلك.»
ورغم ذلك، لم تمسك بسيفٍ منذ ذلك الحين. تحدت ذلك الصوت، وبذلت جهدها لتبتعد عن السيف. لكن السيف لم يسمح لها بالهرب.
«البركة…»
صوت عمها، ونظرات شقيقها التي التقت بعينيها، مزقا قلبها.
كان العجوز لا يزال جاثيًا على الأرض، ففك معطفه عن خصره ومزَّق كُمَّه، ليضمد به الجرح العميق في ساقه اليمنى، حيث غُرِزَ سيفها الطويل.
هزَّت رأسها، ثم أطلقت صرخة وهي تلقي السيف جانبًا، تضغط على رأسها بيديها. كحيوان جريح، صاحت بجنون، مزقت شعرها القرمزي، وانهارت في نحيبٍ مرير.
للمرة الثانية، طلب ويلهيلم منه أن يضع حدًّا لكل هذا.
صرخت كأنما فقدت عقلها، تنتحب بندمٍ مستميت، تتمنى لو أن الزمن عاد بها إلى الوراء.
«هل ستحميني؟»
وفي غضون أيام، انتشرت ألسنة اللهب في أنحاء المملكة، والتهمت كل شيء.
—وفي ذلك اليوم، أصبحت تيريشيا قديس السيف.
ندمت على ما آل إليه مصير ابنهما بقدر ما ندم ويلهيلم. ولهذا تحديدًا، لم ترد أن يُلقي باللوم على هاينكل. أدرك ويلهيلم مغزى كلماتها، فقبض على أسنانه وحاول تهدئة غضبه. كانت تلك علامةً على أنه نضج ولو قليلًا.
《٣》
السنوات التي أفناها إخوتها في صقل مهاراتهم بالسيف… سُحِقَت بلا رحمة أمام موهبة تيريشيا الخارقة.
صوت عمها، ونظرات شقيقها التي التقت بعينيها، مزقا قلبها.
لم يكن للوقت والجهد أي قيمة حين يواجهان عبقرية فطرية طاغية. رأت إخوتها مثيرين للشفقة، رغم أن الفارق بين قدراتهم وقدرتها كان هائلًا، إلا أنهم لم يتمكنوا من التخلي عن السيف.
《١١》
لماذا ما زالوا يلوحون بسيوفهم، وهم يدركون أنهم لن يتمكنوا من اللحاق بها مهما قضوا أعمارهم في ذلك؟
لماذا، بينما أمكنهم فعل أي شيء آخر؟ لماذا لم يتركوه وراءهم ببساطة؟
توقف راينهارد، لكن ويلهيلم لم يحاول حتى النظر إليه. لم تلتقِ أعينهما، بينما زفر شيطان السيف بهدوء.
لم يكن مستعدًا لسماع هذا السؤال، بعد كل هذه السنوات، تجمَّد في مكانه، مشدوهًا بابتسامة زوجته.
لا زال بوسعهم اختيار طريق آخر، العيش كما يريدون، والمضي في الحياة كما يحلو لهم.
في تلك اللحظة، تحطم وهم قديسة السيف. في تلك اللحظة، سقطت النصل المقدسة أمام ذلك السيف المهترئ.
أما تيريشيا… فقد سُلب منها هذا الخيار إلى الأبد.
توقفت أعمال البناء بسبب الحرب، فبقيت المباني نصف مكتملة، مهجورة بلا هدف. وباعتبارها قديسة السيف التي أخفقت في أداء دورها، شعرت تيريشيا بنوعٍ من الألفة مع تلك الهياكل التي لم تؤدِّ وظيفتها كبيوتٍ كما ينبغي.
ارتجف وجه ويلهيلم المتجعد، ونبرته متعثرة.
«أمسكي بالسيف، تيريشيا.»
منذ ذلك اليوم، حين هزمت شقيقها الأكبر، لم يختفِ ذلك الصوت من أذنيها.
ورغم ذلك، لم تمسك بسيفٍ منذ ذلك الحين. تحدت ذلك الصوت، وبذلت جهدها لتبتعد عن السيف. لكن السيف لم يسمح لها بالهرب.
حين حبست نفسها في غرفتها محاولةً إنكار ما جرى، اقتحم عمها عزلتها بلا رحمة، وجذبها خارجًا رغمًا عنها.
لقد كان الجحيم. جحيمًا لا مفر منه، داخل عقلها.
لن تفرِّط به. ويلهيلم وحده كان مختلفًا.
سارع الحراس ليحيطوا بالرجل الذي تجرأ على مقاطعة المراسم، لكن الملك أوقفهم بإشارةٍ من على المنصة. كانت ممتنةً لقراره.
لكن حتى ذلك الجحيم ليس شيئًا مقارنة بالجحيم الحقيقي الذي انتظرها.
«أمسكي بالسيف، تيريشيا.»
بدأت أكبر وأعنف حرب أهلية شهدتها المملكة—حرب أنصاف البشر.
كان من المؤكد أن يكون لهذا السؤال إجابةٌ مختلفة الآن.
بدأت كحادثة بسيطة، لكنها تصاعدت بسرعة، تزداد حدة كل يوم.
كان صوته مبحوحًا، كأنَّه يهمس بتلك الكلمات لتكون عزاءً أو ربما قناعًا يخفي به ألمه، ثم واصل المضيَّ قدمًا، محكمًا قبضته على رماد زوجته، الذي لفه في معطفه. ظل يسير بخطًى ثقيلة، يتهادى بعيدًا، حتى تلاشى ظهره عن الأنظار.
لطالما حملت المملكة ازدراءً عميقًا لأنصاف البشر، وكأن الشرارة التي أشعلت نار هذه الحرب لم تكن سوى فتيلًا ينتظر الانفجار.
شقيقها الأصغر، كاجيريس، الصغير الجبان الذي تشبث بها باكيًا كلما شعر بالخوف.
وفي غضون أيام، انتشرت ألسنة اللهب في أنحاء المملكة، والتهمت كل شيء.
ابتسمت وكأنها راضية، وقد احمرَّت وجنتاها في مظهر بديع بينما غمرت عينيها الدموع. ثم انهار جسد تيريشيا ڤان أستريا في أحضان ويلهيلم في غمضة عين، متحولًا إلى رماد.
وبعد عامٍ كامل من محاولات فاشلة لإخمادها، أدركت المملكة فداحة الأمر، واتخذت قرارها بإرسال أقوى أسلحتها—قديس السيف.
حسابنا بتويتر @ReZeroAR
—وفي ليلة نشرها إلى ساحة القتال لأول مرة، كانت تيريشيا منطوية على نفسها في خيمتها، تضغط على ركبتيها وترتجف وحدها.
لأنها كانت أول مرة ترسل فيها، كان الجيش الذي رافقها هائلًا. تطوع كثير من الجنود للقتال، متحمسين للقتال إلى جانب قديس السيف الحالي في أول معركة لها.
كان جواب راينهارد صاعقًا.
تلك الثقة العمياء التي وضعوها فيها… كانت تطحن قلبها بلا رحمة.
«——»
«——»
لم تستطع مشاركة مخاوفها مع أحد—
«—تيريشيا، هل أنتِ خائفة؟»
«لماذا تلوِّح بسيفك؟».
صوت مألوف اخترق عزلتها. لقد كان شقيقها الأكبر، الذي أُرسل لمرافقتها في معركتها الأولى.
منذ ذلك اليوم، تعمدت تيريشيا تجنبه—لا، ليس هو فقط. لقد وضعت جدارًا بينها وبين جميع إخوتها، ووالديها، وعمها، وكل مَن حولها.
مضى عامان منذ أن تحدثت إلى شقيقها الطيب، الذي لطالما أحبته بصدق.
«كيف يمكنكِ ذلك؟! مَن أخبركِ بهذا أصلًا…؟!»
خفضت رأسها، غير قادرة على التفوُّه بكلمة. أما هو، فاكتفى بالجلوس بجانبها، ولفَّ ذراعه حول كتفها، وربَّت على رأسها برفق.
لذا، حتى لا يكتشف أحد بركتها، قررت أن تُغلِق على نفسها قوتها.
عندها… انهارت تيريشيا.
«—ويلهيلم.»
كان العجوز لا يزال جاثيًا على الأرض، ففك معطفه عن خصره ومزَّق كُمَّه، ليضمد به الجرح العميق في ساقه اليمنى، حيث غُرِزَ سيفها الطويل.
ظنَّت أنها لا تملك الحق في الشكوى. ظنت أنه لا يحق لها أن تقول هذا لمَن سحقته في ذلك اليوم.
لكنها لم تستطع كبح نفسها. تمسكت به، وانهارت في البكاء. اعترفت، بصوت مختنق، بأنها خائفة. بأنها لا تريد القتال. بأنها آسفة.
—وفي ذلك اليوم، أصبحت تيريشيا قديس السيف.
لم يكن ذنب راينهارد، الذي حُمِّلَ أقدارًا قاسيةً لا يستطيع شخصٌ واحدٌ حملها وحده.
«أنتِ أختي الصغيرة الغالية. إن لم تردِ فعل شيء، إن خفتِ… فسأحميكِ. لأنني شقيقك الأكبر.»
كان الجرح على كتفه عهدًا بلقاءٍ قادم—
«——»
«لا أنتَ ولا أنا نملك الحق في قول ذلك.»
«أعترف أنني شعرت بالخيبة حين هُزِمتُ أمامكِ. لكنني أدركت بعدها أنني حقًا أحب السيف. أنا ممتن لكوني وُلدت في هذه العائلة، ممتن لإخوتي الصغار، وممتن لكِ، أختي الصغيرة… ممتن للسيف على كل ذلك.»
عندما سمعت تيريشيا شقيقها يقول ذلك بثقة، مبتسمًا، لعنت غباءها.
«——»
أن تحمي الناس بقوة القتل التي تمتلكها… باللعنة التي تكرهها. أن تحمي ويلهيلم.
ظنَّت أن إخوتها حمقى لاستمرارهم في التلويح بسيوفهم رغم هزيمتهم أمامها. نظرت إليهم باستعلاء، مقتنعة بأنهم يتشبثون بالسيف لمجرد أنهم لم يجدوا شيئًا آخر يتمسكون به.
حتى شقيقها الأكبر، الذي أحبَّته وكان جديرًا باحترامها، ازدرتها عينُها فقط لأنها وُهبت موهبة فطرية بالسيف.
لكن ذلك لم يحدث. لم يكن تغيُّره إلا ليجعله أكثر قيمةً في نظرها.
فمَن كان الأحمق الحقيقي؟ لقد كانت هي… كانت دومًا هي. أما اله السيف، فكان الأحمق الأكبر بينهم جميعًا.
والآن، وسط هذه النيران، كان يخضع لعملية إعادة تشكيل، كان يُصقل من جديد.
لماذا لم يمنح بركته لمَن أحبه بصدق؟
«——»
لماذا أنعم بها على تيريشيا، التي ظلت تهرب من السيف؟
بما تبقى لها من قوة، مسحت دموعه برفق؛ دموع الرجل الذي أحبته.
«ليس عليكِ أن تقاتلي… فأنتِ فتاة طيبة، لا تقدر حتى على إيذاء ذبابة.»
«جبان!» صاح عمها موبخًا.
كان هناك حقلٌ صغير من الأزهار الصفراء الزاهية، نَمَت بحرية، دون أن يرعاها أحد.
كانت سعيدةً بما قاله شقيقها… ولذا استغلَّت لطفه. وضعت كل آمالها عليه.
وفي معركتها الأولى، مات شقيقها الأكبر وهو يحمي المعسكر الرئيسي حيث كانت تيريشيا.
«لا، سيدي. لقد فعلت ما هو صحيح. لا أشعر بأي ندم.»
لم تلوِّح تيريشيا بسيفها ولو لمرة واحدة… لم تستطع.
كان من الأسهل أن تقتنع بذلك. لكنها أدركت أن الحقيقة ليست كذلك.
احملي سيفكِ، تيريشيا.
تيريشيا أحرقت آخر ما تبقى من حياتها وعادت إلى التراب. ألقى ويلهيلم نظرةً صامتة على ما تبقى منها، مطأطئ الرأس.
لكنها عصت ذلك الصوت الذي لم يكفَّ عن ملاحقتها… فلم ترفع سيفها.
وويلهيلم كان سيفًا. لكنه كان سيفًا غير مكتمل.
ومضت سنواتٌ أخرى، دون أن تمسَّ السيف مرةً واحدة.
كان شعره أبيض بالكامل، وخطت التجاعيد قسماته، ومع ذلك، لم تستطع إلا أن تفكر في كم بدا وسيمًا. ليس هناك أدنى شك.
《٤》
اقتربت منه، وأسندت رأسها إلى صدره العريض.
انتهت أول معركة خاضتها تيريشيا بهزيمة نكراء.
لطالما وجدت تيريشيا صعوبةً في التعامل مع الآخرين، واعتادت تجنُّبهم لفترةٍ طويلة، لكنها لم تكن غافلةً إلى الحد الذي يجعلها تجهل المعنى الحقيقي وراء اعترافه بذلك.
ودُفن ذلك العار تحت ركام الأكاذيب والتستر. فوجود قديسة السيف كان رمزًا لصمود المملكة، وآخر ما أرادته أن يتسرب للعامة هو الحقيقة.
—وفي ليلة نشرها إلى ساحة القتال لأول مرة، كانت تيريشيا منطوية على نفسها في خيمتها، تضغط على ركبتيها وترتجف وحدها.
ولذا، لم تتعرض تيريشيا لأي لومٍ رغم فرارها من وجه العدو، وظلت مختبئةً داخل قوقعتها.
شقيقها الأكبر، ثامس، الطيب الحنون الذي حقق كل طلباتها مهما بلغت صعوبتها.
وكما راودها ذلك التفكير، وجدت سؤالها المعتاد يشق طريقه إلى شفتيها.
شقيقها الأوسط، كارلان، الحاد الطباع، لكنه أول مَن يبادر بالاعتذار حين يحين وقت التصالح.
«محميّةً بسيفك؟»
«هل كنتِ تسخرين مني؟».
شقيقها الأصغر، كاجيريس، الصغير الجبان الذي تشبث بها باكيًا كلما شعر بالخوف.
جميعهم حملوا سيوفهم وخاضوا ساحات القتال بدلًا عنها… وجميعهم لقوا حتفهم.
وحين رأته عند مدخل الساحة، ارتسمت على شفتيها ابتسامة، وامتلأ قلبها بدفء لم تختبره من قبل.
لطالما كنتُ عبئًا عليكم… آسف، تيريشيا.
«هناك شيءٌ… عليَّ أن أخبركِ به.»
حتى عمَّها، الذي استعان بمكانته كقديس السيف السابق لرفع معنويات الجيش، قُتل هو الآخر.
بلا تردد، أومأ ويلهيلم موافقًا بكل احترام. رغم مزاجه المتجهم دائمًا، كان هناك لحظات نادرة يستجيب فيها بمثل هذا الصدق الطفولي.
رغبت في أن تكرهه، في أن تلقي اللوم عليه. فلولاه، ربما استطاعت أن تُبقي على حقيقة امتلاكها لبركة قديسة السيف طيَّ الكتمان.
وهكذا انتهت ساحة المعركة التي اجتمع فيها الجد والأب والابن— عائلة أستريا بأكملها.
ولو حدث ذلك، لما اضطر إخوتها إلى خوض القتال لحمايتها… ولربما بقي الجميع على قيد الحياة.
لن تفرِّط به. ويلهيلم وحده كان مختلفًا.
كان من الأسهل أن تقتنع بذلك. لكنها أدركت أن الحقيقة ليست كذلك.
—لا أستطيع الاكتفاء منه.
فهم عمَّها يفهم عبء اللقب أكثر من أي شخصٍ آخر.
لكن أفكارها…
كان قد اختبر المعاناة ذاتها التي عاشتها تيريشيا. ولهذا، ترك لها تلك الكلمات الأخيرة… كلمات الاعتذار. لقد أدرك تمامًا ما فرضته المملكة على تيريشيا، ومدى قسوة ذلك المصير.
ولأنها فهمت ذلك، لم يعد بإمكانها أن تحقد عليه بعد الآن.
فمَن تبقى لتلومه إذًا؟ لم يعد هناك أحدٌ تلقي عليه اللوم… سوى نفسها.
—يا ليتها أدركت ذلك في وقتٍ أبكر.
نفسها الحمقاء، العاجزة عن فعل شيء سوى البكاء، رغم أنها كانت قديسة السيف.
《٥》
احملي سيفكِ، تيريشيا.
تألقت عيناه بالكراهية وهو يحدِّق براينهارد، الذي راقب المشهد من جانبه. التفت راينهارد إليه وأخذ نفسًا خافتًا.
«——»
ما زالت تسمع ذلك الصوت… حتى بعد موت عمَّها الذي قاله لها.
ودُفن ذلك العار تحت ركام الأكاذيب والتستر. فوجود قديسة السيف كان رمزًا لصمود المملكة، وآخر ما أرادته أن يتسرب للعامة هو الحقيقة.
محاولةً الهروب من ذلك الصوت، غادرت تيريشيا القصر وتسللت إلى الخارج، تائهةً بلا وجهة.
بينما كان قلب تيريشيا يتأرجح.
— بعد خمس سنواتٍ من اندلاع حرب أنصاف البشر، بلغت تيريشيا التاسعة عشرة من عمرها.
شعرٌ بنيٌّ طويلٌ مربوطٌ للخلف، ملامح متناسقة لكنها تنطق بالحدة، جسدٌ ممشوقٌ معتادٌ على التمرين، وهالةٌ شرسة تنبعث منه بكل وضوح.
كانت العاصمة قد فقدت بريقها وغرقت في الكآبة جراء الحرب الأهلية المستعرة، وساد الشوارع جوٌّ من الكآبة الثقيلة. تجنبت تيريشيا التجوُّل في تلك الطرقات المعتمة، وبدلًا من ذلك، قادتها قدماها إلى أطراف العاصمة، حيث حيٌّ من المباني المتهالكة.
لم تستطع الرؤية بوضوح. وكأنها واقفة وسط عاصفةٍ من الرمال. حتى الأصوات… بدت مكتومةً وبعيدة.
توقفت أعمال البناء بسبب الحرب، فبقيت المباني نصف مكتملة، مهجورة بلا هدف. وباعتبارها قديسة السيف التي أخفقت في أداء دورها، شعرت تيريشيا بنوعٍ من الألفة مع تلك الهياكل التي لم تؤدِّ وظيفتها كبيوتٍ كما ينبغي.
«——»
«الآن… لا يمكنك ملاحقتي. إن فعلت… فلن يلتئم هذا الجرح أبدًا.»
زفرةٌ خفيفة تسللت من بين شفتيها، وذابت في الهواء الصباحي النقي والبارد، بينما تشق طريقها نحو فسحةٍ مفتوحة بين تلك الأبنية المهجورة. لم يستحق المكان حتى أن يُسمَّى ساحة. جلست على إحدى الدرجات الحجرية، محدقةً بالجدار المتداعي أمامها.
كان هناك حقلٌ صغير من الأزهار الصفراء الزاهية، نَمَت بحرية، دون أن يرعاها أحد.
—حتى جاء اليوم الذي انتقلت إليها بركة قديس السيف بينما كانت تعتني بحديقتها.
مكانٌ سري، لم يعلم أحدٌ بوجوده. استغلت تيريشيا ذلك، ونثرت هناك بعض بذور الأزهار. لم تملك العزيمة الكافية للعناية بالحدائق الباهتة في القصر، لكنها أتت هنا فقط لتراقب ثمار ما زرعته ذات يومٍ على حين غرة. لهذا وجدت نفسها مجدَّدًا في هذا المكان.
«… كيف نَمَوتِ بهذا الجمال رغم أنني لم أسقِكِ حتى؟ أنتنَّ رائعات حقًا».
كانت الأزهار قوية. بينما كانت تيريشيا تمضي وقتها في الندم على ضعفها، واجهت تلك الأزهار السماء ونثرت بتلاتها، مزهرةً بكل شموخ.
ذلك الوجود الصامد، النبيل… كاد أن يدفعها للبكاء.
— عندها شعرت بحضورٍ حادٍّ يقترب.
أما تيريشيا… فقد سُلب منها هذا الخيار إلى الأبد.
منذ البداية وحتى النهاية، أحببتكم دائمًا.
«آه، عذرًا».
وفي الحقيقة، أوفى بوعده. عاشت حياةً هانئة، تحيط نفسها بالزهور، في ظل حمايته. لكن حان الوقت لتوديع تلك الحياة.
يا له من رجل سيئ… يأتي بكل هذه الكلمات الرنانة عن السرقة والحماية، ثم لا يفهم شيئًا عن قلب امرأة.
انتهكت خصوصية ملاذها الصباحي بقدوم شخصٍ ذي هالةٍ تنذر بالخطر.
«أحبك، ويلهيلم.»
كادت دموعها أن تُكشف، لكنها أجبرت نفسها على التظاهر بالهدوء، متصنعةً الراحة وهي تتحدث، ثم استدارت لمواجهة ذاك المتطفل.
«ليس عليكِ أن تقاتلي… فأنتِ فتاة طيبة، لا تقدر حتى على إيذاء ذبابة.»
هزَّت رأسها نفيًا.
وحين التقت عيناها به… صُعقت.
بسط معطفه على الأرض، وبدأ يجمع به رماد تيريشيا، فلم يكن بوسعه أن يتركها تتلاشى مع الريح.
«هل تندم على قطع تيريشيا… جدتك؟»
«——»
《١٢》
شعرٌ بنيٌّ طويلٌ مربوطٌ للخلف، ملامح متناسقة لكنها تنطق بالحدة، جسدٌ ممشوقٌ معتادٌ على التمرين، وهالةٌ شرسة تنبعث منه بكل وضوح.
«هل تحب الأزهار؟»
لم يقتصر الأمر على جديته القاتمة، بل كان هناك ما هو أشد وقعًا على تيريشيا.
— لقد بدا في عينيها كسيفٍ مسلول.
ظنَّت أنها لا تملك الحق في الشكوى. ظنت أنه لا يحق لها أن تقول هذا لمَن سحقته في ذلك اليوم.
كأنما هناك نصلٌ ساخن، مشحوذٌ بدقة، يحدق إليها مباشرةً.
ذلك المشهد جعل قلبها ينبض بعنف. للحظةٍ قصيرة، تملكها ارتباكٌ لم تفهم سببه. لكن، وقد شعرت بالخجل من فكرة أن يلحظ هو ذلك، فتحت فمها محاولةً التظاهر بالثبات.
الجروح التي تسببت بها لم تلتئم، بل نزفت إلى الأبد. وعندما أدركت هذه الحقيقة، ارتعدت خوفًا من نفسها.
«مَن كان يظن أن أحدًا قد يأتي إلى هنا في هذا الوقت المبكر؟ ما الذي—».
«——»
كان ذلك استقباله.
بمهارت أخي، لن يكون الأمر صعبًا عليه. إن كان هو، فبوسعه إنهاء هذه المهزلة.
حاولت تيريشيا أن تبادره بنبرةٍ ودِّية، لكنه لم يرد سوى بصمته القاسي.
«أعترف أنني شعرت بالخيبة حين هُزِمتُ أمامكِ. لكنني أدركت بعدها أنني حقًا أحب السيف. أنا ممتن لكوني وُلدت في هذه العائلة، ممتن لإخوتي الصغار، وممتن لكِ، أختي الصغيرة… ممتن للسيف على كل ذلك.»
ليس سوى عداءٍ محض موجهٍ نحوها.
سرعان ما فقدت اهتمامها. إن كان سيعامِلها بهذه الفظاظة، فلن تكلف نفسها عناء التظاهر بالمجاملة.
يمكنها تمييز جوهر أي نصلٍ عريق، سواء كان سيفًا مقدسًا أو سيفًا شيطانيًا، حتى سيف التنين الأسطوري ذاته. ويمكنها استخدام أيٍّ منها بسهولةٍ مطلقة. لم يكن هناك نصلٌ يستطيع أن يخبئ عنها جوهره الحقيقي.
فلنرَ كيف سيتصرف حين يدرك أن هالته المخيفة هذه لا تؤثر بي.
كان الجرح على كتفه عهدًا بلقاءٍ قادم—
«… ما الأمر؟ لمَ هذا الوجه المتجهم؟»
—ياللوقاحة.
عند سماعه لكلماتها، بدا وكأنه أصيب بخيبة أملٍ طفيفة.
لأنها كانت أول مرة ترسل فيها، كان الجيش الذي رافقها هائلًا. تطوع كثير من الجنود للقتال، متحمسين للقتال إلى جانب قديس السيف الحالي في أول معركة لها.
— بعد خمس سنواتٍ من اندلاع حرب أنصاف البشر، بلغت تيريشيا التاسعة عشرة من عمرها.
على ما يبدو، كان قد صنَّفها فورًا كشخصٍ لا علاقة له بالقتال، لدرجة أنها لم تلحظ هالته على الإطلاق.
«ويلهيلم…»
ولم يكن ذلك بعيدًا عن الحقيقة. فتيريشيا، في نهاية المطاف، لم تخض معركةً حقيقية من قبل، ولم تمضِ وقتًا يُذكر في التلويح بسيفها.
«لا بد أنني أقلقتكِ طوال تلك السنوات، لكنني—»
لو كانت قادرةً على القتال، لفاقت الجميع قوةً، لكنها، في الواقع، ليست سوى فتاةٍ لا تملك أدنى خبرة في المعارك.
«ما الذي تفعله امرأةٌ في مكانٍ كهذا في هذا الوقت المبكر؟».
الهدف الذي يركض خلفه بجنون… القمة التي يسعى لبلوغها بكل شغف… كانت هي.
ألقى كلماته بخشونة، بلا أي تصنعٍ أو تلطيف.
كان هذا أول ما تسمعه منه، وقد بدا منزعجًا، غير أن صوته كان واضحًا، يسهل تمييزه وسط الصمت.
— تيريشيا شعرت بنبضةٍ أخرى تخفق في قلبها.
《٥》
قالها بصوت خافت، ثم أدار ظهره لراينهارد، وهكذا، أُغلِق السؤال الفاصل بين الجد وحفيده من دون أن يتبادلا حتى النظرات.
بعد ذلك، بات لقاؤهما أمرًا متكررًا.
شقيقها الأصغر، كاجيريس، الصغير الجبان الذي تشبث بها باكيًا كلما شعر بالخوف.
وفي الحقيقة، أوفى بوعده. عاشت حياةً هانئة، تحيط نفسها بالزهور، في ظل حمايته. لكن حان الوقت لتوديع تلك الحياة.
ليس لأنهما تعهَّدا بذلك، ولا لأن أحدهما أراد لقاء الآخر على وجه التحديد.
«لماذا تلوِّح بسيفك؟»
كانت تيريشيا تجلس على الدرجة الحجرية، تحدِّق بصمتٍ إلى الأزهار، بينما كرس هو نفسه للتدريب، متفرغًا تمامًا للتلويح بسيفه المصقول.
عشرات الآلاف؟ مئات الآلاف؟ ملايين لا تُحصى؟
وهكذا، غدا مشهد وجودهما معًا في تلك الساحة المخفية أمرًا مألوفًا.
كانت تيريشيا تخشى البركة التي وُلِدَت بها—بركة الحاصد.
«——»
«في الوقت الحالي؟»
متظاهرةً بعدم الاكتراث، راقبت تيريشيا أسلوبه بالسيف خلسةً، ولم تستطع إخفاء دهشتها.
«أمسكي بالسيف، تيريشيا.»
حتى من باب المجاملة، لم يكن من الممكن وصف أسلوبه بالمصقول أو المتقن.
كانت تيريشيا تخشى البركة التي وُلِدَت بها—بركة الحاصد.
بالنسبة لتيريشيا، التي حظيت ببركة قديسة السيف، كانت أخطاؤه جلية، لا يمكن التغاضي عنها. لطالما كان انتقادها لعيوب الآخرين في فن القتال عادةً سيئة لديها، لكن، رغم ما يعتري أسلوبه من قصور، فقد عوَّض ذلك بشيء آخر تمامًا…
كانت تيريشيا تخشى البركة التي وُلِدَت بها—بركة الحاصد.
لكن… كان هناك فراغٌ ما، إحساسٌ وكأنها فقدت جناحيها—
… إحساسٌ جارف.
لكن… بين الحين والآخر، كانت تشعر بعدم الارتياح.
«——»
«… أحمق…».
—لم يكن في أسلوبه أي شائبة.
بالنسبة لتيريشيا، التي حظيت ببركة قديسة السيف، كانت أخطاؤه جلية، لا يمكن التغاضي عنها. لطالما كان انتقادها لعيوب الآخرين في فن القتال عادةً سيئة لديها، لكن، رغم ما يعتري أسلوبه من قصور، فقد عوَّض ذلك بشيء آخر تمامًا…
كرَّس كلَّ كيانه للسيف. تبدو هذه العبارة بسيطةً في ظاهرها، وقد اعتقدت تيريشيا سابقًا أن إخوتها فعلوا الشيء نفسه. لكنها أدركت الآن أن الأمر أعمق من ذلك بكثير.
— تيريشيا شعرت بنبضةٍ أخرى تخفق في قلبها.
كان هذا أول ما تسمعه منه، وقد بدا منزعجًا، غير أن صوته كان واضحًا، يسهل تمييزه وسط الصمت.
لم يكن في حياته شيءٌ سوى السيف.
«مَن كان يظن أن أحدًا قد يأتي إلى هنا في هذا الوقت المبكر؟ ما الذي—».
كلَّ ما لديه، كلَّ شغفه، صبَّه فيه. لم يكن هناك شيءٌ يحبه سوى السيف. لم يكن شخصًا يستطيع أن يحبَّ أي شيءٍ آخر. كان كالنصل، قطعةً صلبةً من الفولاذ، لا تعرف سوى طريقها الحاد.
حتى لو لم تتعمد إلحاق الضرر بالآخرين، تربص الخطر بها في كل لحظة من حياتها اليومية. بركتها لم تميز، وخطأ بسيط أو حركة غير محسوبة كفيلان بكشف ما حاولت إخفاءه.
«… أحمق…».
توقفت أعمال البناء بسبب الحرب، فبقيت المباني نصف مكتملة، مهجورة بلا هدف. وباعتبارها قديسة السيف التي أخفقت في أداء دورها، شعرت تيريشيا بنوعٍ من الألفة مع تلك الهياكل التي لم تؤدِّ وظيفتها كبيوتٍ كما ينبغي.
بينما تراقب حركات سيفه بطرف عينها، شعرت بحرارةٍ تتسلل إلى وجنتيها.
ذراعاها بخير… ساقاها سليمتان… بصرها لم يصبه شيء…
كلَّ ما لديه، كلَّ شغفه، صبَّه فيه. لم يكن هناك شيءٌ يحبه سوى السيف. لم يكن شخصًا يستطيع أن يحبَّ أي شيءٍ آخر. كان كالنصل، قطعةً صلبةً من الفولاذ، لا تعرف سوى طريقها الحاد.
تيريشيا كانت قديسة السيف، الشخصية التي تجسِّد الذروة المطلقة لفن المبارزة، المحبوبة من اله السيف، حتى وإن لم ترغب في ذلك.
لكن أفكارها…
الهدف الذي يركض خلفه بجنون… القمة التي يسعى لبلوغها بكل شغف… كانت هي.
كان من الأسهل أن تقتنع بذلك. لكنها أدركت أن الحقيقة ليست كذلك.
لم يكن سوى وهمٍ في خيالها، لكنها شعرت وكأنه كان يغازلها بسيفه.
«—أحمقٌ حقيقي…».
كان صوته مبحوحًا، كأنَّه يهمس بتلك الكلمات لتكون عزاءً أو ربما قناعًا يخفي به ألمه، ثم واصل المضيَّ قدمًا، محكمًا قبضته على رماد زوجته، الذي لفه في معطفه. ظل يسير بخطًى ثقيلة، يتهادى بعيدًا، حتى تلاشى ظهره عن الأنظار.
قديسة السيف تيريشيا تستطيع أن تفهم كلَّ شيءٍ عن السيف بمجرد النظر إليه.
منذ البداية وحتى النهاية، أحببتكم دائمًا.
يمكنها تمييز جوهر أي نصلٍ عريق، سواء كان سيفًا مقدسًا أو سيفًا شيطانيًا، حتى سيف التنين الأسطوري ذاته. ويمكنها استخدام أيٍّ منها بسهولةٍ مطلقة. لم يكن هناك نصلٌ يستطيع أن يخبئ عنها جوهره الحقيقي.
وبعد ذلك، توقَّف تبادلهما المعتاد لهذا السؤال.
إلا هو. كان النصل الوحيد الذي لم تستطع التلويح به كما تشاء.
لماذا ما زالوا يلوحون بسيوفهم، وهم يدركون أنهم لن يتمكنوا من اللحاق بها مهما قضوا أعمارهم في ذلك؟
وربما كان ذلك السبب الذي دفعها إلى الاهتمام به.
«أنا ويلهيلم ترياس».
كان لديَّ إخوة أتفاهم معهم، ووالدان أحاطاني بالحب، وأصدقاء اعتنوا بي.
وهكذا انتهت ساحة المعركة التي اجتمع فيها الجد والأب والابن— عائلة أستريا بأكملها.
مرَّت ثلاثة أشهرٍ منذ لقائهما الأول قبل أن يعرِّفا بنفسيهما أخيرًا.
وحين انتهى ويلهيلم من جمع الرماد، حاول أن ينهض على ساقين واهنتين.
رغم كثرة المرات التي التقيا فيها، أصرَّ ويلهيلم بعنادٍ على عدم السؤال عن اسمها. ولم يكن ليحدث ذلك إلا لأن تيريشيا ضاقت ذرعًا، وقررت أن تأخذ المبادرة بنفسها.
«كنتُ أناديكِ في رأسي باسم ”فتاة الأزهار“ حتى الآن».
إلا أن عمها لم يكترث، بل التفت نحو شقيقها الأكبر وأصدر أمرًا قاطعًا، أمره بأن يسحق أخته الصغيرة بالسيف الخشبي، ليبرهن على موهبته.
«—أخي، القديسة القادمة للسيف هي ابنتك، تيريشيا.»
—ياللوقاحة.
لم يكن في كلامه أدنى لمحةٍ من اللطف أو اللباقة. لم يكن معنيًا بشيءٍ سوى نفسه، مكتفيًا بأبسط حديثٍ ممكن، ثم ينصرف وكأن شيئًا لم يكن.
لقد أقسم أن ينتزعها بقوته وحده، ورفض أن يقبل العون من أي أحد. حتى ولو كانت هي من قدمته.
بينما كان قلب تيريشيا يتأرجح.
خائفةً من أن تعيش رعب أن يُترك أحدهم خلفه، حين يتغير الآخرون.
«هل تحب الزهور؟»
لطالما حملت المملكة ازدراءً عميقًا لأنصاف البشر، وكأن الشرارة التي أشعلت نار هذه الحرب لم تكن سوى فتيلًا ينتظر الانفجار.
«لا، أنا أكرهها.»
«——»
حتى عندما أظهرت له حديقتها الخاصة، كان هذا كل الرد الذي تلقته.
لم يكن في كلامه أدنى لمحةٍ من اللطف أو اللباقة. لم يكن معنيًا بشيءٍ سوى نفسه، مكتفيًا بأبسط حديثٍ ممكن، ثم ينصرف وكأن شيئًا لم يكن.
لم يكن هناك شك في أنه كان غير قادر جسديًا على أن يكون لطيفًا مع أي شخص أو يقول شيئًا عمدًا لإسعاده.
شقيقها الأوسط، كارلان، الحاد الطباع، لكنه أول مَن يبادر بالاعتذار حين يحين وقت التصالح.
احمرَّ وجهها وهي تنظر إلى حبيبها الواقف أمامها.
كانت لتنفجر استنكارًا عند سماع ذلك، لكنها لم تملك حيلة؛ لأن الفكرة التالية التي تبادرت إلى ذهنها هي: ولكن لأنه هكذا لأنه يشبه السيف تمامًا، ولهذا…
لهذا، سواء كانوا رجالًا أو نساءً، ليس لأحد من أفراد آل أستريا أن يعيش بعيدًا عن السيف.
انطلق صوت هاينكل، قاطعًا الصمت.
كانت قديسة السيف تتعثر بسبب وجود نصلٍ لا تستطيع التحكم به كما تشاء. في ذلك الوقت، لم تدرك أنه كان ينقذها أيضًا.
لو كانت قادرةً على القتال، لفاقت الجميع قوةً، لكنها، في الواقع، ليست سوى فتاةٍ لا تملك أدنى خبرة في المعارك.
«هل بدأت تحب الزهور؟»
عندها فقط، نطقت بكلماتها الأخيرة:
«كلا، أكرهها.»
تألقت عيناه بالكراهية وهو يحدِّق براينهارد، الذي راقب المشهد من جانبه. التفت راينهارد إليه وأخذ نفسًا خافتًا.
«لماذا تلوِّح بسيفك؟»
«أنتِ أختي الصغيرة الغالية. إن لم تردِ فعل شيء، إن خفتِ… فسأحميكِ. لأنني شقيقك الأكبر.»
«لأنه كل ما أملك.»
«إذًا… ما الذي رأيناه الآن؟ ما الذي دار بينك وبين أبي؟ ما الذي كان يحدق بنا بذلك الاستياء…؟ ما الذي كان ذلك إن لم يكن أمي؟!»
لقد نُقِشت الندبة على كتفه الأيسر عندما كانت تيريشيا على قيد الحياة، أما ساقه اليمنى، فحملت ندبة تلقتها منه بعد مماتها. غير أن كلا الجُرحين، وقد كانا محفورين ببركتها، فقدا تأثيرهما الآن.
في مرحلةٍ ما، صار هذا الحوار جزءًا ثابتًا من صباحاتهما. تُرى، أي إجابة انتظرت عندما ظلت تكرر الأسئلة ذاتها؟
لكن لا بأس. لقد قالت له كل ما أرادت قوله بالفعل. وكانت واثقةً أن ويلهيلم فهمها تمامًا.
هل أملت أن تحصل على نفس الجواب كل مرة، أم أنها تاقت سرًا لأن يتغير؟ أم أن الإجابة لم تهمها بقدر ما رغبت فقط في الحديث معه؟
كان عليها أن تبقي الأمر سرًا، ولهذا كرهت تدريب السيف الإجباري في العائلة.
«هيه، ويلهيلم…»
غير قادرة على تغيير ذاتها، أي إجابة كانت تبحث عنها في ويلهيلم؟
—ثم فجأة، ودون أي مقدمات، جاءها الجواب.
لم تستطع مشاركة مخاوفها مع أحد—
في ذلك اليوم، وصلت تيريشيا أولًا.
كانت الرياح تداعب الأزهار بينما تنتظر قدومه بفارغ الصبر. وبحلول تلك اللحظة، كانت قد أدركت السبب الحقيقي لمجيئها إلى تلك الساحة الصغيرة.
وفي اللحظة التي رأته فيها، دفعت الأرض بقدمها وانطلقت.
«—ويلهيلم.»
استدارت تيريشيا حين شعرت بوجوده، وقد تملكتها مشاعر خافتة لم تعهدها من قبل.
كانت الرياح تداعب الأزهار بينما تنتظر قدومه بفارغ الصبر. وبحلول تلك اللحظة، كانت قد أدركت السبب الحقيقي لمجيئها إلى تلك الساحة الصغيرة.
وحين رأته عند مدخل الساحة، ارتسمت على شفتيها ابتسامة، وامتلأ قلبها بدفء لم تختبره من قبل.
رأت تيريشيا ذلك… وضحكت. لا بأس… كما هو الحال دائمًا، عليها أن تكون هي مَن يسأل أولًا.
«——»
حاولت تيريشيا أن تبادره بنبرةٍ ودِّية، لكنه لم يرد سوى بصمته القاسي.
كانت تيريشيا تجلس على الدرجة الحجرية، تحدِّق بصمتٍ إلى الأزهار، بينما كرس هو نفسه للتدريب، متفرغًا تمامًا للتلويح بسيفه المصقول.
—في تلك اللحظة، انهارت السدود التي احتجزت مشاعر ويلهيلم طويلًا.
فلقد أدركت منذ زمنٍ بعيد الموهبة الفطرية اللامحدودة التي يملكها راينهارد.
«—راينهارد!»
اتسعت عيناه، وارتعشت شفتاه، ثم رفع يده ليخفي وجهه. تفاجأت بردة فعله العنيفة، وكادت تندفع نحوه، لكنها توقفت.
وبوصفه قائد الحرس الملكي، كان على ويلهيلم تكريس كل وقته وجهده لهذا الأمر.
لطالما قطعت تيريشيا روابطها بالناس خشية أن تؤذيهم، ولهذا لم تكن تعرف كيف تتصرف عندما تجرح قلب أحدهم.
كأن اله السيف نفسه كان يسخر من ذلك المبارز عديم الموهبة الذي تجرأ على أن يحلم بهزيمة قديسة السيف.
—كأنما يسخر من ابنته العزيزة، التي تزعزع قلبها بأملٍ ضئيل.
تيريشيا قديسة السيف ليست سوى آلة مصممة للإيذاء والقتل. لم تملك القدرة على إنقاذ أحد.
«ويلهيلم…»
«أنت تحمل سيفك لحماية الناس، صحيح؟ الفارس هو مَن يحمي الآخرين في نهاية المطاف.»
دفعت خوفها جانبًا، فوجدت نفسها واقفة أمامه مباشرة. كانت خائفة من أن تؤذيه، لكن فكرة فقدانه أرعبتها أكثر بكثير.
لكن هذه المرة، جاءها ردٌّ جديد على سؤالها المعتاد.
مدَّت يدها ولمست أصابعه المرتعشة. وفجأة، حين شعرت بحرارةٍ لا تصدَّق، أدركت الحقيقة—
على عكس صوته المرتجف، جاء صوت راينهارد مهيبًا، ثابتًا لا تشوبه ذرة اضطراب.
السيف ليس سوى قطعةٍ من الفولاذ صُقلت بحرارةٍ مهولةٍ لتزداد قوة.
سببُه في حمل السيف كان الحماية.
وويلهيلم كان سيفًا. لكنه كان سيفًا غير مكتمل.
رأت تيريشيا ذلك… وضحكت. لا بأس… كما هو الحال دائمًا، عليها أن تكون هي مَن يسأل أولًا.
والآن، وسط هذه النيران، كان يخضع لعملية إعادة تشكيل، كان يُصقل من جديد.
بالنسبة لتيريشيا، التي حظيت ببركة قديسة السيف، كانت أخطاؤه جلية، لا يمكن التغاضي عنها. لطالما كان انتقادها لعيوب الآخرين في فن القتال عادةً سيئة لديها، لكن، رغم ما يعتري أسلوبه من قصور، فقد عوَّض ذلك بشيء آخر تمامًا…
—إن كان سيفًا، فإن قديسة السيف يجب أن تفهمه.
تلك القطعة الفولاذية الصلبة، ذلك النصل الذي لا يعرف سوى حده، لم يكن تغيُّره إلا ليزداد قوة، وليغدو أقرب إلى قلبها.
إن كان هو، إن كان هذا السيف، فعليَّ أن أرغب في فهمه.
«هل… بدأت تحب الزهور؟»
وكما راودها ذلك التفكير، وجدت سؤالها المعتاد يشق طريقه إلى شفتيها.
لكن أفكارها…
لو سمعهما أحدٌ من الخارج، لربما بدا سؤالهما خارج السياق تمامًا. لكنه كان كافيًا لهما وحدهما.
«… أنا… لا أكرههم.»
رفضت أن تسمع سوى صوتٍ واحد.
لأنها لم تقاتل، مات الكثيرون.
لكن هذه المرة، جاءها ردٌّ جديد على سؤالها المعتاد.
زفرةٌ خفيفة تسللت من بين شفتيها، وذابت في الهواء الصباحي النقي والبارد، بينما تشق طريقها نحو فسحةٍ مفتوحة بين تلك الأبنية المهجورة. لم يستحق المكان حتى أن يُسمَّى ساحة. جلست على إحدى الدرجات الحجرية، محدقةً بالجدار المتداعي أمامها.
رأت تيريشيا ذلك… وضحكت. لا بأس… كما هو الحال دائمًا، عليها أن تكون هي مَن يسأل أولًا.
— لطالما خشيت تيريشيا اليوم الذي قد يتغير فيه جواب ويلهيلم.
لو كانت قادرةً على القتال، لفاقت الجميع قوةً، لكنها، في الواقع، ليست سوى فتاةٍ لا تملك أدنى خبرة في المعارك.
مدَّت يدها ولمست أصابعه المرتعشة. وفجأة، حين شعرت بحرارةٍ لا تصدَّق، أدركت الحقيقة—
كما لو كانت تخشى أن تُترك خلف الجميع، بينما يواصلون التقدم.
لكن لا بأس. لقد قالت له كل ما أرادت قوله بالفعل. وكانت واثقةً أن ويلهيلم فهمها تمامًا.
خائفةً من أن تعيش رعب أن يُترك أحدهم خلفه، حين يتغير الآخرون.
مع كل ضربة سيف، تعاظمت مشاعرها. أرادت أن تُسقط نصلها، أن تهرع إليه، أن تلقي بنفسها بين ذراعيه.
لكن ذلك لم يحدث. لم يكن تغيُّره إلا ليجعله أكثر قيمةً في نظرها.
تلك القطعة الفولاذية الصلبة، ذلك النصل الذي لا يعرف سوى حده، لم يكن تغيُّره إلا ليزداد قوة، وليغدو أقرب إلى قلبها.
مضى عامان منذ أن تحدثت إلى شقيقها الطيب، الذي لطالما أحبته بصدق.
ومع ذلك، كانت على يقينٍ من أنه سيكون هناك، في تلك الساحة، إن ذهبت إليه.
«لماذا تلوِّح بسيفك؟».
لم يكن مستعدًا لسماع هذا السؤال، بعد كل هذه السنوات، تجمَّد في مكانه، مشدوهًا بابتسامة زوجته.
كان من المؤكد أن يكون لهذا السؤال إجابةٌ مختلفة الآن.
حاولت تيريشيا أن تغرق صوته وسط صرخات الموتى، أن تمحوه من ذهنها.
وربما تكون تلك الإجابة هي الخلاص الذي بحثت تيريشيا عنه—
«——»
«لأن السيف هو كل ما أملكه… لأنني لا أجد وسيلةً أخرى لحماية الأشياء.»
كما وعدها، لم يمنحها ويلهيلم، منذ مبارزتهما، أي سببٍ لحمل السيف مجددًا. أما هي، فلم يعد لديها أي تعلقٍ به، فقد توقف صوت اله السيف عن مناداتها منذ وقتٍ بعيد.
نعم، لأنه لا يملك سوى السيف.
لكن بعد لحظة من التوقف، جاء رده:
سيكون بخير، لأنه ذلك النوع من الأشخاص.
كان هاينكل يغلي بالحقد، وعندما شعر بنظرة راينهارد، تصلب جسده قليلًا، لكنه لم ينبس ببنت شفة. تجاهل راينهارد ذلك الارتعاش الطفيف، وصرف بصره عنه.
وبعد ذلك، توقَّف تبادلهما المعتاد لهذا السؤال.
لكن هذا النضج جعله مثقلًا بالكثير من المسؤوليات، حتى إنه لم يعد قادرًا على التخلي عن كل شيء ببساطةٍ كما فعل في الماضي.
بدلًا من ذلك، ازدادت الأحاديث، وتغيَّرت المواضيع، وازداد عدد الابتسامات بينهما شيئًا فشيئًا.
كان من الأسهل أن تقتنع بذلك. لكنها أدركت أن الحقيقة ليست كذلك.
«هل تحبني؟»
دفع ويلهيلم نفسه للتحدث رغم افتقاره للباقة، بينما كانت مشاعرها تجاهه تنمو أكثر فأكثر.
«هاه.»
«لقد حصلتُ على وسام الشرف، وتمت ترقيتي إلى فارس».
لن تنسى تيريشيا أبدًا الطريقة التي زفَّ بها الخبر في ذلك اليوم، ولا النظرة الغريبة التي ارتسمت على وجهه.
لطالما وجدت تيريشيا صعوبةً في التعامل مع الآخرين، واعتادت تجنُّبهم لفترةٍ طويلة، لكنها لم تكن غافلةً إلى الحد الذي يجعلها تجهل المعنى الحقيقي وراء اعترافه بذلك.
«أنا أعارض هذا بشدة! ماذا تفكرين بحق؟!»
فأن يُمنح شخصٌ من العامة لقب فارسٍ لمجرد براعته في ساحة القتال، كان أمرًا نادر الحدوث.
الرعب.
إذًا، ما الذي أمل ويلهيلم أن يحدث حين ألقى بهذه الكلمات أمامها؟
ظنَّت أن إخوتها حمقى لاستمرارهم في التلويح بسيوفهم رغم هزيمتهم أمامها. نظرت إليهم باستعلاء، مقتنعة بأنهم يتشبثون بالسيف لمجرد أنهم لم يجدوا شيئًا آخر يتمسكون به.
«أرى ذلك. مباركٌ لك. هذه خطوةٌ أخرى نحو حلمك، أليس كذلك؟».
لطالما وجدت تيريشيا صعوبةً في التعامل مع الآخرين، واعتادت تجنُّبهم لفترةٍ طويلة، لكنها لم تكن غافلةً إلى الحد الذي يجعلها تجهل المعنى الحقيقي وراء اعترافه بذلك.
كانت تدرك تمامًا لماذا جاء ليخبرها بذلك؛ لذا تعمدت أن تجيبه ببرود.
كرَّس كلَّ كيانه للسيف. تبدو هذه العبارة بسيطةً في ظاهرها، وقد اعتقدت تيريشيا سابقًا أن إخوتها فعلوا الشيء نفسه. لكنها أدركت الآن أن الأمر أعمق من ذلك بكثير.
لو لم تفعل، لربما احمرَّت وجنتاها لا إراديًا، ولهذا، استنفدت كل قواها بصفتها قديسة السيف للحفاظ على رباطة جأشها، ولم تترك سوى ابتسامةٍ هادئة تعلو وجهها.
لم تعد ترى سوى ويلهيلم.
«حلمي؟»
شقيقها الأكبر، ثامس، الطيب الحنون الذي حقق كل طلباتها مهما بلغت صعوبتها.
«أنت تحمل سيفك لحماية الناس، صحيح؟ الفارس هو مَن يحمي الآخرين في نهاية المطاف.»
عاشا معًا حياةً هادئةً، رقيقةً، بوصفهما زوجًا وزوجة.
بلا تردد، أومأ ويلهيلم موافقًا بكل احترام. رغم مزاجه المتجهم دائمًا، كان هناك لحظات نادرة يستجيب فيها بمثل هذا الصدق الطفولي.
—سيكون جميلًا لو كنتُ واحدةً من الأشياء التي يريد حمايتها.
إن كان هناك مَن أخطأ، فهي تيريشيا. تيريشيا، التي لاحظت كل ذلك… ولم تفعل شيئًا.
وفجأة… لم تعد تذكر ما حدث.
كرهت تيريشيا نفسها لأنها لم تبح بذلك مباشرةً، وكأنها تترك لنفسها بابًا للهرب.
«أنا أحبك، ويلهيلم.»
رغم أنها كانت شبه متأكدةٍ من الجواب، ورغم إدراكها بأن كليهما يحمل مشاعر تجاه الآخر، إلا أنها بقيت مترددة، غير قادرةٍ على التصرف.
كرهت ذلك الجبن فيها…
«… هل ارتحت الآن؟»
الجروح التي تسببت بها لم تلتئم، بل نزفت إلى الأبد. وعندما أدركت هذه الحقيقة، ارتعدت خوفًا من نفسها.
وبسبب ذلك، ارتكبت خطأ آخر. عندما تذكرت ذلك، لم تتمكن تيريشيا من العثور على مرة واحدة فعلت فيها الشيء الصحيح.
لكنها لم تستطع. لم يكن ذلك مسموحًا. وما منعها لم يكن اله السيف، بل شيطان السيف نفسه.
وحين رأته عند مدخل الساحة، ارتسمت على شفتيها ابتسامة، وامتلأ قلبها بدفء لم تختبره من قبل.
《٦》
حين عاد ويلهيلم للقلق بشأن وطنه، ألقى بنفسه في أتون المعركة وحده.
لم يكن في كلامه أدنى لمحةٍ من اللطف أو اللباقة. لم يكن معنيًا بشيءٍ سوى نفسه، مكتفيًا بأبسط حديثٍ ممكن، ثم ينصرف وكأن شيئًا لم يكن.
بمجرد أن سمعت ذلك التقرير، شحب وجه تيريشيا حتى بدا كالموتى. سقطت على ركبتيها دون وعي، بينما وقفت خادمتها بجانبها في ارتباكٍ واضح، لكنها لم تستطع الرد.
فهمت تيريشيا على الفور مدى يأس الموقف.
فمَن تبقى لتلومه إذًا؟ لم يعد هناك أحدٌ تلقي عليه اللوم… سوى نفسها.
«——»
احملي سيفك، تيريشيا.
«آه، عذرًا».
بينما تحدق بصمتٍ في الأرض، سمعت ذلك الصوت العتيق المألوف يتردد في أذنها.
خفضت رأسها، غير قادرة على التفوُّه بكلمة. أما هو، فاكتفى بالجلوس بجانبها، ولفَّ ذراعه حول كتفها، وربَّت على رأسها برفق.
الصوت الذي لم تسمعه منذ زمنٍ طويل. منذ التقت بويلهيلم، منذ بدأت مشاعرها تجاهه تتبلور، بدا وكأن ذلك الصوت قد ابتعد عن تيريشيا شيئًا فشيئًا.
«ألم تلاحظ قط؟»
لم يسبق لها أن اعتبرت ذلك الصوت خيرًا. ولكن هذه المرة، كان على حق. الصوت الذي توسَّل إليها أن ترفع سيفها، لم يكن سوى الحقيقة المجردة.
«— احملي سيفك، تيريشيا».
ألقت تيريشيا بسيف التنين جانبًا، ذلك السيف الذي لم تعد قادرةً على سحبه، والتقطت السيف الطويل عند قدميها… ثم اندفعت نحوها.
كررت الكلمات على شفتيها، ثم وقفت بثبات.
لكن لمَّا نظرت إليه، لمعت في عقلها فكرة واحدة صادمة:
لقد تخلَّت عن كل شيء لإخوتها، وألقت بالمسؤولية على عاتق عمها، وتركتهم جميعًا يلقون حتفهم.
بإرادة حديدية وخوف متجذر، حاولت أن تبتعد عنه. تحججت بكل عذر ممكن لتجنب التدريب، حتى استسلمت العائلة وتوقفت عن إجبارها.
لأنها لم تقاتل، مات الكثيرون.
«أوه… امرأةٌ وحدها في مكانٍ كهذا؟ هذا تصرُّفٌ شجاع.»
لكنها لن تسمح بذلك هذه المرة.
قد يكون ذلك خيانةً لهاينكل، الذي لطالما توق إلى اللقب… لكن لم يكن هناك وقتٌ ولا أحدٌ ليلومها على ذلك الآن.
لن تفرِّط به. ويلهيلم وحده كان مختلفًا.
لكن ذلك لم يحدث. لم يكن تغيُّره إلا ليجعله أكثر قيمةً في نظرها.
ذلك السيف، ذلك الفولاذ— ذلك الرجل ملكٌ لها وحدها.
لحظة تيريشيا ڤان أستريا الأخيرة تركت ندوبًا لا تمحى في قلوبهم الثلاثة.
«احملي سيفك، تيريشيا… هذه المرة، سأفعل».
صرخت كأنما فقدت عقلها، تنتحب بندمٍ مستميت، تتمنى لو أن الزمن عاد بها إلى الوراء.
—كان الخط الدفاعي حول مسقط رأس ويلهيلم على وشك الانهيار.
لم يكن هناك شك في أنه كان غير قادر جسديًا على أن يكون لطيفًا مع أي شخص أو يقول شيئًا عمدًا لإسعاده.
ساحة قتالٍ جحيمية، تملؤها الصرخات والهتافات المدوية، ممتزجةً برائحة الدم والدخان. وسط هذا المشهد المفزع، عادت إلى ذهن تيريشيا ذكريات معركتها الأولى المريرة، تتوالى أمام عينيها.
لم يقتصر الأمر على جديته القاتمة، بل كان هناك ما هو أشد وقعًا على تيريشيا.
كم من مرةٍ طاردتها تلك الذكريات؟
لكن… كيف له أن يفهم؟ وهو ليس إلا سيفًا؟
كم من مرةٍ تخيلت نفسها تقف على ساحة المعركة، تحمل على عاتقها آمال الجميع، وتؤدي دورها كقديسة السيف ببراعة؟
كلَّ ما لديه، كلَّ شغفه، صبَّه فيه. لم يكن هناك شيءٌ يحبه سوى السيف. لم يكن شخصًا يستطيع أن يحبَّ أي شيءٍ آخر. كان كالنصل، قطعةً صلبةً من الفولاذ، لا تعرف سوى طريقها الحاد.
لكن الحقيقة القاسية حطَّمت تلك الصور الجميلة بكل سهولة.
منذ ذلك اليوم، حين هزمت شقيقها الأكبر، لم يختفِ ذلك الصوت من أذنيها.
شقيقها الأوسط، كارلان، الحاد الطباع، لكنه أول مَن يبادر بالاعتذار حين يحين وقت التصالح.
«——»
لكنني أؤمن أنكم جميعًا ستكونون بخير.
«عيناك، صوتك، تصرفاتك، أفعالك— كلها. أخبرتني بذلك في كل يوم.»
حبست أنفاسها، تكتم رغبتها في التقيؤ، وبدأت تيريشيا تبحث عن ويلهيلم وسط أتون المعركة. بحواسها المتحفزة، انطلقت بعينين محتقنتين بالدماء، تمسح ساحة القتال حتى وقع بصرها عليه أخيرًا.
الهدف الذي يركض خلفه بجنون… القمة التي يسعى لبلوغها بكل شغف… كانت هي.
ابتسمت تيريشيا لكلمات شيطان السيف— لكلمات ويلهيلم.
وفي اللحظة التي رأته فيها، دفعت الأرض بقدمها وانطلقت.
صرخت كأنما فقدت عقلها، تنتحب بندمٍ مستميت، تتمنى لو أن الزمن عاد بها إلى الوراء.
ركضت دون تردد، متجاوزةً جبال الجثث، عابرةً أنهار الدم، مخترقةً ميدان الصرخات والأنين.
تيريشيا وويلهيلم أنجبا ابنًا واحدًا، هاينكل.
وبينما كانت رائحة الحديد الخانقة تملأ المكان، وجدته.
كان ببساطة يصرِّح بحقيقة باردة قاسية.
كان ملقى على الأرض، وجهه ملطخٌ بالدماء، وعيناه شاخصتان نحو خصمه.
رأت ذلك النصف بشري يرفع سيفه الضخم نحو ويلهيلم، يهم بإنهاء الأمر. وفي تلك اللحظة، تحركت شفتا ويلهيلم، وخرج صوته المبحوح الهامس:
«لا أريد أن أموت…»
لم يسبق لها أن اعتبرت ذلك الصوت خيرًا. ولكن هذه المرة، كان على حق. الصوت الذي توسَّل إليها أن ترفع سيفها، لم يكن سوى الحقيقة المجردة.
أحبت شيطان السيف… ذلك الذي وقف أمام عينيها الآن.
— سيكون بخير. كل شيء سيكون بخير.
لم تعد تسمع شيئًا.
لوَّحت بسيفها الطويل. كان خفيفًا بين يديها.
وحين انتهى ويلهيلم من جمع الرماد، حاول أن ينهض على ساقين واهنتين.
لا صوت. لا صدمة. لم يتطلب الأمر منها سوى ضربةٍ واحدة، فتناثر رأس ذلك النصف بشري بعيدًا.
فأن يُمنح شخصٌ من العامة لقب فارسٍ لمجرد براعته في ساحة القتال، كان أمرًا نادر الحدوث.
بقي السيف مرفوعًا، بينما سقط الجسد بلا حياة، خاليًا من رأسه. وفي اللحظة التالية، تحوَّلت أنظار الأعداء من حولها إليها، لتتوجه نحوها موجةٌ من العداء القاتل.
وأخيرًا، وجدت راحة البال. تخلَّت عن السيف، وعاشت كفتاة عادية، تقضي أيامها في تأمل الأزهار والاعتناء بها.
شعرت بها قبل أن تراها. قرأتها في الهواء. أحسَّت بها على جلدها. ثم… أفلتت منها.
بمهارت أخي، لن يكون الأمر صعبًا عليه. إن كان هو، فبوسعه إنهاء هذه المهزلة.
بخفةٍ لا تصدق، تيريشيا تحركت، متفاديةً جميع الهجمات، ورأت أمامها ذلك الخط الأبيض الغريب.
كان أمرًا غامضًا. في لحظةٍ ما، ظهر أمامها خطٌ أبيض، معلقٌ في الهواء، وبطريقةٍ أكثر غرابة، أدركت غريزيًا أن عليها فقط أن تتبعه بسيفها.
لكن أفكارها…
لقد ساعدني الكثير من الناس، والتقيتك أنت يا ويلهيلم.
هبت عاصفةٌ حادة مع اندفاع النصل في الهواء، وانقسم أنصاف البشر الذين كانوا في مسار الخط الأبيض إلى شطرين، متفجرين برشقاتٍ هائلة من الدماء.
سرعان ما فقدت اهتمامها. إن كان سيعامِلها بهذه الفظاظة، فلن تكلف نفسها عناء التظاهر بالمجاملة.
أطرافٌ بُترت، رؤوسٌ أُطيح بها، بطونٌ شُقَّت، أرواحٌ حُصدت.
وأخيرًا، مُنحت تيريشيا الفرصة. بركة قديسة السيف -بركة الحاصد القاتل- تفجرت بكل عنفوانها.
«سيدتي تيريشيا…غغ…»
تناهى إلى سمعها صوتٌ وسط أتون المعركة. كان صوت خادمتها، تلك التي لم تتخلَّ عنها يومًا، والتي بقيت إلى جانبها رغم كل شيء.
نوت الاستماع إليه بصمت، لكن رؤيته وهو يعاني بهذه الصورة كانت أكثر مما تحتمل.
لم تهجرها حين أدارت ظهرها لدورها كقديسة السيف، ولم تتركها عندما فرت من ساحة القتال في معركتها الأولى، ولم تتخلَّ عنها حتى بعدما فقدت تيريشيا إيمانها بنفسها.
كانت دائمًا تردد لها:
يا له من رجل سيئ… يأتي بكل هذه الكلمات الرنانة عن السرقة والحماية، ثم لا يفهم شيئًا عن قلب امرأة.
سيدتي تيريشيا، ذات يوم، عندما تحين الفرصة، ستكونين أقوى من أي شخصٍ آخر، وستحملين لقب قديسة السيف بحق… وسأظل إلى جانبك حتى ذلك اليوم.
«تنافسين مجموعةً من الشبان رغم أنكِ على مشارف الخمسين…»
وكانت على حق. تيريشيا كانت الأقوى. كانت الأبرع في القتل.
«… هل ارتحت الآن؟»
«— احملي سيفك، تيريشيا».
—يا ليتها أدركت ذلك في وقتٍ أبكر.
«——»
أُخرج ويلهيلم الجريح من ساحة القتال على أيدي رفاقه الذين جاؤوا لإنقاذه. حاول المقاومة، أراد البقاء، لكنه لم يستطع.
شعرت تيريشيا بالراحة مع تلاشي وجوده بعيدًا. ومع ذلك، لم تتوقف عن التلويح بسيفها. واصلت حصد الأرواح.
وفجأة… لم تعد تذكر ما حدث.
عندها، سمعت ضحكةً تتردد في أذنها. كان ذلك الصوت الذي سمعته في عقلها دائمًا— وفي تلك اللحظة، أدركت تيريشيا أخيرًا أنه صوت اله السيف نفسه.
تحت أي ظرفٍ آخر، لم تكن لتتخذ قرارًا كهذا، لكن في عالمٍ مغطَّى بضباب الموت الذي خلَّفه الحوت الأبيض، لم تكن الفتاة التي تجول بهدوء وسط الخراب مجرد لغز— بل كانت تهديدًا.
حاولت تيريشيا أن تغرق صوته وسط صرخات الموتى، أن تمحوه من ذهنها.
«—مم-همم.»
رفضت أن تسمع سوى صوتٍ واحد.
ذراعاها بخير… ساقاها سليمتان… بصرها لم يصبه شيء…
ذلك الصوت المتوسل للحياة.
«لا تقلق، مَن تظنني؟ لستُ أقل منك مهارةً في السيف.»
دفعَت كل الأصوات بعيدًا، ولم تسمح لشيءٍ بالتسلل إلى عالمها سوى صوت ويلهيلم—
مر زمن طويل منذ آخر مرة سمعت فيها صوته الجاف، الصارم.
«كلا، أكرهها.»
《٧》
«——»
لقد تخلَّت عن كل شيء لإخوتها، وألقت بالمسؤولية على عاتق عمها، وتركتهم جميعًا يلقون حتفهم.
لم يقطعا عهدًا باللقاء مجددًا.
«أنتَ على حق. كنت أنا المخطئ… ليس لديَّ ما أقوله لك بعد الآن.»
ومع ذلك، كانت على يقينٍ من أنه سيكون هناك، في تلك الساحة، إن ذهبت إليه.
«يا للمهانة.»
وفي لمح البصر، اختفى قديس السيف عن الأنظار. تأمل هاينكل تلك القوة الخارقة للحظة، قبل أن يبصق على الأرض بامتعاض عندما لم يعد راينهارد في مدى بصره. ثم اندفع ليلحق بوالده، الذي كان يسير متثاقلًا، يجرُّ ساقه المصابة خلفه.
وقف هناك، ينظر إليها بغضب، بينما التزمت تيريشيا الصمت.
«أجيبيني، تيريشيا… أجيبيني، قديسة السيف، تيريشيا ڤان أستريا!!!».
لقد أوقفَت تيريشيا سيفه، الذي هجم به بكل قوته، بين إصبعيها فقط.
تشبثت بصدره، أغمضت عينيها، ثم ضغطت شفتيها على شفتيه. كان ذلك الإحساس دافئًا… ناعمًا… إحساسًا جعل حبها ينفجر، وجعل عالمها كله يتغير.
هزَّت رأسها، ثم أطلقت صرخة وهي تلقي السيف جانبًا، تضغط على رأسها بيديها. كحيوان جريح، صاحت بجنون، مزقت شعرها القرمزي، وانهارت في نحيبٍ مرير.
«هل كنتِ تسخرين مني؟».
لأنني أحبكم جميعًا.
«——»
شقيقها الأوسط، كارلان، الحاد الطباع، لكنه أول مَن يبادر بالاعتذار حين يحين وقت التصالح.
«أجيبيني، تيريشيا… أجيبيني، قديسة السيف، تيريشيا ڤان أستريا!!!».
—ياللوقاحة.
كم مرة لوَّح بسيفه وهو يفكر بها؟
لم تكن تنوي ذلك على الإطلاق. لكن ما الجدوى من التبرير؟
تراجعت، متجنبةً هجومه العنيف، ثم أسقطته أرضًا مرارًا وتكرارًا، حتى ترنَّح أخيرًا وسقط على ركبتيه بعدما تلقى ضربةً قاضية بمقبض سيفه الذي انتزعَته منه.
كان جسدها ثقيلاً جدًا، لم يعد فيها سوى ذرة من القوة، لكنها صبَّت كل ما تبقى لها منها في أطراف أصابعها؛ لتجفِّف دموع عن وجنتيه.
عندها فقط، نطقت بكلماتها الأخيرة:
بقي وحده، يحدق في الأرضية تحت قدميه بعينين محمومتين، يصرخ في جنون، يعتصر رأسه بكفيه، قبل أن يركل سيفه الملقى على الأرض بجنون.
بسط معطفه على الأرض، وبدأ يجمع به رماد تيريشيا، فلم يكن بوسعه أن يتركها تتلاشى مع الريح.
«لن آتي إلى هنا بعد الآن.»
لم تعد تحتمل ذلك المزيج من الكراهية، والشفقة، والمشاعر السلبية التي اشتعلت في عينيه.
لكنها لم تستطع. لم يكن ذلك مسموحًا. وما منعها لم يكن اله السيف، بل شيطان السيف نفسه.
«الأوضاع خطرة في الخارج، نائب القائد. من الأفضل أن تتوجه إلى أحد الملاجئ… مع السيد ويلهيلم.»
«لا تحمل السيف بذلك الوجه!»
—وفي ذلك اليوم، انهار عالمها بالكامل.
حتى دون بركة قديسة السيف، لم تفقد تيريشيا مهارتها في القتال. وكانت الضربة التي وجهتها كفيلةً بأن تشطر الفتاة نصفين بكل سهولة—
ويلهيلم هو مَن كرَّس نفسه تمامًا للسيف، مَن آمن بجمال النصل وقيمة الفولاذ أكثر من أي شخصٍ آخر. لكنها، بقوتها المطلقة، حطَّمت كل ما آمن به.
«——»
—كان الخط الدفاعي حول مسقط رأس ويلهيلم على وشك الانهيار.
كانت الإجابة التي منحها إياها هو نفسه ويلهيلم ترياس.
«جبان!» صاح عمها موبخًا.
«لأنني قديسة السيف… لم أكن أعلم السبب من قبل، لكنني أدركته أخيرًا.»
إلا أن عمها لم يكترث، بل التفت نحو شقيقها الأكبر وأصدر أمرًا قاطعًا، أمره بأن يسحق أخته الصغيرة بالسيف الخشبي، ليبرهن على موهبته.
«—أحمق.»
«أدرك…تِ… غغ…»
—في ذلك اليوم، حين كانت تيريشيا لم تتجاوز الثانية عشرة، نالت بركة قديس السيف.
«أن تحمل السيف لتحمي شخصًا ما… أعتقد أن هذا هو الجواب الذي يناسبني أيضًا.»
لماذا أنعم بها على تيريشيا، التي ظلت تهرب من السيف؟
«لا داعي لأن تقلق عليَّ… فقط اعتنِ بسلامتك. هذا أكثر من كافٍ…»
أن تحمي الناس بقوة القتل التي تمتلكها… باللعنة التي تكرهها. أن تحمي ويلهيلم.
كان من المؤكد أن يكون لهذا السؤال إجابةٌ مختلفة الآن.
أن تحميه، أن تحمي عائلتها، أن تحمي الجميع، أن تحمي البلاد. أن تصبح قديسة السيف التي تستحق هذا اللقب. قديسة السيف الأقوى من أي أحد.
لأنني الأقوى… لأن قديسة السيف هي الأقوى.
أزعجها جوابه، لكنها شعرت بقشعريرةٍ حين تخيَّلت أنه قد يأتي يومًا ما.
«انتظري… تيريشيا…»
—لكن العيش دون أن تؤذي أحدًا، ولو عن غير قصد، ليس بهذه السهولة.
كادت تتوقف عند سماع الصوت الذي ناداها، لكن بكل ما أوتيت من قوة، أجبرت نفسها على المضي قدمًا.
وهكذا انتهت ساحة المعركة التي اجتمع فيها الجد والأب والابن— عائلة أستريا بأكملها.
ومع ذلك، بلغها صوت ويلهيلم. بلغ قلبها.
تلك الثقة العمياء التي وضعوها فيها… كانت تطحن قلبها بلا رحمة.
«—أحبك.»
«سأنتزع منك السيف… انسي البركات والأدوار… لا تحتقري معنى التلويح بالنصل… لا تستهيني بجمال السيف، قديسة السيف…!».
وفي غضون أيام، انتشرت ألسنة اللهب في أنحاء المملكة، والتهمت كل شيء.
وفجأة… لم تعد تذكر ما حدث.
أقسم أن يسلبها إياه.
لا زال بوسعهم اختيار طريق آخر، العيش كما يريدون، والمضي في الحياة كما يحلو لهم.
ورغم ذلك، لم تتوقف تلك الهلوسة اللانهائية عن التردد في رأسها.
«——»
كأن اله السيف نفسه كان يسخر من ذلك المبارز عديم الموهبة الذي تجرأ على أن يحلم بهزيمة قديسة السيف.
—كأنما يسخر من ابنته العزيزة، التي تزعزع قلبها بأملٍ ضئيل.
《٨》
لم يكن الجرح عميقًا… لكن الدم لم يتوقف عن التدفق. ولن يتوقف أبدًا… طالما كانت تيريشيا إلى جانبه.
«إن تبعتني… فسيصبح كل هذا بلا معنى.»
استشعرت وجودًا طاغيًا يقترب من خلفها، فاستدارت تيريشيا تلقائيًا.
ساد الاضطراب في المكان، وتحطمت الهالة المهيبة التي سادت الحاضرين في المراسم. دون أن يكترث لأي نداءٍ بالتوقف، ظهر رجل -لا، مبارز- داخل المراسم.
يالها من هيئةٍ غير لائقة، أمام ابنه وحفيده أيضًا! أين ذهب ذلك الوقار الصلب الذي عرفته عنه دائمًا؟
«——»
كان الاحتفال مزيجًا بين مراسم تأبين ونهاية حرب أنصاف البشر، كما كان مناسبةً للإعلان رسميًا عن قديسة السيف، تيريشيا ڤان أستريا، وتسليط الضوء على مَن لعبت الدور الأكبر في إنهاء النزاع الداخلي.
«—راينهارد!»
بزيٍّ رسمي وسيفٍ احتفالي، راودت تيريشيا الشكوك في عقلها.
لم تستطع تيريشيا تصديق ما تراه. كان مستحيلًا. لا بد أنه كابوس، أو وهمٌ خلقه حبُّ اله السيف الملتوي.
—سيكون جميلًا لو كنتُ واحدةً من الأشياء التي يريد حمايتها.
لكن… كان هناك فراغٌ ما، إحساسٌ وكأنها فقدت جناحيها—
أما ذلك الذي وقف أمامها الآن، فقد كان… شيطان السيف. كان يحمل نصلًا بليدًا صدئًا.
«لأنني قديسة السيف… لم أكن أعلم السبب من قبل، لكنني أدركته أخيرًا.»
«——»
«——»
تيريشيا لم تنطق بكلمة، بل رفعت سيفها الاحتفالي، واتخذت وضعية القتال.
سرعان ما فقدت اهتمامها. إن كان سيعامِلها بهذه الفظاظة، فلن تكلف نفسها عناء التظاهر بالمجاملة.
سارع الحراس ليحيطوا بالرجل الذي تجرأ على مقاطعة المراسم، لكن الملك أوقفهم بإشارةٍ من على المنصة. كانت ممتنةً لقراره.
«نعم.»
على الأقل حتى ولو كان حلمًا— فلن يتدخل أحد في موعدها مع شيطان السيف.
أن تحميه، أن تحمي عائلتها، أن تحمي الجميع، أن تحمي البلاد. أن تصبح قديسة السيف التي تستحق هذا اللقب. قديسة السيف الأقوى من أي أحد.
لم يكن هناك إعلانٌ عن بدء النزال.
وبذلك، أسدل الستار على المعركة الأخيرة دفاعًا عن بريستيلا.
كما لو كان الأمر قد رُتِّب مسبقًا، انطلقت سيوفهما في ذات اللحظة.
تساقط السيف الاحتفالي من يد تيريشيا.
انفجر الصليل الأول، وأُزيح الستار عن المبارزة.
—ثم فجأة، ودون أي مقدمات، جاءها الجواب.
كما حدث دائمًا، تجلى المسار الذي يراه الاله المحب لابنته. ذلك المسار الذي لا يقود سوى إلى مذبحة. إلا أن ما كسره ليس سوى اجتهاد شيطان السيف… اجتهاده الذي لم يعرف الكلل.
لم يكن هناك شك في أنه كان غير قادر جسديًا على أن يكون لطيفًا مع أي شخص أو يقول شيئًا عمدًا لإسعاده.
كان في سيفه شغفٌ مجنون، وهو يقطع الخط الأبيض في الهواء بذلك النصل الصدئ.
مدَّت يدها ولمست أصابعه المرتعشة. وفجأة، حين شعرت بحرارةٍ لا تصدَّق، أدركت الحقيقة—
خفق قلب تيريشيا بقوة. في كل مرة تتقاطع سيوفهما، يُمزَّق الخط الأبيض. في كل مرة تلتقي عيونهما، تتدفقت مشاعرها أكثر.
ومضت سنواتٌ أخرى، دون أن تمسَّ السيف مرةً واحدة.
أحبت شيطان السيف… ذلك الذي وقف أمام عينيها الآن.
رغبت في أن تكرهه، في أن تلقي اللوم عليه. فلولاه، ربما استطاعت أن تُبقي على حقيقة امتلاكها لبركة قديسة السيف طيَّ الكتمان.
أحبت قديسة السيف شيطان السيف… في كل مرة تتصادم فيها نصالهما.
من عناد تيريشيا، أدرك ويلهيلم أن أحدًا ما قد همس في أذنها بهذا الأمر. وفي اللحظة التالية، صار وجه شيطان السيف قناعًا من الغضب، وسرعان ما بدأ جو الغرفة يشتعل من هالة المعركة التي لم يعد قادرًا على كبحها.
—لا أستطيع الاكتفاء منه.
لو كانت قادرةً على القتال، لفاقت الجميع قوةً، لكنها، في الواقع، ليست سوى فتاةٍ لا تملك أدنى خبرة في المعارك.
مع كل ضربة سيف، تعاظمت مشاعرها. أرادت أن تُسقط نصلها، أن تهرع إليه، أن تلقي بنفسها بين ذراعيه.
«لأنني قديسة السيف… لم أكن أعلم السبب من قبل، لكنني أدركته أخيرًا.»
ويلهيلم ڤان أستريا.
لكنها لم تستطع. لم يكن ذلك مسموحًا. وما منعها لم يكن اله السيف، بل شيطان السيف نفسه.
«هل كنتِ تسخرين مني؟».
لكن… بين الحين والآخر، كانت تشعر بعدم الارتياح.
لقد أقسم أن ينتزعها بقوته وحده، ورفض أن يقبل العون من أي أحد. حتى ولو كانت هي من قدمته.
ركضت دون تردد، متجاوزةً جبال الجثث، عابرةً أنهار الدم، مخترقةً ميدان الصرخات والأنين.
كان سيقتنص قديسة السيف بقوته الخاصة، بإصراره وحده، بكل ما كسبه بعدما أفنى كل شيء من أجل السيف.
كم مرةً يا ترى…؟
عشرات الآلاف؟ مئات الآلاف؟ ملايين لا تُحصى؟
أجاب راينهارد ببرود بينما ضغط هاينكل عليه بانفعال. اتسعت عينا هاينكل من الدهشة، لكن راينهارد لم يكن يحاول تقديم أعذار.
كم مرة لوَّح بسيفه وهو يفكر بها؟
التقت نصالهما مجددًا، تتشابك، تتناطح، تتألق في صداماتٍ لا تنتهي.
ذلك السيف، ذلك الفولاذ— ذلك الرجل ملكٌ لها وحدها.
حركةٌ تتبعها أخرى، درءٌ وهجوم، دفعٌ وسحب، حتى…
لن تفرِّط به. ويلهيلم وحده كان مختلفًا.
كان الأمر أشبه بعرضٍ يبرهن على أنه ليس حتى نِدًّا لابنه. ولم يكن لذلك سوى أن يزيد من حنق هاينكل، فقبض على أسنانه بغيظٍ شديد.
«إنه…»
لقد نُقِشت الندبة على كتفه الأيسر عندما كانت تيريشيا على قيد الحياة، أما ساقه اليمنى، فحملت ندبة تلقتها منه بعد مماتها. غير أن كلا الجُرحين، وقد كانا محفورين ببركتها، فقدا تأثيرهما الآن.
«——»
«… إنه نصري.»
أجاب راينهارد ببرود بينما ضغط هاينكل عليه بانفعال. اتسعت عينا هاينكل من الدهشة، لكن راينهارد لم يكن يحاول تقديم أعذار.
بلا تردد، أومأ ويلهيلم موافقًا بكل احترام. رغم مزاجه المتجهم دائمًا، كان هناك لحظات نادرة يستجيب فيها بمثل هذا الصدق الطفولي.
تساقط السيف الاحتفالي من يد تيريشيا.
«أنا واثق أن هناك أماكن أخرى تحتاج إلى قوتك في أنحاء المدينة. أشعر بقلق خاص على السيد غارفيل، فقد انفصل عني أثناء القتال. إن سمحت لي، قديس السيف راينهارد.»
«—غخ.»
فقدت الإحساس بيدها من شدة التصادمات المتكررة، فارتطمت النصل المقدسة بالأرض خلفها. أما ذلك السيف الصدئ، النصف مهشم، فقد كان مشيرًا مباشرةً إلى عنقها الشاحب.
ليس سوى عداءٍ محض موجهٍ نحوها.
«ويلهيلم، هل تحبني؟»
قديسة السيف المتألقة، المغلفة بالجمال والقداسة، هُزمت على يد شيطان السيف، ذلك الذي صُقِل في لهيب الهوس.
من خلال تلك الشفرة، شعرت بآلاف الأيام من صقل الذات، بانغماس الجسد والروح في التدريب.
في تلك اللحظة، تحطم وهم قديسة السيف. في تلك اللحظة، سقطت النصل المقدسة أمام ذلك السيف المهترئ.
سيكون بخير، لأنه ذلك النوع من الأشخاص.
«أنتِ أضعف مني؛ لذا لا حاجة لأن تمسكي بالسيف مجددًا.»
مر زمن طويل منذ آخر مرة سمعت فيها صوته الجاف، الصارم.
حبس راينهارد أنفاسه عند سماع ذلك التصريح البارد المتجرد. لكنه استقام، ثم أخيرًا، ألقى نظرة نحو هاينكل.
لكنني أؤمن أنكم جميعًا ستكونون بخير.
وكان من المناسب جدًا أن تكون تلك كلماته الأولى لها.
«إن لم أحمل السيف، فمَن سيفعل؟»
آخر دفءٍ ستشعر به بين ذراعيه. وبينما كان يحتضنها، رفعت تيريشيا رأسها قليلًا وقبَّلت الجرح النازف على كتفه.
«سأتولى أنا السبب الذي يجعلك تمسكين بالسيف. يمكنكِ ببساطة أن تكوني أنتِ السبب الذي يجعلني ألوِّح بسيفي.»
تيبَّس جسد تيريشيا عند سماع تلك النبرة الحادَّة… تلك الهالة الحاسمة التي باغتتها عن قرب.
سببُه في حمل السيف كان الحماية.
رغم أنها كانت شبه متأكدةٍ من الجواب، ورغم إدراكها بأن كليهما يحمل مشاعر تجاه الآخر، إلا أنها بقيت مترددة، غير قادرةٍ على التصرف.
خفض غطاء رأس عباءته، فوقعت عينا تيريشيا على الوجه الذي اشتاقت لرؤيته… ذلك الوجه العابس، الملطخ بالأتربة.
«——»
يا له من رجل سيئ… يأتي بكل هذه الكلمات الرنانة عن السرقة والحماية، ثم لا يفهم شيئًا عن قلب امرأة.
لأنهم كانوا… طيبين جدًا.
—لم يكن في أسلوبه أي شائبة.
لكن… كيف له أن يفهم؟ وهو ليس إلا سيفًا؟
خفق قلب تيريشيا بقوة. في كل مرة تتقاطع سيوفهما، يُمزَّق الخط الأبيض. في كل مرة تلتقي عيونهما، تتدفقت مشاعرها أكثر.
«إن لم أحمل السيف، فمَن سيفعل؟»
«يا لكَ من شخص فظيع… تأخذ عزيمة شخصٍ ما، وإصراره، وكل شيء آخر، ثم تلقي به بعيدًا وكأنه لا شيء.»
«ويلهيلم…»
«سأرث كل ذلك. لذا، انسي أمر حمل السيف… وخذي الحياة ببساطة. لديَّ فكرة، لمَ لا تزرعين الأزهار وتعيشين بسلام خلف ظهري؟»
كم من مرةٍ طاردتها تلك الذكريات؟
«محميّةً بسيفك؟»
يالها من هيئةٍ غير لائقة، أمام ابنه وحفيده أيضًا! أين ذهب ذلك الوقار الصلب الذي عرفته عنه دائمًا؟
—وفي ذلك اليوم، أصبحت تيريشيا قديس السيف.
«نعم.»
—وفي ذلك اليوم، أصبحت تيريشيا قديس السيف.
«——»
«هل ستحميني؟»
انطلق زئير ويلهيلم كسوطٍ مفاجئ، قبل أن تلامس أصابع راينهارد جسده.
بمجرد أن سمعت ذلك التقرير، شحب وجه تيريشيا حتى بدا كالموتى. سقطت على ركبتيها دون وعي، بينما وقفت خادمتها بجانبها في ارتباكٍ واضح، لكنها لم تستطع الرد.
«نعم.»
《١٠》
كانت تيريشيا تخشى البركة التي وُلِدَت بها—بركة الحاصد.
إن كان سيسمح لها بأن تكون من بين أغلى أشيائه… إن كان سيُجيب على حبها…
وهكذا، بما أن شيطان السيف لم يكن قادرًا على المشاركة، فقد طلبوا من تيريشيا أن تنضم بدلًا منه… بصفتها الشخص الوحيد الذي لا يزال يحمل بركة قديسة السيف ولقبها، رغم مرور سنوات طويلة منذ آخر مرة أمسكت فيها بسيف.
ابتسمت تيريشيا لكلمات شيطان السيف— لكلمات ويلهيلم.
«——»
ثم، بينما تلمس النصل التي استقرت على عنقها، خطت خطوة إلى الأمام.
لم تستطع مشاركة مخاوفها مع أحد—
«حلمي؟»
من خلال تلك الشفرة، شعرت بآلاف الأيام من صقل الذات، بانغماس الجسد والروح في التدريب.
مع كل ضربة سيف، تعاظمت مشاعرها. أرادت أن تُسقط نصلها، أن تهرع إليه، أن تلقي بنفسها بين ذراعيه.
امتلأت عيناها بالدموع، واندفعت مشاعر لا تُقاوَم في كل كيانها.
هل ظن أنه يخفيها؟
بدأت الدموع تنساب ببطء على خديها، بينما تلمع عيناها الزرقاوان وهي تبتسم.
«لا أستطيع فهم ما تقوله.»
لكنها عصت ذلك الصوت الذي لم يكفَّ عن ملاحقتها… فلم ترفع سيفها.
«هل تحب الأزهار؟»
«لماذا تلوِّح بسيفك؟».
بزيٍّ رسمي وسيفٍ احتفالي، راودت تيريشيا الشكوك في عقلها.
«توقفتُ عن كرهها.»
لم يكن ذنب لويانا، التي أصابها داءُ الأميرة النائمة، فحكمت على زوجها وابنها بعزلةٍ لم يتمنَّياها يومًا.
«لماذا تلوِّح بسيفك؟»
«أنا أعارض هذا بشدة! ماذا تفكرين بحق؟!»
«لحمايتكِ.»
قديسة السيف المتألقة، المغلفة بالجمال والقداسة، هُزمت على يد شيطان السيف، ذلك الذي صُقِل في لهيب الهوس.
«ليس عليكِ أن تقاتلي… فأنتِ فتاة طيبة، لا تقدر حتى على إيذاء ذبابة.»
لقد بلغت الحد.
«البركة…»
منذ أن سقط السيف من يدها، لم تعد تسمع صوت اله السيف…
«… إنه نصري.»
لم تعد ترى سوى ويلهيلم.
لم تعد تشعر سوى بويلهيلم.
لم تستطع مشاركة مخاوفها مع أحد—
لم يكن هناك شيء في هذا العالم… سوى ويلهيلم.
وأخيرًا—
تشبثت بصدره، أغمضت عينيها، ثم ضغطت شفتيها على شفتيه. كان ذلك الإحساس دافئًا… ناعمًا… إحساسًا جعل حبها ينفجر، وجعل عالمها كله يتغير.
احمرَّ وجهها وهي تنظر إلى حبيبها الواقف أمامها.
«أمسكي بالسيف، تيريشيا.»
«لماذا تلوِّح بسيفك؟»
لم يقل ويلهيلم شيئًا، بل اكتفى بالتحديق فيها، منتظرًا أن تتكلم.
رأت تيريشيا ذلك… وضحكت. لا بأس… كما هو الحال دائمًا، عليها أن تكون هي مَن يسأل أولًا.
لكن هذه المرة، جاءها ردٌّ جديد على سؤالها المعتاد.
«—مم-همم.»
«هل تحبني؟»
«سيدتي تيريشيا…غغ…»
«—أنتِ تعلمين الجواب بالفعل.»
تردد صوت صفعة خفيفة عندما وضعت يدها على فمه.
أدار وجهه جانبًا.
هل اعتقد أنه قد كتمها لمجرد أنه لم ينطق بها؟
اتسعت عينا تيريشيا لوهلة، ثم سرعان ما عبست، منتفخة الخدين، وهي تحدق فيه بعتاب. كيف يجرؤ على التهرب بعد كل ما وصلا إليه؟!
كان هاينكل يغلي بالحقد، وعندما شعر بنظرة راينهارد، تصلب جسده قليلًا، لكنه لم ينبس ببنت شفة. تجاهل راينهارد ذلك الارتعاش الطفيف، وصرف بصره عنه.
لكن لا بأس. لقد قالت له كل ما أرادت قوله بالفعل. وكانت واثقةً أن ويلهيلم فهمها تمامًا.
مالت للأمام، رافضةً السماح له بالإفلات من ذلك بسهولة.
«كنتَ تقولها دائمًا.»
كلما راودها ذلك الشعور، كان ويلهيلم، وكأنه يشعر به، يحتضنها. كان يمزِّق الستار الذي تحاول الاختباء خلفه، يُجبرها على مواجهة مخاوفها الدفينة، ويتدخل رغمًا عنها.
«هيا الآن، هناك أمور يجب أن تُقال بصوت مسموع.»
«هاه.»
بعد لحظة أخيرة جمعتهما معًا، حان الوقت.
حكَّ ويلهيلم رأسه وهو يشيح بوجهه، كما لو كان يحاول المراوغة. لكنه في النهاية، تنهد مستسلمًا أمام إصرار نظرات تيريشيا، ثم… ضمَّ خصرها بين ذراعيه. وفي مفاجأة غير متوقعة، اقترب بشفتيه من أذنها، وهمس:
أقسم أن يسلبها إياه.
«يومًا ما… حين يروق لي ذلك.»
«لا أستطيع فهم ما تقوله.»
— أشعر بأن ذلك اليوم لن يأتي قريبًا.
لم تهجرها حين أدارت ظهرها لدورها كقديسة السيف، ولم تتركها عندما فرت من ساحة القتال في معركتها الأولى، ولم تتخلَّ عنها حتى بعدما فقدت تيريشيا إيمانها بنفسها.
《٩》
أزعجها جوابه، لكنها شعرت بقشعريرةٍ حين تخيَّلت أنه قد يأتي يومًا ما.
إلى آخر لحظة، لم يكن في صوته ذرة دفء. استدار راينهارد، وانخفض بجسده قليلًا، ثم وثب عاليًا ليشق سماء الليل.
كادت تتوقف عند سماع الصوت الذي ناداها، لكن بكل ما أوتيت من قوة، أجبرت نفسها على المضي قدمًا.
وقعت تيريشيا في حب ويلهيلم إلى درجة أنها باتت مستعدةً لغفران أنانيته.
هذا الوجه… يخص زوجها. وإن كان واضحًا أن وقتًا طويلًا قد مضى منذ آخر لقاءٍ بينهما.
«أنتِ أختي الصغيرة الغالية. إن لم تردِ فعل شيء، إن خفتِ… فسأحميكِ. لأنني شقيقك الأكبر.»
《٩》
«أنا أحبك، ويلهيلم.»
«——»
في النهاية، لم يُجب ويلهيلم مرةً واحدة بجوابٍ صريح.
لكنه كان دائمًا يُعبّر عن مشاعره بأفعاله، حتى وإن عجز عن قولها بالكلمات.
وكانت على حق. تيريشيا كانت الأقوى. كانت الأبرع في القتل.
ذلك النوع من السلوك لا يمكن لامرأةٍ أن تتقبَّله إلا إن كانت بالغة اللطف… أو مجنونةً بحبه— وتيريشيا كانت كلاهما معًا؛ لذا لم تُمانع قط، وتركته على حاله.
《١》
عاشا معًا حياةً هادئةً، رقيقةً، بوصفهما زوجًا وزوجة.
اتسعت عيناه، وارتعشت شفتاه، ثم رفع يده ليخفي وجهه. تفاجأت بردة فعله العنيفة، وكادت تندفع نحوه، لكنها توقفت.
أما تيريشيا… فقد سُلب منها هذا الخيار إلى الأبد.
كما وعدها، لم يمنحها ويلهيلم، منذ مبارزتهما، أي سببٍ لحمل السيف مجددًا. أما هي، فلم يعد لديها أي تعلقٍ به، فقد توقف صوت اله السيف عن مناداتها منذ وقتٍ بعيد.
«هل ستحميني؟»
لكن… بين الحين والآخر، كانت تشعر بعدم الارتياح.
انفجر الصليل الأول، وأُزيح الستار عن المبارزة.
لأن نعمة قديسة السيف لم تختفِ. بل بقيت كامنةً داخلها.
لماذا لم يمنح بركته لمَن أحبه بصدق؟
«تيريشيا.»
كان ملقى على الأرض، وجهه ملطخٌ بالدماء، وعيناه شاخصتان نحو خصمه.
«—مم-همم.»
توسَّعت عينا ويلهيلم وهو يحدِّق في الجرح السطحي الذي خلفته أصابعها على كتفه.
كلما راودها ذلك الشعور، كان ويلهيلم، وكأنه يشعر به، يحتضنها. كان يمزِّق الستار الذي تحاول الاختباء خلفه، يُجبرها على مواجهة مخاوفها الدفينة، ويتدخل رغمًا عنها.
وكان ذلك كافيًا.
شعرت بوجود شخصين آخرين قريبين… لا بد أنهما هاينكل وراينهارد.
《١١》
«هل تحبني؟»
وبعد ذلك، توقَّف تبادلهما المعتاد لهذا السؤال.
منذ أن سقط السيف من يدها، لم تعد تسمع صوت اله السيف…
«——»
ساد الاضطراب في المكان، وتحطمت الهالة المهيبة التي سادت الحاضرين في المراسم. دون أن يكترث لأي نداءٍ بالتوقف، ظهر رجل -لا، مبارز- داخل المراسم.
عندما سمعت تيريشيا شقيقها يقول ذلك بثقة، مبتسمًا، لعنت غباءها.
لكن، رغم كل شيء، ظلَّ يرفض الإجابة على ذلك السؤال بعنادٍ شديد.
متظاهرةً بعدم الاكتراث، راقبت تيريشيا أسلوبه بالسيف خلسةً، ولم تستطع إخفاء دهشتها.
لا أملك سوى ندمٍ واحد… سؤالٌ لم أتمكن من طرحه.
《١٠》
على الأقل حتى ولو كان حلمًا— فلن يتدخل أحد في موعدها مع شيطان السيف.
الحياة مليئة بالتقلبات… من الطبيعي أن تتخللها لحظاتُ سعادة ولحظاتُ حزنٍ.
اتسعت عيناه، وارتعشت شفتاه، ثم رفع يده ليخفي وجهه. تفاجأت بردة فعله العنيفة، وكادت تندفع نحوه، لكنها توقفت.
تيريشيا وويلهيلم أنجبا ابنًا واحدًا، هاينكل.
ثم تزوج هاينكل من لويانا، وأنجبا بدورهما ابنًا… حفيدهما الأول، راينهارد.
كانت الإجابة التي منحها إياها هو نفسه ويلهيلم ترياس.
«تيريشيا…؟»
وما حدث بعدها… لم يكن ذنب أحدٍ منهم.
ولأنها فهمت ذلك، لم يعد بإمكانها أن تحقد عليه بعد الآن.
لم يكن ذنب هاينكل، الذي كان مخلصًا، وبذل قصارى جهده في دراسة فن السيف، رغم أنه لم يُجْزَ عن ذلك.
حتى عندما أظهرت له حديقتها الخاصة، كان هذا كل الرد الذي تلقته.
لم يكن ذنب لويانا، التي أصابها داءُ الأميرة النائمة، فحكمت على زوجها وابنها بعزلةٍ لم يتمنَّياها يومًا.
لم يكن ذنب راينهارد، الذي حُمِّلَ أقدارًا قاسيةً لا يستطيع شخصٌ واحدٌ حملها وحده.
للمرة الثانية، طلب ويلهيلم منه أن يضع حدًّا لكل هذا.
لم يكن أيٌّ منهم مخطئًا… لم يكن أيٌّ منهم مذنبًا.
هاينكل انحرف عن طريقه، ولويانا تاهت في أحلامها، وراينهارد لم يرد سوى أن يُحَبَّ مجددًا.
كان الأمر أشبه بعرضٍ يبرهن على أنه ليس حتى نِدًّا لابنه. ولم يكن لذلك سوى أن يزيد من حنق هاينكل، فقبض على أسنانه بغيظٍ شديد.
إن كان هناك مَن أخطأ، فهي تيريشيا. تيريشيا، التي لاحظت كل ذلك… ولم تفعل شيئًا.
وهكذا، غدا مشهد وجودهما معًا في تلك الساحة المخفية أمرًا مألوفًا.
«أنا أعارض هذا بشدة! ماذا تفكرين بحق؟!»
—لم يكن في أسلوبه أي شائبة.
نفسها الحمقاء، العاجزة عن فعل شيء سوى البكاء، رغم أنها كانت قديسة السيف.
تيبَّس جسد تيريشيا عند سماع تلك النبرة الحادَّة… تلك الهالة الحاسمة التي باغتتها عن قرب.
لطالما وجدت تيريشيا صعوبةً في التعامل مع الآخرين، واعتادت تجنُّبهم لفترةٍ طويلة، لكنها لم تكن غافلةً إلى الحد الذي يجعلها تجهل المعنى الحقيقي وراء اعترافه بذلك.
كانت تتوقع هذا الرد. علمت أنه سيعارض.
«— يكفي.»
للمرة الأولى منذ عقود، استدعاها البلاط الملكي، ليس بصفتها مجرد لقبٍ زائف، بل بصفتها قديسة السيف الحقيقية. لقد طلبوا منها الانضمام إلى الحملة المرسلة لاصطياد الحوت الأبيض، أحد الوحوش الشيطانية الثلاثة العظمى التي تهدد سلام العالم.
حدَّقت في وجه زوجها. بدأ الشيب يغزو شعره، لكن ملامحه لم تزدد إلا حدةً ورجولةً مع تقدم العمر. لم يتغير شيء في توهج المشاعر داخل عينيه الزرقاوين، ولم يخفت أبدًا ذلك الشعور الجارف الذي يحمله تجاه تيريشيا.
وحين رأته عند مدخل الساحة، ارتسمت على شفتيها ابتسامة، وامتلأ قلبها بدفء لم تختبره من قبل.
كان هذا وجه الرجل الذي أحبته تيريشيا… ووجه الرجل الذي أحبها.
هزَّت رأسها نفيًا.
«لقد اتخذت قراري بالفعل.»
شقيقها الأكبر، ثامس، الطيب الحنون الذي حقق كل طلباتها مهما بلغت صعوبتها.
«كيف يمكنكِ ذلك؟! مَن أخبركِ بهذا أصلًا…؟!»
«سأتولى أنا السبب الذي يجعلك تمسكين بالسيف. يمكنكِ ببساطة أن تكوني أنتِ السبب الذي يجعلني ألوِّح بسيفي.»
«كنتُ أناديكِ في رأسي باسم ”فتاة الأزهار“ حتى الآن».
من عناد تيريشيا، أدرك ويلهيلم أن أحدًا ما قد همس في أذنها بهذا الأمر. وفي اللحظة التالية، صار وجه شيطان السيف قناعًا من الغضب، وسرعان ما بدأ جو الغرفة يشتعل من هالة المعركة التي لم يعد قادرًا على كبحها.
وبذلك، أسدل الستار على المعركة الأخيرة دفاعًا عن بريستيلا.
«ذلك الأحمق! وجب عليه أن يشعر ببعض الخجل…!»
استفاقت تيريشيا من شرودها على مشهد السيف الخشبي وهو يهوي بعيدًا، مغروسًا في الأرض. في صوت عمها، انبهارٌ جليٌّ أكد أن النزال قد حُسم. كيف لا، وسيف تيريشيا كان موجهًا مباشرة إلى حنجرة شقيقها الأكبر، الذي حدَّق بها مذهولًا؟
«لا أنتَ ولا أنا نملك الحق في قول ذلك.»
«جبان!» صاح عمها موبخًا.
ندمت على ما آل إليه مصير ابنهما بقدر ما ندم ويلهيلم. ولهذا تحديدًا، لم ترد أن يُلقي باللوم على هاينكل. أدرك ويلهيلم مغزى كلماتها، فقبض على أسنانه وحاول تهدئة غضبه. كانت تلك علامةً على أنه نضج ولو قليلًا.
لكن هذا النضج جعله مثقلًا بالكثير من المسؤوليات، حتى إنه لم يعد قادرًا على التخلي عن كل شيء ببساطةٍ كما فعل في الماضي.
انتهت أول معركة خاضتها تيريشيا بهزيمة نكراء.
لم يكن بإمكان ويلهيلم الانضمام إلى حملة اصطياد الحوت الأبيض.
لقد رحلت المرأة التي كانت جدةً وأمًّا وزوجة.
فالعاصمة كانت غارقةً في فوضى غير مسبوقة— ابنة شقيق الملك قد اختُطِفت، والحرس الملكي استنفر كل قوته للبحث عن الجاني وإنقاذ الطفلة.
هذا السيف الصلب، هذا الرجل الفولاذي… لا يزال كما هو.
وبوصفه قائد الحرس الملكي، كان على ويلهيلم تكريس كل وقته وجهده لهذا الأمر.
«آووو، لقد تم رفضي.»
وهكذا، بما أن شيطان السيف لم يكن قادرًا على المشاركة، فقد طلبوا من تيريشيا أن تنضم بدلًا منه… بصفتها الشخص الوحيد الذي لا يزال يحمل بركة قديسة السيف ولقبها، رغم مرور سنوات طويلة منذ آخر مرة أمسكت فيها بسيف.
«لأنه كل ما أملك.»
بسط معطفه على الأرض، وبدأ يجمع به رماد تيريشيا، فلم يكن بوسعه أن يتركها تتلاشى مع الريح.
تذكَّرت تيريشيا وعد ويلهيلم… وعدها بأنه لن يدعها تحمل السيف مجددًا.
«يا للمهانة.»
—لكن العيش دون أن تؤذي أحدًا، ولو عن غير قصد، ليس بهذه السهولة.
وفي الحقيقة، أوفى بوعده. عاشت حياةً هانئة، تحيط نفسها بالزهور، في ظل حمايته. لكن حان الوقت لتوديع تلك الحياة.
«يا للمهانة.»
«ويلهيلم، هل تحبني؟»
وربما تكون تلك الإجابة هي الخلاص الذي بحثت تيريشيا عنه—
«ماذا—؟»
لم يكن مستعدًا لسماع هذا السؤال، بعد كل هذه السنوات، تجمَّد في مكانه، مشدوهًا بابتسامة زوجته.
الهدف الذي يركض خلفه بجنون… القمة التي يسعى لبلوغها بكل شغف… كانت هي.
واستغلت تيريشيا لحظة ذهوله، فمدَّت يدها بهدوءٍ ومرَّرتها على كتفه، مخدوشةً إياه بأظافرها. منذ زواجهما، تمكنت من السيطرة على بركة حاصد الأرواح، لكنها هذه المرة… استخدمتها بكامل إرادتها.
احمرَّ وجهها وهي تنظر إلى حبيبها الواقف أمامها.
«لقد اتخذت قراري بالفعل.»
توسَّعت عينا ويلهيلم وهو يحدِّق في الجرح السطحي الذي خلفته أصابعها على كتفه.
على عكس صوته المرتجف، جاء صوت راينهارد مهيبًا، ثابتًا لا تشوبه ذرة اضطراب.
كان جسدها ثقيلاً جدًا، لم يعد فيها سوى ذرة من القوة، لكنها صبَّت كل ما تبقى لها منها في أطراف أصابعها؛ لتجفِّف دموع عن وجنتيه.
لم يكن الجرح عميقًا… لكن الدم لم يتوقف عن التدفق. ولن يتوقف أبدًا… طالما كانت تيريشيا إلى جانبه.
ظنَّت أن إخوتها حمقى لاستمرارهم في التلويح بسيوفهم رغم هزيمتهم أمامها. نظرت إليهم باستعلاء، مقتنعة بأنهم يتشبثون بالسيف لمجرد أنهم لم يجدوا شيئًا آخر يتمسكون به.
صرخة هاينكل المغموسة بالدماء دوَّت في الساحة المهجورة، حيث تُرِك وحيدًا تمامًا.
«تيريشيا…؟»
«هذا يكفي… في الوقت الحالي.»
لم يكن مستعدًا لسماع هذا السؤال، بعد كل هذه السنوات، تجمَّد في مكانه، مشدوهًا بابتسامة زوجته.
اقتربت منه، وأسندت رأسها إلى صدره العريض.
«البركة…»
انفجر الصليل الأول، وأُزيح الستار عن المبارزة.
آخر دفءٍ ستشعر به بين ذراعيه. وبينما كان يحتضنها، رفعت تيريشيا رأسها قليلًا وقبَّلت الجرح النازف على كتفه.
كانت دائمًا تردد لها:
اصطبغت شفتيها باللون القرمزي… للمرة الأولى، تذوقت دم زوجها.
ورغم ذلك، لم تتوقف تلك الهلوسة اللانهائية عن التردد في رأسها.
«الآن… لا يمكنك ملاحقتي. إن فعلت… فلن يلتئم هذا الجرح أبدًا.»
«—أخي، القديسة القادمة للسيف هي ابنتك، تيريشيا.»
«هل هذا هو سببكِ لفعل هذا الحماقة؟ تظنين أن هذا سيمنعني؟»
«إن تبعتني… فسيصبح كل هذا بلا معنى.»
«العدو الذي رأيناه كان مجرد جثة تحركها قوة شريرة. لا يمكن أن تكون تلك قديسة السيف السابقة… لا يمكن أن تكون جدتي. ربما أسأت الفهم؟»
«—أحمق.»
ضحكت بخفَّة، ثم أفلتت تيريشيا نفسها من بين ذراعيه. رفعت يدها إلى كتفه مشيرةً إلى الجرح.
«دع الجرح كما هو… ليذكِّرك بألَّا تلحق بي. وعندما ننهي مهمتينا، سأعتني به بنفسي.»
«——»
لقد بلغت الحد.
قديسة السيف تيريشيا تستطيع أن تفهم كلَّ شيءٍ عن السيف بمجرد النظر إليه.
«لا تقلق، مَن تظنني؟ لستُ أقل منك مهارةً في السيف.»
كان هاينكل يغلي بالحقد، وعندما شعر بنظرة راينهارد، تصلب جسده قليلًا، لكنه لم ينبس ببنت شفة. تجاهل راينهارد ذلك الارتعاش الطفيف، وصرف بصره عنه.
«لا داعي لأن تقلق عليَّ… فقط اعتنِ بسلامتك. هذا أكثر من كافٍ…»
«تنافسين مجموعةً من الشبان رغم أنكِ على مشارف الخمسين…»
«راقب لسانك، عزيزي.»
لهذا، سواء كانوا رجالًا أو نساءً، ليس لأحد من أفراد آل أستريا أن يعيش بعيدًا عن السيف.
«أوه… امرأةٌ وحدها في مكانٍ كهذا؟ هذا تصرُّفٌ شجاع.»
تردد صوت صفعة خفيفة عندما وضعت يدها على فمه.
حقًا… عشرون عامًا قضيناها معًا، ومع ذلك…
«لا داعي لأن تقلق عليَّ… فقط اعتنِ بسلامتك. هذا أكثر من كافٍ…»
هذا السيف الصلب، هذا الرجل الفولاذي… لا يزال كما هو.
رغم أنها كانت شبه متأكدةٍ من الجواب، ورغم إدراكها بأن كليهما يحمل مشاعر تجاه الآخر، إلا أنها بقيت مترددة، غير قادرةٍ على التصرف.
«أنا-أنا لطالما كنتُ ضعيفًا في التعبير عن مشاعري، وأرهقتكِ بذلك… طوال عشرين عامًا، لم أقوَ يومًا على أن…»
ولهذا—
«أنتَ على حق. كنت أنا المخطئ… ليس لديَّ ما أقوله لك بعد الآن.»
«أحبك، ويلهيلم.»
«ماذا تعني بقولك ”ارتحت“؟»
«——»
«أجيبيني، تيريشيا… أجيبيني، قديسة السيف، تيريشيا ڤان أستريا!!!».
«هذا يكفي… في الوقت الحالي.»
— لقد بدا في عينيها كسيفٍ مسلول.
«في الوقت الحالي؟»
«لا تحمل السيف بذلك الوجه!»
أومأت برأسها بينما قطَّب ويلهيلم حاجبيه.
تيريشيا وويلهيلم أنجبا ابنًا واحدًا، هاينكل.
كان الجرح على كتفه عهدًا بلقاءٍ قادم—
«——»
بإرادة حديدية وخوف متجذر، حاولت أن تبتعد عنه. تحججت بكل عذر ممكن لتجنب التدريب، حتى استسلمت العائلة وتوقفت عن إجبارها.
«—عندما أعود… أريد أن أسمع إجابتك أخيرًا.»
«دعني وشأني. لا أريد أن يرى أحد وجهي الآن.»
《١١》
«——»
سيكون بخير، لأنه ذلك النوع من الأشخاص.
قفزت ذاكرتها إلى الأمام.
رفضت بعناد، هزَّت رأسها مرارًا وتكرارًا، لكنها في النهاية استسلمت وأمسكت بالسيف الخشبي بقبضة واهنة. حينها، أمسك عمها برأسها وأجبرها على النظر أمامها.
لم تستطع الرؤية بوضوح. وكأنها واقفة وسط عاصفةٍ من الرمال. حتى الأصوات… بدت مكتومةً وبعيدة.
«—!»
«إذًا… ما الذي رأيناه الآن؟ ما الذي دار بينك وبين أبي؟ ما الذي كان يحدق بنا بذلك الاستياء…؟ ما الذي كان ذلك إن لم يكن أمي؟!»
سمعت صوت صرخة، ثم صرخةً أخرى… ثم عويلًا مريرًا.
تلك الثقة العمياء التي وضعوها فيها… كانت تطحن قلبها بلا رحمة.
انهارت حملة القضاء على الحوت الأبيض بالكامل.
وكانت على حق. تيريشيا كانت الأقوى. كانت الأبرع في القتل.
هزَّت رأسها نفيًا.
ضبابٌ كثيف أحاط بالمكان، ولم يكن لأحد وجهةٌ يهرب إليها. ارتفعت الأصوات في محاولةٍ يائسة لردع ذلك الشعور الطاغي بالهلاك الذي اجتاحهم.
«تيريشيا…؟»
ذلك النوع من السلوك لا يمكن لامرأةٍ أن تتقبَّله إلا إن كانت بالغة اللطف… أو مجنونةً بحبه— وتيريشيا كانت كلاهما معًا؛ لذا لم تُمانع قط، وتركته على حاله.
«——»
وفجأة… لم تعد تذكر ما حدث.
كانت المعركة قاسية، لكن الحملة كان يفترض أنها في موقع القوة. تذكَّرت أنها شعرت للحظة أنهم ثبتوا أقدامهم أمام الحوت الأبيض… وأنها أدَّت دورها حتى بعد انسحابها من الخطوط الأمامية.
كان هاينكل يغلي بالحقد، وعندما شعر بنظرة راينهارد، تصلب جسده قليلًا، لكنه لم ينبس ببنت شفة. تجاهل راينهارد ذلك الارتعاش الطفيف، وصرف بصره عنه.
لكن عندما بلغت هذه الفكرة، تسلل إلى قلبها إحساس غريب. شعورٌ طفيف… لكنه خاطئ.
ذراعاها بخير… ساقاها سليمتان… بصرها لم يصبه شيء…
لكن… كان هناك فراغٌ ما، إحساسٌ وكأنها فقدت جناحيها—
«محميّةً بسيفك؟»
«البركة…»
لم تعد تشعر ببركة قديس السيف.
تلك القوة التي لم تفارقها يومًا، مهما ابتعدت عن السيف.
«هذا يكفي… في الوقت الحالي.»
لا زال بوسعهم اختيار طريق آخر، العيش كما يريدون، والمضي في الحياة كما يحلو لهم.
«—راينهارد!»
ولذا، لم تتعرض تيريشيا لأي لومٍ رغم فرارها من وجه العدو، وظلت مختبئةً داخل قوقعتها.
ركضت دون تردد، متجاوزةً جبال الجثث، عابرةً أنهار الدم، مخترقةً ميدان الصرخات والأنين.
في لحظة، أدركت لمَن انتقلت البركة. كان ذلك أمرًا طبيعيًا، غريزيًا حتى. تمامًا كما علم عمَّها يومًا أنها ورثتها منه.
وربما كان الأمر أبسط من ذلك…
«——»
فلقد أدركت منذ زمنٍ بعيد الموهبة الفطرية اللامحدودة التي يملكها راينهارد.
مهما يكن، كانت تيريشيا واثقةً تمامًا بأن راينهارد هو قديس السيف الذي سيخلفها.
بدأت كحادثة بسيطة، لكنها تصاعدت بسرعة، تزداد حدة كل يوم.
«لا أنتَ ولا أنا نملك الحق في قول ذلك.»
قد يكون ذلك خيانةً لهاينكل، الذي لطالما توق إلى اللقب… لكن لم يكن هناك وقتٌ ولا أحدٌ ليلومها على ذلك الآن.
«لا تتفاخر بنفسك، راينهارد…!» صرخ هاينكل بصوتٍ مشحونٍ بالغضب، ولفظ كلماته مصحوبةً برذاذ من فمه، متهمًا ابنه بلهجةٍ متهدجة: «لا شيء مما تقوله يمكن أن يغير ما رأيته بعينيَّ. الحقيقة أن يدك امتدت نحو أمي… أنك أنت مَن قطع تيريشيا ڤان أستريا! سأشهد بذلك، وسأتأكد أن الجميع يعلم! لن يعترف بك أحدٌ كقديس السيف بعد الآن!»
كانت لتنفجر استنكارًا عند سماع ذلك، لكنها لم تملك حيلة؛ لأن الفكرة التالية التي تبادرت إلى ذهنها هي: ولكن لأنه هكذا لأنه يشبه السيف تمامًا، ولهذا…
«أوه… امرأةٌ وحدها في مكانٍ كهذا؟ هذا تصرُّفٌ شجاع.»
«—نغه.»
ارتجف جسد تيريشيا وهي تستدير نحو مصدر الصوت.
كان ملقى على الأرض، وجهه ملطخٌ بالدماء، وعيناه شاخصتان نحو خصمه.
كان ناعمًا وأنيقًا… لكنه بدا غريبًا تمامًا وسط هذا الخراب. ظهرت فتاة ذات شعرٍ بلاتيني من بين الضباب الكثيف. كان على وجهها ابتسامةٌ لطيفة، وفي عينيها بريقُ مودةٍ غامضة، وكأنها تنظر إلى صديقٍ مجهول بعاطفةٍ غير مشروطة.
ورغم ذلك، لم تتوقف تلك الهلوسة اللانهائية عن التردد في رأسها.
لكنها كانت محبةً مغلوطة، مشَوّهة، وأكبر مما يجب. ولم يكن لذلك سوى أثرٍ واحد…
الرعب.
«آووو، لقد تم رفضي.»
عندما سمعت تيريشيا شقيقها يقول ذلك بثقة، مبتسمًا، لعنت غباءها.
ألقت تيريشيا بسيف التنين جانبًا، ذلك السيف الذي لم تعد قادرةً على سحبه، والتقطت السيف الطويل عند قدميها… ثم اندفعت نحوها.
من البداية وحتى النهاية، كانت بلا شك حياة مباركة.
تحت أي ظرفٍ آخر، لم تكن لتتخذ قرارًا كهذا، لكن في عالمٍ مغطَّى بضباب الموت الذي خلَّفه الحوت الأبيض، لم تكن الفتاة التي تجول بهدوء وسط الخراب مجرد لغز— بل كانت تهديدًا.
كان ملقى على الأرض، وجهه ملطخٌ بالدماء، وعيناه شاخصتان نحو خصمه.
حتى دون بركة قديسة السيف، لم تفقد تيريشيا مهارتها في القتال. وكانت الضربة التي وجهتها كفيلةً بأن تشطر الفتاة نصفين بكل سهولة—
«لا تلمسني!»
«—أريد أن أفهمكِ.»
في اللحظة التالية، داعب أذنيها صوتٌ ساحرٌ خافت، وجذب وعيها إلى العتمة.
كرهت ذلك الجبن فيها…
سقطت وكأنها تهوي من السماء، أو تغرق في أعماق بحرٍ بلا قرار.
لم تعرف ما الذي حدث. ولا ما الذي سيحدث بعدها.
كما لو كان الأمر قد رُتِّب مسبقًا، انطلقت سيوفهما في ذات اللحظة.
لكن أفكارها…
لأنني أحبكم جميعًا.
قفزت نحو مستقبل حفيدها، وقلب ابنها، والمرأة التي تربط بينهما.
لكن لمَّا نظرت إليه، لمعت في عقلها فكرة واحدة صادمة:
ويلهيلم ڤان أستريا.
وأخيرًا—
«—أحبك.»
أقسم أن يسلبها إياه.
«ويلهيلم…»
«تيريشيا، أنا…»
نطقت اسم الرجل الذي أحبَّته بكل كيانها… قبل أن يختفي وعيها بالكامل.
«أنتِ أضعف مني؛ لذا لا حاجة لأن تمسكي بالسيف مجددًا.»
مضى عامان منذ أن تحدثت إلى شقيقها الطيب، الذي لطالما أحبته بصدق.
ثم—
«… أنا… لا أكرههم.»
وقف هناك، ينظر إليها بغضب، بينما التزمت تيريشيا الصمت.
《١٢》
لا صوت. لا صدمة. لم يتطلب الأمر منها سوى ضربةٍ واحدة، فتناثر رأس ذلك النصف بشري بعيدًا.
محاولةً الهروب من ذلك الصوت، غادرت تيريشيا القصر وتسللت إلى الخارج، تائهةً بلا وجهة.
«تبدين بحالةٍ مزرية…»
بلا تردد، أومأ ويلهيلم موافقًا بكل احترام. رغم مزاجه المتجهم دائمًا، كان هناك لحظات نادرة يستجيب فيها بمثل هذا الصدق الطفولي.
فتحت عينيها ببطء، فرأت وجهًا أرهقته السنوات.
ولهذا—
كان شعره أبيض بالكامل، وخطت التجاعيد قسماته، ومع ذلك، لم تستطع إلا أن تفكر في كم بدا وسيمًا. ليس هناك أدنى شك.
هذا الوجه… يخص زوجها. وإن كان واضحًا أن وقتًا طويلًا قد مضى منذ آخر لقاءٍ بينهما.
《٤》
أزعجها جوابه، لكنها شعرت بقشعريرةٍ حين تخيَّلت أنه قد يأتي يومًا ما.
«——»
لكنني أؤمن أنكم جميعًا ستكونون بخير.
لم تعد تشعر ببركة قديس السيف.
زفرت أنفاسها ببطء.
لا زال بوسعهم اختيار طريق آخر، العيش كما يريدون، والمضي في الحياة كما يحلو لهم.
كرهت ذلك الجبن فيها…
شعرت بوجود شخصين آخرين قريبين… لا بد أنهما هاينكل وراينهارد.
ومع ذلك، بلغها صوت ويلهيلم. بلغ قلبها.
رجال عائلة أستريا الثلاثة… كانوا هنا لرؤيتها للمرة الأخيرة.
إلا هو. كان النصل الوحيد الذي لم تستطع التلويح به كما تشاء.
لأنهم كانوا… طيبين جدًا.
《١٠》
«تيريشيا، أنا…»
شعرت تيريشيا بالراحة مع تلاشي وجوده بعيدًا. ومع ذلك، لم تتوقف عن التلويح بسيفها. واصلت حصد الأرواح.
—ياللوقاحة.
ارتجف وجه ويلهيلم المتجعد، ونبرته متعثرة.
لكن أفكارها…
يالها من هيئةٍ غير لائقة، أمام ابنه وحفيده أيضًا! أين ذهب ذلك الوقار الصلب الذي عرفته عنه دائمًا؟
«راينهارد…»
…ولكن، إن فكرت بالأمر، لطالما كانت تلك اللحظات القليلة التي يسقط فيها قناعه من أكثر الأشياء جاذبيةً فيه.
بإرادة حديدية وخوف متجذر، حاولت أن تبتعد عنه. تحججت بكل عذر ممكن لتجنب التدريب، حتى استسلمت العائلة وتوقفت عن إجبارها.
يالها من هيئةٍ غير لائقة، أمام ابنه وحفيده أيضًا! أين ذهب ذلك الوقار الصلب الذي عرفته عنه دائمًا؟
«هيه، ويلهيلم…»
حتى عندما أظهرت له حديقتها الخاصة، كان هذا كل الرد الذي تلقته.
لم يكن مستعدًا لسماع هذا السؤال، بعد كل هذه السنوات، تجمَّد في مكانه، مشدوهًا بابتسامة زوجته.
كان صوتها مبحوحًا… لكنه حمل رنينًا شابًا غريبًا، وكأن الزمن لم يمر بها.
لم تكن تنوي ذلك على الإطلاق. لكن ما الجدوى من التبرير؟
يا للحرج… صوتي يبدو تمامًا كما كان يوم وقعتُ في حبِّه.
«أبي، لا ينبغي لك…»
«——»
«—غخ.»
شعرت بالإحراج من مجرد التفكير في العودة إلى ذلك الماضي البعيد. حتى مع إدراكها أن وقتها كان ينفد، بقيت تحدِّق في عينيه.
اتسعت عيناه، وارتعشت شفتاه، ثم رفع يده ليخفي وجهه. تفاجأت بردة فعله العنيفة، وكادت تندفع نحوه، لكنها توقفت.
في النهاية، لم يُجب ويلهيلم مرةً واحدة بجوابٍ صريح.
لكن لا بأس. لقد قالت له كل ما أرادت قوله بالفعل. وكانت واثقةً أن ويلهيلم فهمها تمامًا.
تلك الثقة العمياء التي وضعوها فيها… كانت تطحن قلبها بلا رحمة.
كأن اله السيف نفسه كان يسخر من ذلك المبارز عديم الموهبة الذي تجرأ على أن يحلم بهزيمة قديسة السيف.
هو مَن كان بحاجةٍ إلى الوقت، كان بحاجةٍ إلى الفرصة، كان بحاجةٍ إلى العثور على الكلمات الصحيحة.
الصوت الذي لم تسمعه منذ زمنٍ طويل. منذ التقت بويلهيلم، منذ بدأت مشاعرها تجاهه تتبلور، بدا وكأن ذلك الصوت قد ابتعد عن تيريشيا شيئًا فشيئًا.
رغبت في أن تكرهه، في أن تلقي اللوم عليه. فلولاه، ربما استطاعت أن تُبقي على حقيقة امتلاكها لبركة قديسة السيف طيَّ الكتمان.
أما تيريشيا ،فقد اكتفت بالانتظار بصمت. سيجعلها تنتظر لكنُّه لن يخيب ظنها. ذلك هو الرجل الذي أحبَّته… ويلهيلم تيرياس.
ذلك هو الرجل الذي امتلك ما يلزم ليكون زوجها…
ويلهيلم ڤان أستريا.
«هناك شيءٌ… عليَّ أن أخبركِ به.»
كان جسدها ثقيلاً جدًا، لم يعد فيها سوى ذرة من القوة، لكنها صبَّت كل ما تبقى لها منها في أطراف أصابعها؛ لتجفِّف دموع عن وجنتيه.
«——»
شعرت بالإحراج من مجرد التفكير في العودة إلى ذلك الماضي البعيد. حتى مع إدراكها أن وقتها كان ينفد، بقيت تحدِّق في عينيه.
«أنا-أنا لطالما كنتُ ضعيفًا في التعبير عن مشاعري، وأرهقتكِ بذلك… طوال عشرين عامًا، لم أقوَ يومًا على أن…»
—وفي ليلة نشرها إلى ساحة القتال لأول مرة، كانت تيريشيا منطوية على نفسها في خيمتها، تضغط على ركبتيها وترتجف وحدها.
«——»
«تيريشيا، أنا…»
«لا بد أنني أقلقتكِ طوال تلك السنوات، لكنني—»
في اللحظة التالية، داعب أذنيها صوتٌ ساحرٌ خافت، وجذب وعيها إلى العتمة.
«—أحمق.»
لقد تخلَّت عن كل شيء لإخوتها، وألقت بالمسؤولية على عاتق عمها، وتركتهم جميعًا يلقون حتفهم.
نوت الاستماع إليه بصمت، لكن رؤيته وهو يعاني بهذه الصورة كانت أكثر مما تحتمل.
«أمسكي بالسيف، تيريشيا.»
ضحكت، ما الذي يحاول قوله حتى؟
«… أحمق…».
«ألم تلاحظ قط؟»
حبست أنفاسها، تكتم رغبتها في التقيؤ، وبدأت تيريشيا تبحث عن ويلهيلم وسط أتون المعركة. بحواسها المتحفزة، انطلقت بعينين محتقنتين بالدماء، تمسح ساحة القتال حتى وقع بصرها عليه أخيرًا.
مدَّت يدها إلى وجنته، حيث كان يكافح بكل ما أوتي من قوة، وجهه على حافة الدموع، يعتصر عقله ليعبِّر عما في قلبه.
إن كان سيسمح لها بأن تكون من بين أغلى أشيائه… إن كان سيُجيب على حبها…
«—عندما أعود… أريد أن أسمع إجابتك أخيرًا.»
كان جسدها ثقيلاً جدًا، لم يعد فيها سوى ذرة من القوة، لكنها صبَّت كل ما تبقى لها منها في أطراف أصابعها؛ لتجفِّف دموع عن وجنتيه.
لكن هذه المرة، جاءها ردٌّ جديد على سؤالها المعتاد.
تمكنت من الوصول إليه بالكاد.
ويلهيلم ڤان أستريا.
لكن ذلك… كان كافيًا.
وبسبب ذلك، ارتكبت خطأ آخر. عندما تذكرت ذلك، لم تتمكن تيريشيا من العثور على مرة واحدة فعلت فيها الشيء الصحيح.
بما تبقى لها من قوة، مسحت دموعه برفق؛ دموع الرجل الذي أحبته.
كررت الكلمات على شفتيها، ثم وقفت بثبات.
«كنتَ تقولها دائمًا.»
هل ظن أنه يخفيها؟
《٥》
«هاه.»
هل اعتقد أنه قد كتمها لمجرد أنه لم ينطق بها؟
وفي لمح البصر، اختفى قديس السيف عن الأنظار. تأمل هاينكل تلك القوة الخارقة للحظة، قبل أن يبصق على الأرض بامتعاض عندما لم يعد راينهارد في مدى بصره. ثم اندفع ليلحق بوالده، الذي كان يسير متثاقلًا، يجرُّ ساقه المصابة خلفه.
«عيناك، صوتك، تصرفاتك، أفعالك— كلها. أخبرتني بذلك في كل يوم.»
احملي سيفكِ، تيريشيا.
لقد نذر ويلهيلم كل شيء لتيريشيا.
وما كان بحاجة إلى كلمات؛ لأن أفعاله وحدها كانت أصدق تعبير عن مشاعره.
«أمسكي بالسيف، تيريشيا.»
«تيريشيا، أنا—»
لطالما كنتُ عبئًا عليكم… آسف، تيريشيا.
«أعلم.»
ابتسمت تيريشيا لكلمات شيطان السيف— لكلمات ويلهيلم.
كان ذلك كافيًا.
منذ أن سقط السيف من يدها، لم تعد تسمع صوت اله السيف…
«أنتِ أضعف مني؛ لذا لا حاجة لأن تمسكي بالسيف مجددًا.»
«—أحبك.»
«راينهارد…»
لم يكن بإمكان ويلهيلم الانضمام إلى حملة اصطياد الحوت الأبيض.
من البداية وحتى النهاية، كانت بلا شك حياة مباركة.
«لا أنتَ ولا أنا نملك الحق في قول ذلك.»
كان لديَّ إخوة أتفاهم معهم، ووالدان أحاطاني بالحب، وأصدقاء اعتنوا بي.
«… هل ارتحت الآن؟»

حتى دون بركة قديسة السيف، لم تفقد تيريشيا مهارتها في القتال. وكانت الضربة التي وجهتها كفيلةً بأن تشطر الفتاة نصفين بكل سهولة—
لم تعد تحتمل ذلك المزيج من الكراهية، والشفقة، والمشاعر السلبية التي اشتعلت في عينيه.
لقد ساعدني الكثير من الناس، والتقيتك أنت يا ويلهيلم.
الصوت الذي لم تسمعه منذ زمنٍ طويل. منذ التقت بويلهيلم، منذ بدأت مشاعرها تجاهه تتبلور، بدا وكأن ذلك الصوت قد ابتعد عن تيريشيا شيئًا فشيئًا.
لا شك أن المشاكل ستظل قائمة.
أجاب راينهارد ببرود بينما ضغط هاينكل عليه بانفعال. اتسعت عينا هاينكل من الدهشة، لكن راينهارد لم يكن يحاول تقديم أعذار.
«—مم-همم.»
لكنني أؤمن أنكم جميعًا ستكونون بخير.
لأنني أحبكم جميعًا.
—وفي ذلك اليوم، انهار عالمها بالكامل.
دفعت خوفها جانبًا، فوجدت نفسها واقفة أمامه مباشرة. كانت خائفة من أن تؤذيه، لكن فكرة فقدانه أرعبتها أكثر بكثير.
منذ البداية وحتى النهاية، أحببتكم دائمًا.
«إن لم أحمل السيف، فمَن سيفعل؟»
مدَّت يدها إلى وجنته، حيث كان يكافح بكل ما أوتي من قوة، وجهه على حافة الدموع، يعتصر عقله ليعبِّر عما في قلبه.
لا أملك سوى ندمٍ واحد… سؤالٌ لم أتمكن من طرحه.
«—!»
ما مدى دهشتك لو أخبرتك أنني وقعت في حبك منذ اللحظة الأولى التي تلاقت فيها أعيننا؟
«لا تتفاخر بنفسك، راينهارد…!» صرخ هاينكل بصوتٍ مشحونٍ بالغضب، ولفظ كلماته مصحوبةً برذاذ من فمه، متهمًا ابنه بلهجةٍ متهدجة: «لا شيء مما تقوله يمكن أن يغير ما رأيته بعينيَّ. الحقيقة أن يدك امتدت نحو أمي… أنك أنت مَن قطع تيريشيا ڤان أستريا! سأشهد بذلك، وسأتأكد أن الجميع يعلم! لن يعترف بك أحدٌ كقديس السيف بعد الآن!»
《١٣》
وفي غضون أيام، انتشرت ألسنة اللهب في أنحاء المملكة، والتهمت كل شيء.
بعد لحظة أخيرة جمعتهما معًا، حان الوقت.
خفق قلب تيريشيا بقوة. في كل مرة تتقاطع سيوفهما، يُمزَّق الخط الأبيض. في كل مرة تلتقي عيونهما، تتدفقت مشاعرها أكثر.
نوت الاستماع إليه بصمت، لكن رؤيته وهو يعاني بهذه الصورة كانت أكثر مما تحتمل.
ابتسمت وكأنها راضية، وقد احمرَّت وجنتاها في مظهر بديع بينما غمرت عينيها الدموع. ثم انهار جسد تيريشيا ڤان أستريا في أحضان ويلهيلم في غمضة عين، متحولًا إلى رماد.
«سأتولى أنا السبب الذي يجعلك تمسكين بالسيف. يمكنكِ ببساطة أن تكوني أنتِ السبب الذي يجعلني ألوِّح بسيفي.»
«——»
أغمض ويلهيلم عينيه للحظة عند إدراكه ذلك، ثم واصل حديثه:
وبوصفه قائد الحرس الملكي، كان على ويلهيلم تكريس كل وقته وجهده لهذا الأمر.
تيريشيا أحرقت آخر ما تبقى من حياتها وعادت إلى التراب. ألقى ويلهيلم نظرةً صامتة على ما تبقى منها، مطأطئ الرأس.
في تلك اللحظة، تحطم وهم قديسة السيف. في تلك اللحظة، سقطت النصل المقدسة أمام ذلك السيف المهترئ.
«… هل ارتحت الآن؟»
انطلق صوت هاينكل، قاطعًا الصمت.
انتهكت خصوصية ملاذها الصباحي بقدوم شخصٍ ذي هالةٍ تنذر بالخطر.
تألقت عيناه بالكراهية وهو يحدِّق براينهارد، الذي راقب المشهد من جانبه. التفت راينهارد إليه وأخذ نفسًا خافتًا.
منذ أن سقط السيف من يدها، لم تعد تسمع صوت اله السيف…
«ماذا تعني بقولك ”ارتحت“؟»
«——»
فأن يُمنح شخصٌ من العامة لقب فارسٍ لمجرد براعته في ساحة القتال، كان أمرًا نادر الحدوث.
«لا تتظاهر بالغباء! أعني ما سمعته! لا بد أنك سعيد الآن! لقد حصلت على لقب قديس السيف بكل معانيه! تهانينا! والآن لا مجال لإنكار الشائعات التي تقول إنك سلبت البركة وتسببت في موت قديسة السيف السابقة! أليس هذا ما أردته؟!»
«لا أستطيع فهم ما تقوله.»
«لا تتصنَّع البراءة أيها الوغد!»
صرخ هاينكل محاولًا الإمساك براينهارد، لكن الأخير أفلت من قبضته بسهولة وأمسك بوالده قبل أن يتعثر ويسقط.
«لماذا تلوِّح بسيفك؟»
كان الأمر أشبه بعرضٍ يبرهن على أنه ليس حتى نِدًّا لابنه. ولم يكن لذلك سوى أن يزيد من حنق هاينكل، فقبض على أسنانه بغيظٍ شديد.
«قديس السيف القادم هو تيريشيا. لا مجال للشك في ذلك.»
«لا تتفاخر بنفسك، راينهارد…!» صرخ هاينكل بصوتٍ مشحونٍ بالغضب، ولفظ كلماته مصحوبةً برذاذ من فمه، متهمًا ابنه بلهجةٍ متهدجة: «لا شيء مما تقوله يمكن أن يغير ما رأيته بعينيَّ. الحقيقة أن يدك امتدت نحو أمي… أنك أنت مَن قطع تيريشيا ڤان أستريا! سأشهد بذلك، وسأتأكد أن الجميع يعلم! لن يعترف بك أحدٌ كقديس السيف بعد الآن!»
لم يكن أيٌّ منهم مخطئًا… لم يكن أيٌّ منهم مذنبًا.
لم تستطع مشاركة مخاوفها مع أحد—
«——»
نظر هاينكل إلى والده، وغص بالكلمات، وقضم لسانه بغيظٍ مرير.
«أنا واثق أنك ستختلق أعذارًا لتحتفظ باللقب، وقد أفلت من كل شيء حتى الآن، لكن ذلك لن ينفع بعد الآن. قديس سيف قتل جدته؟ سيف المملكة؟ ها! لا تضحكني! أنت مجرد قاتل!»
«——»
«—نائب القائد، أنا حقًا لا أفهم ما تشير إليه. يبدو أنك تحت وهمٍ بأنني قطعت قديسة السيف السابقة.»
منذ البداية وحتى النهاية، أحببتكم دائمًا.
«… هاه؟»
خفضت رأسها، غير قادرة على التفوُّه بكلمة. أما هو، فاكتفى بالجلوس بجانبها، ولفَّ ذراعه حول كتفها، وربَّت على رأسها برفق.
أجاب راينهارد ببرود بينما ضغط هاينكل عليه بانفعال. اتسعت عينا هاينكل من الدهشة، لكن راينهارد لم يكن يحاول تقديم أعذار.
كان ببساطة يصرِّح بحقيقة باردة قاسية.
في ذلك اليوم، وصلت تيريشيا أولًا.
«العدو الذي رأيناه كان مجرد جثة تحركها قوة شريرة. لا يمكن أن تكون تلك قديسة السيف السابقة… لا يمكن أن تكون جدتي. ربما أسأت الفهم؟»
زفرت أنفاسها ببطء.
«——»
محاولةً الهروب من ذلك الصوت، غادرت تيريشيا القصر وتسللت إلى الخارج، تائهةً بلا وجهة.
لكن حتى ذلك الجحيم ليس شيئًا مقارنة بالجحيم الحقيقي الذي انتظرها.
كان جواب راينهارد صاعقًا.
منذ ذلك اليوم، حين هزمت شقيقها الأكبر، لم يختفِ ذلك الصوت من أذنيها.
«دع الجرح كما هو… ليذكِّرك بألَّا تلحق بي. وعندما ننهي مهمتينا، سأعتني به بنفسي.»
غرس هاينكل يده في شعره الأحمر وعبث به بجنون، ثم انبعثت من حلقه ضحكة مبحوحة وارتسمت على وجهه ابتسامة جنونية.
ارتدَّ سيف أستريا اللامع على الحجارة، متراقصًا كحجر يتقافز فوق صفحة الماء.
«إذًا… ما الذي رأيناه الآن؟ ما الذي دار بينك وبين أبي؟ ما الذي كان يحدق بنا بذلك الاستياء…؟ ما الذي كان ذلك إن لم يكن أمي؟!»
كان لديَّ إخوة أتفاهم معهم، ووالدان أحاطاني بالحب، وأصدقاء اعتنوا بي.
«هل تحبني؟»
«—كفى، هاينكل.»
وبوصفه قائد الحرس الملكي، كان على ويلهيلم تكريس كل وقته وجهده لهذا الأمر.
كانت أسنان هاينكل مكشَّرة، تسيل كلماته بسمٍ يفوق الحقد ذاته، لكن صوت ويلهيلم هو مَن أوقف فورانه أخيرًا.
«لا بد أنني أقلقتكِ طوال تلك السنوات، لكنني—»
كان العجوز لا يزال جاثيًا على الأرض، ففك معطفه عن خصره ومزَّق كُمَّه، ليضمد به الجرح العميق في ساقه اليمنى، حيث غُرِزَ سيفها الطويل.
كانت أسنان هاينكل مكشَّرة، تسيل كلماته بسمٍ يفوق الحقد ذاته، لكن صوت ويلهيلم هو مَن أوقف فورانه أخيرًا.
كانت بركة حاصد الأرواح هي ما أبقت جراحه نازفة، لكنها تلاشت في اللحظة التي اختفى فيها وجود تيريشيا. أما الخدش القديم على كتفه الأيسر، فقد حمل الأثر نفسه.
لقد نُقِشت الندبة على كتفه الأيسر عندما كانت تيريشيا على قيد الحياة، أما ساقه اليمنى، فحملت ندبة تلقتها منه بعد مماتها. غير أن كلا الجُرحين، وقد كانا محفورين ببركتها، فقدا تأثيرهما الآن.
كانت قديسة السيف تتعثر بسبب وجود نصلٍ لا تستطيع التحكم به كما تشاء. في ذلك الوقت، لم تدرك أنه كان ينقذها أيضًا.
وبوصفه قائد الحرس الملكي، كان على ويلهيلم تكريس كل وقته وجهده لهذا الأمر.
«ماذا تعني بـ ”كفى“، أبي…؟! هل يروق لك أن تترك الأمور على هذا النحو؟! إنُّه—»
واستغلت تيريشيا لحظة ذهوله، فمدَّت يدها بهدوءٍ ومرَّرتها على كتفه، مخدوشةً إياه بأظافرها. منذ زواجهما، تمكنت من السيطرة على بركة حاصد الأرواح، لكنها هذه المرة… استخدمتها بكامل إرادتها.
وأخيرًا، مُنحت تيريشيا الفرصة. بركة قديسة السيف -بركة الحاصد القاتل- تفجرت بكل عنفوانها.
«كفى يا هاينكل… فقط… كفى…»
للمرة الثانية، طلب ويلهيلم منه أن يضع حدًّا لكل هذا.
«ذلك الأحمق! وجب عليه أن يشعر ببعض الخجل…!»
بسط معطفه على الأرض، وبدأ يجمع به رماد تيريشيا، فلم يكن بوسعه أن يتركها تتلاشى مع الريح.
عندها… انهارت تيريشيا.
لأن نعمة قديسة السيف لم تختفِ. بل بقيت كامنةً داخلها.
كان أقل ما يمكنه فعله أن يصطحبها معه، ليضعها في مرقدٍ يليق بها، بين عائلتها التي أحبتها بكل قلبها.
«لأنني قديسة السيف… لم أكن أعلم السبب من قبل، لكنني أدركته أخيرًا.»
«—غخ.»
منذ ذلك اليوم، حين هزمت شقيقها الأكبر، لم يختفِ ذلك الصوت من أذنيها.
«قديس السيف القادم هو تيريشيا. لا مجال للشك في ذلك.»
نظر هاينكل إلى والده، وغص بالكلمات، وقضم لسانه بغيظٍ مرير.
لكن لمَّا نظرت إليه، لمعت في عقلها فكرة واحدة صادمة:
وحين انتهى ويلهيلم من جمع الرماد، حاول أن ينهض على ساقين واهنتين.
كان النزيف قد توقف، لكن الجرح كان غائرًا، وقد فقد كمية كبيرة من الدم. مدَّ راينهارد يده إليه فورًا، محاولًا دعمه. لكن—
«لا تلمسني!»
لم يكن في حياته شيءٌ سوى السيف.
انطلق زئير ويلهيلم كسوطٍ مفاجئ، قبل أن تلامس أصابع راينهارد جسده.
لم تعد تشعر ببركة قديس السيف.
توقف راينهارد، لكن ويلهيلم لم يحاول حتى النظر إليه. لم تلتقِ أعينهما، بينما زفر شيطان السيف بهدوء.
«راينهارد…»
لم يكن ذنب هاينكل، الذي كان مخلصًا، وبذل قصارى جهده في دراسة فن السيف، رغم أنه لم يُجْزَ عن ذلك.
«—نعم، سيدي.»
«… ما الأمر؟ لمَ هذا الوجه المتجهم؟»
— سيكون بخير. كل شيء سيكون بخير.
على عكس صوته المرتجف، جاء صوت راينهارد مهيبًا، ثابتًا لا تشوبه ذرة اضطراب.
«لأنه كل ما أملك.»
مدَّت يدها إلى وجنته، حيث كان يكافح بكل ما أوتي من قوة، وجهه على حافة الدموع، يعتصر عقله ليعبِّر عما في قلبه.
أغمض ويلهيلم عينيه للحظة عند إدراكه ذلك، ثم واصل حديثه:
وفي غضون أيام، انتشرت ألسنة اللهب في أنحاء المملكة، والتهمت كل شيء.
«هل تندم على قطع تيريشيا… جدتك؟»
كان سيقتنص قديسة السيف بقوته الخاصة، بإصراره وحده، بكل ما كسبه بعدما أفنى كل شيء من أجل السيف.
—سيكون جميلًا لو كنتُ واحدةً من الأشياء التي يريد حمايتها.
«——»
—حتى جاء اليوم الذي انتقلت إليها بركة قديس السيف بينما كانت تعتني بحديقتها.
«لا تحمل السيف بذلك الوجه!»
ساد الصمت برهة.
لعلَّه تجاهل السؤال ببساطة، معتبرًا إياه بلا معنى، تمامًا كما فعل مع هاينكل من قبل.
لكن بعد لحظة من التوقف، جاء رده:
ساد الاضطراب في المكان، وتحطمت الهالة المهيبة التي سادت الحاضرين في المراسم. دون أن يكترث لأي نداءٍ بالتوقف، ظهر رجل -لا، مبارز- داخل المراسم.
«لا، سيدي. لقد فعلت ما هو صحيح. لا أشعر بأي ندم.»
«… أجل… بالطبع.»
الصوت الذي لم تسمعه منذ زمنٍ طويل. منذ التقت بويلهيلم، منذ بدأت مشاعرها تجاهه تتبلور، بدا وكأن ذلك الصوت قد ابتعد عن تيريشيا شيئًا فشيئًا.
«——»
«—أحبك.»
«أنتَ على حق. كنت أنا المخطئ… ليس لديَّ ما أقوله لك بعد الآن.»
قالها بصوت خافت، ثم أدار ظهره لراينهارد، وهكذا، أُغلِق السؤال الفاصل بين الجد وحفيده من دون أن يتبادلا حتى النظرات.
كانت الإجابة التي منحها إياها هو نفسه ويلهيلم ترياس.
كان العجوز لا يزال جاثيًا على الأرض، ففك معطفه عن خصره ومزَّق كُمَّه، ليضمد به الجرح العميق في ساقه اليمنى، حيث غُرِزَ سيفها الطويل.
«أنا واثق أن هناك أماكن أخرى تحتاج إلى قوتك في أنحاء المدينة. أشعر بقلق خاص على السيد غارفيل، فقد انفصل عني أثناء القتال. إن سمحت لي، قديس السيف راينهارد.»
ولو حدث ذلك، لما اضطر إخوتها إلى خوض القتال لحمايتها… ولربما بقي الجميع على قيد الحياة.
«——»
وكان من المناسب جدًا أن تكون تلك كلماته الأولى لها.
حبس راينهارد أنفاسه عند سماع ذلك التصريح البارد المتجرد. لكنه استقام، ثم أخيرًا، ألقى نظرة نحو هاينكل.
لكنها لم تستطع. لم يكن ذلك مسموحًا. وما منعها لم يكن اله السيف، بل شيطان السيف نفسه.
كان هاينكل يغلي بالحقد، وعندما شعر بنظرة راينهارد، تصلب جسده قليلًا، لكنه لم ينبس ببنت شفة. تجاهل راينهارد ذلك الارتعاش الطفيف، وصرف بصره عنه.
«أوه… امرأةٌ وحدها في مكانٍ كهذا؟ هذا تصرُّفٌ شجاع.»
«هل ستحميني؟»
«الأوضاع خطرة في الخارج، نائب القائد. من الأفضل أن تتوجه إلى أحد الملاجئ… مع السيد ويلهيلم.»
ذلك الصوت المتوسل للحياة.
«مـ-ما حاجتي إلى نصيحتك؟! ارحل من هنا فحسب!»
إلى آخر لحظة، لم يكن في صوته ذرة دفء. استدار راينهارد، وانخفض بجسده قليلًا، ثم وثب عاليًا ليشق سماء الليل.
على الأقل حتى ولو كان حلمًا— فلن يتدخل أحد في موعدها مع شيطان السيف.
إن كان سيسمح لها بأن تكون من بين أغلى أشيائه… إن كان سيُجيب على حبها…
وفي لمح البصر، اختفى قديس السيف عن الأنظار. تأمل هاينكل تلك القوة الخارقة للحظة، قبل أن يبصق على الأرض بامتعاض عندما لم يعد راينهارد في مدى بصره. ثم اندفع ليلحق بوالده، الذي كان يسير متثاقلًا، يجرُّ ساقه المصابة خلفه.
«أعترف أنني شعرت بالخيبة حين هُزِمتُ أمامكِ. لكنني أدركت بعدها أنني حقًا أحب السيف. أنا ممتن لكوني وُلدت في هذه العائلة، ممتن لإخوتي الصغار، وممتن لكِ، أختي الصغيرة… ممتن للسيف على كل ذلك.»
«أبي، لا ينبغي لك…»
بهذه الكلمات، كشف قديس السيف السابق بلا رحمة عن الخدعة التي أخفتها ابنة أخيه.
—حتى جاء اليوم الذي انتقلت إليها بركة قديس السيف بينما كانت تعتني بحديقتها.
«دعني وشأني. لا أريد أن يرى أحد وجهي الآن.»
ساد الصمت برهة.
«أبي…»
لقد بلغت الحد.
«لا داعي لأن تقلق عليَّ… فقط اعتنِ بسلامتك. هذا أكثر من كافٍ…»
«أنتَ على حق. كنت أنا المخطئ… ليس لديَّ ما أقوله لك بعد الآن.»
كان صوته مبحوحًا، كأنَّه يهمس بتلك الكلمات لتكون عزاءً أو ربما قناعًا يخفي به ألمه، ثم واصل المضيَّ قدمًا، محكمًا قبضته على رماد زوجته، الذي لفه في معطفه. ظل يسير بخطًى ثقيلة، يتهادى بعيدًا، حتى تلاشى ظهره عن الأنظار.
«سأرث كل ذلك. لذا، انسي أمر حمل السيف… وخذي الحياة ببساطة. لديَّ فكرة، لمَ لا تزرعين الأزهار وتعيشين بسلام خلف ظهري؟»
«——»
«——»
«لمـ… لماذا… لماذا، لماذا، لماذا، لماذااااا؟!»
ظل هاينكل في مكانه، عاجزًا عن اللحاق به، غير قادر على مناداته.
توقف راينهارد، لكن ويلهيلم لم يحاول حتى النظر إليه. لم تلتقِ أعينهما، بينما زفر شيطان السيف بهدوء.
خفق قلب تيريشيا بقوة. في كل مرة تتقاطع سيوفهما، يُمزَّق الخط الأبيض. في كل مرة تلتقي عيونهما، تتدفقت مشاعرها أكثر.
وحين تلاشى ظل والده تمامًا عن ناظريه، لم يكن منه إلا أن…
«أرى ذلك. مباركٌ لك. هذه خطوةٌ أخرى نحو حلمك، أليس كذلك؟».
«لمـ… لماذا… لماذا، لماذا، لماذا، لماذااااا؟!»
«… ما الأمر؟ لمَ هذا الوجه المتجهم؟»
وبذلك، أسدل الستار على المعركة الأخيرة دفاعًا عن بريستيلا.
بقي وحده، يحدق في الأرضية تحت قدميه بعينين محمومتين، يصرخ في جنون، يعتصر رأسه بكفيه، قبل أن يركل سيفه الملقى على الأرض بجنون.
كان جسدها ثقيلاً جدًا، لم يعد فيها سوى ذرة من القوة، لكنها صبَّت كل ما تبقى لها منها في أطراف أصابعها؛ لتجفِّف دموع عن وجنتيه.
ارتدَّ سيف أستريا اللامع على الحجارة، متراقصًا كحجر يتقافز فوق صفحة الماء.
«تبًّا، تبًّا، تبًّا! ليذهب الجميع إلى الجحيم! تبًا!»
صرخة هاينكل المغموسة بالدماء دوَّت في الساحة المهجورة، حيث تُرِك وحيدًا تمامًا.
ضحكت بخفَّة، ثم أفلتت تيريشيا نفسها من بين ذراعيه. رفعت يدها إلى كتفه مشيرةً إلى الجرح.
صرخ وصرخ، وتعالت صيحاته المفعمة بالحقد والحزن، مترددةً في الأفق البعيد—
الحياة مليئة بالتقلبات… من الطبيعي أن تتخللها لحظاتُ سعادة ولحظاتُ حزنٍ.
وهكذا انتهت ساحة المعركة التي اجتمع فيها الجد والأب والابن— عائلة أستريا بأكملها.
لم يكن هناك شيء في هذا العالم… سوى ويلهيلم.
لقد رحلت المرأة التي كانت جدةً وأمًّا وزوجة.
«——»
لحظة تيريشيا ڤان أستريا الأخيرة تركت ندوبًا لا تمحى في قلوبهم الثلاثة.
وبذلك، أسدل الستار على المعركة الأخيرة دفاعًا عن بريستيلا.

لم تعرف ما الذي حدث. ولا ما الذي سيحدث بعدها.
كررت الكلمات على شفتيها، ثم وقفت بثبات.
////
«توقفتُ عن كرهها.»
حسابنا بتويتر @ReZeroAR
لكنه كان دائمًا يُعبّر عن مشاعره بأفعاله، حتى وإن عجز عن قولها بالكلمات.
