5 - تيريشيا ڤان أستريا.
《١》
إلى أي مدى ستتفاجأ لو أخبرتك أنني وقعت في حبك منذ اللحظة التي تلاقت فيها أعيننا لأول مرة؟
《٢》
— أشعر بأن ذلك اليوم لن يأتي قريبًا.
«—أخي، القديسة القادمة للسيف هي ابنتك، تيريشيا.»
—كم هو مليء بالثغرات.
بهذه الكلمات، كشف قديس السيف السابق بلا رحمة عن الخدعة التي أخفتها ابنة أخيه.
—في ذلك اليوم، حين كانت تيريشيا لم تتجاوز الثانية عشرة، نالت بركة قديس السيف.
عاشا معًا حياةً هادئةً، رقيقةً، بوصفهما زوجًا وزوجة.
—وفي ذلك اليوم، انهار عالمها بالكامل.
عُرِفَت عائلة أستريا عبر الأجيال بأنها مهد قديسي السيف، أولئك الذين وُهِبُوا هذا اللقب منذ قرون تكريمًا لإنجازات أول قديس للسيف، ريد أستريا. ومنذ ذلك الحين، حملت العائلة شرف أن تكون سيف مملكة لوغونيكا.
«أعترف أنني شعرت بالخيبة حين هُزِمتُ أمامكِ. لكنني أدركت بعدها أنني حقًا أحب السيف. أنا ممتن لكوني وُلدت في هذه العائلة، ممتن لإخوتي الصغار، وممتن لكِ، أختي الصغيرة… ممتن للسيف على كل ذلك.»
لهذا، سواء كانوا رجالًا أو نساءً، ليس لأحد من أفراد آل أستريا أن يعيش بعيدًا عن السيف.
فتحت عينيها ببطء، فرأت وجهًا أرهقته السنوات.
وتيريشيا ليست استثناءً. ولهذا السبب بالتحديد، مقتت جدَّها الأكبر، ريد أستريا، بل كرهته.
أن تحمي الناس بقوة القتل التي تمتلكها… باللعنة التي تكرهها. أن تحمي ويلهيلم.
ويلهيلم ڤان أستريا.
كانت تيريشيا تخشى البركة التي وُلِدَت بها—بركة الحاصد.
على عكس صوته المرتجف، جاء صوت راينهارد مهيبًا، ثابتًا لا تشوبه ذرة اضطراب.
الجروح التي تسببت بها لم تلتئم، بل نزفت إلى الأبد. وعندما أدركت هذه الحقيقة، ارتعدت خوفًا من نفسها.
《٦》
لذا، حتى لا يكتشف أحد بركتها، قررت أن تُغلِق على نفسها قوتها.
«——»
—لكن العيش دون أن تؤذي أحدًا، ولو عن غير قصد، ليس بهذه السهولة.
صرخة هاينكل المغموسة بالدماء دوَّت في الساحة المهجورة، حيث تُرِك وحيدًا تمامًا.
حتى لو لم تتعمد إلحاق الضرر بالآخرين، تربص الخطر بها في كل لحظة من حياتها اليومية. بركتها لم تميز، وخطأ بسيط أو حركة غير محسوبة كفيلان بكشف ما حاولت إخفاءه.
«ماذا تعني بـ ”كفى“، أبي…؟! هل يروق لك أن تترك الأمور على هذا النحو؟! إنُّه—»
جميعهم حملوا سيوفهم وخاضوا ساحات القتال بدلًا عنها… وجميعهم لقوا حتفهم.
كان عليها أن تبقي الأمر سرًا، ولهذا كرهت تدريب السيف الإجباري في العائلة.
—لا يجب أن ألمس السيف. لأنني جالبة الموت.
«—ويلهيلم.»
وما حدث بعدها… لم يكن ذنب أحدٍ منهم.
بإرادة حديدية وخوف متجذر، حاولت أن تبتعد عنه. تحججت بكل عذر ممكن لتجنب التدريب، حتى استسلمت العائلة وتوقفت عن إجبارها.
وأخيرًا، وجدت راحة البال. تخلَّت عن السيف، وعاشت كفتاة عادية، تقضي أيامها في تأمل الأزهار والاعتناء بها.
لم يكن ذنب راينهارد، الذي حُمِّلَ أقدارًا قاسيةً لا يستطيع شخصٌ واحدٌ حملها وحده.
—حتى جاء اليوم الذي انتقلت إليها بركة قديس السيف بينما كانت تعتني بحديقتها.
حتى لو لم تتعمد إلحاق الضرر بالآخرين، تربص الخطر بها في كل لحظة من حياتها اليومية. بركتها لم تميز، وخطأ بسيط أو حركة غير محسوبة كفيلان بكشف ما حاولت إخفاءه.
«أمسكي بالسيف، تيريشيا.»
فلنرَ كيف سيتصرف حين يدرك أن هالته المخيفة هذه لا تؤثر بي.
حين حبست نفسها في غرفتها محاولةً إنكار ما جرى، اقتحم عمها عزلتها بلا رحمة، وجذبها خارجًا رغمًا عنها.
«——»
كان شعرها مبعثرًا، وملابسها غير مرتبة، وعيناها مغرورقتان بالدموع، لكنه لم يُعر ذلك اهتمامًا، بل قادها إلى الحديقة وأعاد أمره مجددًا:
«راقب لسانك، عزيزي.»
«أمسكي بالسيف، تيريشيا.»
رفضت بعناد، هزَّت رأسها مرارًا وتكرارًا، لكنها في النهاية استسلمت وأمسكت بالسيف الخشبي بقبضة واهنة. حينها، أمسك عمها برأسها وأجبرها على النظر أمامها.
لأنني الأقوى… لأن قديسة السيف هي الأقوى.
كان شقيقها الأكبر واقفًا هناك. كان لطيفًا، بملامح تشع طيبة، لطالما دللها، ولطالما أحبَّته.
أما تيريشيا ،فقد اكتفت بالانتظار بصمت. سيجعلها تنتظر لكنُّه لن يخيب ظنها. ذلك هو الرجل الذي أحبَّته… ويلهيلم تيرياس.
إلى أي مدى ستتفاجأ لو أخبرتك أنني وقعت في حبك منذ اللحظة التي تلاقت فيها أعيننا لأول مرة؟
لكن لمَّا نظرت إليه، لمعت في عقلها فكرة واحدة صادمة:
صرخت كأنما فقدت عقلها، تنتحب بندمٍ مستميت، تتمنى لو أن الزمن عاد بها إلى الوراء.
«سأنتزع منك السيف… انسي البركات والأدوار… لا تحتقري معنى التلويح بالنصل… لا تستهيني بجمال السيف، قديسة السيف…!».
—كم هو مليء بالثغرات.
ارتعبت من نفسها. كيف راودها مثل هذا الخاطر؟
خفق قلب تيريشيا بقوة. في كل مرة تتقاطع سيوفهما، يُمزَّق الخط الأبيض. في كل مرة تلتقي عيونهما، تتدفقت مشاعرها أكثر.
إلا أن عمها لم يكترث، بل التفت نحو شقيقها الأكبر وأصدر أمرًا قاطعًا، أمره بأن يسحق أخته الصغيرة بالسيف الخشبي، ليبرهن على موهبته.
مكانٌ سري، لم يعلم أحدٌ بوجوده. استغلت تيريشيا ذلك، ونثرت هناك بعض بذور الأزهار. لم تملك العزيمة الكافية للعناية بالحدائق الباهتة في القصر، لكنها أتت هنا فقط لتراقب ثمار ما زرعته ذات يومٍ على حين غرة. لهذا وجدت نفسها مجدَّدًا في هذا المكان.
«لا يمكنني فعل ذلك!» صرخ مستنكرًا.
تيريشيا لم تنطق بكلمة، بل رفعت سيفها الاحتفالي، واتخذت وضعية القتال.
«جبان!» صاح عمها موبخًا.
كان ناعمًا وأنيقًا… لكنه بدا غريبًا تمامًا وسط هذا الخراب. ظهرت فتاة ذات شعرٍ بلاتيني من بين الضباب الكثيف. كان على وجهها ابتسامةٌ لطيفة، وفي عينيها بريقُ مودةٍ غامضة، وكأنها تنظر إلى صديقٍ مجهول بعاطفةٍ غير مشروطة.
كان لديَّ إخوة أتفاهم معهم، ووالدان أحاطاني بالحب، وأصدقاء اعتنوا بي.
التواء الألم في ملامح شقيقها الأكبر كان شديدًا، وكأن صوته اخترق قلبه. لطالما نظر بإعجاب إلى قديس السيف، وحين سمع هذا التوبيخ منه، لم يستطع سوى أن يتألم بصمت. كان شقيقاها الآخران، اللذان أُحضرا ليشهدا الأمر، يحملان التعبير ذاته على وجهيهما.
«— يكفي.»
ابتسمت تيريشيا لكلمات شيطان السيف— لكلمات ويلهيلم.
ورغم الجرح الذي تركته الكلمات في نفسه، لمع الإصرار في عيني شقيقها الأكبر، وإن كان إصرارًا حزينًا.
تمكنت من الشعور بنيته، كان سيهوي بالسيف الخشبي بطريقة لا تؤذيها. أدركت ذلك من وقفته، ومن نظراته، ومن الهواء الذي أحاط به.
عندها… انهارت تيريشيا.
كان جواب راينهارد صاعقًا.
بمهارت أخي، لن يكون الأمر صعبًا عليه. إن كان هو، فبوسعه إنهاء هذه المهزلة.
كأنما هناك نصلٌ ساخن، مشحوذٌ بدقة، يحدق إليها مباشرةً.
«— يكفي.»
استفاقت تيريشيا من شرودها على مشهد السيف الخشبي وهو يهوي بعيدًا، مغروسًا في الأرض. في صوت عمها، انبهارٌ جليٌّ أكد أن النزال قد حُسم. كيف لا، وسيف تيريشيا كان موجهًا مباشرة إلى حنجرة شقيقها الأكبر، الذي حدَّق بها مذهولًا؟
سمعت صوت صرخة، ثم صرخةً أخرى… ثم عويلًا مريرًا.
«قديس السيف القادم هو تيريشيا. لا مجال للشك في ذلك.»
كان أمرًا غامضًا. في لحظةٍ ما، ظهر أمامها خطٌ أبيض، معلقٌ في الهواء، وبطريقةٍ أكثر غرابة، أدركت غريزيًا أن عليها فقط أن تتبعه بسيفها.
كان ملقى على الأرض، وجهه ملطخٌ بالدماء، وعيناه شاخصتان نحو خصمه.
صوت عمها، ونظرات شقيقها التي التقت بعينيها، مزقا قلبها.
قد يكون ذلك خيانةً لهاينكل، الذي لطالما توق إلى اللقب… لكن لم يكن هناك وقتٌ ولا أحدٌ ليلومها على ذلك الآن.
هزَّت رأسها، ثم أطلقت صرخة وهي تلقي السيف جانبًا، تضغط على رأسها بيديها. كحيوان جريح، صاحت بجنون، مزقت شعرها القرمزي، وانهارت في نحيبٍ مرير.
صرخت كأنما فقدت عقلها، تنتحب بندمٍ مستميت، تتمنى لو أن الزمن عاد بها إلى الوراء.
—وفي ذلك اليوم، أصبحت تيريشيا قديس السيف.
《٣》
كم من مرةٍ طاردتها تلك الذكريات؟
السنوات التي أفناها إخوتها في صقل مهاراتهم بالسيف… سُحِقَت بلا رحمة أمام موهبة تيريشيا الخارقة.
هو مَن كان بحاجةٍ إلى الوقت، كان بحاجةٍ إلى الفرصة، كان بحاجةٍ إلى العثور على الكلمات الصحيحة.
لم يكن للوقت والجهد أي قيمة حين يواجهان عبقرية فطرية طاغية. رأت إخوتها مثيرين للشفقة، رغم أن الفارق بين قدراتهم وقدرتها كان هائلًا، إلا أنهم لم يتمكنوا من التخلي عن السيف.
لماذا ما زالوا يلوحون بسيوفهم، وهم يدركون أنهم لن يتمكنوا من اللحاق بها مهما قضوا أعمارهم في ذلك؟
لماذا، بينما أمكنهم فعل أي شيء آخر؟ لماذا لم يتركوه وراءهم ببساطة؟
لا زال بوسعهم اختيار طريق آخر، العيش كما يريدون، والمضي في الحياة كما يحلو لهم.
أما تيريشيا… فقد سُلب منها هذا الخيار إلى الأبد.
«تبدين بحالةٍ مزرية…»
«أمسكي بالسيف، تيريشيا.»
ضحكت بخفَّة، ثم أفلتت تيريشيا نفسها من بين ذراعيه. رفعت يدها إلى كتفه مشيرةً إلى الجرح.
منذ ذلك اليوم، حين هزمت شقيقها الأكبر، لم يختفِ ذلك الصوت من أذنيها.
—لا أستطيع الاكتفاء منه.
على الأقل حتى ولو كان حلمًا— فلن يتدخل أحد في موعدها مع شيطان السيف.
ورغم ذلك، لم تمسك بسيفٍ منذ ذلك الحين. تحدت ذلك الصوت، وبذلت جهدها لتبتعد عن السيف. لكن السيف لم يسمح لها بالهرب.
ولذا، لم تتعرض تيريشيا لأي لومٍ رغم فرارها من وجه العدو، وظلت مختبئةً داخل قوقعتها.
لقد كان الجحيم. جحيمًا لا مفر منه، داخل عقلها.
لكن حتى ذلك الجحيم ليس شيئًا مقارنة بالجحيم الحقيقي الذي انتظرها.
بدأت أكبر وأعنف حرب أهلية شهدتها المملكة—حرب أنصاف البشر.
…ولكن، إن فكرت بالأمر، لطالما كانت تلك اللحظات القليلة التي يسقط فيها قناعه من أكثر الأشياء جاذبيةً فيه.
بدأت كحادثة بسيطة، لكنها تصاعدت بسرعة، تزداد حدة كل يوم.
لطالما حملت المملكة ازدراءً عميقًا لأنصاف البشر، وكأن الشرارة التي أشعلت نار هذه الحرب لم تكن سوى فتيلًا ينتظر الانفجار.
وفي غضون أيام، انتشرت ألسنة اللهب في أنحاء المملكة، والتهمت كل شيء.
وبعد عامٍ كامل من محاولات فاشلة لإخمادها، أدركت المملكة فداحة الأمر، واتخذت قرارها بإرسال أقوى أسلحتها—قديس السيف.
«هل تندم على قطع تيريشيا… جدتك؟»
ظنَّت أنها لا تملك الحق في الشكوى. ظنت أنه لا يحق لها أن تقول هذا لمَن سحقته في ذلك اليوم.
—وفي ليلة نشرها إلى ساحة القتال لأول مرة، كانت تيريشيا منطوية على نفسها في خيمتها، تضغط على ركبتيها وترتجف وحدها.
لأنها كانت أول مرة ترسل فيها، كان الجيش الذي رافقها هائلًا. تطوع كثير من الجنود للقتال، متحمسين للقتال إلى جانب قديس السيف الحالي في أول معركة لها.
على الأقل حتى ولو كان حلمًا— فلن يتدخل أحد في موعدها مع شيطان السيف.
هذا الوجه… يخص زوجها. وإن كان واضحًا أن وقتًا طويلًا قد مضى منذ آخر لقاءٍ بينهما.
تلك الثقة العمياء التي وضعوها فيها… كانت تطحن قلبها بلا رحمة.
لم تستطع مشاركة مخاوفها مع أحد—
ذلك المشهد جعل قلبها ينبض بعنف. للحظةٍ قصيرة، تملكها ارتباكٌ لم تفهم سببه. لكن، وقد شعرت بالخجل من فكرة أن يلحظ هو ذلك، فتحت فمها محاولةً التظاهر بالثبات.
تمكنت من الوصول إليه بالكاد.
«—تيريشيا، هل أنتِ خائفة؟»
لأنهم كانوا… طيبين جدًا.
صوت مألوف اخترق عزلتها. لقد كان شقيقها الأكبر، الذي أُرسل لمرافقتها في معركتها الأولى.
كان قد اختبر المعاناة ذاتها التي عاشتها تيريشيا. ولهذا، ترك لها تلك الكلمات الأخيرة… كلمات الاعتذار. لقد أدرك تمامًا ما فرضته المملكة على تيريشيا، ومدى قسوة ذلك المصير.
منذ ذلك اليوم، تعمدت تيريشيا تجنبه—لا، ليس هو فقط. لقد وضعت جدارًا بينها وبين جميع إخوتها، ووالديها، وعمها، وكل مَن حولها.
دفعت خوفها جانبًا، فوجدت نفسها واقفة أمامه مباشرة. كانت خائفة من أن تؤذيه، لكن فكرة فقدانه أرعبتها أكثر بكثير.
مضى عامان منذ أن تحدثت إلى شقيقها الطيب، الذي لطالما أحبته بصدق.
خفضت رأسها، غير قادرة على التفوُّه بكلمة. أما هو، فاكتفى بالجلوس بجانبها، ولفَّ ذراعه حول كتفها، وربَّت على رأسها برفق.
عندها… انهارت تيريشيا.
صوت عمها، ونظرات شقيقها التي التقت بعينيها، مزقا قلبها.
بينما كان قلب تيريشيا يتأرجح.
ظنَّت أنها لا تملك الحق في الشكوى. ظنت أنه لا يحق لها أن تقول هذا لمَن سحقته في ذلك اليوم.
«ألم تلاحظ قط؟»
«هل تحبني؟»
لكنها لم تستطع كبح نفسها. تمسكت به، وانهارت في البكاء. اعترفت، بصوت مختنق، بأنها خائفة. بأنها لا تريد القتال. بأنها آسفة.
مضى عامان منذ أن تحدثت إلى شقيقها الطيب، الذي لطالما أحبته بصدق.
«أنتِ أختي الصغيرة الغالية. إن لم تردِ فعل شيء، إن خفتِ… فسأحميكِ. لأنني شقيقك الأكبر.»
«——»
كما وعدها، لم يمنحها ويلهيلم، منذ مبارزتهما، أي سببٍ لحمل السيف مجددًا. أما هي، فلم يعد لديها أي تعلقٍ به، فقد توقف صوت اله السيف عن مناداتها منذ وقتٍ بعيد.
«أعترف أنني شعرت بالخيبة حين هُزِمتُ أمامكِ. لكنني أدركت بعدها أنني حقًا أحب السيف. أنا ممتن لكوني وُلدت في هذه العائلة، ممتن لإخوتي الصغار، وممتن لكِ، أختي الصغيرة… ممتن للسيف على كل ذلك.»
عندما سمعت تيريشيا شقيقها يقول ذلك بثقة، مبتسمًا، لعنت غباءها.
ظنَّت أن إخوتها حمقى لاستمرارهم في التلويح بسيوفهم رغم هزيمتهم أمامها. نظرت إليهم باستعلاء، مقتنعة بأنهم يتشبثون بالسيف لمجرد أنهم لم يجدوا شيئًا آخر يتمسكون به.
«—غخ.»
ما زالت تسمع ذلك الصوت… حتى بعد موت عمَّها الذي قاله لها.
حتى شقيقها الأكبر، الذي أحبَّته وكان جديرًا باحترامها، ازدرتها عينُها فقط لأنها وُهبت موهبة فطرية بالسيف.
«أرى ذلك. مباركٌ لك. هذه خطوةٌ أخرى نحو حلمك، أليس كذلك؟».
فمَن كان الأحمق الحقيقي؟ لقد كانت هي… كانت دومًا هي. أما اله السيف، فكان الأحمق الأكبر بينهم جميعًا.
ضحكت، ما الذي يحاول قوله حتى؟
لماذا لم يمنح بركته لمَن أحبه بصدق؟
صرخة هاينكل المغموسة بالدماء دوَّت في الساحة المهجورة، حيث تُرِك وحيدًا تمامًا.
لماذا أنعم بها على تيريشيا، التي ظلت تهرب من السيف؟
«تنافسين مجموعةً من الشبان رغم أنكِ على مشارف الخمسين…»
《١》
«ليس عليكِ أن تقاتلي… فأنتِ فتاة طيبة، لا تقدر حتى على إيذاء ذبابة.»
«دع الجرح كما هو… ليذكِّرك بألَّا تلحق بي. وعندما ننهي مهمتينا، سأعتني به بنفسي.»
كانت سعيدةً بما قاله شقيقها… ولذا استغلَّت لطفه. وضعت كل آمالها عليه.
انتهت أول معركة خاضتها تيريشيا بهزيمة نكراء.
وفي معركتها الأولى، مات شقيقها الأكبر وهو يحمي المعسكر الرئيسي حيث كانت تيريشيا.
أُخرج ويلهيلم الجريح من ساحة القتال على أيدي رفاقه الذين جاؤوا لإنقاذه. حاول المقاومة، أراد البقاء، لكنه لم يستطع.
لم تلوِّح تيريشيا بسيفها ولو لمرة واحدة… لم تستطع.
شعرت بوجود شخصين آخرين قريبين… لا بد أنهما هاينكل وراينهارد.
«سيدتي تيريشيا…غغ…»
احملي سيفكِ، تيريشيا.
لكنها عصت ذلك الصوت الذي لم يكفَّ عن ملاحقتها… فلم ترفع سيفها.
—لا يجب أن ألمس السيف. لأنني جالبة الموت.
أحبت قديسة السيف شيطان السيف… في كل مرة تتصادم فيها نصالهما.
ومضت سنواتٌ أخرى، دون أن تمسَّ السيف مرةً واحدة.
《٤》
انتهت أول معركة خاضتها تيريشيا بهزيمة نكراء.
«أمسكي بالسيف، تيريشيا.»
وحين انتهى ويلهيلم من جمع الرماد، حاول أن ينهض على ساقين واهنتين.
ودُفن ذلك العار تحت ركام الأكاذيب والتستر. فوجود قديسة السيف كان رمزًا لصمود المملكة، وآخر ما أرادته أن يتسرب للعامة هو الحقيقة.
لكن لمَّا نظرت إليه، لمعت في عقلها فكرة واحدة صادمة:
ولذا، لم تتعرض تيريشيا لأي لومٍ رغم فرارها من وجه العدو، وظلت مختبئةً داخل قوقعتها.
شقيقها الأكبر، ثامس، الطيب الحنون الذي حقق كل طلباتها مهما بلغت صعوبتها.
شقيقها الأوسط، كارلان، الحاد الطباع، لكنه أول مَن يبادر بالاعتذار حين يحين وقت التصالح.
شقيقها الأصغر، كاجيريس، الصغير الجبان الذي تشبث بها باكيًا كلما شعر بالخوف.
لقد بلغت الحد.
جميعهم حملوا سيوفهم وخاضوا ساحات القتال بدلًا عنها… وجميعهم لقوا حتفهم.
«أوه… امرأةٌ وحدها في مكانٍ كهذا؟ هذا تصرُّفٌ شجاع.»
لطالما كنتُ عبئًا عليكم… آسف، تيريشيا.
سقطت وكأنها تهوي من السماء، أو تغرق في أعماق بحرٍ بلا قرار.
حتى عمَّها، الذي استعان بمكانته كقديس السيف السابق لرفع معنويات الجيش، قُتل هو الآخر.
رغبت في أن تكرهه، في أن تلقي اللوم عليه. فلولاه، ربما استطاعت أن تُبقي على حقيقة امتلاكها لبركة قديسة السيف طيَّ الكتمان.
سرعان ما فقدت اهتمامها. إن كان سيعامِلها بهذه الفظاظة، فلن تكلف نفسها عناء التظاهر بالمجاملة.
مدَّت يدها ولمست أصابعه المرتعشة. وفجأة، حين شعرت بحرارةٍ لا تصدَّق، أدركت الحقيقة—
ولو حدث ذلك، لما اضطر إخوتها إلى خوض القتال لحمايتها… ولربما بقي الجميع على قيد الحياة.
وويلهيلم كان سيفًا. لكنه كان سيفًا غير مكتمل.
كان من الأسهل أن تقتنع بذلك. لكنها أدركت أن الحقيقة ليست كذلك.
«لقد اتخذت قراري بالفعل.»
ولهذا—
فهم عمَّها يفهم عبء اللقب أكثر من أي شخصٍ آخر.
«هل تحبني؟»
كان قد اختبر المعاناة ذاتها التي عاشتها تيريشيا. ولهذا، ترك لها تلك الكلمات الأخيرة… كلمات الاعتذار. لقد أدرك تمامًا ما فرضته المملكة على تيريشيا، ومدى قسوة ذلك المصير.
أما تيريشيا… فقد سُلب منها هذا الخيار إلى الأبد.
قفزت ذاكرتها إلى الأمام.
ولأنها فهمت ذلك، لم يعد بإمكانها أن تحقد عليه بعد الآن.
أن تحميه، أن تحمي عائلتها، أن تحمي الجميع، أن تحمي البلاد. أن تصبح قديسة السيف التي تستحق هذا اللقب. قديسة السيف الأقوى من أي أحد.
فمَن تبقى لتلومه إذًا؟ لم يعد هناك أحدٌ تلقي عليه اللوم… سوى نفسها.
تيريشيا أحرقت آخر ما تبقى من حياتها وعادت إلى التراب. ألقى ويلهيلم نظرةً صامتة على ما تبقى منها، مطأطئ الرأس.
حبس راينهارد أنفاسه عند سماع ذلك التصريح البارد المتجرد. لكنه استقام، ثم أخيرًا، ألقى نظرة نحو هاينكل.
نفسها الحمقاء، العاجزة عن فعل شيء سوى البكاء، رغم أنها كانت قديسة السيف.
بقي السيف مرفوعًا، بينما سقط الجسد بلا حياة، خاليًا من رأسه. وفي اللحظة التالية، تحوَّلت أنظار الأعداء من حولها إليها، لتتوجه نحوها موجةٌ من العداء القاتل.
احملي سيفكِ، تيريشيا.
لكنني أؤمن أنكم جميعًا ستكونون بخير.
ما زالت تسمع ذلك الصوت… حتى بعد موت عمَّها الذي قاله لها.
لكن لا بأس. لقد قالت له كل ما أرادت قوله بالفعل. وكانت واثقةً أن ويلهيلم فهمها تمامًا.
محاولةً الهروب من ذلك الصوت، غادرت تيريشيا القصر وتسللت إلى الخارج، تائهةً بلا وجهة.
بسط معطفه على الأرض، وبدأ يجمع به رماد تيريشيا، فلم يكن بوسعه أن يتركها تتلاشى مع الريح.
— بعد خمس سنواتٍ من اندلاع حرب أنصاف البشر، بلغت تيريشيا التاسعة عشرة من عمرها.
كانت العاصمة قد فقدت بريقها وغرقت في الكآبة جراء الحرب الأهلية المستعرة، وساد الشوارع جوٌّ من الكآبة الثقيلة. تجنبت تيريشيا التجوُّل في تلك الطرقات المعتمة، وبدلًا من ذلك، قادتها قدماها إلى أطراف العاصمة، حيث حيٌّ من المباني المتهالكة.
شقيقها الأوسط، كارلان، الحاد الطباع، لكنه أول مَن يبادر بالاعتذار حين يحين وقت التصالح.
حاولت تيريشيا أن تبادره بنبرةٍ ودِّية، لكنه لم يرد سوى بصمته القاسي.
توقفت أعمال البناء بسبب الحرب، فبقيت المباني نصف مكتملة، مهجورة بلا هدف. وباعتبارها قديسة السيف التي أخفقت في أداء دورها، شعرت تيريشيا بنوعٍ من الألفة مع تلك الهياكل التي لم تؤدِّ وظيفتها كبيوتٍ كما ينبغي.
وفجأة… لم تعد تذكر ما حدث.
زفرةٌ خفيفة تسللت من بين شفتيها، وذابت في الهواء الصباحي النقي والبارد، بينما تشق طريقها نحو فسحةٍ مفتوحة بين تلك الأبنية المهجورة. لم يستحق المكان حتى أن يُسمَّى ساحة. جلست على إحدى الدرجات الحجرية، محدقةً بالجدار المتداعي أمامها.
ولو حدث ذلك، لما اضطر إخوتها إلى خوض القتال لحمايتها… ولربما بقي الجميع على قيد الحياة.
لم تعد تشعر ببركة قديس السيف.
كان هناك حقلٌ صغير من الأزهار الصفراء الزاهية، نَمَت بحرية، دون أن يرعاها أحد.
مكانٌ سري، لم يعلم أحدٌ بوجوده. استغلت تيريشيا ذلك، ونثرت هناك بعض بذور الأزهار. لم تملك العزيمة الكافية للعناية بالحدائق الباهتة في القصر، لكنها أتت هنا فقط لتراقب ثمار ما زرعته ذات يومٍ على حين غرة. لهذا وجدت نفسها مجدَّدًا في هذا المكان.
ما زالت تسمع ذلك الصوت… حتى بعد موت عمَّها الذي قاله لها.
«… كيف نَمَوتِ بهذا الجمال رغم أنني لم أسقِكِ حتى؟ أنتنَّ رائعات حقًا».
كان في سيفه شغفٌ مجنون، وهو يقطع الخط الأبيض في الهواء بذلك النصل الصدئ.
كانت الأزهار قوية. بينما كانت تيريشيا تمضي وقتها في الندم على ضعفها، واجهت تلك الأزهار السماء ونثرت بتلاتها، مزهرةً بكل شموخ.
«لماذا تلوِّح بسيفك؟»
كان صوتها مبحوحًا… لكنه حمل رنينًا شابًا غريبًا، وكأن الزمن لم يمر بها.
ذلك الوجود الصامد، النبيل… كاد أن يدفعها للبكاء.
«أبي، لا ينبغي لك…»
— عندها شعرت بحضورٍ حادٍّ يقترب.
وبذلك، أسدل الستار على المعركة الأخيرة دفاعًا عن بريستيلا.
نعم، لأنه لا يملك سوى السيف.
«آه، عذرًا».
انتهكت خصوصية ملاذها الصباحي بقدوم شخصٍ ذي هالةٍ تنذر بالخطر.
«لقد حصلتُ على وسام الشرف، وتمت ترقيتي إلى فارس».
كادت دموعها أن تُكشف، لكنها أجبرت نفسها على التظاهر بالهدوء، متصنعةً الراحة وهي تتحدث، ثم استدارت لمواجهة ذاك المتطفل.
وحين التقت عيناها به… صُعقت.
كلَّ ما لديه، كلَّ شغفه، صبَّه فيه. لم يكن هناك شيءٌ يحبه سوى السيف. لم يكن شخصًا يستطيع أن يحبَّ أي شيءٍ آخر. كان كالنصل، قطعةً صلبةً من الفولاذ، لا تعرف سوى طريقها الحاد.
«——»
فالعاصمة كانت غارقةً في فوضى غير مسبوقة— ابنة شقيق الملك قد اختُطِفت، والحرس الملكي استنفر كل قوته للبحث عن الجاني وإنقاذ الطفلة.
شعرٌ بنيٌّ طويلٌ مربوطٌ للخلف، ملامح متناسقة لكنها تنطق بالحدة، جسدٌ ممشوقٌ معتادٌ على التمرين، وهالةٌ شرسة تنبعث منه بكل وضوح.
«هل بدأت تحب الزهور؟»
لم يقتصر الأمر على جديته القاتمة، بل كان هناك ما هو أشد وقعًا على تيريشيا.
— لقد بدا في عينيها كسيفٍ مسلول.
كأنما هناك نصلٌ ساخن، مشحوذٌ بدقة، يحدق إليها مباشرةً.
قد يكون ذلك خيانةً لهاينكل، الذي لطالما توق إلى اللقب… لكن لم يكن هناك وقتٌ ولا أحدٌ ليلومها على ذلك الآن.
ذلك المشهد جعل قلبها ينبض بعنف. للحظةٍ قصيرة، تملكها ارتباكٌ لم تفهم سببه. لكن، وقد شعرت بالخجل من فكرة أن يلحظ هو ذلك، فتحت فمها محاولةً التظاهر بالثبات.
«مَن كان يظن أن أحدًا قد يأتي إلى هنا في هذا الوقت المبكر؟ ما الذي—».
كان هناك حقلٌ صغير من الأزهار الصفراء الزاهية، نَمَت بحرية، دون أن يرعاها أحد.
كان ببساطة يصرِّح بحقيقة باردة قاسية.
«——»
«ويلهيلم، هل تحبني؟»
كان ذلك استقباله.
«تيريشيا، أنا—»
حاولت تيريشيا أن تبادره بنبرةٍ ودِّية، لكنه لم يرد سوى بصمته القاسي.
ليس سوى عداءٍ محض موجهٍ نحوها.
لذا، حتى لا يكتشف أحد بركتها، قررت أن تُغلِق على نفسها قوتها.
سرعان ما فقدت اهتمامها. إن كان سيعامِلها بهذه الفظاظة، فلن تكلف نفسها عناء التظاهر بالمجاملة.
كان ملقى على الأرض، وجهه ملطخٌ بالدماء، وعيناه شاخصتان نحو خصمه.
فلنرَ كيف سيتصرف حين يدرك أن هالته المخيفة هذه لا تؤثر بي.
«أنت تحمل سيفك لحماية الناس، صحيح؟ الفارس هو مَن يحمي الآخرين في نهاية المطاف.»
«في الوقت الحالي؟»
«… ما الأمر؟ لمَ هذا الوجه المتجهم؟»
لو سمعهما أحدٌ من الخارج، لربما بدا سؤالهما خارج السياق تمامًا. لكنه كان كافيًا لهما وحدهما.
عند سماعه لكلماتها، بدا وكأنه أصيب بخيبة أملٍ طفيفة.
رجال عائلة أستريا الثلاثة… كانوا هنا لرؤيتها للمرة الأخيرة.
على ما يبدو، كان قد صنَّفها فورًا كشخصٍ لا علاقة له بالقتال، لدرجة أنها لم تلحظ هالته على الإطلاق.
ولم يكن ذلك بعيدًا عن الحقيقة. فتيريشيا، في نهاية المطاف، لم تخض معركةً حقيقية من قبل، ولم تمضِ وقتًا يُذكر في التلويح بسيفها.
لو كانت قادرةً على القتال، لفاقت الجميع قوةً، لكنها، في الواقع، ليست سوى فتاةٍ لا تملك أدنى خبرة في المعارك.
«ما الذي تفعله امرأةٌ في مكانٍ كهذا في هذا الوقت المبكر؟».
مضى عامان منذ أن تحدثت إلى شقيقها الطيب، الذي لطالما أحبته بصدق.
ألقى كلماته بخشونة، بلا أي تصنعٍ أو تلطيف.
«كنتُ أناديكِ في رأسي باسم ”فتاة الأزهار“ حتى الآن».
كان هذا أول ما تسمعه منه، وقد بدا منزعجًا، غير أن صوته كان واضحًا، يسهل تمييزه وسط الصمت.
«لا تقلق، مَن تظنني؟ لستُ أقل منك مهارةً في السيف.»
— تيريشيا شعرت بنبضةٍ أخرى تخفق في قلبها.
—كأنما يسخر من ابنته العزيزة، التي تزعزع قلبها بأملٍ ضئيل.
《٥》
غير قادرة على تغيير ذاتها، أي إجابة كانت تبحث عنها في ويلهيلم؟
دفعت خوفها جانبًا، فوجدت نفسها واقفة أمامه مباشرة. كانت خائفة من أن تؤذيه، لكن فكرة فقدانه أرعبتها أكثر بكثير.
بعد ذلك، بات لقاؤهما أمرًا متكررًا.
وقف هناك، ينظر إليها بغضب، بينما التزمت تيريشيا الصمت.
ليس لأنهما تعهَّدا بذلك، ولا لأن أحدهما أراد لقاء الآخر على وجه التحديد.
«هاه.»
كانت تيريشيا تجلس على الدرجة الحجرية، تحدِّق بصمتٍ إلى الأزهار، بينما كرس هو نفسه للتدريب، متفرغًا تمامًا للتلويح بسيفه المصقول.
كما وعدها، لم يمنحها ويلهيلم، منذ مبارزتهما، أي سببٍ لحمل السيف مجددًا. أما هي، فلم يعد لديها أي تعلقٍ به، فقد توقف صوت اله السيف عن مناداتها منذ وقتٍ بعيد.
وهكذا، غدا مشهد وجودهما معًا في تلك الساحة المخفية أمرًا مألوفًا.
«لا أريد أن أموت…»
«——»
لماذا أنعم بها على تيريشيا، التي ظلت تهرب من السيف؟
«——»
متظاهرةً بعدم الاكتراث، راقبت تيريشيا أسلوبه بالسيف خلسةً، ولم تستطع إخفاء دهشتها.
حتى من باب المجاملة، لم يكن من الممكن وصف أسلوبه بالمصقول أو المتقن.
وبعد ذلك، توقَّف تبادلهما المعتاد لهذا السؤال.
بالنسبة لتيريشيا، التي حظيت ببركة قديسة السيف، كانت أخطاؤه جلية، لا يمكن التغاضي عنها. لطالما كان انتقادها لعيوب الآخرين في فن القتال عادةً سيئة لديها، لكن، رغم ما يعتري أسلوبه من قصور، فقد عوَّض ذلك بشيء آخر تمامًا…
… إحساسٌ جارف.
«… أحمق…».
《٧》
«مـ-ما حاجتي إلى نصيحتك؟! ارحل من هنا فحسب!»
—لم يكن في أسلوبه أي شائبة.
«—تيريشيا، هل أنتِ خائفة؟»
كرَّس كلَّ كيانه للسيف. تبدو هذه العبارة بسيطةً في ظاهرها، وقد اعتقدت تيريشيا سابقًا أن إخوتها فعلوا الشيء نفسه. لكنها أدركت الآن أن الأمر أعمق من ذلك بكثير.
كانت سعيدةً بما قاله شقيقها… ولذا استغلَّت لطفه. وضعت كل آمالها عليه.
… إحساسٌ جارف.
لم يكن في حياته شيءٌ سوى السيف.
لأنني الأقوى… لأن قديسة السيف هي الأقوى.
كلَّ ما لديه، كلَّ شغفه، صبَّه فيه. لم يكن هناك شيءٌ يحبه سوى السيف. لم يكن شخصًا يستطيع أن يحبَّ أي شيءٍ آخر. كان كالنصل، قطعةً صلبةً من الفولاذ، لا تعرف سوى طريقها الحاد.
من عناد تيريشيا، أدرك ويلهيلم أن أحدًا ما قد همس في أذنها بهذا الأمر. وفي اللحظة التالية، صار وجه شيطان السيف قناعًا من الغضب، وسرعان ما بدأ جو الغرفة يشتعل من هالة المعركة التي لم يعد قادرًا على كبحها.
«… أحمق…».
بينما تراقب حركات سيفه بطرف عينها، شعرت بحرارةٍ تتسلل إلى وجنتيها.
تيريشيا كانت قديسة السيف، الشخصية التي تجسِّد الذروة المطلقة لفن المبارزة، المحبوبة من اله السيف، حتى وإن لم ترغب في ذلك.
وفي الحقيقة، أوفى بوعده. عاشت حياةً هانئة، تحيط نفسها بالزهور، في ظل حمايته. لكن حان الوقت لتوديع تلك الحياة.
كان هناك حقلٌ صغير من الأزهار الصفراء الزاهية، نَمَت بحرية، دون أن يرعاها أحد.
الهدف الذي يركض خلفه بجنون… القمة التي يسعى لبلوغها بكل شغف… كانت هي.
لم يكن سوى وهمٍ في خيالها، لكنها شعرت وكأنه كان يغازلها بسيفه.
وكان ذلك كافيًا.
«—أحمقٌ حقيقي…».
حدَّقت في وجه زوجها. بدأ الشيب يغزو شعره، لكن ملامحه لم تزدد إلا حدةً ورجولةً مع تقدم العمر. لم يتغير شيء في توهج المشاعر داخل عينيه الزرقاوين، ولم يخفت أبدًا ذلك الشعور الجارف الذي يحمله تجاه تيريشيا.
قديسة السيف تيريشيا تستطيع أن تفهم كلَّ شيءٍ عن السيف بمجرد النظر إليه.
لقد رحلت المرأة التي كانت جدةً وأمًّا وزوجة.
«راينهارد…»
يمكنها تمييز جوهر أي نصلٍ عريق، سواء كان سيفًا مقدسًا أو سيفًا شيطانيًا، حتى سيف التنين الأسطوري ذاته. ويمكنها استخدام أيٍّ منها بسهولةٍ مطلقة. لم يكن هناك نصلٌ يستطيع أن يخبئ عنها جوهره الحقيقي.
عُرِفَت عائلة أستريا عبر الأجيال بأنها مهد قديسي السيف، أولئك الذين وُهِبُوا هذا اللقب منذ قرون تكريمًا لإنجازات أول قديس للسيف، ريد أستريا. ومنذ ذلك الحين، حملت العائلة شرف أن تكون سيف مملكة لوغونيكا.
«لن آتي إلى هنا بعد الآن.»
إلا هو. كان النصل الوحيد الذي لم تستطع التلويح به كما تشاء.
وربما كان ذلك السبب الذي دفعها إلى الاهتمام به.
كلَّ ما لديه، كلَّ شغفه، صبَّه فيه. لم يكن هناك شيءٌ يحبه سوى السيف. لم يكن شخصًا يستطيع أن يحبَّ أي شيءٍ آخر. كان كالنصل، قطعةً صلبةً من الفولاذ، لا تعرف سوى طريقها الحاد.
ومع ذلك، بلغها صوت ويلهيلم. بلغ قلبها.
«أنا ويلهيلم ترياس».
مرَّت ثلاثة أشهرٍ منذ لقائهما الأول قبل أن يعرِّفا بنفسيهما أخيرًا.
لكن لا بأس. لقد قالت له كل ما أرادت قوله بالفعل. وكانت واثقةً أن ويلهيلم فهمها تمامًا.
زفرةٌ خفيفة تسللت من بين شفتيها، وذابت في الهواء الصباحي النقي والبارد، بينما تشق طريقها نحو فسحةٍ مفتوحة بين تلك الأبنية المهجورة. لم يستحق المكان حتى أن يُسمَّى ساحة. جلست على إحدى الدرجات الحجرية، محدقةً بالجدار المتداعي أمامها.
رغم كثرة المرات التي التقيا فيها، أصرَّ ويلهيلم بعنادٍ على عدم السؤال عن اسمها. ولم يكن ليحدث ذلك إلا لأن تيريشيا ضاقت ذرعًا، وقررت أن تأخذ المبادرة بنفسها.
استشعرت وجودًا طاغيًا يقترب من خلفها، فاستدارت تيريشيا تلقائيًا.
«كنتُ أناديكِ في رأسي باسم ”فتاة الأزهار“ حتى الآن».
وحين انتهى ويلهيلم من جمع الرماد، حاول أن ينهض على ساقين واهنتين.
«… هاه؟»
—ياللوقاحة.
لم تلوِّح تيريشيا بسيفها ولو لمرة واحدة… لم تستطع.
رأت تيريشيا ذلك… وضحكت. لا بأس… كما هو الحال دائمًا، عليها أن تكون هي مَن يسأل أولًا.
لم يكن في كلامه أدنى لمحةٍ من اللطف أو اللباقة. لم يكن معنيًا بشيءٍ سوى نفسه، مكتفيًا بأبسط حديثٍ ممكن، ثم ينصرف وكأن شيئًا لم يكن.
«ذلك الأحمق! وجب عليه أن يشعر ببعض الخجل…!»
بينما كان قلب تيريشيا يتأرجح.
فلقد أدركت منذ زمنٍ بعيد الموهبة الفطرية اللامحدودة التي يملكها راينهارد.
«هل تحب الزهور؟»
«لا، أنا أكرهها.»
بهذه الكلمات، كشف قديس السيف السابق بلا رحمة عن الخدعة التي أخفتها ابنة أخيه.
حتى عندما أظهرت له حديقتها الخاصة، كان هذا كل الرد الذي تلقته.
لم يكن هناك شك في أنه كان غير قادر جسديًا على أن يكون لطيفًا مع أي شخص أو يقول شيئًا عمدًا لإسعاده.
كانت لتنفجر استنكارًا عند سماع ذلك، لكنها لم تملك حيلة؛ لأن الفكرة التالية التي تبادرت إلى ذهنها هي: ولكن لأنه هكذا لأنه يشبه السيف تمامًا، ولهذا…
كانت قديسة السيف تتعثر بسبب وجود نصلٍ لا تستطيع التحكم به كما تشاء. في ذلك الوقت، لم تدرك أنه كان ينقذها أيضًا.
«لا بد أنني أقلقتكِ طوال تلك السنوات، لكنني—»
«هل بدأت تحب الزهور؟»
ذلك هو الرجل الذي امتلك ما يلزم ليكون زوجها…
«كلا، أكرهها.»
صرخ هاينكل محاولًا الإمساك براينهارد، لكن الأخير أفلت من قبضته بسهولة وأمسك بوالده قبل أن يتعثر ويسقط.
حين عاد ويلهيلم للقلق بشأن وطنه، ألقى بنفسه في أتون المعركة وحده.
«لماذا تلوِّح بسيفك؟»
لن تنسى تيريشيا أبدًا الطريقة التي زفَّ بها الخبر في ذلك اليوم، ولا النظرة الغريبة التي ارتسمت على وجهه.
«لأنه كل ما أملك.»
بالنسبة لتيريشيا، التي حظيت ببركة قديسة السيف، كانت أخطاؤه جلية، لا يمكن التغاضي عنها. لطالما كان انتقادها لعيوب الآخرين في فن القتال عادةً سيئة لديها، لكن، رغم ما يعتري أسلوبه من قصور، فقد عوَّض ذلك بشيء آخر تمامًا…
في مرحلةٍ ما، صار هذا الحوار جزءًا ثابتًا من صباحاتهما. تُرى، أي إجابة انتظرت عندما ظلت تكرر الأسئلة ذاتها؟
هل أملت أن تحصل على نفس الجواب كل مرة، أم أنها تاقت سرًا لأن يتغير؟ أم أن الإجابة لم تهمها بقدر ما رغبت فقط في الحديث معه؟
«عيناك، صوتك، تصرفاتك، أفعالك— كلها. أخبرتني بذلك في كل يوم.»
يا للحرج… صوتي يبدو تمامًا كما كان يوم وقعتُ في حبِّه.
غير قادرة على تغيير ذاتها، أي إجابة كانت تبحث عنها في ويلهيلم؟
—ثم فجأة، ودون أي مقدمات، جاءها الجواب.
قد يكون ذلك خيانةً لهاينكل، الذي لطالما توق إلى اللقب… لكن لم يكن هناك وقتٌ ولا أحدٌ ليلومها على ذلك الآن.
في ذلك اليوم، وصلت تيريشيا أولًا.
كانت الرياح تداعب الأزهار بينما تنتظر قدومه بفارغ الصبر. وبحلول تلك اللحظة، كانت قد أدركت السبب الحقيقي لمجيئها إلى تلك الساحة الصغيرة.
— أشعر بأن ذلك اليوم لن يأتي قريبًا.
لكن ذلك لم يحدث. لم يكن تغيُّره إلا ليجعله أكثر قيمةً في نظرها.
«—ويلهيلم.»
«هيا الآن، هناك أمور يجب أن تُقال بصوت مسموع.»
استدارت تيريشيا حين شعرت بوجوده، وقد تملكتها مشاعر خافتة لم تعهدها من قبل.
«ماذا تعني بقولك ”ارتحت“؟»
انتهت أول معركة خاضتها تيريشيا بهزيمة نكراء.
وحين رأته عند مدخل الساحة، ارتسمت على شفتيها ابتسامة، وامتلأ قلبها بدفء لم تختبره من قبل.
«——»
«نعم.»
هل اعتقد أنه قد كتمها لمجرد أنه لم ينطق بها؟
—في تلك اللحظة، انهارت السدود التي احتجزت مشاعر ويلهيلم طويلًا.
«—أنتِ تعلمين الجواب بالفعل.»
اتسعت عيناه، وارتعشت شفتاه، ثم رفع يده ليخفي وجهه. تفاجأت بردة فعله العنيفة، وكادت تندفع نحوه، لكنها توقفت.
لكنها لن تسمح بذلك هذه المرة.
لطالما قطعت تيريشيا روابطها بالناس خشية أن تؤذيهم، ولهذا لم تكن تعرف كيف تتصرف عندما تجرح قلب أحدهم.
غير قادرة على تغيير ذاتها، أي إجابة كانت تبحث عنها في ويلهيلم؟
تيريشيا قديسة السيف ليست سوى آلة مصممة للإيذاء والقتل. لم تملك القدرة على إنقاذ أحد.
«ويلهيلم…»
كرهت ذلك الجبن فيها…
دفعت خوفها جانبًا، فوجدت نفسها واقفة أمامه مباشرة. كانت خائفة من أن تؤذيه، لكن فكرة فقدانه أرعبتها أكثر بكثير.
رأت تيريشيا ذلك… وضحكت. لا بأس… كما هو الحال دائمًا، عليها أن تكون هي مَن يسأل أولًا.
التقت نصالهما مجددًا، تتشابك، تتناطح، تتألق في صداماتٍ لا تنتهي.
مدَّت يدها ولمست أصابعه المرتعشة. وفجأة، حين شعرت بحرارةٍ لا تصدَّق، أدركت الحقيقة—
«ويلهيلم، هل تحبني؟»
السيف ليس سوى قطعةٍ من الفولاذ صُقلت بحرارةٍ مهولةٍ لتزداد قوة.
وويلهيلم كان سيفًا. لكنه كان سيفًا غير مكتمل.
لم يكن مستعدًا لسماع هذا السؤال، بعد كل هذه السنوات، تجمَّد في مكانه، مشدوهًا بابتسامة زوجته.
والآن، وسط هذه النيران، كان يخضع لعملية إعادة تشكيل، كان يُصقل من جديد.
لطالما وجدت تيريشيا صعوبةً في التعامل مع الآخرين، واعتادت تجنُّبهم لفترةٍ طويلة، لكنها لم تكن غافلةً إلى الحد الذي يجعلها تجهل المعنى الحقيقي وراء اعترافه بذلك.
—إن كان سيفًا، فإن قديسة السيف يجب أن تفهمه.
«—ويلهيلم.»
إن كان هو، إن كان هذا السيف، فعليَّ أن أرغب في فهمه.
احملي سيفكِ، تيريشيا.
«هل… بدأت تحب الزهور؟»
مهما يكن، كانت تيريشيا واثقةً تمامًا بأن راينهارد هو قديس السيف الذي سيخلفها.
وكما راودها ذلك التفكير، وجدت سؤالها المعتاد يشق طريقه إلى شفتيها.
بينما تحدق بصمتٍ في الأرض، سمعت ذلك الصوت العتيق المألوف يتردد في أذنها.
لأنني أحبكم جميعًا.
لو سمعهما أحدٌ من الخارج، لربما بدا سؤالهما خارج السياق تمامًا. لكنه كان كافيًا لهما وحدهما.
كما لو كان الأمر قد رُتِّب مسبقًا، انطلقت سيوفهما في ذات اللحظة.
«… أنا… لا أكرههم.»
«—راينهارد!»
لكن هذه المرة، جاءها ردٌّ جديد على سؤالها المعتاد.
تذكَّرت تيريشيا وعد ويلهيلم… وعدها بأنه لن يدعها تحمل السيف مجددًا.
هزَّت رأسها نفيًا.
— لطالما خشيت تيريشيا اليوم الذي قد يتغير فيه جواب ويلهيلم.
كما لو كانت تخشى أن تُترك خلف الجميع، بينما يواصلون التقدم.
ولأنها فهمت ذلك، لم يعد بإمكانها أن تحقد عليه بعد الآن.
خائفةً من أن تعيش رعب أن يُترك أحدهم خلفه، حين يتغير الآخرون.
《١٠》
كان ذلك استقباله.
لكن ذلك لم يحدث. لم يكن تغيُّره إلا ليجعله أكثر قيمةً في نظرها.
تلك القطعة الفولاذية الصلبة، ذلك النصل الذي لا يعرف سوى حده، لم يكن تغيُّره إلا ليزداد قوة، وليغدو أقرب إلى قلبها.
كان ملقى على الأرض، وجهه ملطخٌ بالدماء، وعيناه شاخصتان نحو خصمه.
«لماذا تلوِّح بسيفك؟».
كلَّ ما لديه، كلَّ شغفه، صبَّه فيه. لم يكن هناك شيءٌ يحبه سوى السيف. لم يكن شخصًا يستطيع أن يحبَّ أي شيءٍ آخر. كان كالنصل، قطعةً صلبةً من الفولاذ، لا تعرف سوى طريقها الحاد.
لكن هذا النضج جعله مثقلًا بالكثير من المسؤوليات، حتى إنه لم يعد قادرًا على التخلي عن كل شيء ببساطةٍ كما فعل في الماضي.
كان من المؤكد أن يكون لهذا السؤال إجابةٌ مختلفة الآن.
في اللحظة التالية، داعب أذنيها صوتٌ ساحرٌ خافت، وجذب وعيها إلى العتمة.
وربما تكون تلك الإجابة هي الخلاص الذي بحثت تيريشيا عنه—
«لأن السيف هو كل ما أملكه… لأنني لا أجد وسيلةً أخرى لحماية الأشياء.»
نعم، لأنه لا يملك سوى السيف.
سيكون بخير، لأنه ذلك النوع من الأشخاص.
وبعد ذلك، توقَّف تبادلهما المعتاد لهذا السؤال.
لقد رحلت المرأة التي كانت جدةً وأمًّا وزوجة.
بدلًا من ذلك، ازدادت الأحاديث، وتغيَّرت المواضيع، وازداد عدد الابتسامات بينهما شيئًا فشيئًا.
«لا تتصنَّع البراءة أيها الوغد!»
دفع ويلهيلم نفسه للتحدث رغم افتقاره للباقة، بينما كانت مشاعرها تجاهه تنمو أكثر فأكثر.
من عناد تيريشيا، أدرك ويلهيلم أن أحدًا ما قد همس في أذنها بهذا الأمر. وفي اللحظة التالية، صار وجه شيطان السيف قناعًا من الغضب، وسرعان ما بدأ جو الغرفة يشتعل من هالة المعركة التي لم يعد قادرًا على كبحها.
خفضت رأسها، غير قادرة على التفوُّه بكلمة. أما هو، فاكتفى بالجلوس بجانبها، ولفَّ ذراعه حول كتفها، وربَّت على رأسها برفق.
«لقد حصلتُ على وسام الشرف، وتمت ترقيتي إلى فارس».
تحت أي ظرفٍ آخر، لم تكن لتتخذ قرارًا كهذا، لكن في عالمٍ مغطَّى بضباب الموت الذي خلَّفه الحوت الأبيض، لم تكن الفتاة التي تجول بهدوء وسط الخراب مجرد لغز— بل كانت تهديدًا.
لن تنسى تيريشيا أبدًا الطريقة التي زفَّ بها الخبر في ذلك اليوم، ولا النظرة الغريبة التي ارتسمت على وجهه.
«لا تتظاهر بالغباء! أعني ما سمعته! لا بد أنك سعيد الآن! لقد حصلت على لقب قديس السيف بكل معانيه! تهانينا! والآن لا مجال لإنكار الشائعات التي تقول إنك سلبت البركة وتسببت في موت قديسة السيف السابقة! أليس هذا ما أردته؟!»
لطالما وجدت تيريشيا صعوبةً في التعامل مع الآخرين، واعتادت تجنُّبهم لفترةٍ طويلة، لكنها لم تكن غافلةً إلى الحد الذي يجعلها تجهل المعنى الحقيقي وراء اعترافه بذلك.
فأن يُمنح شخصٌ من العامة لقب فارسٍ لمجرد براعته في ساحة القتال، كان أمرًا نادر الحدوث.
عندها فقط، نطقت بكلماتها الأخيرة:
إذًا، ما الذي أمل ويلهيلم أن يحدث حين ألقى بهذه الكلمات أمامها؟
«… أحمق…».
«أرى ذلك. مباركٌ لك. هذه خطوةٌ أخرى نحو حلمك، أليس كذلك؟».
رغبت في أن تكرهه، في أن تلقي اللوم عليه. فلولاه، ربما استطاعت أن تُبقي على حقيقة امتلاكها لبركة قديسة السيف طيَّ الكتمان.
كانت تدرك تمامًا لماذا جاء ليخبرها بذلك؛ لذا تعمدت أن تجيبه ببرود.
حاولت تيريشيا أن تغرق صوته وسط صرخات الموتى، أن تمحوه من ذهنها.
—لا يجب أن ألمس السيف. لأنني جالبة الموت.
لو لم تفعل، لربما احمرَّت وجنتاها لا إراديًا، ولهذا، استنفدت كل قواها بصفتها قديسة السيف للحفاظ على رباطة جأشها، ولم تترك سوى ابتسامةٍ هادئة تعلو وجهها.
«حلمي؟»
«أنت تحمل سيفك لحماية الناس، صحيح؟ الفارس هو مَن يحمي الآخرين في نهاية المطاف.»
لكنها لم تستطع كبح نفسها. تمسكت به، وانهارت في البكاء. اعترفت، بصوت مختنق، بأنها خائفة. بأنها لا تريد القتال. بأنها آسفة.
بلا تردد، أومأ ويلهيلم موافقًا بكل احترام. رغم مزاجه المتجهم دائمًا، كان هناك لحظات نادرة يستجيب فيها بمثل هذا الصدق الطفولي.
هل أملت أن تحصل على نفس الجواب كل مرة، أم أنها تاقت سرًا لأن يتغير؟ أم أن الإجابة لم تهمها بقدر ما رغبت فقط في الحديث معه؟
—سيكون جميلًا لو كنتُ واحدةً من الأشياء التي يريد حمايتها.
كان النزيف قد توقف، لكن الجرح كان غائرًا، وقد فقد كمية كبيرة من الدم. مدَّ راينهارد يده إليه فورًا، محاولًا دعمه. لكن—
كرهت تيريشيا نفسها لأنها لم تبح بذلك مباشرةً، وكأنها تترك لنفسها بابًا للهرب.
«لقد حصلتُ على وسام الشرف، وتمت ترقيتي إلى فارس».
لم يقطعا عهدًا باللقاء مجددًا.
رغم أنها كانت شبه متأكدةٍ من الجواب، ورغم إدراكها بأن كليهما يحمل مشاعر تجاه الآخر، إلا أنها بقيت مترددة، غير قادرةٍ على التصرف.
كرهت ذلك الجبن فيها…
وبسبب ذلك، ارتكبت خطأ آخر. عندما تذكرت ذلك، لم تتمكن تيريشيا من العثور على مرة واحدة فعلت فيها الشيء الصحيح.
لكنها كانت محبةً مغلوطة، مشَوّهة، وأكبر مما يجب. ولم يكن لذلك سوى أثرٍ واحد…
《٦》
«تبدين بحالةٍ مزرية…»
حين عاد ويلهيلم للقلق بشأن وطنه، ألقى بنفسه في أتون المعركة وحده.
—حتى جاء اليوم الذي انتقلت إليها بركة قديس السيف بينما كانت تعتني بحديقتها.
بمجرد أن سمعت ذلك التقرير، شحب وجه تيريشيا حتى بدا كالموتى. سقطت على ركبتيها دون وعي، بينما وقفت خادمتها بجانبها في ارتباكٍ واضح، لكنها لم تستطع الرد.
«——»
فهمت تيريشيا على الفور مدى يأس الموقف.
كرهت تيريشيا نفسها لأنها لم تبح بذلك مباشرةً، وكأنها تترك لنفسها بابًا للهرب.
شعرت بوجود شخصين آخرين قريبين… لا بد أنهما هاينكل وراينهارد.
احملي سيفك، تيريشيا.
خفضت رأسها، غير قادرة على التفوُّه بكلمة. أما هو، فاكتفى بالجلوس بجانبها، ولفَّ ذراعه حول كتفها، وربَّت على رأسها برفق.
بينما تحدق بصمتٍ في الأرض، سمعت ذلك الصوت العتيق المألوف يتردد في أذنها.
تذكَّرت تيريشيا وعد ويلهيلم… وعدها بأنه لن يدعها تحمل السيف مجددًا.
لقد كان الجحيم. جحيمًا لا مفر منه، داخل عقلها.
الصوت الذي لم تسمعه منذ زمنٍ طويل. منذ التقت بويلهيلم، منذ بدأت مشاعرها تجاهه تتبلور، بدا وكأن ذلك الصوت قد ابتعد عن تيريشيا شيئًا فشيئًا.
من البداية وحتى النهاية، كانت بلا شك حياة مباركة.
لم يسبق لها أن اعتبرت ذلك الصوت خيرًا. ولكن هذه المرة، كان على حق. الصوت الذي توسَّل إليها أن ترفع سيفها، لم يكن سوى الحقيقة المجردة.
«— احملي سيفك، تيريشيا».
دفعَت كل الأصوات بعيدًا، ولم تسمح لشيءٍ بالتسلل إلى عالمها سوى صوت ويلهيلم—
كررت الكلمات على شفتيها، ثم وقفت بثبات.
تلك الثقة العمياء التي وضعوها فيها… كانت تطحن قلبها بلا رحمة.
يا للحرج… صوتي يبدو تمامًا كما كان يوم وقعتُ في حبِّه.
لقد تخلَّت عن كل شيء لإخوتها، وألقت بالمسؤولية على عاتق عمها، وتركتهم جميعًا يلقون حتفهم.
قفزت ذاكرتها إلى الأمام.
لأنها لم تقاتل، مات الكثيرون.
— عندها شعرت بحضورٍ حادٍّ يقترب.
لكنها لن تسمح بذلك هذه المرة.
عُرِفَت عائلة أستريا عبر الأجيال بأنها مهد قديسي السيف، أولئك الذين وُهِبُوا هذا اللقب منذ قرون تكريمًا لإنجازات أول قديس للسيف، ريد أستريا. ومنذ ذلك الحين، حملت العائلة شرف أن تكون سيف مملكة لوغونيكا.
تيبَّس جسد تيريشيا عند سماع تلك النبرة الحادَّة… تلك الهالة الحاسمة التي باغتتها عن قرب.
لن تفرِّط به. ويلهيلم وحده كان مختلفًا.
«—نغه.»
ذلك السيف، ذلك الفولاذ— ذلك الرجل ملكٌ لها وحدها.
فلنرَ كيف سيتصرف حين يدرك أن هالته المخيفة هذه لا تؤثر بي.
«احملي سيفك، تيريشيا… هذه المرة، سأفعل».
—كان الخط الدفاعي حول مسقط رأس ويلهيلم على وشك الانهيار.
ولأنها فهمت ذلك، لم يعد بإمكانها أن تحقد عليه بعد الآن.
ساحة قتالٍ جحيمية، تملؤها الصرخات والهتافات المدوية، ممتزجةً برائحة الدم والدخان. وسط هذا المشهد المفزع، عادت إلى ذهن تيريشيا ذكريات معركتها الأولى المريرة، تتوالى أمام عينيها.
«هيا الآن، هناك أمور يجب أن تُقال بصوت مسموع.»
كم من مرةٍ طاردتها تلك الذكريات؟
شقيقها الأصغر، كاجيريس، الصغير الجبان الذي تشبث بها باكيًا كلما شعر بالخوف.
كم من مرةٍ تخيلت نفسها تقف على ساحة المعركة، تحمل على عاتقها آمال الجميع، وتؤدي دورها كقديسة السيف ببراعة؟
أُخرج ويلهيلم الجريح من ساحة القتال على أيدي رفاقه الذين جاؤوا لإنقاذه. حاول المقاومة، أراد البقاء، لكنه لم يستطع.
لكن الحقيقة القاسية حطَّمت تلك الصور الجميلة بكل سهولة.
«——»
كم مرة لوَّح بسيفه وهو يفكر بها؟
حبست أنفاسها، تكتم رغبتها في التقيؤ، وبدأت تيريشيا تبحث عن ويلهيلم وسط أتون المعركة. بحواسها المتحفزة، انطلقت بعينين محتقنتين بالدماء، تمسح ساحة القتال حتى وقع بصرها عليه أخيرًا.
كأنما هناك نصلٌ ساخن، مشحوذٌ بدقة، يحدق إليها مباشرةً.
وفي اللحظة التي رأته فيها، دفعت الأرض بقدمها وانطلقت.
لم تعد ترى سوى ويلهيلم.
ركضت دون تردد، متجاوزةً جبال الجثث، عابرةً أنهار الدم، مخترقةً ميدان الصرخات والأنين.
كان أقل ما يمكنه فعله أن يصطحبها معه، ليضعها في مرقدٍ يليق بها، بين عائلتها التي أحبتها بكل قلبها.
رغبت في أن تكرهه، في أن تلقي اللوم عليه. فلولاه، ربما استطاعت أن تُبقي على حقيقة امتلاكها لبركة قديسة السيف طيَّ الكتمان.
وبينما كانت رائحة الحديد الخانقة تملأ المكان، وجدته.
كان ملقى على الأرض، وجهه ملطخٌ بالدماء، وعيناه شاخصتان نحو خصمه.
«أنا واثق أن هناك أماكن أخرى تحتاج إلى قوتك في أنحاء المدينة. أشعر بقلق خاص على السيد غارفيل، فقد انفصل عني أثناء القتال. إن سمحت لي، قديس السيف راينهارد.»
رأت ذلك النصف بشري يرفع سيفه الضخم نحو ويلهيلم، يهم بإنهاء الأمر. وفي تلك اللحظة، تحركت شفتا ويلهيلم، وخرج صوته المبحوح الهامس:
لأنها لم تقاتل، مات الكثيرون.
«لا أريد أن أموت…»
ألقت تيريشيا بسيف التنين جانبًا، ذلك السيف الذي لم تعد قادرةً على سحبه، والتقطت السيف الطويل عند قدميها… ثم اندفعت نحوها.
«هل تحب الأزهار؟»
— سيكون بخير. كل شيء سيكون بخير.
رغبت في أن تكرهه، في أن تلقي اللوم عليه. فلولاه، ربما استطاعت أن تُبقي على حقيقة امتلاكها لبركة قديسة السيف طيَّ الكتمان.
لم تعد تسمع شيئًا.
«أدرك…تِ… غغ…»
«الأوضاع خطرة في الخارج، نائب القائد. من الأفضل أن تتوجه إلى أحد الملاجئ… مع السيد ويلهيلم.»
لوَّحت بسيفها الطويل. كان خفيفًا بين يديها.
كانت قديسة السيف تتعثر بسبب وجود نصلٍ لا تستطيع التحكم به كما تشاء. في ذلك الوقت، لم تدرك أنه كان ينقذها أيضًا.
لا صوت. لا صدمة. لم يتطلب الأمر منها سوى ضربةٍ واحدة، فتناثر رأس ذلك النصف بشري بعيدًا.
«سيدتي تيريشيا…غغ…»
لأنها لم تقاتل، مات الكثيرون.
بقي السيف مرفوعًا، بينما سقط الجسد بلا حياة، خاليًا من رأسه. وفي اللحظة التالية، تحوَّلت أنظار الأعداء من حولها إليها، لتتوجه نحوها موجةٌ من العداء القاتل.
«هناك شيءٌ… عليَّ أن أخبركِ به.»
شعرت بها قبل أن تراها. قرأتها في الهواء. أحسَّت بها على جلدها. ثم… أفلتت منها.
بخفةٍ لا تصدق، تيريشيا تحركت، متفاديةً جميع الهجمات، ورأت أمامها ذلك الخط الأبيض الغريب.
ساد الاضطراب في المكان، وتحطمت الهالة المهيبة التي سادت الحاضرين في المراسم. دون أن يكترث لأي نداءٍ بالتوقف، ظهر رجل -لا، مبارز- داخل المراسم.
كان أمرًا غامضًا. في لحظةٍ ما، ظهر أمامها خطٌ أبيض، معلقٌ في الهواء، وبطريقةٍ أكثر غرابة، أدركت غريزيًا أن عليها فقط أن تتبعه بسيفها.
أغمض ويلهيلم عينيه للحظة عند إدراكه ذلك، ثم واصل حديثه:
كان قد اختبر المعاناة ذاتها التي عاشتها تيريشيا. ولهذا، ترك لها تلك الكلمات الأخيرة… كلمات الاعتذار. لقد أدرك تمامًا ما فرضته المملكة على تيريشيا، ومدى قسوة ذلك المصير.
هبت عاصفةٌ حادة مع اندفاع النصل في الهواء، وانقسم أنصاف البشر الذين كانوا في مسار الخط الأبيض إلى شطرين، متفجرين برشقاتٍ هائلة من الدماء.
حاولت تيريشيا أن تغرق صوته وسط صرخات الموتى، أن تمحوه من ذهنها.
كان جسدها ثقيلاً جدًا، لم يعد فيها سوى ذرة من القوة، لكنها صبَّت كل ما تبقى لها منها في أطراف أصابعها؛ لتجفِّف دموع عن وجنتيه.
أطرافٌ بُترت، رؤوسٌ أُطيح بها، بطونٌ شُقَّت، أرواحٌ حُصدت.
مع كل ضربة سيف، تعاظمت مشاعرها. أرادت أن تُسقط نصلها، أن تهرع إليه، أن تلقي بنفسها بين ذراعيه.
وأخيرًا، مُنحت تيريشيا الفرصة. بركة قديسة السيف -بركة الحاصد القاتل- تفجرت بكل عنفوانها.
كم من مرةٍ طاردتها تلك الذكريات؟
«سيدتي تيريشيا…غغ…»
«لا تقلق، مَن تظنني؟ لستُ أقل منك مهارةً في السيف.»
شعرت بها قبل أن تراها. قرأتها في الهواء. أحسَّت بها على جلدها. ثم… أفلتت منها.
تناهى إلى سمعها صوتٌ وسط أتون المعركة. كان صوت خادمتها، تلك التي لم تتخلَّ عنها يومًا، والتي بقيت إلى جانبها رغم كل شيء.
حتى عمَّها، الذي استعان بمكانته كقديس السيف السابق لرفع معنويات الجيش، قُتل هو الآخر.
لم تهجرها حين أدارت ظهرها لدورها كقديسة السيف، ولم تتركها عندما فرت من ساحة القتال في معركتها الأولى، ولم تتخلَّ عنها حتى بعدما فقدت تيريشيا إيمانها بنفسها.
كم من مرةٍ طاردتها تلك الذكريات؟
… إحساسٌ جارف.
كانت دائمًا تردد لها:
«انتظري… تيريشيا…»
سيدتي تيريشيا، ذات يوم، عندما تحين الفرصة، ستكونين أقوى من أي شخصٍ آخر، وستحملين لقب قديسة السيف بحق… وسأظل إلى جانبك حتى ذلك اليوم.
لماذا لم يمنح بركته لمَن أحبه بصدق؟
وكانت على حق. تيريشيا كانت الأقوى. كانت الأبرع في القتل.
كرهت تيريشيا نفسها لأنها لم تبح بذلك مباشرةً، وكأنها تترك لنفسها بابًا للهرب.
—يا ليتها أدركت ذلك في وقتٍ أبكر.
لقد بلغت الحد.
«——»
«أعترف أنني شعرت بالخيبة حين هُزِمتُ أمامكِ. لكنني أدركت بعدها أنني حقًا أحب السيف. أنا ممتن لكوني وُلدت في هذه العائلة، ممتن لإخوتي الصغار، وممتن لكِ، أختي الصغيرة… ممتن للسيف على كل ذلك.»
أُخرج ويلهيلم الجريح من ساحة القتال على أيدي رفاقه الذين جاؤوا لإنقاذه. حاول المقاومة، أراد البقاء، لكنه لم يستطع.
واستغلت تيريشيا لحظة ذهوله، فمدَّت يدها بهدوءٍ ومرَّرتها على كتفه، مخدوشةً إياه بأظافرها. منذ زواجهما، تمكنت من السيطرة على بركة حاصد الأرواح، لكنها هذه المرة… استخدمتها بكامل إرادتها.
شعرت تيريشيا بالراحة مع تلاشي وجوده بعيدًا. ومع ذلك، لم تتوقف عن التلويح بسيفها. واصلت حصد الأرواح.
«هل تحبني؟»
عندها، سمعت ضحكةً تتردد في أذنها. كان ذلك الصوت الذي سمعته في عقلها دائمًا— وفي تلك اللحظة، أدركت تيريشيا أخيرًا أنه صوت اله السيف نفسه.
حاولت تيريشيا أن تغرق صوته وسط صرخات الموتى، أن تمحوه من ذهنها.
كما لو كان الأمر قد رُتِّب مسبقًا، انطلقت سيوفهما في ذات اللحظة.
شعرت تيريشيا بالراحة مع تلاشي وجوده بعيدًا. ومع ذلك، لم تتوقف عن التلويح بسيفها. واصلت حصد الأرواح.
رفضت أن تسمع سوى صوتٍ واحد.
فهم عمَّها يفهم عبء اللقب أكثر من أي شخصٍ آخر.
لطالما قطعت تيريشيا روابطها بالناس خشية أن تؤذيهم، ولهذا لم تكن تعرف كيف تتصرف عندما تجرح قلب أحدهم.
ذلك الصوت المتوسل للحياة.
دفعَت كل الأصوات بعيدًا، ولم تسمح لشيءٍ بالتسلل إلى عالمها سوى صوت ويلهيلم—
«هل هذا هو سببكِ لفعل هذا الحماقة؟ تظنين أن هذا سيمنعني؟»
《٧》
لكنها لن تسمح بذلك هذه المرة.
لم يقطعا عهدًا باللقاء مجددًا.
ومع ذلك، كانت على يقينٍ من أنه سيكون هناك، في تلك الساحة، إن ذهبت إليه.
«يا للمهانة.»
رغبت في أن تكرهه، في أن تلقي اللوم عليه. فلولاه، ربما استطاعت أن تُبقي على حقيقة امتلاكها لبركة قديسة السيف طيَّ الكتمان.
وقف هناك، ينظر إليها بغضب، بينما التزمت تيريشيا الصمت.
كان العجوز لا يزال جاثيًا على الأرض، ففك معطفه عن خصره ومزَّق كُمَّه، ليضمد به الجرح العميق في ساقه اليمنى، حيث غُرِزَ سيفها الطويل.
ضبابٌ كثيف أحاط بالمكان، ولم يكن لأحد وجهةٌ يهرب إليها. ارتفعت الأصوات في محاولةٍ يائسة لردع ذلك الشعور الطاغي بالهلاك الذي اجتاحهم.
لقد أوقفَت تيريشيا سيفه، الذي هجم به بكل قوته، بين إصبعيها فقط.
«إذًا… ما الذي رأيناه الآن؟ ما الذي دار بينك وبين أبي؟ ما الذي كان يحدق بنا بذلك الاستياء…؟ ما الذي كان ذلك إن لم يكن أمي؟!»
«هل كنتِ تسخرين مني؟».
هبت عاصفةٌ حادة مع اندفاع النصل في الهواء، وانقسم أنصاف البشر الذين كانوا في مسار الخط الأبيض إلى شطرين، متفجرين برشقاتٍ هائلة من الدماء.
«——»
مرَّت ثلاثة أشهرٍ منذ لقائهما الأول قبل أن يعرِّفا بنفسيهما أخيرًا.
«أجيبيني، تيريشيا… أجيبيني، قديسة السيف، تيريشيا ڤان أستريا!!!».
لم تكن تنوي ذلك على الإطلاق. لكن ما الجدوى من التبرير؟
كما لو كان الأمر قد رُتِّب مسبقًا، انطلقت سيوفهما في ذات اللحظة.
كلما راودها ذلك الشعور، كان ويلهيلم، وكأنه يشعر به، يحتضنها. كان يمزِّق الستار الذي تحاول الاختباء خلفه، يُجبرها على مواجهة مخاوفها الدفينة، ويتدخل رغمًا عنها.
تراجعت، متجنبةً هجومه العنيف، ثم أسقطته أرضًا مرارًا وتكرارًا، حتى ترنَّح أخيرًا وسقط على ركبتيه بعدما تلقى ضربةً قاضية بمقبض سيفه الذي انتزعَته منه.
لم يكن بإمكان ويلهيلم الانضمام إلى حملة اصطياد الحوت الأبيض.
عندها فقط، نطقت بكلماتها الأخيرة:
كان العجوز لا يزال جاثيًا على الأرض، ففك معطفه عن خصره ومزَّق كُمَّه، ليضمد به الجرح العميق في ساقه اليمنى، حيث غُرِزَ سيفها الطويل.
«لن آتي إلى هنا بعد الآن.»
لم يقتصر الأمر على جديته القاتمة، بل كان هناك ما هو أشد وقعًا على تيريشيا.
لم يكن الجرح عميقًا… لكن الدم لم يتوقف عن التدفق. ولن يتوقف أبدًا… طالما كانت تيريشيا إلى جانبه.
لم تعد تحتمل ذلك المزيج من الكراهية، والشفقة، والمشاعر السلبية التي اشتعلت في عينيه.
بمجرد أن سمعت ذلك التقرير، شحب وجه تيريشيا حتى بدا كالموتى. سقطت على ركبتيها دون وعي، بينما وقفت خادمتها بجانبها في ارتباكٍ واضح، لكنها لم تستطع الرد.
«لا تحمل السيف بذلك الوجه!»
كانت الإجابة التي منحها إياها هو نفسه ويلهيلم ترياس.
ويلهيلم هو مَن كرَّس نفسه تمامًا للسيف، مَن آمن بجمال النصل وقيمة الفولاذ أكثر من أي شخصٍ آخر. لكنها، بقوتها المطلقة، حطَّمت كل ما آمن به.
«سأنتزع منك السيف… انسي البركات والأدوار… لا تحتقري معنى التلويح بالنصل… لا تستهيني بجمال السيف، قديسة السيف…!».
رجال عائلة أستريا الثلاثة… كانوا هنا لرؤيتها للمرة الأخيرة.
كانت الإجابة التي منحها إياها هو نفسه ويلهيلم ترياس.
فقدت الإحساس بيدها من شدة التصادمات المتكررة، فارتطمت النصل المقدسة بالأرض خلفها. أما ذلك السيف الصدئ، النصف مهشم، فقد كان مشيرًا مباشرةً إلى عنقها الشاحب.
«لأنني قديسة السيف… لم أكن أعلم السبب من قبل، لكنني أدركته أخيرًا.»
«لا تتظاهر بالغباء! أعني ما سمعته! لا بد أنك سعيد الآن! لقد حصلت على لقب قديس السيف بكل معانيه! تهانينا! والآن لا مجال لإنكار الشائعات التي تقول إنك سلبت البركة وتسببت في موت قديسة السيف السابقة! أليس هذا ما أردته؟!»
«أدرك…تِ… غغ…»
《٢》
«أن تحمل السيف لتحمي شخصًا ما… أعتقد أن هذا هو الجواب الذي يناسبني أيضًا.»
خائفةً من أن تعيش رعب أن يُترك أحدهم خلفه، حين يتغير الآخرون.
أن تحمي الناس بقوة القتل التي تمتلكها… باللعنة التي تكرهها. أن تحمي ويلهيلم.
خفض غطاء رأس عباءته، فوقعت عينا تيريشيا على الوجه الذي اشتاقت لرؤيته… ذلك الوجه العابس، الملطخ بالأتربة.
أن تحميه، أن تحمي عائلتها، أن تحمي الجميع، أن تحمي البلاد. أن تصبح قديسة السيف التي تستحق هذا اللقب. قديسة السيف الأقوى من أي أحد.
كانت سعيدةً بما قاله شقيقها… ولذا استغلَّت لطفه. وضعت كل آمالها عليه.
قديسة السيف تيريشيا تستطيع أن تفهم كلَّ شيءٍ عن السيف بمجرد النظر إليه.
لأنني الأقوى… لأن قديسة السيف هي الأقوى.
السيف ليس سوى قطعةٍ من الفولاذ صُقلت بحرارةٍ مهولةٍ لتزداد قوة.
«انتظري… تيريشيا…»
رغبت في أن تكرهه، في أن تلقي اللوم عليه. فلولاه، ربما استطاعت أن تُبقي على حقيقة امتلاكها لبركة قديسة السيف طيَّ الكتمان.
كادت تتوقف عند سماع الصوت الذي ناداها، لكن بكل ما أوتيت من قوة، أجبرت نفسها على المضي قدمًا.
ومع ذلك، بلغها صوت ويلهيلم. بلغ قلبها.
«—أنتِ تعلمين الجواب بالفعل.»
لا زال بوسعهم اختيار طريق آخر، العيش كما يريدون، والمضي في الحياة كما يحلو لهم.
«سأنتزع منك السيف… انسي البركات والأدوار… لا تحتقري معنى التلويح بالنصل… لا تستهيني بجمال السيف، قديسة السيف…!».
لقد أقسم أن ينتزعها بقوته وحده، ورفض أن يقبل العون من أي أحد. حتى ولو كانت هي من قدمته.
أقسم أن يسلبها إياه.
ورغم ذلك، لم تتوقف تلك الهلوسة اللانهائية عن التردد في رأسها.
كأن اله السيف نفسه كان يسخر من ذلك المبارز عديم الموهبة الذي تجرأ على أن يحلم بهزيمة قديسة السيف.
«تيريشيا.»
هو مَن كان بحاجةٍ إلى الوقت، كان بحاجةٍ إلى الفرصة، كان بحاجةٍ إلى العثور على الكلمات الصحيحة.
—كأنما يسخر من ابنته العزيزة، التي تزعزع قلبها بأملٍ ضئيل.
《٨》
كانت تيريشيا تخشى البركة التي وُلِدَت بها—بركة الحاصد.
إن كان هو، إن كان هذا السيف، فعليَّ أن أرغب في فهمه.
استشعرت وجودًا طاغيًا يقترب من خلفها، فاستدارت تيريشيا تلقائيًا.
تيريشيا قديسة السيف ليست سوى آلة مصممة للإيذاء والقتل. لم تملك القدرة على إنقاذ أحد.
ساد الاضطراب في المكان، وتحطمت الهالة المهيبة التي سادت الحاضرين في المراسم. دون أن يكترث لأي نداءٍ بالتوقف، ظهر رجل -لا، مبارز- داخل المراسم.
كانت تيريشيا تخشى البركة التي وُلِدَت بها—بركة الحاصد.
كان الاحتفال مزيجًا بين مراسم تأبين ونهاية حرب أنصاف البشر، كما كان مناسبةً للإعلان رسميًا عن قديسة السيف، تيريشيا ڤان أستريا، وتسليط الضوء على مَن لعبت الدور الأكبر في إنهاء النزاع الداخلي.
اصطبغت شفتيها باللون القرمزي… للمرة الأولى، تذوقت دم زوجها.
بزيٍّ رسمي وسيفٍ احتفالي، راودت تيريشيا الشكوك في عقلها.
«راينهارد…»
لم تستطع تيريشيا تصديق ما تراه. كان مستحيلًا. لا بد أنه كابوس، أو وهمٌ خلقه حبُّ اله السيف الملتوي.
أما ذلك الذي وقف أمامها الآن، فقد كان… شيطان السيف. كان يحمل نصلًا بليدًا صدئًا.
«——»
تيريشيا لم تنطق بكلمة، بل رفعت سيفها الاحتفالي، واتخذت وضعية القتال.
نعم، لأنه لا يملك سوى السيف.
وربما كان الأمر أبسط من ذلك…
سارع الحراس ليحيطوا بالرجل الذي تجرأ على مقاطعة المراسم، لكن الملك أوقفهم بإشارةٍ من على المنصة. كانت ممتنةً لقراره.
على الأقل حتى ولو كان حلمًا— فلن يتدخل أحد في موعدها مع شيطان السيف.
لم يكن هناك إعلانٌ عن بدء النزال.
—وفي ليلة نشرها إلى ساحة القتال لأول مرة، كانت تيريشيا منطوية على نفسها في خيمتها، تضغط على ركبتيها وترتجف وحدها.
كما لو كان الأمر قد رُتِّب مسبقًا، انطلقت سيوفهما في ذات اللحظة.
نطقت اسم الرجل الذي أحبَّته بكل كيانها… قبل أن يختفي وعيها بالكامل.
انفجر الصليل الأول، وأُزيح الستار عن المبارزة.
كانت قديسة السيف تتعثر بسبب وجود نصلٍ لا تستطيع التحكم به كما تشاء. في ذلك الوقت، لم تدرك أنه كان ينقذها أيضًا.
كما حدث دائمًا، تجلى المسار الذي يراه الاله المحب لابنته. ذلك المسار الذي لا يقود سوى إلى مذبحة. إلا أن ما كسره ليس سوى اجتهاد شيطان السيف… اجتهاده الذي لم يعرف الكلل.
«آووو، لقد تم رفضي.»
كان في سيفه شغفٌ مجنون، وهو يقطع الخط الأبيض في الهواء بذلك النصل الصدئ.
كأنما هناك نصلٌ ساخن، مشحوذٌ بدقة، يحدق إليها مباشرةً.
خفق قلب تيريشيا بقوة. في كل مرة تتقاطع سيوفهما، يُمزَّق الخط الأبيض. في كل مرة تلتقي عيونهما، تتدفقت مشاعرها أكثر.
«تبًّا، تبًّا، تبًّا! ليذهب الجميع إلى الجحيم! تبًا!»
أحبت شيطان السيف… ذلك الذي وقف أمام عينيها الآن.
ذلك الصوت المتوسل للحياة.
أحبت قديسة السيف شيطان السيف… في كل مرة تتصادم فيها نصالهما.
سقطت وكأنها تهوي من السماء، أو تغرق في أعماق بحرٍ بلا قرار.
«الآن… لا يمكنك ملاحقتي. إن فعلت… فلن يلتئم هذا الجرح أبدًا.»
—لا أستطيع الاكتفاء منه.
مع كل ضربة سيف، تعاظمت مشاعرها. أرادت أن تُسقط نصلها، أن تهرع إليه، أن تلقي بنفسها بين ذراعيه.
ودُفن ذلك العار تحت ركام الأكاذيب والتستر. فوجود قديسة السيف كان رمزًا لصمود المملكة، وآخر ما أرادته أن يتسرب للعامة هو الحقيقة.
لكنها لم تستطع. لم يكن ذلك مسموحًا. وما منعها لم يكن اله السيف، بل شيطان السيف نفسه.
ذلك الوجود الصامد، النبيل… كاد أن يدفعها للبكاء.
كان الاحتفال مزيجًا بين مراسم تأبين ونهاية حرب أنصاف البشر، كما كان مناسبةً للإعلان رسميًا عن قديسة السيف، تيريشيا ڤان أستريا، وتسليط الضوء على مَن لعبت الدور الأكبر في إنهاء النزاع الداخلي.
لقد أقسم أن ينتزعها بقوته وحده، ورفض أن يقبل العون من أي أحد. حتى ولو كانت هي من قدمته.
«احملي سيفك، تيريشيا… هذه المرة، سأفعل».
كان سيقتنص قديسة السيف بقوته الخاصة، بإصراره وحده، بكل ما كسبه بعدما أفنى كل شيء من أجل السيف.
«أحبك، ويلهيلم.»
كم مرةً يا ترى…؟
ذلك الصوت المتوسل للحياة.
عشرات الآلاف؟ مئات الآلاف؟ ملايين لا تُحصى؟
عندها، سمعت ضحكةً تتردد في أذنها. كان ذلك الصوت الذي سمعته في عقلها دائمًا— وفي تلك اللحظة، أدركت تيريشيا أخيرًا أنه صوت اله السيف نفسه.
كم مرة لوَّح بسيفه وهو يفكر بها؟
لم تعرف ما الذي حدث. ولا ما الذي سيحدث بعدها.
التقت نصالهما مجددًا، تتشابك، تتناطح، تتألق في صداماتٍ لا تنتهي.
حركةٌ تتبعها أخرى، درءٌ وهجوم، دفعٌ وسحب، حتى…
الهدف الذي يركض خلفه بجنون… القمة التي يسعى لبلوغها بكل شغف… كانت هي.
حبس راينهارد أنفاسه عند سماع ذلك التصريح البارد المتجرد. لكنه استقام، ثم أخيرًا، ألقى نظرة نحو هاينكل.
«إنه…»
كانت تيريشيا تجلس على الدرجة الحجرية، تحدِّق بصمتٍ إلى الأزهار، بينما كرس هو نفسه للتدريب، متفرغًا تمامًا للتلويح بسيفه المصقول.
كانت تتوقع هذا الرد. علمت أنه سيعارض.
«——»
حركةٌ تتبعها أخرى، درءٌ وهجوم، دفعٌ وسحب، حتى…
«… إنه نصري.»
ألقت تيريشيا بسيف التنين جانبًا، ذلك السيف الذي لم تعد قادرةً على سحبه، والتقطت السيف الطويل عند قدميها… ثم اندفعت نحوها.
تساقط السيف الاحتفالي من يد تيريشيا.
فقدت الإحساس بيدها من شدة التصادمات المتكررة، فارتطمت النصل المقدسة بالأرض خلفها. أما ذلك السيف الصدئ، النصف مهشم، فقد كان مشيرًا مباشرةً إلى عنقها الشاحب.
قديسة السيف المتألقة، المغلفة بالجمال والقداسة، هُزمت على يد شيطان السيف، ذلك الذي صُقِل في لهيب الهوس.
في تلك اللحظة، تحطم وهم قديسة السيف. في تلك اللحظة، سقطت النصل المقدسة أمام ذلك السيف المهترئ.
لكنني أؤمن أنكم جميعًا ستكونون بخير.
بسط معطفه على الأرض، وبدأ يجمع به رماد تيريشيا، فلم يكن بوسعه أن يتركها تتلاشى مع الريح.
«أنتِ أضعف مني؛ لذا لا حاجة لأن تمسكي بالسيف مجددًا.»
مر زمن طويل منذ آخر مرة سمعت فيها صوته الجاف، الصارم.
وكان من المناسب جدًا أن تكون تلك كلماته الأولى لها.
«إن لم أحمل السيف، فمَن سيفعل؟»
«سأتولى أنا السبب الذي يجعلك تمسكين بالسيف. يمكنكِ ببساطة أن تكوني أنتِ السبب الذي يجعلني ألوِّح بسيفي.»
وحين تلاشى ظل والده تمامًا عن ناظريه، لم يكن منه إلا أن…
سببُه في حمل السيف كان الحماية.
الهدف الذي يركض خلفه بجنون… القمة التي يسعى لبلوغها بكل شغف… كانت هي.
خفض غطاء رأس عباءته، فوقعت عينا تيريشيا على الوجه الذي اشتاقت لرؤيته… ذلك الوجه العابس، الملطخ بالأتربة.
امتلأت عيناها بالدموع، واندفعت مشاعر لا تُقاوَم في كل كيانها.
كانت سعيدةً بما قاله شقيقها… ولذا استغلَّت لطفه. وضعت كل آمالها عليه.
يا له من رجل سيئ… يأتي بكل هذه الكلمات الرنانة عن السرقة والحماية، ثم لا يفهم شيئًا عن قلب امرأة.
لكن… كيف له أن يفهم؟ وهو ليس إلا سيفًا؟
«لا تلمسني!»
«يا لكَ من شخص فظيع… تأخذ عزيمة شخصٍ ما، وإصراره، وكل شيء آخر، ثم تلقي به بعيدًا وكأنه لا شيء.»
—سيكون جميلًا لو كنتُ واحدةً من الأشياء التي يريد حمايتها.
بينما تحدق بصمتٍ في الأرض، سمعت ذلك الصوت العتيق المألوف يتردد في أذنها.
«سأرث كل ذلك. لذا، انسي أمر حمل السيف… وخذي الحياة ببساطة. لديَّ فكرة، لمَ لا تزرعين الأزهار وتعيشين بسلام خلف ظهري؟»
«محميّةً بسيفك؟»
أن تحميه، أن تحمي عائلتها، أن تحمي الجميع، أن تحمي البلاد. أن تصبح قديسة السيف التي تستحق هذا اللقب. قديسة السيف الأقوى من أي أحد.
«نعم.»
كانت تتوقع هذا الرد. علمت أنه سيعارض.
«هل ستحميني؟»
الصوت الذي لم تسمعه منذ زمنٍ طويل. منذ التقت بويلهيلم، منذ بدأت مشاعرها تجاهه تتبلور، بدا وكأن ذلك الصوت قد ابتعد عن تيريشيا شيئًا فشيئًا.
«نعم.»
شقيقها الأصغر، كاجيريس، الصغير الجبان الذي تشبث بها باكيًا كلما شعر بالخوف.
إن كان سيسمح لها بأن تكون من بين أغلى أشيائه… إن كان سيُجيب على حبها…
رأت تيريشيا ذلك… وضحكت. لا بأس… كما هو الحال دائمًا، عليها أن تكون هي مَن يسأل أولًا.
بخفةٍ لا تصدق، تيريشيا تحركت، متفاديةً جميع الهجمات، ورأت أمامها ذلك الخط الأبيض الغريب.
ابتسمت تيريشيا لكلمات شيطان السيف— لكلمات ويلهيلم.
فأن يُمنح شخصٌ من العامة لقب فارسٍ لمجرد براعته في ساحة القتال، كان أمرًا نادر الحدوث.
ثم، بينما تلمس النصل التي استقرت على عنقها، خطت خطوة إلى الأمام.
«هل تحبني؟»
فلقد أدركت منذ زمنٍ بعيد الموهبة الفطرية اللامحدودة التي يملكها راينهارد.
من خلال تلك الشفرة، شعرت بآلاف الأيام من صقل الذات، بانغماس الجسد والروح في التدريب.
وهكذا، بما أن شيطان السيف لم يكن قادرًا على المشاركة، فقد طلبوا من تيريشيا أن تنضم بدلًا منه… بصفتها الشخص الوحيد الذي لا يزال يحمل بركة قديسة السيف ولقبها، رغم مرور سنوات طويلة منذ آخر مرة أمسكت فيها بسيف.
امتلأت عيناها بالدموع، واندفعت مشاعر لا تُقاوَم في كل كيانها.
لقد بلغت الحد.
بدأت الدموع تنساب ببطء على خديها، بينما تلمع عيناها الزرقاوان وهي تبتسم.
«هل تحب الأزهار؟»
وحين انتهى ويلهيلم من جمع الرماد، حاول أن ينهض على ساقين واهنتين.
«توقفتُ عن كرهها.»
«لا بد أنني أقلقتكِ طوال تلك السنوات، لكنني—»
«لماذا تلوِّح بسيفك؟»
«حلمي؟»
«لحمايتكِ.»
لقد بلغت الحد.
منذ أن سقط السيف من يدها، لم تعد تسمع صوت اله السيف…
«… إنه نصري.»
لم تعد ترى سوى ويلهيلم.
«أجيبيني، تيريشيا… أجيبيني، قديسة السيف، تيريشيا ڤان أستريا!!!».
— أشعر بأن ذلك اليوم لن يأتي قريبًا.
لم تعد تشعر سوى بويلهيلم.
لأنها كانت أول مرة ترسل فيها، كان الجيش الذي رافقها هائلًا. تطوع كثير من الجنود للقتال، متحمسين للقتال إلى جانب قديس السيف الحالي في أول معركة لها.
تمكنت من الشعور بنيته، كان سيهوي بالسيف الخشبي بطريقة لا تؤذيها. أدركت ذلك من وقفته، ومن نظراته، ومن الهواء الذي أحاط به.
لم يكن هناك شيء في هذا العالم… سوى ويلهيلم.
تشبثت بصدره، أغمضت عينيها، ثم ضغطت شفتيها على شفتيه. كان ذلك الإحساس دافئًا… ناعمًا… إحساسًا جعل حبها ينفجر، وجعل عالمها كله يتغير.
«نعم.»
احمرَّ وجهها وهي تنظر إلى حبيبها الواقف أمامها.
لم يقل ويلهيلم شيئًا، بل اكتفى بالتحديق فيها، منتظرًا أن تتكلم.
سقطت وكأنها تهوي من السماء، أو تغرق في أعماق بحرٍ بلا قرار.
رأت تيريشيا ذلك… وضحكت. لا بأس… كما هو الحال دائمًا، عليها أن تكون هي مَن يسأل أولًا.
ألقى كلماته بخشونة، بلا أي تصنعٍ أو تلطيف.
«هل تحبني؟»
«لأن السيف هو كل ما أملكه… لأنني لا أجد وسيلةً أخرى لحماية الأشياء.»
«—أنتِ تعلمين الجواب بالفعل.»
—لم يكن في أسلوبه أي شائبة.
صرخت كأنما فقدت عقلها، تنتحب بندمٍ مستميت، تتمنى لو أن الزمن عاد بها إلى الوراء.
أدار وجهه جانبًا.
لم يسبق لها أن اعتبرت ذلك الصوت خيرًا. ولكن هذه المرة، كان على حق. الصوت الذي توسَّل إليها أن ترفع سيفها، لم يكن سوى الحقيقة المجردة.
اتسعت عينا تيريشيا لوهلة، ثم سرعان ما عبست، منتفخة الخدين، وهي تحدق فيه بعتاب. كيف يجرؤ على التهرب بعد كل ما وصلا إليه؟!
مالت للأمام، رافضةً السماح له بالإفلات من ذلك بسهولة.
«هيا الآن، هناك أمور يجب أن تُقال بصوت مسموع.»
«هيه، ويلهيلم…»
«هاه.»
«مَن كان يظن أن أحدًا قد يأتي إلى هنا في هذا الوقت المبكر؟ ما الذي—».
كرَّس كلَّ كيانه للسيف. تبدو هذه العبارة بسيطةً في ظاهرها، وقد اعتقدت تيريشيا سابقًا أن إخوتها فعلوا الشيء نفسه. لكنها أدركت الآن أن الأمر أعمق من ذلك بكثير.
حكَّ ويلهيلم رأسه وهو يشيح بوجهه، كما لو كان يحاول المراوغة. لكنه في النهاية، تنهد مستسلمًا أمام إصرار نظرات تيريشيا، ثم… ضمَّ خصرها بين ذراعيه. وفي مفاجأة غير متوقعة، اقترب بشفتيه من أذنها، وهمس:
مكانٌ سري، لم يعلم أحدٌ بوجوده. استغلت تيريشيا ذلك، ونثرت هناك بعض بذور الأزهار. لم تملك العزيمة الكافية للعناية بالحدائق الباهتة في القصر، لكنها أتت هنا فقط لتراقب ثمار ما زرعته ذات يومٍ على حين غرة. لهذا وجدت نفسها مجدَّدًا في هذا المكان.
«يومًا ما… حين يروق لي ذلك.»
هبت عاصفةٌ حادة مع اندفاع النصل في الهواء، وانقسم أنصاف البشر الذين كانوا في مسار الخط الأبيض إلى شطرين، متفجرين برشقاتٍ هائلة من الدماء.
— أشعر بأن ذلك اليوم لن يأتي قريبًا.
«—أنتِ تعلمين الجواب بالفعل.»
أزعجها جوابه، لكنها شعرت بقشعريرةٍ حين تخيَّلت أنه قد يأتي يومًا ما.
«—نائب القائد، أنا حقًا لا أفهم ما تشير إليه. يبدو أنك تحت وهمٍ بأنني قطعت قديسة السيف السابقة.»
«هل تحب الزهور؟»
وقعت تيريشيا في حب ويلهيلم إلى درجة أنها باتت مستعدةً لغفران أنانيته.
واستغلت تيريشيا لحظة ذهوله، فمدَّت يدها بهدوءٍ ومرَّرتها على كتفه، مخدوشةً إياه بأظافرها. منذ زواجهما، تمكنت من السيطرة على بركة حاصد الأرواح، لكنها هذه المرة… استخدمتها بكامل إرادتها.
زفرةٌ خفيفة تسللت من بين شفتيها، وذابت في الهواء الصباحي النقي والبارد، بينما تشق طريقها نحو فسحةٍ مفتوحة بين تلك الأبنية المهجورة. لم يستحق المكان حتى أن يُسمَّى ساحة. جلست على إحدى الدرجات الحجرية، محدقةً بالجدار المتداعي أمامها.
《٩》
لكن لمَّا نظرت إليه، لمعت في عقلها فكرة واحدة صادمة:
«أنا أحبك، ويلهيلم.»
لم يكن ذنب راينهارد، الذي حُمِّلَ أقدارًا قاسيةً لا يستطيع شخصٌ واحدٌ حملها وحده.
«——»
حبس راينهارد أنفاسه عند سماع ذلك التصريح البارد المتجرد. لكنه استقام، ثم أخيرًا، ألقى نظرة نحو هاينكل.
في النهاية، لم يُجب ويلهيلم مرةً واحدة بجوابٍ صريح.
حدَّقت في وجه زوجها. بدأ الشيب يغزو شعره، لكن ملامحه لم تزدد إلا حدةً ورجولةً مع تقدم العمر. لم يتغير شيء في توهج المشاعر داخل عينيه الزرقاوين، ولم يخفت أبدًا ذلك الشعور الجارف الذي يحمله تجاه تيريشيا.
لكنه كان دائمًا يُعبّر عن مشاعره بأفعاله، حتى وإن عجز عن قولها بالكلمات.
كما حدث دائمًا، تجلى المسار الذي يراه الاله المحب لابنته. ذلك المسار الذي لا يقود سوى إلى مذبحة. إلا أن ما كسره ليس سوى اجتهاد شيطان السيف… اجتهاده الذي لم يعرف الكلل.
ذلك النوع من السلوك لا يمكن لامرأةٍ أن تتقبَّله إلا إن كانت بالغة اللطف… أو مجنونةً بحبه— وتيريشيا كانت كلاهما معًا؛ لذا لم تُمانع قط، وتركته على حاله.
دفعَت كل الأصوات بعيدًا، ولم تسمح لشيءٍ بالتسلل إلى عالمها سوى صوت ويلهيلم—
لم يكن أيٌّ منهم مخطئًا… لم يكن أيٌّ منهم مذنبًا.
عاشا معًا حياةً هادئةً، رقيقةً، بوصفهما زوجًا وزوجة.
—ياللوقاحة.
«هل تحبني؟»
كما وعدها، لم يمنحها ويلهيلم، منذ مبارزتهما، أي سببٍ لحمل السيف مجددًا. أما هي، فلم يعد لديها أي تعلقٍ به، فقد توقف صوت اله السيف عن مناداتها منذ وقتٍ بعيد.
اتسعت عيناه، وارتعشت شفتاه، ثم رفع يده ليخفي وجهه. تفاجأت بردة فعله العنيفة، وكادت تندفع نحوه، لكنها توقفت.
لكن… بين الحين والآخر، كانت تشعر بعدم الارتياح.
ساحة قتالٍ جحيمية، تملؤها الصرخات والهتافات المدوية، ممتزجةً برائحة الدم والدخان. وسط هذا المشهد المفزع، عادت إلى ذهن تيريشيا ذكريات معركتها الأولى المريرة، تتوالى أمام عينيها.
لأن نعمة قديسة السيف لم تختفِ. بل بقيت كامنةً داخلها.
لكن لمَّا نظرت إليه، لمعت في عقلها فكرة واحدة صادمة:
«تيريشيا.»
«لماذا تلوِّح بسيفك؟»
«—مم-همم.»
لا أملك سوى ندمٍ واحد… سؤالٌ لم أتمكن من طرحه.
كلما راودها ذلك الشعور، كان ويلهيلم، وكأنه يشعر به، يحتضنها. كان يمزِّق الستار الذي تحاول الاختباء خلفه، يُجبرها على مواجهة مخاوفها الدفينة، ويتدخل رغمًا عنها.
وكان ذلك كافيًا.
كانت لتنفجر استنكارًا عند سماع ذلك، لكنها لم تملك حيلة؛ لأن الفكرة التالية التي تبادرت إلى ذهنها هي: ولكن لأنه هكذا لأنه يشبه السيف تمامًا، ولهذا…
«هل تحبني؟»
بإرادة حديدية وخوف متجذر، حاولت أن تبتعد عنه. تحججت بكل عذر ممكن لتجنب التدريب، حتى استسلمت العائلة وتوقفت عن إجبارها.
«——»
كان جواب راينهارد صاعقًا.
لكن، رغم كل شيء، ظلَّ يرفض الإجابة على ذلك السؤال بعنادٍ شديد.
فلنرَ كيف سيتصرف حين يدرك أن هالته المخيفة هذه لا تؤثر بي.
《١٠》
الحياة مليئة بالتقلبات… من الطبيعي أن تتخللها لحظاتُ سعادة ولحظاتُ حزنٍ.
تيريشيا وويلهيلم أنجبا ابنًا واحدًا، هاينكل.
ثم تزوج هاينكل من لويانا، وأنجبا بدورهما ابنًا… حفيدهما الأول، راينهارد.
دفع ويلهيلم نفسه للتحدث رغم افتقاره للباقة، بينما كانت مشاعرها تجاهه تنمو أكثر فأكثر.
سيدتي تيريشيا، ذات يوم، عندما تحين الفرصة، ستكونين أقوى من أي شخصٍ آخر، وستحملين لقب قديسة السيف بحق… وسأظل إلى جانبك حتى ذلك اليوم.
وما حدث بعدها… لم يكن ذنب أحدٍ منهم.
«أنت تحمل سيفك لحماية الناس، صحيح؟ الفارس هو مَن يحمي الآخرين في نهاية المطاف.»
لو كانت قادرةً على القتال، لفاقت الجميع قوةً، لكنها، في الواقع، ليست سوى فتاةٍ لا تملك أدنى خبرة في المعارك.
لم يكن ذنب هاينكل، الذي كان مخلصًا، وبذل قصارى جهده في دراسة فن السيف، رغم أنه لم يُجْزَ عن ذلك.
زفرةٌ خفيفة تسللت من بين شفتيها، وذابت في الهواء الصباحي النقي والبارد، بينما تشق طريقها نحو فسحةٍ مفتوحة بين تلك الأبنية المهجورة. لم يستحق المكان حتى أن يُسمَّى ساحة. جلست على إحدى الدرجات الحجرية، محدقةً بالجدار المتداعي أمامها.
إلا هو. كان النصل الوحيد الذي لم تستطع التلويح به كما تشاء.
لم يكن ذنب لويانا، التي أصابها داءُ الأميرة النائمة، فحكمت على زوجها وابنها بعزلةٍ لم يتمنَّياها يومًا.
محاولةً الهروب من ذلك الصوت، غادرت تيريشيا القصر وتسللت إلى الخارج، تائهةً بلا وجهة.
«لا، سيدي. لقد فعلت ما هو صحيح. لا أشعر بأي ندم.»
لم يكن ذنب راينهارد، الذي حُمِّلَ أقدارًا قاسيةً لا يستطيع شخصٌ واحدٌ حملها وحده.
…ولكن، إن فكرت بالأمر، لطالما كانت تلك اللحظات القليلة التي يسقط فيها قناعه من أكثر الأشياء جاذبيةً فيه.
لم يكن أيٌّ منهم مخطئًا… لم يكن أيٌّ منهم مذنبًا.
لم يقتصر الأمر على جديته القاتمة، بل كان هناك ما هو أشد وقعًا على تيريشيا.
هاينكل انحرف عن طريقه، ولويانا تاهت في أحلامها، وراينهارد لم يرد سوى أن يُحَبَّ مجددًا.
إن كان هناك مَن أخطأ، فهي تيريشيا. تيريشيا، التي لاحظت كل ذلك… ولم تفعل شيئًا.
لماذا ما زالوا يلوحون بسيوفهم، وهم يدركون أنهم لن يتمكنوا من اللحاق بها مهما قضوا أعمارهم في ذلك؟
«——»
«أنا أعارض هذا بشدة! ماذا تفكرين بحق؟!»
تيبَّس جسد تيريشيا عند سماع تلك النبرة الحادَّة… تلك الهالة الحاسمة التي باغتتها عن قرب.
حين حبست نفسها في غرفتها محاولةً إنكار ما جرى، اقتحم عمها عزلتها بلا رحمة، وجذبها خارجًا رغمًا عنها.
كانت تتوقع هذا الرد. علمت أنه سيعارض.
لأنها كانت أول مرة ترسل فيها، كان الجيش الذي رافقها هائلًا. تطوع كثير من الجنود للقتال، متحمسين للقتال إلى جانب قديس السيف الحالي في أول معركة لها.
غرس هاينكل يده في شعره الأحمر وعبث به بجنون، ثم انبعثت من حلقه ضحكة مبحوحة وارتسمت على وجهه ابتسامة جنونية.
للمرة الأولى منذ عقود، استدعاها البلاط الملكي، ليس بصفتها مجرد لقبٍ زائف، بل بصفتها قديسة السيف الحقيقية. لقد طلبوا منها الانضمام إلى الحملة المرسلة لاصطياد الحوت الأبيض، أحد الوحوش الشيطانية الثلاثة العظمى التي تهدد سلام العالم.
«لماذا تلوِّح بسيفك؟».
استدارت تيريشيا حين شعرت بوجوده، وقد تملكتها مشاعر خافتة لم تعهدها من قبل.
حدَّقت في وجه زوجها. بدأ الشيب يغزو شعره، لكن ملامحه لم تزدد إلا حدةً ورجولةً مع تقدم العمر. لم يتغير شيء في توهج المشاعر داخل عينيه الزرقاوين، ولم يخفت أبدًا ذلك الشعور الجارف الذي يحمله تجاه تيريشيا.
«الآن… لا يمكنك ملاحقتي. إن فعلت… فلن يلتئم هذا الجرح أبدًا.»
كان شقيقها الأكبر واقفًا هناك. كان لطيفًا، بملامح تشع طيبة، لطالما دللها، ولطالما أحبَّته.
كان هذا وجه الرجل الذي أحبته تيريشيا… ووجه الرجل الذي أحبها.
هزَّت رأسها نفيًا.
ظل هاينكل في مكانه، عاجزًا عن اللحاق به، غير قادر على مناداته.
—ثم فجأة، ودون أي مقدمات، جاءها الجواب.
«لقد اتخذت قراري بالفعل.»
«كيف يمكنكِ ذلك؟! مَن أخبركِ بهذا أصلًا…؟!»
«لا تتظاهر بالغباء! أعني ما سمعته! لا بد أنك سعيد الآن! لقد حصلت على لقب قديس السيف بكل معانيه! تهانينا! والآن لا مجال لإنكار الشائعات التي تقول إنك سلبت البركة وتسببت في موت قديسة السيف السابقة! أليس هذا ما أردته؟!»
«لماذا تلوِّح بسيفك؟»
من عناد تيريشيا، أدرك ويلهيلم أن أحدًا ما قد همس في أذنها بهذا الأمر. وفي اللحظة التالية، صار وجه شيطان السيف قناعًا من الغضب، وسرعان ما بدأ جو الغرفة يشتعل من هالة المعركة التي لم يعد قادرًا على كبحها.
ولذا، لم تتعرض تيريشيا لأي لومٍ رغم فرارها من وجه العدو، وظلت مختبئةً داخل قوقعتها.
«ذلك الأحمق! وجب عليه أن يشعر ببعض الخجل…!»
ألقت تيريشيا بسيف التنين جانبًا، ذلك السيف الذي لم تعد قادرةً على سحبه، والتقطت السيف الطويل عند قدميها… ثم اندفعت نحوها.
لا شك أن المشاكل ستظل قائمة.
«لا أنتَ ولا أنا نملك الحق في قول ذلك.»
—لا يجب أن ألمس السيف. لأنني جالبة الموت.
ندمت على ما آل إليه مصير ابنهما بقدر ما ندم ويلهيلم. ولهذا تحديدًا، لم ترد أن يُلقي باللوم على هاينكل. أدرك ويلهيلم مغزى كلماتها، فقبض على أسنانه وحاول تهدئة غضبه. كانت تلك علامةً على أنه نضج ولو قليلًا.
لكن هذا النضج جعله مثقلًا بالكثير من المسؤوليات، حتى إنه لم يعد قادرًا على التخلي عن كل شيء ببساطةٍ كما فعل في الماضي.
استشعرت وجودًا طاغيًا يقترب من خلفها، فاستدارت تيريشيا تلقائيًا.
لم يكن بإمكان ويلهيلم الانضمام إلى حملة اصطياد الحوت الأبيض.
لقد كان الجحيم. جحيمًا لا مفر منه، داخل عقلها.
أغمض ويلهيلم عينيه للحظة عند إدراكه ذلك، ثم واصل حديثه:
فالعاصمة كانت غارقةً في فوضى غير مسبوقة— ابنة شقيق الملك قد اختُطِفت، والحرس الملكي استنفر كل قوته للبحث عن الجاني وإنقاذ الطفلة.
—حتى جاء اليوم الذي انتقلت إليها بركة قديس السيف بينما كانت تعتني بحديقتها.
وبوصفه قائد الحرس الملكي، كان على ويلهيلم تكريس كل وقته وجهده لهذا الأمر.
في ذلك اليوم، وصلت تيريشيا أولًا.
وهكذا، بما أن شيطان السيف لم يكن قادرًا على المشاركة، فقد طلبوا من تيريشيا أن تنضم بدلًا منه… بصفتها الشخص الوحيد الذي لا يزال يحمل بركة قديسة السيف ولقبها، رغم مرور سنوات طويلة منذ آخر مرة أمسكت فيها بسيف.
بسط معطفه على الأرض، وبدأ يجمع به رماد تيريشيا، فلم يكن بوسعه أن يتركها تتلاشى مع الريح.
تذكَّرت تيريشيا وعد ويلهيلم… وعدها بأنه لن يدعها تحمل السيف مجددًا.
وفي الحقيقة، أوفى بوعده. عاشت حياةً هانئة، تحيط نفسها بالزهور، في ظل حمايته. لكن حان الوقت لتوديع تلك الحياة.
«إذًا… ما الذي رأيناه الآن؟ ما الذي دار بينك وبين أبي؟ ما الذي كان يحدق بنا بذلك الاستياء…؟ ما الذي كان ذلك إن لم يكن أمي؟!»
«ويلهيلم، هل تحبني؟»
وقعت تيريشيا في حب ويلهيلم إلى درجة أنها باتت مستعدةً لغفران أنانيته.
«ماذا—؟»
لم يكن مستعدًا لسماع هذا السؤال، بعد كل هذه السنوات، تجمَّد في مكانه، مشدوهًا بابتسامة زوجته.
واستغلت تيريشيا لحظة ذهوله، فمدَّت يدها بهدوءٍ ومرَّرتها على كتفه، مخدوشةً إياه بأظافرها. منذ زواجهما، تمكنت من السيطرة على بركة حاصد الأرواح، لكنها هذه المرة… استخدمتها بكامل إرادتها.
قديسة السيف المتألقة، المغلفة بالجمال والقداسة، هُزمت على يد شيطان السيف، ذلك الذي صُقِل في لهيب الهوس.
توسَّعت عينا ويلهيلم وهو يحدِّق في الجرح السطحي الذي خلفته أصابعها على كتفه.
«… أجل… بالطبع.»
لطالما حملت المملكة ازدراءً عميقًا لأنصاف البشر، وكأن الشرارة التي أشعلت نار هذه الحرب لم تكن سوى فتيلًا ينتظر الانفجار.
لم يكن الجرح عميقًا… لكن الدم لم يتوقف عن التدفق. ولن يتوقف أبدًا… طالما كانت تيريشيا إلى جانبه.
أدار وجهه جانبًا.
«تيريشيا…؟»
«——»
اقتربت منه، وأسندت رأسها إلى صدره العريض.
«يا للمهانة.»
آخر دفءٍ ستشعر به بين ذراعيه. وبينما كان يحتضنها، رفعت تيريشيا رأسها قليلًا وقبَّلت الجرح النازف على كتفه.
محاولةً الهروب من ذلك الصوت، غادرت تيريشيا القصر وتسللت إلى الخارج، تائهةً بلا وجهة.
لو سمعهما أحدٌ من الخارج، لربما بدا سؤالهما خارج السياق تمامًا. لكنه كان كافيًا لهما وحدهما.
اصطبغت شفتيها باللون القرمزي… للمرة الأولى، تذوقت دم زوجها.
«الآن… لا يمكنك ملاحقتي. إن فعلت… فلن يلتئم هذا الجرح أبدًا.»
«هل هذا هو سببكِ لفعل هذا الحماقة؟ تظنين أن هذا سيمنعني؟»
«إن تبعتني… فسيصبح كل هذا بلا معنى.»
لطالما حملت المملكة ازدراءً عميقًا لأنصاف البشر، وكأن الشرارة التي أشعلت نار هذه الحرب لم تكن سوى فتيلًا ينتظر الانفجار.
اقتربت منه، وأسندت رأسها إلى صدره العريض.
ضحكت بخفَّة، ثم أفلتت تيريشيا نفسها من بين ذراعيه. رفعت يدها إلى كتفه مشيرةً إلى الجرح.
عندها فقط، نطقت بكلماتها الأخيرة:
«دع الجرح كما هو… ليذكِّرك بألَّا تلحق بي. وعندما ننهي مهمتينا، سأعتني به بنفسي.»
لكنه كان دائمًا يُعبّر عن مشاعره بأفعاله، حتى وإن عجز عن قولها بالكلمات.
«——»
تمكنت من الوصول إليه بالكاد.
لحظة تيريشيا ڤان أستريا الأخيرة تركت ندوبًا لا تمحى في قلوبهم الثلاثة.
«لا تقلق، مَن تظنني؟ لستُ أقل منك مهارةً في السيف.»
«أجيبيني، تيريشيا… أجيبيني، قديسة السيف، تيريشيا ڤان أستريا!!!».
«تنافسين مجموعةً من الشبان رغم أنكِ على مشارف الخمسين…»
«——»
«راقب لسانك، عزيزي.»
«لقد حصلتُ على وسام الشرف، وتمت ترقيتي إلى فارس».
تردد صوت صفعة خفيفة عندما وضعت يدها على فمه.
《٨》
مدَّت يدها ولمست أصابعه المرتعشة. وفجأة، حين شعرت بحرارةٍ لا تصدَّق، أدركت الحقيقة—
حقًا… عشرون عامًا قضيناها معًا، ومع ذلك…
حين حبست نفسها في غرفتها محاولةً إنكار ما جرى، اقتحم عمها عزلتها بلا رحمة، وجذبها خارجًا رغمًا عنها.
هذا السيف الصلب، هذا الرجل الفولاذي… لا يزال كما هو.
لقد تخلَّت عن كل شيء لإخوتها، وألقت بالمسؤولية على عاتق عمها، وتركتهم جميعًا يلقون حتفهم.
ولهذا—
عند سماعه لكلماتها، بدا وكأنه أصيب بخيبة أملٍ طفيفة.
«أحبك، ويلهيلم.»
ظنَّت أنها لا تملك الحق في الشكوى. ظنت أنه لا يحق لها أن تقول هذا لمَن سحقته في ذلك اليوم.
«——»
«هذا يكفي… في الوقت الحالي.»
«في الوقت الحالي؟»
شقيقها الأوسط، كارلان، الحاد الطباع، لكنه أول مَن يبادر بالاعتذار حين يحين وقت التصالح.
أومأت برأسها بينما قطَّب ويلهيلم حاجبيه.
كان الجرح على كتفه عهدًا بلقاءٍ قادم—
«—عندما أعود… أريد أن أسمع إجابتك أخيرًا.»
كلما راودها ذلك الشعور، كان ويلهيلم، وكأنه يشعر به، يحتضنها. كان يمزِّق الستار الذي تحاول الاختباء خلفه، يُجبرها على مواجهة مخاوفها الدفينة، ويتدخل رغمًا عنها.
احملي سيفك، تيريشيا.
《١١》
«تنافسين مجموعةً من الشبان رغم أنكِ على مشارف الخمسين…»
قفزت ذاكرتها إلى الأمام.
ذلك الصوت المتوسل للحياة.
«لحمايتكِ.»
لم تستطع الرؤية بوضوح. وكأنها واقفة وسط عاصفةٍ من الرمال. حتى الأصوات… بدت مكتومةً وبعيدة.
قفزت ذاكرتها إلى الأمام.
«—!»
سمعت صوت صرخة، ثم صرخةً أخرى… ثم عويلًا مريرًا.
لكن حتى ذلك الجحيم ليس شيئًا مقارنة بالجحيم الحقيقي الذي انتظرها.
كان صوتها مبحوحًا… لكنه حمل رنينًا شابًا غريبًا، وكأن الزمن لم يمر بها.
انهارت حملة القضاء على الحوت الأبيض بالكامل.
ضبابٌ كثيف أحاط بالمكان، ولم يكن لأحد وجهةٌ يهرب إليها. ارتفعت الأصوات في محاولةٍ يائسة لردع ذلك الشعور الطاغي بالهلاك الذي اجتاحهم.
تمكنت من الوصول إليه بالكاد.
«——»
وفجأة… لم تعد تذكر ما حدث.
«——»
كانت المعركة قاسية، لكن الحملة كان يفترض أنها في موقع القوة. تذكَّرت أنها شعرت للحظة أنهم ثبتوا أقدامهم أمام الحوت الأبيض… وأنها أدَّت دورها حتى بعد انسحابها من الخطوط الأمامية.
تيريشيا وويلهيلم أنجبا ابنًا واحدًا، هاينكل.
كان ذلك استقباله.
لكن عندما بلغت هذه الفكرة، تسلل إلى قلبها إحساس غريب. شعورٌ طفيف… لكنه خاطئ.
الحياة مليئة بالتقلبات… من الطبيعي أن تتخللها لحظاتُ سعادة ولحظاتُ حزنٍ.
ذراعاها بخير… ساقاها سليمتان… بصرها لم يصبه شيء…
لكن… كان هناك فراغٌ ما، إحساسٌ وكأنها فقدت جناحيها—
«لقد اتخذت قراري بالفعل.»
«البركة…»
إلى آخر لحظة، لم يكن في صوته ذرة دفء. استدار راينهارد، وانخفض بجسده قليلًا، ثم وثب عاليًا ليشق سماء الليل.
لم تعد تشعر ببركة قديس السيف.
مالت للأمام، رافضةً السماح له بالإفلات من ذلك بسهولة.
هاينكل انحرف عن طريقه، ولويانا تاهت في أحلامها، وراينهارد لم يرد سوى أن يُحَبَّ مجددًا.
تلك القوة التي لم تفارقها يومًا، مهما ابتعدت عن السيف.
إلى آخر لحظة، لم يكن في صوته ذرة دفء. استدار راينهارد، وانخفض بجسده قليلًا، ثم وثب عاليًا ليشق سماء الليل.
«—راينهارد!»
في لحظة، أدركت لمَن انتقلت البركة. كان ذلك أمرًا طبيعيًا، غريزيًا حتى. تمامًا كما علم عمَّها يومًا أنها ورثتها منه.
وربما كان الأمر أبسط من ذلك…
أما ذلك الذي وقف أمامها الآن، فقد كان… شيطان السيف. كان يحمل نصلًا بليدًا صدئًا.
فلقد أدركت منذ زمنٍ بعيد الموهبة الفطرية اللامحدودة التي يملكها راينهارد.
رجال عائلة أستريا الثلاثة… كانوا هنا لرؤيتها للمرة الأخيرة.
مهما يكن، كانت تيريشيا واثقةً تمامًا بأن راينهارد هو قديس السيف الذي سيخلفها.
بما تبقى لها من قوة، مسحت دموعه برفق؛ دموع الرجل الذي أحبته.
قد يكون ذلك خيانةً لهاينكل، الذي لطالما توق إلى اللقب… لكن لم يكن هناك وقتٌ ولا أحدٌ ليلومها على ذلك الآن.
أما تيريشيا… فقد سُلب منها هذا الخيار إلى الأبد.
ظل هاينكل في مكانه، عاجزًا عن اللحاق به، غير قادر على مناداته.
«أوه… امرأةٌ وحدها في مكانٍ كهذا؟ هذا تصرُّفٌ شجاع.»
«—نغه.»
ارتجف جسد تيريشيا وهي تستدير نحو مصدر الصوت.
«انتظري… تيريشيا…»
كان ناعمًا وأنيقًا… لكنه بدا غريبًا تمامًا وسط هذا الخراب. ظهرت فتاة ذات شعرٍ بلاتيني من بين الضباب الكثيف. كان على وجهها ابتسامةٌ لطيفة، وفي عينيها بريقُ مودةٍ غامضة، وكأنها تنظر إلى صديقٍ مجهول بعاطفةٍ غير مشروطة.
لم تستطع مشاركة مخاوفها مع أحد—
ذلك السيف، ذلك الفولاذ— ذلك الرجل ملكٌ لها وحدها.
لكنها كانت محبةً مغلوطة، مشَوّهة، وأكبر مما يجب. ولم يكن لذلك سوى أثرٍ واحد…
لكنها لم تستطع. لم يكن ذلك مسموحًا. وما منعها لم يكن اله السيف، بل شيطان السيف نفسه.
«——»
الرعب.
ولهذا—
«آووو، لقد تم رفضي.»
لكن حتى ذلك الجحيم ليس شيئًا مقارنة بالجحيم الحقيقي الذي انتظرها.
ألقت تيريشيا بسيف التنين جانبًا، ذلك السيف الذي لم تعد قادرةً على سحبه، والتقطت السيف الطويل عند قدميها… ثم اندفعت نحوها.
لم تعد ترى سوى ويلهيلم.
تحت أي ظرفٍ آخر، لم تكن لتتخذ قرارًا كهذا، لكن في عالمٍ مغطَّى بضباب الموت الذي خلَّفه الحوت الأبيض، لم تكن الفتاة التي تجول بهدوء وسط الخراب مجرد لغز— بل كانت تهديدًا.
حتى دون بركة قديسة السيف، لم تفقد تيريشيا مهارتها في القتال. وكانت الضربة التي وجهتها كفيلةً بأن تشطر الفتاة نصفين بكل سهولة—
لطالما قطعت تيريشيا روابطها بالناس خشية أن تؤذيهم، ولهذا لم تكن تعرف كيف تتصرف عندما تجرح قلب أحدهم.
حدَّقت في وجه زوجها. بدأ الشيب يغزو شعره، لكن ملامحه لم تزدد إلا حدةً ورجولةً مع تقدم العمر. لم يتغير شيء في توهج المشاعر داخل عينيه الزرقاوين، ولم يخفت أبدًا ذلك الشعور الجارف الذي يحمله تجاه تيريشيا.
«—أريد أن أفهمكِ.»
لم تعد تشعر سوى بويلهيلم.
في اللحظة التالية، داعب أذنيها صوتٌ ساحرٌ خافت، وجذب وعيها إلى العتمة.
سقطت وكأنها تهوي من السماء، أو تغرق في أعماق بحرٍ بلا قرار.
لم تعرف ما الذي حدث. ولا ما الذي سيحدث بعدها.
«تيريشيا…؟»
لكن أفكارها…
خائفةً من أن تعيش رعب أن يُترك أحدهم خلفه، حين يتغير الآخرون.
ثم، بينما تلمس النصل التي استقرت على عنقها، خطت خطوة إلى الأمام.
قفزت نحو مستقبل حفيدها، وقلب ابنها، والمرأة التي تربط بينهما.
بسط معطفه على الأرض، وبدأ يجمع به رماد تيريشيا، فلم يكن بوسعه أن يتركها تتلاشى مع الريح.
وأخيرًا—
«هل هذا هو سببكِ لفعل هذا الحماقة؟ تظنين أن هذا سيمنعني؟»
«ويلهيلم…»
تمكنت من الوصول إليه بالكاد.
نطقت اسم الرجل الذي أحبَّته بكل كيانها… قبل أن يختفي وعيها بالكامل.
لماذا، بينما أمكنهم فعل أي شيء آخر؟ لماذا لم يتركوه وراءهم ببساطة؟
ثم—
وحين انتهى ويلهيلم من جمع الرماد، حاول أن ينهض على ساقين واهنتين.
《١٢》
«الأوضاع خطرة في الخارج، نائب القائد. من الأفضل أن تتوجه إلى أحد الملاجئ… مع السيد ويلهيلم.»
«تبدين بحالةٍ مزرية…»
قفزت نحو مستقبل حفيدها، وقلب ابنها، والمرأة التي تربط بينهما.
فتحت عينيها ببطء، فرأت وجهًا أرهقته السنوات.
مدَّت يدها ولمست أصابعه المرتعشة. وفجأة، حين شعرت بحرارةٍ لا تصدَّق، أدركت الحقيقة—
كان شعره أبيض بالكامل، وخطت التجاعيد قسماته، ومع ذلك، لم تستطع إلا أن تفكر في كم بدا وسيمًا. ليس هناك أدنى شك.
«—عندما أعود… أريد أن أسمع إجابتك أخيرًا.»
هذا الوجه… يخص زوجها. وإن كان واضحًا أن وقتًا طويلًا قد مضى منذ آخر لقاءٍ بينهما.
«——»
«… أحمق…».
أما ذلك الذي وقف أمامها الآن، فقد كان… شيطان السيف. كان يحمل نصلًا بليدًا صدئًا.
زفرت أنفاسها ببطء.
اقتربت منه، وأسندت رأسها إلى صدره العريض.
شعرت بوجود شخصين آخرين قريبين… لا بد أنهما هاينكل وراينهارد.
—حتى جاء اليوم الذي انتقلت إليها بركة قديس السيف بينما كانت تعتني بحديقتها.
رجال عائلة أستريا الثلاثة… كانوا هنا لرؤيتها للمرة الأخيرة.
كان ناعمًا وأنيقًا… لكنه بدا غريبًا تمامًا وسط هذا الخراب. ظهرت فتاة ذات شعرٍ بلاتيني من بين الضباب الكثيف. كان على وجهها ابتسامةٌ لطيفة، وفي عينيها بريقُ مودةٍ غامضة، وكأنها تنظر إلى صديقٍ مجهول بعاطفةٍ غير مشروطة.
لم تستطع الرؤية بوضوح. وكأنها واقفة وسط عاصفةٍ من الرمال. حتى الأصوات… بدت مكتومةً وبعيدة.
لأنهم كانوا… طيبين جدًا.
لا صوت. لا صدمة. لم يتطلب الأمر منها سوى ضربةٍ واحدة، فتناثر رأس ذلك النصف بشري بعيدًا.
لم يكن ذنب راينهارد، الذي حُمِّلَ أقدارًا قاسيةً لا يستطيع شخصٌ واحدٌ حملها وحده.
«تيريشيا، أنا…»
////
ارتجف وجه ويلهيلم المتجعد، ونبرته متعثرة.
«تيريشيا، أنا—»
يالها من هيئةٍ غير لائقة، أمام ابنه وحفيده أيضًا! أين ذهب ذلك الوقار الصلب الذي عرفته عنه دائمًا؟
ومع ذلك، بلغها صوت ويلهيلم. بلغ قلبها.
…ولكن، إن فكرت بالأمر، لطالما كانت تلك اللحظات القليلة التي يسقط فيها قناعه من أكثر الأشياء جاذبيةً فيه.
«—نائب القائد، أنا حقًا لا أفهم ما تشير إليه. يبدو أنك تحت وهمٍ بأنني قطعت قديسة السيف السابقة.»
«هيه، ويلهيلم…»
«أرى ذلك. مباركٌ لك. هذه خطوةٌ أخرى نحو حلمك، أليس كذلك؟».
كان صوتها مبحوحًا… لكنه حمل رنينًا شابًا غريبًا، وكأن الزمن لم يمر بها.
يا للحرج… صوتي يبدو تمامًا كما كان يوم وقعتُ في حبِّه.
«——»
«أعترف أنني شعرت بالخيبة حين هُزِمتُ أمامكِ. لكنني أدركت بعدها أنني حقًا أحب السيف. أنا ممتن لكوني وُلدت في هذه العائلة، ممتن لإخوتي الصغار، وممتن لكِ، أختي الصغيرة… ممتن للسيف على كل ذلك.»
شعرت بالإحراج من مجرد التفكير في العودة إلى ذلك الماضي البعيد. حتى مع إدراكها أن وقتها كان ينفد، بقيت تحدِّق في عينيه.
—في تلك اللحظة، انهارت السدود التي احتجزت مشاعر ويلهيلم طويلًا.
«أنا أعارض هذا بشدة! ماذا تفكرين بحق؟!»
لكن لا بأس. لقد قالت له كل ما أرادت قوله بالفعل. وكانت واثقةً أن ويلهيلم فهمها تمامًا.
السنوات التي أفناها إخوتها في صقل مهاراتهم بالسيف… سُحِقَت بلا رحمة أمام موهبة تيريشيا الخارقة.
هو مَن كان بحاجةٍ إلى الوقت، كان بحاجةٍ إلى الفرصة، كان بحاجةٍ إلى العثور على الكلمات الصحيحة.
ورغم ذلك، لم تتوقف تلك الهلوسة اللانهائية عن التردد في رأسها.
أما تيريشيا ،فقد اكتفت بالانتظار بصمت. سيجعلها تنتظر لكنُّه لن يخيب ظنها. ذلك هو الرجل الذي أحبَّته… ويلهيلم تيرياس.
ذلك هو الرجل الذي امتلك ما يلزم ليكون زوجها…
ومع ذلك، كانت على يقينٍ من أنه سيكون هناك، في تلك الساحة، إن ذهبت إليه.
ويلهيلم ڤان أستريا.
سرعان ما فقدت اهتمامها. إن كان سيعامِلها بهذه الفظاظة، فلن تكلف نفسها عناء التظاهر بالمجاملة.
«هناك شيءٌ… عليَّ أن أخبركِ به.»
«… أجل… بالطبع.»
«——»
«——»
«أنا-أنا لطالما كنتُ ضعيفًا في التعبير عن مشاعري، وأرهقتكِ بذلك… طوال عشرين عامًا، لم أقوَ يومًا على أن…»
لم يكن ذنب هاينكل، الذي كان مخلصًا، وبذل قصارى جهده في دراسة فن السيف، رغم أنه لم يُجْزَ عن ذلك.
«——»
«——»
«— احملي سيفك، تيريشيا».
«لا بد أنني أقلقتكِ طوال تلك السنوات، لكنني—»
وهكذا، غدا مشهد وجودهما معًا في تلك الساحة المخفية أمرًا مألوفًا.
«—أحمق.»
نوت الاستماع إليه بصمت، لكن رؤيته وهو يعاني بهذه الصورة كانت أكثر مما تحتمل.
التقت نصالهما مجددًا، تتشابك، تتناطح، تتألق في صداماتٍ لا تنتهي.
ضحكت، ما الذي يحاول قوله حتى؟
«ألم تلاحظ قط؟»
مدَّت يدها إلى وجنته، حيث كان يكافح بكل ما أوتي من قوة، وجهه على حافة الدموع، يعتصر عقله ليعبِّر عما في قلبه.
كان جسدها ثقيلاً جدًا، لم يعد فيها سوى ذرة من القوة، لكنها صبَّت كل ما تبقى لها منها في أطراف أصابعها؛ لتجفِّف دموع عن وجنتيه.
كان جسدها ثقيلاً جدًا، لم يعد فيها سوى ذرة من القوة، لكنها صبَّت كل ما تبقى لها منها في أطراف أصابعها؛ لتجفِّف دموع عن وجنتيه.
لقد ساعدني الكثير من الناس، والتقيتك أنت يا ويلهيلم.
«——»
تمكنت من الوصول إليه بالكاد.
وبوصفه قائد الحرس الملكي، كان على ويلهيلم تكريس كل وقته وجهده لهذا الأمر.
لكن ذلك… كان كافيًا.
كان الجرح على كتفه عهدًا بلقاءٍ قادم—
«أنا ويلهيلم ترياس».
بما تبقى لها من قوة، مسحت دموعه برفق؛ دموع الرجل الذي أحبته.
«تيريشيا.»
«كنتَ تقولها دائمًا.»
هل ظن أنه يخفيها؟
لهذا، سواء كانوا رجالًا أو نساءً، ليس لأحد من أفراد آل أستريا أن يعيش بعيدًا عن السيف.
هل اعتقد أنه قد كتمها لمجرد أنه لم ينطق بها؟
«عيناك، صوتك، تصرفاتك، أفعالك— كلها. أخبرتني بذلك في كل يوم.»
لهذا، سواء كانوا رجالًا أو نساءً، ليس لأحد من أفراد آل أستريا أن يعيش بعيدًا عن السيف.
—وفي ذلك اليوم، انهار عالمها بالكامل.
لقد نذر ويلهيلم كل شيء لتيريشيا.
«— احملي سيفك، تيريشيا».
وما كان بحاجة إلى كلمات؛ لأن أفعاله وحدها كانت أصدق تعبير عن مشاعره.
وهكذا، بما أن شيطان السيف لم يكن قادرًا على المشاركة، فقد طلبوا من تيريشيا أن تنضم بدلًا منه… بصفتها الشخص الوحيد الذي لا يزال يحمل بركة قديسة السيف ولقبها، رغم مرور سنوات طويلة منذ آخر مرة أمسكت فيها بسيف.
كان جواب راينهارد صاعقًا.
«تيريشيا، أنا—»
ارتجف وجه ويلهيلم المتجعد، ونبرته متعثرة.
كان ذلك استقباله.
«أعلم.»
كان ذلك كافيًا.
التواء الألم في ملامح شقيقها الأكبر كان شديدًا، وكأن صوته اخترق قلبه. لطالما نظر بإعجاب إلى قديس السيف، وحين سمع هذا التوبيخ منه، لم يستطع سوى أن يتألم بصمت. كان شقيقاها الآخران، اللذان أُحضرا ليشهدا الأمر، يحملان التعبير ذاته على وجهيهما.
«—أحبك.»
رغبت في أن تكرهه، في أن تلقي اللوم عليه. فلولاه، ربما استطاعت أن تُبقي على حقيقة امتلاكها لبركة قديسة السيف طيَّ الكتمان.
سرعان ما فقدت اهتمامها. إن كان سيعامِلها بهذه الفظاظة، فلن تكلف نفسها عناء التظاهر بالمجاملة.
من البداية وحتى النهاية، كانت بلا شك حياة مباركة.
كان لديَّ إخوة أتفاهم معهم، ووالدان أحاطاني بالحب، وأصدقاء اعتنوا بي.
صرخ هاينكل محاولًا الإمساك براينهارد، لكن الأخير أفلت من قبضته بسهولة وأمسك بوالده قبل أن يتعثر ويسقط.
ويلهيلم ڤان أستريا.

«… أحمق…».
«لحمايتكِ.»
لقد ساعدني الكثير من الناس، والتقيتك أنت يا ويلهيلم.
لا شك أن المشاكل ستظل قائمة.
لكنني أؤمن أنكم جميعًا ستكونون بخير.
لأنني أحبكم جميعًا.
ورغم ذلك، لم تتوقف تلك الهلوسة اللانهائية عن التردد في رأسها.
قالها بصوت خافت، ثم أدار ظهره لراينهارد، وهكذا، أُغلِق السؤال الفاصل بين الجد وحفيده من دون أن يتبادلا حتى النظرات.
منذ البداية وحتى النهاية، أحببتكم دائمًا.
لم يقتصر الأمر على جديته القاتمة، بل كان هناك ما هو أشد وقعًا على تيريشيا.
كان هناك حقلٌ صغير من الأزهار الصفراء الزاهية، نَمَت بحرية، دون أن يرعاها أحد.
لا أملك سوى ندمٍ واحد… سؤالٌ لم أتمكن من طرحه.
كان من الأسهل أن تقتنع بذلك. لكنها أدركت أن الحقيقة ليست كذلك.
ما مدى دهشتك لو أخبرتك أنني وقعت في حبك منذ اللحظة الأولى التي تلاقت فيها أعيننا؟
وقف هناك، ينظر إليها بغضب، بينما التزمت تيريشيا الصمت.
《١٣》
واستغلت تيريشيا لحظة ذهوله، فمدَّت يدها بهدوءٍ ومرَّرتها على كتفه، مخدوشةً إياه بأظافرها. منذ زواجهما، تمكنت من السيطرة على بركة حاصد الأرواح، لكنها هذه المرة… استخدمتها بكامل إرادتها.
«قديس السيف القادم هو تيريشيا. لا مجال للشك في ذلك.»
بعد لحظة أخيرة جمعتهما معًا، حان الوقت.
وقف هناك، ينظر إليها بغضب، بينما التزمت تيريشيا الصمت.
ابتسمت وكأنها راضية، وقد احمرَّت وجنتاها في مظهر بديع بينما غمرت عينيها الدموع. ثم انهار جسد تيريشيا ڤان أستريا في أحضان ويلهيلم في غمضة عين، متحولًا إلى رماد.
آخر دفءٍ ستشعر به بين ذراعيه. وبينما كان يحتضنها، رفعت تيريشيا رأسها قليلًا وقبَّلت الجرح النازف على كتفه.
«—كفى، هاينكل.»
«——»
شعرٌ بنيٌّ طويلٌ مربوطٌ للخلف، ملامح متناسقة لكنها تنطق بالحدة، جسدٌ ممشوقٌ معتادٌ على التمرين، وهالةٌ شرسة تنبعث منه بكل وضوح.
تمكنت من الوصول إليه بالكاد.
تيريشيا أحرقت آخر ما تبقى من حياتها وعادت إلى التراب. ألقى ويلهيلم نظرةً صامتة على ما تبقى منها، مطأطئ الرأس.
بزيٍّ رسمي وسيفٍ احتفالي، راودت تيريشيا الشكوك في عقلها.
«… هل ارتحت الآن؟»
«… إنه نصري.»
«——»
انطلق صوت هاينكل، قاطعًا الصمت.
متظاهرةً بعدم الاكتراث، راقبت تيريشيا أسلوبه بالسيف خلسةً، ولم تستطع إخفاء دهشتها.
لكن لا بأس. لقد قالت له كل ما أرادت قوله بالفعل. وكانت واثقةً أن ويلهيلم فهمها تمامًا.
تألقت عيناه بالكراهية وهو يحدِّق براينهارد، الذي راقب المشهد من جانبه. التفت راينهارد إليه وأخذ نفسًا خافتًا.
لماذا أنعم بها على تيريشيا، التي ظلت تهرب من السيف؟
«ماذا تعني بقولك ”ارتحت“؟»
«كنتُ أناديكِ في رأسي باسم ”فتاة الأزهار“ حتى الآن».
هاينكل انحرف عن طريقه، ولويانا تاهت في أحلامها، وراينهارد لم يرد سوى أن يُحَبَّ مجددًا.
«لا تتظاهر بالغباء! أعني ما سمعته! لا بد أنك سعيد الآن! لقد حصلت على لقب قديس السيف بكل معانيه! تهانينا! والآن لا مجال لإنكار الشائعات التي تقول إنك سلبت البركة وتسببت في موت قديسة السيف السابقة! أليس هذا ما أردته؟!»
أما ذلك الذي وقف أمامها الآن، فقد كان… شيطان السيف. كان يحمل نصلًا بليدًا صدئًا.
«لا أستطيع فهم ما تقوله.»
«قديس السيف القادم هو تيريشيا. لا مجال للشك في ذلك.»
بقي السيف مرفوعًا، بينما سقط الجسد بلا حياة، خاليًا من رأسه. وفي اللحظة التالية، تحوَّلت أنظار الأعداء من حولها إليها، لتتوجه نحوها موجةٌ من العداء القاتل.
«لا تتصنَّع البراءة أيها الوغد!»
يا للحرج… صوتي يبدو تمامًا كما كان يوم وقعتُ في حبِّه.
للمرة الأولى منذ عقود، استدعاها البلاط الملكي، ليس بصفتها مجرد لقبٍ زائف، بل بصفتها قديسة السيف الحقيقية. لقد طلبوا منها الانضمام إلى الحملة المرسلة لاصطياد الحوت الأبيض، أحد الوحوش الشيطانية الثلاثة العظمى التي تهدد سلام العالم.
صرخ هاينكل محاولًا الإمساك براينهارد، لكن الأخير أفلت من قبضته بسهولة وأمسك بوالده قبل أن يتعثر ويسقط.
— عندها شعرت بحضورٍ حادٍّ يقترب.
كان الأمر أشبه بعرضٍ يبرهن على أنه ليس حتى نِدًّا لابنه. ولم يكن لذلك سوى أن يزيد من حنق هاينكل، فقبض على أسنانه بغيظٍ شديد.
يا له من رجل سيئ… يأتي بكل هذه الكلمات الرنانة عن السرقة والحماية، ثم لا يفهم شيئًا عن قلب امرأة.
«لا تتفاخر بنفسك، راينهارد…!» صرخ هاينكل بصوتٍ مشحونٍ بالغضب، ولفظ كلماته مصحوبةً برذاذ من فمه، متهمًا ابنه بلهجةٍ متهدجة: «لا شيء مما تقوله يمكن أن يغير ما رأيته بعينيَّ. الحقيقة أن يدك امتدت نحو أمي… أنك أنت مَن قطع تيريشيا ڤان أستريا! سأشهد بذلك، وسأتأكد أن الجميع يعلم! لن يعترف بك أحدٌ كقديس السيف بعد الآن!»
من خلال تلك الشفرة، شعرت بآلاف الأيام من صقل الذات، بانغماس الجسد والروح في التدريب.
«——»
الصوت الذي لم تسمعه منذ زمنٍ طويل. منذ التقت بويلهيلم، منذ بدأت مشاعرها تجاهه تتبلور، بدا وكأن ذلك الصوت قد ابتعد عن تيريشيا شيئًا فشيئًا.
«أنا واثق أنك ستختلق أعذارًا لتحتفظ باللقب، وقد أفلت من كل شيء حتى الآن، لكن ذلك لن ينفع بعد الآن. قديس سيف قتل جدته؟ سيف المملكة؟ ها! لا تضحكني! أنت مجرد قاتل!»
«—نائب القائد، أنا حقًا لا أفهم ما تشير إليه. يبدو أنك تحت وهمٍ بأنني قطعت قديسة السيف السابقة.»
تذكَّرت تيريشيا وعد ويلهيلم… وعدها بأنه لن يدعها تحمل السيف مجددًا.
كان قد اختبر المعاناة ذاتها التي عاشتها تيريشيا. ولهذا، ترك لها تلك الكلمات الأخيرة… كلمات الاعتذار. لقد أدرك تمامًا ما فرضته المملكة على تيريشيا، ومدى قسوة ذلك المصير.
«… هاه؟»
أجاب راينهارد ببرود بينما ضغط هاينكل عليه بانفعال. اتسعت عينا هاينكل من الدهشة، لكن راينهارد لم يكن يحاول تقديم أعذار.
كان ببساطة يصرِّح بحقيقة باردة قاسية.
حتى لو لم تتعمد إلحاق الضرر بالآخرين، تربص الخطر بها في كل لحظة من حياتها اليومية. بركتها لم تميز، وخطأ بسيط أو حركة غير محسوبة كفيلان بكشف ما حاولت إخفاءه.
«العدو الذي رأيناه كان مجرد جثة تحركها قوة شريرة. لا يمكن أن تكون تلك قديسة السيف السابقة… لا يمكن أن تكون جدتي. ربما أسأت الفهم؟»
بقي وحده، يحدق في الأرضية تحت قدميه بعينين محمومتين، يصرخ في جنون، يعتصر رأسه بكفيه، قبل أن يركل سيفه الملقى على الأرض بجنون.
مع كل ضربة سيف، تعاظمت مشاعرها. أرادت أن تُسقط نصلها، أن تهرع إليه، أن تلقي بنفسها بين ذراعيه.
«——»
«—كفى، هاينكل.»
كان جواب راينهارد صاعقًا.
لكن… كان هناك فراغٌ ما، إحساسٌ وكأنها فقدت جناحيها—
لم يقطعا عهدًا باللقاء مجددًا.
غرس هاينكل يده في شعره الأحمر وعبث به بجنون، ثم انبعثت من حلقه ضحكة مبحوحة وارتسمت على وجهه ابتسامة جنونية.
«كفى يا هاينكل… فقط… كفى…»
«إذًا… ما الذي رأيناه الآن؟ ما الذي دار بينك وبين أبي؟ ما الذي كان يحدق بنا بذلك الاستياء…؟ ما الذي كان ذلك إن لم يكن أمي؟!»
هل ظن أنه يخفيها؟
«—كفى، هاينكل.»
جميعهم حملوا سيوفهم وخاضوا ساحات القتال بدلًا عنها… وجميعهم لقوا حتفهم.
«——»
كانت أسنان هاينكل مكشَّرة، تسيل كلماته بسمٍ يفوق الحقد ذاته، لكن صوت ويلهيلم هو مَن أوقف فورانه أخيرًا.
«ما الذي تفعله امرأةٌ في مكانٍ كهذا في هذا الوقت المبكر؟».
كان العجوز لا يزال جاثيًا على الأرض، ففك معطفه عن خصره ومزَّق كُمَّه، ليضمد به الجرح العميق في ساقه اليمنى، حيث غُرِزَ سيفها الطويل.
لماذا، بينما أمكنهم فعل أي شيء آخر؟ لماذا لم يتركوه وراءهم ببساطة؟
ضحكت، ما الذي يحاول قوله حتى؟
كانت بركة حاصد الأرواح هي ما أبقت جراحه نازفة، لكنها تلاشت في اللحظة التي اختفى فيها وجود تيريشيا. أما الخدش القديم على كتفه الأيسر، فقد حمل الأثر نفسه.
كرهت تيريشيا نفسها لأنها لم تبح بذلك مباشرةً، وكأنها تترك لنفسها بابًا للهرب.
—لم يكن في أسلوبه أي شائبة.
لقد نُقِشت الندبة على كتفه الأيسر عندما كانت تيريشيا على قيد الحياة، أما ساقه اليمنى، فحملت ندبة تلقتها منه بعد مماتها. غير أن كلا الجُرحين، وقد كانا محفورين ببركتها، فقدا تأثيرهما الآن.
رغم كثرة المرات التي التقيا فيها، أصرَّ ويلهيلم بعنادٍ على عدم السؤال عن اسمها. ولم يكن ليحدث ذلك إلا لأن تيريشيا ضاقت ذرعًا، وقررت أن تأخذ المبادرة بنفسها.
«ماذا تعني بـ ”كفى“، أبي…؟! هل يروق لك أن تترك الأمور على هذا النحو؟! إنُّه—»
كان من المؤكد أن يكون لهذا السؤال إجابةٌ مختلفة الآن.
«كفى يا هاينكل… فقط… كفى…»
وربما كان الأمر أبسط من ذلك…
للمرة الثانية، طلب ويلهيلم منه أن يضع حدًّا لكل هذا.
مدَّت يدها إلى وجنته، حيث كان يكافح بكل ما أوتي من قوة، وجهه على حافة الدموع، يعتصر عقله ليعبِّر عما في قلبه.
—لا أستطيع الاكتفاء منه.
بسط معطفه على الأرض، وبدأ يجمع به رماد تيريشيا، فلم يكن بوسعه أن يتركها تتلاشى مع الريح.
ساحة قتالٍ جحيمية، تملؤها الصرخات والهتافات المدوية، ممتزجةً برائحة الدم والدخان. وسط هذا المشهد المفزع، عادت إلى ذهن تيريشيا ذكريات معركتها الأولى المريرة، تتوالى أمام عينيها.
كان أقل ما يمكنه فعله أن يصطحبها معه، ليضعها في مرقدٍ يليق بها، بين عائلتها التي أحبتها بكل قلبها.
شعرت تيريشيا بالراحة مع تلاشي وجوده بعيدًا. ومع ذلك، لم تتوقف عن التلويح بسيفها. واصلت حصد الأرواح.
«أبي، لا ينبغي لك…»
«—غخ.»
صوت عمها، ونظرات شقيقها التي التقت بعينيها، مزقا قلبها.
ظل هاينكل في مكانه، عاجزًا عن اللحاق به، غير قادر على مناداته.
نظر هاينكل إلى والده، وغص بالكلمات، وقضم لسانه بغيظٍ مرير.
كان الاحتفال مزيجًا بين مراسم تأبين ونهاية حرب أنصاف البشر، كما كان مناسبةً للإعلان رسميًا عن قديسة السيف، تيريشيا ڤان أستريا، وتسليط الضوء على مَن لعبت الدور الأكبر في إنهاء النزاع الداخلي.
وحين انتهى ويلهيلم من جمع الرماد، حاول أن ينهض على ساقين واهنتين.
كان النزيف قد توقف، لكن الجرح كان غائرًا، وقد فقد كمية كبيرة من الدم. مدَّ راينهارد يده إليه فورًا، محاولًا دعمه. لكن—
كانت الإجابة التي منحها إياها هو نفسه ويلهيلم ترياس.
«لا تلمسني!»
«سأتولى أنا السبب الذي يجعلك تمسكين بالسيف. يمكنكِ ببساطة أن تكوني أنتِ السبب الذي يجعلني ألوِّح بسيفي.»
لأنهم كانوا… طيبين جدًا.
انطلق زئير ويلهيلم كسوطٍ مفاجئ، قبل أن تلامس أصابع راينهارد جسده.
هل ظن أنه يخفيها؟
توقف راينهارد، لكن ويلهيلم لم يحاول حتى النظر إليه. لم تلتقِ أعينهما، بينما زفر شيطان السيف بهدوء.
«لماذا تلوِّح بسيفك؟».
«راينهارد…»
لم يكن مستعدًا لسماع هذا السؤال، بعد كل هذه السنوات، تجمَّد في مكانه، مشدوهًا بابتسامة زوجته.
«لا أريد أن أموت…»
«—نعم، سيدي.»
«هل… بدأت تحب الزهور؟»
كما حدث دائمًا، تجلى المسار الذي يراه الاله المحب لابنته. ذلك المسار الذي لا يقود سوى إلى مذبحة. إلا أن ما كسره ليس سوى اجتهاد شيطان السيف… اجتهاده الذي لم يعرف الكلل.
على عكس صوته المرتجف، جاء صوت راينهارد مهيبًا، ثابتًا لا تشوبه ذرة اضطراب.
لكن ذلك… كان كافيًا.
أغمض ويلهيلم عينيه للحظة عند إدراكه ذلك، ثم واصل حديثه:
ذلك هو الرجل الذي امتلك ما يلزم ليكون زوجها…
«هل تندم على قطع تيريشيا… جدتك؟»
كان ملقى على الأرض، وجهه ملطخٌ بالدماء، وعيناه شاخصتان نحو خصمه.
وفي الحقيقة، أوفى بوعده. عاشت حياةً هانئة، تحيط نفسها بالزهور، في ظل حمايته. لكن حان الوقت لتوديع تلك الحياة.
«——»
—كان الخط الدفاعي حول مسقط رأس ويلهيلم على وشك الانهيار.
ساد الصمت برهة.
لعلَّه تجاهل السؤال ببساطة، معتبرًا إياه بلا معنى، تمامًا كما فعل مع هاينكل من قبل.
قالها بصوت خافت، ثم أدار ظهره لراينهارد، وهكذا، أُغلِق السؤال الفاصل بين الجد وحفيده من دون أن يتبادلا حتى النظرات.
لكن بعد لحظة من التوقف، جاء رده:
«محميّةً بسيفك؟»
«لا، سيدي. لقد فعلت ما هو صحيح. لا أشعر بأي ندم.»
«… أجل… بالطبع.»
«——»
احملي سيفكِ، تيريشيا.
«أنتَ على حق. كنت أنا المخطئ… ليس لديَّ ما أقوله لك بعد الآن.»
قالها بصوت خافت، ثم أدار ظهره لراينهارد، وهكذا، أُغلِق السؤال الفاصل بين الجد وحفيده من دون أن يتبادلا حتى النظرات.
«أنا واثق أن هناك أماكن أخرى تحتاج إلى قوتك في أنحاء المدينة. أشعر بقلق خاص على السيد غارفيل، فقد انفصل عني أثناء القتال. إن سمحت لي، قديس السيف راينهارد.»
فتحت عينيها ببطء، فرأت وجهًا أرهقته السنوات.
«——»
لو سمعهما أحدٌ من الخارج، لربما بدا سؤالهما خارج السياق تمامًا. لكنه كان كافيًا لهما وحدهما.
حبس راينهارد أنفاسه عند سماع ذلك التصريح البارد المتجرد. لكنه استقام، ثم أخيرًا، ألقى نظرة نحو هاينكل.
«لأنه كل ما أملك.»
«—!»
كان هاينكل يغلي بالحقد، وعندما شعر بنظرة راينهارد، تصلب جسده قليلًا، لكنه لم ينبس ببنت شفة. تجاهل راينهارد ذلك الارتعاش الطفيف، وصرف بصره عنه.
«—نعم، سيدي.»
وبينما كانت رائحة الحديد الخانقة تملأ المكان، وجدته.
«الأوضاع خطرة في الخارج، نائب القائد. من الأفضل أن تتوجه إلى أحد الملاجئ… مع السيد ويلهيلم.»
«مـ-ما حاجتي إلى نصيحتك؟! ارحل من هنا فحسب!»
وفجأة… لم تعد تذكر ما حدث.
لقد تخلَّت عن كل شيء لإخوتها، وألقت بالمسؤولية على عاتق عمها، وتركتهم جميعًا يلقون حتفهم.
إلى آخر لحظة، لم يكن في صوته ذرة دفء. استدار راينهارد، وانخفض بجسده قليلًا، ثم وثب عاليًا ليشق سماء الليل.
لم يكن ذنب هاينكل، الذي كان مخلصًا، وبذل قصارى جهده في دراسة فن السيف، رغم أنه لم يُجْزَ عن ذلك.
وفي لمح البصر، اختفى قديس السيف عن الأنظار. تأمل هاينكل تلك القوة الخارقة للحظة، قبل أن يبصق على الأرض بامتعاض عندما لم يعد راينهارد في مدى بصره. ثم اندفع ليلحق بوالده، الذي كان يسير متثاقلًا، يجرُّ ساقه المصابة خلفه.
«أبي، لا ينبغي لك…»
كان ببساطة يصرِّح بحقيقة باردة قاسية.
«——»
«دعني وشأني. لا أريد أن يرى أحد وجهي الآن.»
«أبي…»
«لا داعي لأن تقلق عليَّ… فقط اعتنِ بسلامتك. هذا أكثر من كافٍ…»
لكن لمَّا نظرت إليه، لمعت في عقلها فكرة واحدة صادمة:
تناهى إلى سمعها صوتٌ وسط أتون المعركة. كان صوت خادمتها، تلك التي لم تتخلَّ عنها يومًا، والتي بقيت إلى جانبها رغم كل شيء.
كان صوته مبحوحًا، كأنَّه يهمس بتلك الكلمات لتكون عزاءً أو ربما قناعًا يخفي به ألمه، ثم واصل المضيَّ قدمًا، محكمًا قبضته على رماد زوجته، الذي لفه في معطفه. ظل يسير بخطًى ثقيلة، يتهادى بعيدًا، حتى تلاشى ظهره عن الأنظار.
لكن ذلك لم يحدث. لم يكن تغيُّره إلا ليجعله أكثر قيمةً في نظرها.
مدَّت يدها إلى وجنته، حيث كان يكافح بكل ما أوتي من قوة، وجهه على حافة الدموع، يعتصر عقله ليعبِّر عما في قلبه.
«——»
ظل هاينكل في مكانه، عاجزًا عن اللحاق به، غير قادر على مناداته.
كم مرة لوَّح بسيفه وهو يفكر بها؟
وحين تلاشى ظل والده تمامًا عن ناظريه، لم يكن منه إلا أن…
«لمـ… لماذا… لماذا، لماذا، لماذا، لماذااااا؟!»
—إن كان سيفًا، فإن قديسة السيف يجب أن تفهمه.
بقي وحده، يحدق في الأرضية تحت قدميه بعينين محمومتين، يصرخ في جنون، يعتصر رأسه بكفيه، قبل أن يركل سيفه الملقى على الأرض بجنون.
«لأنه كل ما أملك.»
ارتدَّ سيف أستريا اللامع على الحجارة، متراقصًا كحجر يتقافز فوق صفحة الماء.
«كلا، أكرهها.»
«تبًّا، تبًّا، تبًّا! ليذهب الجميع إلى الجحيم! تبًا!»
كانت العاصمة قد فقدت بريقها وغرقت في الكآبة جراء الحرب الأهلية المستعرة، وساد الشوارع جوٌّ من الكآبة الثقيلة. تجنبت تيريشيا التجوُّل في تلك الطرقات المعتمة، وبدلًا من ذلك، قادتها قدماها إلى أطراف العاصمة، حيث حيٌّ من المباني المتهالكة.
—حتى جاء اليوم الذي انتقلت إليها بركة قديس السيف بينما كانت تعتني بحديقتها.
صرخة هاينكل المغموسة بالدماء دوَّت في الساحة المهجورة، حيث تُرِك وحيدًا تمامًا.
صرخ وصرخ، وتعالت صيحاته المفعمة بالحقد والحزن، مترددةً في الأفق البعيد—
وهكذا انتهت ساحة المعركة التي اجتمع فيها الجد والأب والابن— عائلة أستريا بأكملها.
«—تيريشيا، هل أنتِ خائفة؟»
كان ناعمًا وأنيقًا… لكنه بدا غريبًا تمامًا وسط هذا الخراب. ظهرت فتاة ذات شعرٍ بلاتيني من بين الضباب الكثيف. كان على وجهها ابتسامةٌ لطيفة، وفي عينيها بريقُ مودةٍ غامضة، وكأنها تنظر إلى صديقٍ مجهول بعاطفةٍ غير مشروطة.
لقد رحلت المرأة التي كانت جدةً وأمًّا وزوجة.
قفزت ذاكرتها إلى الأمام.
لحظة تيريشيا ڤان أستريا الأخيرة تركت ندوبًا لا تمحى في قلوبهم الثلاثة.
بينما تحدق بصمتٍ في الأرض، سمعت ذلك الصوت العتيق المألوف يتردد في أذنها.
وبذلك، أسدل الستار على المعركة الأخيرة دفاعًا عن بريستيلا.
«——»

«كلا، أكرهها.»
////
حسابنا بتويتر @ReZeroAR
«——»
