31 - حديثٌ بين رفيقَين.
اتَّسعت عينا سوبارو فجأة حين أمسكت به يدٌ قوية من كتفيه، تدفعه ليلتفت.
ولتطمئن ريم، وهي محاطة بالقلق وفاقدة للذاكرة، لم يعُد مقبولًا منه أن يظهر أمامها بصورةٍ بائسةٍ ولو للحظة واحدة.
تلك الخوذة الحديدية التي حدَّقت به―― أو بالأحرى، تصرُّف آل، بدا غير متوقَّع البتة.
سوبارو: «――――»
حتى هذه اللحظة، لم يكن سوبارو يولي زيَّ آل أهميةً تُذكر، وكان يراه ضربًا من التصرُّف الغريب. غير أنَّه، عندما حاول مواجهته وسبر دوافعه، أدرك فجأة أن تلك الخوذة درعٌ يحجب أكثر مما يُظنُّ.
لكن الآن… لم يعد في وسعه أن يكون ضعيفًا على هذا النحو.
كان من الصعب تجاهل ذلك القبض القويِّ على كتفه، فقد بدا جليًّا أنَّ الغاية منه منع سوبارو من أن يهوي برأسه على الجدار، ويُلحق الأذى بنفسه.
آل: «ينبغي عليك أن تتوقَّف.»
آل: «همم؟ ما الأمر، يا صاح؟»
سوبارو: «… آه.»
التقت نظراتهما، وخرج زفير مكتوم من صدره حين تكررت كلمات النهي تلك.
آل: «――حسنٌ إذًا… سأساعدك، يا صاح.»
للحظة، شعر سوبارو بوخز من الخجل يصعد من أعماق جوفه، وكأنَّه عُوتب على سلوكه الغريب. بدا الأمر كما لو أنَّه شخصية في لعبة اصطدمت بالجدار مرارًا، دون أن تعي ما تفعل.
آل: «لقد بدأتَ هذا الطريق. وأنا أقولها لك صراحةً… هذه سمعةٌ عليك أن تصونها حتى الممات.»
بل الواقع أنَّه لم يكن يعي حقًّا ما كان يفعله، وهو ما جعل الأمر أشدَّ إيلامًا.
ورغم علمه… بأنَّ عدد مَن فقدوا أطرافهم، وانقطعت دروبهم، كان يمكن أن يقلَّ كثيرًا.
آل: «لا تجيء باكيًا لاحقًا إن فقدتَ صوابك بسبب هذا. لا، بل لأني لم أستطع أن أتركك على تلك الحال، جئت لأوقفك.»
سوبارو: «لا تعرفها، ومع ذلك تعرفها… هل كنتَ تقصد رام؟»
سوبارو: «… آسف إن سببتُ لك إزعاجًا.»
آل: «ما كلُّ هذا التكلُّف؟ ثمَّ إن صوتك خشن إلى حدٍ أرعبني.»
حين نبَّهَه آل إلى أنَّ صوته بدا أجشَّ على نحو مقلق، ابتسم سوبارو بسخرية من نفسه.
ذاك الذي انهار تمامًا، وذاك الذي أتى بهذا الانهيار إليه، لم يكن سوى شخص واحد… هو نفسه.
آل: «أجل، أنا أفهم شعور الرغبة في الموت. لكن، مهما فعلت، لن تصل إلى نهاية لهذا النوع من الأمور.»
وهذا طبيعي… فريم، لم تكن إلا مَن قالت له――
آل: «――هل بلغ بك الألم إلى هذا الحد، بعد ما سمعته منها؟»
سوبارو: «――――»
ألم يكن هذا تكرارًا لما فعله في القلعة الملكية؟
سوبارو: «――هك.»
ففي ذلك الوقت، خسر سوبارو ثقة إميليا وتوقُّعاتها، وسقط تقديره في أعين المرشَّحات الملكيات. وما جعله قادرًا على استعادة تلك الثقة لاحقًا… كان أفعاله.
آل: «أوه، مخيف! لا تحدِّق بي هكذا… سأتوتر إن واصلت التحديق بتلك النظرة.»
وبينما كان هذا الانطباع القديم عن آل يتغيَّر في داخله شيئًا فشيئًا، قال:
عندها أكمل آل بجدية:
رفع سوبارو بصره فجأة، كما لو أُصيب برصاصة، فيما آل اكتفى بهزِّ كتفيه وكأنَّه يمازحه.
تلك النظرة الحادة جعلت آل يتراجع قليلًا، غير أنّ سوبارو لم يتأخر في تقليص المسافة بينهما، وواجه كلامه السابق وجهًا لوجه.
سوبارو: «لا بأس… لا، عن أي شيء تتحدَّث!»
فبفضل مَن حوله في معسكر إميليا، بات على درايةٍ تامة بكيفية تصرف الناس حين يُنسى أحد التوأمين، رام أو ريم.
سوبارو: «أكنتَ… تتنصَّت؟!»
آل: «ما كنت أقصد التنصُّت، يا صاح. أنت فقط كنتَ غارقًا في حديث مهم حين أتيت لأناديك، فشعرت أنَّ من الوقاحة أن أقطعكما.»
ريم: «――لأنك لستَ بطلًا.»
يبدو أنَّ انهياره المُخزي بدأ بعد مغادرته ريم، وليس أمامها. وهذا كافٍ ليجعله مطمئنًا إلى أنه لم يُثقل عليها بضعفه. وفي كل الأحوال――
سوبارو: «――――»
آل: «حتى لو رمقتني بتلك النظرة المشككة، فأنا لا أكذب. ثمَّ، بعد ذلك، بدأتَ تمشي كأنَّ العالم قد انتهى، فأقلقني أمرك، ولذا تبعتك… وها نحن ذا.»
أشار آل إلى مقدِّمة خوذته وهو يتحدَّث.
سوبارو: «لا بأس… لا، عن أي شيء تتحدَّث!»
وكما ظنَّ، لم تخيِّبه توقُّعاته. لم يكن يتعمَّد مراقبة سوبارو عن كثب، بل إنَّ حاله كانت واضحة كالشمس، لا تخفى على عين.
سوبارو: «… آه.»
وعند تلك الإشارة، عاد الألم ينبض في جبين سوبارو، حيث ظلَّ يضرب رأسه، تمامًا في الموضع الذي أشار إليه آل، فخفض عينيه بخجلٍ ثقيل.
سوبارو: «… إلى الأبد.»
سوبارو: «… ريم.»
سوبارو: «… لا شيء.»
آل: «همم؟»
ارتطم ظهر سوبارو بالجدار خلفه، فلم يعد قادرًا على التراجع أكثر. ومع تلك الحركة، مدَّ آل ذراعه، وسدَّ طريق الفرار، ثم قال بلهجةٍ حازمة:
سوبارو: «صحيح… ماذا حدث مع ريم؟ أعني، بعد أن تحدَّثَت إليَّ…»
فمن الطبيعي أن يشعر بالحيرة حين يرى ريم، وهي نسخة مطابقة لرام، التي يعرفها.
――أنت تعرف شيئًا، أليس كذلك؟
آل: «مهلًا، مهلًا… لا تخبرني أن الصدمة اللي أصابتك بسبب ما قالته تلك الفتاة أفقدتك ذاكرتك؟ أرجوك، أرحني! إن أصابك فقدانُ ذاكرة، سأفقد رفيقي الوحيد.»
وليس، بأيِّ حال، ضربه رأسه بالحائط يائسًا، كما فعل الآن.
أجاب آل وهو يعبث بقفل خوذته المعدني، يمرِّر أصابعه حول رأسه بانزعاج.
سوبارو: «هذا لا يُضحك.»
لم يكن سوبارو يعرف تمامًا تفاصيل تجربة آل، لكنه اعتبر هذا الافتراض آمنًا بما يكفي.
لكن، ويا للأسف، ما خشيه آل قد حدث بالفعل. ومع ذلك، فبالنسبة إلى سوبارو، ما عايشه لا يقلُّ خطورةً عن فقدان الذاكرة. لذا لم يكن غريبًا أن يتزعزع اتزانه النفسي على هذا النحو.
آل: «أحقًا أصدرتَ للتو أغبى صوتٍ سمعته في حياتي، يا صاح؟»
ولعلَّ آل لمح الاضطراب في ملامح وجهه، إذ بادره بعبارة مطمئنة:
آل: «ما قلته؟»
آل: «حتى بعدما شحب وجهك، لا تزال تجيب بشكل طبيعي، يا صاح. لذا أظن أنَّ الفتاة لم تشكُّ بشيء، أليس كذلك؟»
آل: «――هل بلغ بك الألم إلى هذا الحد، بعد ما سمعته منها؟»
سوبارو: «آه… فهمت…»
رغم أنه كان يعلم… أنَّه باستخدام سلطته، لربَّما تمكَّن من التوصُّل إلى نتائج أفضل.
حين سمع سوبارو هذا التأكيد، انفرجت في صدره بارقة ارتياح ضئيلة، بالكاد تُلمَس.
آل: «لكن كلماتها كانت كفيلة بتمزيقك، يا صاح―― ما القصة؟»
يبدو أنَّ انهياره المُخزي بدأ بعد مغادرته ريم، وليس أمامها. وهذا كافٍ ليجعله مطمئنًا إلى أنه لم يُثقل عليها بضعفه. وفي كل الأحوال――
آل: «ما هذا الـ “آه”؟ ما فعلتَه، من تصرُّف أحمق ثم رغبة في الموت، دربٌ مشى فيه كلُّ رجل في مرحلة ما. ولو سألتني، فأنا حتى الآن أقوم بحماقاتي. وعندما أفعلها، تنظر إليَّ الأميرة وكأنِّي حشرة.»
سوبارو: «آل، بخصوص ما قلته قبل قليل… ماذا قصدت؟»
سوبارو: «… إلى الأبد.»
لذلك، لا خيار له سوى أن يُواصل القتال.
آل: «ما قلته؟»
كان سوبارو قد غطَّى وجهه بكفَّيه، غارقًا في ظلمةٍ أعمق من أن توصف بداخل جفنيه، حين باغته صوت آل، فشهق ورفع رأسه بذهول.
سوبارو: «… عندما تحدَّثتَ عن أنَّك تتفهَّم رغبتي بالموت، أو شيء من هذا القبيل.»
وهو يضغط بكفه على جبينه المؤلم، سأل عمَّا قصد آل بكلماته تلك.
آل: «أجل، أنا أفهم شعور الرغبة في الموت. لكن، مهما فعلت، لن تصل إلى نهاية لهذا النوع من الأمور.»
لكن الموت… لا يأتي إلى سوبارو.
أن يقول إنه يدرك شعور الرغبة في الموت، وأنَّه مهما تكرَّر، فلن يبلغ منتهاه.
سوبارو: «… إلى الأبد.»
لم يكن هذا التعبير ممَّا يثير استغراب سوبارو كثيرًا في العادة، غير أنَّه، في هذه اللحظة تحديدًا، بدا ذا مغزى ثقيلًا، وكأنَّه يحمل ما يتجاوز ظاهر القول.
كان عليه أن يفعل كل ما بوسعه ليستعيد تلك الثقة، ويمدُّ لها يده مجددًا.
سوبارو: «――――»
بل، بدا وكأن آل، من خلال كلماته تلك، يلمِّح بأنَّه على درايةٍ بشيء ما… بشيء يخصُّ سوبارو، أو ربما سلطته الغامضة.
آل: «――آه، تقصد ذاك.»
سوبارو: «أجل، ذاك. ما قلته… كان له وقعٌ كبير. أنت…»
――أنت تعرف شيئًا، أليس كذلك؟
سوبارو: «――هاه؟»
كما أنَّه لم يقرِّر بعد، إلى أيِّ مدى، ولأيِّ غاية، ينبغي عليه أن يستخدم السلطة المسماة بالعودة بالموت.
رمقه سوبارو بنظرة يغمرها الشكُّ. ومع ذلك، لم يفلح في النفاذ من خلال خوذته الحديدية الباردة، فلم يظهر له شيء من ملامحه أو مشاعره.
سوبارو: «كنت أتَّكئ على عبارة واحدة فقط من ريم، طَوال هذا الوقت.»
وبينما يظل وجهه مخفيًّا، شهق آل ضاحكًا وقال:
آل: «لا أحبُّ أن أقول هذا، لكنِّي لم أعد صغيرًا، يا صاح. مررتُ بمآزق تشبه ما تمرُّ به… بل إنّي تصرَّفت بغباء من قبل أمام فتاةٍ جميلة.»
سوبارو: «آه…؟»
△▼△▼△▼△
تلك الخوذة الحديدية التي حدَّقت به―― أو بالأحرى، تصرُّف آل، بدا غير متوقَّع البتة.
آل: «ما هذا الـ “آه”؟ ما فعلتَه، من تصرُّف أحمق ثم رغبة في الموت، دربٌ مشى فيه كلُّ رجل في مرحلة ما. ولو سألتني، فأنا حتى الآن أقوم بحماقاتي. وعندما أفعلها، تنظر إليَّ الأميرة وكأنِّي حشرة.»
وإذ بدا سوبارو واقعًا تحت رحمة هذا التغيُّر المفاجئ في الأجواء، لوَّح آل بيده قائلًا: «آسف، آسف.»
ضحك بخفَّة، ثم ربت على كتف سوبارو، يلقنه درسًا من الطراز الذي لا يصدر إلا عن مَن خَبِر الحياة.
حين استوعب سوبارو فحوى كلام آل ونبرة حديثه، ظلَّ يحدِّق إليه، يحاول التمييز ما إذا كان صادقًا أم متصنِّعًا.
كان سوبارو قد غطَّى وجهه بكفَّيه، غارقًا في ظلمةٍ أعمق من أن توصف بداخل جفنيه، حين باغته صوت آل، فشهق ورفع رأسه بذهول.
آل: «همم؟ ما الأمر، يا صاح؟»
سوبارو: «… لا شيء.»
آل: «――آه، تقصد ذاك.»
سوبارو: «لا تعرفها، ومع ذلك تعرفها… هل كنتَ تقصد رام؟»
لكن، حتى لو حاول سوبارو كشف نوايا آل الحقيقية، فلن يُفلح. فخوذته المصنوعة من الحديد الأسود كانت تحجب عنه كل تعبير.
ناتسكي سوبارو كان… عاجزًا، أنانيًّا، مترددًا إلى حد مثير للشفقة. ولذلك――
حتى هذه اللحظة، لم يكن سوبارو يولي زيَّ آل أهميةً تُذكر، وكان يراه ضربًا من التصرُّف الغريب. غير أنَّه، عندما حاول مواجهته وسبر دوافعه، أدرك فجأة أن تلك الخوذة درعٌ يحجب أكثر مما يُظنُّ.
وفي الوقت ذاته، لام نفسه على توتره الزائد.
لكن الموت… لا يأتي إلى سوبارو.
سوبارو: «لا يُعقل أن يكون يعرف، هاه…»
فبفضل مَن حوله في معسكر إميليا، بات على درايةٍ تامة بكيفية تصرف الناس حين يُنسى أحد التوأمين، رام أو ريم.
ربما كانت مجرد صدفة أن كلمات آل صادفت شيئًا أثار قلقه.
دون قصد، خرج من فم سوبارو صوتٌ غبي الملامح: «آهي؟»
فلو كان آل على علم بسرِّ العودة بالموت، لكان أوضح ذلك بوسيلة أصرح، وأسلوبٍ أكثر وضوحًا―― فوجود تلك السلطة بحد ذاته، أمر بالغ الخطورة.
ولو كان على دراية بها، لما امتنع عن التلميح، تمامًا كما فعل روزوال ذات يوم. وفي اللحظة نفسها――
تلك الثقة، وذلك الدعم، كانا السبب في أنَّه استطاع الوصول إلى هذه اللحظة.
وهو يضغط بكفه على جبينه المؤلم، سأل عمَّا قصد آل بكلماته تلك.
سوبارو: «――على ما يبدو، ليس كل مَن يُستدعى إلى عالمٍ آخر يُمنَح قوًى خارقة.»
لم يكن سوبارو يعرف تمامًا تفاصيل تجربة آل، لكنه اعتبر هذا الافتراض آمنًا بما يكفي.
سوبارو: «――――»
فلو كان في جسد آل قوَّةٌ استثنائية، لما انتهى به المطاف إلى فقدان ذراعه اليسرى.
على سبيل المثال، لو أنَّ سوبارو خسر ذراعه في موقف مشابه، لاستطاع الاستعانة بسلطته والعودة إلى ما قبل الحادثة، مانعًا الخسارة قبل وقوعها――
سوبارو: «لا بأس… لا، عن أي شيء تتحدَّث!»
على سبيل المثال، لو أنَّ سوبارو خسر ذراعه في موقف مشابه، لاستطاع الاستعانة بسلطته والعودة إلى ما قبل الحادثة، مانعًا الخسارة قبل وقوعها――
سوبارو: «… بالعودة.»
ردًّا على كلماته، عَقَدَ سوبارو حاجبيه، وراح ينقِّب في ذاكرته، ليتأكد من عدم وجود صلةٍ بين آل وريم―― على الأقل في هذا الخط الزمني.
رافق هذا الخاطر نظرة حادة صوب ذراعه اليسرى، يتأمَّلها بصمت.
سوبارو: «أنا مُنافق.»
فكَّر في الأمر وكأنَّه فرضية، لكنَّها كانت فرضية ممكنة تمامًا. فالسبب الوحيد الذي جعله ينجو، حتى الآن، بجسده سليمًا دون أن يفقد عضوًا، هو استخدامه المتكرِّر للعودة بالموت.
آل: «ما قلته؟»
في مرَّاتٍ لا تُحصى، عبر حلقات الموت المتكرِّرة، فقد سوبارو ذراعًا، أو ساقًا، أو حتى حياته كاملة.
نعم… أليس جوهر ناتسكي سوبارو الحقيقي، هو أن يظلَّ رافع الرأس؟ أن لا يسمح لنفسه أن يُهزَم؟
ولو لم تكن لديه القدرة على العودة بالموت، لَكان قد مضى في حياته ناقص الأطراف، مثخنًا بالخسائر.
――لكن سوبارو كان قد عقد العزم ذات يوم… على ألا يعتمد اعتمادًا كليًّا على تلك السلطة.
ومع ذلك، إلى أيِّ مدى يمكنه حقًّا ألا يعتمد عليها؟
لكن، ويا للأسف، ما خشيه آل قد حدث بالفعل. ومع ذلك، فبالنسبة إلى سوبارو، ما عايشه لا يقلُّ خطورةً عن فقدان الذاكرة. لذا لم يكن غريبًا أن يتزعزع اتزانه النفسي على هذا النحو.
أمام عينيه، كان وجه آل قريبًا، مما جعله يتراجع خطوة إلى الوراء… إلا أنَّ آل تقدَّم هذه المرَّة، في صورةٍ معاكسةٍ لما حدث سابقًا.
كم ذراعًا، كم ساقًا، كم إصبعًا أو عينًا، ينبغي له أن يخسر قبل أن يُجيز لنفسه استخدامها؟ بل، الأسوأ من ذلك―― ماذا لو لم تكن الأطراف المفقودة أطرافه، بل أطراف إميليا… أو ريم؟
آل: «لا علاقة للأمر بذلك. أنا أشجِّعك أنت، يا صاح―― على أية حال، إن كنت ستصبح بطلًا، فلا يمكن لتلك الفتاة أن تُترك خلفك. هذا كل ما في الأمر.»
في مدينة بريستيلا المائية، لم يستخدم سوبارو سلطته من أجل ذراع ريكاردو المبتورة. واليوم أيضًا، لم يستخدمها من أجل ساق ميزيلدا المفقودة.
تلك السلطة المتغطرسة التي يمتلكها ناتسكي سوبارو، كانت ضرورة لا غنى عنها لتحقيق “أوهام البطولة” التي أُلقيت على عاتقه.
على أي حال، بات الآن يفهم مصدر شعور آل بالارتباك.
رغم أنه كان يعلم… أنَّه باستخدام سلطته، لربَّما تمكَّن من التوصُّل إلى نتائج أفضل.
△▼△▼△▼△
ورغم علمه… بأنَّ عدد مَن فقدوا أطرافهم، وانقطعت دروبهم، كان يمكن أن يقلَّ كثيرًا.
في مدينة بريستيلا المائية، لم يستخدم سوبارو سلطته من أجل ذراع ريكاردو المبتورة. واليوم أيضًا، لم يستخدمها من أجل ساق ميزيلدا المفقودة.
سوبارو: «أنا…»
تلفَّظ آل بتلك الكلمة وهو يضع يده على ذقنه، ويهز رأسه مرارًا، بعدما استمع إلى ما قاله سوبارو بصدق.
آل: «――――»
آل: «أوه، مخيف! لا تحدِّق بي هكذا… سأتوتر إن واصلت التحديق بتلك النظرة.»
سوبارو: «أنا مُنافق.»
آل: «――بل ستصبح كذلك. ناتسكي سوبارو سيغدو بطلًا.»
رغم علمه التام بما تنطوي عليه سلطته من جبروت، ظلَّ عاجزًا عن اتخاذ قرارٍ حاسم.
ناتسكي سوبارو كان… عاجزًا، أنانيًّا، مترددًا إلى حد مثير للشفقة. ولذلك――
عليه أن يحمي ريم… ويعيدها إلى المنزل. وعلى عكس ما كان في السابق، لم يعُد هناك مَن يستطيع أن يتحمَّل ذلك عبْره. لأجل ريم―― لم يكن هناك أحدٌ سواه.
سوبارو: «حتى ريم… زوا؟!»
يبدو أنَّ انهياره المُخزي بدأ بعد مغادرته ريم، وليس أمامها. وهذا كافٍ ليجعله مطمئنًا إلى أنه لم يُثقل عليها بضعفه. وفي كل الأحوال――
آل: «حتى لو رمقتني بتلك النظرة المشككة، فأنا لا أكذب. ثمَّ، بعد ذلك، بدأتَ تمشي كأنَّ العالم قد انتهى، فأقلقني أمرك، ولذا تبعتك… وها نحن ذا.»
آل: «واضح أنك عالق في حلقة بائسة، يا صاح.»
لقد سمح لنفسه بأن يسمع من ريم تلك الكلمات الحاسمة.
وبينما كاد أن يغرق في دوامة الإحباط، باغته آل بضربة إصبع قوية على جبهته، ارتطمت بها بحدة، فأحس بألمٍ لاذعٍ كاد أن يُبكيه. رفع رأسه وهو يتمتم متألِّمًا: «ما، ما…؟» وحدَّق في آل.
حتى لو سُحبت الكلمات التي لطالما كانت سندًا لسوبارو، من الوجه ذاته، وبالصوت ذاته.
كلماتٌ قوية، هادئة، تحمل حرارةً داخلية أحرقت قلب سوبارو.
آل: «أوه، كان لها صوت جميل فعلًا. لحظة، هل صادفتُ نفس الموضع اللي كنت تضرب فيه جبهتك؟ آسف، آسف، لم أتعمد ذلك.»
كما أنَّه لم يقرِّر بعد، إلى أيِّ مدى، ولأيِّ غاية، ينبغي عليه أن يستخدم السلطة المسماة بالعودة بالموت.
آل: «حتى بعدما شحب وجهك، لا تزال تجيب بشكل طبيعي، يا صاح. لذا أظن أنَّ الفتاة لم تشكُّ بشيء، أليس كذلك؟»
سوبارو: «لا بأس… لا، عن أي شيء تتحدَّث!»
ألم يكن هذا تكرارًا لما فعله في القلعة الملكية؟
آل: «إنها ضربة إصبع، لا أكثر. وبناءً عليها، انتقلت إليَّ سلطة الاستجواب، وسأبدأ أنا بطرح الأسئلة.»
حتى لو سُحبت الكلمات التي لطالما كانت سندًا لسوبارو، من الوجه ذاته، وبالصوت ذاته.
تذكَّر سوبارو كلمات آل حين طُلب منه أن يؤدي دورًا في ذلك الموقف، لكنه تردَّد في اتخاذ الخطوة التالية… تلك الكلمات كانت عن “أوهام البطولة”.
وجَّه إصبعه الذي نفَّذ به الضربة نحو وجه سوبارو، فغلبه الذهول على الألم، وتراجع لا إراديًّا إلى الخلف حين اقترب الإصبع من أنفه، ثم لزم الصمت.
عندها أكمل آل بجدية:
لقد كان بطلًا… هكذا أخبرته ريم.
آل: «إلى أيِّ حدٍّ زعزعتك كلمات تلك الفتاة؟ هل يليق بك أن تنهار لمجرد ما قالته؟ ألا ترى أنَّ الأمر مخزٍ بعض الشيء؟»
التقت نظراتهما، وخرج زفير مكتوم من صدره حين تكررت كلمات النهي تلك.
سوبارو: «أنا فقط…»
وبعد ذلك، كان هدفه الأكبر هو أن يُعيد ريم إلى مكانها، حيث تنتمي، ويستقبلها الجميع من معسكر إميليا، كما كان من قبل… بما في ذلك هو. ولتحقيق ذلك، لا يمكنه تحمُّل خسارة ثقتها به.
آل: «لا أريدك أن تنهار بهذا الشكل من كلمةٍ عابرة. قد يكون من المخجل أن أقول هذا، لكن… عندي بعض الآمال المعقودة عليك، يا صاح.»
سوبارو: «――آمال؟»
كلماتها تلك كانت ما منعه من الاستسلام والتخلِّي عن كلِّ شيء، ما حال دون أن تنهار ركبته حين خيَّم الصمت على ريم، وما دفعه لمجابهة حواجز الملجأ وتعقيدات القصر، كما كانت حافزًا له في محاولته لإنقاذ مدينة بوابة الماء بعدما سقطت في يد العدو. بل، وقد بلغت تأثيرها ذروته حين أيقظت روح ناتسكي سوبارو، الذي فقد ذاكرته، وأعانته على اجتياز برج بلياديس للمراقبة.
صُدم سوبارو من تلك الكلمات التي لم يكن يتوقَّعها مطلقًا.
سوبارو: «――هك.»
ولو لم تكن لديه القدرة على العودة بالموت، لَكان قد مضى في حياته ناقص الأطراف، مثخنًا بالخسائر.
وحين رأى آل تعابيره المندهشة، أومأ له ببطء، وأردف بثقة:
آل: «أجل، آمال حقيقية.»
آل: «لا أحبُّ أن أقول هذا، لكنِّي لم أعد صغيرًا، يا صاح. مررتُ بمآزق تشبه ما تمرُّ به… بل إنّي تصرَّفت بغباء من قبل أمام فتاةٍ جميلة.»
سوبارو: «أكنتَ… تتنصَّت؟!»
آل: «تتذكَّر الخطبة التي ألقيتَها في بريستيلا، أليس كذلك، يا صاح؟»
آل: «――آه، تقصد ذاك.»
سوبارو: «آه، نعم… أذكرها، لكن…»
آل: «أنا واثق أنَّني قلت لك يومها إنَّ ذلك البث معناه أنك ستتحمَّل “أوهام البطولة”، أليس كذلك؟»
في تلك اللحظة، كانت المدينة تتعرض لهجوم من قِبل أساقفة الخطايا، والناس يعيشون في أوقاتٍ عصيبة.
تذكَّر سوبارو كلمات آل حين طُلب منه أن يؤدي دورًا في ذلك الموقف، لكنه تردَّد في اتخاذ الخطوة التالية… تلك الكلمات كانت عن “أوهام البطولة”.
فهو كيانٌ حُمِّل آمال الكثيرين وتوقُّعاتهم. لا يجوز له أن ينهار.
لقد كان بطلًا… هكذا أخبرته ريم.
لقد أصبح حاملًا لـ “وهم” كونه “البطل” الذي يرجوه الجميع.
سوبارو: «――――»
وحينها، ردَّ سوبارو بقدرٍ مفرطٍ من الهدوء.
――تمامًا كما كان دائمًا.
وفي الوقت ذاته، لام نفسه على توتره الزائد.
آل: «الأمر ذاته يتكرَّر الآن. شخص واحد رفضك، فماذا؟ لن يُغيِّر ذلك ما فعلتَه، يا صاح، ولن يُقلب عزيمتك رأسًا على عقب.»
سوبارو: «――――»
ولو كان على دراية بها، لما امتنع عن التلميح، تمامًا كما فعل روزوال ذات يوم. وفي اللحظة نفسها――
آل: «لا تنهَر، يا صاح. انهض، وواصل الطريق―― كن على قدر التوقُّعات، يا صاح.»
آل: «كان هناك أمرٌ يُضايقني. فتاة من المفترض ألا أعرفها… ومع ذلك، بدت مألوفة. كأن شيئًا ما عالق في الحلق، مثل شوكة سمكة صغيرة لا تكاد تُرى.»
ربت آل على ظهره برفق، وهو الذي كان على علم بإنجازات سوبارو في مدينة بوابة الماء.
سوبارو: «――――»
ريم، التي نسيت كل شيء… لويس، التي عادت كطفلة… إييل، فلوپ، ميديوم، عشيرة شودراك… لا أحد منهم كان يعرف ما فعله سوبارو.
آل: «إنها ضربة إصبع، لا أكثر. وبناءً عليها، انتقلت إليَّ سلطة الاستجواب، وسأبدأ أنا بطرح الأسئلة.»
آل: «ما كلُّ هذا التكلُّف؟ ثمَّ إن صوتك خشن إلى حدٍ أرعبني.»
بريسيلا، أيضًا، ربما كانت تعرف… لكنه يشكُّ حتى في أنَّها تتذكَّر.
آل: «أنا لم أنسَ. ولن أتنازل عن ذلك، يا صاح.»
سوبارو: «تتنازل عن ماذا…؟»
فبفضل مَن حوله في معسكر إميليا، بات على درايةٍ تامة بكيفية تصرف الناس حين يُنسى أحد التوأمين، رام أو ريم.
――في الواقع، لم تكن كلمات آل سوى إسعافٍ أولي، ولم يُغلَق الجرح الغائر بعد.
آل: «لقد بدأتَ هذا الطريق. وأنا أقولها لك صراحةً… هذه سمعةٌ عليك أن تصونها حتى الممات.»
؟؟؟: «――أوهام البطولة، هاه؟»
لكن، ويا للأسف، ما خشيه آل قد حدث بالفعل. ومع ذلك، فبالنسبة إلى سوبارو، ما عايشه لا يقلُّ خطورةً عن فقدان الذاكرة. لذا لم يكن غريبًا أن يتزعزع اتزانه النفسي على هذا النحو.
سوبارو: «――――»
آل: «لا تجيء باكيًا لاحقًا إن فقدتَ صوابك بسبب هذا. لا، بل لأني لم أستطع أن أتركك على تلك الحال، جئت لأوقفك.»
اختنق نفس سوبارو مرةً أخرى، من وقع كلمات آل الحاسمة.
كان يعلم أنَّ ذلك البث في بريستيلا لم يصل فقط إلى سكان المدينة الذين كان يفتك بهم الخوف والقلق، بل امتدَّ صداه إلى أماكن أخرى من هذا العالم.
عند سماع نبرة العزم في صوت سوبارو، زالت القسوة من صوت آل. أجابه سوبارو بكلمة مقتضبة: «أجل.»، ثم وجَّه نظره نحو آل، من تلك المسافة القريبة، وقال:
كانت تلك الكلمات هي――
عليه أن يصون تلك الصورة… حتى يموت.
آل: «لقد بدأتَ هذا الطريق. وأنا أقولها لك صراحةً… هذه سمعةٌ عليك أن تصونها حتى الممات.»
لكن الموت… لا يأتي إلى سوبارو.
لذلك، لا خيار له سوى أن يُواصل القتال.
سوبارو: «… إلى الأبد.»
خرج صوته خافتًا، متعبًا، وهو يغطي وجهه بكلتا يديه ويغمض عينيه.
سوبارو: «――――»
تردَّدت في رأسه منذ البداية تلك الكلمات القاتلة التي تفوَّهت بها ريم… كلمات مزَّقت قلبه شر تمزيق، وأغرقته في نزيفه النفسي.
آل: «واضح أنك عالق في حلقة بائسة، يا صاح.»
ريم: «――لأنك لستَ بطلًا.»
سوبارو: «كنت أتَّكئ على عبارة واحدة فقط من ريم، طَوال هذا الوقت.»
رافق هذا الخاطر نظرة حادة صوب ذراعه اليسرى، يتأمَّلها بصمت.
ريم: «――لأنك لستَ بطلًا.»
وفي الوقت ذاته، لام نفسه على توتره الزائد.
سوبارو: «ريم كانت تؤمن بي… ولهذا لم أتردَّد. الأمر كان كذلك في الملجأ، وفي بريستيلا، وفي برج بلياديس للمراقبة…»
ريم: «――لأنك لستَ بطلًا.»
حتى في ذلك الحين، حاول سوبارو تجاهل هوَّةٍ عميقة أمامه، متظاهرًا بأنه يطلب من ويلهيلم تدريبه، فقط ليهرب من الألم القاتل الذي يواجهه.
سوبارو: «ريم استيقظت فاقدةً لذاكرتها… ومع ذلك، كنت سعيدًا… ظننت أنَّني اقتربتُ خطوة من استعادة كل شيء… وكان عليَّ، الآن بالذات، أن أتمسَّك أكثر من أي وقت مضى.»
؟؟؟: «――أوهام البطولة، هاه؟»
ريم: «――لأنك لستَ بطلًا.»
ذاك الذي انهار تمامًا، وذاك الذي أتى بهذا الانهيار إليه، لم يكن سوى شخص واحد… هو نفسه.
سوبارو: «كانت تلك الكلمات… تعويذةً أيقظت روحي.»
ضحك آل ضحكة صافية وهو يسحب يده من على الجدار ويتراجع للخلف.
لقد كان بطلًا… هكذا أخبرته ريم.
بل الواقع أنَّه لم يكن يعي حقًّا ما كان يفعله، وهو ما جعل الأمر أشدَّ إيلامًا.
كلماتها تلك كانت ما منعه من الاستسلام والتخلِّي عن كلِّ شيء، ما حال دون أن تنهار ركبته حين خيَّم الصمت على ريم، وما دفعه لمجابهة حواجز الملجأ وتعقيدات القصر، كما كانت حافزًا له في محاولته لإنقاذ مدينة بوابة الماء بعدما سقطت في يد العدو. بل، وقد بلغت تأثيرها ذروته حين أيقظت روح ناتسكي سوبارو، الذي فقد ذاكرته، وأعانته على اجتياز برج بلياديس للمراقبة.
كلماتٌ قوية، هادئة، تحمل حرارةً داخلية أحرقت قلب سوبارو.
كانت تلك الكلمات هي――
ناتسكي سوبارو كان… عاجزًا، أنانيًّا، مترددًا إلى حد مثير للشفقة. ولذلك――
سوبارو: «――――»
ريم: «لأن سوبارو كن هو بطل ريم.»
وبينما كاد أن يغرق في دوامة الإحباط، باغته آل بضربة إصبع قوية على جبهته، ارتطمت بها بحدة، فأحس بألمٍ لاذعٍ كاد أن يُبكيه. رفع رأسه وهو يتمتم متألِّمًا: «ما، ما…؟» وحدَّق في آل.
ناتسكي سوبارو كان… عاجزًا، أنانيًّا، مترددًا إلى حد مثير للشفقة. ولذلك――
تلك الثقة، وذلك الدعم، كانا السبب في أنَّه استطاع الوصول إلى هذه اللحظة.
صُدم سوبارو من تلك الكلمات التي لم يكن يتوقَّعها مطلقًا.
فلو انتُزعت منه تلك الكلمات… فإنَّ ذلك، بالنسبة إلى سوبارو――
تلفَّظ آل بتلك الكلمة وهو يضع يده على ذقنه، ويهز رأسه مرارًا، بعدما استمع إلى ما قاله سوبارو بصدق.
عندها أكمل آل بجدية:
آل: «عندها، ما عليك سوى أن تستعيدها.»
عليه أن يصون تلك الصورة… حتى يموت.
رغم علمه التام بما تنطوي عليه سلطته من جبروت، ظلَّ عاجزًا عن اتخاذ قرارٍ حاسم.
سوبارو: «――هاه؟»
آل: «إلى أيِّ حدٍّ زعزعتك كلمات تلك الفتاة؟ هل يليق بك أن تنهار لمجرد ما قالته؟ ألا ترى أنَّ الأمر مخزٍ بعض الشيء؟»
ناتسكي سوبارو كان… عاجزًا، أنانيًّا، مترددًا إلى حد مثير للشفقة. ولذلك――
كان سوبارو قد غطَّى وجهه بكفَّيه، غارقًا في ظلمةٍ أعمق من أن توصف بداخل جفنيه، حين باغته صوت آل، فشهق ورفع رأسه بذهول.
آل: «… كنت أمزح فحسب.»
أمام عينيه، كان وجه آل قريبًا، مما جعله يتراجع خطوة إلى الوراء… إلا أنَّ آل تقدَّم هذه المرَّة، في صورةٍ معاكسةٍ لما حدث سابقًا.
سوبارو: «――هاه؟»
ارتطم ظهر سوبارو بالجدار خلفه، فلم يعد قادرًا على التراجع أكثر. ومع تلك الحركة، مدَّ آل ذراعه، وسدَّ طريق الفرار، ثم قال بلهجةٍ حازمة:
حين استوعب سوبارو فحوى كلام آل ونبرة حديثه، ظلَّ يحدِّق إليه، يحاول التمييز ما إذا كان صادقًا أم متصنِّعًا.
آل: «سوف نستعيدها… توقُّعات تلك الفتاة، وثقتك بنفسك، يا صاح.»
سوبارو: «ريم استيقظت فاقدةً لذاكرتها… ومع ذلك، كنت سعيدًا… ظننت أنَّني اقتربتُ خطوة من استعادة كل شيء… وكان عليَّ، الآن بالذات، أن أتمسَّك أكثر من أي وقت مضى.»
كان يعلم أنَّ ذلك البث في بريستيلا لم يصل فقط إلى سكان المدينة الذين كان يفتك بهم الخوف والقلق، بل امتدَّ صداه إلى أماكن أخرى من هذا العالم.
سوبارو: «التوقُّعات… والثقة…»
آل: «هيا بنا. الفرصة دائمًا موجودة لمَن يرغب في الكلام لاحقًا.»
آل: «عليك أن تصون سمعتك. عليك أن تقاتل. وإن لم تعد تحتمل المزيد من الخسائر، فليس أمامك سوى أن تستمر في الفوز، كما تتمنَّى أنت. بهذه الطريقة… سنستعيدها.»
آل: «صحيح! أنت متنكِّر بزيّ فتاة، وأنا رجل أربعيني بذراعٍ واحدة!»
سوبارو: «――――»
كان عليه أن يفعل كل ما بوسعه ليستعيد تلك الثقة، ويمدُّ لها يده مجددًا.
آل: «السمعة والتوقُّعات التي فقدتَها، لا تُستعاد إلا بنتائج أفضل. وأنت تعرف ذلك جيدًا… لأنك اختبرتَه مرارًا.»
اقترب آل منه فجأة، حتى لامست خوذته الحديدية الباردة جبين سوبارو.
غير أنَّ وقع كلماته، وصدق نبرته، كان من القوَّة بحيث لم يشعر سوبارو حتى بذلك التلامس. كلماته اخترقت سوبارو كالرعد، وصدمته بقوَّة. بل، والأهم من كل شيء… أنَّ ما قاله لم يكن خاليًا من الحقيقة.
وكان على يقينٍ أنَّه، حتى لو غاص في التفكير ساعاتٍ وساعات، فلن يجد الجواب إلا حين يحين أوانه.
توقُّعاتٌ فُقدت، وسمعة تهاوت―― أقسى الذكريات التي تخلَّلت حياة سوبارو، كانت حتمًا تلك التي حدثت في القلعة الملكية.
سوبارو: «أفعل ذلك من باب المصلحة… وهي لا تحبُّ ذلك أصلًا.»
ففي ذلك الوقت، خسر سوبارو ثقة إميليا وتوقُّعاتها، وسقط تقديره في أعين المرشَّحات الملكيات. وما جعله قادرًا على استعادة تلك الثقة لاحقًا… كان أفعاله.
وبينما كاد أن يغرق في دوامة الإحباط، باغته آل بضربة إصبع قوية على جبهته، ارتطمت بها بحدة، فأحس بألمٍ لاذعٍ كاد أن يُبكيه. رفع رأسه وهو يتمتم متألِّمًا: «ما، ما…؟» وحدَّق في آل.
سوبارو: «آه…؟»
وليس، بأيِّ حال، ضربه رأسه بالحائط يائسًا، كما فعل الآن.
سوبارو: «… هل أنا أحمق؟ لا، بل أنا بالتأكيد أحمق.»
آل: «أجل، أنا أفهم شعور الرغبة في الموت. لكن، مهما فعلت، لن تصل إلى نهاية لهذا النوع من الأمور.»
ألم يكن هذا تكرارًا لما فعله في القلعة الملكية؟
آل: «هيا بنا. الفرصة دائمًا موجودة لمَن يرغب في الكلام لاحقًا.»
آل: «صحيح! أنت متنكِّر بزيّ فتاة، وأنا رجل أربعيني بذراعٍ واحدة!»
حتى في ذلك الحين، حاول سوبارو تجاهل هوَّةٍ عميقة أمامه، متظاهرًا بأنه يطلب من ويلهيلم تدريبه، فقط ليهرب من الألم القاتل الذي يواجهه.
سوبارو: «――――»
لكن الآن… لم يعد في وسعه أن يكون ضعيفًا على هذا النحو.
ورغم علمه… بأنَّ عدد مَن فقدوا أطرافهم، وانقطعت دروبهم، كان يمكن أن يقلَّ كثيرًا.
وكان على يقينٍ أنَّه، حتى لو غاص في التفكير ساعاتٍ وساعات، فلن يجد الجواب إلا حين يحين أوانه.
عليه أن يحمي ريم… ويعيدها إلى المنزل. وعلى عكس ما كان في السابق، لم يعُد هناك مَن يستطيع أن يتحمَّل ذلك عبْره. لأجل ريم―― لم يكن هناك أحدٌ سواه.
أشار آل إلى مقدِّمة خوذته وهو يتحدَّث.
غير أنَّ وقع كلماته، وصدق نبرته، كان من القوَّة بحيث لم يشعر سوبارو حتى بذلك التلامس. كلماته اخترقت سوبارو كالرعد، وصدمته بقوَّة. بل، والأهم من كل شيء… أنَّ ما قاله لم يكن خاليًا من الحقيقة.
ولتطمئن ريم، وهي محاطة بالقلق وفاقدة للذاكرة، لم يعُد مقبولًا منه أن يظهر أمامها بصورةٍ بائسةٍ ولو للحظة واحدة.
حتى لو قالت ريم، التي نسيت كلَّ شيء، إنَّ سوبارو ليس بطلًا.
تردَّدت في رأسه منذ البداية تلك الكلمات القاتلة التي تفوَّهت بها ريم… كلمات مزَّقت قلبه شر تمزيق، وأغرقته في نزيفه النفسي.
حتى لو سُحبت الكلمات التي لطالما كانت سندًا لسوبارو، من الوجه ذاته، وبالصوت ذاته.
سوبارو: «――أنا بطل ريم.»
لكن الموت… لا يأتي إلى سوبارو.
نعم… أليس جوهر ناتسكي سوبارو الحقيقي، هو أن يظلَّ رافع الرأس؟ أن لا يسمح لنفسه أن يُهزَم؟
في مدينة بريستيلا المائية، لم يستخدم سوبارو سلطته من أجل ذراع ريكاردو المبتورة. واليوم أيضًا، لم يستخدمها من أجل ساق ميزيلدا المفقودة.
غير أنَّ وقع كلماته، وصدق نبرته، كان من القوَّة بحيث لم يشعر سوبارو حتى بذلك التلامس. كلماته اخترقت سوبارو كالرعد، وصدمته بقوَّة. بل، والأهم من كل شيء… أنَّ ما قاله لم يكن خاليًا من الحقيقة.
آل: «… استعدت شيئًا من روحك، على ما يبدو؟»
عند سماع نبرة العزم في صوت سوبارو، زالت القسوة من صوت آل. أجابه سوبارو بكلمة مقتضبة: «أجل.»، ثم وجَّه نظره نحو آل، من تلك المسافة القريبة، وقال:
كم ذراعًا، كم ساقًا، كم إصبعًا أو عينًا، ينبغي له أن يخسر قبل أن يُجيز لنفسه استخدامها؟ بل، الأسوأ من ذلك―― ماذا لو لم تكن الأطراف المفقودة أطرافه، بل أطراف إميليا… أو ريم؟
سوبارو: «تحسَّن مزاجي كثيرًا. لكن… ابتعد قليلًا! ما الذي تفعله بهذه الحركة؟ هل تسدُّ عليَّ الطريق؟»
آل: «همم؟ ما الأمر، يا صاح؟»
آل: «حسنًا إذًا، سأسأل بلا تحفُّظ… ما طبيعة علاقتك بتلك الفتاة، ريم؟»
آل: «صحيح! أنت متنكِّر بزيّ فتاة، وأنا رجل أربعيني بذراعٍ واحدة!»
وبينما كان هذا الانطباع القديم عن آل يتغيَّر في داخله شيئًا فشيئًا، قال:
ضحك آل ضحكة صافية وهو يسحب يده من على الجدار ويتراجع للخلف.
لقد أصبح حاملًا لـ “وهم” كونه “البطل” الذي يرجوه الجميع.
شدَّ سوبارو قبضتَيه، مستجمعًا عزيمته مجددًا، في مواجهة هذا الهدف الكبير. وعندها، بعد أن فكَّر آل في كل ما سمعه واستوعبه، أومأ برأسه وقال تلك الكلمات التي اخترقت قلب سوبارو بثقةٍ خفية.
ومع انكشاف مجال الرؤية أمامه، شعر سوبارو وكأن أفقه بأسره قد اتَّسع، لا ما كان أمامه فحسب.
――في الواقع، لم تكن كلمات آل سوى إسعافٍ أولي، ولم يُغلَق الجرح الغائر بعد.
نعم… أليس جوهر ناتسكي سوبارو الحقيقي، هو أن يظلَّ رافع الرأس؟ أن لا يسمح لنفسه أن يُهزَم؟
لم يكن واثقًا أنه سيتمكَّن من الوقوف بثبات إن قابل ريم مجددًا، ولا أنَّ قلبه لن يرجف خوفًا من أن تعيد عليه الكلمات نفسها، حين ينظر في عينيها مرَّة أخرى.
كما أنَّه لم يقرِّر بعد، إلى أيِّ مدى، ولأيِّ غاية، ينبغي عليه أن يستخدم السلطة المسماة بالعودة بالموت.
وحتى لو كان أملًا قسريًّا، كان عليه أن يتمسك به.
وكان على يقينٍ أنَّه، حتى لو غاص في التفكير ساعاتٍ وساعات، فلن يجد الجواب إلا حين يحين أوانه.
آل: «أوه، مخيف! لا تحدِّق بي هكذا… سأتوتر إن واصلت التحديق بتلك النظرة.»
ولو كان على دراية بها، لما امتنع عن التلميح، تمامًا كما فعل روزوال ذات يوم. وفي اللحظة نفسها――
ومع ذلك، كان بوسعه أن يقرَّ بهذا الأمر بوضوح.
سوبارو: «――――»
تلك السلطة المتغطرسة التي يمتلكها ناتسكي سوبارو، كانت ضرورة لا غنى عنها لتحقيق “أوهام البطولة” التي أُلقيت على عاتقه.
رفع سوبارو بصره فجأة، كما لو أُصيب برصاصة، فيما آل اكتفى بهزِّ كتفيه وكأنَّه يمازحه.
ومن هنا فصاعدًا، كان واثقًا بأنّه سيظلُّ في حيرةٍ من أمره تجاه كيفية التعاطي معها، في الأيام القادمة.
بينما كان سوبارو يُحدِّق في يديه، غارقًا في إعادة ترتيب أفكاره، ناداه آل فجأة بنبرةٍ حذرة، موجِّهًا نظره نحوه.
سوبارو: «――――»
آل: «أوه، صحيح، يا صاح، أردت أن أسألك شيئًا.»
بينما كان سوبارو يُحدِّق في يديه، غارقًا في إعادة ترتيب أفكاره، ناداه آل فجأة بنبرةٍ حذرة، موجِّهًا نظره نحوه.
شعر سوبارو بالغرابة تجاه هذا التردُّد، فقد كان آل يتحدَّث حتى الآن دون حواجز أو تهيُّب.
ناتسكي سوبارو كان… عاجزًا، أنانيًّا، مترددًا إلى حد مثير للشفقة. ولذلك――
آل: «… استعدت شيئًا من روحك، على ما يبدو؟»
سوبارو: «ما الأمر الآن؟ إن كنتَ تودُّ سؤالي عن شيء، فاسأل دون تردًّد.»
آل: «حسنًا إذًا، سأسأل بلا تحفُّظ… ما طبيعة علاقتك بتلك الفتاة، ريم؟»
آل: «――آه، تقصد ذاك.»
قالها آل وهو يميل برأسه قليلًا باستفهام، وكأنَّ السؤال جاء متأخِّرًا، أو لم يكن في مكانه.
ريم: «――لأنك لستَ بطلًا.»
آل: «أحقًا أصدرتَ للتو أغبى صوتٍ سمعته في حياتي، يا صاح؟»
لكن المفارقة أنَّ سوبارو أدرك عندها فقط… أنَّه لم يُقدِّم أيَّ توضيح بشأن ذلك.
آل: «هي رفيقتك، أليس كذلك يا صاح؟ أنت مَن جلبها معك إلى الإمبراطورية. ليست تلك النصف قزمة، ولا تلك اللولي الصغيرة التي عقدتَ معها ميثاقًا. وفوق هذا كله، تعاملها كما لو كانت زوجتك، أليس كذلك؟»
سوبارو: «… ريم.»
سوبارو: «أفعل ذلك من باب المصلحة… وهي لا تحبُّ ذلك أصلًا.»
كانت تلك الكلمات هي――
آل: «لكن كلماتها كانت كفيلة بتمزيقك، يا صاح―― ما القصة؟»
آل: «عليك أن تصون سمعتك. عليك أن تقاتل. وإن لم تعد تحتمل المزيد من الخسائر، فليس أمامك سوى أن تستمر في الفوز، كما تتمنَّى أنت. بهذه الطريقة… سنستعيدها.»
خفض آل صوته قليلًا، وسأل بنبرةٍ يغلب عليها الجد الكامل.
ومن هنا فصاعدًا، كان واثقًا بأنّه سيظلُّ في حيرةٍ من أمره تجاه كيفية التعاطي معها، في الأيام القادمة.
سوبارو: «――――»
ردًّا على كلماته، عَقَدَ سوبارو حاجبيه، وراح ينقِّب في ذاكرته، ليتأكد من عدم وجود صلةٍ بين آل وريم―― على الأقل في هذا الخط الزمني.
ففي المقام الأول، لم يسبق له أن تحدَّث عن ريم أمام آل، لذا فمن الطبيعي ألا يعرفها… ومع ذلك، كان في سؤاله شيءٌ غريب.
آل: «لا أريدك أن تنهار بهذا الشكل من كلمةٍ عابرة. قد يكون من المخجل أن أقول هذا، لكن… عندي بعض الآمال المعقودة عليك، يا صاح.»
والسبب في ذلك، على الأرجح، هو نبرة آل حين طرحه ذلك السؤال.
بل، بدا وكأن آل، من خلال كلماته تلك، يلمِّح بأنَّه على درايةٍ بشيء ما… بشيء يخصُّ سوبارو، أو ربما سلطته الغامضة.
آل: «――――»
لم يكن بالإمكان رؤية تعابير وجهه، لكن سوبارو شعر بحرارةٍ تخرج من نظرته.
سوبارو: «――――»
ذلك التوهج في عينيه، حمل معه شيئًا من الجدية والعجلة، ما أثار ارتباك سوبارو تجاه هذه الجوانب غير المألوفة التي أظهرها آل خلال فترةٍ قصيرة، بما في ذلك حواره السابق.
فهو رفيقه الوحيد الذي نجا معه في هذا العالم الآخر، بشخصيَّته اللامبالية والهزليَّة التي لا تكترث بشيء.
سوبارو: «――――»
وبينما كان هذا الانطباع القديم عن آل يتغيَّر في داخله شيئًا فشيئًا، قال:
وحينها، ردَّ سوبارو بقدرٍ مفرطٍ من الهدوء.
سوبارو: «ريم… هي رفيقةٌ لنا. غير أنها وقعت ضحية رئيس أساقفة خطيئة – الشراهة. وجراء ذلك… مُسحت من ذاكرة الجميع. حتى هي… لم تعد تتذكَّر نفسها.»
في مدينة بريستيلا المائية، لم يستخدم سوبارو سلطته من أجل ذراع ريكاردو المبتورة. واليوم أيضًا، لم يستخدمها من أجل ساق ميزيلدا المفقودة.
آل: «――هكذا إذً… فهمت. الآن بات كل شيء أوضح.»
سوبارو: «أوضح؟»
كان من الصعب تجاهل ذلك القبض القويِّ على كتفه، فقد بدا جليًّا أنَّ الغاية منه منع سوبارو من أن يهوي برأسه على الجدار، ويُلحق الأذى بنفسه.
تلفَّظ آل بتلك الكلمة وهو يضع يده على ذقنه، ويهز رأسه مرارًا، بعدما استمع إلى ما قاله سوبارو بصدق.
ارتجف صوت آل، بينما رمش سوبارو بدهشةٍ من هذه العلاقة غير المتوقعة التي ظهرت فجأة.
وبينما مال سوبارو برأسه مستغربًا من تلك العبارة التي تسلَّلت من فم آل، تابع الآخر قائلًا:
آل: «سأجعلك بطلًا، يا صاح―― لا، ناتسكي سوبارو.»
آل: «كان هناك أمرٌ يُضايقني. فتاة من المفترض ألا أعرفها… ومع ذلك، بدت مألوفة. كأن شيئًا ما عالق في الحلق، مثل شوكة سمكة صغيرة لا تكاد تُرى.»
آل: «لقد بدأتَ هذا الطريق. وأنا أقولها لك صراحةً… هذه سمعةٌ عليك أن تصونها حتى الممات.»
سوبارو: «لا تعرفها، ومع ذلك تعرفها… هل كنتَ تقصد رام؟»
فلو انتُزعت منه تلك الكلمات… فإنَّ ذلك، بالنسبة إلى سوبارو――
سوبارو: «ريم استيقظت فاقدةً لذاكرتها… ومع ذلك، كنت سعيدًا… ظننت أنَّني اقتربتُ خطوة من استعادة كل شيء… وكان عليَّ، الآن بالذات، أن أتمسَّك أكثر من أي وقت مضى.»
آل: «أوه، أجل، أجل، هي بعينها.»
عليه أن يصون تلك الصورة… حتى يموت.
آل: «――――»
ارتجف صوت آل، بينما رمش سوبارو بدهشةٍ من هذه العلاقة غير المتوقعة التي ظهرت فجأة.
ناتسكي سوبارو كان… عاجزًا، أنانيًّا، مترددًا إلى حد مثير للشفقة. ولذلك――
لكن ذلك وحده كان كافيًا ليدرك منه سوبارو سرَّ ذلك الشعور الغريب الذي راوده.
فبفضل مَن حوله في معسكر إميليا، بات على درايةٍ تامة بكيفية تصرف الناس حين يُنسى أحد التوأمين، رام أو ريم.
شعر سوبارو بالغرابة تجاه هذا التردُّد، فقد كان آل يتحدَّث حتى الآن دون حواجز أو تهيُّب.
آل: «――――»
حتى روزوال وفريدريكا، اللذان عرفا ريم طويلًا، لم يتذكَّرا وجودها على الإطلاق إلى أن شاهداها بأعينهما، وما إن وقفا أمامها، حتى لم يشكَّا للحظة أنها الأخت التوأم لرام.
أن يقول إنه يدرك شعور الرغبة في الموت، وأنَّه مهما تكرَّر، فلن يبلغ منتهاه.
بعيدًا عن الفروق في الشخصية والطباع، فقد كانت رام وريم متشابهتين حقًّا―― بل، بلَغَ الأمر بسوبارو في الآونة الأخيرة إلى التفكير بأن طبيعتهما قد لا تكون مختلفة كثيرًا.
آل: «حتى بعدما شحب وجهك، لا تزال تجيب بشكل طبيعي، يا صاح. لذا أظن أنَّ الفتاة لم تشكُّ بشيء، أليس كذلك؟»
عند سماع نبرة العزم في صوت سوبارو، زالت القسوة من صوت آل. أجابه سوبارو بكلمة مقتضبة: «أجل.»، ثم وجَّه نظره نحو آل، من تلك المسافة القريبة، وقال:
على أي حال، بات الآن يفهم مصدر شعور آل بالارتباك.
وبينما مال سوبارو برأسه مستغربًا من تلك العبارة التي تسلَّلت من فم آل، تابع الآخر قائلًا:
فمن الطبيعي أن يشعر بالحيرة حين يرى ريم، وهي نسخة مطابقة لرام، التي يعرفها.
سوبارو: «… بالعودة.»
سوبارو: «لكن… لم أسمع قط أنك تعرف رام.»
سوبارو: «آه…؟»
أغمض عينيه، وتفجَّرت كلماته في ظلامٍ لا يسمعه سواه، صوتٌ وُلد ليبقى حبيس أذنيه وحده.
آل: «لا يمكن القول إننا نعرف بعضنا. ولسنا صديقَين أو شيئًا من هذا القبيل… إنما ثمَّة شيءٌ ما، رابطٌ خافت، لا أعرف كيف أفسِّره. ليس الأمر أن بيننا معرفة مباشرة―― أختان توأمان، إذًا؟ ترغب في جمع شملهما، أليس كذلك؟»
على سبيل المثال، لو أنَّ سوبارو خسر ذراعه في موقف مشابه، لاستطاع الاستعانة بسلطته والعودة إلى ما قبل الحادثة، مانعًا الخسارة قبل وقوعها――
سوبارو: «… امم نعم، هذا ما أسعى إليه.»
رافق هذا الخاطر نظرة حادة صوب ذراعه اليسرى، يتأمَّلها بصمت.
أولويته القصوى كانت أن يُعيد ريم إلى أختها رام.
وبعد ذلك، كان هدفه الأكبر هو أن يُعيد ريم إلى مكانها، حيث تنتمي، ويستقبلها الجميع من معسكر إميليا، كما كان من قبل… بما في ذلك هو. ولتحقيق ذلك، لا يمكنه تحمُّل خسارة ثقتها به.
لكن مجرد إعلانه عن رغبته في “التعاون” منح سوبارو دفعة قوية من الأمل.
كان عليه أن يفعل كل ما بوسعه ليستعيد تلك الثقة، ويمدُّ لها يده مجددًا.
جاءت مقاطعته بتصميمٍ لا يتيح له الرفض.
آل: «――حسنٌ إذًا… سأساعدك، يا صاح.»
شدَّ سوبارو قبضتَيه، مستجمعًا عزيمته مجددًا، في مواجهة هذا الهدف الكبير. وعندها، بعد أن فكَّر آل في كل ما سمعه واستوعبه، أومأ برأسه وقال تلك الكلمات التي اخترقت قلب سوبارو بثقةٍ خفية.
دون قصد، خرج من فم سوبارو صوتٌ غبي الملامح: «آهي؟»
سوبارو: «هذا لا يُضحك.»
آل: «أحقًا أصدرتَ للتو أغبى صوتٍ سمعته في حياتي، يا صاح؟»
آل: «حتى لو رمقتني بتلك النظرة المشككة، فأنا لا أكذب. ثمَّ، بعد ذلك، بدأتَ تمشي كأنَّ العالم قد انتهى، فأقلقني أمرك، ولذا تبعتك… وها نحن ذا.»
سوبارو: «دعني وشأني! أعني، ماذا قلت؟ أحقًا تنوي المساعدة؟ مساعدة مَن؟»
آل: «حتى بعدما شحب وجهك، لا تزال تجيب بشكل طبيعي، يا صاح. لذا أظن أنَّ الفتاة لم تشكُّ بشيء، أليس كذلك؟»
آل: «سأفعلها من أجلك، يا صاح. وأكاد أسمع الأميرة تُثرثر وتصرخ، لكن فلتقل ما تشاء. لقد اتخذت قراري، سأدعمك.»
وليس، بأيِّ حال، ضربه رأسه بالحائط يائسًا، كما فعل الآن.
سوبارو: «――――»
كان عليه أن يفعل كل ما بوسعه ليستعيد تلك الثقة، ويمدُّ لها يده مجددًا.
آل: «لكنني لا أملك سوى كتفٍ واحدة أضع فيها ثِقلي.»
سوبارو: «هذا لا يُضحك.»
سوبارو: «لا تعرفها، ومع ذلك تعرفها… هل كنتَ تقصد رام؟»
آل: «عليك أن تصون سمعتك. عليك أن تقاتل. وإن لم تعد تحتمل المزيد من الخسائر، فليس أمامك سوى أن تستمر في الفوز، كما تتمنَّى أنت. بهذه الطريقة… سنستعيدها.»
قالها بحماسةٍ مزعجة، فيما سوبارو يرد عليه بارتباكٍ وتساؤل.
لكن، حتى لو حاول سوبارو كشف نوايا آل الحقيقية، فلن يُفلح. فخوذته المصنوعة من الحديد الأسود كانت تحجب عنه كل تعبير.
ربما كان ذلك حقيقيًّا… لم يكن يدري ما الذي حرَّك شيئًا في قلب آل.
سوبارو: «ريم… هي رفيقةٌ لنا. غير أنها وقعت ضحية رئيس أساقفة خطيئة – الشراهة. وجراء ذلك… مُسحت من ذاكرة الجميع. حتى هي… لم تعد تتذكَّر نفسها.»
وهو يضغط بكفه على جبينه المؤلم، سأل عمَّا قصد آل بكلماته تلك.
سوبارو: «لأنك تعرف رام… لهذا تريد مساعدتي؟»
وفي عتمة جفنيه، تركها تتردَّد، كأنَّها وعدٌ لا يُقال إلا في الخفاء.
آل: «لا علاقة للأمر بذلك. أنا أشجِّعك أنت، يا صاح―― على أية حال، إن كنت ستصبح بطلًا، فلا يمكن لتلك الفتاة أن تُترك خلفك. هذا كل ما في الأمر.»
ومع انكشاف مجال الرؤية أمامه، شعر سوبارو وكأن أفقه بأسره قد اتَّسع، لا ما كان أمامه فحسب.
سوبارو: «لكنني لا أحاول أن أكون بطلًا…»
تلك النظرة الحادة جعلت آل يتراجع قليلًا، غير أنّ سوبارو لم يتأخر في تقليص المسافة بينهما، وواجه كلامه السابق وجهًا لوجه.
آل: «――بل ستصبح كذلك. ناتسكي سوبارو سيغدو بطلًا.»
لقد أصبح حاملًا لـ “وهم” كونه “البطل” الذي يرجوه الجميع.
جاءت مقاطعته بتصميمٍ لا يتيح له الرفض.
كلماتٌ قوية، هادئة، تحمل حرارةً داخلية أحرقت قلب سوبارو.
آل: «… كنت أمزح فحسب.»
آل: «… كنت أمزح فحسب.»
حتى لو سُحبت الكلمات التي لطالما كانت سندًا لسوبارو، من الوجه ذاته، وبالصوت ذاته.
لكن ذاك الحماس الجارف تبدَّد على الفور مع نبرة المزاح في صوت آل.
رغم أنه كان يعلم… أنَّه باستخدام سلطته، لربَّما تمكَّن من التوصُّل إلى نتائج أفضل.
وإذ بدا سوبارو واقعًا تحت رحمة هذا التغيُّر المفاجئ في الأجواء، لوَّح آل بيده قائلًا: «آسف، آسف.»
آل: «لكن دعنا نحتفظ بتلك الروح، يا صاح. نحن الكسالى أمثالي وأمثالك، من الأفضل لنا أن نُظهر بعض الادعاء أحيانًا.»
حسابنا بتويتر @ReZeroAR
سوبارو: «آل، بخصوص ما قلته قبل قليل… ماذا قصدت؟»
قال ذلك ثم استدار مبتعدًا بخطى واثقة تتهادى بهدوء.
ريم، التي نسيت كل شيء… لويس، التي عادت كطفلة… إييل، فلوپ، ميديوم، عشيرة شودراك… لا أحد منهم كان يعرف ما فعله سوبارو.
وسوبارو، متأخرًا عن خطواته الوقورة، ناداه:
سوبارو: «أنا فقط…»
وإذ بدا سوبارو واقعًا تحت رحمة هذا التغيُّر المفاجئ في الأجواء، لوَّح آل بيده قائلًا: «آسف، آسف.»
سوبارو: «آل، ما قلته قبل قليل…»
آل: «آه، دعنا لا ننحرف عن المسار. في النهاية، جئت لأناديك إلى قاعة الاجتماع، أليس كذلك؟ على الأرجح ستجعل الأميرة حياتي جحيمًا.»
آل: «آه، دعنا لا ننحرف عن المسار. في النهاية، جئت لأناديك إلى قاعة الاجتماع، أليس كذلك؟ على الأرجح ستجعل الأميرة حياتي جحيمًا.»
سوبارو: «――――»
آل: «هيا بنا. الفرصة دائمًا موجودة لمَن يرغب في الكلام لاحقًا.»
△▼△▼△▼△
سوبارو: «――――»
ثم أدار رأسه، وهزَّ كتفيه مشيرًا إليه بأن يُسرع. وإزاء إشارته تلك، لم يكن أمام سوبارو إلا أن يكبح قلقه ويتقدَّم.
ثم أدار رأسه، وهزَّ كتفيه مشيرًا إليه بأن يُسرع. وإزاء إشارته تلك، لم يكن أمام سوبارو إلا أن يكبح قلقه ويتقدَّم.
لم يكن يعلم كم من كلمات آل السابقة ينبغي أن يؤخذ على محمل الجد.
فلو كان آل على علم بسرِّ العودة بالموت، لكان أوضح ذلك بوسيلة أصرح، وأسلوبٍ أكثر وضوحًا―― فوجود تلك السلطة بحد ذاته، أمر بالغ الخطورة.
آل: «تتذكَّر الخطبة التي ألقيتَها في بريستيلا، أليس كذلك، يا صاح؟»
لكن مجرد إعلانه عن رغبته في “التعاون” منح سوبارو دفعة قوية من الأمل.
وحتى لو كان أملًا قسريًّا، كان عليه أن يتمسك به.
أغمض عينيه، وتفجَّرت كلماته في ظلامٍ لا يسمعه سواه، صوتٌ وُلد ليبقى حبيس أذنيه وحده.
لذا، كان عليه أن يسير رافعًا صدره، مشدود الظهر، راسخ الخطى.
آل: «أجل، آمال حقيقية.»
سوبارو: «ريم…»
حين استوعب سوبارو فحوى كلام آل ونبرة حديثه، ظلَّ يحدِّق إليه، يحاول التمييز ما إذا كان صادقًا أم متصنِّعًا.
――بطل ريم… لأنه فقد الشخص الوحيد الذي رآه بتلك الصورة.
سوبارو: «ما الأمر الآن؟ إن كنتَ تودُّ سؤالي عن شيء، فاسأل دون تردًّد.»
△▼△▼△▼△
كان سوبارو قد غطَّى وجهه بكفَّيه، غارقًا في ظلمةٍ أعمق من أن توصف بداخل جفنيه، حين باغته صوت آل، فشهق ورفع رأسه بذهول.
فلو انتُزعت منه تلك الكلمات… فإنَّ ذلك، بالنسبة إلى سوبارو――
؟؟؟: «――أوهام البطولة، هاه؟»
ومع ذلك، كان بوسعه أن يقرَّ بهذا الأمر بوضوح.
بينما كان يركض، تمتم بصوتٍ لم يتجاوز حدود خوذته الفولاذية.
أغمض عينيه، وتفجَّرت كلماته في ظلامٍ لا يسمعه سواه، صوتٌ وُلد ليبقى حبيس أذنيه وحده.
وفي عتمة جفنيه، تركها تتردَّد، كأنَّها وعدٌ لا يُقال إلا في الخفاء.
آل: «حسنًا إذًا، سأسأل بلا تحفُّظ… ما طبيعة علاقتك بتلك الفتاة، ريم؟»
آل: «سأجعلك بطلًا، يا صاح―― لا، ناتسكي سوبارو.»
خرج صوته خافتًا، متعبًا، وهو يغطي وجهه بكلتا يديه ويغمض عينيه.
////
ومع ذلك، كان بوسعه أن يقرَّ بهذا الأمر بوضوح.
حسابنا بتويتر @ReZeroAR
