كان التعبير على وجه ميزيلدا حازمًا حين أعلنت تخليها عن منصبها كزعيمة.
لم تتراجع الهيبة الجامحة التي وسمت جمالها الحاد النظرات، وبقيت على حالها تمامًا كما رآها الجميع أول مرة. وبينما اجتازت المحن، لم تتغيَّر الصورة التي عُرفت بها كامرأة قوية.
ومع هذه الصورة الراسخة، قررت ميزيلدا، وقد فقدت ساقها اليمنى، أن تتنحى عن الزعامة.
الجميع: «――――»
أحاط بميزيلدا أولئك الذين امتلأت قلوبهم بالأسى.
عشيرة الشودراك، الذين شهدوا قوَّة زعيمتهم عن كثب، لم يكن بمقدورهم التخلِّي عن شعور الخسارة بهذه السهولة.
أما كونا، فقد ازداد برود تعابير وجهها المعتادة، في حين بدا على هولي، التي عُرفت بلطافتها، ملامح من الكآبة. وعضَّت أوتاكاتا شفتها واحتبست دموعها وهي تخفض رأسها، فيما سادت وجوه الشودراك الآخرين كآبة صامتة.
لكن الشخص الذي بدا عليه الاضطراب أكثر من الجميع――
تاريتا: «أختي… هذا مستحيل. لا يمكن لشخصٍ مثلي أن يكون زعيمة جيدة…»
ميزيلدا: «――تاريتا.»
تاريتا: «لقد استطعتِ فعل ذلك لأنك أنتِ… أما أنا فلا قدرة لي على ما فعلتِه…»
هزَّت رأسها رفضًا وتوسلت بيأس، إذ لم تكن تتخيل نفسها في مقام مَن ترعرعت تحت ظله.
كونها شقيقة ميزيلدا الصغرى، والتي اختيرت بنفسها خليفة للزعامة، لم تكن سوى دليلٍ على تقديرها واحترامها العميق لأختها الكبرى، والذي كان واضحًا في كل قولٍ وفعلٍ منها.
ولذلك بالذات، لم تستطع تاريتا تقبُّل فقدان أختها لساقها، وبدت أكثر حزنًا واضطرابًا من ميزيلدا نفسها.
ريم: «… ذلك نتيجة تقصيري.»
كلمات تاريتا التي نطقتها بحرقةٍ، قوبلت بصوتٍ خافتٍ مملوءٍ باللوم الذاتي.
جاء الصوت من الطرف الآخر من الغرفة التي اكتظَّت بالجرحى، من ريم، التي بدت منهكة وهي تتكئ على عصاها.
كانت الوحيدة القادرة على استخدام سحر الشفاء، وقد تنقَّلت بين المصابين محاولة إنقاذ أكبر عدد ممكن منهم. وكان من السهل تخمين حجم معاناتها من خلال ثيابها الملطخة بالدماء، وشعرها المبعثر، وتعابير وجهها المرهقة.
ومع ذلك، لم تهتم بنفسها، بل إن كلمات الشكر التي وجَّهها لها سوبارو في البداية قوبلت منها ببرودٍ واختصار: «أنا بخير.»
ومع هذا، لم يكن لأحد أن يلوم ريم على نقص قوتها، فلولاها، لما نجا أحد من هجوم أراكيا دون ضحايا.
لذلك――
ميزيلدا: «ريم، لا داعي لأن تشعري بالحزن. لقد كنت محظوظة بالخروج من المعركة أمام الجنرال الإمبراطوري بفقدان ساقٍ فقط… لا، بل بسبب وجودكِ إلى جانبي.»
ريم: «ميزيلدا سان… قد يكون كلامك صحيحًا، لكن――»
ميزيلدا: «أنا ممتنة لكِ. ولا حاجة لقول المزيد.»
قطعت ميزيلدا على ريم حديثها، مجددةً امتنانها بكلمات حاسمة.
اقتربت لويس، بشعرها الأشقر المنكوش، من ريم الصامتة. ومدَّت يدها برقة إلى طرف فستانها، فخفضت ريم بصرها بهدوء، ووضعت كفَّها على كتف لويس.
كان شعور ريم بالندم والعجز واضحًا تمامًا لسوبارو. لكنه لم ينجح في التعبير، إذ سبقه رجل وسيم الشعر داكن اللون إلى الكلام.
إيبل: «ميزيلدا، هل لا تزالين على موقفك؟»
سؤال إيبل قابله إيماءة من ميزيلدا، وهي جالسة على مقعدٍ ما، تلامس بيدها موضع ساقها المبتورة الملفوفة بالضمادات.
ميزيلدا: «أجل، لا نية لي في التراجع. وسيُحترم العهد المبرم بين الشودراك وإمبراطور فولاكيا. لكن من الآن فصاعدًا، عليكم الرجوع إلى تاريتا… أو بالأحرى، الزعيمة.»
إيبل: «――مفهوم. ميزيلدا، لقد أديتِ خدمة عظيمة.»
ميزيلدا: «همم.»
أعلنت ميزيلدا قرارها الحاسم، وقابلها إيبل بتفهمٍ وهو يعقد ذراعيه. عندها أطلقت ميزيلدا زفرة قصيرة، وارتسمت على شفتيها ابتسامة عريضة.
ثم، بابتسامة باهتة، نظرت إليه وقالت:
ميزيلدا: «إن كان الأمر كذلك، فامنحني ابتسامة. هذه من واجبات الرجال الوسيمين.»
إيبل: «――همم.»
ميزيلدا: «حسنًا، هذا يكفي.»
حتى بعد فقدان ساقها، ظلت ميزيلدا قوية كما عهدوها.
ولم ينتقدها إيبل، رغم تكبُّره المعروف، بل ردَّ بابتسامة صامتة.
كان ذلك، قبل كل شيء، دليلًا على احترام الإمبراطور الذي انتُزِع عرشه لتلك المحاربة التي خرجت من أعماق الغابة.
ثم――
ميزيلدا: «――أنصتوا إليَّ، يا أبناء قومي!»
تجمَّد وجه ميزيلدا المبتسم، ورفعت رأسها متحدثة بصوتٍ جهوري.
ومع صدى نبرتها الحازمة، اعتدل أبناء الشودراك في جلستهم، وأصغوا بانتباه.
ميزيلدا: «كما أخبرتكم سابقًا، فإنني أُتمُّ واجبي كزعيمة! وها أنا أُسلم هذا المنصب إلى شقيقتي، تاريتا! من الآن فصاعدًا، أطيعوا تاريتا!»
أبناء الشودراك: «――――»
ميزيلدا: «هذه آخر أوامري كزعيمة―― أشكركم على وفائكم لعهود الأجداد، وعلى اعتزازكم بإرثهم.»
أبناء الشودراك: «――شكرًا لكِ!»
ختمت ميزيلدا حديثها، وردَّد أبناء الشودراك كلمات أشبه بالتراتيل.
لم يكن سوبارو على دراية بطقوسهم أو عاداتهم العريقة، لكنه، حتى وهو الغريب الجاهل، استطاع أن يستشعر قدسية ذلك الطقس.
طقسٌ بسيط، غير رسمي، يجمع بين الواقعية والرمزية.
وفي هذه اللحظة، انتقلت زعامة عشيرة الشودراك من ميزيلدا إلى تاريتا.
تاريتا: «أختي…»
ميزيلدا: «لا تُنكسي رأسكِ، أيتها الزعيمة. ترددكِ هو ترددنا. وتخاذلكِ هو تخاذلنا. وموتكِ هو موتنا جميعًا.»
تاريتا: «――――»
بالقرب منها، تقدَّمت ميزيلدا نحو الزعيمة الجديدة تاريتا لتشجِّعها، غير أن ملامح هذه الأخيرة بدت قاتمة.
ولم يكن لذلك أن يُخفِّف عن تاريتا فجأة، لكنها، لا بد، أدركت أن التمسك بميزيلدا لن يُبدِّل شيئًا من الواقع.
وبعد لحظات من الصمت، أومأت تاريتا بخجلٍ وصمت.
ميزيلدا: «――――»
المشاعر المعقَّدة التي لمعت في عيني ميزيلدا عند رؤيتها ذلك، غفلت عنها تاريتا وهي تُطأطئ رأسها―― ولم يكن ثمَّة أحد سواها ليُفصح عنها.
△▼△▼△▼△
سوبارو: «… صراحةً، لم أتوقع هذا.»
مع انتهاء حديث خلافة الزعامة وتقرير الأضرار، توجَّه سوبارو إلى إيبل بكلامه.
تجهَّم إيبل، متضايقًا من مقاطعته دون موضوعٍ محدد، ثم سأل بنبرة ضيق: «ماذا؟»
إيبل: «عندي ما يكفيني من الأمور لأفكر فيها. وأنت، من بين كل الناس، لستَ ممَّن ينبغي له أن يُشغلني.»
سوبارو: «قاسٍ كعادتك تمامًا… فقط، تفاجأتُ لا أكثر. لم أتوقَّع أن تتقبَّل انسحاب ميزيلدا سان من الخطوط الأمامية بهذه السهولة.»
إيبل: «――――»
سوبارو: «ظننتُ أنك ستقول إن كلَّ ما فقدته هو ساقٌ واحدة فقط، وتطلب منها أن تُفني نفسها في العمل من أجلك.»
رغم أنه أدرك كم بدا ذلك قاسيًا، عبَّر سوبارو بصراحة عن مشاعره تجاه إيبل.
فهذا الإمبراطور، الذي أضاف عشيرة الشودراك إلى قواته لاستعادة العرش، لم يتردَّد سابقًا في التفكير بتسميم مدينة الحصن غوارال إن وصلت الأمور إلى أسوأ حالاتها.
إيبل―― بل، فينسنت فولاكيا، لم يكن ليحجم عن فعل شيءٍ كهذا.
إيبل: «سخافة. ما معنى أن أكون بهذه القسوة دون مبرر؟»
لكن ردُّ إيبل على سوبارو، الذي كان مستعدًا لرميه بالعتاب وإظهار رأيه الحقيقي، جاء هادئًا ومتَّزنًا.
نظر إيبل إلى عشيرة الشودراك المتحدثين بالقرب منهم، بينما بدا سوبارو محبطًا.
إيبل: «لا أرغب بأن يبذل أتباعي أكثر مما يُطيقونه. حتى لو أمرتهم بأن يبذلوا أقصى جهدهم، فتوقُّع ما يتجاوز حدودهم وهمٌ محض.»
سوبارو: «――――»
إيبل: «إن تجاوزوا تقييمهم المعتاد، فسيفسد ذلك الخطة الموضوعة. أنا أطلب منهم بالضبط ما هو مطلوب. لا أكثر ولا أقل. وقد أدَّت ميزيلدا واجبها. لذا، ليس لي أن أقدِّم لها سوى مكافأة.»
بالكلمات يُحفِّزهم، وبالمكافآت يدفعهم لتخطِّي قدراتهم، وبالثناء يُلزمهم بتحسين أدائهم لاحقًا.
هكذا اعتقد سوبارو دائمًا أن الأقوياء يفرضون هيمنتهم على أتباعهم. لكن ردُّ إيبل خالف تمامًا هذه القاعدة التي آمن بها.
فهو لا يطلب من أتباعه جهدًا يتجاوز طاقتهم.
وقد يكون ذلك بيئةً جيِّدة للعمل، وإن بدت باردة في ذات الوقت.
إيبل: «ومع ذلك، فمَن يقصِّر في أداء ما طُلب منه، سينال العقاب. عقاب ومكافأة أكيدين، أتفهم ما يعنيه ذلك، أليس كذلك؟»
سوبارو: «… إذًا، هل يعني ذلك أنني سأتلقى العقاب؟»
إيبل: «لو كنتَ أحد أتباعي، لكان ذلك صحيحًا. لكن، هل أنت أحد أتباعي؟»
نظر سوبارو أمامه مباشرة، واتسعت عيناه عند سماع كلمات إيبل.
بالطبع، لم يتذكَّر سوبارو أبدًا أنه أصبح تابعًا لإيبل. فحتى حين ناقش الأمر مع بريسيلا، عامل إيبل سوبارو كمستشار عسكري، دون أن يُبدِي أي رغبة في ضمِّه رسميًا.
سوبارو: «ليس الأمر أنَّ لقب “المستشار العسكري” لا يغريني… لكنِّي لا أرغب في أن أكون تابعًا لك.»
إيبل: «وهكذا الأمر إذًا. أنت لست من أتباعي، وبالتالي لا ينطبق عليك لا العقاب ولا المكافأة.»
سوبارو: «حين أفكِّر في الأمر… ما الذي تمثّلينه لي حقًّا…؟»
بحكم الظروف، اضطُرُّا إلى مرافقة بعضهما البعض. لم تربطهما علاقة سيد وتابع، ولا علاقة شخصية من أي نوع.
بل كانا شخصين جرفهما تيار الأحداث، وما إن تهدأ العاصفة، حتى يتفرَّق دربهما.
ولم يكن من الصواب تسميتهما أصدقاء، أو حلفاء، أو رفقاء درب. ولو وُجدت تسمية تلائمهم، فهي “رفيقا تنكُّر”.
إيبل: «بعضهم تجرَّأ على مناداتي بصديق، لكنك لم تفعل.»
سوبارو: «آه… أنا شخص خجول؛ لذا لا يمكنني أن أصبح صديقك بهذه السهولة.»
في ظل الظروف الحالية، مَن قد يجرؤ على مناداته بصديق إما أن يكون شخصًا طيبًا للغاية، أو محتالًا. وفلوب، على الأرجح، من النوع الأول. على أي حال――
إيبل: «سأتابع حديثي مع بريسيلا. اذهب لتؤدي ما عليك.»
سوبارو: «ما عليَّ؟»
إيبل: «لا أظن أنني بحاجة لأن أُخبرك بما هو واضح.»
وبينما شقَّت نظرات إيبل اللوزيَّة الحادة طريقها إليه، حوَّل سوبارو نظره إلى ركن الغرفة.
وهناك، لمح ريم جالسة على الأرض. لم يكن بمقدوره تمييز ملامحها الحزينة من بُعد، لكنه أدرك أن تركها وحدها لن يكون خيارًا حكيمًا.
ومع ذلك، شعر بشيء من الضيق لأن إيبل هو مَن أشار عليه بذلك أولًا.
سوبارو: «لا أريدك أن تتورَّط في مشكلة مع بريسيلا وتفتعل شجارًا جديدًا. فقط كن حذرًا في طريقة حديثك معها.»
إيبل: «الكثيرون سيرون أن هذه النصيحة أنت أولى بها مني.»
كلمة نابية قابلها إيبل بكلمة أدهى منها، ثم افترق سوبارو عنه، بعدما عاد إيبل إلى قاعة الاجتماع.
إصابة ميزيلدا ستُحدث تغيُّرًا في وضع عشيرة الشودراك، وسيكون من الضروري أخذ ذلك بالحسبان في النقاش مع بريسيلا.
لكن، لم يكن لسوبارو موطئ قدم في الحوار الدائر بين الكائنين السماويين، إيبل وبريسيلا.
ما أولاه الأولوية، هو الحديث مع الوحيدة التي يستطيع الحديث معها.
سوبارو: «――ريم، هل الوقت مناسب؟»
تنفَّس قليلًا لتهدئة نفسه، ثم خطا نحوها.
كانت تجلس بركبتيها إلى صدرها وظهرها مستندٌ إلى الجدار، فتفاعلت مع صوته تحركًا طفيفًا، وانعكست هيئته في عينيها الزرقاوين الباهتتين.
ريم: «… أهذا أنت؟ متى ستبدِّل ثيابك؟»
سوبارو: «ريم لها الأولوية عن تبديل الملابس. بمجرَّد انتهاء هذه المحادثة، سأبدِّل ملابسي.»
ريم: «أحقًا؟ حسنًا إذًا، لقد انتهت المحادثة. تفضَّل وبدِّل ملابسك.»
سوبارو: «هذا تصرُّف فظ للغاية!»
شعر سوبارو بالعجز، ورفع صوته بعد ردِّ ريم القاسي. وبمجرد أن فعل ذلك، رمقته ريم بنظرة حادَّة وقالت:
ريم: «رجاءً، اخفض صوتك.»
ثم أومأت بذقنها نحو الفتاة التي كانت تتكئ على كتفها الأيسر.
ريم: «بهذه الطريقة، ستوقظ لويس تشان النائمة. أرجو أن تضعها في اعتبارك.»
سوبارو: «أنا فقط…»
ريم: «أم أنك لا تريد أن تُولي هذه الفتاة أيَّ قدر من الاعتبار؟»
سوبارو: «لا تقوليها بهذه الطريقة… خطئي.»
كانت لويس تتنفس بأنفاس صغيرة وهي نائمة، وقد التصقت أكثر بريم، وكأنها تجد فيها ملاذًا آمنًا. ملابسها البيضاء ملطَّخة ببقع من الدم هنا وهناك، فقد كانت تساعد ريم في معالجة الجرحى. ومن خلال سلوك ريم وكلام أوتاكاتا، عرف سوبارو أنها فعلت ما طُلب منها، وإن كان أداؤها ضعيفًا.
بطبيعة الحال، كانت مشاعر سوبارو متضاربة.
ريم: «تُربكني حين تُظهر وجهًا عابسًا وأنت بهيئتك تلك.»
سوبارو: «أوه، نعم… المعذرة، لقد تلف مكياجي، وأبدو بشكل بشع قليلًا.»
ريم: «لقد كنت تبدو بشعًا حتى عندما كان مكياجك مرتبًا.»
سوبارو: «توهُوهُو…»
ارتخت كتفا سوبارو وهمد في مكانه مكتئبًا من تعليق ريم القاسي كعادته، ثم جلس ببطء إلى جانبها، من الجهة اليمنى، مقابل لويس.
نظر إلى ريم بنظرة خجولة ملؤها الرجاء، لكنها قابلته بنظرة محتجة تجاهلها عن قصد.
سوبارو: «ريم، لقد أبلَيتِ بلاءً عظيمًا… الجميع نجا بفضلك.»
ريم: «… أنا أدرك تمامًا مدى ضعفي. ولأكون صادقة، فأنا عديمة الجدوى.»
سوبارو: «ريم…»
ردًا على كلمات الامتنان، خفضت ريم بصرها إلى يديها بامتعاض، وأخذت تحدق في أصابعها الشاحبة وهي تعضُّ شفتيها بضعف.
سوبارو: «أنتِ لستِ عديمة الجدوى أبدًا. رغم أن ذاكرتكِ مشوَّشة، تمكنتِ من استخدام سحركِ الشفائي ببراعة، وأنقذتِ العديد من الأرواح. لكن…»
ريم: «أعلم. لو كنتُ بكامل قواي، لما كان سحري على هذا الشكل.»
سوبارو: «على هذا الشكل؟»
ريم: «سِحرُ الشفاء الذي أستخدمه الآن يعتمد على الحدس… بمعنى آخر، تعلَّمتُه ذاتيًّا دون مُعلِّم. لكن بفضل مساعدة لويس تشان، تمكَّنتُ من صقله قليلًا. ومع ذلك…»
كلمات ريم انقطعت عند هذا الحد.
والسبب في ذلك، أنها شعرت بأنه لا حاجة للاسترسال، فالكلمات إن خرجت ستتحول إلى نصل يؤذيها، وإن خفَّف عنها الألم قليلًا.
الشكوى، حين تُقال، تجرح صاحبها ومَن حوله، لكنها في المقابل، تُزيح شيئًا من الثقل في القلب. غير أن ريم كانت ترفض حتى هذه التخفيفات الطفيفة.
وذلك لأنها تلوم نفسها بصدق لعجزها عن إنقاذ الآخرين، بسبب ضعفها.
سوبارو: «――――»
مرة أخرى، استشعر سوبارو ألم ريم بشدَّة.
أن يندم الإنسان لأنه لم يبذل أكثر، أشدَّ مرارة من جدار لا يُطال. والأدهى أن يكون هذا الندم متعلقًا بمستقبل شخص آخر، لا مستقبله هو.
―― خسارة ميزيلدا لساقها، تركت في أعماق قلب سوبارو أثرًا ثقيلًا.
لم تكن حياة، لكنها كانت جزءًا من الجسد… ومن السهل أن يتخيل المرء مدى قسوة فقدان أحد أطرافه الأربعة.
كان أقرب مثال حاضر في ذهنه هو آل، الرجل ذو الذراع الواحدة، الذي فقد ذراعه اليسرى. وهناك أيضًا مدينة بوَّابة المياه بريستيلا؛ خلال تلك المعركة، فقد ريكاردو إحدى ذراعيه في مواجهة ضد الشراهة.
كان ذلك حدثًا صادمًا إلى أقصى حد، لكنه لم يكن مأساة بعيدة الحدوث إلى درجة عدم تصورها. بل، بالنسبة لأولئك الذين يضعون أنفسهم في مواطن الخطر، قد يكون من الأدق وصفها بأنها مأساة مألوفة. ومع ذلك――
سوبارو: «هذا… قاسٍ.»
ريم: «… نعم.»
تمتمة سوبارو الجافة قوبلت بهزَّة خفيفة من ريم الجالسة إلى جواره.
كانت تلك المرة الأولى التي يحصل فيها على إيماءة مباشرة من ريم دون توبيخ أو رد قاسٍ، ومع ذلك، لم يكن في مزاج يسمح له بتقدير ذلك. نظرت ريم إلى سوبارو، الذي كان يحتضن في صدره كتلة من الألم لم يجد لها مخرجًا.
ريم: «لو أن… لو أنني كنتُ كما كنتُ من قبل، تُرى كيف كانت الأمور ستسير…»
سوبارو: «… تقصدين حين كنتِ تملكين ذاكرتكِ؟»
ريم: «نعم. لو كان سحر الشفاء كما كان في الماضي… لربما استطعتُ إنقاذ ساق ميزيلدا سان…»
«لربما كان يمكن إنقاذها»―― سوبارو أغمض عينيه حين سمع ما كانت ريم توشك أن تنطق به.
لم يكن من العسير عليه فهم ما كانت ريم تفكر فيه، لكن الحكم على مدى تأثر سحرها الشفائي بغياب ذاكرتها لم يكن أمرًا يسيرًا بالنسبة له.
حتى لو أمكن قياس قوة السحر، فسيظل من الصعب عليه أن يُقدِّر تلك الفجوة بدقة.
لكن مع ذلك――
ريم: «――――»
رمقتها عيناه، وعينَاها الزرقاوان الشاحبتان كانتا ممتلئتين بمشاعر صادقة موجَّهة نحوه.
إن كانت الإجابة التي تنتظرها ريم شيئًا بوسع سوبارو تقديمه، فلم يكن واثقًا. ومع ذلك، لم يكن أمامه سوى خيارين: “ريم السابقة كانت تستطيع” أو “ريم السابقة لم تكن لتستطيع”.
فأيٌّ منهما سيكون الخلاص لريم؟
―― أو بالأحرى، أيٌّ منهما سيحول دون أن تزداد جراحها عمقًا؟
سوبارو: «… حتى لو كانت ذاكرتكِ سليمة، أظن أن الأمر كان سيفوق قدرتكِ.»
ريم: «――――»
سوبارو: «حتى سحر الشفاء ليس مطلق القدرة. وفي تلك الحالة، كنتِ لتبذلي أقصى ما يمكنكِ فقط.»
قالها بعد لحظات من التفكير المؤلم، بدَت له أطول بكثير مما هي عليه في الواقع.
حتى لو كانت ريم قد استعادت ذاكرتها، وحتى لو كانت قواها العلاجية في أفضل حال، لما استطاعت إنقاذ ساق ميزيلدا.
فالواقع لا يقوم على “لو”، وإن بدأ الحديث عنها فلن يكون له نهاية.
صحيح أن ريم لم تستطع إنقاذ ساق ميزيلدا، لكنها بالمقابل أنقذت حياة الكثير من المصابين.
كان يجب الإشادة بما حققته، لا أن تلوم نفسها عليه.
بل إن كان لا بد من لوم، فليكن على――
سوبارو: «أنا مَن لم يكن قويًّا بما يكفي.»
ريم: «هاه…؟»
سوبارو: «لم أفكِّر بما يكفي… كان ينبغي أن أدرس الموقف بجدية أكبر.»
اتسعت عينا ريم المستديرتان حين سمعت الإجابة التي لفظها سوبارو.
وأمامها، زمَّ سوبارو شفتيه بقوة حتى كاد يطحن أضراسه، ثم أخفى وجهه بين راحتيه.
فإن كان لا بد من لعن ضعف أحدهم، فلا بد أن يقع اللوم على كاهل سوبارو.
سوبارو: «كل شيء… ذنبي.»
رغم ادعائه المتفاخر بأن ‘المدينة سقطت دون إراقة دماء”، فإن الواقع لم يكن كذلك.
اقتحام أراكيا خلَّف الكثير من الجرحى، وعودتها أدَّت إلى مقتل عددٍ من الحُرَّاس. صحيح أنه لم يُسجَّل أيُّ قتيل من صفوفهم، لكن بالنظر إلى ساق ميزيلدا المبتورة، فكيف يمكن أن يُقال إن الأمر تمَّ دون دماء؟
لقد فشل. سلسلة من الإخفاقات تراكمت، وفُقدت معها فرصة التعويض.
كلُّ ما كان يريده هو أفضل نهاية سعيدة ممكنة، ولكن ما حصده لم يكن إلا نهاية “لا بأس بها”، أو ما يصحُّ وصفه بنهاية حزينة “لا بأس بها”.
وكما قال إيبل سابقًا، فإن خطأً مؤكدًا يستوجب جزاءً مؤكدًا―― وكان لا بد أن يُعاقب.
ولو كان سوبارو أحد رجال إيبل، لَمَا كان من المستغرب أن يُؤمر بقطع رأسه.
――وفي أسوأ الأحوال، سيضطر إلى “العودة بالموت”.
مرَّت هذه الأفكار في ذهنه.
وإن حدث ذلك، فالأرجح أنه سيعود إلى آخر نقطة ارتكاز… إلى وقت المعركة الدموية ضد تود في غوارال―― وقد جعلته مجرَّد ذكرى تلك اللحظة يرتجف بالكامل من شدة الرعب.
ومع ذلك، حتى لو عاد إلى تلك اللحظة الكئيبة، إن استطاع استعادة ما فُقد――
ريم: «… لماذا؟»
ذلك السؤال ضرب طبلتي أذنه وسط بحر أفكاره القاتمة.
رفع وجهه على الفور، فإذا به يلتقي بنظرات ريم مباشرة.
عينا ريم، اللتان غمرتهما ندامة مريرة قبل لحظات، راحتا تحدِّقان في سوبارو الآن بعمقٍ أشد، وندمٍ أكبر.
ريم: «لماذا أصبح الأمر ذنبك؟»
أثارته نظرات ريم، فازدادت الكلمات ثقلًا فوق صدره، حتى عجز سوبارو عن الحركة.
مدَّت يدها، ونظراتها تزداد رطوبة، ثم أشارت إلى مبنى البلدية المدمَّر من حولهم، وقالت:
ريم: «إذًا… ساق ميزيلدا، جراح لويس تشان وأوتاكاتا تشان، إصابات ميديوم سان وفلوب سان… كل هذا ذنبك؟»
سوبارو: «نعم، هو كذلك. لو كنتُ أكثر حذرًا في التحضيرات، لما آل الأمر إلى هذا.»
ريم: «لكنك وضعت خطة، وكانت الخطة التي بدت متهورة في البداية فعَّالة بالفعل. تمكَّنتَ من احتجاز الجنرال المصنف الثاني وأدخلتَ الجميع إلى المدينة من دون قتال. تمامًا كما خططنا.»
سوبارو: «لكن بعد ذلك…»
ريم: «――ومَن يهتم بما حدث بعد ذلك؟!»
عند إصرار سوبارو، عقدت ريم حاجبيها ورفعت صوتها. ثم أدارت وجهها فجأة، فانسلت لويس التي كانت متكئة على كتفها وسقطت في حجرها.
تحرَّكت لويس قليلًا وأصدرت أنينًا خافتًا، دون أن تستيقظ. ووسط تأوُّه خفيف، أسندت ريم كتفها بلطف، ثم عادت لتحدَّق في سوبارو.
ريم: «ما حصل بعد ذلك لم يكن بوسع أحدٍ التنبؤ به. ظهور تلك المرأة شبه العارية وجنونها لم يكن أمرًا متوقعًا على الإطلاق. فـ…»
سوبارو: «――――»
ريم: «فلماذا يجب أن تتحمل كل ذلك وحدك؟»
ازدرد سوبارو ريقه عند سماعه مرة أخرى سؤال “لماذا”.
ولو طُلب منه الجواب، لقال إنه ذنب القوي… مسؤولية مَن يملك القدرة.
بنفس الطريقة التي ندبت بها ريم ضعف سحرها الشفائي، كثيرًا ما ندم سوبارو على عجز سلطته عن تعويض ذلك.
فمجال تأثير ‘لعودة بالموت” أوسع، والمستقبل قد يتحسَّن أو يسوء اعتمادًا على قرارات سوبارو واستعماله لقوَّته. غير أنَّ――
سوبارو: «ذلك…»
――تلك كانت حقيقة يستحيل البوح بها لأي كان، حتى وإن كانت ريم.
ولم تكن ريم استثناءً فحسب.
فالسلطة التي يحملها سوبارو، وحدها لا يمكن أن تُفصح لأي أحد، بغض النظر عن مدى انفتاحه، أو عن عمق العلاقة العاطفية التي تجمعه به.
لو أفصح عنها، فلا سبيل لقول الحقيقة دون تعريض حياة الشخص الآخر للخطر، بل للموت.
ما كان يخشاه حقًّا لم يكن الألم فحسب. الألم الناتج عن محاولة الإفصاح عن “العودة بالموت” كان مرعبًا.
مَن ذا الذي يمكنه التكيُّف مع ذلك الألم الساحق الذي يخنق القلب كل مرة وكأنها الأولى؟
لكن ما كان يرعبه أكثر من الألم، هو الخسارة.هل ثمَّة ما هو أكثر رعبًا من الفقدان؟
أليس هذا الخوف المفرط من الفقدان بالذات، هو ما جعل هذه السلطة توكل إلى ناتسكي سوبارو؟
ريم: «… لماذا حميتني؟»
سوبارو: «ها…؟»
واصلت ريم حديثها وكأنها فقدت الأمل في سوبارو، الذي لاذ بالصمت وعجز عن الردِّ.
لحظةً، رمش سوبارو بعينيه متحيرًا… لم يدرك ما تقصده ريم.
ريم: «حين هاجمتني تلك المرأة شبه العارية… أسقطتُ عمودًا، ولما لم ينجح ذلك… اندفعتْ نحوي، فاعترضتَ طريقها بجسدك.»
في محاولة بائسة ويائسة لإنقاذها من ضربة أراكيا، وقف سوبارو أمام ريم.
مدَّ يديه في ذعر، محاولًا بكل ما أوتي من عزيمة أن يصدَّ أي خطر يهددها. في تلك اللحظة، لم يكن يهمُّه إن كانت أراكيا ستنتزع حياته.
أراد فقط أن تظل ريم على قيد الحياة، ولو لثانيةٍ واحدة أطول منه. ذلك كان――
ريم: «نتيجة خطتك التي سُمِّيت بـ “الحصار بلا دماء”، وكونك حميتني في تلك اللحظة، وحتى خسارة ميزيلدا سان لساقها… أنت تحاول أن تتحمَّل كل شيء وحدك…»
سوبارو: «――――»
ريم: «أنت لستَ قويًا بما يكفي لفعل كل هذا… كنتُ حذرة منك في البداية بسبب تلك الرائحة الفظيعة.»
هنا توقفت ريم عن الكلام. وبعد أن عمًّ الصمت، نظرت إلى لويس النائمة في حجرها.
وبينما كانت تمسح بلطف على شعرها الذهبي، حبست أنفاسها للحظة، ثم عادت بنظراتها إلى سوبارو وقالت بهدوء:
ريم: «أنا، ولويس- تشان، وإيبل سان، وميزيلدا سان، وميديوم سان، وفلوب سان… جميعنا بشر نمتلك إرادتنا الخاصة، ولستَ مضطرًا للانهيار لتحمينا.»
سوبارو: «أوه…»
ريم: «من فضلك، لا تحاول فعل كل شيء وحدك. لسْتَ مضطرًا لتحمُّل مسؤولية أفعالنا.»
فتح سوبارو فمه وأغلقه مرارًا، مذهولًا من سيل كلماتها.
رفض دماغه أن يستوعب ما قيل بسرعة، غير أن شعورًا غير معروف بالحاجة الملحَّة لفَّ قلبه، ودفعه للإصغاء… وعدم مقاطعتها.
بمشاعر صادقة، كانت ريم تردُّ على سوبارو الذي كان يجلد نفسه على عجزه.
وكان عليه أن يوقفها قبل أن تمضي أبعد من ذلك――
ريم: «أنت لست شخصًا استثنائيًّا――»
كان يعلم أنه لم يكن عليه أن يدعها تُكمل.
ريم: «――لأنك لستَ بطلًا.»
△▼△▼△▼△
يتمايل مترنِّحًا، سار سوبارو في أرجاء قاعة المدينة كمَن يهيم على وجهه.
لم يكن لديه وجهة، بل لم يدرك حتى متى بدأ السير. كلًّ ما في الأمر أنه حين عاد إلى وعيه، وجد نفسه يمشي. بل وحتى حينها، ظل وعيه غائمًا، متلبّدًا.
سوبارو: «――آخ.»
فجأة، تلقَّى ضربة قوية في وجهه.
وحين رفع رأسه ليرى ما أصابه، اكتشف أنه اصطدم بالحائط… كان يسير وهو لا يرى سوى قدميه، ولهذا لم ينتبه. أمسك بجبهته المتألِّمة، وزفر زفرة حارة.
ثم، دون تفكير، عاد وطرق جبهته بالحائط مجددًا.
ارتطام صلب، وصوت خافت، وألمٌ لسع دماغه من الداخل.
رجَّ دماغه من الخارج، وكأنه يحاول إخراج الركود الذي يتلبَّسه.
فطرق جبهته بالحائط مرةً أخرى… ثم مرة… ومرة…
دق، دق، دق――
؟؟؟: «هيه، هيه، توقف عن ذلك، يا صاح.»
وقبل أن يضرب نفسه مرةً أخرى، أمسكت يدٌ بكتفه من الخلف. لقد ناداه أحدهم.
وحين التفت سوبارو، وقعت عيناه على نظرةٍ من خلف خوذة فولاذية، متجهةٍ نحوه مباشرة.
وما زال ذاك الشخص ممسكًا بكتفه، ثم حرَّك رقبته حتى أطلق عظامها طقطقة خفيفة، وقال:
آل: «أُدرك جيدًا شعورَ الرغبة في الموت… لكن، مهما كرَّرت ذلك، فلن تكون هناك نهاية لتلك الأمور أبدًا.»
////
حسابنا بتويتر @ReZeroAR
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.