30 - البطل المزعوم ناتسكي سوبارو.
كان التعبير على وجه ميزيلدا حازمًا حين أعلنت تخليها عن منصبها كزعيمة.
لم تتراجع الهيبة الجامحة التي وسمت جمالها الحاد النظرات، وبقيت على حالها تمامًا كما رآها الجميع أول مرة. وبينما اجتازت المحن، لم تتغيَّر الصورة التي عُرفت بها كامرأة قوية.
لذلك――
لم تتراجع الهيبة الجامحة التي وسمت جمالها الحاد النظرات، وبقيت على حالها تمامًا كما رآها الجميع أول مرة. وبينما اجتازت المحن، لم تتغيَّر الصورة التي عُرفت بها كامرأة قوية.
سوبارو: «… إذًا، هل يعني ذلك أنني سأتلقى العقاب؟»
إيبل: «لا أظن أنني بحاجة لأن أُخبرك بما هو واضح.»
ومع هذه الصورة الراسخة، قررت ميزيلدا، وقد فقدت ساقها اليمنى، أن تتنحى عن الزعامة.
الجميع: «――――»
ريم: «رجاءً، اخفض صوتك.»
تاريتا: «أختي… هذا مستحيل. لا يمكن لشخصٍ مثلي أن يكون زعيمة جيدة…»
أحاط بميزيلدا أولئك الذين امتلأت قلوبهم بالأسى.
سوبارو: «كل شيء… ذنبي.»
عشيرة الشودراك، الذين شهدوا قوَّة زعيمتهم عن كثب، لم يكن بمقدورهم التخلِّي عن شعور الخسارة بهذه السهولة.
أما كونا، فقد ازداد برود تعابير وجهها المعتادة، في حين بدا على هولي، التي عُرفت بلطافتها، ملامح من الكآبة. وعضَّت أوتاكاتا شفتها واحتبست دموعها وهي تخفض رأسها، فيما سادت وجوه الشودراك الآخرين كآبة صامتة.
هنا توقفت ريم عن الكلام. وبعد أن عمًّ الصمت، نظرت إلى لويس النائمة في حجرها.
كلمات تاريتا التي نطقتها بحرقةٍ، قوبلت بصوتٍ خافتٍ مملوءٍ باللوم الذاتي.
لكن الشخص الذي بدا عليه الاضطراب أكثر من الجميع――
سوبارو: «――――» إيبل: «إن تجاوزوا تقييمهم المعتاد، فسيفسد ذلك الخطة الموضوعة. أنا أطلب منهم بالضبط ما هو مطلوب. لا أكثر ولا أقل. وقد أدَّت ميزيلدا واجبها. لذا، ليس لي أن أقدِّم لها سوى مكافأة.»
تاريتا: «أختي… هذا مستحيل. لا يمكن لشخصٍ مثلي أن يكون زعيمة جيدة…»
بنفس الطريقة التي ندبت بها ريم ضعف سحرها الشفائي، كثيرًا ما ندم سوبارو على عجز سلطته عن تعويض ذلك. فمجال تأثير ‘لعودة بالموت” أوسع، والمستقبل قد يتحسَّن أو يسوء اعتمادًا على قرارات سوبارو واستعماله لقوَّته. غير أنَّ――
ميزيلدا: «――تاريتا.»
ثم――
تاريتا: «لقد استطعتِ فعل ذلك لأنك أنتِ… أما أنا فلا قدرة لي على ما فعلتِه…»
بالكلمات يُحفِّزهم، وبالمكافآت يدفعهم لتخطِّي قدراتهم، وبالثناء يُلزمهم بتحسين أدائهم لاحقًا. هكذا اعتقد سوبارو دائمًا أن الأقوياء يفرضون هيمنتهم على أتباعهم. لكن ردُّ إيبل خالف تمامًا هذه القاعدة التي آمن بها. فهو لا يطلب من أتباعه جهدًا يتجاوز طاقتهم.
وذلك لأنها تلوم نفسها بصدق لعجزها عن إنقاذ الآخرين، بسبب ضعفها.
هزَّت رأسها رفضًا وتوسلت بيأس، إذ لم تكن تتخيل نفسها في مقام مَن ترعرعت تحت ظله.
فطرق جبهته بالحائط مرةً أخرى… ثم مرة… ومرة…
كونها شقيقة ميزيلدا الصغرى، والتي اختيرت بنفسها خليفة للزعامة، لم تكن سوى دليلٍ على تقديرها واحترامها العميق لأختها الكبرى، والذي كان واضحًا في كل قولٍ وفعلٍ منها.
سوبارو: «أنتِ لستِ عديمة الجدوى أبدًا. رغم أن ذاكرتكِ مشوَّشة، تمكنتِ من استخدام سحركِ الشفائي ببراعة، وأنقذتِ العديد من الأرواح. لكن…»
ولذلك بالذات، لم تستطع تاريتا تقبُّل فقدان أختها لساقها، وبدت أكثر حزنًا واضطرابًا من ميزيلدا نفسها.
ازدرد سوبارو ريقه عند سماعه مرة أخرى سؤال “لماذا”.
ريم: «… ذلك نتيجة تقصيري.»
سوبارو: «أوه…»
ريم: «ميزيلدا سان… قد يكون كلامك صحيحًا، لكن――»
كلمات تاريتا التي نطقتها بحرقةٍ، قوبلت بصوتٍ خافتٍ مملوءٍ باللوم الذاتي.
ريم: «لو أن… لو أنني كنتُ كما كنتُ من قبل، تُرى كيف كانت الأمور ستسير…»
جاء الصوت من الطرف الآخر من الغرفة التي اكتظَّت بالجرحى، من ريم، التي بدت منهكة وهي تتكئ على عصاها.
سوبارو: «أوه…»
كانت الوحيدة القادرة على استخدام سحر الشفاء، وقد تنقَّلت بين المصابين محاولة إنقاذ أكبر عدد ممكن منهم. وكان من السهل تخمين حجم معاناتها من خلال ثيابها الملطخة بالدماء، وشعرها المبعثر، وتعابير وجهها المرهقة.
سوبارو: «كل شيء… ذنبي.»
ومع ذلك، لم تهتم بنفسها، بل إن كلمات الشكر التي وجَّهها لها سوبارو في البداية قوبلت منها ببرودٍ واختصار: «أنا بخير.»
فأيٌّ منهما سيكون الخلاص لريم؟
ومع هذا، لم يكن لأحد أن يلوم ريم على نقص قوتها، فلولاها، لما نجا أحد من هجوم أراكيا دون ضحايا.
لذلك――
ولم يكن لذلك أن يُخفِّف عن تاريتا فجأة، لكنها، لا بد، أدركت أن التمسك بميزيلدا لن يُبدِّل شيئًا من الواقع.
ريم: «من فضلك، لا تحاول فعل كل شيء وحدك. لسْتَ مضطرًا لتحمُّل مسؤولية أفعالنا.»
ميزيلدا: «ريم، لا داعي لأن تشعري بالحزن. لقد كنت محظوظة بالخروج من المعركة أمام الجنرال الإمبراطوري بفقدان ساقٍ فقط… لا، بل بسبب وجودكِ إلى جانبي.»
ريم: «ميزيلدا سان… قد يكون كلامك صحيحًا، لكن――»
أبناء الشودراك: «――شكرًا لكِ!»
ميزيلدا: «أنا ممتنة لكِ. ولا حاجة لقول المزيد.»
إيبل: «――――»
قطعت ميزيلدا على ريم حديثها، مجددةً امتنانها بكلمات حاسمة.
ردًا على كلمات الامتنان، خفضت ريم بصرها إلى يديها بامتعاض، وأخذت تحدق في أصابعها الشاحبة وهي تعضُّ شفتيها بضعف.
اقتربت لويس، بشعرها الأشقر المنكوش، من ريم الصامتة. ومدَّت يدها برقة إلى طرف فستانها، فخفضت ريم بصرها بهدوء، ووضعت كفَّها على كتف لويس.
فتح سوبارو فمه وأغلقه مرارًا، مذهولًا من سيل كلماتها.
بالكلمات يُحفِّزهم، وبالمكافآت يدفعهم لتخطِّي قدراتهم، وبالثناء يُلزمهم بتحسين أدائهم لاحقًا. هكذا اعتقد سوبارو دائمًا أن الأقوياء يفرضون هيمنتهم على أتباعهم. لكن ردُّ إيبل خالف تمامًا هذه القاعدة التي آمن بها. فهو لا يطلب من أتباعه جهدًا يتجاوز طاقتهم.
كان شعور ريم بالندم والعجز واضحًا تمامًا لسوبارو. لكنه لم ينجح في التعبير، إذ سبقه رجل وسيم الشعر داكن اللون إلى الكلام.
ريم: «لماذا أصبح الأمر ذنبك؟»
إيبل: «ميزيلدا، هل لا تزالين على موقفك؟»
لكن ردُّ إيبل على سوبارو، الذي كان مستعدًا لرميه بالعتاب وإظهار رأيه الحقيقي، جاء هادئًا ومتَّزنًا.
نظر إلى ريم بنظرة خجولة ملؤها الرجاء، لكنها قابلته بنظرة محتجة تجاهلها عن قصد.
سؤال إيبل قابله إيماءة من ميزيلدا، وهي جالسة على مقعدٍ ما، تلامس بيدها موضع ساقها المبتورة الملفوفة بالضمادات.
ميزيلدا: «أجل، لا نية لي في التراجع. وسيُحترم العهد المبرم بين الشودراك وإمبراطور فولاكيا. لكن من الآن فصاعدًا، عليكم الرجوع إلى تاريتا… أو بالأحرى، الزعيمة.»
ميزيلدا: «أجل، لا نية لي في التراجع. وسيُحترم العهد المبرم بين الشودراك وإمبراطور فولاكيا. لكن من الآن فصاعدًا، عليكم الرجوع إلى تاريتا… أو بالأحرى، الزعيمة.»
كان أقرب مثال حاضر في ذهنه هو آل، الرجل ذو الذراع الواحدة، الذي فقد ذراعه اليسرى. وهناك أيضًا مدينة بوَّابة المياه بريستيلا؛ خلال تلك المعركة، فقد ريكاردو إحدى ذراعيه في مواجهة ضد الشراهة.
إيبل: «――مفهوم. ميزيلدا، لقد أديتِ خدمة عظيمة.»
ميزيلدا: «همم.»
دق، دق، دق――
أعلنت ميزيلدا قرارها الحاسم، وقابلها إيبل بتفهمٍ وهو يعقد ذراعيه. عندها أطلقت ميزيلدا زفرة قصيرة، وارتسمت على شفتيها ابتسامة عريضة.
ثم، بابتسامة باهتة، نظرت إليه وقالت:
أعلنت ميزيلدا قرارها الحاسم، وقابلها إيبل بتفهمٍ وهو يعقد ذراعيه. عندها أطلقت ميزيلدا زفرة قصيرة، وارتسمت على شفتيها ابتسامة عريضة.
ميزيلدا: «إن كان الأمر كذلك، فامنحني ابتسامة. هذه من واجبات الرجال الوسيمين.»
وإن حدث ذلك، فالأرجح أنه سيعود إلى آخر نقطة ارتكاز… إلى وقت المعركة الدموية ضد تود في غوارال―― وقد جعلته مجرَّد ذكرى تلك اللحظة يرتجف بالكامل من شدة الرعب.
إيبل: «――همم.»
ميزيلدا: «حسنًا، هذا يكفي.»
حسابنا بتويتر @ReZeroAR
سوبارو: «أنتِ لستِ عديمة الجدوى أبدًا. رغم أن ذاكرتكِ مشوَّشة، تمكنتِ من استخدام سحركِ الشفائي ببراعة، وأنقذتِ العديد من الأرواح. لكن…»
حتى بعد فقدان ساقها، ظلت ميزيلدا قوية كما عهدوها.
ولم ينتقدها إيبل، رغم تكبُّره المعروف، بل ردَّ بابتسامة صامتة.
سوبارو: «أنا مَن لم يكن قويًّا بما يكفي.»
كان ذلك، قبل كل شيء، دليلًا على احترام الإمبراطور الذي انتُزِع عرشه لتلك المحاربة التي خرجت من أعماق الغابة.
بل إن كان لا بد من لوم، فليكن على――
ثم――
كلمة نابية قابلها إيبل بكلمة أدهى منها، ثم افترق سوبارو عنه، بعدما عاد إيبل إلى قاعة الاجتماع.
ميزيلدا: «――أنصتوا إليَّ، يا أبناء قومي!»
كانت تلك المرة الأولى التي يحصل فيها على إيماءة مباشرة من ريم دون توبيخ أو رد قاسٍ، ومع ذلك، لم يكن في مزاج يسمح له بتقدير ذلك. نظرت ريم إلى سوبارو، الذي كان يحتضن في صدره كتلة من الألم لم يجد لها مخرجًا.
تجمَّد وجه ميزيلدا المبتسم، ورفعت رأسها متحدثة بصوتٍ جهوري.
حتى بعد فقدان ساقها، ظلت ميزيلدا قوية كما عهدوها.
ومع صدى نبرتها الحازمة، اعتدل أبناء الشودراك في جلستهم، وأصغوا بانتباه.
فتح سوبارو فمه وأغلقه مرارًا، مذهولًا من سيل كلماتها.
ميزيلدا: «كما أخبرتكم سابقًا، فإنني أُتمُّ واجبي كزعيمة! وها أنا أُسلم هذا المنصب إلى شقيقتي، تاريتا! من الآن فصاعدًا، أطيعوا تاريتا!»
وحين رفع رأسه ليرى ما أصابه، اكتشف أنه اصطدم بالحائط… كان يسير وهو لا يرى سوى قدميه، ولهذا لم ينتبه. أمسك بجبهته المتألِّمة، وزفر زفرة حارة.
أبناء الشودراك: «――――»
ريم: «رجاءً، اخفض صوتك.»
ميزيلدا: «هذه آخر أوامري كزعيمة―― أشكركم على وفائكم لعهود الأجداد، وعلى اعتزازكم بإرثهم.»
تاريتا: «――――»
ميزيلدا: «إن كان الأمر كذلك، فامنحني ابتسامة. هذه من واجبات الرجال الوسيمين.»
أبناء الشودراك: «――شكرًا لكِ!»
كان شعور ريم بالندم والعجز واضحًا تمامًا لسوبارو. لكنه لم ينجح في التعبير، إذ سبقه رجل وسيم الشعر داكن اللون إلى الكلام.
ختمت ميزيلدا حديثها، وردَّد أبناء الشودراك كلمات أشبه بالتراتيل.
ريم: «أعلم. لو كنتُ بكامل قواي، لما كان سحري على هذا الشكل.»
لم يكن سوبارو على دراية بطقوسهم أو عاداتهم العريقة، لكنه، حتى وهو الغريب الجاهل، استطاع أن يستشعر قدسية ذلك الطقس.
طقسٌ بسيط، غير رسمي، يجمع بين الواقعية والرمزية.
وفي هذه اللحظة، انتقلت زعامة عشيرة الشودراك من ميزيلدا إلى تاريتا.
سوبارو: «قاسٍ كعادتك تمامًا… فقط، تفاجأتُ لا أكثر. لم أتوقَّع أن تتقبَّل انسحاب ميزيلدا سان من الخطوط الأمامية بهذه السهولة.»
سوبارو: «لا أريدك أن تتورَّط في مشكلة مع بريسيلا وتفتعل شجارًا جديدًا. فقط كن حذرًا في طريقة حديثك معها.»
تاريتا: «أختي…»
وكان عليه أن يوقفها قبل أن تمضي أبعد من ذلك――
ميزيلدا: «لا تُنكسي رأسكِ، أيتها الزعيمة. ترددكِ هو ترددنا. وتخاذلكِ هو تخاذلنا. وموتكِ هو موتنا جميعًا.»
إيبل: «ميزيلدا، هل لا تزالين على موقفك؟»
تاريتا: «――――»
بالكلمات يُحفِّزهم، وبالمكافآت يدفعهم لتخطِّي قدراتهم، وبالثناء يُلزمهم بتحسين أدائهم لاحقًا. هكذا اعتقد سوبارو دائمًا أن الأقوياء يفرضون هيمنتهم على أتباعهم. لكن ردُّ إيبل خالف تمامًا هذه القاعدة التي آمن بها. فهو لا يطلب من أتباعه جهدًا يتجاوز طاقتهم.
بالكلمات يُحفِّزهم، وبالمكافآت يدفعهم لتخطِّي قدراتهم، وبالثناء يُلزمهم بتحسين أدائهم لاحقًا. هكذا اعتقد سوبارو دائمًا أن الأقوياء يفرضون هيمنتهم على أتباعهم. لكن ردُّ إيبل خالف تمامًا هذه القاعدة التي آمن بها. فهو لا يطلب من أتباعه جهدًا يتجاوز طاقتهم.
ريم: «بهذه الطريقة، ستوقظ لويس تشان النائمة. أرجو أن تضعها في اعتبارك.»
بالقرب منها، تقدَّمت ميزيلدا نحو الزعيمة الجديدة تاريتا لتشجِّعها، غير أن ملامح هذه الأخيرة بدت قاتمة.
تحرَّكت لويس قليلًا وأصدرت أنينًا خافتًا، دون أن تستيقظ. ووسط تأوُّه خفيف، أسندت ريم كتفها بلطف، ثم عادت لتحدَّق في سوبارو.
ولم يكن لذلك أن يُخفِّف عن تاريتا فجأة، لكنها، لا بد، أدركت أن التمسك بميزيلدا لن يُبدِّل شيئًا من الواقع.
إيبل: «وهكذا الأمر إذًا. أنت لست من أتباعي، وبالتالي لا ينطبق عليك لا العقاب ولا المكافأة.»
وبعد لحظات من الصمت، أومأت تاريتا بخجلٍ وصمت.
كان التعبير على وجه ميزيلدا حازمًا حين أعلنت تخليها عن منصبها كزعيمة.
ميزيلدا: «――――»
المشاعر المعقَّدة التي لمعت في عيني ميزيلدا عند رؤيتها ذلك، غفلت عنها تاريتا وهي تُطأطئ رأسها―― ولم يكن ثمَّة أحد سواها ليُفصح عنها.
كلُّ ما كان يريده هو أفضل نهاية سعيدة ممكنة، ولكن ما حصده لم يكن إلا نهاية “لا بأس بها”، أو ما يصحُّ وصفه بنهاية حزينة “لا بأس بها”.
مَن ذا الذي يمكنه التكيُّف مع ذلك الألم الساحق الذي يخنق القلب كل مرة وكأنها الأولى؟
△▼△▼△▼△
إيبل: «ميزيلدا، هل لا تزالين على موقفك؟»
سوبارو: «… صراحةً، لم أتوقع هذا.»
مع انتهاء حديث خلافة الزعامة وتقرير الأضرار، توجَّه سوبارو إلى إيبل بكلامه.
قطعت ميزيلدا على ريم حديثها، مجددةً امتنانها بكلمات حاسمة.
تجهَّم إيبل، متضايقًا من مقاطعته دون موضوعٍ محدد، ثم سأل بنبرة ضيق: «ماذا؟»
إيبل: «عندي ما يكفيني من الأمور لأفكر فيها. وأنت، من بين كل الناس، لستَ ممَّن ينبغي له أن يُشغلني.»
ثم أومأت بذقنها نحو الفتاة التي كانت تتكئ على كتفها الأيسر.
سوبارو: «قاسٍ كعادتك تمامًا… فقط، تفاجأتُ لا أكثر. لم أتوقَّع أن تتقبَّل انسحاب ميزيلدا سان من الخطوط الأمامية بهذه السهولة.»
إيبل: «――――»
نظر إلى ريم بنظرة خجولة ملؤها الرجاء، لكنها قابلته بنظرة محتجة تجاهلها عن قصد.
سوبارو: «ظننتُ أنك ستقول إن كلَّ ما فقدته هو ساقٌ واحدة فقط، وتطلب منها أن تُفني نفسها في العمل من أجلك.»
ميزيلدا: «ريم، لا داعي لأن تشعري بالحزن. لقد كنت محظوظة بالخروج من المعركة أمام الجنرال الإمبراطوري بفقدان ساقٍ فقط… لا، بل بسبب وجودكِ إلى جانبي.»
رغم أنه أدرك كم بدا ذلك قاسيًا، عبَّر سوبارو بصراحة عن مشاعره تجاه إيبل.
ميزيلدا: «ريم، لا داعي لأن تشعري بالحزن. لقد كنت محظوظة بالخروج من المعركة أمام الجنرال الإمبراطوري بفقدان ساقٍ فقط… لا، بل بسبب وجودكِ إلى جانبي.»
فهذا الإمبراطور، الذي أضاف عشيرة الشودراك إلى قواته لاستعادة العرش، لم يتردَّد سابقًا في التفكير بتسميم مدينة الحصن غوارال إن وصلت الأمور إلى أسوأ حالاتها.
إيبل―― بل، فينسنت فولاكيا، لم يكن ليحجم عن فعل شيءٍ كهذا.
ريم: «أعلم. لو كنتُ بكامل قواي، لما كان سحري على هذا الشكل.»
كان يجب الإشادة بما حققته، لا أن تلوم نفسها عليه.
إيبل: «سخافة. ما معنى أن أكون بهذه القسوة دون مبرر؟»
لكن ردُّ إيبل على سوبارو، الذي كان مستعدًا لرميه بالعتاب وإظهار رأيه الحقيقي، جاء هادئًا ومتَّزنًا.
نظر إيبل إلى عشيرة الشودراك المتحدثين بالقرب منهم، بينما بدا سوبارو محبطًا.
إيبل: «لا أرغب بأن يبذل أتباعي أكثر مما يُطيقونه. حتى لو أمرتهم بأن يبذلوا أقصى جهدهم، فتوقُّع ما يتجاوز حدودهم وهمٌ محض.»
سوبارو: «――――»
إيبل: «إن تجاوزوا تقييمهم المعتاد، فسيفسد ذلك الخطة الموضوعة. أنا أطلب منهم بالضبط ما هو مطلوب. لا أكثر ولا أقل. وقد أدَّت ميزيلدا واجبها. لذا، ليس لي أن أقدِّم لها سوى مكافأة.»
وحين التفت سوبارو، وقعت عيناه على نظرةٍ من خلف خوذة فولاذية، متجهةٍ نحوه مباشرة.
بالكلمات يُحفِّزهم، وبالمكافآت يدفعهم لتخطِّي قدراتهم، وبالثناء يُلزمهم بتحسين أدائهم لاحقًا.
هكذا اعتقد سوبارو دائمًا أن الأقوياء يفرضون هيمنتهم على أتباعهم. لكن ردُّ إيبل خالف تمامًا هذه القاعدة التي آمن بها.
فهو لا يطلب من أتباعه جهدًا يتجاوز طاقتهم.
وقد يكون ذلك بيئةً جيِّدة للعمل، وإن بدت باردة في ذات الوقت.
ولو كان سوبارو أحد رجال إيبل، لَمَا كان من المستغرب أن يُؤمر بقطع رأسه.
إيبل: «ومع ذلك، فمَن يقصِّر في أداء ما طُلب منه، سينال العقاب. عقاب ومكافأة أكيدين، أتفهم ما يعنيه ذلك، أليس كذلك؟»
حتى لو أمكن قياس قوة السحر، فسيظل من الصعب عليه أن يُقدِّر تلك الفجوة بدقة.
سوبارو: «… إذًا، هل يعني ذلك أنني سأتلقى العقاب؟»
تجمَّد وجه ميزيلدا المبتسم، ورفعت رأسها متحدثة بصوتٍ جهوري.
إيبل: «لو كنتَ أحد أتباعي، لكان ذلك صحيحًا. لكن، هل أنت أحد أتباعي؟»
كانت الوحيدة القادرة على استخدام سحر الشفاء، وقد تنقَّلت بين المصابين محاولة إنقاذ أكبر عدد ممكن منهم. وكان من السهل تخمين حجم معاناتها من خلال ثيابها الملطخة بالدماء، وشعرها المبعثر، وتعابير وجهها المرهقة.
نظر سوبارو أمامه مباشرة، واتسعت عيناه عند سماع كلمات إيبل.
بالطبع، لم يتذكَّر سوبارو أبدًا أنه أصبح تابعًا لإيبل. فحتى حين ناقش الأمر مع بريسيلا، عامل إيبل سوبارو كمستشار عسكري، دون أن يُبدِي أي رغبة في ضمِّه رسميًا.
تمتمة سوبارو الجافة قوبلت بهزَّة خفيفة من ريم الجالسة إلى جواره.
تاريتا: «أختي…»
سوبارو: «ليس الأمر أنَّ لقب “المستشار العسكري” لا يغريني… لكنِّي لا أرغب في أن أكون تابعًا لك.»
تنفَّس قليلًا لتهدئة نفسه، ثم خطا نحوها.
واصلت ريم حديثها وكأنها فقدت الأمل في سوبارو، الذي لاذ بالصمت وعجز عن الردِّ.
إيبل: «وهكذا الأمر إذًا. أنت لست من أتباعي، وبالتالي لا ينطبق عليك لا العقاب ولا المكافأة.»
إيبل: «لا أظن أنني بحاجة لأن أُخبرك بما هو واضح.»
سوبارو: «حين أفكِّر في الأمر… ما الذي تمثّلينه لي حقًّا…؟»
ما كان يخشاه حقًّا لم يكن الألم فحسب. الألم الناتج عن محاولة الإفصاح عن “العودة بالموت” كان مرعبًا.
بحكم الظروف، اضطُرُّا إلى مرافقة بعضهما البعض. لم تربطهما علاقة سيد وتابع، ولا علاقة شخصية من أي نوع.
حتى لو أمكن قياس قوة السحر، فسيظل من الصعب عليه أن يُقدِّر تلك الفجوة بدقة.
بل كانا شخصين جرفهما تيار الأحداث، وما إن تهدأ العاصفة، حتى يتفرَّق دربهما.
ولم يكن من الصواب تسميتهما أصدقاء، أو حلفاء، أو رفقاء درب. ولو وُجدت تسمية تلائمهم، فهي “رفيقا تنكُّر”.
ريم: «――――»
فطرق جبهته بالحائط مرةً أخرى… ثم مرة… ومرة…
إيبل: «بعضهم تجرَّأ على مناداتي بصديق، لكنك لم تفعل.»
سوبارو: «آه… أنا شخص خجول؛ لذا لا يمكنني أن أصبح صديقك بهذه السهولة.»
سوبارو: «حين أفكِّر في الأمر… ما الذي تمثّلينه لي حقًّا…؟»
في ظل الظروف الحالية، مَن قد يجرؤ على مناداته بصديق إما أن يكون شخصًا طيبًا للغاية، أو محتالًا. وفلوب، على الأرجح، من النوع الأول. على أي حال――
كانت تلك المرة الأولى التي يحصل فيها على إيماءة مباشرة من ريم دون توبيخ أو رد قاسٍ، ومع ذلك، لم يكن في مزاج يسمح له بتقدير ذلك. نظرت ريم إلى سوبارو، الذي كان يحتضن في صدره كتلة من الألم لم يجد لها مخرجًا.
إيبل: «سأتابع حديثي مع بريسيلا. اذهب لتؤدي ما عليك.»
كونها شقيقة ميزيلدا الصغرى، والتي اختيرت بنفسها خليفة للزعامة، لم تكن سوى دليلٍ على تقديرها واحترامها العميق لأختها الكبرى، والذي كان واضحًا في كل قولٍ وفعلٍ منها.
سوبارو: «ما عليَّ؟»
سوبارو: «لا تقوليها بهذه الطريقة… خطئي.»
إيبل: «لا أظن أنني بحاجة لأن أُخبرك بما هو واضح.»
وبينما شقَّت نظرات إيبل اللوزيَّة الحادة طريقها إليه، حوَّل سوبارو نظره إلى ركن الغرفة.
وهناك، لمح ريم جالسة على الأرض. لم يكن بمقدوره تمييز ملامحها الحزينة من بُعد، لكنه أدرك أن تركها وحدها لن يكون خيارًا حكيمًا.
ومع ذلك، شعر بشيء من الضيق لأن إيبل هو مَن أشار عليه بذلك أولًا.
فجأة، تلقَّى ضربة قوية في وجهه.
سوبارو: «أوه، نعم… المعذرة، لقد تلف مكياجي، وأبدو بشكل بشع قليلًا.»
سوبارو: «لا أريدك أن تتورَّط في مشكلة مع بريسيلا وتفتعل شجارًا جديدًا. فقط كن حذرًا في طريقة حديثك معها.»
بطبيعة الحال، كانت مشاعر سوبارو متضاربة.
إيبل: «الكثيرون سيرون أن هذه النصيحة أنت أولى بها مني.»
وإن حدث ذلك، فالأرجح أنه سيعود إلى آخر نقطة ارتكاز… إلى وقت المعركة الدموية ضد تود في غوارال―― وقد جعلته مجرَّد ذكرى تلك اللحظة يرتجف بالكامل من شدة الرعب.
كلمة نابية قابلها إيبل بكلمة أدهى منها، ثم افترق سوبارو عنه، بعدما عاد إيبل إلى قاعة الاجتماع.
سوبارو: «――――»
إصابة ميزيلدا ستُحدث تغيُّرًا في وضع عشيرة الشودراك، وسيكون من الضروري أخذ ذلك بالحسبان في النقاش مع بريسيلا.
لكن، لم يكن لسوبارو موطئ قدم في الحوار الدائر بين الكائنين السماويين، إيبل وبريسيلا.
ما أولاه الأولوية، هو الحديث مع الوحيدة التي يستطيع الحديث معها.
سوبارو: «――ريم، هل الوقت مناسب؟»
تنفَّس قليلًا لتهدئة نفسه، ثم خطا نحوها.
كانت تجلس بركبتيها إلى صدرها وظهرها مستندٌ إلى الجدار، فتفاعلت مع صوته تحركًا طفيفًا، وانعكست هيئته في عينيها الزرقاوين الباهتتين.
ريم: «… أهذا أنت؟ متى ستبدِّل ثيابك؟»
فإن كان لا بد من لعن ضعف أحدهم، فلا بد أن يقع اللوم على كاهل سوبارو.
سوبارو: «ريم لها الأولوية عن تبديل الملابس. بمجرَّد انتهاء هذه المحادثة، سأبدِّل ملابسي.»
ريم: «أحقًا؟ حسنًا إذًا، لقد انتهت المحادثة. تفضَّل وبدِّل ملابسك.»
سوبارو: «هذا تصرُّف فظ للغاية!»
ريم: «――ومَن يهتم بما حدث بعد ذلك؟!»
شعر سوبارو بالعجز، ورفع صوته بعد ردِّ ريم القاسي. وبمجرد أن فعل ذلك، رمقته ريم بنظرة حادَّة وقالت:
بطبيعة الحال، كانت مشاعر سوبارو متضاربة.
دق، دق، دق――
ريم: «رجاءً، اخفض صوتك.»
إيبل―― بل، فينسنت فولاكيا، لم يكن ليحجم عن فعل شيءٍ كهذا.
لذلك――
ثم أومأت بذقنها نحو الفتاة التي كانت تتكئ على كتفها الأيسر.
ريم: «… أهذا أنت؟ متى ستبدِّل ثيابك؟»
ريم: «بهذه الطريقة، ستوقظ لويس تشان النائمة. أرجو أن تضعها في اعتبارك.»
كانت تجلس بركبتيها إلى صدرها وظهرها مستندٌ إلى الجدار، فتفاعلت مع صوته تحركًا طفيفًا، وانعكست هيئته في عينيها الزرقاوين الباهتتين.
سوبارو: «أنا فقط…»
كلمات ريم انقطعت عند هذا الحد.
ميزيلدا: «――أنصتوا إليَّ، يا أبناء قومي!»
ريم: «أم أنك لا تريد أن تُولي هذه الفتاة أيَّ قدر من الاعتبار؟»
عشيرة الشودراك، الذين شهدوا قوَّة زعيمتهم عن كثب، لم يكن بمقدورهم التخلِّي عن شعور الخسارة بهذه السهولة.
سوبارو: «لا تقوليها بهذه الطريقة… خطئي.»
إيبل―― بل، فينسنت فولاكيا، لم يكن ليحجم عن فعل شيءٍ كهذا.
ختمت ميزيلدا حديثها، وردَّد أبناء الشودراك كلمات أشبه بالتراتيل.
كانت لويس تتنفس بأنفاس صغيرة وهي نائمة، وقد التصقت أكثر بريم، وكأنها تجد فيها ملاذًا آمنًا. ملابسها البيضاء ملطَّخة ببقع من الدم هنا وهناك، فقد كانت تساعد ريم في معالجة الجرحى. ومن خلال سلوك ريم وكلام أوتاكاتا، عرف سوبارو أنها فعلت ما طُلب منها، وإن كان أداؤها ضعيفًا.
سوبارو: «قاسٍ كعادتك تمامًا… فقط، تفاجأتُ لا أكثر. لم أتوقَّع أن تتقبَّل انسحاب ميزيلدا سان من الخطوط الأمامية بهذه السهولة.»
بطبيعة الحال، كانت مشاعر سوبارو متضاربة.
عشيرة الشودراك، الذين شهدوا قوَّة زعيمتهم عن كثب، لم يكن بمقدورهم التخلِّي عن شعور الخسارة بهذه السهولة.
ريم: «تُربكني حين تُظهر وجهًا عابسًا وأنت بهيئتك تلك.»
لذلك――
سوبارو: «أوه، نعم… المعذرة، لقد تلف مكياجي، وأبدو بشكل بشع قليلًا.»
ريم: «――لأنك لستَ بطلًا.»
ميزيلدا: «كما أخبرتكم سابقًا، فإنني أُتمُّ واجبي كزعيمة! وها أنا أُسلم هذا المنصب إلى شقيقتي، تاريتا! من الآن فصاعدًا، أطيعوا تاريتا!»
ريم: «لقد كنت تبدو بشعًا حتى عندما كان مكياجك مرتبًا.»
ريم: «――――»
فهذا الإمبراطور، الذي أضاف عشيرة الشودراك إلى قواته لاستعادة العرش، لم يتردَّد سابقًا في التفكير بتسميم مدينة الحصن غوارال إن وصلت الأمور إلى أسوأ حالاتها.
سوبارو: «توهُوهُو…»
كلمة نابية قابلها إيبل بكلمة أدهى منها، ثم افترق سوبارو عنه، بعدما عاد إيبل إلى قاعة الاجتماع.
ارتخت كتفا سوبارو وهمد في مكانه مكتئبًا من تعليق ريم القاسي كعادته، ثم جلس ببطء إلى جانبها، من الجهة اليمنى، مقابل لويس.
كان يعلم أنه لم يكن عليه أن يدعها تُكمل.
نظر إلى ريم بنظرة خجولة ملؤها الرجاء، لكنها قابلته بنظرة محتجة تجاهلها عن قصد.
لكن ردُّ إيبل على سوبارو، الذي كان مستعدًا لرميه بالعتاب وإظهار رأيه الحقيقي، جاء هادئًا ومتَّزنًا.
سوبارو: «ريم، لقد أبلَيتِ بلاءً عظيمًا… الجميع نجا بفضلك.»
نظر إلى ريم بنظرة خجولة ملؤها الرجاء، لكنها قابلته بنظرة محتجة تجاهلها عن قصد.
ريم: «… أنا أدرك تمامًا مدى ضعفي. ولأكون صادقة، فأنا عديمة الجدوى.»
فهذا الإمبراطور، الذي أضاف عشيرة الشودراك إلى قواته لاستعادة العرش، لم يتردَّد سابقًا في التفكير بتسميم مدينة الحصن غوارال إن وصلت الأمور إلى أسوأ حالاتها.
سوبارو: «ريم…»
مدَّ يديه في ذعر، محاولًا بكل ما أوتي من عزيمة أن يصدَّ أي خطر يهددها. في تلك اللحظة، لم يكن يهمُّه إن كانت أراكيا ستنتزع حياته.
ردًا على كلمات الامتنان، خفضت ريم بصرها إلى يديها بامتعاض، وأخذت تحدق في أصابعها الشاحبة وهي تعضُّ شفتيها بضعف.
سوبارو: «أنتِ لستِ عديمة الجدوى أبدًا. رغم أن ذاكرتكِ مشوَّشة، تمكنتِ من استخدام سحركِ الشفائي ببراعة، وأنقذتِ العديد من الأرواح. لكن…»
سوبارو: «على هذا الشكل؟»
ريم: «أعلم. لو كنتُ بكامل قواي، لما كان سحري على هذا الشكل.»
لم يكن لديه وجهة، بل لم يدرك حتى متى بدأ السير. كلًّ ما في الأمر أنه حين عاد إلى وعيه، وجد نفسه يمشي. بل وحتى حينها، ظل وعيه غائمًا، متلبّدًا.
سوبارو: «على هذا الشكل؟»
كان ذلك حدثًا صادمًا إلى أقصى حد، لكنه لم يكن مأساة بعيدة الحدوث إلى درجة عدم تصورها. بل، بالنسبة لأولئك الذين يضعون أنفسهم في مواطن الخطر، قد يكون من الأدق وصفها بأنها مأساة مألوفة. ومع ذلك――
ريم: «سِحرُ الشفاء الذي أستخدمه الآن يعتمد على الحدس… بمعنى آخر، تعلَّمتُه ذاتيًّا دون مُعلِّم. لكن بفضل مساعدة لويس تشان، تمكَّنتُ من صقله قليلًا. ومع ذلك…»
ما كان يخشاه حقًّا لم يكن الألم فحسب. الألم الناتج عن محاولة الإفصاح عن “العودة بالموت” كان مرعبًا.
كلمات ريم انقطعت عند هذا الحد.
―― خسارة ميزيلدا لساقها، تركت في أعماق قلب سوبارو أثرًا ثقيلًا.
سوبارو: «ريم لها الأولوية عن تبديل الملابس. بمجرَّد انتهاء هذه المحادثة، سأبدِّل ملابسي.»
والسبب في ذلك، أنها شعرت بأنه لا حاجة للاسترسال، فالكلمات إن خرجت ستتحول إلى نصل يؤذيها، وإن خفَّف عنها الألم قليلًا.
سوبارو: «لا أريدك أن تتورَّط في مشكلة مع بريسيلا وتفتعل شجارًا جديدًا. فقط كن حذرًا في طريقة حديثك معها.»
الشكوى، حين تُقال، تجرح صاحبها ومَن حوله، لكنها في المقابل، تُزيح شيئًا من الثقل في القلب. غير أن ريم كانت ترفض حتى هذه التخفيفات الطفيفة.
ريم: «… لماذا؟»
وذلك لأنها تلوم نفسها بصدق لعجزها عن إنقاذ الآخرين، بسبب ضعفها.
سوبارو: «――――»
تاريتا: «أختي…»
سوبارو: «――آخ.»
مرة أخرى، استشعر سوبارو ألم ريم بشدَّة.
مرَّت هذه الأفكار في ذهنه.
أن يندم الإنسان لأنه لم يبذل أكثر، أشدَّ مرارة من جدار لا يُطال. والأدهى أن يكون هذا الندم متعلقًا بمستقبل شخص آخر، لا مستقبله هو.
قالها بعد لحظات من التفكير المؤلم، بدَت له أطول بكثير مما هي عليه في الواقع.
―― خسارة ميزيلدا لساقها، تركت في أعماق قلب سوبارو أثرًا ثقيلًا.
――تلك كانت حقيقة يستحيل البوح بها لأي كان، حتى وإن كانت ريم.
لم تكن حياة، لكنها كانت جزءًا من الجسد… ومن السهل أن يتخيل المرء مدى قسوة فقدان أحد أطرافه الأربعة.
ميزيلدا: «ريم، لا داعي لأن تشعري بالحزن. لقد كنت محظوظة بالخروج من المعركة أمام الجنرال الإمبراطوري بفقدان ساقٍ فقط… لا، بل بسبب وجودكِ إلى جانبي.»
كان أقرب مثال حاضر في ذهنه هو آل، الرجل ذو الذراع الواحدة، الذي فقد ذراعه اليسرى. وهناك أيضًا مدينة بوَّابة المياه بريستيلا؛ خلال تلك المعركة، فقد ريكاردو إحدى ذراعيه في مواجهة ضد الشراهة.
سوبارو: «ريم، لقد أبلَيتِ بلاءً عظيمًا… الجميع نجا بفضلك.»
كان ذلك حدثًا صادمًا إلى أقصى حد، لكنه لم يكن مأساة بعيدة الحدوث إلى درجة عدم تصورها. بل، بالنسبة لأولئك الذين يضعون أنفسهم في مواطن الخطر، قد يكون من الأدق وصفها بأنها مأساة مألوفة. ومع ذلك――
أليس هذا الخوف المفرط من الفقدان بالذات، هو ما جعل هذه السلطة توكل إلى ناتسكي سوبارو؟
سوبارو: «هذا… قاسٍ.»
ريم: «… نعم.»
تمتمة سوبارو الجافة قوبلت بهزَّة خفيفة من ريم الجالسة إلى جواره.
كانت تلك المرة الأولى التي يحصل فيها على إيماءة مباشرة من ريم دون توبيخ أو رد قاسٍ، ومع ذلك، لم يكن في مزاج يسمح له بتقدير ذلك. نظرت ريم إلى سوبارو، الذي كان يحتضن في صدره كتلة من الألم لم يجد لها مخرجًا.
―― خسارة ميزيلدا لساقها، تركت في أعماق قلب سوبارو أثرًا ثقيلًا.
تمتمة سوبارو الجافة قوبلت بهزَّة خفيفة من ريم الجالسة إلى جواره.
ريم: «لو أن… لو أنني كنتُ كما كنتُ من قبل، تُرى كيف كانت الأمور ستسير…»
ريم: «أنا، ولويس- تشان، وإيبل سان، وميزيلدا سان، وميديوم سان، وفلوب سان… جميعنا بشر نمتلك إرادتنا الخاصة، ولستَ مضطرًا للانهيار لتحمينا.»
أبناء الشودراك: «――شكرًا لكِ!»
سوبارو: «… تقصدين حين كنتِ تملكين ذاكرتكِ؟»
واصلت ريم حديثها وكأنها فقدت الأمل في سوبارو، الذي لاذ بالصمت وعجز عن الردِّ.
وحين التفت سوبارو، وقعت عيناه على نظرةٍ من خلف خوذة فولاذية، متجهةٍ نحوه مباشرة.
ريم: «نعم. لو كان سحر الشفاء كما كان في الماضي… لربما استطعتُ إنقاذ ساق ميزيلدا سان…»
سوبارو: «على هذا الشكل؟»
«لربما كان يمكن إنقاذها»―― سوبارو أغمض عينيه حين سمع ما كانت ريم توشك أن تنطق به.
رجَّ دماغه من الخارج، وكأنه يحاول إخراج الركود الذي يتلبَّسه.
لم يكن من العسير عليه فهم ما كانت ريم تفكر فيه، لكن الحكم على مدى تأثر سحرها الشفائي بغياب ذاكرتها لم يكن أمرًا يسيرًا بالنسبة له.
حتى لو أمكن قياس قوة السحر، فسيظل من الصعب عليه أن يُقدِّر تلك الفجوة بدقة.
لكن مع ذلك――
ولم يكن لذلك أن يُخفِّف عن تاريتا فجأة، لكنها، لا بد، أدركت أن التمسك بميزيلدا لن يُبدِّل شيئًا من الواقع.
سوبارو: «――――» إيبل: «إن تجاوزوا تقييمهم المعتاد، فسيفسد ذلك الخطة الموضوعة. أنا أطلب منهم بالضبط ما هو مطلوب. لا أكثر ولا أقل. وقد أدَّت ميزيلدا واجبها. لذا، ليس لي أن أقدِّم لها سوى مكافأة.»
ريم: «――――»
ومع هذا، لم يكن لأحد أن يلوم ريم على نقص قوتها، فلولاها، لما نجا أحد من هجوم أراكيا دون ضحايا.
رمقتها عيناه، وعينَاها الزرقاوان الشاحبتان كانتا ممتلئتين بمشاعر صادقة موجَّهة نحوه.
إيبل: «وهكذا الأمر إذًا. أنت لست من أتباعي، وبالتالي لا ينطبق عليك لا العقاب ولا المكافأة.»
إن كانت الإجابة التي تنتظرها ريم شيئًا بوسع سوبارو تقديمه، فلم يكن واثقًا. ومع ذلك، لم يكن أمامه سوى خيارين: “ريم السابقة كانت تستطيع” أو “ريم السابقة لم تكن لتستطيع”.
△▼△▼△▼△
فأيٌّ منهما سيكون الخلاص لريم؟
ثم أومأت بذقنها نحو الفتاة التي كانت تتكئ على كتفها الأيسر.
―― أو بالأحرى، أيٌّ منهما سيحول دون أن تزداد جراحها عمقًا؟
سوبارو: «لم أفكِّر بما يكفي… كان ينبغي أن أدرس الموقف بجدية أكبر.»
سوبارو: «… حتى لو كانت ذاكرتكِ سليمة، أظن أن الأمر كان سيفوق قدرتكِ.»
وفي هذه اللحظة، انتقلت زعامة عشيرة الشودراك من ميزيلدا إلى تاريتا.
سؤال إيبل قابله إيماءة من ميزيلدا، وهي جالسة على مقعدٍ ما، تلامس بيدها موضع ساقها المبتورة الملفوفة بالضمادات.
ريم: «――――»
وأمامها، زمَّ سوبارو شفتيه بقوة حتى كاد يطحن أضراسه، ثم أخفى وجهه بين راحتيه.
سوبارو: «حتى سحر الشفاء ليس مطلق القدرة. وفي تلك الحالة، كنتِ لتبذلي أقصى ما يمكنكِ فقط.»
ريم: «سِحرُ الشفاء الذي أستخدمه الآن يعتمد على الحدس… بمعنى آخر، تعلَّمتُه ذاتيًّا دون مُعلِّم. لكن بفضل مساعدة لويس تشان، تمكَّنتُ من صقله قليلًا. ومع ذلك…»
قالها بعد لحظات من التفكير المؤلم، بدَت له أطول بكثير مما هي عليه في الواقع.
ريم: «… ذلك نتيجة تقصيري.»
ريم: «هاه…؟»
حتى لو كانت ريم قد استعادت ذاكرتها، وحتى لو كانت قواها العلاجية في أفضل حال، لما استطاعت إنقاذ ساق ميزيلدا.
إيبل: «――همم.»
فالواقع لا يقوم على “لو”، وإن بدأ الحديث عنها فلن يكون له نهاية.
نظر سوبارو أمامه مباشرة، واتسعت عيناه عند سماع كلمات إيبل.
صحيح أن ريم لم تستطع إنقاذ ساق ميزيلدا، لكنها بالمقابل أنقذت حياة الكثير من المصابين.
كان يجب الإشادة بما حققته، لا أن تلوم نفسها عليه.
وقد يكون ذلك بيئةً جيِّدة للعمل، وإن بدت باردة في ذات الوقت.
بل إن كان لا بد من لوم، فليكن على――
لم تكن حياة، لكنها كانت جزءًا من الجسد… ومن السهل أن يتخيل المرء مدى قسوة فقدان أحد أطرافه الأربعة.
سوبارو: «أنا مَن لم يكن قويًّا بما يكفي.»
سوبارو: «هذا تصرُّف فظ للغاية!»
ريم: «هاه…؟»
―― خسارة ميزيلدا لساقها، تركت في أعماق قلب سوبارو أثرًا ثقيلًا.
أما كونا، فقد ازداد برود تعابير وجهها المعتادة، في حين بدا على هولي، التي عُرفت بلطافتها، ملامح من الكآبة. وعضَّت أوتاكاتا شفتها واحتبست دموعها وهي تخفض رأسها، فيما سادت وجوه الشودراك الآخرين كآبة صامتة.
سوبارو: «لم أفكِّر بما يكفي… كان ينبغي أن أدرس الموقف بجدية أكبر.»
اتسعت عينا ريم المستديرتان حين سمعت الإجابة التي لفظها سوبارو.
لذلك――
وفي هذه اللحظة، انتقلت زعامة عشيرة الشودراك من ميزيلدا إلى تاريتا.
وأمامها، زمَّ سوبارو شفتيه بقوة حتى كاد يطحن أضراسه، ثم أخفى وجهه بين راحتيه.
سوبارو: «… صراحةً، لم أتوقع هذا.» مع انتهاء حديث خلافة الزعامة وتقرير الأضرار، توجَّه سوبارو إلى إيبل بكلامه.
فإن كان لا بد من لعن ضعف أحدهم، فلا بد أن يقع اللوم على كاهل سوبارو.
كونها شقيقة ميزيلدا الصغرى، والتي اختيرت بنفسها خليفة للزعامة، لم تكن سوى دليلٍ على تقديرها واحترامها العميق لأختها الكبرى، والذي كان واضحًا في كل قولٍ وفعلٍ منها.
ميزيلدا: «لا تُنكسي رأسكِ، أيتها الزعيمة. ترددكِ هو ترددنا. وتخاذلكِ هو تخاذلنا. وموتكِ هو موتنا جميعًا.»
سوبارو: «كل شيء… ذنبي.»
ومع ذلك، حتى لو عاد إلى تلك اللحظة الكئيبة، إن استطاع استعادة ما فُقد――
رغم ادعائه المتفاخر بأن ‘المدينة سقطت دون إراقة دماء”، فإن الواقع لم يكن كذلك.
اقتحام أراكيا خلَّف الكثير من الجرحى، وعودتها أدَّت إلى مقتل عددٍ من الحُرَّاس. صحيح أنه لم يُسجَّل أيُّ قتيل من صفوفهم، لكن بالنظر إلى ساق ميزيلدا المبتورة، فكيف يمكن أن يُقال إن الأمر تمَّ دون دماء؟
بالطبع، لم يتذكَّر سوبارو أبدًا أنه أصبح تابعًا لإيبل. فحتى حين ناقش الأمر مع بريسيلا، عامل إيبل سوبارو كمستشار عسكري، دون أن يُبدِي أي رغبة في ضمِّه رسميًا.
لقد فشل. سلسلة من الإخفاقات تراكمت، وفُقدت معها فرصة التعويض.
والسبب في ذلك، أنها شعرت بأنه لا حاجة للاسترسال، فالكلمات إن خرجت ستتحول إلى نصل يؤذيها، وإن خفَّف عنها الألم قليلًا.
كلُّ ما كان يريده هو أفضل نهاية سعيدة ممكنة، ولكن ما حصده لم يكن إلا نهاية “لا بأس بها”، أو ما يصحُّ وصفه بنهاية حزينة “لا بأس بها”.
وكما قال إيبل سابقًا، فإن خطأً مؤكدًا يستوجب جزاءً مؤكدًا―― وكان لا بد أن يُعاقب.
إيبل: «بعضهم تجرَّأ على مناداتي بصديق، لكنك لم تفعل.»
ريم: «أعلم. لو كنتُ بكامل قواي، لما كان سحري على هذا الشكل.»
ولو كان سوبارو أحد رجال إيبل، لَمَا كان من المستغرب أن يُؤمر بقطع رأسه.
ريم: «أنت لستَ قويًا بما يكفي لفعل كل هذا… كنتُ حذرة منك في البداية بسبب تلك الرائحة الفظيعة.»
――وفي أسوأ الأحوال، سيضطر إلى “العودة بالموت”.
سوبارو: «… صراحةً، لم أتوقع هذا.» مع انتهاء حديث خلافة الزعامة وتقرير الأضرار، توجَّه سوبارو إلى إيبل بكلامه.
مرَّت هذه الأفكار في ذهنه.
ريم: «أم أنك لا تريد أن تُولي هذه الفتاة أيَّ قدر من الاعتبار؟»
وإن حدث ذلك، فالأرجح أنه سيعود إلى آخر نقطة ارتكاز… إلى وقت المعركة الدموية ضد تود في غوارال―― وقد جعلته مجرَّد ذكرى تلك اللحظة يرتجف بالكامل من شدة الرعب.
ازدرد سوبارو ريقه عند سماعه مرة أخرى سؤال “لماذا”.
ومع ذلك، حتى لو عاد إلى تلك اللحظة الكئيبة، إن استطاع استعادة ما فُقد――
ولذلك بالذات، لم تستطع تاريتا تقبُّل فقدان أختها لساقها، وبدت أكثر حزنًا واضطرابًا من ميزيلدا نفسها.
ريم: «… لماذا؟»
سوبارو: «――――»
ذلك السؤال ضرب طبلتي أذنه وسط بحر أفكاره القاتمة.
سوبارو: «أوه، نعم… المعذرة، لقد تلف مكياجي، وأبدو بشكل بشع قليلًا.»
رفع وجهه على الفور، فإذا به يلتقي بنظرات ريم مباشرة.
إيبل: «لا أرغب بأن يبذل أتباعي أكثر مما يُطيقونه. حتى لو أمرتهم بأن يبذلوا أقصى جهدهم، فتوقُّع ما يتجاوز حدودهم وهمٌ محض.»
ميزيلدا: «――أنصتوا إليَّ، يا أبناء قومي!»
عينا ريم، اللتان غمرتهما ندامة مريرة قبل لحظات، راحتا تحدِّقان في سوبارو الآن بعمقٍ أشد، وندمٍ أكبر.
كان التعبير على وجه ميزيلدا حازمًا حين أعلنت تخليها عن منصبها كزعيمة.
ريم: «لماذا أصبح الأمر ذنبك؟»
أثارته نظرات ريم، فازدادت الكلمات ثقلًا فوق صدره، حتى عجز سوبارو عن الحركة.
ميزيلدا: «هذه آخر أوامري كزعيمة―― أشكركم على وفائكم لعهود الأجداد، وعلى اعتزازكم بإرثهم.»
مدَّت يدها، ونظراتها تزداد رطوبة، ثم أشارت إلى مبنى البلدية المدمَّر من حولهم، وقالت:
ريم: «إذًا… ساق ميزيلدا، جراح لويس تشان وأوتاكاتا تشان، إصابات ميديوم سان وفلوب سان… كل هذا ذنبك؟»
هزَّت رأسها رفضًا وتوسلت بيأس، إذ لم تكن تتخيل نفسها في مقام مَن ترعرعت تحت ظله.
سوبارو: «نعم، هو كذلك. لو كنتُ أكثر حذرًا في التحضيرات، لما آل الأمر إلى هذا.»
ختمت ميزيلدا حديثها، وردَّد أبناء الشودراك كلمات أشبه بالتراتيل.
ريم: «لكنك وضعت خطة، وكانت الخطة التي بدت متهورة في البداية فعَّالة بالفعل. تمكَّنتَ من احتجاز الجنرال المصنف الثاني وأدخلتَ الجميع إلى المدينة من دون قتال. تمامًا كما خططنا.»
كان شعور ريم بالندم والعجز واضحًا تمامًا لسوبارو. لكنه لم ينجح في التعبير، إذ سبقه رجل وسيم الشعر داكن اللون إلى الكلام.
ميزيلدا: «ريم، لا داعي لأن تشعري بالحزن. لقد كنت محظوظة بالخروج من المعركة أمام الجنرال الإمبراطوري بفقدان ساقٍ فقط… لا، بل بسبب وجودكِ إلى جانبي.»
سوبارو: «لكن بعد ذلك…»
سوبارو: «… صراحةً، لم أتوقع هذا.» مع انتهاء حديث خلافة الزعامة وتقرير الأضرار، توجَّه سوبارو إلى إيبل بكلامه.
بالقرب منها، تقدَّمت ميزيلدا نحو الزعيمة الجديدة تاريتا لتشجِّعها، غير أن ملامح هذه الأخيرة بدت قاتمة.
ريم: «――ومَن يهتم بما حدث بعد ذلك؟!»
ريم: «لو أن… لو أنني كنتُ كما كنتُ من قبل، تُرى كيف كانت الأمور ستسير…»
عند إصرار سوبارو، عقدت ريم حاجبيها ورفعت صوتها. ثم أدارت وجهها فجأة، فانسلت لويس التي كانت متكئة على كتفها وسقطت في حجرها.
تحرَّكت لويس قليلًا وأصدرت أنينًا خافتًا، دون أن تستيقظ. ووسط تأوُّه خفيف، أسندت ريم كتفها بلطف، ثم عادت لتحدَّق في سوبارو.
ريم: «ما حصل بعد ذلك لم يكن بوسع أحدٍ التنبؤ به. ظهور تلك المرأة شبه العارية وجنونها لم يكن أمرًا متوقعًا على الإطلاق. فـ…»
إيبل: «لا أظن أنني بحاجة لأن أُخبرك بما هو واضح.»
عشيرة الشودراك، الذين شهدوا قوَّة زعيمتهم عن كثب، لم يكن بمقدورهم التخلِّي عن شعور الخسارة بهذه السهولة.
سوبارو: «――――»
ريم: «فلماذا يجب أن تتحمل كل ذلك وحدك؟»
ازدرد سوبارو ريقه عند سماعه مرة أخرى سؤال “لماذا”.
سوبارو: «هذا تصرُّف فظ للغاية!»
ولو طُلب منه الجواب، لقال إنه ذنب القوي… مسؤولية مَن يملك القدرة.
نظر إلى ريم بنظرة خجولة ملؤها الرجاء، لكنها قابلته بنظرة محتجة تجاهلها عن قصد.
بنفس الطريقة التي ندبت بها ريم ضعف سحرها الشفائي، كثيرًا ما ندم سوبارو على عجز سلطته عن تعويض ذلك.
فمجال تأثير ‘لعودة بالموت” أوسع، والمستقبل قد يتحسَّن أو يسوء اعتمادًا على قرارات سوبارو واستعماله لقوَّته. غير أنَّ――
وما زال ذاك الشخص ممسكًا بكتفه، ثم حرَّك رقبته حتى أطلق عظامها طقطقة خفيفة، وقال:
سوبارو: «ذلك…»
――تلك كانت حقيقة يستحيل البوح بها لأي كان، حتى وإن كانت ريم.
أحاط بميزيلدا أولئك الذين امتلأت قلوبهم بالأسى.
بنفس الطريقة التي ندبت بها ريم ضعف سحرها الشفائي، كثيرًا ما ندم سوبارو على عجز سلطته عن تعويض ذلك. فمجال تأثير ‘لعودة بالموت” أوسع، والمستقبل قد يتحسَّن أو يسوء اعتمادًا على قرارات سوبارو واستعماله لقوَّته. غير أنَّ――
ولم تكن ريم استثناءً فحسب.
بل كانا شخصين جرفهما تيار الأحداث، وما إن تهدأ العاصفة، حتى يتفرَّق دربهما. ولم يكن من الصواب تسميتهما أصدقاء، أو حلفاء، أو رفقاء درب. ولو وُجدت تسمية تلائمهم، فهي “رفيقا تنكُّر”.
فالسلطة التي يحملها سوبارو، وحدها لا يمكن أن تُفصح لأي أحد، بغض النظر عن مدى انفتاحه، أو عن عمق العلاقة العاطفية التي تجمعه به.
سوبارو: «ريم، لقد أبلَيتِ بلاءً عظيمًا… الجميع نجا بفضلك.»
لو أفصح عنها، فلا سبيل لقول الحقيقة دون تعريض حياة الشخص الآخر للخطر، بل للموت.
ريم: «… أنا أدرك تمامًا مدى ضعفي. ولأكون صادقة، فأنا عديمة الجدوى.»
ما كان يخشاه حقًّا لم يكن الألم فحسب. الألم الناتج عن محاولة الإفصاح عن “العودة بالموت” كان مرعبًا.
――وفي أسوأ الأحوال، سيضطر إلى “العودة بالموت”.
مَن ذا الذي يمكنه التكيُّف مع ذلك الألم الساحق الذي يخنق القلب كل مرة وكأنها الأولى؟
ازدرد سوبارو ريقه عند سماعه مرة أخرى سؤال “لماذا”.
لكن ما كان يرعبه أكثر من الألم، هو الخسارة.هل ثمَّة ما هو أكثر رعبًا من الفقدان؟
أليس هذا الخوف المفرط من الفقدان بالذات، هو ما جعل هذه السلطة توكل إلى ناتسكي سوبارو؟
سوبارو: «――آخ.»
ريم: «… لماذا حميتني؟»
بالكلمات يُحفِّزهم، وبالمكافآت يدفعهم لتخطِّي قدراتهم، وبالثناء يُلزمهم بتحسين أدائهم لاحقًا. هكذا اعتقد سوبارو دائمًا أن الأقوياء يفرضون هيمنتهم على أتباعهم. لكن ردُّ إيبل خالف تمامًا هذه القاعدة التي آمن بها. فهو لا يطلب من أتباعه جهدًا يتجاوز طاقتهم.
سوبارو: «ها…؟»
لم تكن حياة، لكنها كانت جزءًا من الجسد… ومن السهل أن يتخيل المرء مدى قسوة فقدان أحد أطرافه الأربعة.
اقتربت لويس، بشعرها الأشقر المنكوش، من ريم الصامتة. ومدَّت يدها برقة إلى طرف فستانها، فخفضت ريم بصرها بهدوء، ووضعت كفَّها على كتف لويس.
واصلت ريم حديثها وكأنها فقدت الأمل في سوبارو، الذي لاذ بالصمت وعجز عن الردِّ.
لحظةً، رمش سوبارو بعينيه متحيرًا… لم يدرك ما تقصده ريم.
ازدرد سوبارو ريقه عند سماعه مرة أخرى سؤال “لماذا”.
مرَّت هذه الأفكار في ذهنه.
ريم: «حين هاجمتني تلك المرأة شبه العارية… أسقطتُ عمودًا، ولما لم ينجح ذلك… اندفعتْ نحوي، فاعترضتَ طريقها بجسدك.»
في محاولة بائسة ويائسة لإنقاذها من ضربة أراكيا، وقف سوبارو أمام ريم.
مدَّ يديه في ذعر، محاولًا بكل ما أوتي من عزيمة أن يصدَّ أي خطر يهددها. في تلك اللحظة، لم يكن يهمُّه إن كانت أراكيا ستنتزع حياته.
ما كان يخشاه حقًّا لم يكن الألم فحسب. الألم الناتج عن محاولة الإفصاح عن “العودة بالموت” كان مرعبًا.
أراد فقط أن تظل ريم على قيد الحياة، ولو لثانيةٍ واحدة أطول منه. ذلك كان――
ريم: «نتيجة خطتك التي سُمِّيت بـ “الحصار بلا دماء”، وكونك حميتني في تلك اللحظة، وحتى خسارة ميزيلدا سان لساقها… أنت تحاول أن تتحمَّل كل شيء وحدك…»
تاريتا: «――――»
سوبارو: «――――»
ارتخت كتفا سوبارو وهمد في مكانه مكتئبًا من تعليق ريم القاسي كعادته، ثم جلس ببطء إلى جانبها، من الجهة اليمنى، مقابل لويس.
ريم: «أنت لستَ قويًا بما يكفي لفعل كل هذا… كنتُ حذرة منك في البداية بسبب تلك الرائحة الفظيعة.»
تجهَّم إيبل، متضايقًا من مقاطعته دون موضوعٍ محدد، ثم سأل بنبرة ضيق: «ماذا؟»
حتى لو كانت ريم قد استعادت ذاكرتها، وحتى لو كانت قواها العلاجية في أفضل حال، لما استطاعت إنقاذ ساق ميزيلدا.
هنا توقفت ريم عن الكلام. وبعد أن عمًّ الصمت، نظرت إلى لويس النائمة في حجرها.
في ظل الظروف الحالية، مَن قد يجرؤ على مناداته بصديق إما أن يكون شخصًا طيبًا للغاية، أو محتالًا. وفلوب، على الأرجح، من النوع الأول. على أي حال――
وبينما كانت تمسح بلطف على شعرها الذهبي، حبست أنفاسها للحظة، ثم عادت بنظراتها إلى سوبارو وقالت بهدوء:
ريم: «أنا، ولويس- تشان، وإيبل سان، وميزيلدا سان، وميديوم سان، وفلوب سان… جميعنا بشر نمتلك إرادتنا الخاصة، ولستَ مضطرًا للانهيار لتحمينا.»
فهذا الإمبراطور، الذي أضاف عشيرة الشودراك إلى قواته لاستعادة العرش، لم يتردَّد سابقًا في التفكير بتسميم مدينة الحصن غوارال إن وصلت الأمور إلى أسوأ حالاتها.
سوبارو: «أوه…»
المشاعر المعقَّدة التي لمعت في عيني ميزيلدا عند رؤيتها ذلك، غفلت عنها تاريتا وهي تُطأطئ رأسها―― ولم يكن ثمَّة أحد سواها ليُفصح عنها.
ريم: «من فضلك، لا تحاول فعل كل شيء وحدك. لسْتَ مضطرًا لتحمُّل مسؤولية أفعالنا.»
كان التعبير على وجه ميزيلدا حازمًا حين أعلنت تخليها عن منصبها كزعيمة.
فتح سوبارو فمه وأغلقه مرارًا، مذهولًا من سيل كلماتها.
لم يكن من العسير عليه فهم ما كانت ريم تفكر فيه، لكن الحكم على مدى تأثر سحرها الشفائي بغياب ذاكرتها لم يكن أمرًا يسيرًا بالنسبة له.
رفض دماغه أن يستوعب ما قيل بسرعة، غير أن شعورًا غير معروف بالحاجة الملحَّة لفَّ قلبه، ودفعه للإصغاء… وعدم مقاطعتها.
بمشاعر صادقة، كانت ريم تردُّ على سوبارو الذي كان يجلد نفسه على عجزه.
وكان عليه أن يوقفها قبل أن تمضي أبعد من ذلك――
اتسعت عينا ريم المستديرتان حين سمعت الإجابة التي لفظها سوبارو.
ريم: «أنت لست شخصًا استثنائيًّا――»
كان يعلم أنه لم يكن عليه أن يدعها تُكمل.
ريم: «――لأنك لستَ بطلًا.»
△▼△▼△▼△
ميزيلدا: «――――»
ريم: «أنت لست شخصًا استثنائيًّا――»
يتمايل مترنِّحًا، سار سوبارو في أرجاء قاعة المدينة كمَن يهيم على وجهه.
سوبارو: «أوه، نعم… المعذرة، لقد تلف مكياجي، وأبدو بشكل بشع قليلًا.»
لم يكن لديه وجهة، بل لم يدرك حتى متى بدأ السير. كلًّ ما في الأمر أنه حين عاد إلى وعيه، وجد نفسه يمشي. بل وحتى حينها، ظل وعيه غائمًا، متلبّدًا.
بالقرب منها، تقدَّمت ميزيلدا نحو الزعيمة الجديدة تاريتا لتشجِّعها، غير أن ملامح هذه الأخيرة بدت قاتمة.
نظر سوبارو أمامه مباشرة، واتسعت عيناه عند سماع كلمات إيبل.
سوبارو: «――آخ.»
إيبل: «――――»
فجأة، تلقَّى ضربة قوية في وجهه.
ريم: «رجاءً، اخفض صوتك.»
وحين رفع رأسه ليرى ما أصابه، اكتشف أنه اصطدم بالحائط… كان يسير وهو لا يرى سوى قدميه، ولهذا لم ينتبه. أمسك بجبهته المتألِّمة، وزفر زفرة حارة.
ريم: «أنت لستَ قويًا بما يكفي لفعل كل هذا… كنتُ حذرة منك في البداية بسبب تلك الرائحة الفظيعة.»
ثم، دون تفكير، عاد وطرق جبهته بالحائط مجددًا.
ارتطام صلب، وصوت خافت، وألمٌ لسع دماغه من الداخل.
لم تتراجع الهيبة الجامحة التي وسمت جمالها الحاد النظرات، وبقيت على حالها تمامًا كما رآها الجميع أول مرة. وبينما اجتازت المحن، لم تتغيَّر الصورة التي عُرفت بها كامرأة قوية.
قطعت ميزيلدا على ريم حديثها، مجددةً امتنانها بكلمات حاسمة.
رجَّ دماغه من الخارج، وكأنه يحاول إخراج الركود الذي يتلبَّسه.
فطرق جبهته بالحائط مرةً أخرى… ثم مرة… ومرة…
أثارته نظرات ريم، فازدادت الكلمات ثقلًا فوق صدره، حتى عجز سوبارو عن الحركة.
سوبارو: «ما عليَّ؟»
دق، دق، دق――
سوبارو: «――――»
؟؟؟: «هيه، هيه، توقف عن ذلك، يا صاح.»
لم تتراجع الهيبة الجامحة التي وسمت جمالها الحاد النظرات، وبقيت على حالها تمامًا كما رآها الجميع أول مرة. وبينما اجتازت المحن، لم تتغيَّر الصورة التي عُرفت بها كامرأة قوية.
نظر إيبل إلى عشيرة الشودراك المتحدثين بالقرب منهم، بينما بدا سوبارو محبطًا.
وقبل أن يضرب نفسه مرةً أخرى، أمسكت يدٌ بكتفه من الخلف. لقد ناداه أحدهم.
اتسعت عينا ريم المستديرتان حين سمعت الإجابة التي لفظها سوبارو.
وحين التفت سوبارو، وقعت عيناه على نظرةٍ من خلف خوذة فولاذية، متجهةٍ نحوه مباشرة.
كان أقرب مثال حاضر في ذهنه هو آل، الرجل ذو الذراع الواحدة، الذي فقد ذراعه اليسرى. وهناك أيضًا مدينة بوَّابة المياه بريستيلا؛ خلال تلك المعركة، فقد ريكاردو إحدى ذراعيه في مواجهة ضد الشراهة.
وما زال ذاك الشخص ممسكًا بكتفه، ثم حرَّك رقبته حتى أطلق عظامها طقطقة خفيفة، وقال:
ازدرد سوبارو ريقه عند سماعه مرة أخرى سؤال “لماذا”.
آل: «أُدرك جيدًا شعورَ الرغبة في الموت… لكن، مهما كرَّرت ذلك، فلن تكون هناك نهاية لتلك الأمور أبدًا.»
فإن كان لا بد من لعن ضعف أحدهم، فلا بد أن يقع اللوم على كاهل سوبارو.
////
سوبارو: «ها…؟»
حسابنا بتويتر @ReZeroAR
؟؟؟: «هيه، هيه، توقف عن ذلك، يا صاح.»
