30 - البطل المزعوم ناتسكي سوبارو.
كان التعبير على وجه ميزيلدا حازمًا حين أعلنت تخليها عن منصبها كزعيمة.
لم تتراجع الهيبة الجامحة التي وسمت جمالها الحاد النظرات، وبقيت على حالها تمامًا كما رآها الجميع أول مرة. وبينما اجتازت المحن، لم تتغيَّر الصورة التي عُرفت بها كامرأة قوية.
ومع هذه الصورة الراسخة، قررت ميزيلدا، وقد فقدت ساقها اليمنى، أن تتنحى عن الزعامة.
حتى لو كانت ريم قد استعادت ذاكرتها، وحتى لو كانت قواها العلاجية في أفضل حال، لما استطاعت إنقاذ ساق ميزيلدا.
الجميع: «――――»
فإن كان لا بد من لعن ضعف أحدهم، فلا بد أن يقع اللوم على كاهل سوبارو.
سوبارو: «لا أريدك أن تتورَّط في مشكلة مع بريسيلا وتفتعل شجارًا جديدًا. فقط كن حذرًا في طريقة حديثك معها.»
أحاط بميزيلدا أولئك الذين امتلأت قلوبهم بالأسى.
ما كان يخشاه حقًّا لم يكن الألم فحسب. الألم الناتج عن محاولة الإفصاح عن “العودة بالموت” كان مرعبًا.
عشيرة الشودراك، الذين شهدوا قوَّة زعيمتهم عن كثب، لم يكن بمقدورهم التخلِّي عن شعور الخسارة بهذه السهولة.
ريم: «لو أن… لو أنني كنتُ كما كنتُ من قبل، تُرى كيف كانت الأمور ستسير…»
أما كونا، فقد ازداد برود تعابير وجهها المعتادة، في حين بدا على هولي، التي عُرفت بلطافتها، ملامح من الكآبة. وعضَّت أوتاكاتا شفتها واحتبست دموعها وهي تخفض رأسها، فيما سادت وجوه الشودراك الآخرين كآبة صامتة.
وفي هذه اللحظة، انتقلت زعامة عشيرة الشودراك من ميزيلدا إلى تاريتا.
لكن الشخص الذي بدا عليه الاضطراب أكثر من الجميع――
سوبارو: «ظننتُ أنك ستقول إن كلَّ ما فقدته هو ساقٌ واحدة فقط، وتطلب منها أن تُفني نفسها في العمل من أجلك.»
تاريتا: «أختي… هذا مستحيل. لا يمكن لشخصٍ مثلي أن يكون زعيمة جيدة…»
سوبارو: «ليس الأمر أنَّ لقب “المستشار العسكري” لا يغريني… لكنِّي لا أرغب في أن أكون تابعًا لك.»
ميزيلدا: «――تاريتا.»
تاريتا: «لقد استطعتِ فعل ذلك لأنك أنتِ… أما أنا فلا قدرة لي على ما فعلتِه…»
اتسعت عينا ريم المستديرتان حين سمعت الإجابة التي لفظها سوبارو.
هزَّت رأسها رفضًا وتوسلت بيأس، إذ لم تكن تتخيل نفسها في مقام مَن ترعرعت تحت ظله.
ريم: «فلماذا يجب أن تتحمل كل ذلك وحدك؟»
كونها شقيقة ميزيلدا الصغرى، والتي اختيرت بنفسها خليفة للزعامة، لم تكن سوى دليلٍ على تقديرها واحترامها العميق لأختها الكبرى، والذي كان واضحًا في كل قولٍ وفعلٍ منها.
أحاط بميزيلدا أولئك الذين امتلأت قلوبهم بالأسى.
ولذلك بالذات، لم تستطع تاريتا تقبُّل فقدان أختها لساقها، وبدت أكثر حزنًا واضطرابًا من ميزيلدا نفسها.
تجمَّد وجه ميزيلدا المبتسم، ورفعت رأسها متحدثة بصوتٍ جهوري.
إيبل: «――――»
ريم: «… ذلك نتيجة تقصيري.»
كلمات تاريتا التي نطقتها بحرقةٍ، قوبلت بصوتٍ خافتٍ مملوءٍ باللوم الذاتي.
سوبارو: «――――»
في ظل الظروف الحالية، مَن قد يجرؤ على مناداته بصديق إما أن يكون شخصًا طيبًا للغاية، أو محتالًا. وفلوب، على الأرجح، من النوع الأول. على أي حال――
جاء الصوت من الطرف الآخر من الغرفة التي اكتظَّت بالجرحى، من ريم، التي بدت منهكة وهي تتكئ على عصاها.
وما زال ذاك الشخص ممسكًا بكتفه، ثم حرَّك رقبته حتى أطلق عظامها طقطقة خفيفة، وقال:
سوبارو: «――――»
كانت الوحيدة القادرة على استخدام سحر الشفاء، وقد تنقَّلت بين المصابين محاولة إنقاذ أكبر عدد ممكن منهم. وكان من السهل تخمين حجم معاناتها من خلال ثيابها الملطخة بالدماء، وشعرها المبعثر، وتعابير وجهها المرهقة.
ومع ذلك، لم تهتم بنفسها، بل إن كلمات الشكر التي وجَّهها لها سوبارو في البداية قوبلت منها ببرودٍ واختصار: «أنا بخير.»
أما كونا، فقد ازداد برود تعابير وجهها المعتادة، في حين بدا على هولي، التي عُرفت بلطافتها، ملامح من الكآبة. وعضَّت أوتاكاتا شفتها واحتبست دموعها وهي تخفض رأسها، فيما سادت وجوه الشودراك الآخرين كآبة صامتة.
ومع هذا، لم يكن لأحد أن يلوم ريم على نقص قوتها، فلولاها، لما نجا أحد من هجوم أراكيا دون ضحايا.
تجهَّم إيبل، متضايقًا من مقاطعته دون موضوعٍ محدد، ثم سأل بنبرة ضيق: «ماذا؟»
لذلك――
سوبارو: «أنا مَن لم يكن قويًّا بما يكفي.»
ميزيلدا: «ريم، لا داعي لأن تشعري بالحزن. لقد كنت محظوظة بالخروج من المعركة أمام الجنرال الإمبراطوري بفقدان ساقٍ فقط… لا، بل بسبب وجودكِ إلى جانبي.»
ريم: «ميزيلدا سان… قد يكون كلامك صحيحًا، لكن――»
ميزيلدا: «――――»
ميزيلدا: «أنا ممتنة لكِ. ولا حاجة لقول المزيد.»
لم يكن من العسير عليه فهم ما كانت ريم تفكر فيه، لكن الحكم على مدى تأثر سحرها الشفائي بغياب ذاكرتها لم يكن أمرًا يسيرًا بالنسبة له.
قطعت ميزيلدا على ريم حديثها، مجددةً امتنانها بكلمات حاسمة.
ومع هذه الصورة الراسخة، قررت ميزيلدا، وقد فقدت ساقها اليمنى، أن تتنحى عن الزعامة.
اقتربت لويس، بشعرها الأشقر المنكوش، من ريم الصامتة. ومدَّت يدها برقة إلى طرف فستانها، فخفضت ريم بصرها بهدوء، ووضعت كفَّها على كتف لويس.
كان شعور ريم بالندم والعجز واضحًا تمامًا لسوبارو. لكنه لم ينجح في التعبير، إذ سبقه رجل وسيم الشعر داكن اللون إلى الكلام.
لذلك――
إيبل: «ميزيلدا، هل لا تزالين على موقفك؟»
ريم: «لماذا أصبح الأمر ذنبك؟»
سؤال إيبل قابله إيماءة من ميزيلدا، وهي جالسة على مقعدٍ ما، تلامس بيدها موضع ساقها المبتورة الملفوفة بالضمادات.
نظر إلى ريم بنظرة خجولة ملؤها الرجاء، لكنها قابلته بنظرة محتجة تجاهلها عن قصد.
ميزيلدا: «أجل، لا نية لي في التراجع. وسيُحترم العهد المبرم بين الشودراك وإمبراطور فولاكيا. لكن من الآن فصاعدًا، عليكم الرجوع إلى تاريتا… أو بالأحرى، الزعيمة.»
ما كان يخشاه حقًّا لم يكن الألم فحسب. الألم الناتج عن محاولة الإفصاح عن “العودة بالموت” كان مرعبًا.
إيبل: «――مفهوم. ميزيلدا، لقد أديتِ خدمة عظيمة.»
ميزيلدا: «همم.»
أعلنت ميزيلدا قرارها الحاسم، وقابلها إيبل بتفهمٍ وهو يعقد ذراعيه. عندها أطلقت ميزيلدا زفرة قصيرة، وارتسمت على شفتيها ابتسامة عريضة.
الشكوى، حين تُقال، تجرح صاحبها ومَن حوله، لكنها في المقابل، تُزيح شيئًا من الثقل في القلب. غير أن ريم كانت ترفض حتى هذه التخفيفات الطفيفة.
كونها شقيقة ميزيلدا الصغرى، والتي اختيرت بنفسها خليفة للزعامة، لم تكن سوى دليلٍ على تقديرها واحترامها العميق لأختها الكبرى، والذي كان واضحًا في كل قولٍ وفعلٍ منها.
ثم، بابتسامة باهتة، نظرت إليه وقالت:
ميزيلدا: «إن كان الأمر كذلك، فامنحني ابتسامة. هذه من واجبات الرجال الوسيمين.»
ميزيلدا: «أجل، لا نية لي في التراجع. وسيُحترم العهد المبرم بين الشودراك وإمبراطور فولاكيا. لكن من الآن فصاعدًا، عليكم الرجوع إلى تاريتا… أو بالأحرى، الزعيمة.»
إيبل: «――همم.»
مرة أخرى، استشعر سوبارو ألم ريم بشدَّة.
ميزيلدا: «حسنًا، هذا يكفي.»
حتى بعد فقدان ساقها، ظلت ميزيلدا قوية كما عهدوها.
ريم: «――――»
بمشاعر صادقة، كانت ريم تردُّ على سوبارو الذي كان يجلد نفسه على عجزه.
ولم ينتقدها إيبل، رغم تكبُّره المعروف، بل ردَّ بابتسامة صامتة.
في ظل الظروف الحالية، مَن قد يجرؤ على مناداته بصديق إما أن يكون شخصًا طيبًا للغاية، أو محتالًا. وفلوب، على الأرجح، من النوع الأول. على أي حال――
كان ذلك، قبل كل شيء، دليلًا على احترام الإمبراطور الذي انتُزِع عرشه لتلك المحاربة التي خرجت من أعماق الغابة.
سوبارو: «ريم لها الأولوية عن تبديل الملابس. بمجرَّد انتهاء هذه المحادثة، سأبدِّل ملابسي.»
إيبل: «وهكذا الأمر إذًا. أنت لست من أتباعي، وبالتالي لا ينطبق عليك لا العقاب ولا المكافأة.»
ثم――
ميزيلدا: «――أنصتوا إليَّ، يا أبناء قومي!»
آل: «أُدرك جيدًا شعورَ الرغبة في الموت… لكن، مهما كرَّرت ذلك، فلن تكون هناك نهاية لتلك الأمور أبدًا.»
لم يكن سوبارو على دراية بطقوسهم أو عاداتهم العريقة، لكنه، حتى وهو الغريب الجاهل، استطاع أن يستشعر قدسية ذلك الطقس.
تجمَّد وجه ميزيلدا المبتسم، ورفعت رأسها متحدثة بصوتٍ جهوري.
إيبل: «لو كنتَ أحد أتباعي، لكان ذلك صحيحًا. لكن، هل أنت أحد أتباعي؟»
ومع صدى نبرتها الحازمة، اعتدل أبناء الشودراك في جلستهم، وأصغوا بانتباه.
المشاعر المعقَّدة التي لمعت في عيني ميزيلدا عند رؤيتها ذلك، غفلت عنها تاريتا وهي تُطأطئ رأسها―― ولم يكن ثمَّة أحد سواها ليُفصح عنها.
ريم: «أنت لستَ قويًا بما يكفي لفعل كل هذا… كنتُ حذرة منك في البداية بسبب تلك الرائحة الفظيعة.»
ميزيلدا: «كما أخبرتكم سابقًا، فإنني أُتمُّ واجبي كزعيمة! وها أنا أُسلم هذا المنصب إلى شقيقتي، تاريتا! من الآن فصاعدًا، أطيعوا تاريتا!»
مَن ذا الذي يمكنه التكيُّف مع ذلك الألم الساحق الذي يخنق القلب كل مرة وكأنها الأولى؟
أبناء الشودراك: «――――»
كان يجب الإشادة بما حققته، لا أن تلوم نفسها عليه.
ميزيلدا: «هذه آخر أوامري كزعيمة―― أشكركم على وفائكم لعهود الأجداد، وعلى اعتزازكم بإرثهم.»
سوبارو: «هذا تصرُّف فظ للغاية!»
دق، دق، دق――
أبناء الشودراك: «――شكرًا لكِ!»
مرَّت هذه الأفكار في ذهنه.
ختمت ميزيلدا حديثها، وردَّد أبناء الشودراك كلمات أشبه بالتراتيل.
وكان عليه أن يوقفها قبل أن تمضي أبعد من ذلك――
لم يكن سوبارو على دراية بطقوسهم أو عاداتهم العريقة، لكنه، حتى وهو الغريب الجاهل، استطاع أن يستشعر قدسية ذلك الطقس.
ريم: «لماذا أصبح الأمر ذنبك؟»
طقسٌ بسيط، غير رسمي، يجمع بين الواقعية والرمزية.
ريم: «أنت لست شخصًا استثنائيًّا――»
أن يندم الإنسان لأنه لم يبذل أكثر، أشدَّ مرارة من جدار لا يُطال. والأدهى أن يكون هذا الندم متعلقًا بمستقبل شخص آخر، لا مستقبله هو.
وفي هذه اللحظة، انتقلت زعامة عشيرة الشودراك من ميزيلدا إلى تاريتا.
واصلت ريم حديثها وكأنها فقدت الأمل في سوبارو، الذي لاذ بالصمت وعجز عن الردِّ.
سوبارو: «ظننتُ أنك ستقول إن كلَّ ما فقدته هو ساقٌ واحدة فقط، وتطلب منها أن تُفني نفسها في العمل من أجلك.»
تاريتا: «أختي…»
بالكلمات يُحفِّزهم، وبالمكافآت يدفعهم لتخطِّي قدراتهم، وبالثناء يُلزمهم بتحسين أدائهم لاحقًا. هكذا اعتقد سوبارو دائمًا أن الأقوياء يفرضون هيمنتهم على أتباعهم. لكن ردُّ إيبل خالف تمامًا هذه القاعدة التي آمن بها. فهو لا يطلب من أتباعه جهدًا يتجاوز طاقتهم.
ميزيلدا: «لا تُنكسي رأسكِ، أيتها الزعيمة. ترددكِ هو ترددنا. وتخاذلكِ هو تخاذلنا. وموتكِ هو موتنا جميعًا.»
سوبارو: «ريم…»
تاريتا: «――――»
تحرَّكت لويس قليلًا وأصدرت أنينًا خافتًا، دون أن تستيقظ. ووسط تأوُّه خفيف، أسندت ريم كتفها بلطف، ثم عادت لتحدَّق في سوبارو.
سوبارو: «――――» إيبل: «إن تجاوزوا تقييمهم المعتاد، فسيفسد ذلك الخطة الموضوعة. أنا أطلب منهم بالضبط ما هو مطلوب. لا أكثر ولا أقل. وقد أدَّت ميزيلدا واجبها. لذا، ليس لي أن أقدِّم لها سوى مكافأة.»
بالقرب منها، تقدَّمت ميزيلدا نحو الزعيمة الجديدة تاريتا لتشجِّعها، غير أن ملامح هذه الأخيرة بدت قاتمة.
ولم يكن لذلك أن يُخفِّف عن تاريتا فجأة، لكنها، لا بد، أدركت أن التمسك بميزيلدا لن يُبدِّل شيئًا من الواقع.
وبعد لحظات من الصمت، أومأت تاريتا بخجلٍ وصمت.
أثارته نظرات ريم، فازدادت الكلمات ثقلًا فوق صدره، حتى عجز سوبارو عن الحركة.
ميزيلدا: «――――»
كلُّ ما كان يريده هو أفضل نهاية سعيدة ممكنة، ولكن ما حصده لم يكن إلا نهاية “لا بأس بها”، أو ما يصحُّ وصفه بنهاية حزينة “لا بأس بها”.
المشاعر المعقَّدة التي لمعت في عيني ميزيلدا عند رؤيتها ذلك، غفلت عنها تاريتا وهي تُطأطئ رأسها―― ولم يكن ثمَّة أحد سواها ليُفصح عنها.
صحيح أن ريم لم تستطع إنقاذ ساق ميزيلدا، لكنها بالمقابل أنقذت حياة الكثير من المصابين.
△▼△▼△▼△
ميزيلدا: «ريم، لا داعي لأن تشعري بالحزن. لقد كنت محظوظة بالخروج من المعركة أمام الجنرال الإمبراطوري بفقدان ساقٍ فقط… لا، بل بسبب وجودكِ إلى جانبي.»
سوبارو: «… صراحةً، لم أتوقع هذا.»
مع انتهاء حديث خلافة الزعامة وتقرير الأضرار، توجَّه سوبارو إلى إيبل بكلامه.
إيبل: «لو كنتَ أحد أتباعي، لكان ذلك صحيحًا. لكن، هل أنت أحد أتباعي؟»
تجهَّم إيبل، متضايقًا من مقاطعته دون موضوعٍ محدد، ثم سأل بنبرة ضيق: «ماذا؟»
لم تتراجع الهيبة الجامحة التي وسمت جمالها الحاد النظرات، وبقيت على حالها تمامًا كما رآها الجميع أول مرة. وبينما اجتازت المحن، لم تتغيَّر الصورة التي عُرفت بها كامرأة قوية.
إيبل: «عندي ما يكفيني من الأمور لأفكر فيها. وأنت، من بين كل الناس، لستَ ممَّن ينبغي له أن يُشغلني.»
سوبارو: «قاسٍ كعادتك تمامًا… فقط، تفاجأتُ لا أكثر. لم أتوقَّع أن تتقبَّل انسحاب ميزيلدا سان من الخطوط الأمامية بهذه السهولة.»
هنا توقفت ريم عن الكلام. وبعد أن عمًّ الصمت، نظرت إلى لويس النائمة في حجرها.
إيبل: «――――»
ميزيلدا: «كما أخبرتكم سابقًا، فإنني أُتمُّ واجبي كزعيمة! وها أنا أُسلم هذا المنصب إلى شقيقتي، تاريتا! من الآن فصاعدًا، أطيعوا تاريتا!»
بالقرب منها، تقدَّمت ميزيلدا نحو الزعيمة الجديدة تاريتا لتشجِّعها، غير أن ملامح هذه الأخيرة بدت قاتمة.
سوبارو: «ظننتُ أنك ستقول إن كلَّ ما فقدته هو ساقٌ واحدة فقط، وتطلب منها أن تُفني نفسها في العمل من أجلك.»
رغم أنه أدرك كم بدا ذلك قاسيًا، عبَّر سوبارو بصراحة عن مشاعره تجاه إيبل.
وفي هذه اللحظة، انتقلت زعامة عشيرة الشودراك من ميزيلدا إلى تاريتا.
فهذا الإمبراطور، الذي أضاف عشيرة الشودراك إلى قواته لاستعادة العرش، لم يتردَّد سابقًا في التفكير بتسميم مدينة الحصن غوارال إن وصلت الأمور إلى أسوأ حالاتها.
ولو طُلب منه الجواب، لقال إنه ذنب القوي… مسؤولية مَن يملك القدرة.
إيبل―― بل، فينسنت فولاكيا، لم يكن ليحجم عن فعل شيءٍ كهذا.
واصلت ريم حديثها وكأنها فقدت الأمل في سوبارو، الذي لاذ بالصمت وعجز عن الردِّ.
إيبل: «سخافة. ما معنى أن أكون بهذه القسوة دون مبرر؟»
لم يكن لديه وجهة، بل لم يدرك حتى متى بدأ السير. كلًّ ما في الأمر أنه حين عاد إلى وعيه، وجد نفسه يمشي. بل وحتى حينها، ظل وعيه غائمًا، متلبّدًا.
لكن ردُّ إيبل على سوبارو، الذي كان مستعدًا لرميه بالعتاب وإظهار رأيه الحقيقي، جاء هادئًا ومتَّزنًا.
نظر إيبل إلى عشيرة الشودراك المتحدثين بالقرب منهم، بينما بدا سوبارو محبطًا.
إيبل: «لا أرغب بأن يبذل أتباعي أكثر مما يُطيقونه. حتى لو أمرتهم بأن يبذلوا أقصى جهدهم، فتوقُّع ما يتجاوز حدودهم وهمٌ محض.»
سوبارو: «――――»
إيبل: «إن تجاوزوا تقييمهم المعتاد، فسيفسد ذلك الخطة الموضوعة. أنا أطلب منهم بالضبط ما هو مطلوب. لا أكثر ولا أقل. وقد أدَّت ميزيلدا واجبها. لذا، ليس لي أن أقدِّم لها سوى مكافأة.»
حتى لو أمكن قياس قوة السحر، فسيظل من الصعب عليه أن يُقدِّر تلك الفجوة بدقة.
بالكلمات يُحفِّزهم، وبالمكافآت يدفعهم لتخطِّي قدراتهم، وبالثناء يُلزمهم بتحسين أدائهم لاحقًا.
هكذا اعتقد سوبارو دائمًا أن الأقوياء يفرضون هيمنتهم على أتباعهم. لكن ردُّ إيبل خالف تمامًا هذه القاعدة التي آمن بها.
فهو لا يطلب من أتباعه جهدًا يتجاوز طاقتهم.
وقد يكون ذلك بيئةً جيِّدة للعمل، وإن بدت باردة في ذات الوقت.
الشكوى، حين تُقال، تجرح صاحبها ومَن حوله، لكنها في المقابل، تُزيح شيئًا من الثقل في القلب. غير أن ريم كانت ترفض حتى هذه التخفيفات الطفيفة.
رغم أنه أدرك كم بدا ذلك قاسيًا، عبَّر سوبارو بصراحة عن مشاعره تجاه إيبل.
إيبل: «ومع ذلك، فمَن يقصِّر في أداء ما طُلب منه، سينال العقاب. عقاب ومكافأة أكيدين، أتفهم ما يعنيه ذلك، أليس كذلك؟»
سوبارو: «… إذًا، هل يعني ذلك أنني سأتلقى العقاب؟»
سوبارو: «ظننتُ أنك ستقول إن كلَّ ما فقدته هو ساقٌ واحدة فقط، وتطلب منها أن تُفني نفسها في العمل من أجلك.»
إيبل: «لو كنتَ أحد أتباعي، لكان ذلك صحيحًا. لكن، هل أنت أحد أتباعي؟»
ميزيلدا: «إن كان الأمر كذلك، فامنحني ابتسامة. هذه من واجبات الرجال الوسيمين.»
سوبارو: «ما عليَّ؟»
نظر سوبارو أمامه مباشرة، واتسعت عيناه عند سماع كلمات إيبل.
بالطبع، لم يتذكَّر سوبارو أبدًا أنه أصبح تابعًا لإيبل. فحتى حين ناقش الأمر مع بريسيلا، عامل إيبل سوبارو كمستشار عسكري، دون أن يُبدِي أي رغبة في ضمِّه رسميًا.
مرَّت هذه الأفكار في ذهنه.
ومع هذا، لم يكن لأحد أن يلوم ريم على نقص قوتها، فلولاها، لما نجا أحد من هجوم أراكيا دون ضحايا.
سوبارو: «ليس الأمر أنَّ لقب “المستشار العسكري” لا يغريني… لكنِّي لا أرغب في أن أكون تابعًا لك.»
سوبارو: «――――»
ريم: «بهذه الطريقة، ستوقظ لويس تشان النائمة. أرجو أن تضعها في اعتبارك.»
إيبل: «وهكذا الأمر إذًا. أنت لست من أتباعي، وبالتالي لا ينطبق عليك لا العقاب ولا المكافأة.»
سوبارو: «حين أفكِّر في الأمر… ما الذي تمثّلينه لي حقًّا…؟»
بحكم الظروف، اضطُرُّا إلى مرافقة بعضهما البعض. لم تربطهما علاقة سيد وتابع، ولا علاقة شخصية من أي نوع.
سؤال إيبل قابله إيماءة من ميزيلدا، وهي جالسة على مقعدٍ ما، تلامس بيدها موضع ساقها المبتورة الملفوفة بالضمادات.
بل كانا شخصين جرفهما تيار الأحداث، وما إن تهدأ العاصفة، حتى يتفرَّق دربهما.
ولم يكن من الصواب تسميتهما أصدقاء، أو حلفاء، أو رفقاء درب. ولو وُجدت تسمية تلائمهم، فهي “رفيقا تنكُّر”.
سوبارو: «ريم…»
واصلت ريم حديثها وكأنها فقدت الأمل في سوبارو، الذي لاذ بالصمت وعجز عن الردِّ.
إيبل: «بعضهم تجرَّأ على مناداتي بصديق، لكنك لم تفعل.»
سوبارو: «ما عليَّ؟»
سوبارو: «آه… أنا شخص خجول؛ لذا لا يمكنني أن أصبح صديقك بهذه السهولة.»
في ظل الظروف الحالية، مَن قد يجرؤ على مناداته بصديق إما أن يكون شخصًا طيبًا للغاية، أو محتالًا. وفلوب، على الأرجح، من النوع الأول. على أي حال――
لم تكن حياة، لكنها كانت جزءًا من الجسد… ومن السهل أن يتخيل المرء مدى قسوة فقدان أحد أطرافه الأربعة.
ريم: «――ومَن يهتم بما حدث بعد ذلك؟!»
إيبل: «سأتابع حديثي مع بريسيلا. اذهب لتؤدي ما عليك.»
سوبارو: «ما عليَّ؟»
إيبل: «لا أظن أنني بحاجة لأن أُخبرك بما هو واضح.»
وحين التفت سوبارو، وقعت عيناه على نظرةٍ من خلف خوذة فولاذية، متجهةٍ نحوه مباشرة.
وبينما شقَّت نظرات إيبل اللوزيَّة الحادة طريقها إليه، حوَّل سوبارو نظره إلى ركن الغرفة.
وهناك، لمح ريم جالسة على الأرض. لم يكن بمقدوره تمييز ملامحها الحزينة من بُعد، لكنه أدرك أن تركها وحدها لن يكون خيارًا حكيمًا.
رمقتها عيناه، وعينَاها الزرقاوان الشاحبتان كانتا ممتلئتين بمشاعر صادقة موجَّهة نحوه.
ومع ذلك، شعر بشيء من الضيق لأن إيبل هو مَن أشار عليه بذلك أولًا.
سوبارو: «لا أريدك أن تتورَّط في مشكلة مع بريسيلا وتفتعل شجارًا جديدًا. فقط كن حذرًا في طريقة حديثك معها.»
إيبل: «الكثيرون سيرون أن هذه النصيحة أنت أولى بها مني.»
مدَّ يديه في ذعر، محاولًا بكل ما أوتي من عزيمة أن يصدَّ أي خطر يهددها. في تلك اللحظة، لم يكن يهمُّه إن كانت أراكيا ستنتزع حياته.
كلمة نابية قابلها إيبل بكلمة أدهى منها، ثم افترق سوبارو عنه، بعدما عاد إيبل إلى قاعة الاجتماع.
إصابة ميزيلدا ستُحدث تغيُّرًا في وضع عشيرة الشودراك، وسيكون من الضروري أخذ ذلك بالحسبان في النقاش مع بريسيلا.
لكن، لم يكن لسوبارو موطئ قدم في الحوار الدائر بين الكائنين السماويين، إيبل وبريسيلا.
ما أولاه الأولوية، هو الحديث مع الوحيدة التي يستطيع الحديث معها.
ريم: «أعلم. لو كنتُ بكامل قواي، لما كان سحري على هذا الشكل.»
ميزيلدا: «إن كان الأمر كذلك، فامنحني ابتسامة. هذه من واجبات الرجال الوسيمين.»
سوبارو: «――ريم، هل الوقت مناسب؟»
تنفَّس قليلًا لتهدئة نفسه، ثم خطا نحوها.
كانت تجلس بركبتيها إلى صدرها وظهرها مستندٌ إلى الجدار، فتفاعلت مع صوته تحركًا طفيفًا، وانعكست هيئته في عينيها الزرقاوين الباهتتين.
ريم: «أنت لستَ قويًا بما يكفي لفعل كل هذا… كنتُ حذرة منك في البداية بسبب تلك الرائحة الفظيعة.»
أما كونا، فقد ازداد برود تعابير وجهها المعتادة، في حين بدا على هولي، التي عُرفت بلطافتها، ملامح من الكآبة. وعضَّت أوتاكاتا شفتها واحتبست دموعها وهي تخفض رأسها، فيما سادت وجوه الشودراك الآخرين كآبة صامتة.
ريم: «… أهذا أنت؟ متى ستبدِّل ثيابك؟»
سوبارو: «ريم لها الأولوية عن تبديل الملابس. بمجرَّد انتهاء هذه المحادثة، سأبدِّل ملابسي.»
ثم أومأت بذقنها نحو الفتاة التي كانت تتكئ على كتفها الأيسر.
حسابنا بتويتر @ReZeroAR
ريم: «أحقًا؟ حسنًا إذًا، لقد انتهت المحادثة. تفضَّل وبدِّل ملابسك.»
حتى لو أمكن قياس قوة السحر، فسيظل من الصعب عليه أن يُقدِّر تلك الفجوة بدقة.
سوبارو: «هذا تصرُّف فظ للغاية!»
سوبارو: «كل شيء… ذنبي.»
رغم أنه أدرك كم بدا ذلك قاسيًا، عبَّر سوبارو بصراحة عن مشاعره تجاه إيبل.
شعر سوبارو بالعجز، ورفع صوته بعد ردِّ ريم القاسي. وبمجرد أن فعل ذلك، رمقته ريم بنظرة حادَّة وقالت:
ريم: «رجاءً، اخفض صوتك.»
كان ذلك حدثًا صادمًا إلى أقصى حد، لكنه لم يكن مأساة بعيدة الحدوث إلى درجة عدم تصورها. بل، بالنسبة لأولئك الذين يضعون أنفسهم في مواطن الخطر، قد يكون من الأدق وصفها بأنها مأساة مألوفة. ومع ذلك――
ثم أومأت بذقنها نحو الفتاة التي كانت تتكئ على كتفها الأيسر.
ريم: «بهذه الطريقة، ستوقظ لويس تشان النائمة. أرجو أن تضعها في اعتبارك.»
تاريتا: «――――»
تاريتا: «أختي…»
سوبارو: «أنا فقط…»
مدَّ يديه في ذعر، محاولًا بكل ما أوتي من عزيمة أن يصدَّ أي خطر يهددها. في تلك اللحظة، لم يكن يهمُّه إن كانت أراكيا ستنتزع حياته.
ريم: «أم أنك لا تريد أن تُولي هذه الفتاة أيَّ قدر من الاعتبار؟»
سوبارو: «نعم، هو كذلك. لو كنتُ أكثر حذرًا في التحضيرات، لما آل الأمر إلى هذا.»
سوبارو: «لا تقوليها بهذه الطريقة… خطئي.»
فإن كان لا بد من لعن ضعف أحدهم، فلا بد أن يقع اللوم على كاهل سوبارو.
كانت لويس تتنفس بأنفاس صغيرة وهي نائمة، وقد التصقت أكثر بريم، وكأنها تجد فيها ملاذًا آمنًا. ملابسها البيضاء ملطَّخة ببقع من الدم هنا وهناك، فقد كانت تساعد ريم في معالجة الجرحى. ومن خلال سلوك ريم وكلام أوتاكاتا، عرف سوبارو أنها فعلت ما طُلب منها، وإن كان أداؤها ضعيفًا.
بطبيعة الحال، كانت مشاعر سوبارو متضاربة.
نظر سوبارو أمامه مباشرة، واتسعت عيناه عند سماع كلمات إيبل.
ريم: «تُربكني حين تُظهر وجهًا عابسًا وأنت بهيئتك تلك.»
سوبارو: «――آخ.»
سوبارو: «أوه، نعم… المعذرة، لقد تلف مكياجي، وأبدو بشكل بشع قليلًا.»
حتى لو كانت ريم قد استعادت ذاكرتها، وحتى لو كانت قواها العلاجية في أفضل حال، لما استطاعت إنقاذ ساق ميزيلدا.
ريم: «لقد كنت تبدو بشعًا حتى عندما كان مكياجك مرتبًا.»
وبينما كانت تمسح بلطف على شعرها الذهبي، حبست أنفاسها للحظة، ثم عادت بنظراتها إلى سوبارو وقالت بهدوء:
سوبارو: «توهُوهُو…»
سوبارو: «ريم، لقد أبلَيتِ بلاءً عظيمًا… الجميع نجا بفضلك.»
رغم ادعائه المتفاخر بأن ‘المدينة سقطت دون إراقة دماء”، فإن الواقع لم يكن كذلك.
ارتخت كتفا سوبارو وهمد في مكانه مكتئبًا من تعليق ريم القاسي كعادته، ثم جلس ببطء إلى جانبها، من الجهة اليمنى، مقابل لويس.
رمقتها عيناه، وعينَاها الزرقاوان الشاحبتان كانتا ممتلئتين بمشاعر صادقة موجَّهة نحوه.
ريم: «أنت لستَ قويًا بما يكفي لفعل كل هذا… كنتُ حذرة منك في البداية بسبب تلك الرائحة الفظيعة.»
نظر إلى ريم بنظرة خجولة ملؤها الرجاء، لكنها قابلته بنظرة محتجة تجاهلها عن قصد.
دق، دق، دق――
سوبارو: «ريم، لقد أبلَيتِ بلاءً عظيمًا… الجميع نجا بفضلك.»
ميزيلدا: «أنا ممتنة لكِ. ولا حاجة لقول المزيد.»
الجميع: «――――»
ريم: «… أنا أدرك تمامًا مدى ضعفي. ولأكون صادقة، فأنا عديمة الجدوى.»
سوبارو: «ريم…»
ريم: «――لأنك لستَ بطلًا.»
وحين التفت سوبارو، وقعت عيناه على نظرةٍ من خلف خوذة فولاذية، متجهةٍ نحوه مباشرة.
ردًا على كلمات الامتنان، خفضت ريم بصرها إلى يديها بامتعاض، وأخذت تحدق في أصابعها الشاحبة وهي تعضُّ شفتيها بضعف.
ريم: «فلماذا يجب أن تتحمل كل ذلك وحدك؟»
وكان عليه أن يوقفها قبل أن تمضي أبعد من ذلك――
سوبارو: «أنتِ لستِ عديمة الجدوى أبدًا. رغم أن ذاكرتكِ مشوَّشة، تمكنتِ من استخدام سحركِ الشفائي ببراعة، وأنقذتِ العديد من الأرواح. لكن…»
سوبارو: «――――»
ريم: «أعلم. لو كنتُ بكامل قواي، لما كان سحري على هذا الشكل.»
إيبل: «بعضهم تجرَّأ على مناداتي بصديق، لكنك لم تفعل.»
سوبارو: «على هذا الشكل؟»
الجميع: «――――»
ريم: «سِحرُ الشفاء الذي أستخدمه الآن يعتمد على الحدس… بمعنى آخر، تعلَّمتُه ذاتيًّا دون مُعلِّم. لكن بفضل مساعدة لويس تشان، تمكَّنتُ من صقله قليلًا. ومع ذلك…»
فطرق جبهته بالحائط مرةً أخرى… ثم مرة… ومرة…
كلمات ريم انقطعت عند هذا الحد.
والسبب في ذلك، أنها شعرت بأنه لا حاجة للاسترسال، فالكلمات إن خرجت ستتحول إلى نصل يؤذيها، وإن خفَّف عنها الألم قليلًا.
يتمايل مترنِّحًا، سار سوبارو في أرجاء قاعة المدينة كمَن يهيم على وجهه.
الشكوى، حين تُقال، تجرح صاحبها ومَن حوله، لكنها في المقابل، تُزيح شيئًا من الثقل في القلب. غير أن ريم كانت ترفض حتى هذه التخفيفات الطفيفة.
واصلت ريم حديثها وكأنها فقدت الأمل في سوبارو، الذي لاذ بالصمت وعجز عن الردِّ.
وذلك لأنها تلوم نفسها بصدق لعجزها عن إنقاذ الآخرين، بسبب ضعفها.
سوبارو: «――――»
«لربما كان يمكن إنقاذها»―― سوبارو أغمض عينيه حين سمع ما كانت ريم توشك أن تنطق به.
ختمت ميزيلدا حديثها، وردَّد أبناء الشودراك كلمات أشبه بالتراتيل.
مرة أخرى، استشعر سوبارو ألم ريم بشدَّة.
―― خسارة ميزيلدا لساقها، تركت في أعماق قلب سوبارو أثرًا ثقيلًا.
أن يندم الإنسان لأنه لم يبذل أكثر، أشدَّ مرارة من جدار لا يُطال. والأدهى أن يكون هذا الندم متعلقًا بمستقبل شخص آخر، لا مستقبله هو.
―― خسارة ميزيلدا لساقها، تركت في أعماق قلب سوبارو أثرًا ثقيلًا.
إيبل: «بعضهم تجرَّأ على مناداتي بصديق، لكنك لم تفعل.»
سوبارو: «… حتى لو كانت ذاكرتكِ سليمة، أظن أن الأمر كان سيفوق قدرتكِ.»
لم تكن حياة، لكنها كانت جزءًا من الجسد… ومن السهل أن يتخيل المرء مدى قسوة فقدان أحد أطرافه الأربعة.
ميزيلدا: «――أنصتوا إليَّ، يا أبناء قومي!»
كان أقرب مثال حاضر في ذهنه هو آل، الرجل ذو الذراع الواحدة، الذي فقد ذراعه اليسرى. وهناك أيضًا مدينة بوَّابة المياه بريستيلا؛ خلال تلك المعركة، فقد ريكاردو إحدى ذراعيه في مواجهة ضد الشراهة.
كان ذلك حدثًا صادمًا إلى أقصى حد، لكنه لم يكن مأساة بعيدة الحدوث إلى درجة عدم تصورها. بل، بالنسبة لأولئك الذين يضعون أنفسهم في مواطن الخطر، قد يكون من الأدق وصفها بأنها مأساة مألوفة. ومع ذلك――
كانت تجلس بركبتيها إلى صدرها وظهرها مستندٌ إلى الجدار، فتفاعلت مع صوته تحركًا طفيفًا، وانعكست هيئته في عينيها الزرقاوين الباهتتين.
سوبارو: «――――»
سوبارو: «هذا… قاسٍ.»
ريم: «… نعم.»
ميزيلدا: «ريم، لا داعي لأن تشعري بالحزن. لقد كنت محظوظة بالخروج من المعركة أمام الجنرال الإمبراطوري بفقدان ساقٍ فقط… لا، بل بسبب وجودكِ إلى جانبي.»
تمتمة سوبارو الجافة قوبلت بهزَّة خفيفة من ريم الجالسة إلى جواره.
كلمة نابية قابلها إيبل بكلمة أدهى منها، ثم افترق سوبارو عنه، بعدما عاد إيبل إلى قاعة الاجتماع.
كانت تلك المرة الأولى التي يحصل فيها على إيماءة مباشرة من ريم دون توبيخ أو رد قاسٍ، ومع ذلك، لم يكن في مزاج يسمح له بتقدير ذلك. نظرت ريم إلى سوبارو، الذي كان يحتضن في صدره كتلة من الألم لم يجد لها مخرجًا.
سوبارو: «لكن بعد ذلك…»
ريم: «لو أن… لو أنني كنتُ كما كنتُ من قبل، تُرى كيف كانت الأمور ستسير…»
سوبارو: «… تقصدين حين كنتِ تملكين ذاكرتكِ؟»
سوبارو: «نعم، هو كذلك. لو كنتُ أكثر حذرًا في التحضيرات، لما آل الأمر إلى هذا.»
رجَّ دماغه من الخارج، وكأنه يحاول إخراج الركود الذي يتلبَّسه.
ريم: «نعم. لو كان سحر الشفاء كما كان في الماضي… لربما استطعتُ إنقاذ ساق ميزيلدا سان…»
إيبل: «ومع ذلك، فمَن يقصِّر في أداء ما طُلب منه، سينال العقاب. عقاب ومكافأة أكيدين، أتفهم ما يعنيه ذلك، أليس كذلك؟»
«لربما كان يمكن إنقاذها»―― سوبارو أغمض عينيه حين سمع ما كانت ريم توشك أن تنطق به.
رفع وجهه على الفور، فإذا به يلتقي بنظرات ريم مباشرة.
ثم أومأت بذقنها نحو الفتاة التي كانت تتكئ على كتفها الأيسر.
لم يكن من العسير عليه فهم ما كانت ريم تفكر فيه، لكن الحكم على مدى تأثر سحرها الشفائي بغياب ذاكرتها لم يكن أمرًا يسيرًا بالنسبة له.
سوبارو: «أنتِ لستِ عديمة الجدوى أبدًا. رغم أن ذاكرتكِ مشوَّشة، تمكنتِ من استخدام سحركِ الشفائي ببراعة، وأنقذتِ العديد من الأرواح. لكن…»
ريم: «نتيجة خطتك التي سُمِّيت بـ “الحصار بلا دماء”، وكونك حميتني في تلك اللحظة، وحتى خسارة ميزيلدا سان لساقها… أنت تحاول أن تتحمَّل كل شيء وحدك…»
حتى لو أمكن قياس قوة السحر، فسيظل من الصعب عليه أن يُقدِّر تلك الفجوة بدقة.
ريم: «… أنا أدرك تمامًا مدى ضعفي. ولأكون صادقة، فأنا عديمة الجدوى.»
لكن مع ذلك――
ريم: «――――»
سوبارو: «――――»
رمقتها عيناه، وعينَاها الزرقاوان الشاحبتان كانتا ممتلئتين بمشاعر صادقة موجَّهة نحوه.
ريم: «ميزيلدا سان… قد يكون كلامك صحيحًا، لكن――»
فالواقع لا يقوم على “لو”، وإن بدأ الحديث عنها فلن يكون له نهاية.
إن كانت الإجابة التي تنتظرها ريم شيئًا بوسع سوبارو تقديمه، فلم يكن واثقًا. ومع ذلك، لم يكن أمامه سوى خيارين: “ريم السابقة كانت تستطيع” أو “ريم السابقة لم تكن لتستطيع”.
إيبل: «سخافة. ما معنى أن أكون بهذه القسوة دون مبرر؟»
فأيٌّ منهما سيكون الخلاص لريم؟
―― أو بالأحرى، أيٌّ منهما سيحول دون أن تزداد جراحها عمقًا؟
ريم: «… ذلك نتيجة تقصيري.»
ختمت ميزيلدا حديثها، وردَّد أبناء الشودراك كلمات أشبه بالتراتيل.
سوبارو: «… حتى لو كانت ذاكرتكِ سليمة، أظن أن الأمر كان سيفوق قدرتكِ.»
إيبل: «سخافة. ما معنى أن أكون بهذه القسوة دون مبرر؟»
نظر إلى ريم بنظرة خجولة ملؤها الرجاء، لكنها قابلته بنظرة محتجة تجاهلها عن قصد.
ريم: «――――»
سوبارو: «حتى سحر الشفاء ليس مطلق القدرة. وفي تلك الحالة، كنتِ لتبذلي أقصى ما يمكنكِ فقط.»
ريم: «لقد كنت تبدو بشعًا حتى عندما كان مكياجك مرتبًا.»
قالها بعد لحظات من التفكير المؤلم، بدَت له أطول بكثير مما هي عليه في الواقع.
حتى لو كانت ريم قد استعادت ذاكرتها، وحتى لو كانت قواها العلاجية في أفضل حال، لما استطاعت إنقاذ ساق ميزيلدا.
أما كونا، فقد ازداد برود تعابير وجهها المعتادة، في حين بدا على هولي، التي عُرفت بلطافتها، ملامح من الكآبة. وعضَّت أوتاكاتا شفتها واحتبست دموعها وهي تخفض رأسها، فيما سادت وجوه الشودراك الآخرين كآبة صامتة.
سوبارو: «أنا مَن لم يكن قويًّا بما يكفي.»
فالواقع لا يقوم على “لو”، وإن بدأ الحديث عنها فلن يكون له نهاية.
صحيح أن ريم لم تستطع إنقاذ ساق ميزيلدا، لكنها بالمقابل أنقذت حياة الكثير من المصابين.
كان ذلك حدثًا صادمًا إلى أقصى حد، لكنه لم يكن مأساة بعيدة الحدوث إلى درجة عدم تصورها. بل، بالنسبة لأولئك الذين يضعون أنفسهم في مواطن الخطر، قد يكون من الأدق وصفها بأنها مأساة مألوفة. ومع ذلك――
كان يجب الإشادة بما حققته، لا أن تلوم نفسها عليه.
إيبل: «――مفهوم. ميزيلدا، لقد أديتِ خدمة عظيمة.» ميزيلدا: «همم.»
سوبارو: «على هذا الشكل؟»
بل إن كان لا بد من لوم، فليكن على――
أليس هذا الخوف المفرط من الفقدان بالذات، هو ما جعل هذه السلطة توكل إلى ناتسكي سوبارو؟
قالها بعد لحظات من التفكير المؤلم، بدَت له أطول بكثير مما هي عليه في الواقع.
سوبارو: «أنا مَن لم يكن قويًّا بما يكفي.»
ولم يكن لذلك أن يُخفِّف عن تاريتا فجأة، لكنها، لا بد، أدركت أن التمسك بميزيلدا لن يُبدِّل شيئًا من الواقع.
ريم: «هاه…؟»
△▼△▼△▼△
سوبارو: «لم أفكِّر بما يكفي… كان ينبغي أن أدرس الموقف بجدية أكبر.»
اتسعت عينا ريم المستديرتان حين سمعت الإجابة التي لفظها سوبارو.
سوبارو: «ريم، لقد أبلَيتِ بلاءً عظيمًا… الجميع نجا بفضلك.»
وأمامها، زمَّ سوبارو شفتيه بقوة حتى كاد يطحن أضراسه، ثم أخفى وجهه بين راحتيه.
فإن كان لا بد من لعن ضعف أحدهم، فلا بد أن يقع اللوم على كاهل سوبارو.
كان التعبير على وجه ميزيلدا حازمًا حين أعلنت تخليها عن منصبها كزعيمة.
سوبارو: «كل شيء… ذنبي.»
――وفي أسوأ الأحوال، سيضطر إلى “العودة بالموت”.
سوبارو: «――――»
رغم ادعائه المتفاخر بأن ‘المدينة سقطت دون إراقة دماء”، فإن الواقع لم يكن كذلك.
اقتحام أراكيا خلَّف الكثير من الجرحى، وعودتها أدَّت إلى مقتل عددٍ من الحُرَّاس. صحيح أنه لم يُسجَّل أيُّ قتيل من صفوفهم، لكن بالنظر إلى ساق ميزيلدا المبتورة، فكيف يمكن أن يُقال إن الأمر تمَّ دون دماء؟
ريم: «――ومَن يهتم بما حدث بعد ذلك؟!»
لقد فشل. سلسلة من الإخفاقات تراكمت، وفُقدت معها فرصة التعويض.
ريم: «ما حصل بعد ذلك لم يكن بوسع أحدٍ التنبؤ به. ظهور تلك المرأة شبه العارية وجنونها لم يكن أمرًا متوقعًا على الإطلاق. فـ…»
سوبارو: «على هذا الشكل؟»
كلُّ ما كان يريده هو أفضل نهاية سعيدة ممكنة، ولكن ما حصده لم يكن إلا نهاية “لا بأس بها”، أو ما يصحُّ وصفه بنهاية حزينة “لا بأس بها”.
فطرق جبهته بالحائط مرةً أخرى… ثم مرة… ومرة…
وكما قال إيبل سابقًا، فإن خطأً مؤكدًا يستوجب جزاءً مؤكدًا―― وكان لا بد أن يُعاقب.
――وفي أسوأ الأحوال، سيضطر إلى “العودة بالموت”.
ولو كان سوبارو أحد رجال إيبل، لَمَا كان من المستغرب أن يُؤمر بقطع رأسه.
مدَّ يديه في ذعر، محاولًا بكل ما أوتي من عزيمة أن يصدَّ أي خطر يهددها. في تلك اللحظة، لم يكن يهمُّه إن كانت أراكيا ستنتزع حياته.
لذلك――
――وفي أسوأ الأحوال، سيضطر إلى “العودة بالموت”.
مرَّت هذه الأفكار في ذهنه.
وإن حدث ذلك، فالأرجح أنه سيعود إلى آخر نقطة ارتكاز… إلى وقت المعركة الدموية ضد تود في غوارال―― وقد جعلته مجرَّد ذكرى تلك اللحظة يرتجف بالكامل من شدة الرعب.
كانت الوحيدة القادرة على استخدام سحر الشفاء، وقد تنقَّلت بين المصابين محاولة إنقاذ أكبر عدد ممكن منهم. وكان من السهل تخمين حجم معاناتها من خلال ثيابها الملطخة بالدماء، وشعرها المبعثر، وتعابير وجهها المرهقة.
ريم: «من فضلك، لا تحاول فعل كل شيء وحدك. لسْتَ مضطرًا لتحمُّل مسؤولية أفعالنا.»
ومع ذلك، حتى لو عاد إلى تلك اللحظة الكئيبة، إن استطاع استعادة ما فُقد――
اتسعت عينا ريم المستديرتان حين سمعت الإجابة التي لفظها سوبارو.
ريم: «――――»
ريم: «… لماذا؟»
لحظةً، رمش سوبارو بعينيه متحيرًا… لم يدرك ما تقصده ريم.
ذلك السؤال ضرب طبلتي أذنه وسط بحر أفكاره القاتمة.
رفع وجهه على الفور، فإذا به يلتقي بنظرات ريم مباشرة.
عينا ريم، اللتان غمرتهما ندامة مريرة قبل لحظات، راحتا تحدِّقان في سوبارو الآن بعمقٍ أشد، وندمٍ أكبر.
فطرق جبهته بالحائط مرةً أخرى… ثم مرة… ومرة…
――وفي أسوأ الأحوال، سيضطر إلى “العودة بالموت”.
ريم: «لماذا أصبح الأمر ذنبك؟»
ريم: «… نعم.»
أثارته نظرات ريم، فازدادت الكلمات ثقلًا فوق صدره، حتى عجز سوبارو عن الحركة.
ميزيلدا: «أنا ممتنة لكِ. ولا حاجة لقول المزيد.»
مدَّت يدها، ونظراتها تزداد رطوبة، ثم أشارت إلى مبنى البلدية المدمَّر من حولهم، وقالت:
ريم: «لماذا أصبح الأمر ذنبك؟»
ميزيلدا: «إن كان الأمر كذلك، فامنحني ابتسامة. هذه من واجبات الرجال الوسيمين.»
ريم: «إذًا… ساق ميزيلدا، جراح لويس تشان وأوتاكاتا تشان، إصابات ميديوم سان وفلوب سان… كل هذا ذنبك؟»
كونها شقيقة ميزيلدا الصغرى، والتي اختيرت بنفسها خليفة للزعامة، لم تكن سوى دليلٍ على تقديرها واحترامها العميق لأختها الكبرى، والذي كان واضحًا في كل قولٍ وفعلٍ منها.
سوبارو: «نعم، هو كذلك. لو كنتُ أكثر حذرًا في التحضيرات، لما آل الأمر إلى هذا.»
ريم: «لكنك وضعت خطة، وكانت الخطة التي بدت متهورة في البداية فعَّالة بالفعل. تمكَّنتَ من احتجاز الجنرال المصنف الثاني وأدخلتَ الجميع إلى المدينة من دون قتال. تمامًا كما خططنا.»
وكما قال إيبل سابقًا، فإن خطأً مؤكدًا يستوجب جزاءً مؤكدًا―― وكان لا بد أن يُعاقب.
سوبارو: «لكن بعد ذلك…»
ولم تكن ريم استثناءً فحسب.
تاريتا: «――――»
ريم: «――ومَن يهتم بما حدث بعد ذلك؟!»
رجَّ دماغه من الخارج، وكأنه يحاول إخراج الركود الذي يتلبَّسه.
سوبارو: «ليس الأمر أنَّ لقب “المستشار العسكري” لا يغريني… لكنِّي لا أرغب في أن أكون تابعًا لك.»
عند إصرار سوبارو، عقدت ريم حاجبيها ورفعت صوتها. ثم أدارت وجهها فجأة، فانسلت لويس التي كانت متكئة على كتفها وسقطت في حجرها.
سوبارو: «ليس الأمر أنَّ لقب “المستشار العسكري” لا يغريني… لكنِّي لا أرغب في أن أكون تابعًا لك.»
تحرَّكت لويس قليلًا وأصدرت أنينًا خافتًا، دون أن تستيقظ. ووسط تأوُّه خفيف، أسندت ريم كتفها بلطف، ثم عادت لتحدَّق في سوبارو.
ريم: «ما حصل بعد ذلك لم يكن بوسع أحدٍ التنبؤ به. ظهور تلك المرأة شبه العارية وجنونها لم يكن أمرًا متوقعًا على الإطلاق. فـ…»
إيبل: «لا أظن أنني بحاجة لأن أُخبرك بما هو واضح.»
سوبارو: «――――»
وإن حدث ذلك، فالأرجح أنه سيعود إلى آخر نقطة ارتكاز… إلى وقت المعركة الدموية ضد تود في غوارال―― وقد جعلته مجرَّد ذكرى تلك اللحظة يرتجف بالكامل من شدة الرعب.
الشكوى، حين تُقال، تجرح صاحبها ومَن حوله، لكنها في المقابل، تُزيح شيئًا من الثقل في القلب. غير أن ريم كانت ترفض حتى هذه التخفيفات الطفيفة.
ريم: «فلماذا يجب أن تتحمل كل ذلك وحدك؟»
ازدرد سوبارو ريقه عند سماعه مرة أخرى سؤال “لماذا”.
سوبارو: «ها…؟»
ولو طُلب منه الجواب، لقال إنه ذنب القوي… مسؤولية مَن يملك القدرة.
في ظل الظروف الحالية، مَن قد يجرؤ على مناداته بصديق إما أن يكون شخصًا طيبًا للغاية، أو محتالًا. وفلوب، على الأرجح، من النوع الأول. على أي حال――
بنفس الطريقة التي ندبت بها ريم ضعف سحرها الشفائي، كثيرًا ما ندم سوبارو على عجز سلطته عن تعويض ذلك.
فمجال تأثير ‘لعودة بالموت” أوسع، والمستقبل قد يتحسَّن أو يسوء اعتمادًا على قرارات سوبارو واستعماله لقوَّته. غير أنَّ――
كونها شقيقة ميزيلدا الصغرى، والتي اختيرت بنفسها خليفة للزعامة، لم تكن سوى دليلٍ على تقديرها واحترامها العميق لأختها الكبرى، والذي كان واضحًا في كل قولٍ وفعلٍ منها.
سوبارو: «ذلك…»
――تلك كانت حقيقة يستحيل البوح بها لأي كان، حتى وإن كانت ريم.
ولم تكن ريم استثناءً فحسب.
سوبارو: «توهُوهُو…»
فالسلطة التي يحملها سوبارو، وحدها لا يمكن أن تُفصح لأي أحد، بغض النظر عن مدى انفتاحه، أو عن عمق العلاقة العاطفية التي تجمعه به.
لو أفصح عنها، فلا سبيل لقول الحقيقة دون تعريض حياة الشخص الآخر للخطر، بل للموت.
ما كان يخشاه حقًّا لم يكن الألم فحسب. الألم الناتج عن محاولة الإفصاح عن “العودة بالموت” كان مرعبًا.
نظر إيبل إلى عشيرة الشودراك المتحدثين بالقرب منهم، بينما بدا سوبارو محبطًا.
مَن ذا الذي يمكنه التكيُّف مع ذلك الألم الساحق الذي يخنق القلب كل مرة وكأنها الأولى؟
ميزيلدا: «ريم، لا داعي لأن تشعري بالحزن. لقد كنت محظوظة بالخروج من المعركة أمام الجنرال الإمبراطوري بفقدان ساقٍ فقط… لا، بل بسبب وجودكِ إلى جانبي.»
تاريتا: «أختي…»
لكن ما كان يرعبه أكثر من الألم، هو الخسارة.هل ثمَّة ما هو أكثر رعبًا من الفقدان؟
أليس هذا الخوف المفرط من الفقدان بالذات، هو ما جعل هذه السلطة توكل إلى ناتسكي سوبارو؟
ريم: «فلماذا يجب أن تتحمل كل ذلك وحدك؟»
ريم: «… لماذا حميتني؟»
في ظل الظروف الحالية، مَن قد يجرؤ على مناداته بصديق إما أن يكون شخصًا طيبًا للغاية، أو محتالًا. وفلوب، على الأرجح، من النوع الأول. على أي حال――
سوبارو: «ها…؟»
واصلت ريم حديثها وكأنها فقدت الأمل في سوبارو، الذي لاذ بالصمت وعجز عن الردِّ.
لحظةً، رمش سوبارو بعينيه متحيرًا… لم يدرك ما تقصده ريم.
سوبارو: «لكن بعد ذلك…»
سوبارو: «ما عليَّ؟»
ريم: «حين هاجمتني تلك المرأة شبه العارية… أسقطتُ عمودًا، ولما لم ينجح ذلك… اندفعتْ نحوي، فاعترضتَ طريقها بجسدك.»
يتمايل مترنِّحًا، سار سوبارو في أرجاء قاعة المدينة كمَن يهيم على وجهه.
في محاولة بائسة ويائسة لإنقاذها من ضربة أراكيا، وقف سوبارو أمام ريم.
وكان عليه أن يوقفها قبل أن تمضي أبعد من ذلك――
مدَّ يديه في ذعر، محاولًا بكل ما أوتي من عزيمة أن يصدَّ أي خطر يهددها. في تلك اللحظة، لم يكن يهمُّه إن كانت أراكيا ستنتزع حياته.
أراد فقط أن تظل ريم على قيد الحياة، ولو لثانيةٍ واحدة أطول منه. ذلك كان――
كانت تجلس بركبتيها إلى صدرها وظهرها مستندٌ إلى الجدار، فتفاعلت مع صوته تحركًا طفيفًا، وانعكست هيئته في عينيها الزرقاوين الباهتتين.
ريم: «نتيجة خطتك التي سُمِّيت بـ “الحصار بلا دماء”، وكونك حميتني في تلك اللحظة، وحتى خسارة ميزيلدا سان لساقها… أنت تحاول أن تتحمَّل كل شيء وحدك…»
كلمة نابية قابلها إيبل بكلمة أدهى منها، ثم افترق سوبارو عنه، بعدما عاد إيبل إلى قاعة الاجتماع.
سوبارو: «――――»
ريم: «أنت لستَ قويًا بما يكفي لفعل كل هذا… كنتُ حذرة منك في البداية بسبب تلك الرائحة الفظيعة.»
ريم: «أم أنك لا تريد أن تُولي هذه الفتاة أيَّ قدر من الاعتبار؟»
――وفي أسوأ الأحوال، سيضطر إلى “العودة بالموت”.
هنا توقفت ريم عن الكلام. وبعد أن عمًّ الصمت، نظرت إلى لويس النائمة في حجرها.
مرة أخرى، استشعر سوبارو ألم ريم بشدَّة.
ميزيلدا: «هذه آخر أوامري كزعيمة―― أشكركم على وفائكم لعهود الأجداد، وعلى اعتزازكم بإرثهم.»
وبينما كانت تمسح بلطف على شعرها الذهبي، حبست أنفاسها للحظة، ثم عادت بنظراتها إلى سوبارو وقالت بهدوء:
ميزيلدا: «لا تُنكسي رأسكِ، أيتها الزعيمة. ترددكِ هو ترددنا. وتخاذلكِ هو تخاذلنا. وموتكِ هو موتنا جميعًا.»
ريم: «أنا، ولويس- تشان، وإيبل سان، وميزيلدا سان، وميديوم سان، وفلوب سان… جميعنا بشر نمتلك إرادتنا الخاصة، ولستَ مضطرًا للانهيار لتحمينا.»
أثارته نظرات ريم، فازدادت الكلمات ثقلًا فوق صدره، حتى عجز سوبارو عن الحركة.
كلمات ريم انقطعت عند هذا الحد.
سوبارو: «أوه…»
وما زال ذاك الشخص ممسكًا بكتفه، ثم حرَّك رقبته حتى أطلق عظامها طقطقة خفيفة، وقال:
ريم: «من فضلك، لا تحاول فعل كل شيء وحدك. لسْتَ مضطرًا لتحمُّل مسؤولية أفعالنا.»
سوبارو: «هذا تصرُّف فظ للغاية!»
فتح سوبارو فمه وأغلقه مرارًا، مذهولًا من سيل كلماتها.
سوبارو: «… صراحةً، لم أتوقع هذا.» مع انتهاء حديث خلافة الزعامة وتقرير الأضرار، توجَّه سوبارو إلى إيبل بكلامه.
رفض دماغه أن يستوعب ما قيل بسرعة، غير أن شعورًا غير معروف بالحاجة الملحَّة لفَّ قلبه، ودفعه للإصغاء… وعدم مقاطعتها.
إيبل: «ومع ذلك، فمَن يقصِّر في أداء ما طُلب منه، سينال العقاب. عقاب ومكافأة أكيدين، أتفهم ما يعنيه ذلك، أليس كذلك؟»
بمشاعر صادقة، كانت ريم تردُّ على سوبارو الذي كان يجلد نفسه على عجزه.
ريم: «أنت لست شخصًا استثنائيًّا――»
وكان عليه أن يوقفها قبل أن تمضي أبعد من ذلك――
إيبل: «――مفهوم. ميزيلدا، لقد أديتِ خدمة عظيمة.» ميزيلدا: «همم.»
ريم: «أنت لست شخصًا استثنائيًّا――»
△▼△▼△▼△
كان يعلم أنه لم يكن عليه أن يدعها تُكمل.
ريم: «――لأنك لستَ بطلًا.»
يتمايل مترنِّحًا، سار سوبارو في أرجاء قاعة المدينة كمَن يهيم على وجهه.
لكن الشخص الذي بدا عليه الاضطراب أكثر من الجميع――
△▼△▼△▼△
ميزيلدا: «أجل، لا نية لي في التراجع. وسيُحترم العهد المبرم بين الشودراك وإمبراطور فولاكيا. لكن من الآن فصاعدًا، عليكم الرجوع إلى تاريتا… أو بالأحرى، الزعيمة.»
ريم: «بهذه الطريقة، ستوقظ لويس تشان النائمة. أرجو أن تضعها في اعتبارك.»
يتمايل مترنِّحًا، سار سوبارو في أرجاء قاعة المدينة كمَن يهيم على وجهه.
ريم: «لماذا أصبح الأمر ذنبك؟»
ريم: «أنت لستَ قويًا بما يكفي لفعل كل هذا… كنتُ حذرة منك في البداية بسبب تلك الرائحة الفظيعة.»
لم يكن لديه وجهة، بل لم يدرك حتى متى بدأ السير. كلًّ ما في الأمر أنه حين عاد إلى وعيه، وجد نفسه يمشي. بل وحتى حينها، ظل وعيه غائمًا، متلبّدًا.
سوبارو: «… حتى لو كانت ذاكرتكِ سليمة، أظن أن الأمر كان سيفوق قدرتكِ.»
سوبارو: «――آخ.»
نظر إلى ريم بنظرة خجولة ملؤها الرجاء، لكنها قابلته بنظرة محتجة تجاهلها عن قصد.
فجأة، تلقَّى ضربة قوية في وجهه.
لم يكن من العسير عليه فهم ما كانت ريم تفكر فيه، لكن الحكم على مدى تأثر سحرها الشفائي بغياب ذاكرتها لم يكن أمرًا يسيرًا بالنسبة له.
أبناء الشودراك: «――――»
وحين رفع رأسه ليرى ما أصابه، اكتشف أنه اصطدم بالحائط… كان يسير وهو لا يرى سوى قدميه، ولهذا لم ينتبه. أمسك بجبهته المتألِّمة، وزفر زفرة حارة.
ريم: «ميزيلدا سان… قد يكون كلامك صحيحًا، لكن――»
ثم، دون تفكير، عاد وطرق جبهته بالحائط مجددًا.
ارتطام صلب، وصوت خافت، وألمٌ لسع دماغه من الداخل.
رجَّ دماغه من الخارج، وكأنه يحاول إخراج الركود الذي يتلبَّسه.
كلمات ريم انقطعت عند هذا الحد.
ريم: «أنا، ولويس- تشان، وإيبل سان، وميزيلدا سان، وميديوم سان، وفلوب سان… جميعنا بشر نمتلك إرادتنا الخاصة، ولستَ مضطرًا للانهيار لتحمينا.»
فطرق جبهته بالحائط مرةً أخرى… ثم مرة… ومرة…
واصلت ريم حديثها وكأنها فقدت الأمل في سوبارو، الذي لاذ بالصمت وعجز عن الردِّ.
دق، دق، دق――
؟؟؟: «هيه، هيه، توقف عن ذلك، يا صاح.»
سوبارو: «أوه، نعم… المعذرة، لقد تلف مكياجي، وأبدو بشكل بشع قليلًا.»
وقبل أن يضرب نفسه مرةً أخرى، أمسكت يدٌ بكتفه من الخلف. لقد ناداه أحدهم.
ريم: «أنت لستَ قويًا بما يكفي لفعل كل هذا… كنتُ حذرة منك في البداية بسبب تلك الرائحة الفظيعة.»
سوبارو: «――――»
ميزيلدا: «――――»
آل: «أُدرك جيدًا شعورَ الرغبة في الموت… لكن، مهما كرَّرت ذلك، فلن تكون هناك نهاية لتلك الأمور أبدًا.»
وحين التفت سوبارو، وقعت عيناه على نظرةٍ من خلف خوذة فولاذية، متجهةٍ نحوه مباشرة.
وما زال ذاك الشخص ممسكًا بكتفه، ثم حرَّك رقبته حتى أطلق عظامها طقطقة خفيفة، وقال:
آل: «أُدرك جيدًا شعورَ الرغبة في الموت… لكن، مهما كرَّرت ذلك، فلن تكون هناك نهاية لتلك الأمور أبدًا.»
وما زال ذاك الشخص ممسكًا بكتفه، ثم حرَّك رقبته حتى أطلق عظامها طقطقة خفيفة، وقال:
////
حسابنا بتويتر @ReZeroAR
ميزيلدا: «――تاريتا.»
لم يكن لديه وجهة، بل لم يدرك حتى متى بدأ السير. كلًّ ما في الأمر أنه حين عاد إلى وعيه، وجد نفسه يمشي. بل وحتى حينها، ظل وعيه غائمًا، متلبّدًا.

اوف, كلام خطير يا ابو باران