الفصل ٥٣ : القناص السحري
――كان روزوال إل ميزرس أعظم ساحر في المملكة، وفي العالم.
ولو سأل أحدهم ذلك الشخص عن مكانته، لأجاب بابتسامة لا تخلو من الجرأة والثقة المتقدة، مؤكدًا الفكرة بجملة واحدة: “في الوقت الراهن، يمكنني القول بأن ذلك صحيح.”
وعندما كان روزوال يشير إلى أن الأمر كذلك في العصر الحالي، لم يكن يظهر أي أثرٍ للأسف أو الشعور بالخيبة على وجهه. بل ما كان يسكن في عينيه ذات اللون المختلف هو حب عميق وشعور بالوحدة، وكأنه يتوق إلى شيء ما.
عندما كان يتحدث عن السحر، كان ذلك التوق العابر الذي لا يختفي من داخله، وهو أمر لم يكن أحد واحتفظ به لرام وبياتريس فقط ؛ حتى هو نفسه لم يكن واعيًا له تمامًا.
وبناءً على ذلك، لم تتزعزع مكانة روزوال بصفته أعظم ساحرٍ في الحاضر.
وأثناء إعلانه ذلك أمام ميديوم أوكونيل، التي كانت تتحدى معركة حاسمة، حلق بها عبر السماء، مواجهًا القناص السحري الذي ارتفع إلى ارتفاعات شاهقة في الأفق البعيد―― ومع امتلاك روزوال للثقة والكبرياء في سحره، فقد كان يقدّر احتمالات النصر هنا بأنها ضئيلة.
روزوال: “――――”
ها هي سماء العاصمة الإمبراطورية، وقد تم اختراقها من الجنوب الغربي، ظهرت أمام رؤية روزوال وقد تلونت باللون الأحمر الساطع، تتفجر فيها ألسنة اللهب الهائلة فوق قلعة الكريستال الشمالية . كان روزوال هو من أطلق ذلك المطر الناري، لكن ما حوله إلى انفجارات ملتهبة كان ثنائيٌ من تنين طائر وفارسه، يطيران من القصر―― أو هكذا بدا الأمر.
سبب استخدام كلمة “بدا” هو أن عيني روزوال لم تكن قادرة على تحديد هدف يتحرك بسرعة فائقة من موقعٍ يبعد عدة كيلومترات.
لم يكن ذلك بسبب ضعف بصره، بل ببساطة، لم تكن عين الإنسان قادرة على فعل ذلك.
ومع ذلك، كانت ميديوم والقناص السحري المقابل يتجاوزان هذا القيد عبر قوة الحماية الإلهية وتقنية أخرى مجهولة على التوالي، وتمكنا من رؤية بعضهما بوضوح.
وكدليل على ذلك――
ميديوم: “――أوه،
مع صرخة حربٍ لطيفة، لوحت ميديوم بسيفها البربري بينما كانت محمولة بين ذراعي روزوال.
كانت تحلق في وضعٍ يعتمد بالكامل على شخصٍ آخر، ولم تكن تملك أي توازن جيد، ومع ذلك، استطاع سيفها أن يقطع الرصاصة الضوئية القادمة، مع صوت أشبه برشقة الماء.
وبينما كان التأثير يضربهم، شعر روزوال بالرصاصة الضوئية المقطوعة تمر خلفهم وتتحلل إلى مانا، لم يسعه إلا أن يرتجف أمام سرعة ودقة تلك الهجمة.
―― لقد كانت تقنية سحرية مصممة للقتل، متقنة إلى حد لا يُصدق في ذروة الخبرة.
استطاع أن يستنتج أن الرصاص الضوئي الموجه كان نوعًا من سحر اليانغ، لكنه كان مختلفًا عن جيوالد، الذي يطلق شعاعًا من الحرارة؛ فلم يكن بالإمكان تصنيف تقنية إطلاق تلك الرصاصة ضمن أي فئة، بل كانت إبداعًا أصليًا.
لم يكن يستطيع الجزم بشيء بعد مواجهة قصيرة كهذه، لكنه كان يعتقد أنه ربما يشمل إعداد الضوء في شكلٍ وطبيعة مشابهة للمقذوفات الجليدية التي تطلقها إيميليا، والتي تخترق الأجزاء الحيوية للخصم. الشيء الجدير بالملاحظة هو أنه، بدلًا من أن تكون رصاصة من الجليد أو التراب، التي تحتفظ بشكلها المادي، فقد تم استبدالها بالضوء.
ومن خلال عدم بقاء الرصاصات المادية داخل الجرح، يصبح من الصعب على الخصم إدراك الطبيعة الحقيقية للهجوم، بالإضافة إلى أن المنطقة المحيطة بالجرح ستحترق بسبب الضوء، مما يجعل الإصابة خطيرةً بسهولة.
روزوال: “سحرٌ رائع.”
امتدح روزوال الهجمة بوصفها جديرة تمامًا بأن تُسمى “رصاصات سحرية”.
ولو كان الخصم قد ابتكر هذه التقنية بنفسه، لامتلك موهبة كافية ليكون ساحرًا من الدرجة الأولى. ولكن مرة أخرى، في هذه المرحلة، من المرجح أن الشخص المعني لم يعد يسعى لتحقيق مثل هذه المكانة.
من منظور الإمبراطورية، كان قد حصل بالفعل على أعلى تقييم ممكن بكونه جنرالًا إلهيًا.
ناهيك عن أنه من الصعب تخيل شخصٍ ليس حيًا، بل ميتًا، يتوق إلى مثل هذا المجد.
روزوال: “للبدء، حتى خلال حياته، لم يكن شخصًا يتشبث بالشهرة أو الهيبة. لقد سمعتُ ذلك من الذين كانوا قريبين منه، ومن الشخص الذي شهد لحظاته الأخيرة.”
بالنسبة للمعلومات حول القناص السحري―― باليروي تيماجليف، كان هناك عدد غير متوقع من الأشخاص الذين عرفوه في حياته، لذا أتيح لروزوال فرص أكثر مما كان يأمل في البداية لمعرفة المزيد عنه.
ولكن، ما سمعه من أشقاء أوكونيل كان في الغالب شهادات عن شخصيته، بينما كانت سيرينا غارقة في مشاعر الذنب التي لم تكن من سماتها المعتادة. وهكذا، لم يتمكن روزوال من الحصول على المعلومات التكتيكية التي كان يرغب بها منهم، ولكن―― كان هناك منافس غير متوقع.
ذلك كان――
روزوال: “――لم أكن لأتوقع أن يكون جوليوس-كون هو الفرد الموهوب الذي هزم هذا الجنرال الإلهي.”
حرصًا على ألا تسمع ميديوم، التي كانت تعزز تركيزها بين ذراعيه، نظم روزوال أفكاره بينما يستعيد ذكرى جوليوس، الذي بدا وكأنه يساوره القلق العميق.
بصفته الفارس الوحيد لأنستازيا، كان يمتلك حسًّا قويًّا بالواجب، لذا فقد دعم سيدته حتى وصوله إلى إمبراطورية فولاكيا. ولقد قدم الفارس الأسمى معلومات قيّمة للغاية بشأن العدو الخطير الذي يواجهه روزوال وميديوم معًا.
――منذ البداية، بغض النظر عما إذا كانت ساحة المعركة هي العاصمة الإمبراطورية أو المدينة المحصنة، كان من المقرر أن يكون روزوال هو من سيواجه باليروي تيماجليف.
لم يكن الأمر بسبب أن روزوال كان أحد معارف سيرينا دراكروي القدامى، أو لأنه قد أُسندت إليه مهمة أداء الطقوس الأخيرة على باليروي، الذي اعتنت به منذ طفولته، بل كان قرارًا استراتيجيًّا .
روزوال، رغم امتلاكه للمشاعر، كان يتجاهل أي قرارات قائمة على العاطفة.
طبيعيًّا، كان اختيار روزوال كمنافس لباليروي قرارًا استراتيجيًّا بحتًا.
ربما من المتأخر ذكر ذلك، ولكن إمبراطورية فولاكيا ومملكة لوجونيكا كانتا عدوين لفترة طويلة.
كانت هناك علاقات مليئة بالخيانة بين جميع الدول الأربع الكبرى، ولكن الحقيقة التي اعترف بها الجميع كانت أن هناك دائمًا طرفًا يجب توخي الحذر منه أكثر من غيره.
لذلك، رغم أن إبرام معاهدة عدم الاعتداء مع الإمبراطورية خلال فترة الاختيار الملكي كان إنجازًا تاريخيًّا رائعًا، فإن هذا لم يكن يعني أن العلاقة الباردة بين البلدين قد تحسنت.
باختصار، حافظت مملكة لوجونيكا على يقظتها تجاه العدو المحتمل المتمثل في إمبراطورية فولاكيا، وكانت دائمًا تعمل على تحسين إجراءاتها المضادة ضد القوة الأساسية التي تضم الجنرالات الإلهيين التسعة ، والقوة التي يمثلها سرب التنانين الطائرة.
في اجتماعات التخطيط تلك، كان القرار قد حُسم―― سحرة في المملكة سيواجهون سرب التنانين الطائرة للإمبراطورية، وعلى رأسهم روزوال الذي سيصطدم بأقوى فارس تنين طائر.
روزوال: “ومع ذلك، لم أكن لأتوقع أنني سأواجه أهدافًا تتطلب هذا القدر من الحذر، مثل العجوز الشرس والقناص السحري داخل الأملراطورية.”
عندما كانت تُجرى نقاشات المواجهة ضد الإمبراطورية، تم اعتبار هذين الشخصين أكبر تهديدين.
بالطبع، من حيث القوى القتالية الفردية، كان البرق الأزرق وملتهمة الأرواح هما الثنائي الأكثر شهرة، ولكن بخصوصهما، كانت المملكة تمتلك أيضًا قديس السيف الذي لا يقل شأنًا عنهما.
ولكن، في الحرب، تكون القيادة هي العنصر الأهم.
أفضل طريقة لإنهاء حرب هي إنهاء حياة قادة العدو―― ولهذا السبب، كان الخوف الأكبر ليس من الأول والثاني، بل من العجوز الشرس والقناص السحري.
لذلك، كان روزوال قد استنتج تقنيات وقدرات القناص السحري من الشائعات.
سمع روزوال أنه، في النهاية، تمرد وفقد حياته دون أن تتاح لهما فرصة المواجهة، لذا فإن عمليات المحاكاة التي أجراها انتهت إلى كونها بلا فائدة ، ولكن عبر تحوُّل غريب في القدر، تحقق هذا السيناريو الآن.
ثم، عند التحقق من مهارات باليروي تيماجليف الحقيقية، وليس المتخيلة، اقتنع روزوال، أقوى ساحر في العالم.
روزوال: “――كما توقعت، لا يمككني الفوز بهذا بمفردي.”
لم تكن تلك مجرد مزحة أو سخرية، ولم يكن ذلك بسبب فقدانه لأعصابه؛ بل أدرك روزوال ببساطة هذه الحقيقة الواضحة.
لم يكن الأمر متعلقًا بكون سحره أدنى من التقنيات العسكرية، بل إن هناك اختلافًا جوهريًا في ساحة المواجهة.
أولًا وقبل كل شيء، كان هناك فرق في القدرة على التحرك .
كانت قدرة روزوال على استخدام السحر الطائر تجعله أحد أبرز الأفراد في العالم القادر على الطيران بمفرده، ولكن سرعته وقدرته على المناورة لم تكن تضاهي تلك الخاصة بالتنانين الطائرة، التي تعد خبراء في هذا المجال. وإذا حاول أحدهم تحدي باليروي وجهًا لوجه في معركة جوية، فإن أفضل ما يمكن أن يفعله هو أن بفقد السيطرة بسبب سرعته، وأن يتم إسقاطه بينما يهزمه خصمه بحركاته ثلاثية الأبعاد.
ثانيًا، كان هناك اختلاف في الدقة وأهداف أساليب الهجوم الخاصة بكل منهما.
كانت الرصاصات السحرية، التي أتقنها باليروي، بلا شك تقنية تم تدريبها خصيصًا لغرض القتل، وكان من المقبول القول بأن قوتها ودقتها قد بلغت ذروة الإتقان.
في سبيل أن يصبح ساحرًا لا يخيب ظن معلمه، كان روزوال يسعى إلى إتقان جميع أنواع السحر الممكنة، لكنه كان لا يزال بعيدًا عن أسرار السحر العميقة، وحتى لو كانت تنوعاته السحرية تفوق تلك الخاصة بباليروي بشكل ساحق، فإنه لم يكن يمتلك شيئًا يعادل هذا العدو المتخصص في فن قتل الهدف.
ثالثًا، كان هناك اختلاف في ظروف القتال.
كانت هذه المسألة الأكثر إزعاجًا، لكنها أيضًا كانت أكبر عقبة في هذه المواجهة.
إذا فكر أحدهم في الأمر، فمن المحتمل أن يصل إلى هذا الاستنتاج؛ لو كان بالإمكان القتال من مسافة بعيدة ومهاجمة الخصم ، لكان من المستحيل الخسارة. كان هذا الأسلوب بطبيعة الحال هو طريقة قتال روزوال، وكان القتال من أبعد مدى ممكن بالنسبة له يعد التكتيك الأساسي لتحقيق النصر الساحق بوصفه ساحرًا.
المشكلة كانت أنه حتى مع أكبر مدى هجومي لديه، لا يزال خصمه يملك التفوق.
بطبيعة الحال، لن يسمح خصمه بتنفيذ تلك الهجمات الأحادية التي اعتاد استخدامها حتى الآن. ولتجنب هذا الموقف، كان بحاجة إلى تقليص المسافة حتى لا يفقد ميزة النطاق، ثم في اللحظة التي يتم فيها القضاء على ميزة النطاق، يتحول الأمر إلى منافسة بين قدراتهما الفردية.
ولكن، ظروف القتال التي فرضت على روزوال لم تكن تسمح بهذا الشرط المسبق.
سوبارو: “بصراحة، سيكون الأمر مزعجًا للغاية لو تم القضاء على حلفائنا واحدًا تلو الآخر من مسافة بعيدة. لكي لا نسمح للخصم بتنفيذ هذا النوع من الاستهداف السريع ضدنا، عليكم فعل شيءٍ لكبح جماحه!”
كان هذا هو الدور الذي عهد به سوبارو إلى روزوال أثناء التخطيط للهجوم على العاصمة الإمبراطورية، وتوزيع أعضاء فرقة الإنقاذ من الدمار.
في الواقع، كان هذا قرارًا منطقيًا. بغض النظر عن هاليبيل وأولبارت، لم يكن روزوال ينوي الادعاء بأنه أقوى شخص ، لكنه كان بلا شك الشخص الذي يمتلك أكبر مدى هجومي.
كانت إيميليا أيضًا على الطريق الصحيح، لكنها كانت تفتقر إلى الدقة في هجماتها، ولم يكن لديها طريقة للصعود إلى السماء، حيث صنع الخصم ساحة معركته. لذا، كان من الطبيعي أن تقع هذه المهمة على عاتق روزوال.
وبالتالي، لمنع استهداف الحلفاء الآخرين، اضطر روزوال إلى الهجوم من مسافة تمنح خصمه ميزة ساحقة، مما جعله يعلن الحرب بينما يجذب انتباه خصمه إليه.
روزوال: “كما كنت أخشى، حتى من هذه المسافة تصل هجمات الخصم بدقة. لقد جذبت انتباهه، لكن… سيتوجب عليّ الاقتراب أكثر . قد ينتهي بي الأمر إلى الموت.”
يجب أن تكفي العوامل الثلاثة المذكورة سابقًا لإظهار مدى صعوبة الموقف.
أمام خصم بهذه القوة، لم يكن أمامه خيار سوى القتال بتكتيكاتٍ وعلى مسافة تمنح الخصم التفوق. علاوة على ذلك، بعد إدراكه لفارق القوة بينهما، كان روزوال مقتنعًا بأن خصمه يفوقه في القوة .
ولكن، لم تكن هناك مشاعر حزن أو يأس تسكن عينيه ذات اللون المختلف.
وذلك لأن――
ميديوم: “دييااه!”
بعد لحظة من رؤيتها لوميض، دوى صوت ارتطام يشبه رش الماء، مما هز جسدا روزوال وميديوم.
كان هذا دليلاً على أن ميديوم قد نجحت في صد الرصاصة الثانية. وبينما كان روزوال يُبدي إعجابه بقدرتها على تحقيق ذلك، تعمّقت ابتسامته.
سبب تلك الابتسامة كان――
روزوال: “ميديوم-كون، هل يبدو الأمر ممكنًا؟”
ميديوم: “نعم! يمكننا فعلها! كما قال روز-تشين… يبدو أن أخي بالي يستهدف ذراعي وكتفي فقط!”
……..
“تبًا――”
عندما رأى الرصاصة الثانية التي أطلقها يتم قطعها بواسطة السيف البربري، من خلال الرؤية المكبرة بعينه اليسرى، ضغط باليروي على أسنانه وهو يلاحظ تحسن مهارة الفتاة التي عرفها، ويدرك مدى خبث هدف خصمه.
داخل المنظار الذي شكله عن طريق ثني الضوء، تمكن من رؤية ميديوم، ووجهها المليء بالحماس، والرجل الذي كان يحلق في السماء وهو يحملها، يقتربان منه تدريجيًا.
كان هدفهم واضحًا، فقد كان تكتيكًا شائعًا في الحروب أن يتم تقليص المسافة مع الخصم المتخصص في الهجمات بعيدة المدى.
بمجرد فشل الهجوم المفاجئ بكرات اللهب من فوق السحب، انتقلوا على الفور إلى خطة بديلة―― لكن الأمر لم يكن كذلك.
من يعتقد أن مثل هذا الهجوم التقليدي سيصيب الهدف قبل أن يتم اكتشافه، فهو مخطئ تمامًا. كان الهدف من ذلك الهجوم أن يتم التصدي له. وعلى الرغم من إدراكه لذلك، إلا أنه كان هجومًا لا بد له من التصدي له.
بما أن خصمه أطلق الهجوم الافتتاحي للمعركة بهذه الطريقة، فقد قرر الشروع في معركة بعيدة المدى بشكل ساحق لصالحه―― إلا أن رؤية ميديوم قد أصابت روح القتال لدى باليروي بالشلل.
السبب وراء السماح بصد الهجوم المفاجئ، وبدء معركة يكون فيها هو صاحب ميزة المدى، كان لأن استراتيجيتهم بُنيت على حقيقة أن باليروي سيضطر إلى الاختيار بين من سيستهدفه برصاصاته السحرية.
باليروي: “ميدي…!!”
نجحت ميديوم في التصدي لكلتا الرصاصتين السحريتين، الأولى والثانية، اللتين أطلقهما باليروي.
لطالما كانت على هذا النحو. عندما تشعر ميديوم بالإحباط، يمكن حتى لفلوب ذو الجسد الضعيف أن يتغلب عليها، ولكن عندما تكون مفعمة بالحماس، فإنها تتحول إلى فتاة متهورة وصاخبة بلا حدود.
لا فلوب ولا مايلز كانا قادرين على فعل شيء حيال ذلك، وحتى باليروي، رغم كونه المفضل لديها، كان يجد صعوبة في التعامل معها. أما سيرينا، فلم تكن توبخها ، لذا كانت حيوية ميديوم لا تعرف القيود.
ومع ذلك، لم يكن يتوقع أبدًا أن تكون قادرة على صد رصاصاته السحرية.
كاريلون: “――كيريارارااه!”
باليروي: “――فهمتك، كاريلون.”
بينما كان باليروي يضغط على أسنانه، رفرف تنينه العزيز بأجنحته وأطلق صرخة تعبيرية نحوه.
من خلال فن ترويض التنانين الطائرة، ارتبطت أرواح باليروي وكاريلون ببعضهما البعض―― عبر اندماج الأود مع الأود. كان إخضاع التنانين الطائرة الشرسة بهذه الطريقة هو التقنية السرية لفن الترويض.
وبالنظر إلى هذه العلاقة، فإن أي تردد في أفكار ومشاعر باليروي كان يُنقل مباشرة إلى كاريلون. والعكس صحيح أيضًا، لذا كان باليروي قادرًا على استشعار أفكار كاريلون.
لقد أدرك الأمر. لم يكن مهارة ميديوم هي السبب الوحيد وراء تصديها للرصاصات السحرية.
رؤية شخص كان بمثابة أختٍ صغيرة له وهو يظهر تلك التعابير الجادة، كان السبب في عدم إطلاقه عليها بوحشية المحارب.
باليروي: “أطرافها…”
لو تمكن فقط من إصابة أحد أطرافها، كانت ميديوم ستنسحب من ساحة المعركة بلا شك.
الساحر الذي يرافقها سيحكم أيضًا بعدم فائدة الطيران معها إن تعرضت لإصابة خطيرة. وإذا أمكن، سيكون من الأفضل أن تكون الإصابة في الذراع بدلًا من الساق. فلو كانت في الذراع، فسيكون من الأسهل عليها أن تعيش حياتها بعد ذلك، مقارنةً بالساق.
الأفضل أن يتسبب في انسحاب ميديوم بإصابة، ثم يقتل الساحر، ويطلب من سفينكس أن تبقي على حياتها. وإذا فعل ذلك، فسيختفي عذابه.
العذاب. سيختفي.
باليروي: “――لننطلق وننهي الأمر.”
بوجه الزومبي الشاحب، ظهرت في عيني باليروي الذهبية روح قتالية لا تقهر.
لم يكن هذا الوجه هو وجه التردد في مهاجمة ميديوم، الذي كان يحمله قبل لحظات، بل كان تعبيرًا يجسد توافق طبيعته مع هدفه، وتحقيق ذلك. لقد كانت نظرة القناص السحري.
باليروي: “――――”
بينما كانت روحه القتالية تشتعل في حدقتيه الذهبيتين ، انخفضت حرارة جسد باليروي تمامًا.
أغلق عينه اليمنى، حوّل كل تركيزه إلى المنظار بعينه اليسرى، ثم جثا على ركبتيه فوق ظهر تنينه العزيز، وثبّت رمحه في مكانه، مُشكّلًا رصاصة ضوئية حادة ومُدببة عند طرفه .
كان باليروي ساحرًا غير عادي ، ولم يصقل أي شيءٍ سوى هذه التقنية الواحدة.
إطلاق هذه الرصاصة كان يستهلك قدرًا ضئيلًا من المانا، ومع تحقيقه لأقصى تأثير بأقل عدد من الطلقات المطلوبة، فقد كان متوافقًا تمامًا مع طبيعته―― كان تجسيدًا لنهج الحسم والفعالية.
باليروي: “――――”
بينما كان باليروي يركز بهذه الطريقة، عزز كاريلون بدوره تركيزه الخاص.
في اللحظة التي كان فيها يُحدق عبر منظاره، ويراقب حركات هدفه بعناية، كان عليه أن يُهمل مراقبة محيطه بالكامل، لذا، كان كاريلون يتولى مهمة مراقبة محيطه بالنيابة عنه.
كان تنينه العزيز، الذي كان يُراقب الأجواء المحيطة ببصرٍ ثاقب وحس فطريّ حذر، عنصرًا لا غنى عنه في تكتيك باليروي.
باليروي: “إذا كنتَ تخطط لمواجهتي، فستضطر إلى تقليص المسافة بيننا. لكن، هل كنتَ تعتقد حقًّا أنني سأسمح لك بذلك بسهولةٍ وأنا مُدركٌ لهذه الحقيقة؟”
رغم اندهاشه من وجود شيءٍ مثل السحر الطائر، فإن سرعة اقترابهما لم تكن بأي حالٍ قابلةً للمقارنة بسرعات فرسان التنانين الطائرة. وإذا انسحب بنفس المقدار الذي يقترب فيه خصمه، فلن يتم تقليص المسافة بينهما.
بالطبع، هناك حدٌ لكمية التراجع الممكنة، لذا لم يكن الحفاظ على المسافة يقتصر على التراجع فقط، بل كان يشمل أيضًا الاستفادة الكاملة من المناورة والارتفاع. ولكن، لم يكن ذلك مشكلةً على الإطلاق.
لم تكن هناك حدودٌ في السماء الشاسعة. ومن هنا، نشأت أسس تقنية القناص السحري في القتال.
باليروي: “――إطلاق.”
متفوّهًا بهذه الكلمة بشفاهٍ جافةٍ من الرطوبة، لمع طرف رمحه فجأةً بضوءٍ ساطعٍ للغاية.
في اللحظة التي انطلقت فيها الرصاصة السحرية، لم يكن هناك ارتداد من جانب باليروي على الإطلاق. كان هناك مجرد وميضٍ سريعٍ من الضوء، وانطلقت الرصاصة في أقل من ثانية.
كان باليروي يراقب من خلال عينه اليسرى خلف منظاره ميديوم وهي تصد الرصاصة السحرية الثالثة بسيفها البربري.
كانت حركتها توحي بأنها أدركت أن باليروي يستهدف أطرافها. لم يكن واضحًا إن كان ذلك بفضل حدسها الطبيعي، أم عبر نصيحةٍ همس بها الساحر خلفها.
وبينما كان يُبدي إعجابه بهذه المهارة المدهشة، أطلق باليروي زفرةً طويلةً قبل أن يتمتم:
باليروي: “――إطلاق، إطلاق، إطلاق، إطلاق، إطلاق.”
ومع ذلك، أطلق على الفور الطلقة الرابعة إلى الثامنة في نفس واحد.
باليروي: “――――”
لم تكن الرصاصات السحرية التي يطلقها باليروي تُحدث أي ارتداد. لذا، لم يكن هناك أي عائق يمنع إطلاقها بشكل متتالي.
لو كان هناك قيدٌ ما، فسيكون سرعة تشكيل الرصاصات الضوئية للإطلاق، لكن باليروي كرّس كل مواهبه السحرية لإتقان هجوم الرصاصة السحرية .
خمس رصاصات في الثانية، رصاصات ضوئية انطلقت بدقةٍ متناهية دون أدنى انحراف―― هذا كان أساس تلقيب باليروي تيماجليف بالقناص السحري ، والسبب في وصوله إلى رتبة جنرال من الدرجة الأولى.
باليروي: “إطلاق ، إطلاق، إطلاق، إطلاق، إطلاق.”
ومع تلويح سريع بالسيوف البربرية في كلتا يديها، واصلت ميديوم صدّ الرصاصات السحرية بجنون.
كان هذا الفعل جديرًا بالثناء بحد ذاته، لكن طاقة باليروي لم تتراجع ولو قليلاً. لم يكن الوقت الذي مضى يتجاوز عشر ثوانٍ على الأكثر، وإن استمرت المواجهة لعشر أو عشرين ثانية إضافية، فستستهلك ميديوم كل قواها بالتأكيد.
وإن واصل باليروي إطلاق رصاصاته بلا اكتراث حتى تصل إلى تلك اللحظة――
باليروي: “――――”
للحظة ، تسللت شكوك خافتة إلى أفكار باليروي، على الرغم من هدوئه .
وفي الوقت نفسه، استمر في تشكيل رصاصات الضوء وإطلاق وابلٍ متواصلٍ من رصاصاته السحرية، ولكن كان هذا المشهد ذاته هو ما أثار الشكوك في داخله.
لقد أتى خصمه إلى ساحة المعركة مع ميديوم للهجوم المباغت، مما فرض قيودًا كبيرة على رصاصاته السحرية.
بطبيعة الحال، كان عدوًا قد ألقى القفاز في وجه باليروي بنية مواجهته مباشرة، فهل حقًا كان من الممكن أن يعتمد على استراتيجية غير مدروسة تسمح له بالاختراق فقط عبر إصراره على استخدام هجومه المميز؟
لم يستطع إلا أن يجد الأمر غريبًا وغامضًا. ذلك لأن هذه اللحظة بالذات كانت توفر له فرصة استعراض طبيعته الحقيقية بالكامل.
وفي الواقع، حدث ذلك مباشرةً بعد أن انتهى باليروي من التفكير.
كاريلون: “――كيريارااااه!”
قام كاريلون، نيابةً عن باليروي الذي كان ينظر عبر منظاره، بإطلاق صرخة مدوية وهو يواصل مراقبة محيطهما بحذر.
وبينما كان يحلق بسرعةٍ عاليةٍ فوق قلعة الكريستال، بدأ التنين العزيز، الذي حافظ على مسافة ثابتة عن الخصم، بإطلاق نداء استغاثة، فوجه باليروي انتباهه إلى مصدر ذلك الصوت.
كان هناك شيء يسقط من نقطةٍ أعلى من باليروي وكاريلون، اللذين كانا بالفعل في أقصى ارتفاعٍ في السماء.
باليروي: “――تبًا، أنتم حقًا لا تتركون لنا أي فرصة!”
وبينما كان باليروي يضغط على أسنانه ويصرخ، اخترقت كتلة عملاقة من الجليد الغيوم الكثيفة ، متجاوزةً كرات اللهب التي استهدفت قلعة الكريستال سابقًا.
――كانت كتلةٌ جليديةٌ ضخمةٌ، بحجم جبلٍ صغيرٍ، تسقط بعنفٍ من السماء باتجاه العاصمة الإمبراطورية.
……..
” مواجهة باليروي دونو في منطقة مكشوفة بدون عوائق مجازفة قاتلة. فهو لم يكن مجرد فارس تنين طائر، بل الأعظم في الإمبراطورية— خبير مذهل في مجاله، يمتلك نطاق هجومٍ في كل الاتجاهات الممكنة.”
بناءً على نصيحة جوليوس، الذي بدا عليه القلق، كان هذا أسوأ خيارٍ لساحة معركة (السماء) يختاره روزوال لمواجهة أكثر فرسان التنانين الطائرة كفاءة في الإمبراطورية.
لم يكن هناك أي شيء في السماء يمكن أن يوفر غطاءً للقتال. لا الأمام، ولا الخلف، ولا اليسار، ولا اليمين كانت ذات أهمية أمام خصمه، حيث كان قادرًا حتى على ضمان استهداف رأسي، مما منحه سيطرةً كاملة على الأبعاد الثلاثية—مما جعلها أسوأ بيئةٍ ممكنةٍ للقتال.
عادةً، يحرص المحارب على فرض أسوأ الظروف على خصمه. لذا، إذا اختار أحدهم القتال في ساحةٍ يهيمن عليها خصمه، ضمن نطاق يتفوق فيه، وباستخدام التكتيكات التي يُتقنها، فإنه يُعتبر مجنونًا تمامًا.
وهكذا، هل كان روزوال مجرد شخصٍ غريب الأطوار قرر السماح لخصمه بالقتال في أفضل ساحةٍ له، وبأكثر الاستراتيجيات ملاءمةً له؟
―― بالطبع، لم يكن ذلك الحال.
لم يكن روزوال يدّعي أنه شخصٌ عادي، لكنه كان يعلم أنه ليس ممن يحترقون شوقًا لتحقيق النصر، ولا ممن يستمتعون بغرابة بالتحديات غير المتكافئة في الحروب.
كان يعترف بغرابته ، لكنه لم يكن يعكسها في ساحة القتال.
ولذلك، لم يكن ليقدم على أي خطوةٍ حمقاءٍ مثل خوض معركةٍ في ساحةٍ لا يمتلك فيها أدنى فرصةٍ للفوز.
“ها! ها! هااااه!!”
بين ذراعي روزوال، كانت ميديوم تلهث، بينما تصاعد البخار من جسدها.
كان انتقال الحرارة العالية إلى راحتي يديه دليلاً على أن قوة جسدها كانت تتصاعد استجابةً لعزيمتها القتالية. وفي الوقت ذاته، كان أيضاً دليلاً على أنها قد تجاوزت حدودها عدة مرات خلال عشر ثوانٍ فقط.
على الرغم من أن الطلقات السحرية كانت تُطلق بطريقة تجنب إصابة مميتة، إلا أنه كان منبهرًا بشدة بقدرة ميديوم على صد خمسين طلقة متتالية.
لكن لم يكن لديهم عشر ثوانٍ أخرى، ولذلك تقدم روزوال بالمعركة إلى المرحلة التالية.
――شقت كتلة جليدية هائلة طريقها عبر الغيوم التي تغطي العاصمة الإمبراطورية، واتجهت نحو سطح المدينة بسرعة هائلة.
كتلة جليدية ضخمة لدرجة أنها قد تُخطئ بأنها جبل، كان روزوال بالطبع هو من جعلها تسقط من السماء. ومع ذلك، فإن إنشاء مثل هذا الجليد كان سيستهلك تقريبًا كل طاقته السحرية، حتى وإن كان يفخر بكونه أعظم ساحر في العالم.
ولذلك استعان بإيميليا، التي تمتلك كمًا هائلًا من الطاقة السحرية، لإنشاء هذه الكتلة الجليدية.
قال روزوال: “لا يزال لديها طاقة كبيرة رغم خلق شيء بهذه الضخامة. إنه أمر يفوق التصور حقًا.”
بعد أن صنعت معجزة تعادل إنشاء جبل جليدي، اتبعت إيميليا أوامر سوبارو بهدوء، وواجهت ساحة معركة مختلفة. وعلى قدر ما كان ذلك موثوقًا، فإن التفكير في احتمال مواجهتها كخصم في المستقبل كان يُسبب له صداعًا كبيرًا.
لكن في هذه اللحظة، اعتمد على تلك الثقة ، وشرع في تنفيذ استراتيجيته لإسقاط الكتلة الجليدية.
كان من غير المؤكد إن كان بإمكان روزوال استخدام كل طاقته السحرية لإنشاء جبل جليدي بهذا الحجم، ولكن الحفاظ على الجليد الذي صنعته إيميليا وإبقاؤه معلقًا لم يكن مستحيلاً.
لقد أبقاه في حالة انتظار منذ قذف كرات اللهب، والآن، في هذه اللحظة، حرّره من قيوده.
روزوال: “――――”
كان الهجوم مكافئًا لسقوط جبل من السماء، لكن الهدف لم يكن سحق باليروي من الأعلى وهو يحلق في الهواء. لو كان ذلك ممكنًا، لكانت القصة أقصر بكثير، ولكن من المحتمل ألا يكون الهروب من منطقة تأثير الجبل الجليدي أمرًا صعبًا على باليروي.
لذا، لم يكن الهدف من إسقاط الجبل الجليدي مهاجمة باليروي ―― بل جعله عائقًا.
روزوال: “إذا لم يكن هناك عائق، فالأفضل أن أصنع واحدًا.”
ما إن تمتم بهذه الكلمات، حتى ضيق روزوال عينيه، وبدأت الشقوق تتشكل على امتداد الجبل الجليدي بأكمله.
في تلك اللحظة، مزقت السماء ضوضاء عالية، وكأن زجاجًا يملأ الهواء قد تحطم دفعة واحدة، والظاهرة التالية كانت أشبه بانهيار السماء ذاتها.
تحطم الجبل الجليدي، وتناثرت شظاياه، وسقطت كتل الجليد نحو الأرض بشكل فوضوي.
رغم وصفه بالتحطم ، فإن ما تناثر كان أجزاء من جبل. كان كل جزء بحجم مبنى أو عربة تنين، مما جعله أشبه بسقوط جبال جليدية من السماء.
لقد كان مشهدًا يشبه تمامًا قلب صندوق مليء بالحصى والرمل فوق حوض زهور――
روزوال: “هذه، هي القدرة الحقيقية للساحر.”
إذا تمكن المرء من شن هجوم من جانب واحد من المسافة التي يتقن القتال فيها، فسيكون من المستحيل أن يخسر.
تم ذكر أن هذه هي الاستراتيجية الأساسية لتحقيق نصر ساحق للساحر في وقت سابق، لذلك يفضل روزوال أسلوب القتال الذي يتبع هذا المبدأ، وقد وضعه قيد التنفيذ.
لكي يتم تنفيذ الهجمات من طرف واحد، كان من الضروري تقليل “خيارات” الخصم.
إتقان نطاق معين لم يكن سوى مؤشر واضح يسهل الاستفادة منه في تحقيق ذلك. من خلال تقليل “خيارات” خصمه، كان قادرًا على دفع الموقف نحو ما يصب في مصلحته.
وهذا، هو أسلوب القتال الخاص بأقوى ساحر في العالم، روزوال.
ميديوم: “تريااااه!!”
مرّ وميضٌ عبر مطر شظايا وكتل الجليد، وقطعت ميديوم الرصاصة السحرية التي اقتربت منها.
كانت قد تلقت أمرًا بعدم التأثر مهما كان ما يحدث، لكن روزوال كان ممتنًا جدًا لأنها التزمت بذلك دون تردد. لقد كان ينبغي أن يكون القناص السحري مذهولًا أيضًا، لكنه استأنف هجومه بشكل مذهل على الفور.
ومع ذلك، فقد تضاءلت قدرته على الإطلاق السريع وحركته بشكل لا يقارن.
ولكن، قبل أي شيء آخر――
روزوال: “إذا كنتَ الشخص الذي سمعتُ عنه، فلن تستهدفني مباشرة برصاصاتك السحرية―― فبعد كل شيء، إن سقطتُ من هذا الارتفاع، فلن يكون هناك أي وسيلة لإنقاذ ميديوم-كون.”
………
تحقيق موقف حرب استثنائي على أرض الواقع ، كان عدو يشبه الشيطان.
في مواجهة ساحرٍ استخدم ميديوم كدرعٍ ليمنع خطته، نظر باليروي لخصمه بعداء واضح.
في إمبراطورية فولاكيا، كان يُنظر إلى السحرة على أنهم ذوو قيمة عالية.
وذلك لأن الميل إلى عدم إتقان السحر كان متوارثًا بشكل جوهري ، لذلك لم تتوافق مبادئ سكان الإمبراطورية مع السحر في النهاية.
في جذور شعب الإمبراطورية، كان هناك تقديس للقوة، وكان ذلك يُعبّر أيضًا عن إعجابهم بقدرات ومهارات المحاربين البارزين.
فالمحارب المثالي في إمبراطورية فولاكيا يحمل سلاحه الخاص ويتفوّق على خصمه عبر تبادل الضربات، أما المعارك التي لا تتخذ هذا الشكل، فكانت محتقرة.
كانت هناك أفكار متجذّرة وأحكام مسبقة تجاه أساليب القتال الأخرى، وعلى الرغم من تحسّن الأمور خلال عهد فينست، إلا أن اختفائها التام سيحتاج إلى بعض الوقت.
أسلوب قتال باليروي، المعروف باسم القنّاص السحري، وأساليب القتل الخاصة بالعجوز الشرير أولبارت، زعيم الشينوبي، لم يكونا يحظيان بتقديرٍ كبير، رغم الحذر الذي أبدته الدول الأخرى تجاههما.
لكن، بما أن باليروي وأولبارت لم يقاتلا من أجل الشهرة، فلم يكن الأمر يهمهم حقًا.
ولأنه امتلك هذا المنطق، لم يكن باليروي، خلافًا لبقية أفراد الإمبراطورية، يكره السحرة على وجه الخصوص―― كان يرغب في تغيير هذا التصوّر خلال حياته.
باليروي: “أنا لا أُحب طريقتك في القيام بالأمور على الإطلاق، أيها الساحر――!”
لقد كان معجب بمهارتهم في استغلال كل شيء لصنع ساحة المعركة الخاصة بهم، ولكن مع توجيه أنيابهم السامة نحوه، ووصول الأمر إلى حد مواجهته بأحد أفراد عائلته، انتشر الغضب بداخله.
كان يرغب حقًا في أن يخترق رأس هذا الشخص وقلبه، ولكن――
باليروي: “كاريلون――!”
كاريلون: “――كيرياراراه!”
بضربة على ظهر تنينه المحبوب، اندفع التنين الطائر بسرعة، محلقًا بجناحيه وهو يصدر صوته المميز.
بينما كان باليروي وكاريلون يرقصان في السماء المعتمة، محلقين عبر العاصفة الثلجية الهائلة، ركّزا على تجاوز المتاهة الجليدية التي ظهرت فجأة، محاولين اختراقها.
في الماضي، كانت هناك حالات حاول فيها البعض تجنب رصاصات باليروي السحرية بالفرار إلى غابة كثيفة الأشجار، أو بالاختباء في حصن متين. وفي تلك الحالات، كان باليروي يُزيل الأشجار بوابل سريع من رصاصاته السحرية ليؤمن خط رؤية، وفي الحالة الثانية كان يحدد موقع الخصم المختبئ، ثم يطلق رصاصة سحرية عبر الجدار لتصيب العدو. لكنه لم يحاول أبدًا التغلب على اسلوب بهذه الغرابة حتى الآن.
وبطبيعة الحال، لم يكن قد نجح من قبل في قلب استراتيجية بهذه الغرابة أيضًا.
باليروي: “إذن، إذا تمكنت من تجاوز هذا، ستكون هذه هي نهايتك، أليس كذلك؟”
بينما كان يتفادى شظايا الجبل الجليدي المتحطم، والتي قد تكون كافية لإنهاء حياة المرء بمجرد خدش بسيط، تخيّل باليروي شخصيتي ميديوم والساحر الذي وضع هذا الفخ. باستثناء هذين الاثنين، لم يكن هناك آخرون قد صعدوا إلى سماء العاصمة الإمبراطورية، أي أن البطاقات التي ستلعب في المعركة الجوية ضد باليروي كانت مقتصرة عليهما فقط.
يبدو أن سيرينا لم ترسل سرب التنانين الطائرة الخاص بها، فخرها الأعظم، لمواجهة باليروي.
باليروي: “كما توقعت، الكونتيسة العليا مدركة تمامًا.”
حتى في القتال الجوي الذي يستخدم التنانين الطائرة، هناك تسلسل هرمي واضح. على سبيل المثال، لا يمكن للتنانين الطائرة البرية بلا شريك أن تنافس التنانين الطائرة التي يركبها فارس تنين. زوج واحد بارع من التنين الطائر وفارسه يمكنه القضاء على سرب مكوّن من مئة تنين طائر.
وبالتالي، إذا واجه فارس تنين فارسًا آخر، فإن الطرف الأقوى سيكون المنتصر دائمًا، بغض النظر عن ميزة العدد أو نقصه، فأن الطرف الذي يمتلك الفارس الأكثر مهارة سيكون الفائز.
إذا لم يكن هناك فرسان تنانين طائرة أكثر قدرة من باليروي، فإن إرسال أي عدد من التنانين الطائرة لن يؤدي إلا إلى تراكم جبال من جثث هذه التنانين الثمينة وفرسانهم على حد سواء.
هكذا كانت قيمة فارس التنين الطائر المتفوق ؛ كانوا أفرادًا مميزين. ولهذا السبب، لم يكن باليروي يكره سيرينا. لقد كان قرارها بإرسال مايلز في مهمة سرية إلى مملكة لوغونيكا ضروريًا—لم يكن بالإمكان تجنب ذلك.
باليروي: “ومع ذلك، سأقوم—”
بينما كان يضغط على أسنانه بقوة، لم يستطع حتى هو نفسه سماع النصف الأخير من تمتمته.
كان ذلك بسبب تحطم الجبل الجليدي تحت باليروي وكاريلون، حيث تناثرت شظاياه واحدة تلو الأخرى في العاصمة الإمبراطورية، وتردد صدى الصوت المدوي بينما ارتفعت سحب هائلة من الغبار؛ فقد دمرت الشظايا معالم المدينة، وغيرت شكلها بالكامل.
الدمار الهائل الذي حلّ بالعاصمة الإمبراطورية بسبب السحر، هذا الخراب الذي يمكن أن يُطلق عليه اسم “كارثة السحر”، استمر في الانتشار.
لقد كانت مدينة حماها طوال حياته، واعتاد رؤيتها في حالتها المستقرة. لم يكن الأمر وكأنه لم يشعر ببعض التردد حيال تدميرها، لكن انتباه باليروي كان منصبًا بشكل أكبر على خصمه، وليس على المدينة التي تنهار أمامه.
باليروي: “———”
وسط شظايا الجليد المتناثرة كالغبار، أحدث انكسار الضوء رؤى ضبابية، مما جعله يرى بوضوح أكبر صورة ميديوم التي كان من المفترض أن تكون أبعد.
لكن المسافة لا تزال موجودة بينهما. وعلى الرغم من أنه أسقط جبلًا جليديًا من فوق الغيوم، متسببًا في دمار هائل للمدينة الإمبراطورية، إلا أن المسافة التي اكتسبوها كانت ضئيلة.
باليروي: “إطلاق ، إطلاق، إطلاق.”
من أجل تقليص المسافة التي كسبها خصمه، اختصر باليروي الوقت الذي تستغرقه رصاصاته السحرية للوصول إلى الهدف.
وهكذا، كان على ميديوم أن تمتلك سرعة رد فعل لحظية تتناسب مع ذلك. ولكن كم عدد الطلقات الأخرى التي يمكن لميديوم، المرهقة بالفعل، صدها ؟
حتى لو قلل باليروي من حركته، مما يحد من خط وزاوية الإطلاق ، فإن الميزة ستظل في صالحه.
بعبارة أخرى، الخطوة التالية قادمة.
باليروي: “——؟ نفس كرات اللهب السابقة… لا.”
ظهرت علامة على تغيير فوق الغيوم، وبينما كان يحطم شظية جليدية برمحه، فاتحًا مجال الرؤية برصاصة من الضوء، رفع باليروي نظره، وحبك حاجبيه.
كان هناك عدد لا يحصى من الكرات النارية والجبال الجليدية تتساقط عبر الثقب الهائل الذي أحدثه الجبل الجليدي في الغيوم الكثيفة؛ وعلى الرغم من أنها لم تكن بحجم الجبل الجليدي السابق، إلا أنها لا تزال ضخمة.
عند رؤية تلك الكتل تسقط ، ظن باليروي أن الهدف منها قد يكون إضافة عقبات في السماء—لكنه أدرك حينها النية الحقيقية لخصمه.
لقد كانت تسقط في مكان بعيد إلى حدٍّ كبير عن موقع باليروي وكاريلون—كانت تتجه مباشرة نحو قلعة الكريستال.
باليروي: “ما الذي تظن أنك تفعله، أيها المنحرف——!!!”
كان يرى سقوط الجليد والنار دون أن يكون هو الهدف المباشر، ومع ذلك، صرخ كما لو كان الهجوم موجهًا إليه تحديدًا.
لم تكن هذه الهجمة ستسبب أي ضرر مباشر له، لكن بدلًا من ذلك، كانت على وشك تحطيم جسد مادلين داخل القصر، بالإضافة إلى كل من بقي داخله.
لم يكن بإمكانه السماح بحدوث ذلك—— لم يكن بإمكانه السماح بموت سفينكس.
باليروي: “أوووووووووو——!!!”
نشر كاريليون جناحيه وانعطف بحدة، ثم توقف بشكل مفاجئ في موقع لا يمكن أن تصيبه أي كتلة جليدية. وبينما ارتفع جسده كما لو أنه قد ارتد عن ظهره، وجه باليروي رأس رمحه نحو السماء فوق قلعة الكريستال ، وأطلق رصاصاته السحرية.
نظرًا لأن معدل إطلاق خمس طلقات في الثانية لن يكون كافيًا لإيقاف الهجوم، فقد تخطى في تلك اللحظة حدًا لم يتجاوزه قط طوال حياته، وغطى وابل من رصاصات باليروي السحرية السماء.
لقد انطلقت الرصاصات الضوئية الجامحة نحو الكرات النارية والكتل الجليدية الساقطة ، ونجح في حماية قلعة الكريستال من الضرر واسع النطاق الذي كان سيؤدي إلى انهيارها .
لكن في هذه اللحظة، كانت الحقيقة الواضحة أن خصم باليروي سيستهدفه بينما كان ظهره مكشوفًا——
باليروي: “—— إطلاق.”
ولذلك، بينما كان يوجه رأس رمحه نحو الأجسام الساقطة باتجاه قلعة الكريستال ، وجه الطرف الخلفي للرمح نحو خصمه المتقدم، ورد بإطلاق رصاصات سحرية للأمام والخلف في نفس الوقت.
باليروي: “———”
لقد أطلق رصاصة سحرية واحدة فقط خلفه، لكن ذلك كان كافيًا.
بظهره المكشوف، جعل باليروي خصمه يظن أنه ترك فجوة، واقتربت نحوه شعلة سحرية مباشرة—— لكن تم اختراقها بواحدة من رصاصاته السحرية، فانفجرت في الجو.
الرصاصة الضوئية التي اخترقت السحر استمرت في مسارها، واتجهت نحو ميديوم والساحر الذي اعتقد أنه انتهز فرصة مثالية، لكنه واجه في النهاية سيفًا بربريًا.
باليروي: “ميدي، أنا رجل كان ذات يوم جنرالًا إلهيًا.”
عندما يتعلق الأمر بفن الحرب، فلن يتراجع أمام شقيقته الصغرى، مهما كانت دوافعها .
من أجل مباغتتها، كانت الرصاصة السحرية التي أطلقها باليروي إلى الخلف أكبر قليلًا من الرصاصات الضوئية التي أطلقها حتى الآن، ولهذا فقد فاقت قوتها المعتادة.
ميديوم: “―― آه!”
مع صوت رش الماء، سقط السيفان الهمجيان من يدي ميديوم.
بمجرد أن لاحظت شيئًا مختلفًا بحسها الغريزي، كان من المذهل أنها تصدّت للهجوم بسيفين بدلاً من واحد. على الرغم من أنه كان ينوي أن يقطع كل شيء تحت مرفقها الأيسر بهذه الطلقة، إلا أن رد فعلها السريع هو ما أنقذ ذراعيها من الدمار.
ومع ذلك، ستظل النتيجة كما هي، إذ أنها فقدت وسائل الدفاع الخاصة بها. ومع الطلقة القادمة، كان سيصيب بذراعها وينهي الأمر.
باليروي: “إطلاق.”
توهّج طرف رمحه بتناغم مع عزيمته، وأنهى مهمته في التعامل مع الجليد والنار اللذين كانا على وشك سحق قلعة الكريستال.
ثم طار مباشرة مع كاريلون، وبينما كان يعيد فتح المسافة التي أُغلقت للتو، كان يستعد لإطلاق رصاصة سحرية تجبر ميديوم على الانسحاب——
باليروي: “ماذا…”
——في تلك اللحظة، وكأنها لتعمي مجال رؤية باليروي بالكامل، غطّى ضوء قوس قزح السماء.
……….
——للقضاء على باليروي تيميغليف، كانت نصيحة جوليوس مفيدة حقًا .
لقد كانت نصيحة من شخص هزمه بالفعل ذات مرة.
حتى سوبارو لم يكن ليتمكن من تقديم معلومات بهذه القيمة. فبالنهاية، لم يكن سوبارو محاربًا، وكان يميل إلى تقديم اقتراحات غامضة عندما يتعلق الأمر بأساليب القتال.
على أي حال――
جوليوس: “في معركتي ضد باليروي-دونو، تمكنت من هزيمته. بالطبع، لم تكن انتصارًا كنت لأحققه دون مساعدة فيريس… لماذا شارك شخص بمكانة باليروي-دونو في مثل هذا التمرد، ووجّه سلاحه نحو حياة صاحب السمو فينسنت الموقّرة، حتى في المستقبل سيظل السبب مجهولًا…”
روزوال: “لقد رأيت كتاب الموتى الخاص به ، ألـــم تفعل ذلك؟ يا لها من مصادفة بائسة. جوليوس-كن، إن أمكن، أود منك أن تشرح لي بالتفصيل ما رأيته…”
جوليوس: “――ماركيز ميزرس، المعلومات الوحيدة التي سأقولها هي أسلوب قتال باليروي-دونو والطريقة التي حاربتُه بها. عليك أن تدرك أن الأمور التي شهدتها دون إذنه، المشاعر التي كان يحملها باليروي-دونو، هي أشياء لن أفصح عنها أبدًا لبقية حياتي.”
بينما أدرك روزوال أن موقف جوليوس، الذي كان يتحدث بجدية، يخدم مصالح العدو، كانت لديه وسائل تمكنه من استجوابه ومعرفة المعلومات في كتاب الموتى. لكن روزوال لم يختر القيام بذلك، وفضّل الاستماع فقط إلى المعلومات التي قرر جوليوس الكشف عنها.
حتى هو نفسه تفاجأ بذلك القرار.
بطبيعته، إذا كانت لدى روزوال وسيلة للحصول على معلومات من شخص ما، فسيعتبر من المقبول جمع أكبر قدر من المعرفة ووضع خطة، ثم استخدامها لمواجهة أي معركة.
ومع ذلك، لماذا تعاطف مع مشاعر جوليوس واحترم نواياه؟
لم يكن لديه إجابة واضحة عن سبب تغير موقفه، لكن―― لم يكن ذلك مهمًا.
حتى إن لم يعرف كل شيء عن باليروي تيميغليف، فقد قدم له جوليوس إجابة ثمينة. ومن منظور روزوال، كان ذلك كافيًا تمامًا.
روزوال: “إن حقيقة أن جوليوس-كن هو من قتلك، هي حقيقة بالفعل―― أتساءل، أما زلتَ لا تتذكر سبب وفاتك، باليروي تيميغليف-كن؟”
من خلال قدرة الشراهة تم التهام اسم جوليوس.
نتيجة لذلك، نسي جميع من حوله، باستثناء سوبارو، وجوده تمامًا. ولم يكن روزوال استثناءً، وعلى الأرجح لم يكن الموتى استثناءً أيضًا.
حتى باليروي، الذي مات على يد جوليوس نفسه، لم يتذكر السبب وراء موته.
بعبارة أخرى――
روزوال: “――بنفس الأسلوب الذي قتلك أول مرة، سأقتلك الآن.”
لقد كانت مصادفة بائسة، وفرصة معجزة.
كان هذا هو الأسلوب الذي استخدمه جوليوس للقضاء على باليروي، وكان انتصارًا لم يكن ليتمكنوا من تحقيقه لولا التهام اسم جوليوس.
بالنسبة له، كان من الوقاحة أن يتصور المعاناة التي تحملها كل من جوليوس وباليروي، اللذين كانا في قلب هذا النزاع، لكن بالنسبة لمراقب خارجي مثل روزوال، كان ممتنًا لهذه المصادفة من أعماق قلبه.
――تمدد حاجز قوس قزح ليحجب طريق باليروي وتنينه الطائر بينما كانا يحاولان الارتفاع .
حاجز صنعه الشفق ، فقد سمع أن هذا النوع من السحر كان الضربة الحاسمة التي قضت على باليروي في معركته ضد جوليوس.
لقد كان سحرًا أصليًا ابتكره جوليوس وأرواحه، وكان إعادة إنتاجه يتطلب استهلاك كمية هائلة من المانا، حتى بالنسبة لروزوال.
كان روزوال قادرًا على استخدام عدة أنواع من السحر في آن واحد، لكن استخدام الأنواع الستة جميعًا في نفس الوقت كان تصرفًا يتجاوز حدود العقل.
وبينما كان يسمع صوت بوابته السحرية تصرخ من داخله، استمر روزوال في إعادة إنشاء شروط انتصار جوليوس ليزيد من فرصه الخاصة في الفوز.
لم يكن ذلك بدافع السخرية أو الانتقام، بل كان قرارًا استراتيجيًا بحتًا.
بالطبع، لو كان هدفه ببساطة منع طريق هروب باليروي، لكان بإمكان روزوال تحقيق ذلك باستخدام النيران والرياح التي يتقنها. ولكن، السحر الذي اعتاد استخدامه يمكن اكتشافه بسهولة على أنه خطر بمجرد النظر إليه.
كان من الضروري استخدام سحر يراه باليروي لأول مرة، ليحرمه من القدرة على التمييز، ولو للحظة واحدة فقط.
ولذلك، مُفترضًا أن هذه هالة قوس قزح هي أيضًا جزء مما فقده بسبب قوة الشراهة ، اختار روزوال عن قصد أن يصل بهذه المواجهة إلى مرحلتها النهائية، وتحمل العبء بالكامل.
ميديوم: “――هك.”
بينما كانت ميديوم تطحن أسنانها، وعلى الرغم من أن سيفيها البربريين سقطا من يديها، فإنها حافظت على روحها القتالية، وشدّت قبضتيها.
ربما كان بإمكانها صد طلقة أو اثنتين من الرصاصات السحرية عبر التضحية بكلا يديها، لكن لم يكن لدى باليروي نية لخوض قتال يتطلب مثل هذا الثمن الباهظ.
وبما أن خصمهم قد حُرم من خياراته، فإن ميديوم قد أنجزت بالفعل أكثر مما يكفي.
في طريقهم إلى العاصمة الإمبراطورية، عبّرت ميديوم عن امتنانها لسوبارو، ثم بدوره، نقل سوبارو امتنانه إليها أيضًا، لكن روزوال شعر تمامًا بنفس الشعور.
سوبارو: “عمّ تتحدثين، ميديوم-سان؟ إن كنا سنقدّم الشكر، فأنا من يجب أن يكون ممتنًا لكِ. مجرد التفكير في كيف كانت الأمور ستكون لو لم ألتقِ بكِ وبفلوب-سان هناك، يجعلني أرتجف.”
الطريقة التي أظهر بها سوبارو أداءه الخجول جعلت روزوال يرغب في التصفيق له.
وبالتأكيد، لولا مساعدة الأخوين أوكونيل، لما كانت هذه الهجمة لتنجح.
روزوال: “لكن――”
وقد تم إحباط محاولتهم بسبب قوس قزح، لتبدأ عملية السقوط.
نظرًا لأن تلك كانت نهاية الشخص الذي بلغ ذروة فرسان التنانين الطائرة في الإمبراطورية، ضيّق روزوال عينيه――
روزوال: “――――”
――وفي تلك اللحظة، اخترق تأثير قوي جسده بشكل مائل من الخلف، مما زعزع وعيه بشدة.
………
في اللحظة التي امتدت فيها أشعة ضوء قوس قزح أمامه، اجتاح القشعريرة جسد باليروي بالكامل.
وعلى الرغم من كونه جسد زومبي ، فمن السخرية أن الحدس القتالي، المعروف باسم غريزة البقاء، ظل يعمل بلا توقف.
وبما أنه لبّى نداء تلك الغرائز المنطفئة، واجه باليروي الحاجز الذي صنعه شفق الفجر ، وأطلق “الرصاصة المخفية”، التي كانت مخبأة حرفيًا، وكانت الأساس لتجاوز هذه العقبة.
――كما خمّن روزوال، لم يكن باليروي يتذكر سبب موته.
لماذا فقد حياته؟ رغم أنه كان يتذكر الفوضى التي سبقت ذلك، ودوافعه وسبب مشاركته، إلا أن سبب موته كان الشيء الوحيد الذي ظل ضبابيًا بالنسبة له.
لو كان ذلك ممكنًا، لكان يفضل أن ينسى أشياء أخرى غير سبب وفاته.
لكن، لو أنه نسي تلك الأمور، فلن يكون هو نفسه على الإطلاق.
على أي حال، لم يستطع باليروي تذكر لحظة موته.
لكن عند سماع روايات الزومبي الآخرين، باستثناء أولئك الذين ماتوا دون فهم ما كان يحدث، لم يجد أي شخص آخر قد نسي تفاصيل لحظات موته.
لهذا السبب، أخذ باليروي يفكر. فكّر في سبب موته، وفي سبب عدم قدرته على التوصل إلى إجابة واضحة.
ثم تأمّل كيف يمكن أن يكون قد لقي حتفه، مستعرضًا كل الاحتمالات الممكنة.
ربما تم كشف تورطه في التمرد، وتم قطع رأسه على يد شخص مثل سيسيلوس، أو أن زملاءه من الجنرالات من الدرجة الأولى، مثل غروفي وموجورو، قد قاموا بتصفيته.
لكن، كان لديه مبرراته لخوض ذلك التمرد—وبما أن الأمر قد يكون متعلقًا بالأشخاص الذين قدموا من مملكة لوغونيكا، فقد تساءل عن طبيعة المعركة التي خاضها.
――السيناريو الأخير الذي توصل إليه كان هزيمته عبر اعتراض مساره أثناء التحليق.
وصل باليروي إلى هذه الفكرة بعد معركة عربات التنانين المزدوجة، حيث استعاد جثة لاميا غودوين، وتعرف على وجود فلوب وميديوم.
في ذلك الوقت، عندما أطلق باليروي رصاصة سحرية لتقييد العدو، رأى شخصًا داخل العربة يصدها بحاجز قوس قزح —لقد كان ذلك بعد رؤيته لقوس قزح.
لم يكن واثقًا تمامًا، لكنه شعر أن هذه التقنية قد تكون مزعجة وخطيرة.
لهذا السبب، بغض النظر عن الزاوية التي حُشر فيها، حرص دائمًا على إعداد طلقة سحرية احتياطية، بحيث يمكنه إطلاقها فورًا عند الحاجة.
وقد أثبتت فائدتها في اختراق حاجز قوس قزح.
كاريلون: “――كيياراراه!”
أطلق كاريلون هديرًا بينما كان يخترق قوس قزح ، وبينما كان جسده مغطى بالجراح، استطاع الهروب من الحصار.
وباستغلاله لأقصى مزايا كونه تنين زومبي طائر، حلق تنينه العزيز في مسار النجاة بينما بدأت جراحه المؤلمة بالتجدد؛ ممتنًا لذلك، شحن باليروي رمحه برصاصة سحرية، ثم استعدّ لإطلاقها .
باليروي: “إطلاق.”
انطلقت الرصاصة التي انطلقت في اتجاه لم يكن مصوبًا نحو العدو، ولكن نحو بعض كتل الجليد المتساقطة ، فانزلقة الرصاصة الضوئية بشكل مائل على سطح الجليد.
بدافع الزخم، ارتدت الرصاصة الضوئية بين الحطام المحيط، وتدحرجت ، وتدحرجت―― ثم اخترقت ظهر العدو الذي أطلق قوس قزح عليه.
لقد ولد ، ومات، وبعث من جديد ونجح للمرة الأولى في تحقيق ارتداد الضوء. لقد اجتاز حرفيًا حدود الموت، وطور باليروي تقنيته السحرية إلى مستوى أكثر تقدمًا.
――لكن لسوء حظ روزوال، فإن محاولته لاختيار سحر يُفترض أن يكون باليروي يراه لأول مرة لإبطاء رد فعله، قد أدت في الواقع إلى استجابة غريزية نحو قوس قزح الذي رآه للمرة الثانية.
“روز-تشين――!!”
بسبب الارتداد غير المتوقع، تعرّض الساحر للإصابة من طلقة مرتدة ، وانطلقت صرخة تناديه.
من بين ذراعي الساحر، لم تكن ميديوم قادرة على فعل أي شيء حيال الهجوم القادم من زاوية لا تستطيع الدفاع عنها، وبدت تلك الصرخة مليئة بالألم.
لو كان قد استهدف الساحر مباشرة وأسقطه، لكان قد سقط من ارتفاع كبير، وكان هناك خطر أنه لن يتمكن من إنقاذ ميديوم.
وهكذا، كان على باليروي أن يستهدف ميديوم فقط، لكن هبوط الجبل الجليدي والهجوم على قلعة الكريستال كان لهما تأثير عكسي على خصمه.
باليروي: “بهذا القرب، يمكنني الإمساك بكِ قبل أن تسقطي.”
المعركة بعيدة المدى، الممتدة عدة كيلومترات بين الجنوب الغربي والنقطة الشمالية القصوى للعاصمة الإمبراطورية، قد اختفت تلك المسافة خلال القتال؛ وأصبح بإمكانه الآن أن يمسك بميديوم قبل أن يسقط خصمه على الأرض.
ربت باليروي على عنق كاريليون، ومن خلال تفادي كتل الجليد، وجه أجنحته في ذلك الاتجاه ليستعيد ميديوم.
بينما كان يهيئ نفسه لتحمل كل الإهانات اللفظية التي ستلقيها عليه ميديوم――
ميديوم: “روز-تشين؟”
فجأة، خرج صوت بريء، يختلف تمامًا عن الصرخة التي صدرت قبل لحظات.
إنه صوت يفتقر إلى نبرة ميديوم المعتادة، لكن غرابته وسط هذه المعركة، والتطور الذي تبعه، سرقا انتباه باليروي.
باليروي: “ماذا…؟”
حدق الزومبي بعينان سوداوان وحدقتين ذهبيتين ؛ ومع اتساع عينيه، وجد باليروي نفسه عاجزًا عن الكلام.
في مجال رؤيته، انفصلت ميديوم عن ذراعي الساحر الذي كان يحلق في السماء، وبدأت بالسقوط نحو الأرض―― لا، لم تكن تسقط. بل كانت تُلقى.
بكل القوة التي وُضعت في جسدها، سقطت ميديوم نحو الأرض بأقصى قوة ممكنة.
بسرعة تفوق السقوط الحر بكثير، اندفعت نحو الأرض. إن لم يتحرك فورًا للإمساك بها، فلن يتمكن من اللحاق بها في الوقت المناسب.
في اللحظة التالية، أدرك باليروي تمامًا ما كان يفكر فيه ذلك الشيطان.
باليروي: “――――”
قبل أن يقرر الاندفاع نحو ميديوم، التقت عيناه بنظرات الساحر.
على مسافة كان يرى فيها وجه خصمه بوضوح، حتى دون الحاجة إلى المنظار، كان رجلاً ذو تعابير مزعجة .
رغم أن ظهره قد أصيب، والدماء تتدفق من فمه، كان خصمه لا يزال يبتسم.
أطلق باليروي الطلقة السحرية نحو تلك الابتسامة، ثم انطلق فورًا نحو ميديوم. لن يسمح للأحداث أن تسير وفق نوايا خصمه――
كاريليون: “――كيرياراراه!”
في تلك اللحظة، جذب صهيل كاريليون انتباه باليروي إلى ميديوم.
كانت قد أُلقيت بعيدًا، وتسقط نحو الأرض بسرعة هائلة. كان من المحتمل أن يتمكن باليروي وكاريليون من الوصول إليها في الوقت المناسب―― لا، كان ذلك محتملًا.
ما كان ينتظر ميديوم عند نهاية سقوطها، لم يكن سوى أشواك الجليد المتناثرة من حطام الكتل المحطمة.
باليروي: “――――”
لقد تخيل رؤية جسد ميديوم يتمزق بفعل شفرات الجليد.
من منظور خصمه، كان يفترض أن تكون ميديوم حليفة. لكن منطقه صرخ بأن هذه الحقيقة الواضحة لن تكون مضمونة أمام خصم كهذا.
ذلك الخصم كان ساحرًا. ساحرًا لا يتردد في استغلال كل شيء بين يديه كما لو كان ملكًا له――
باليروي: “――――”
لم يكن لديه سوى لحظة للتفكير، وكانت النتيجة ستظهر مباشرة بعدها.
كان هناك طلقة سحرية واحدة مخزنة في رأس رمحه، ولم يكن لديه سوى فرصة واحدة لاتخاذ القرار. هل سيطلقها نحو الساحر، أم نحو أشواك الجليد؟
――كان باليروي يكره موت رفاقه أكثر من أي شيء آخر.
باليروي: “――أليس كذلك، أخي الأكبر مايلز؟”
كاريليون: “――كيرياراراه!”
تمتم بتوسل، فصرخ تنينه المحبوب كما لو كان يعبر عن موافقته. في تلك اللحظة، انطلقت الطلقة السحرية مباشرة، محطمة أشواك الجليد التي كانت على وشك اختراق ميديوم الساقطة. ثم――
روزوال: “――سبب هزيمتك، كان أنك ترددت عندما تعلق الأمر بما هو الأكثر أهمية.”
مع صوت الرجل الذي لا يحمل أي مشاعر، اخترقت الطلقة السحرية التي أطلقها خصمه صدر باليروي، ومعها جناح تنينه المحبوب، ليصل بذلك القتال الجوي إلى نهايته.
………….
Hijazi
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.