ربما...!؟
بينما كنت أتبع كاسبر نحو المدرج، فاجأنا اقتراب شاب يحمل على وجهه ابتسامة واسعة ومشرقة، عيناه الزرقاوان تعكسان نوعًا من المكر المحبب، وشعره البني الداكن يضفي على مظهره طابعًا شبابيًا متحررًا. بدا وكأنه معتاد على لفت الأنظار دون عناء.
همست في داخلي بدهشة: “هل هذه هي البروفيسور لونا؟”
ألقى التحية على كاسبر بصوت مرح، “أوه، هاي، كاسبر! لقد مر وقت طويل!” مد يده ليصافحه، ورد كاسبر بابتسامة خافتة، كانت أول مرة أراه يبتسم فيه، مما أثار فضولي عن طبيعة هذه العلاقة.
“سيلاس! نعم، حقًا، يبدو وكأن الزمن قد طوى صفحات كثيرة منذ آخر مرة رأيناك فيها”، قالها كاسبر بابتسامة متعاطفة، وكأنه يستعيد ذكريات قديمة مشتركة.
رد سيلاس بضحكة عالية، “آه، تعلم أن المشاكل لا تكف عن ملاحقتي.” فابتسمت من جانبي، إذ شعرت أنني وجدت روحًا مشابهة تعاني من ذات “المرض” المعروف بالوقوع في المشاكل.
تذكرت أجزاء من حياتي السابقة، تذكرت الطرق التي لم أسلكها، القرارات التي تركتها معلّقة. كان سؤاله يثير فيّ شكوكًا قديمة، هل كنت سأدرس التحقيق لو أكلمت دراستي بشكل طبيعي في عالمي القديم؟ لم يكن الأمر واضحًا كان الأمر عبارة عن فوضى بالنسبة إلي لكن هنا، في هذا العالم الغريب، حيث يظهر أمامك أناس بطريقة سحرية، وحيث تطفو مناطيد معدنية ضخمة في السماء كأنها طيور عملاقة تحوم في السماء أربع أجرام مختلفة الألوان بدا لي أن هذا القرار كان الصواب.
ابتسمت بصمت، لكن تلك الابتسامة سرعان ما تبخرت عندما وجّهت نظري نحو السبورة الكبيرة في الأسفل. تمتمت بنبرة خافتة: “ربما… من يدري؟”
لاحقًا، التفت سيلاس نحوي أخيرًا بعد أن لاحظ وجودي، ملامحه تزينت بمزيج من الترحيب والحماس، وقال، “ثيو! يا رفيق الدرب، ما زلت مدينًا لك. كيف حالك؟” لم يسعني إلا مصافحته، وأجبت بابتسامة تحمل الكثير من الحذر: “بخير، أظنني أعيش.”
كانت ترتدي قبعة سوداء عريضة بحافة منحنية تلفها ربطة فضية أنيقة، وتغطي وجهها خصلات شعرها الداكنة المتشابكة كأغصان شجرة غامضة. ملامحها كانت محاطة بغموض عميق، لم أستطع رؤية تعابير وجهها بشكل واضح، لكن الطريقة التي وقفت بها كانت تنم عن ثقة وثقل لا يمتلكهما إلا القليلون. كانت ترتدي فستانًا أسود يتناسب مع لون قبعتها، يشع منها أناقة مخيفة كأنها روح ليلية خرجت من عالم آخر.
استرسل سيلاس بعد أن ضحك قليلاً، “حسنًا، وكيف تسير تحضيراتك للامتحانات القادمة، يا ثيو؟”
عندما دخلت المدرج G-8 برفقة كاسبر، اجتاحتني رهبة من هذا المكان الضخم الذي بدا وكأنه مزج بين الطراز المعماري الكلاسيكي والحديث بطريقة فريدة. كان المدرج فسيحًا، تتصاعد فيه المقاعد كأنها طبقات مسرح مهيب، ممتدة بشكل نصف دائري حول منصة التدريس. الأضواء الخافتة عكست ظلالاً خفيفة على الجدران، حيث زُينت بزخارف معقدة تتوزع بنمط متناظر على الجدران البيضاء العالية، كأنها تشهد على عبق الزمن ومكانة العلم.
عندها، شعرت وكأن رأسي توقف عن التفكير للحظة. امتحانات؟ هذه الكلمة بدت لي وكأنها قد سقطت من كوكب آخر. كيف سأجيب عن شيء لا أملك أي خلفية عنه؟ تماسكت بصعوبة وأجبت بنبرة ملأى بالتردد، “لست مستعدًا تمامًا، ربما…”
تذكرت أجزاء من حياتي السابقة، تذكرت الطرق التي لم أسلكها، القرارات التي تركتها معلّقة. كان سؤاله يثير فيّ شكوكًا قديمة، هل كنت سأدرس التحقيق لو أكلمت دراستي بشكل طبيعي في عالمي القديم؟ لم يكن الأمر واضحًا كان الأمر عبارة عن فوضى بالنسبة إلي لكن هنا، في هذا العالم الغريب، حيث يظهر أمامك أناس بطريقة سحرية، وحيث تطفو مناطيد معدنية ضخمة في السماء كأنها طيور عملاقة تحوم في السماء أربع أجرام مختلفة الألوان بدا لي أن هذا القرار كان الصواب.
تذكرت أجزاء من حياتي السابقة، تذكرت الطرق التي لم أسلكها، القرارات التي تركتها معلّقة. كان سؤاله يثير فيّ شكوكًا قديمة، هل كنت سأدرس التحقيق لو أكلمت دراستي بشكل طبيعي في عالمي القديم؟ لم يكن الأمر واضحًا كان الأمر عبارة عن فوضى بالنسبة إلي لكن هنا، في هذا العالم الغريب، حيث يظهر أمامك أناس بطريقة سحرية، وحيث تطفو مناطيد معدنية ضخمة في السماء كأنها طيور عملاقة تحوم في السماء أربع أجرام مختلفة الألوان بدا لي أن هذا القرار كان الصواب.
ضحك سيلاس بصوت مرح، وكأنه يعتبر ذلك مزاحًا، وقال: “هاها، دائمًا ما تتخطى الأمور بطريقة ما، لا تقلق!” ابتسمت بخفة، بينما في داخلي تنمو بذور القلق؛ امتحانات! هل يمكن أن تزداد الأمور تعقيدًا أكثر من هذا؟
احمر وجه سيلاس بلون وردي واضح، محاولاً التهرب من الإشارة إلى كلمة “تواعد” التي أطلقها كاسبر. “أواعدها؟ لا… ليس كذلك، فقط… نلتقي من حين لآخر،” قالها محاولاً تبرير موقفه بارتباك.
رمقه كاسبر بنظرة ثقة ثابتة، وأجاب بصوت عميق، “كل شيء محسوب يا سيلاس. لا مجال للشك.”
وبينما كان سيلاس يضحك، تدخل كاسبر بلهجة مغايرة، إذ طغت على صوته الجدية، وسأله: “سيلاس، هل تلقيت أخبارًا من مايكي؟”
نفث سيلاس أنفاسًا محبوسة وألقى نظرته الخجولة إلى الأرض، ثم اعترف بصوت منخفض كأنه يبوح بسر ثقيل، “إنها جينا… لقد وعدتها بمقابلتها هنا.”
تغيرت ملامح سيلاس فورًا، وكأن ذكر “مايكي” كان بمثابة تذكير بواقع آخر، واقع مليء بالغموض والاحتمالات. أجاب بصوت منخفض يكاد يكون همسًا، “نعم، تحدث معي حول الخطط، لكن… لست متأكدًا تمامًا.”
رمقه كاسبر بنظرة ثقة ثابتة، وأجاب بصوت عميق، “كل شيء محسوب يا سيلاس. لا مجال للشك.”
ألقيت نظرة جانبية نحو كاسبر، الذي كان يراقب ابتعاد سيلاس بابتسامة مشوبة بالسخرية والدهشة. “تسك، ذلك السيلاس المحظوظ…”
“ثيودور، لماذا انضممت إلى تخصص التحقيق؟”
ضحك سيلاس ضحكة خفيفة على كلام كاسبر، إلا أن ملامح وجهه كانت تخفي شيئًا من التوتر. “أتمنى ذلك حقًا.” ثم، وكأن كاسبر انتبه إلى شيء مثير، استدار نحوه بلهجة فضولية قائلاً: “لكن، مالذي أتى بك إلى كليتنا اليوم؟”
لفت انتباهي تداخل الأنابيب المعدنية التي تلتف وتدور حول جدران المدرج، لتضيف جوًا من التقنية المتقدمة وسط هذا الطابع الكلاسيكي. الأرضية الرخامية السوداء امتدت كمرآة مظلمة تحت أقدام الطلاب، مما جعل المكان يبدو أكثر هيبة. وفي نهاية القاعة، حيث المنصة، وُضع مكتب ضخم من الخشب الداكن، مزين بزخارف دقيقة تحيط بكرسي جلدي فاخر بدا كعرش يليق بمن سيتولى التدريس.
ارتسمت على وجه سيلاس نظرة مفاجأة واضحة، وكأنه لم يكن مستعدًا لهذا السؤال. بعد لحظات من التردد، قال بصوت خافت أقرب للهمس، “أنا هنا لمقابلتها…”
كانت ترتدي قبعة سوداء عريضة بحافة منحنية تلفها ربطة فضية أنيقة، وتغطي وجهها خصلات شعرها الداكنة المتشابكة كأغصان شجرة غامضة. ملامحها كانت محاطة بغموض عميق، لم أستطع رؤية تعابير وجهها بشكل واضح، لكن الطريقة التي وقفت بها كانت تنم عن ثقة وثقل لا يمتلكهما إلا القليلون. كانت ترتدي فستانًا أسود يتناسب مع لون قبعتها، يشع منها أناقة مخيفة كأنها روح ليلية خرجت من عالم آخر.
نفث سيلاس أنفاسًا محبوسة وألقى نظرته الخجولة إلى الأرض، ثم اعترف بصوت منخفض كأنه يبوح بسر ثقيل، “إنها جينا… لقد وعدتها بمقابلتها هنا.”
بدت على كاسبر ابتسامة ماكرة، زادت من غموض المشهد، وقال بلهجة تهكمية، “مقابلتها؟ لقاء من يا سيلاس؟”
لاحقًا، التفت سيلاس نحوي أخيرًا بعد أن لاحظ وجودي، ملامحه تزينت بمزيج من الترحيب والحماس، وقال، “ثيو! يا رفيق الدرب، ما زلت مدينًا لك. كيف حالك؟” لم يسعني إلا مصافحته، وأجبت بابتسامة تحمل الكثير من الحذر: “بخير، أظنني أعيش.”
تلفت سيلاس بعينيه نحو الجهة الأخرى، وكأن نظراته كانت تطلب من كاسبر تجاوز الموضوع، إلا أن هذا الأخير لم يدع له فرصة التهرب، مستطردًا بصوت مرح، “قلها، من هي يا سيلاس؟”
تنفست ببطء، ثم رددت عليه بصوت متزن دون أن أنظر نحوه:
نفث سيلاس أنفاسًا محبوسة وألقى نظرته الخجولة إلى الأرض، ثم اعترف بصوت منخفض كأنه يبوح بسر ثقيل، “إنها جينا… لقد وعدتها بمقابلتها هنا.”
عندها، شعرت وكأن رأسي توقف عن التفكير للحظة. امتحانات؟ هذه الكلمة بدت لي وكأنها قد سقطت من كوكب آخر. كيف سأجيب عن شيء لا أملك أي خلفية عنه؟ تماسكت بصعوبة وأجبت بنبرة ملأى بالتردد، “لست مستعدًا تمامًا، ربما…”
بدت على وجه كاسبر ملامح دهشة، سرعان ما تحولت إلى ضحكة مكتومة. “تواعد تلك المجنونة، يا سيلاس؟”
احمر وجه سيلاس بلون وردي واضح، محاولاً التهرب من الإشارة إلى كلمة “تواعد” التي أطلقها كاسبر. “أواعدها؟ لا… ليس كذلك، فقط… نلتقي من حين لآخر،” قالها محاولاً تبرير موقفه بارتباك.
لم أستطع أن أترك الفرصة تفوتني، فابتسمت وأضفت بتعليق خفيف، “هيا، سيلاس، تعابير وجهك تكشف كل شيء، لا داعي للتردد.”
تلفت سيلاس بعينيه نحو الجهة الأخرى، وكأن نظراته كانت تطلب من كاسبر تجاوز الموضوع، إلا أن هذا الأخير لم يدع له فرصة التهرب، مستطردًا بصوت مرح، “قلها، من هي يا سيلاس؟”
توقف لبرهة متوترًا، لكنه بدا ممتنًا للتغيير في الحديث، وكأنني أخففت بعض الضغط عنه، ليخف التوتر بيننا للحظة قبل أن يُسمع في الأرجاء صوت جرس مرتفع. ثلاث دقات قوية، كصدى يصطدم بالجدران العتيقة ويتردد بين الممرات، قبل أن يعود الصمت ليسود.
توقف لبرهة متوترًا، لكنه بدا ممتنًا للتغيير في الحديث، وكأنني أخففت بعض الضغط عنه، ليخف التوتر بيننا للحظة قبل أن يُسمع في الأرجاء صوت جرس مرتفع. ثلاث دقات قوية، كصدى يصطدم بالجدران العتيقة ويتردد بين الممرات، قبل أن يعود الصمت ليسود.
قال كاسبر، وكأنه على عجل: “يبدو أن الوقت قد حان. أراك في الأسبوع المقبل، ولا تنسَ أن تبلغ تحياتي لتلك المجنونة، هاها.”
ألقيت نظرة جانبية نحو كاسبر، الذي كان يراقب ابتعاد سيلاس بابتسامة مشوبة بالسخرية والدهشة. “تسك، ذلك السيلاس المحظوظ…”
“هناك شيء أحتاج لاكتشافه، شيء غامض ينتظر أن أزيل عنه غبار السنين. أريد أن أستعيد ما يخصني، أريد كشف الحقيقة المخفية.”
لوح سيلاس بيده قبل أن يغادر بخطوات مسرعة، قائلاً بضحكة محمومة، “إلى اللقاء، كاسبر. وأنت أيضًا يا ثيو، ولا تتحدث عن جينا بهذه الطريقة، إنها ليست مجنونة!” سرعان ما تلاشت خطواته، تاركًا خلفه أثرًا من طاقته المفعمة بالحيوية.
لاحظت حلقًا طويلًا معلقًا بأذنها اليسرى، يتدلى منه زخارف ذات أشكال هندسية معقدة تلمع كأنها تعكس سرًا غامضًا. وكانت قفازاتها السوداء تغطي يديها بالكامل، مما أضفى على مظهرها طابعًا من الهيبة والرقي الذي يناقض تمامًا توقعاتي.
ألقيت نظرة جانبية نحو كاسبر، الذي كان يراقب ابتعاد سيلاس بابتسامة مشوبة بالسخرية والدهشة. “تسك، ذلك السيلاس المحظوظ…”
لوح سيلاس بيده قبل أن يغادر بخطوات مسرعة، قائلاً بضحكة محمومة، “إلى اللقاء، كاسبر. وأنت أيضًا يا ثيو، ولا تتحدث عن جينا بهذه الطريقة، إنها ليست مجنونة!” سرعان ما تلاشت خطواته، تاركًا خلفه أثرًا من طاقته المفعمة بالحيوية.
ثم استدار نحو الممر المؤدي إلى المدرج وقال لي بنبرة عابرة، “هيا بنا، ثيو. المحاضرة على وشك البدء.”
لوح سيلاس بيده قبل أن يغادر بخطوات مسرعة، قائلاً بضحكة محمومة، “إلى اللقاء، كاسبر. وأنت أيضًا يا ثيو، ولا تتحدث عن جينا بهذه الطريقة، إنها ليست مجنونة!” سرعان ما تلاشت خطواته، تاركًا خلفه أثرًا من طاقته المفعمة بالحيوية.
تابعته عبر الأروقة التي بدأت تضج بأصوات الطلاب المتجمعين هنا وهناك، وجوههم تترقب اللحظات الأخيرة قبل بدء المحاضرة. كان المكان ينبض بجو أكاديمي مهيب، مزيج من عطور الزهور الممتدة في الحديقة بالخارج ورائحة الكتب العتيقة المنتشرة في أجواء الكلية.
بينما كان الطلاب يستمرون في الدخول وتوزيع أنفسهم على المقاعد، صدى صوت كاسبر وصلني كريح باردة:
عندما دخلت المدرج G-8 برفقة كاسبر، اجتاحتني رهبة من هذا المكان الضخم الذي بدا وكأنه مزج بين الطراز المعماري الكلاسيكي والحديث بطريقة فريدة. كان المدرج فسيحًا، تتصاعد فيه المقاعد كأنها طبقات مسرح مهيب، ممتدة بشكل نصف دائري حول منصة التدريس. الأضواء الخافتة عكست ظلالاً خفيفة على الجدران، حيث زُينت بزخارف معقدة تتوزع بنمط متناظر على الجدران البيضاء العالية، كأنها تشهد على عبق الزمن ومكانة العلم.
تغيرت ملامح سيلاس فورًا، وكأن ذكر “مايكي” كان بمثابة تذكير بواقع آخر، واقع مليء بالغموض والاحتمالات. أجاب بصوت منخفض يكاد يكون همسًا، “نعم، تحدث معي حول الخطط، لكن… لست متأكدًا تمامًا.”
لفت انتباهي تداخل الأنابيب المعدنية التي تلتف وتدور حول جدران المدرج، لتضيف جوًا من التقنية المتقدمة وسط هذا الطابع الكلاسيكي. الأرضية الرخامية السوداء امتدت كمرآة مظلمة تحت أقدام الطلاب، مما جعل المكان يبدو أكثر هيبة. وفي نهاية القاعة، حيث المنصة، وُضع مكتب ضخم من الخشب الداكن، مزين بزخارف دقيقة تحيط بكرسي جلدي فاخر بدا كعرش يليق بمن سيتولى التدريس.
لوح سيلاس بيده قبل أن يغادر بخطوات مسرعة، قائلاً بضحكة محمومة، “إلى اللقاء، كاسبر. وأنت أيضًا يا ثيو، ولا تتحدث عن جينا بهذه الطريقة، إنها ليست مجنونة!” سرعان ما تلاشت خطواته، تاركًا خلفه أثرًا من طاقته المفعمة بالحيوية.
بدا كاسبر مستغرقًا في التفكير بعد كلامي، لكنه أجابني بنبرة تفهم مخلوطة بالغموض: “أعتقد أني أفهم ذلك.”
خلف المكتب كانت هناك سبورة ضخمة ذات طبقتين، الأولى تظهر تعليمات وشروحات متنوعة، في حين تمتاز الطبقة الثانية بأجهزة وأدوات تقنية معقدة، مخصصة على ما يبدو لتحريك الأقسام المختلفة من السبورة بسهولة، ربما لتبديل الجزء العلوي مع السفلي بلمسة واحدة.
ارتسمت على وجه سيلاس نظرة مفاجأة واضحة، وكأنه لم يكن مستعدًا لهذا السؤال. بعد لحظات من التردد، قال بصوت خافت أقرب للهمس، “أنا هنا لمقابلتها…”
لمحت عددًا من الطلاب ينزلقون بهدوء عبر الأبواب الجانبية، البعض منهم ينشغل بأحاديث هامسة بينما يبحث آخرون عن مقاعد شاغرة. كانوا يتفرقون على المقاعد كأسراب الطيور، وكلٌ منهم يحمل بين يديه كُتبًا وأوراقًا وأدوات. شعرت بتناقض كبير بين الحماس الذي يظهر على ملامح بعضهم، وملامح الترقب على وجوه آخرين.
بينما كنت أراقب هذه التفاصيل، بدأ كاسبر يتجه نحو المقاعد الخلفية. شعرت بالدهشة للحظة؛ ففي الواقع، لم أتوقع أن نختار المقاعد الأخيرة، مما يعني أنني لن أتمكن من رؤية أدق تفاصيل المحاضرة. لكن، لم يكن بوسعي الاعتراض، فتبعته حتى وصل إلى مقعد جانبي في آخر الصف.
جلس كاسبر أولاً، وأخذ بوضع بعض الأوراق البيضاء وأدوات الكتابة التي أخرجها بعناية من محفظته، وكان يحرك قلمه بين أصابعه برشاقة وتلقائية توحي بالاستعداد والتركيز. تابعته سريعًا وأخرجت الأدوات نفسها من حقيبتي، حقيبة المالك السابق لهذا الجسد، محاولاً إظهار بعض الثقة. كانت الورقة أمامي تبدو كأنها تنتظر، فارغة بيضاء تترقب ما سأخطه عليها.
بينما كان الطلاب يستمرون في الدخول وتوزيع أنفسهم على المقاعد، صدى صوت كاسبر وصلني كريح باردة:
ضحك سيلاس بصوت مرح، وكأنه يعتبر ذلك مزاحًا، وقال: “هاها، دائمًا ما تتخطى الأمور بطريقة ما، لا تقلق!” ابتسمت بخفة، بينما في داخلي تنمو بذور القلق؛ امتحانات! هل يمكن أن تزداد الأمور تعقيدًا أكثر من هذا؟
“ثيودور، لماذا انضممت إلى تخصص التحقيق؟”
بدت على كاسبر ابتسامة ماكرة، زادت من غموض المشهد، وقال بلهجة تهكمية، “مقابلتها؟ لقاء من يا سيلاس؟”
جلس كاسبر أولاً، وأخذ بوضع بعض الأوراق البيضاء وأدوات الكتابة التي أخرجها بعناية من محفظته، وكان يحرك قلمه بين أصابعه برشاقة وتلقائية توحي بالاستعداد والتركيز. تابعته سريعًا وأخرجت الأدوات نفسها من حقيبتي، حقيبة المالك السابق لهذا الجسد، محاولاً إظهار بعض الثقة. كانت الورقة أمامي تبدو كأنها تنتظر، فارغة بيضاء تترقب ما سأخطه عليها.
لم يلتفت إليّ، وظلّ ناظرًا نحو الأمام، لكني شعرت بجدية كلماته تخترقني، تحثّني على الإجابة بصراحة. رفعت نظري ببطء نحو السقف الزجاجي للمدرج، تغطّيه زخرفات ملونة بألوان غامضة تتراقص مع خيوط الضوء المتسللة. كانت أشبه برسالة من عالم بعيد، عالم لم أعد أنتمي إليه.
عندما دخلت المدرج G-8 برفقة كاسبر، اجتاحتني رهبة من هذا المكان الضخم الذي بدا وكأنه مزج بين الطراز المعماري الكلاسيكي والحديث بطريقة فريدة. كان المدرج فسيحًا، تتصاعد فيه المقاعد كأنها طبقات مسرح مهيب، ممتدة بشكل نصف دائري حول منصة التدريس. الأضواء الخافتة عكست ظلالاً خفيفة على الجدران، حيث زُينت بزخارف معقدة تتوزع بنمط متناظر على الجدران البيضاء العالية، كأنها تشهد على عبق الزمن ومكانة العلم.
تذكرت أجزاء من حياتي السابقة، تذكرت الطرق التي لم أسلكها، القرارات التي تركتها معلّقة. كان سؤاله يثير فيّ شكوكًا قديمة، هل كنت سأدرس التحقيق لو أكلمت دراستي بشكل طبيعي في عالمي القديم؟ لم يكن الأمر واضحًا كان الأمر عبارة عن فوضى بالنسبة إلي لكن هنا، في هذا العالم الغريب، حيث يظهر أمامك أناس بطريقة سحرية، وحيث تطفو مناطيد معدنية ضخمة في السماء كأنها طيور عملاقة تحوم في السماء أربع أجرام مختلفة الألوان بدا لي أن هذا القرار كان الصواب.
لوح سيلاس بيده قبل أن يغادر بخطوات مسرعة، قائلاً بضحكة محمومة، “إلى اللقاء، كاسبر. وأنت أيضًا يا ثيو، ولا تتحدث عن جينا بهذه الطريقة، إنها ليست مجنونة!” سرعان ما تلاشت خطواته، تاركًا خلفه أثرًا من طاقته المفعمة بالحيوية.
تنفست ببطء، ثم رددت عليه بصوت متزن دون أن أنظر نحوه:
تغيرت ملامح سيلاس فورًا، وكأن ذكر “مايكي” كان بمثابة تذكير بواقع آخر، واقع مليء بالغموض والاحتمالات. أجاب بصوت منخفض يكاد يكون همسًا، “نعم، تحدث معي حول الخطط، لكن… لست متأكدًا تمامًا.”
“هناك شيء أحتاج لاكتشافه، شيء غامض ينتظر أن أزيل عنه غبار السنين. أريد أن أستعيد ما يخصني، أريد كشف الحقيقة المخفية.”
بينما كنت أراقب هذه التفاصيل، بدأ كاسبر يتجه نحو المقاعد الخلفية. شعرت بالدهشة للحظة؛ ففي الواقع، لم أتوقع أن نختار المقاعد الأخيرة، مما يعني أنني لن أتمكن من رؤية أدق تفاصيل المحاضرة. لكن، لم يكن بوسعي الاعتراض، فتبعته حتى وصل إلى مقعد جانبي في آخر الصف.
بدا كاسبر مستغرقًا في التفكير بعد كلامي، لكنه أجابني بنبرة تفهم مخلوطة بالغموض: “أعتقد أني أفهم ذلك.”
ألقيت نظرة جانبية نحو كاسبر، الذي كان يراقب ابتعاد سيلاس بابتسامة مشوبة بالسخرية والدهشة. “تسك، ذلك السيلاس المحظوظ…”
تغيرت ملامح سيلاس فورًا، وكأن ذكر “مايكي” كان بمثابة تذكير بواقع آخر، واقع مليء بالغموض والاحتمالات. أجاب بصوت منخفض يكاد يكون همسًا، “نعم، تحدث معي حول الخطط، لكن… لست متأكدًا تمامًا.”
ابتسمت بصمت، لكن تلك الابتسامة سرعان ما تبخرت عندما وجّهت نظري نحو السبورة الكبيرة في الأسفل. تمتمت بنبرة خافتة: “ربما… من يدري؟”
بينما كنت أتبع كاسبر نحو المدرج، فاجأنا اقتراب شاب يحمل على وجهه ابتسامة واسعة ومشرقة، عيناه الزرقاوان تعكسان نوعًا من المكر المحبب، وشعره البني الداكن يضفي على مظهره طابعًا شبابيًا متحررًا. بدا وكأنه معتاد على لفت الأنظار دون عناء.
استرسل سيلاس بعد أن ضحك قليلاً، “حسنًا، وكيف تسير تحضيراتك للامتحانات القادمة، يا ثيو؟”
قطع همسي صدى خطوات في القاعة، جعلت الجميع ينظر نحو مصدر الصوت. الباب الفاخر بجانب السبورة، الذي لم ألاحظه من قبل، انفتح ببطء. ومنه دخلت شخصية بدت غامضة من مكاني البعيد، شخصية تكتسي بهالة لا تخطئها العين.
ألقى التحية على كاسبر بصوت مرح، “أوه، هاي، كاسبر! لقد مر وقت طويل!” مد يده ليصافحه، ورد كاسبر بابتسامة خافتة، كانت أول مرة أراه يبتسم فيه، مما أثار فضولي عن طبيعة هذه العلاقة.
كانت ترتدي قبعة سوداء عريضة بحافة منحنية تلفها ربطة فضية أنيقة، وتغطي وجهها خصلات شعرها الداكنة المتشابكة كأغصان شجرة غامضة. ملامحها كانت محاطة بغموض عميق، لم أستطع رؤية تعابير وجهها بشكل واضح، لكن الطريقة التي وقفت بها كانت تنم عن ثقة وثقل لا يمتلكهما إلا القليلون. كانت ترتدي فستانًا أسود يتناسب مع لون قبعتها، يشع منها أناقة مخيفة كأنها روح ليلية خرجت من عالم آخر.
وبينما كان سيلاس يضحك، تدخل كاسبر بلهجة مغايرة، إذ طغت على صوته الجدية، وسأله: “سيلاس، هل تلقيت أخبارًا من مايكي؟”
ابتسمت بصمت، لكن تلك الابتسامة سرعان ما تبخرت عندما وجّهت نظري نحو السبورة الكبيرة في الأسفل. تمتمت بنبرة خافتة: “ربما… من يدري؟”
لاحظت حلقًا طويلًا معلقًا بأذنها اليسرى، يتدلى منه زخارف ذات أشكال هندسية معقدة تلمع كأنها تعكس سرًا غامضًا. وكانت قفازاتها السوداء تغطي يديها بالكامل، مما أضفى على مظهرها طابعًا من الهيبة والرقي الذي يناقض تمامًا توقعاتي.
همست في داخلي بدهشة: “هل هذه هي البروفيسور لونا؟”
لم يلتفت إليّ، وظلّ ناظرًا نحو الأمام، لكني شعرت بجدية كلماته تخترقني، تحثّني على الإجابة بصراحة. رفعت نظري ببطء نحو السقف الزجاجي للمدرج، تغطّيه زخرفات ملونة بألوان غامضة تتراقص مع خيوط الضوء المتسللة. كانت أشبه برسالة من عالم بعيد، عالم لم أعد أنتمي إليه.
ألقى التحية على كاسبر بصوت مرح، “أوه، هاي، كاسبر! لقد مر وقت طويل!” مد يده ليصافحه، ورد كاسبر بابتسامة خافتة، كانت أول مرة أراه يبتسم فيه، مما أثار فضولي عن طبيعة هذه العلاقة.
