Switch Mode

يسرّنا أن نعلمكم بأن ملوك الروايات يوفر أيضًا موقعًا مجانيًا تمامًا يمكن للجميع القراءة من خلاله، مع وجود بعض الإعلانات التي تساهم في دعم استمرار تقديم المحتوى مجانًا.

يمكنكم زيارة الموقع المجاني عبر النقر هنا.

شكرًا لكم على متابعتكم ودعمكم الدائم.

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

سجلات الباحث 55

حفل مجنون

في مكان آخر، بعيدًا عن الأحاديث المزيفة والمجاملات المصطنعة التي تملأ القاعة، جلس الرقيب دونالد عند إحدى الطاولات الفاخرة، حيث تلألأت الأضواء فوق الأواني الكريستالية والزخارف الذهبية المنحوتة بعناية. كانت أصابعه تداعب حافة كأس النبيذ أمامه، لكنه لم يرتشف منه قط.

 

كان يرتدي قناعًا يغطي نصف وجهه، بلون أسود داكن مع لمسات فضية تعكس الضوء بخفوت، تصميمه بسيط لكنه يوحي بالجديّة والانضباط، مناسب لرجل مثله… رجل يعرف أن كل شيء في هذا المكان قد يكون لعبة خطيرة.

 

على الطاولة المقابلة، جلس شخص آخر.

 

رجل يرتدي قناعًا غريبًا.

 

مربع الشكل، بلون أسود قاتم، تتسلل عبر جانبيه خطوط أرجوانية تبدو كأنها تتوهج بخفوت كلما تحرك.

 

كان جلوسه غير رسمي، مسترخيًا على الكرسي كأنه غير مبالٍ بكل شيء، يضع ذراعه على مسند الكرسي ويتأمل دونالد من وراء فتحات القناع بعينين لا يمكن رؤيتهما.

 

لكن دونالد لم يكن يولي اهتمامًا لحركاته العابثة، بل كان منشغلًا بمراقبة أمر آخر تمامًا.

 

بصوت منخفض، خشن بعض الشيء، تمتم وهو يحرك كأسه بحركة دائرية بطيئة:

 

“إذا… ماذا يحدث بالضبط؟”

 

رفع عينيه لينظر إلى الشخص المقابل، ثم تابع:

 

“التحركات التي لاحظناها في الأيام الماضية… كلها تقود إلى هذا المكان. هل قرروا أخيرًا فعل شيء كبير؟”

 

“هذا الحفل يجمع الكثير من الشخصيات الكبيرة.”

 

حرك أصابعه، وكأنه يشير إلى العالم من حوله:

 

“السيد هارف، القادة الماليون، رجال الأعمال الذين يسيطرون على أسواق كاملة، السماسرة الذين يديرون صفقات في الظلام… الجميع هنا. وإذا كان شعلة النار موجودًا في هذا الحفل—”

 

توقف للحظة، ثم استأنف بصوت أخفض، مليء بالحذر:

 

“قد يفتعل حريقًا آخر.”

 

كان يعلم أن ذلك الرجل لا يحتاج إلا إلى شرارة واحدة.

 

وبما أنه الآن في هذا المكان، وسط هذه النخبة… فمن المرجح أنه يخطط لإشعال شيء أعظم من مجرد مبنى أو سوق…

 

“حسب التقارير، فإن قوته تزداد سواءً من خلال الحرق، أو بمجرد نشر اسمه.”

 

رفع رأسه قليلاً، كأنما يسترجع شيئًا من ذاكرته، ثم تمتم:

 

“إنه حاليًا نسخة معدّلة من تجسد عنصر عتيق… قد يكون مجرد ذرة أمام ذلك الأصل، لكنه يملك خصائصه.”

 

“والنيران دائمًا ما تنهض من الرماد… تعود من شرارة صغيرة.”

 

شعر دونالد بقشعريرة تسري في جسده، ليس خوفًا، بل إدراكًا لما يمكن أن يعنيه هذا.

 

ثم أنهى بصوت خافت، بالكاد يسمعه من يجلس أمامه:

 

“هذا بالضبط ما كلّف مملكة العلم تلك النهاية القاسية.”

 

لكن رفيقه لم يكن مهتمًا.

 

على العكس، لم يفعل سوى أن يضحك.

 

ضحكة قصيرة، جافة، مستفزة.

 

ثم مال إلى الأمام، ووضع مرفقه على الطاولة، وأصدر ضحكة أخرى أكثر وضوحًا:

 

“أوه، ههههه… ما زالت تنقصك الكثير من الخبرة، دونالد.”

 

“دعك من تلك الأفكار.”

 

لم يكن يتحدث بنبرة تهكم فقط، بل كان هناك شيء آخر في صوته… نوع من الملل؟ وكأنه يسمع كلامًا قد قيل مئات المرات من قبل، ولم يعد يعني له شيئًا.

 

لكن فجأة…

 

التفت بسرعة، وكأن شيئًا لفت انتباهه.

 

ثم ضحك مجددًا.

 

لكن هذه المرة، كانت ضحكة حقيقية، مليئة بالمتعة، كأنه رأى شيئًا مثيرًا بالفعل.

 

“ههه، لقد أتى رأس اليقطين.”

 

دونالد، الذي لم يكن معتادًا على رؤية هذا الرجل متحمسًا لأي شيء، نظر على الفور إلى الاتجاه الذي أشار إليه الآخر.

 

وبالفعل، رأى…

 

شخصًا طويلاً… بنيته قوية… يخطو عبر القاعة بخطوات هادئة…

 

لكن رأسه… لم يكن بشريًا.

 

أو بالأحرى، لم يكن يرتدي قناعًا، بل خوذة…

 

خوذة على شكل يقطينة محفورة، ملامحها منحوتة بأسلوب شرير، بفتحات على هيئة عيون مائلة تضيق كأنها تسخر من الجميع، وفم ملتوي إلى الأعلى بابتسامة واسعة، مخيفة، كأنها تنظر إليك مباشرة، وتقول:

 

“أنا أراك.”

 

أضاءت فتحات الخوذة للحظة…

 

ثم خفتت.

 

لكن حتى مع هذا التلاعب البسيط بالضوء، كان هناك شيء خاطئ.

 

شيء… غير طبيعي.

 

“إنه هنا.”

 

تمتم دونالد بصوت منخفض، وهو يشعر بأن الغرفة أصبحت أكثر برودة… أو ربما، كان ذلك مجرد وهم.

 

 

في الجانب الآخر من المدينة، تحت أنوار المصابيح الضعيفة وضجيج الشوارع المزدحمة، كانت الجامعة تقف شامخة، رمزًا للمعرفة والنظام… على السطح فقط.

 

لكن في الأسفل، في أحشائها، حيث تتقاطع الأنفاق الرطبة والممرات المنسية، يكمن شيء آخر تمامًا.

 

مكان مظلم.

مكان متآكل بالتلوث والجنون.

مكان لا تصل إليه أشعة الشمس، ولا تخضع قوانينه لما يجري فوق الأرض.

 

هنا، حيث تنبعث روائح العفن والدم القديم، سار هارونلد بهدوء غير معهود.

 

لم يكن يمشي بسرعة، ولم يكن يحمل تلك الأريحية المعتادة في خطواته، بل كان يسير بخطى ثابتة، بطيئة، محسوبة، كأن كل خطوة تزن أكثر من التي قبلها.

 

لم يكن هذا مكانًا طبيعيًا.

 

كل شيء هنا… يبعث شعورًا بالخطر، كأن الجدران نفسها تحتفظ بذكريات الصرخات التي انطلقت يومًا داخلها.

 

استمر في السير، غير عابئ بالأصوات الخافتة التي تهمس في الظلام، غير مكترث بتلك الظلال التي تتحرك عند حواف بصره، كأنها تراقبه… أو ربما كانت مجرد أوهام.

 

مشى… ومشى… ومشى…

 

حتى وصل أخيرًا إلى غرفة قديمة.

 

بابها نصف مفتوح، صريره الخفيف يتردد في الممر الخافت الضوء.

 

فتح الباب، ودخل.

 

الهواء في الداخل كان مشبعًا برائحة الورق القديم والغبار، مع نكهة خفيفة من شيء معدني… دم، ربما؟

 

لكن أكثر ما لفت انتباهه لم يكن ذلك.

 

بل الشخص الذي كان في الداخل.

 

 

 

كان يقف هناك، منكفئًا على الجدار، ظهره مواجه للباب، وكأنه لم يلحظ دخول هارونلد… أو بالأحرى، لم يكن يهتم.

 

كان أمامه حائط مغطى بالكامل بالصور.

 

عشرات، لا… مئات من الصور.

 

كل واحدة منها تحمل وجه شخص معين… لكن هناك صورة واحدة كان يركز عليها الآن، يرفعها بيده اليمنى بينما يحمل دبوسًا رفيعًا في اليسرى، يستعد لتثبيتها على الجدار بجانب العشرات من الصور الأخرى.

 

صورة لرجل بشعر أسود.

 

هارونلد، الذي يعرف الرجل جيدًا، لم يكن بحاجة إلى سؤاله عن هوية الشخص في الصورة.

 

لقد رآه يفعل هذا كثيرًا.

 

يجمع الوجوه، يخيطها في ذاكرته، يرسم خرائط مشوهة من الجنون والهوس.

 

وقف هناك، يحدق في المشهد أمامه، ولم يبدِ أي رد فعل على عدم اكتراث الرجل بوجوده.

 

لكن بدلاً من ذلك، تحدث ببطء، بصوت منخفض لكنه واضح.

 

“… فقط توقف عن فعل هذا.”

 

لم يكن هناك صراخ، ولا تهديد، ولا حتى نبرة أمر.

 

بل مجرد كلمات… مثقلة بالإنهاك.

 

الرجل لم يلتفت.

 

لم يتوقف عن تثبيت الصورة.

 

كأن هارونلد لم يكن هناك.

 

 

 

.

 

.

.

.

 

 

داخل قصر السيد هارف… حيث تتراقص الظلال بصمت

 

كان النهار قد بلغ منتصفه، وأضواء الشمس تتراقص على جدران القصر الضخم، تلقي بظلالٍ طويلة مشوهة على السجاد الفاخر، كأنها أشباح حبست في نسيج الزمان. الجو مشبع برائحة النبيذ المعتق، والعطور الثقيلة التي تفوح من ضيوف الحفل، امتزجت بها لمسة خفيفة من التوتر الخفي… ذلك النوع من التوتر الذي يشعر به الصيادون عندما تتلاقى نظراتهم في الظلام.

 

في الطابق العلوي، خلف الشرفة الواسعة، وقف رجل ستيني بهدوء يشبه النصل المغمد.

 

كان السيد هارف مرتديًا بدلة بيضاء ناصعة، حوافها مكوية بدقة، كأنها تعبير مادي عن النظام والانضباط. لم يكن هناك خطأ في خياطتها، ولا تجعيدة واحدة على سطحها، كما لو أنها خُلقت هكذا، بلا عيوب.

 

في عينه اليسرى، استقرت نظارة أحادية ذات إطار رفيع، تعكس بريق الثريات المتدلية من سقف القصر العالي. كانت تلك النظارة أشبه بعدسة مكبرة تفرز العالم من حوله، تنقيه من الضوضاء، وتلتقط فقط ما يستحق اهتمامه.

 

أما وجهه… فقد كان خاليًا من أي تعبير.

 

لا ابتسامة، لا عبوس، لا غضب، لا ضجر…

 

مجرد فراغ بارد.

 

عيناه الحادتان كانتا مسمرتين على المدخل الرئيسي للقصر، حيث عربات أنيقة تتوقف واحدة تلو الأخرى، لتنزل منها شخصيات مرموقة، يرتدون أقنعة فاخرة تغطي وجوههم، تخفي حقيقتهم بينما تزينها في آنٍ واحد.

 

إنه حفل… لكنه أيضًا ساحة حرب خفية.

 

هنا، لا تُستخدم السيوف، بل الكلمات.

لا تُشن الهجمات بالصراخ، بل بالابتسامات المتلاعبة.

لا تُسال الدماء، بل تُراق الأسرار.

 

في زاوية الشرفة، وقف رجل منحنٍ قليلاً، يرتدي بدلة داكنة، يقف في ظل سيده كأنه امتداد له، كيان بلا ملامح، بلا شخصية، بلا هوية.

 

لكن صوته كان حاضرًا.

 

“سيدي، يبدو أن الأفراد من قاعة الظل قد وصلوا.”

 

كانت نبرته هادئة، محايدة، لكن بداخلها خيطٌ رفيع من الحذر، كما لو كان يضع قدمه على لوح زجاجي هش، لا يعرف متى سينكسر.

 

قاعة الظل…

 

الكيان الغامض الذي لا يُعرف عنه سوى اسمه.

 

أشباح هذا العالم، الذين لا يظهرون إلا عندما يريدون شيئًا.

 

تكلم الرجل مجددًا، هذه المرة بحذر أكبر:

 

“حتى الآن، لم نعرف عن ماذا يبحثون بالضبط. كانت نشاطاتهم منعدمة منذ آخر استفزاز للمكتبة.”

 

عند هذه الجملة، رفع السيد هارف يده ببطء.

 

إشارة صامتة… لكنها كانت أمرًا نهائيًا.

 

توقف الرجل عن الكلام فورًا.

 

سادت لحظة صمت، لم يُسمع خلالها سوى صوت الريح الباردة تتسلل عبر الشرفة، تمتزج برائحة السيجار الفاخر الذي كان بين أصابع السيد هارف.

 

ثم، بصوت هادئ لكنه مشحون بنبرة لا تقبل الجدل، تحدث:

 

“لا تركز على أي شيء آخر.”

 

كانت تلك جملة… لكنها كانت أيضًا قاعدة.

 

قاعدة بسيطة، لكنها فصلت بين الحياة والموت في عالم مثل هذا.

 

استنشق ببطء، كأن الهواء نفسه كان مشبعًا بالمعلومات غير المرئية، ثم تابع بصوت أكثر حدة:

 

“لقد وافقت على عرض أولئك الأموات، ولكن لا يهمني ما سيحدث اليوم بالضبط.”

 

عينه لم تَحد عن المدخل الرئيسي للحفل.

 

إنه يرى الجميع… لكنه لا يهتم بأحد.

 

ثم، بصوت بارد كأنه يضع قطع الشطرنج في أماكنها، قال:

 

“ما عليك فعله هو تحديد مكان ذلك الشاب وإحضاره إليّ.”

 

“ذلك الشاب…”

 

عندما نطق بها، حدث تغير طفيف في نبرة صوته.

 

ليس خوفًا… وليس قلقًا…

 

بل شيء آخر.

 

شيء يشبه الترقب.

 

كأن شخصًا ما قد ألقى حجرًا في بحيرة راكدة، وكأن هناك موجات بدأت بالانتشار، رغم أن الماء لم يتحرك بعد.

 

“سيتم إعادة توزيع توازن الخمول على هذه المنطقة بعد قليل.”

 

تلك الكلمات… لم تكن مجرد جملة عادية.

 

في هذا العالم، هذه العبارات تحمل معاني ثقيلة.

 

إعادة توزيع “توازن الخمول”؟

 

هذا يعني أن شيئًا غير طبيعي سيحدث قريبًا.

 

شيء سيكسر النظام، سيدفع التوازن نحو الفوضى.

 

وأي شيء كهذا… يعني أن هناك فرصة.

 

وفرصة كهذه لا تُفوت.

 

“مما يؤدي إلى فوضى عظيمة.”

 

عندما قالها، أخيرًا، تحركت شفتاه في ابتسامة صغيرة.

 

لكنها لم تكن ابتسامة سعيدة…

 

بل ابتسامة جائعة.

 

التفت نصف التفاتة، بالكاد ينظر إلى الرجل المنحني خلفه، ثم أكمل بصوت منخفض لكنه يحمل ثقل جبل:

 

“لا يهمني ما يريده أحد اليوم.”

 

ثم، بصوت أكثر عمقًا، كأنه يعلن بداية لعبة جديدة:

 

“عليّ الحصول على ما أريده أنا.”

 

 

 

 

لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط