حفل مجنون
في مكان آخر، بعيدًا عن الأحاديث المزيفة والمجاملات المصطنعة التي تملأ القاعة، جلس الرقيب دونالد عند إحدى الطاولات الفاخرة، حيث تلألأت الأضواء فوق الأواني الكريستالية والزخارف الذهبية المنحوتة بعناية. كانت أصابعه تداعب حافة كأس النبيذ أمامه، لكنه لم يرتشف منه قط.
لكن رفيقه لم يكن مهتمًا.
كان يرتدي قناعًا يغطي نصف وجهه، بلون أسود داكن مع لمسات فضية تعكس الضوء بخفوت، تصميمه بسيط لكنه يوحي بالجديّة والانضباط، مناسب لرجل مثله… رجل يعرف أن كل شيء في هذا المكان قد يكون لعبة خطيرة.
“إنه هنا.”
على الطاولة المقابلة، جلس شخص آخر.
ليس خوفًا… وليس قلقًا…
رجل يرتدي قناعًا غريبًا.
يجمع الوجوه، يخيطها في ذاكرته، يرسم خرائط مشوهة من الجنون والهوس.
مربع الشكل، بلون أسود قاتم، تتسلل عبر جانبيه خطوط أرجوانية تبدو كأنها تتوهج بخفوت كلما تحرك.
كان جلوسه غير رسمي، مسترخيًا على الكرسي كأنه غير مبالٍ بكل شيء، يضع ذراعه على مسند الكرسي ويتأمل دونالد من وراء فتحات القناع بعينين لا يمكن رؤيتهما.
لكن دونالد لم يكن يولي اهتمامًا لحركاته العابثة، بل كان منشغلًا بمراقبة أمر آخر تمامًا.
بصوت منخفض، خشن بعض الشيء، تمتم وهو يحرك كأسه بحركة دائرية بطيئة:
“إذا… ماذا يحدث بالضبط؟”
فتح الباب، ودخل.
رفع عينيه لينظر إلى الشخص المقابل، ثم تابع:
التفت بسرعة، وكأن شيئًا لفت انتباهه.
“التحركات التي لاحظناها في الأيام الماضية… كلها تقود إلى هذا المكان. هل قرروا أخيرًا فعل شيء كبير؟”
تكلم الرجل مجددًا، هذه المرة بحذر أكبر:
“هذا الحفل يجمع الكثير من الشخصيات الكبيرة.”
في الجانب الآخر من المدينة، تحت أنوار المصابيح الضعيفة وضجيج الشوارع المزدحمة، كانت الجامعة تقف شامخة، رمزًا للمعرفة والنظام… على السطح فقط.
رفع عينيه لينظر إلى الشخص المقابل، ثم تابع:
حرك أصابعه، وكأنه يشير إلى العالم من حوله:
“السيد هارف، القادة الماليون، رجال الأعمال الذين يسيطرون على أسواق كاملة، السماسرة الذين يديرون صفقات في الظلام… الجميع هنا. وإذا كان شعلة النار موجودًا في هذا الحفل—”
عندما نطق بها، حدث تغير طفيف في نبرة صوته.
توقف للحظة، ثم استأنف بصوت أخفض، مليء بالحذر:
ثم أنهى بصوت خافت، بالكاد يسمعه من يجلس أمامه:
“قد يفتعل حريقًا آخر.”
كانت نبرته هادئة، محايدة، لكن بداخلها خيطٌ رفيع من الحذر، كما لو كان يضع قدمه على لوح زجاجي هش، لا يعرف متى سينكسر.
كان يعلم أن ذلك الرجل لا يحتاج إلا إلى شرارة واحدة.
رفع رأسه قليلاً، كأنما يسترجع شيئًا من ذاكرته، ثم تمتم:
وبما أنه الآن في هذا المكان، وسط هذه النخبة… فمن المرجح أنه يخطط لإشعال شيء أعظم من مجرد مبنى أو سوق…
“حسب التقارير، فإن قوته تزداد سواءً من خلال الحرق، أو بمجرد نشر اسمه.”
لم يكن هذا مكانًا طبيعيًا.
هنا، لا تُستخدم السيوف، بل الكلمات.
رفع رأسه قليلاً، كأنما يسترجع شيئًا من ذاكرته، ثم تمتم:
“إنه حاليًا نسخة معدّلة من تجسد عنصر عتيق… قد يكون مجرد ذرة أمام ذلك الأصل، لكنه يملك خصائصه.”
“والنيران دائمًا ما تنهض من الرماد… تعود من شرارة صغيرة.”
في الطابق العلوي، خلف الشرفة الواسعة، وقف رجل ستيني بهدوء يشبه النصل المغمد.
“حسب التقارير، فإن قوته تزداد سواءً من خلال الحرق، أو بمجرد نشر اسمه.”
شعر دونالد بقشعريرة تسري في جسده، ليس خوفًا، بل إدراكًا لما يمكن أن يعنيه هذا.
هنا، لا تُستخدم السيوف، بل الكلمات.
ثم مال إلى الأمام، ووضع مرفقه على الطاولة، وأصدر ضحكة أخرى أكثر وضوحًا:
ثم أنهى بصوت خافت، بالكاد يسمعه من يجلس أمامه:
قاعة الظل…
“هذا بالضبط ما كلّف مملكة العلم تلك النهاية القاسية.”
مربع الشكل، بلون أسود قاتم، تتسلل عبر جانبيه خطوط أرجوانية تبدو كأنها تتوهج بخفوت كلما تحرك.
بل مجرد كلمات… مثقلة بالإنهاك.
لكن رفيقه لم يكن مهتمًا.
ضحكة قصيرة، جافة، مستفزة.
كانت نبرته هادئة، محايدة، لكن بداخلها خيطٌ رفيع من الحذر، كما لو كان يضع قدمه على لوح زجاجي هش، لا يعرف متى سينكسر.
على العكس، لم يفعل سوى أن يضحك.
كان يقف هناك، منكفئًا على الجدار، ظهره مواجه للباب، وكأنه لم يلحظ دخول هارونلد… أو بالأحرى، لم يكن يهتم.
ضحكة قصيرة، جافة، مستفزة.
لكن أكثر ما لفت انتباهه لم يكن ذلك.
في الطابق العلوي، خلف الشرفة الواسعة، وقف رجل ستيني بهدوء يشبه النصل المغمد.
ثم مال إلى الأمام، ووضع مرفقه على الطاولة، وأصدر ضحكة أخرى أكثر وضوحًا:
إعادة توزيع “توازن الخمول”؟
“أوه، ههههه… ما زالت تنقصك الكثير من الخبرة، دونالد.”
سادت لحظة صمت، لم يُسمع خلالها سوى صوت الريح الباردة تتسلل عبر الشرفة، تمتزج برائحة السيجار الفاخر الذي كان بين أصابع السيد هارف.
“دعك من تلك الأفكار.”
“هذا الحفل يجمع الكثير من الشخصيات الكبيرة.”
لم يكن يتحدث بنبرة تهكم فقط، بل كان هناك شيء آخر في صوته… نوع من الملل؟ وكأنه يسمع كلامًا قد قيل مئات المرات من قبل، ولم يعد يعني له شيئًا.
صورة لرجل بشعر أسود.
لكن فجأة…
في عينه اليسرى، استقرت نظارة أحادية ذات إطار رفيع، تعكس بريق الثريات المتدلية من سقف القصر العالي. كانت تلك النظارة أشبه بعدسة مكبرة تفرز العالم من حوله، تنقيه من الضوضاء، وتلتقط فقط ما يستحق اهتمامه.
ليس خوفًا… وليس قلقًا…
التفت بسرعة، وكأن شيئًا لفت انتباهه.
ثم ضحك مجددًا.
لكن هذه المرة، كانت ضحكة حقيقية، مليئة بالمتعة، كأنه رأى شيئًا مثيرًا بالفعل.
“ههه، لقد أتى رأس اليقطين.”
التفت نصف التفاتة، بالكاد ينظر إلى الرجل المنحني خلفه، ثم أكمل بصوت منخفض لكنه يحمل ثقل جبل:
دونالد، الذي لم يكن معتادًا على رؤية هذا الرجل متحمسًا لأي شيء، نظر على الفور إلى الاتجاه الذي أشار إليه الآخر.
حرك أصابعه، وكأنه يشير إلى العالم من حوله:
شيء… غير طبيعي.
وبالفعل، رأى…
استمر في السير، غير عابئ بالأصوات الخافتة التي تهمس في الظلام، غير مكترث بتلك الظلال التي تتحرك عند حواف بصره، كأنها تراقبه… أو ربما كانت مجرد أوهام.
شخصًا طويلاً… بنيته قوية… يخطو عبر القاعة بخطوات هادئة…
“حسب التقارير، فإن قوته تزداد سواءً من خلال الحرق، أو بمجرد نشر اسمه.”
التفت نصف التفاتة، بالكاد ينظر إلى الرجل المنحني خلفه، ثم أكمل بصوت منخفض لكنه يحمل ثقل جبل:
لكن رأسه… لم يكن بشريًا.
أو بالأحرى، لم يكن يرتدي قناعًا، بل خوذة…
“ما عليك فعله هو تحديد مكان ذلك الشاب وإحضاره إليّ.”
خوذة على شكل يقطينة محفورة، ملامحها منحوتة بأسلوب شرير، بفتحات على هيئة عيون مائلة تضيق كأنها تسخر من الجميع، وفم ملتوي إلى الأعلى بابتسامة واسعة، مخيفة، كأنها تنظر إليك مباشرة، وتقول:
“أنا أراك.”
“عليّ الحصول على ما أريده أنا.”
هنا، حيث تنبعث روائح العفن والدم القديم، سار هارونلد بهدوء غير معهود.
أضاءت فتحات الخوذة للحظة…
بل ابتسامة جائعة.
فتح الباب، ودخل.
ثم خفتت.
“أوه، ههههه… ما زالت تنقصك الكثير من الخبرة، دونالد.”
“قد يفتعل حريقًا آخر.”
لكن حتى مع هذا التلاعب البسيط بالضوء، كان هناك شيء خاطئ.
شيء سيكسر النظام، سيدفع التوازن نحو الفوضى.
شيء… غير طبيعي.
توقف للحظة، ثم استأنف بصوت أخفض، مليء بالحذر:
“إنه هنا.”
لا تُسال الدماء، بل تُراق الأسرار.
تمتم دونالد بصوت منخفض، وهو يشعر بأن الغرفة أصبحت أكثر برودة… أو ربما، كان ذلك مجرد وهم.
هارونلد، الذي يعرف الرجل جيدًا، لم يكن بحاجة إلى سؤاله عن هوية الشخص في الصورة.
بابها نصف مفتوح، صريره الخفيف يتردد في الممر الخافت الضوء.
في الجانب الآخر من المدينة، تحت أنوار المصابيح الضعيفة وضجيج الشوارع المزدحمة، كانت الجامعة تقف شامخة، رمزًا للمعرفة والنظام… على السطح فقط.
لكن في الأسفل، في أحشائها، حيث تتقاطع الأنفاق الرطبة والممرات المنسية، يكمن شيء آخر تمامًا.
أشباح هذا العالم، الذين لا يظهرون إلا عندما يريدون شيئًا.
مكان مظلم.
مكان متآكل بالتلوث والجنون.
وبالفعل، رأى…
مكان لا تصل إليه أشعة الشمس، ولا تخضع قوانينه لما يجري فوق الأرض.
أما وجهه… فقد كان خاليًا من أي تعبير.
هنا، حيث تنبعث روائح العفن والدم القديم، سار هارونلد بهدوء غير معهود.
“والنيران دائمًا ما تنهض من الرماد… تعود من شرارة صغيرة.”
لم يكن يمشي بسرعة، ولم يكن يحمل تلك الأريحية المعتادة في خطواته، بل كان يسير بخطى ثابتة، بطيئة، محسوبة، كأن كل خطوة تزن أكثر من التي قبلها.
كل واحدة منها تحمل وجه شخص معين… لكن هناك صورة واحدة كان يركز عليها الآن، يرفعها بيده اليمنى بينما يحمل دبوسًا رفيعًا في اليسرى، يستعد لتثبيتها على الجدار بجانب العشرات من الصور الأخرى.
“ما عليك فعله هو تحديد مكان ذلك الشاب وإحضاره إليّ.”
لم يكن هذا مكانًا طبيعيًا.
أشباح هذا العالم، الذين لا يظهرون إلا عندما يريدون شيئًا.
“سيتم إعادة توزيع توازن الخمول على هذه المنطقة بعد قليل.”
كل شيء هنا… يبعث شعورًا بالخطر، كأن الجدران نفسها تحتفظ بذكريات الصرخات التي انطلقت يومًا داخلها.
استمر في السير، غير عابئ بالأصوات الخافتة التي تهمس في الظلام، غير مكترث بتلك الظلال التي تتحرك عند حواف بصره، كأنها تراقبه… أو ربما كانت مجرد أوهام.
ثم مال إلى الأمام، ووضع مرفقه على الطاولة، وأصدر ضحكة أخرى أكثر وضوحًا:
مشى… ومشى… ومشى…
بصوت منخفض، خشن بعض الشيء، تمتم وهو يحرك كأسه بحركة دائرية بطيئة:
توقف الرجل عن الكلام فورًا.
حتى وصل أخيرًا إلى غرفة قديمة.
بل مجرد كلمات… مثقلة بالإنهاك.
عشرات، لا… مئات من الصور.
بابها نصف مفتوح، صريره الخفيف يتردد في الممر الخافت الضوء.
فتح الباب، ودخل.
على العكس، لم يفعل سوى أن يضحك.
الهواء في الداخل كان مشبعًا برائحة الورق القديم والغبار، مع نكهة خفيفة من شيء معدني… دم، ربما؟
عندما قالها، أخيرًا، تحركت شفتاه في ابتسامة صغيرة.
لكن أكثر ما لفت انتباهه لم يكن ذلك.
الهواء في الداخل كان مشبعًا برائحة الورق القديم والغبار، مع نكهة خفيفة من شيء معدني… دم، ربما؟
خوذة على شكل يقطينة محفورة، ملامحها منحوتة بأسلوب شرير، بفتحات على هيئة عيون مائلة تضيق كأنها تسخر من الجميع، وفم ملتوي إلى الأعلى بابتسامة واسعة، مخيفة، كأنها تنظر إليك مباشرة، وتقول:
بل الشخص الذي كان في الداخل.
بل ابتسامة جائعة.
“السيد هارف، القادة الماليون، رجال الأعمال الذين يسيطرون على أسواق كاملة، السماسرة الذين يديرون صفقات في الظلام… الجميع هنا. وإذا كان شعلة النار موجودًا في هذا الحفل—”
في الجانب الآخر من المدينة، تحت أنوار المصابيح الضعيفة وضجيج الشوارع المزدحمة، كانت الجامعة تقف شامخة، رمزًا للمعرفة والنظام… على السطح فقط.
كان يقف هناك، منكفئًا على الجدار، ظهره مواجه للباب، وكأنه لم يلحظ دخول هارونلد… أو بالأحرى، لم يكن يهتم.
كان أمامه حائط مغطى بالكامل بالصور.
بل ابتسامة جائعة.
عشرات، لا… مئات من الصور.
كل واحدة منها تحمل وجه شخص معين… لكن هناك صورة واحدة كان يركز عليها الآن، يرفعها بيده اليمنى بينما يحمل دبوسًا رفيعًا في اليسرى، يستعد لتثبيتها على الجدار بجانب العشرات من الصور الأخرى.
صورة لرجل بشعر أسود.
هارونلد، الذي يعرف الرجل جيدًا، لم يكن بحاجة إلى سؤاله عن هوية الشخص في الصورة.
كان جلوسه غير رسمي، مسترخيًا على الكرسي كأنه غير مبالٍ بكل شيء، يضع ذراعه على مسند الكرسي ويتأمل دونالد من وراء فتحات القناع بعينين لا يمكن رؤيتهما.
لقد رآه يفعل هذا كثيرًا.
هنا، لا تُستخدم السيوف، بل الكلمات.
يجمع الوجوه، يخيطها في ذاكرته، يرسم خرائط مشوهة من الجنون والهوس.
شيء سيكسر النظام، سيدفع التوازن نحو الفوضى.
وقف هناك، يحدق في المشهد أمامه، ولم يبدِ أي رد فعل على عدم اكتراث الرجل بوجوده.
وقف هناك، يحدق في المشهد أمامه، ولم يبدِ أي رد فعل على عدم اكتراث الرجل بوجوده.
لكن بدلاً من ذلك، تحدث ببطء، بصوت منخفض لكنه واضح.
“… فقط توقف عن فعل هذا.”
لم يكن هناك صراخ، ولا تهديد، ولا حتى نبرة أمر.
مكان متآكل بالتلوث والجنون.
بل مجرد كلمات… مثقلة بالإنهاك.
أو بالأحرى، لم يكن يرتدي قناعًا، بل خوذة…
الرجل لم يلتفت.
التفت نصف التفاتة، بالكاد ينظر إلى الرجل المنحني خلفه، ثم أكمل بصوت منخفض لكنه يحمل ثقل جبل:
لم يتوقف عن تثبيت الصورة.
“إذا… ماذا يحدث بالضبط؟”
كأن هارونلد لم يكن هناك.
قاعدة بسيطة، لكنها فصلت بين الحياة والموت في عالم مثل هذا.
أضاءت فتحات الخوذة للحظة…
رفع عينيه لينظر إلى الشخص المقابل، ثم تابع:
.
“السيد هارف، القادة الماليون، رجال الأعمال الذين يسيطرون على أسواق كاملة، السماسرة الذين يديرون صفقات في الظلام… الجميع هنا. وإذا كان شعلة النار موجودًا في هذا الحفل—”
عشرات، لا… مئات من الصور.
.
داخل قصر السيد هارف… حيث تتراقص الظلال بصمت
.
.
داخل قصر السيد هارف… حيث تتراقص الظلال بصمت
توقف الرجل عن الكلام فورًا.
كان النهار قد بلغ منتصفه، وأضواء الشمس تتراقص على جدران القصر الضخم، تلقي بظلالٍ طويلة مشوهة على السجاد الفاخر، كأنها أشباح حبست في نسيج الزمان. الجو مشبع برائحة النبيذ المعتق، والعطور الثقيلة التي تفوح من ضيوف الحفل، امتزجت بها لمسة خفيفة من التوتر الخفي… ذلك النوع من التوتر الذي يشعر به الصيادون عندما تتلاقى نظراتهم في الظلام.
كأن هارونلد لم يكن هناك.
كان يرتدي قناعًا يغطي نصف وجهه، بلون أسود داكن مع لمسات فضية تعكس الضوء بخفوت، تصميمه بسيط لكنه يوحي بالجديّة والانضباط، مناسب لرجل مثله… رجل يعرف أن كل شيء في هذا المكان قد يكون لعبة خطيرة.
في الطابق العلوي، خلف الشرفة الواسعة، وقف رجل ستيني بهدوء يشبه النصل المغمد.
لكن رفيقه لم يكن مهتمًا.
كان السيد هارف مرتديًا بدلة بيضاء ناصعة، حوافها مكوية بدقة، كأنها تعبير مادي عن النظام والانضباط. لم يكن هناك خطأ في خياطتها، ولا تجعيدة واحدة على سطحها، كما لو أنها خُلقت هكذا، بلا عيوب.
كان السيد هارف مرتديًا بدلة بيضاء ناصعة، حوافها مكوية بدقة، كأنها تعبير مادي عن النظام والانضباط. لم يكن هناك خطأ في خياطتها، ولا تجعيدة واحدة على سطحها، كما لو أنها خُلقت هكذا، بلا عيوب.
لكنها لم تكن ابتسامة سعيدة…
في عينه اليسرى، استقرت نظارة أحادية ذات إطار رفيع، تعكس بريق الثريات المتدلية من سقف القصر العالي. كانت تلك النظارة أشبه بعدسة مكبرة تفرز العالم من حوله، تنقيه من الضوضاء، وتلتقط فقط ما يستحق اهتمامه.
.
أما وجهه… فقد كان خاليًا من أي تعبير.
كل واحدة منها تحمل وجه شخص معين… لكن هناك صورة واحدة كان يركز عليها الآن، يرفعها بيده اليمنى بينما يحمل دبوسًا رفيعًا في اليسرى، يستعد لتثبيتها على الجدار بجانب العشرات من الصور الأخرى.
لا ابتسامة، لا عبوس، لا غضب، لا ضجر…
كانت تلك جملة… لكنها كانت أيضًا قاعدة.
مجرد فراغ بارد.
لم يكن هذا مكانًا طبيعيًا.
في زاوية الشرفة، وقف رجل منحنٍ قليلاً، يرتدي بدلة داكنة، يقف في ظل سيده كأنه امتداد له، كيان بلا ملامح، بلا شخصية، بلا هوية.
عيناه الحادتان كانتا مسمرتين على المدخل الرئيسي للقصر، حيث عربات أنيقة تتوقف واحدة تلو الأخرى، لتنزل منها شخصيات مرموقة، يرتدون أقنعة فاخرة تغطي وجوههم، تخفي حقيقتهم بينما تزينها في آنٍ واحد.
لقد رآه يفعل هذا كثيرًا.
إنه حفل… لكنه أيضًا ساحة حرب خفية.
بل الشخص الذي كان في الداخل.
هنا، لا تُستخدم السيوف، بل الكلمات.
شخصًا طويلاً… بنيته قوية… يخطو عبر القاعة بخطوات هادئة…
لا تُشن الهجمات بالصراخ، بل بالابتسامات المتلاعبة.
لا تُسال الدماء، بل تُراق الأسرار.
الرجل لم يلتفت.
لكن صوته كان حاضرًا.
في زاوية الشرفة، وقف رجل منحنٍ قليلاً، يرتدي بدلة داكنة، يقف في ظل سيده كأنه امتداد له، كيان بلا ملامح، بلا شخصية، بلا هوية.
إعادة توزيع “توازن الخمول”؟
لكن صوته كان حاضرًا.
تلك الكلمات… لم تكن مجرد جملة عادية.
ثم خفتت.
“سيدي، يبدو أن الأفراد من قاعة الظل قد وصلوا.”
استنشق ببطء، كأن الهواء نفسه كان مشبعًا بالمعلومات غير المرئية، ثم تابع بصوت أكثر حدة:
كانت نبرته هادئة، محايدة، لكن بداخلها خيطٌ رفيع من الحذر، كما لو كان يضع قدمه على لوح زجاجي هش، لا يعرف متى سينكسر.
“عليّ الحصول على ما أريده أنا.”
قاعة الظل…
وبما أنه الآن في هذا المكان، وسط هذه النخبة… فمن المرجح أنه يخطط لإشعال شيء أعظم من مجرد مبنى أو سوق…
لم يكن يتحدث بنبرة تهكم فقط، بل كان هناك شيء آخر في صوته… نوع من الملل؟ وكأنه يسمع كلامًا قد قيل مئات المرات من قبل، ولم يعد يعني له شيئًا.
الكيان الغامض الذي لا يُعرف عنه سوى اسمه.
“هذا الحفل يجمع الكثير من الشخصيات الكبيرة.”
حرك أصابعه، وكأنه يشير إلى العالم من حوله:
أشباح هذا العالم، الذين لا يظهرون إلا عندما يريدون شيئًا.
إنه يرى الجميع… لكنه لا يهتم بأحد.
تكلم الرجل مجددًا، هذه المرة بحذر أكبر:
“حتى الآن، لم نعرف عن ماذا يبحثون بالضبط. كانت نشاطاتهم منعدمة منذ آخر استفزاز للمكتبة.”
كأن شخصًا ما قد ألقى حجرًا في بحيرة راكدة، وكأن هناك موجات بدأت بالانتشار، رغم أن الماء لم يتحرك بعد.
عند هذه الجملة، رفع السيد هارف يده ببطء.
“عليّ الحصول على ما أريده أنا.”
إشارة صامتة… لكنها كانت أمرًا نهائيًا.
في الطابق العلوي، خلف الشرفة الواسعة، وقف رجل ستيني بهدوء يشبه النصل المغمد.
توقف الرجل عن الكلام فورًا.
مكان متآكل بالتلوث والجنون.
سادت لحظة صمت، لم يُسمع خلالها سوى صوت الريح الباردة تتسلل عبر الشرفة، تمتزج برائحة السيجار الفاخر الذي كان بين أصابع السيد هارف.
ثم، بصوت هادئ لكنه مشحون بنبرة لا تقبل الجدل، تحدث:
قاعة الظل…
“لا تركز على أي شيء آخر.”
كانت تلك جملة… لكنها كانت أيضًا قاعدة.
قاعدة بسيطة، لكنها فصلت بين الحياة والموت في عالم مثل هذا.
استنشق ببطء، كأن الهواء نفسه كان مشبعًا بالمعلومات غير المرئية، ثم تابع بصوت أكثر حدة:
“لقد وافقت على عرض أولئك الأموات، ولكن لا يهمني ما سيحدث اليوم بالضبط.”
ثم، بصوت هادئ لكنه مشحون بنبرة لا تقبل الجدل، تحدث:
عينه لم تَحد عن المدخل الرئيسي للحفل.
رفع عينيه لينظر إلى الشخص المقابل، ثم تابع:
ثم ضحك مجددًا.
إنه يرى الجميع… لكنه لا يهتم بأحد.
بل الشخص الذي كان في الداخل.
ثم، بصوت بارد كأنه يضع قطع الشطرنج في أماكنها، قال:
شيء… غير طبيعي.
“ما عليك فعله هو تحديد مكان ذلك الشاب وإحضاره إليّ.”
“ذلك الشاب…”
“إنه حاليًا نسخة معدّلة من تجسد عنصر عتيق… قد يكون مجرد ذرة أمام ذلك الأصل، لكنه يملك خصائصه.”
عندما نطق بها، حدث تغير طفيف في نبرة صوته.
التفت بسرعة، وكأن شيئًا لفت انتباهه.
ليس خوفًا… وليس قلقًا…
لكن رأسه… لم يكن بشريًا.
بل شيء آخر.
لم يكن هذا مكانًا طبيعيًا.
شيء يشبه الترقب.
كان السيد هارف مرتديًا بدلة بيضاء ناصعة، حوافها مكوية بدقة، كأنها تعبير مادي عن النظام والانضباط. لم يكن هناك خطأ في خياطتها، ولا تجعيدة واحدة على سطحها، كما لو أنها خُلقت هكذا، بلا عيوب.
كأن شخصًا ما قد ألقى حجرًا في بحيرة راكدة، وكأن هناك موجات بدأت بالانتشار، رغم أن الماء لم يتحرك بعد.
في هذا العالم، هذه العبارات تحمل معاني ثقيلة.
كان أمامه حائط مغطى بالكامل بالصور.
“سيتم إعادة توزيع توازن الخمول على هذه المنطقة بعد قليل.”
لقد رآه يفعل هذا كثيرًا.
تلك الكلمات… لم تكن مجرد جملة عادية.
تلك الكلمات… لم تكن مجرد جملة عادية.
في هذا العالم، هذه العبارات تحمل معاني ثقيلة.
مربع الشكل، بلون أسود قاتم، تتسلل عبر جانبيه خطوط أرجوانية تبدو كأنها تتوهج بخفوت كلما تحرك.
إعادة توزيع “توازن الخمول”؟
هذا يعني أن شيئًا غير طبيعي سيحدث قريبًا.
شيء سيكسر النظام، سيدفع التوازن نحو الفوضى.
التفت نصف التفاتة، بالكاد ينظر إلى الرجل المنحني خلفه، ثم أكمل بصوت منخفض لكنه يحمل ثقل جبل:
وأي شيء كهذا… يعني أن هناك فرصة.
وفرصة كهذه لا تُفوت.
.
“مما يؤدي إلى فوضى عظيمة.”
.
عندما قالها، أخيرًا، تحركت شفتاه في ابتسامة صغيرة.
“قد يفتعل حريقًا آخر.”
لكنها لم تكن ابتسامة سعيدة…
“والنيران دائمًا ما تنهض من الرماد… تعود من شرارة صغيرة.”
بل ابتسامة جائعة.
كان يرتدي قناعًا يغطي نصف وجهه، بلون أسود داكن مع لمسات فضية تعكس الضوء بخفوت، تصميمه بسيط لكنه يوحي بالجديّة والانضباط، مناسب لرجل مثله… رجل يعرف أن كل شيء في هذا المكان قد يكون لعبة خطيرة.
التفت نصف التفاتة، بالكاد ينظر إلى الرجل المنحني خلفه، ثم أكمل بصوت منخفض لكنه يحمل ثقل جبل:
“لا يهمني ما يريده أحد اليوم.”
لم يكن يتحدث بنبرة تهكم فقط، بل كان هناك شيء آخر في صوته… نوع من الملل؟ وكأنه يسمع كلامًا قد قيل مئات المرات من قبل، ولم يعد يعني له شيئًا.
على العكس، لم يفعل سوى أن يضحك.
ثم، بصوت أكثر عمقًا، كأنه يعلن بداية لعبة جديدة:
هنا، لا تُستخدم السيوف، بل الكلمات.
ثم مال إلى الأمام، ووضع مرفقه على الطاولة، وأصدر ضحكة أخرى أكثر وضوحًا:
“عليّ الحصول على ما أريده أنا.”
في الجانب الآخر من المدينة، تحت أنوار المصابيح الضعيفة وضجيج الشوارع المزدحمة، كانت الجامعة تقف شامخة، رمزًا للمعرفة والنظام… على السطح فقط.
ثم ضحك مجددًا.
“عليّ الحصول على ما أريده أنا.”
