أعدتُ الرسالة إلى الظرف ووضعتها داخل جيب بدلتي الداخلي، تحسستُ مكان المسدس والخنجر، أطمئن على وجودهما كما لو أن ملمسهما كان هو الشيء الوحيد الحقيقي وسط هذا العالم المليء بالكذب. ثم انطلقتُ نحو منزل السيد هارف، أو لنقل… قصره.
كان يحتل مساحة كبيرة، محاطًا بحدائق منسقة بعناية، وأحواض سباحة تعكس الأضواء كأنها فخاخ زجاجية. حياة الرفاهية باختصار… وكلها مبنية على أعمال ممنوعة.
الفساد هنا ليس مجرد ظاهرة، بل هو القاعدة.
الطبقية في هذا العالم ليست مجرد فوارق مالية، بل نظام صارم يفصل البشر إلى طبقات لا يحق لها الاختلاط. ومع ذلك، ورغم كل هذه القواعد، الأغنياء يظلون أغبياء.
ارتدي جيدًا، تحدث بكلمات علمية وغريبة، أظهر طابعًا نبيلاً، واصرف بعض الأموال… وفجأة تصبح واحدًا منهم.
لكن هذا ينجح في الحالات العادية.
ليس مع السيد هارف.
ابتسمتُ ابتسامة باردة تحت القناع، لكن فجأة، وكأن شرارة غير مرئية اشتعلت في داخلي، انفجرتُ في ضحك هستيري وسط الشارع. هاهاهاها!
لم يكن هناك سبب واضح… سوى أبسبب القناع الذي أرتديه.
ذلك القناع، بتلك الابتسامة المجمدة… مهرج صامت يسخر من كل شيء، حتى من صاحبه.
لم أهتم كثيرًا، ليس الآن. بعد أن توقف الضحك، رفعتُ يدي ببطء ونزعتُ القناع. ارتداؤه لفترة طويلة كان خطيرًا، ليس فقط بسبب الشعور بالاختناق، بل لأنه… يصنع الأوهام. أو ربما… شيئًا أسوأ.
استعدتُ هدوئي ورتبتُ أفكاري بشأن السيد هارف. أو لنقل… لاعب الخدع.
النمط الأول، التسلسل الأول، البوابة الأولى، وأشياء أخرى كثيرة.
لكن في حالة السيد هارف، لم يكن مجرد لاعب عادي.
إنه لاعب الخدع – النمط الأول المتوهم.
أما تسلسله الخاص؟ لا أعلم اسمه.
أما البوابة؟ لا أحد يعرف.
أما البقية؟ حتى هارونلد لا يعرف ما هي.
لكن ما هو مؤكد… هو أن قدراته تجعل التعامل معه خطيرًا للغاية:
التلاعب البسيط بالكلام: يمكنه إقناع الآخرين بتصديق أكاذيب واضحة وكأنها حقائق مطلقة.
إخفاء نبرة صوته الحقيقية: مما يمنحه القدرة على انتحال شخصيات مختلفة دون أن يلاحظ أحد.
إحساس فطري بالكذب: يعرف متى يكذب شخص عليه، دون الحاجة إلى النظر إلى عينيه أو تحليل ملامحه.
لكن لكل قوة ثمنًا.
الأثر الجانبي: يبدأ في مواجهة لحظات من الشك في ذاكرته الخاصة، حيث يختلط الواقع بالكذب، حتى يصبح غير قادر على التفريق بينهما.
هذه قدراته ببساطة.
دون احتساب قدرته الفطرية وعيبها… إذا كانت موجودة، أو لم تُكشف بعد.
قد تبدو قدراته مذهلة للبعض، مثيرة للرهبة وللشك، مثل سلاح غير مرئي قادر على طمس الحقيقة وخلط الوهم بالواقع. لكن في قتال حقيقي، حيث الدماء تُراق، والعظام تُسحق، والصرخات تُبتلع وسط الضوضاء…
مجرد هراء.
تستطيع الكلمات أن تخدع، أن تزرع التردد في القلب، أن تشوّه الإدراك حتى يشك الشخص في عينيه، في أذنيه، في ذاكرته نفسها… لكنها لا تستطيع إيقاف نصل يندفع نحو الحلق، أو تفادي رصاصة تُطلق من مسدس في يدٍ ثابتة.
عندما تصبح الحياة والموت على المحك، لا أهمية للثرثرة.
حتى لو استطاع التلاعب بعواطف خصمه، حتى لو زرع في داخله شعورًا غامضًا بالذنب أو الشك… ما الفائدة إن كان خصمه بلا عواطف أصلًا؟
ما الفائدة إن كان قاتلًا مدرّبًا، عاش حياته بين الدماء والجثث، حيث الموت مجرد جانب آخر من العمل؟
ما الفائدة إن كان يواجهني؟
بمقارنة قدراته مع التفردات الحقيقية، تلك التي تكسر قواعد الوجود، أو التسلسلات التي تحني قوانين الكون لصالح مستخدمها، أو البوابات التي تفتح مسارات إلى ما هو أبعد من الفهم البشري، أو الأنماط التي تجعل من مستخدميها كيانات تتجاوز البشر…
فهو مجرد خدعة رخيصة.
هارونلد أخبرني بذلك ، بصوته المرتجف الذي يحمل نبرة ازدراء واضحة:
“ما يملكه ليس قوة، بل مجرد مهارة اجتماعية مبالغ فيها، مغلفة بطلاء زائف من الغموض.”
لكن هذا العالم… لم يكن أبدًا بسيطًا.
فما قيل لي عن القوى المعروفة، ما درسته طوال الأسبوع عن التسلسلات والبوابات والأنماط… لم يكن سوى جزء صغير من الصورة الحقيقية.
التفردات القديمة؟ تلك التي لم يعد أحد يجرؤ على ذكرها، المدفونة في نصوص محظورة كُتبت بلغة منسية؟
التسلسلات المخفية؟ التي لم تُسجل أسماؤها في أي وثيقة رسمية، والتي من حاولوا كشفها… لم يعودوا كما كانوا؟
البوابات السرية؟ التي لا تفتح إلا لمن دفعوا أثمانًا لا توصف، تلك التي قيل أن الداخل إليها لا يخرج كما كان أبدًا؟
الأنماط الحصرية؟ التي تُمنح فقط لأولئك الذين فقدوا شيئًا جوهريًا في وجودهم، شيئًا لا يمكن استعادته أبدًا؟
التقنيات المتوارثة؟ التي لا تُنقل بالكلمات، بل بالدماء، بالكوابيس، بأصوات الموتى الذين لا يكفون عن الهمس في آذان ورثتهم؟
في النهاية… كل هذه الأشياء موجودة.
وإن كان العالم قد اختار أن يغلق عينيه عنها، فهذه مشكلته، لا مشكلتي.
أما أنا؟
أعلم تمامًا ما يجب عليّ فعله.
لقد اختبرت تقاربي مع بعض التسلسلات الأخرى، بحثتُ في احتمالية السير فيها، درست الرموز، جربت الطقوس، قرأت النصوص السرية…
لكن النتيجة؟
صفر.
ليس مجرد احتمال ضئيل.
ليس مجرد فشل عابر.
بل لا شيء على الإطلاق.
كأن هذه المسارات كلها تنفر مني.
كأن هناك جدارًا خفيًا يمنعني من التقدم فيها، جدارًا غير قابل للكسر، غير قابل للتجاوز، يحدق فيّ وكأنه كيان واعٍ يخبرني ببرود:
“هذا ليس طريقك.”
لكن هل يعني هذا أنني سأستسلم؟
هل يعني هذا أنني سأقبل أن أكون مجرد مشاهد في هذا العالم، مجرد شخص عادي في عالمٍ مليء بالكيانات المتجاوزة؟
مستحيل.
حاول أن تؤدي الطقس المقابل… أو تخطو في ذاك المسار الخاطئ، ولن يكون هناك سوى وداع أخير لحياتك.
ليس هناك فرصة ثانية.
ليس هناك تراجع.
الخيار الخاطئ لا يعني الفشل… بل الفناء المطلق.
وأنا أعرف بالضبط ما سأقوم به.
خاصية النهب!
قد لا أملك القدرة على تحريف الواقع، ولا القدرة على اقتحام العوالم المجهولة، لا أتحكم في الزمن، ولا أتمتع بموهبة قراءة العقول، ولا أُحصّن نفسي ضد الموت.
أو هكذا أقنعت نفسي مرارًا وتكرارًا، رغم أنني أعلم أن كل شيء يعتمد على شيء آخر، وأن هذه الخاصية ليست سوى فكرة جوفاء ما لم أجد العناصر التي تمنحها القوة الحقيقية.
وهنا تكمن المشكلة.
المكونات… الطقس الخاص بتفعيلها… الوسيلة الوحيدة لجعلها أكثر من مجرد حروف على الورق.
لم أجد واحدًا منها حتى الآن.
أحكمت قبضتي للحظة، ثم أرخيتها، مجبرًا نفسي على الهدوء. لا فائدة من الغضب الآن. الغضب لا يجلب القوة، ولا يغيّر الواقع. الغضب وحده ضعف.
أما ما أحتاج إليه… فهو التركيز.
خطتي كانت واضحة بما يكفي لتبدو قابلة للتنفيذ، لكنها كانت محفوفة بالمخاطر بما يكفي لأن يكون موتي جزءًا منها:
سرقة السيد هارف، ثم قتله.
أو، إن لم أتمكن من الأولى … سأكتفي بالأخيرة.
رأسه وحدها سيكون كافيًا.
هناك عدد لا بأس به من الأشخاص في هذا العالم ممن يرغبون في رؤية السيد هارف جثةً باردة، مهشّمة العظام، ممددة في أحد الأزقة الخلفية المظلمة.
قد تكون قدراته قد ساعدته في الصعود إلى هذه القمة، قد يكون قد استخدم نمطه الأول ببراعة ليحصد المال والنفوذ، قد يكون بارعًا في التلاعب بعقول الآخرين، في بث الأكاذيب كما لو كانت حقائق…
لكنه سيواجه شخصًا لا يخضع للخداع.
وسيكون ذلك خطأه الأخير.
ابتسمت.
بل لا، لم تكن مجرد ابتسامة…
بل ضحكة مكتومة، كأنني أسمع نكتة لا يفهمها أحد غيري.
رتبت ياقة بدلتي، سويت القفازات الجلدية، تحسست السلاحين المخفيين تحت ملابسي، ثم تحركت نحو المكان الذي سيُعقد فيه الحفل.
لم يستغرق الأمر طويلًا للوصول.
وعندما وصلت… توقفت.
القصر انتصب أمامي كوحش ضخم، صامت، يتأملني من علٍ. لم يكن أعلى تلة، لم يكن منعزلًا عن العالم كما يفعل النبلاء المذعورون، بل كان جزءًا من شارع الطبقة الراقية، حيث يُقيم الأثرياء الذين لا يخفون جرائمهم، بل يستعرضونها أمام الجميع.
المبنى كان واسعًا، ذا أسوار أنيقة مصنوعة من الحديد الأسود المشغول، تحمل في زواياها أشكالًا زخرفية غريبة، كأنها عيون تحدّق في الداخل والخارج على حد سواء. نوافذه العريضة كانت تعكس ضوء المصابيح الغازية المتوهج، فتبدو وكأنها عيون ضخمة تراقب الداخلين، تتأمل ضحاياها المستقبليين.
الأصوات المتسربة من الداخل كانت مزيجًا من الموسيقى الكلاسيكية، ضحكات مخملية مزيفة، وأحاديث مليئة بالغرور والتفاخر، كلها تندمج في نغمة متناغمة من الزيف.
الشارع بأكمله كان عالمًا مختلفًا.
عربات فاخرة تصطف على الجانبين، الأحصنة المسوّسة ترفع رؤوسها بفخر، رجال ونساء بأقنعة ذهبية وفضية وأثواب فاخرة يخطون بثقة، يلوّحون لبعضهم البعض بابتسامات مدروسة…
إنهم لا يتصافحون… بل يتحققون من مواضع السكاكين المخفية في ظهورهم.
في عالمهم، الثروة ليست إلا درعًا هشًا، والمكانة الاجتماعية ليست سوى مسرحية يُعاد تأليفها كل ليلة، والقاتل الأنيق قد يكون في الغد مجرد جثة تُنسى مع بزوغ الفجر.
تنهدت.
ثم تحركت بعيدًا عن الأنظار، إلى زاوية مظلمة قرب أحد الأعمدة، وأخرجت قناع المهرج.
مسحته بأصابعي للحظة، ملامحه الساخرة بدت أكثر تهكمًا تحت ضوء المصابيح، وكأنها تعلم بالضبط ما كنت على وشك فعله.
ثم وضعته.
وهنا، كما هو متوقع… بدأ التأثير.
هههههه…
ضحكة مجنونة، قصيرة، متشنجة، انفجرت مني بلا تحكم، بلا تفكير، كأن شيئًا آخر بداخلي وجد الموقف مضحكًا بطريقة لا يدركها وعيي.
اللعنة… تأثير القناع بدأ يعمل مجددًا.
لكنني لم أخلعه.
بل فقط… أحكمته أكثر.
تحسست الخنجر والمسدس داخل سترتي، تأكدت من مكانهما، ثم تقدمت بثقة نحو المدخل، حيث وقف الحراس مثل تماثيل حجرية، صامتين، لكن أعينهم كانت تلتهم كل تفصيلة.
أخرجت بطاقة الدعوة، رفعتها إليهم…
ثم انفجرت في ضحكة أخرى.
ضحكة قاسية، باردة، كأنها تمزق الهواء نفسه.
أدركت متأخرًا أنني لم أقصد الضحك هذه المرة… لكنه خرج رغمًا عني.
رأيت كيف تصلّبت أكتاف الحراس للحظة، كيف تبادلوا نظرات خاطفة، كيف زاد توترهم الخفي.
إنهم يظنونني مجنونًا.
بصعوبة، سيطرت على نفسي، سحبت أنفاسي ببطء، ومسحت زوايا فمي بيدي المغطاة بالقفازات، ثم قلت بصوت لا يزال يحمل أثر الضحك:
“هه… آسف. إنه فقط جزء من تقمّص الشخصية.”
لم يتفاعلوا كثيرًا.
ربما لأن هذا النوع من السلوك ليس غريبًا عليهم.
ففي هذه الحفلات… الجميع يرتدي أقنعة.
والجميع… يخفي شيئًا.
