Switch Mode

يسرّنا أن نعلمكم بأن ملوك الروايات يوفر أيضًا موقعًا مجانيًا تمامًا يمكن للجميع القراءة من خلاله، مع وجود بعض الإعلانات التي تساهم في دعم استمرار تقديم المحتوى مجانًا.

يمكنكم زيارة الموقع المجاني عبر النقر هنا.

شكرًا لكم على متابعتكم ودعمكم الدائم.

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

سجلات إمبراطور البشر 1

1

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ

الفصل الأول: سقوط السهول الوسطى
ترجمة: Arisu san
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

كان “وانغ تشونغ” يعلم أن هذه كانت مهمته في هذا العالم!

“إذا حكم الهمجيون، فخيرٌ أن تسقط السهول الوسطى” — كانت هذه إحدى مقولات كونفوشيوس.
لم يكن “وانغ تشونغ” يتخيل يومًا أنه في هذا الزمان والمكان البعيدين، ستُدمر “السهول الوسطى” حقًا!

بل والأسوأ من ذلك… أنه سيكون الشاهد الأخير على هذا المشهد!

كانت السماء تشتعل، والأرض ترتجف. جثث لا تُحصى مكدّسة في كل مكان، تُشكّل جبالًا وتملأ المحيطات. الدماء الطازجة المتدفقة منها اجتمعت لتكوّن نهرًا قرمزيًا. كان “وانغ تشونغ” يلمح بوضوح هالة الموت الكثيفة المتصاعدة من عشرات الملايين من جثث أبناء السهول الوسطى الذين كانوا متناثرين حوله.

وفي المقابل، كانت جيوش الفرسان الأجانب تقترب ببطء.

لا أحد يعرف من أين جاءت هذه القوات الغريبة. ولا أحد فهم سبب إصرارهم على تدمير هذا العالم. كل ما عُرف هو أنهم ظهروا فجأة قبل عشر سنوات، ومنذ ذلك الحين، اجتاحوا كل إمبراطورية في طريقهم!

ومع ظهور هؤلاء الغزاة، انهارت الأرض واهتزّ الفضاء ذاته! دمار مطلق! عشرات الملايين من الكائنات الحية تحولت إلى عظام يابسة!

وفي هذه اللحظة، كانت المجموعة التي يقودها “وانغ تشونغ” هي القوة القتالية الأخيرة في هذا العالم!

وسط هذه الأراضي الواسعة، قاد “وانغ تشونغ” آخر جيش متبقٍ للسهول الوسطى. وكأنه طحلب يطفو على سطح الماء، انتظر بصمتٍ قدوم النهاية.

لقد ظنّ أن قلبه قد تحجّر بعد سنوات من المعاناة، لكن حين اقتربت اللحظة المحتومة، لم يستطع منع نفسه من الارتجاف.

اجتاحت مشاعر الحزن والألم واليأس كيانه، لكنها لم تكن شفقة على نفسه… بل على إخوانه، وعلى المصير المأساوي الذي ينتظر وطنه الحبيب: السهول الوسطى!

“جنرال، سامحني على مغادرتي المبكرة!”
“لسْتَ الملام يا جنرال! لقد فعلتَ كل ما بوسعك!”
“لا داعي للحزن علينا! نحن مستعدون منذ وقت طويل. على الأقل، لم نجلب العار على سلالة تانغ العظيمة! أن أقاتل إلى جانبك، هذه حياة لم أعِشها عبثًا!”
“إلى اللقاء في الحياة القادمة، أيها الجنرال!”
“هيا أيها الأوغاد الغرباء! جولة أخيرة! هاهاها…”

أمام ناظريه، مرّت وجوه مألوفة واحدًا تلو الآخر، يضحكون بصوت عالٍ ويقتحمون صفوف الأعداء وكأنهم فراشات تنجذب إلى لهبٍ قاتل.

“لا حاجة لذلك، إخوتي الأعزاء… سنجتمع قريبًا جدًا!”

وبينما كانوا يختفون كزهرات الـ”إبيفيلوم” التي تزهر للحظة واحدة في الليل، فاضت الدموع أخيرًا من عيني “وانغ تشونغ”، وانحدرت بهدوء على وجنتيه.

لم يكن “وانغ تشونغ” روحًا تنتمي لهذا العالم. في الحقيقة، لولا ذلك الحادث الغامض، لكان يعيش في زمنٍ آخر تحت أشعة الشمس والمطر، يتمم دراسته الجامعية ويكمل حياته بسلام.

لكن قبل ثلاثين عامًا، ظهرت نجمة ساقطة غامضة فجأة، لتسحبه إلى هذا العالم، الذي يُشبه سلالة تانغ الصينية القديمة، وإن كان مختلفًا عنها تمامًا. هناك، أصبح الابن الخامس عشر لعائلة عسكرية عريقة.

وعند وصوله، واجه الخيانة والخوف، وشعر أنه دخيل في عالم لا يمت له بصلة.

ثم وقعت الكارثة… الأشخاص الذين أحبهم، وأولئك الذين أحبوه، ماتوا واحدًا تلو الآخر. عندها فقط استيقظ “وانغ تشونغ” على الحقيقة، وانبعثت فيه روح القتال!

لكن… كان الأوان قد فات!

في هذا العالم، مرّ بتجارب كثيرة. عشر سنوات من التيه أضاع فيها فرصته الذهبية للتدريب في شبابه. لكن وبفضل خبرته السابقة في ألعاب الحرب الاستراتيجية، لفت انتباه كبار قادة الإمبراطورية.

فوهبوه كامل طاقتهم الأصلية، ليصبح القائد الأعلى للإمبراطورية، وحامل آخر أملٍ للسهول الوسطى.

ولكن، رغم كل شيء… كان الأوان قد فات. لقد فاته الكثير، أكثر مما يُمكن تعويضه. وبالرغم من بذله الغالي والنفيس، انتهى به المطاف إلى الفشل!

تملكه الحزن، وأغمض “وانغ تشونغ” عينيه ببطء.

لم يكن يخشى الموت… لكن الوقت لم يحن بعد! كان لا يزال ينتظر.
فشخصٌ ما… إن لم يقتله بيديه، فلن يرتاح حتى بعد موته!

ذلك الشخص هو من تسبب بكل هذا! لولاه، لما ضعفت الإمبراطورية إلى هذا الحد!

شعر “وانغ تشونغ” بالكراهية تتفجر داخله!

ولم يكن هناك ما يطهر قلبه من هذا الحقد إلا الدم!

لكن خصمه كان ماكرًا للغاية. لم يظهر أبدًا للعلن، ولم يجد “وانغ تشونغ” أي فرصة لضربه. إلا أن هذه المرة، عندما جاء إلى هذا الوادي المقفر ليوقع به، علم أنه لن يقاوم رغبته في الظهور.

لقد اختبأ ثلاثين عامًا… لكنه الآن، مع اقتراب النصر، لا بد أن يخرج من الظلال!

“وانغ تشونغ، استسلم! لقد تحدثتُ مع الملك، وإن وافقتَ على الولاء له، فسيعفو عنك!”

فجأة، دوّى صوت من بعيد.

وخلف بحرٍ لا نهاية له من الفرسان الأجانب، برز نصف جسدٍ سمين يتمايل. بدت عليه البهجة، لكن في عينيه كان هناك رعبٌ لا يمكن إخفاؤه.

لم يكن جبانًا، لكن… لا أحد يعلم لماذا كان يخاف هذا الرجل أمامه إلى هذا الحد.
رغم أن “وانغ تشونغ” لم يملك قوةً عسكرية كبيرة، إلا أنه هزم أعداء فاقوه بعشرات الأضعاف.

في بضع سنوات فقط منذ توليه قيادة جيش السهول الوسطى، سقط تحت رايته من الغزاة ما لم يُقتل في عقودٍ من الحروب!

لو لم يكن يخشاه، لما اختبأ كل هذا الوقت.

“خائن!”

حدّق “وانغ تشونغ” إليه، والنار تشتعل في عينيه. لولا وجود شخصٍ من الداخل يتعاون معهم، ويقودهم ويوجههم، فهل كان بوسع هؤلاء الغزاة أن يسحقوا كل هذا في فترة وجيزة؟

كل هذا كان من تدبيره!

“ههه، وانغ تشونغ، يا لك من جنرال حربي حقيقي للسهول الوسطى! من كان يظن أن وريث عشيرة وانغ، الذي عاش عالة على عائلته بانتظار الموت، سيُصبح القائد الأعلى للعالم؟!
آه، لو أن الشيوخ اختاروك قبل ثلاثين عامًا، لما انهارت عشيرة وانغ، ولربما بقيت للسهول أمل!
لكن… فات الأوان!”

ثم ابتسم وقال:

“دعني أعرض عليك نصيحة. أنت رجل موهوب، والإمبراطور مستعد لتحويلك إلى واحدٍ منا. ما رأيك؟”

لكن “وانغ تشونغ” لم يُعره أي اهتمام.

“كانغيا لووشان!!!”

صرخ باسمه بصوتٍ انبعث منه حقدٌ يمكن أن يُمزق السماء.
لقد أتى اليوم أخيرًا. لم يستطع هذا الوغد مقاومة الظهور في نهاية المطاف.

“ستموت معي ومع سلالة تانغ العظيمة!”

وسط اهتزاز الأرض، انطلقت أشعة مهيبة من رمح “وانغ تشونغ”.
وفي لحظة، بدا وكأن شمسًا جديدة قد وُلدت في السماء، تعمي الأبصار!

“تراجعوا! تراجعوا!”

صرخت الجيوش الأجنبية، وقد استبد بها الخوف بمجرد رؤيته.
تراجعوا كالموج المنكسر.

“احموا السيد العرّاف!”

صرخ أحد القادة، وسرعان ما تجمع حول “كانغيا لووشان” العديد من كبارهم، مطلقين حلقات ضوءٍ ونيرانٍ سوداء.

لكن… فات الأوان!

بوم!
شعاعٌ من النور، ساطع كالمستعر الأعظم، هبط من السماء.
ألوان السماء تشوهت تحت وهجه، وفي لحظة، غمر الضوء مئات من المقاتلين الأجانب!

“أنت…!!!”

صرخة حادة مليئة بالألم، تبعتها نظرة فزع في وجه “كانغيا لووشان”، قبل أن يُحترق تمامًا، ويتحوّل إلى رماد!

حتى في لحظة موته، لم يتخيل أن “وانغ تشونغ” سيفجر كل قوته لقتله، رغم أنه على حافة الهلاك!

حاول المقاومة… لكن رمح “وانغ تشونغ” لم يكن شيئًا يمكن صده!

“أخيرًا، لقد نجحت!”

تفجرت فرحةٌ لا توصف في قلب “وانغ تشونغ”!

“أبي… أمي… وكل أرواح السهول الوسطى… يمكنكم أن ترتاحوا الآن!”

ورغم أن الموت كان يتجه نحوه بسرعة، إلا أن “وانغ تشونغ” اكتفى بابتسامةٍ خافتة، وهو يحدّق بهدوء نحو آلاف الرماح المشتعلة التي تتجه إليه.

بوم!
في اللحظة الأخيرة، فجّر “وانغ تشونغ” مركز طاقته، ساحبًا معه آلاف الغزاة إلى القبر ذاته…

يُقال إن لحظات الإنسان الأخيرة تبدو كأنها أبدية… لكنّ ذلك كان كذبة.

ابتسم “وانغ تشونغ” ابتسامة حزينة… لكن قلبه كان ساكنًا.

لقد تحرّر أخيرًا من عبئه بعد كل هذه السنين. ومع ذلك، كان في قلبه ألم لا يوصف.

في تلك اللحظة، فكّر في جده… وعمّه… ووالديه… وأخويه الأكبر، وأبناء عمومته، و…

“لو أنني لم أكن عنيدًا حينها!”

“لو أنني استيقظت في الوقت المناسب، ووقفت لأحمي عائلتي ووطني بموهبتي العسكرية!”

“لكن… فات الأوان!”

لقد رحل كل من أحبهم، وكل من أحبوه.

“لو أنني أُعطيت فرصةً أخرى… لكنتُ إنسانًا أفضل!”

لكنها كانت أمنية متأخرة!

من هذه اللحظة، ستُصبح السهول الوسطى الصينية أرض صيدٍ للغزاة.
وبعد ألف عام… هل سيعرف أحدٌ بوجود شعب يُدعى يانهوانغ؟
أو إمبراطورية عظيمة اسمها “تانغ”؟

شعر “وانغ تشونغ” بالندم، والحزن، والمرارة.

«هذا ليس ما ينبغي أن يحدث! ——»

انهمرت دموع الندم من عيني وانغ تشونغ. لو أُتيح له أن يبدأ من جديد، ليعوّض عن كل ما يشعر به من ندم الآن، لكان مستعدًا لأن يضحي بكل شيء! بكل ما يملكه!

بوووم!

في اللحظة التي خطرت فيها هذه الفكرة في ذهن وانغ تشونغ، دوّى في أعماق السماء صوت رعد هادر. وقبل أن تنطفئ آخر ومضة من حياته، حين خيّم الظلام على كل شيء، أبصر وانغ تشونغ فجأة شهابًا يسقط من السماء.

هذا… أليس هذا هو الشهاب الذي جلبني إلى هذا العالم؟

【تم تنشيط المستخدم. تفعيل “قوة المصير”!】

رنّ صوت ميكانيكي خالٍ من أي مشاعر قرب أذنه، كما لو أنه انبثق من العدم.

«ابن القدر! إنه ابن القدر! أوقفوه! ——»

في العتمة، تعالت فجأة صرخات مرعوبة من فرسان أجانب لا يُعدّون. ما الذي يمكن أن يُرعب كائنات أجنبية لا تخشى الموت إلى هذه الدرجة؟!

لكن وانغ تشونغ لم يكن يعلم شيئًا من ذلك. وسط الظلام الدامس، غاص تمامًا في العتمة.

«لماذا يُطلق عليك اسم “المتجاوز”؟»

ربما كانت لحظة، وربما كانت دهرًا بأكمله، لكن صوتًا فضوليًا أيقظ وانغ تشونغ من سباته. بدا الصوت بعيدًا وقريبًا في آنٍ معًا، رقيقًا كأجراس فضية، تحمل نبرته براءة وطفولة.

وكأن حجرًا أُلقي في بحيرة ساكنة، بدأت تموّجات تتسرب إلى وعي وانغ تشونغ.

من؟ من صاحب هذا الصوت؟

ألم يقولوا إن الإنسان يتحول إلى عدم بعد موته؟ فلمَ لا يزال يسمع؟ هل يمكن أن يكون هذا… مجرد وهم؟

همف!

في اللحظة التي كان فيها وانغ تشونغ غارقًا في تأملاته، دوّى بجانب أذنه صوت استياء واضح. وقبل أن يتمكن من الاستيعاب، أحس بشيء يطعن جسده بشدة.

إصبع!

استفاق وانغ تشونغ فجأة على الحقيقة.

هذا غير ممكن! كيف يمكن للوعي أن يملك جسدًا بعد الموت؟

إلا إذا… لم يمت!

وونغ!
ما إن خطرت هذه الفكرة في ذهنه، حتى اجتاحت رأسه موجات كأنها أمواج البحر العاتية. حاول فتح عينيه بصعوبة، وسرعان ما غمرهما ضوء ساطع.

أضاء الظلام الذي أمامه. وعلى مسافة قريبة، أبصر فتاة صغيرة في العاشرة من عمرها تحدّق إليه بغضب.

«قلت لك ألا تتجاهلني!»

طعنت الفتاة الصغيرة صدر وانغ تشونغ بإصبعها النحيف من جديد.

«أختي الصغيرة؟!»

لم يصدق وانغ تشونغ ما يراه. كانت الفتاة ذات حاجبين على هيئة الهلال، وعينين لامعتين، وبشرة بيضاء يميل لونها إلى الاحمرار. ترتدي سروالًا جلديًا أحمر فضيًا، وتبدو كأنها تمثال من اليشم.

لكن الجديلتين على رأسها، المنتصبتين نحو السماء، كانتا دليلاً على طبيعتها المشاكسة. من غيرها يمكن أن تكون سوى أخته الصغرى؟

لكن… ألم تكن أخته الصغيرة قد…

نظر إليها وانغ تشونغ بذهول. عقله لم يستوعب ما يحدث للحظة.

ألم يمت بالفعل؟
تذكر بوضوح أنه، في آخر لحظة، ولقتل كانغيا لووشان، اندفع إلى قلب جيش من الفرسان الأجانب لا يُعدّون. كيف له أن يرى أخته الصغيرة الآن؟

والأدهى، أن أخته بدت صغيرة جدًا. هذا بلا شك كان شكلها حين كانت في العاشرة من عمرها، وهو يكبرها بخمس سنوات فقط. فإذا كانت هي في العاشرة، فهذا يعني أنه…

رفع وانغ تشونغ ذراعيه، فرأى ذراعين نحيليْن وبيضاويْن. لم يكونا كما يتذكرهما.

في تلك اللحظة، خيّمت الصدمة عليه.
هل يعقل أنه… قد عاد إلى الحياة؟

تملّكته مشاعر مختلطة من فرح وقلق، لكن الخوف طغى على كل شيء.

«أختي الصغيرة، اقرصيني.»

قال وانغ تشونغ فجأة.

وما إن خرجت الكلمات من فمه، حتى رأى يدًا صغيرة بيضاء وناعمة تمتد نحوه. حول هذه اليد، بدت تموّجات بيضاء خافتة.

لكن تلك التموجات لم تكن تتبدد في الهواء، بل تتجمع حول يدها، كأنها فولاذ! كان تأثيرها قويًا ومهيبًا.

«المستوى التاسع من طاقة الأصل!»

انقبض قلب وانغ تشونغ بشدة. تلك الهالة البيضاء كانت علامة على أن من يمتلكها خبير في المستوى التاسع من طاقة الأصل! كيف نسي أن أخته كانت تتمتع بموهبة خارقة منذ طفولتها، وكانت تُعرف بـ«المحاربة الجبارة» ذات القوة التي لا تُضاهى؟

لقد اختار الطريق الخطأ ليوقظ نفسه!

«أختي، لا…»

تغيرت ملامحه بسرعة، وسارع إلى إيقافها، لكن الأوان كان قد فات.
كاشا! شعر وكأن عظمه الرقيق قد تصدّع.

«آيوه! أختي الصغيرة، اتركي يدي!»

عند سماع أنينه، بدت الفتاة محرَجة قليلًا، ومدّت لسانها بسخافة وسحبت يدها الصغيرة بتردد.

«أخي، لا يمكنك أن تلومني على هذا. أنت من طلب مني ذلك.»

قالت وهي تخرج لسانها، دون أن يُظهر صوتها أي ندم.

ابتسم وانغ تشونغ بمرارة. أجل، هذه تمامًا هي أخته الصغرى كما يتذكرها. تلك الموهبة الخارقة، وتلك القوة الجارفة، لا يستطيع أحد تحملها.

ورغم الألم الذي كان يشعر به في ذراعه، كان قلبه يغمره الفرح. لقد استطاع أن يرى، ويشعر، ويتألم…
هذا ليس وهماً. إنه حيٌ حقًا!

«هل استجابت السماء لتوسلي؟»

امتلأ قلب وانغ تشونغ بعواطف لا تُعدّ ولا تُحصى.

قالت أخته فجأة، بينما عبست بوجهها:

«أخي الثالث، لا أريد أن أكون كثيرة الكلام، لكن يجب ألا تصاحب ذلك الحقير ما تشو. ذلك الوغد ليس شخصًا صالحًا. جعلك تتعرض للتوبيخ من الأب، وهناك من يقول إنك اعتديت على فتيات القرية! هل يحتاج أخي الثالث إلى اغتصاب فتيات القرية؟ ذلك النذل! لو رأيته سألقنه درسًا! سأضربه كلما لمحت وجهه!»

دوّى صوت الطقطقة من قبضتيها، واضحًا أن الغضب الذي تكنّه في قلبها ليس بالأمر الهين.

«أختي…»

حين سمع نبرة الصدق في صوت أخته، شعر وانغ تشونغ بوجعٍ في قلبه. تأثر بشدة، واحتضنها بقوة.

كانت هذه أخته الصغيرة، الأخت التي كانت تحبه بصدق. لكن يا للأسف، لقد كان أحمقَ جدًا في الماضي، ولم يفهم مشاعرها حتى خسرها… وندم أشد الندم.

طالما أن السماء منحته فرصة أخرى، فلن يسمح لأخته بأن تمر بما عانته في حياتها السابقة!

«أختي الصغيرة، شكرًا لكِ. لكن لا حاجة لأن تتدخلي. سأهتم أنا بنفسي بذلك الحقير ما تشو.»

قال وانغ تشونغ بصوت هادئ.

فوجئت وانغ ياو-إر، ورفعت رأسها من بين ذراعيه، وعيناها الكبيرتان انعكستا في عينيه بدهشة.
أخيها الثالث بدا مختلفًا اليوم.

فهو عادة ما يعيش بإهمال، ويخالط أصدقاء السوء، ولم يكن من النوع الذي يقول مثل هذا الكلام.

«حسنًا، أخي الثالث، لم تجبني بعد! ما معنى المتجاوز؟ ماذا يعني ذلك؟ لم أسمع بهذا الاسم من قبل!»

تذكّرت فجأة سؤالها الأول، وحدّقت إليه بعينيها الكبيرتين المليئتين بعلامات الاستفهام. تحدثا طويلًا، لكنها لم تنل إجابة عن ما أرّقها من البداية.

كانت تشعر بخيبة أمل شديدة من تجاهله لسؤالها.

«هذا——»

رغم جلده، لم يستطع وانغ تشونغ إلا أن يحكّ أنفه خجلاً عندما سمع كلماتها.

مصطلح “المتجاوز” كان قد أطلقه على نفسه عندما وصل إلى هذا العالم أول مرة. حينها، كان ممتلئًا بالغضب، وكل شيء حوله بدا غريبًا، لا يعرف أحدًا هنا، وشعر وكأنه دخيل مؤقت، مجرد فقاعة عابرة.

في تلك اللحظة، ظهرت هذه الفتاة الصغيرة العنيدة ذات الجديلتين، تناديه: «أخي الثالث». ومن باب المزاح، قال لها أن تناديه “المتجاوز”.

لكن أخته الصغيرة صدّقت المزحة! ومنذ ذلك الحين وهي تلاحقه بالسؤال عن معنى الكلمة. والآن، بعد كل هذا، ها هو يواجه تلك اللحظة المحرجة.

«هممم، المتجاوز يعني الرجل الوسيم!»

«رجل وسيم؟!» اتسعت عيناها دهشة.

«يعني شابًا جذابًا!»

ضحك وانغ تشونغ بحرارة.

«أخي، لقد كذبت عليّ!»

انفجرت غضبًا. رغم صغر سنها، لم تكن ساذجة لهذه الدرجة.

«أختي، تذكرت أن والدي سيعود قريبًا! عليكِ أن ترجعي بسرعة! إن تم الإمساك بك هنا، ستقعين في ورطة!»

كان وانغ تشونغ يتصبب عرقًا بغزارة، فبادر على عجل إلى تغيير الموضوع. شقيقته الصغرى كانت بريئة وسريعة التصديق، لكن لو أدركت أنه كذب عليها، فإن قوتها المرعبة ستلقنه درسًا لا يُنسى.

“همف!!”

كانت وجنتاها محمرتين ومنتفختين من الغضب، مما أظهر بوضوح أنها لا تزال غاضبة. كانت صغيرة، نعم، لكن من الواضح أنها لم تُخدع بسهولة. فقد أدركت أن شقيقها لم يكن صادقًا معها.

بشيء من المراوغة والخداع، تمكن وانغ تشونغ أخيرًا من إقناعها بالمغادرة. ومع ذلك، بقيت غاضبة ومتأففة عند خروجها.

قالت قبل أن تغادر:
“أبي سيعود بعد قليل. أمي طلبت مني أن أُذكّرك بأن تتوجه إلى القاعة الكبرى لتناول الطعام لاحقًا!”

دوّي!

بمجرد أن نطقت بتلك الكلمات، شعر وانغ تشونغ وكأن صاعقة رعدية قد هوت على رأسه، فارتعد جسده فجأة.

غادرت شقيقته الصغرى الغرفة وهي تخطو خطوات ثقيلة غاضبة.

مدّ وانغ تشونغ يده إلى جبهته، فوجد كفه مبللًا بالعرق البارد. لقد ظن حقًا أنها تسللت دون أن يلاحظها أحد. حتى إن كانت قد نجحت في تجاوز والده، فليس من السهل أبدًا أن تفلت من عين والدته الثاقبة!

لكنه لم يتفاجأ حقًا، فبقدرات شقيقته تلك، من المستحيل أن تهرب من “جبل الملك ذي الأصابع الخمس!”

بعد مغادرة شقيقته، أغلق وانغ تشونغ الباب واتكأ على الحائط، ورفع وجهه قليلاً لينظر إلى سقف الغرفة العالي. شيئًا فشيئًا، استعاد ملامحه هدوءها.

ما حدث اليوم كان غريبًا جدًا… وكان بحاجة إلى بعض الوقت ليتأمله.

كل ما جرى في لحظة موته مرّ أمام عينيه، وتدريجيًا، بدأت صورة الشهاب الذي رآه تتضح. ذكريات بعيدة، كان يظن أنه نسيها منذ زمن، ظهرت فجأة بوضوح في ذهنه.

تذكّر وانغ تشونغ بجلاء أنه في عام 2022م، على كوكب الأرض، لكن في كونٍ موازٍ، وفي يومٍ صيفي حار، كان يسير في الشارع حين سقط شهاب من السماء عليه مباشرة. ومن تلك اللحظة، نُقل إلى هذا العالم الغريب.

حين انتقل إلى هنا، كان يظن أنه سيحظى بشيء من “امتيازات المتنقلين بين العوالم”، لكنه عاش حياة عادية تمامًا… حتى لحظة موته. باستثناء كونه ابنًا لأحد الجنرالات، لم يكن هناك ما يميّزه عن أي شخص آخر.

ذلك الشهاب ظل لغزًا. لم يجلب معه أي معجزات، سوى نقله إلى هذا العالم البعيد الغريب.

لكنه لم يكن يتوقع أن يظهر مجددًا في لحظة موته.

“هل كان ذلك بدافع الغضب؟ أم من شدة الندم؟”
راح وانغ تشونغ يتأمل.

لكن، مهما يكن، لقد عاد. فعليًا عاد إلى هذا اليوم قبل ثلاثين عامًا!
في هذه السنة، كان يبلغ الخامسة عشرة، بينما كانت شقيقته في العاشرة من عمرها.

لقد كان عصر ازدهار وقوة لـ”السهول المركزية”!

لا في عهد أسرة تشين، ولا في عهد أسرة هان، بلغ اتساع أراضي أي سلالة ما بلغته هذه السلالة العظيمة.
من بحر الشرق إلى مرتفعات الغرب، ومن الأقاليم الجنوبية إلى جبال يين في الشمال، كلها كانت ضمن نطاق نفوذ الإمبراطورية.

بقوة جيشها البالغ ستمئة ألف مقاتل، كانت سلالة “تانغ العظمى” تحكم السهول المركزية بقبضة من حديد، وتُخضع جميع البلدان والقبائل الأجنبية لأوامرها.
علاوة على ذلك، كان جيشها يضم عددًا لا يُحصى من القادة الموهوبين، وكان يُطلق عليه لقب:
“ضياء مئة جنرال”.
حتى قبائل “الهُو” ركعت أمام هذه الإمبراطورية العظيمة.

في غضون عشرات السنين فقط، اتسعت أراضي الإمبراطورية بلا توقف حتى وصلت إلى حجمها الحالي.

دون أدنى شك… كانت هذه الإمبراطورية قلب العالم.

الحقبة التي بلغت فيها السهول المركزية أوج عظمتها.

لذا، كان أهل السهول يطلقون على الحاكم في القصر لقب “الإمبراطور الحكيم”، وكان الجميع يفتخر بانتمائه، وينتشر التباهي والغرور في الأرجاء.

لكن، على عكس الآخرين، كان وانغ تشونغ يعلم أن خلف هذا الوهج الزائف من القوة، كانت هذه الإمبراطورية المزدهرة تسير بثبات نحو الهاوية.

تحت ستار الازدهار والسلام، كانت المخاطر تحدق بالإمبراطورية من كل جانب.

في المرتفعات الغربية من سلالة تانغ، كانت يو-تسانغ تزداد قوة بسرعة.
وما بعد ذلك بقليل، سقطت الخلافة الأموية، وظهرت مكانها الخلافة العباسية التي رفعت العالم العربي إلى ذروة قوته.

وفي الشمال الشرقي، كان يون غايسومون يدرب الجنود ويشتري الجياد.
أما في الجنوب، فـ”إرهاي” كانت تتحرك في الخفاء.

كل أنواع المخاطر كانت كامنة، تنتظر لحظة الانفجار.

لكن من ناحية أخرى، كانت “تانغ العظمى” لا تزال غارقة في وهم الازدهار.
كانوا يجهلون تمامًا حجم التهديدات المحدقة بهم. بل إن بعض علماء الكونفوشية كانوا يحاولون إقناع البلاط الإمبراطوري بسحب الجيوش ورد الأراضي لأصحابها، معتقدين أنهم قد ينالون سلامًا أبديًا مع البرابرة عبر الفضيلة!

لقد كان ذلك مشهدًا غير مسبوق في تاريخ الحماقة العسكرية:

نمرٌ يخلع مخالبه، وذئبٌ يقتلع أنيابه!

بعد أربع سنوات فقط، حين اجتاح البرابرة الجشعون الأراضي، وانطلقت الكارثة المدمرة، وجدت السهول المركزية نفسها عاجزة عن الرد.

في غضون أربع سنوات، انفجرت جميع تلك الأخطار الكامنة من كل الجهات!
وفي النهاية، سقطت هذه الإمبراطورية العظيمة والمزدهرة بالكامل.

الوطن الذي أحبه دخل مرحلة الانحدار خلال أربع سنوات فقط وتفتّت.
وبالتالي، سقطت عائلة الجنرالات القوية في الوحل، تكافح لتبقى واقفة.

لقد عاش حياته السابقة تائهًا، ولم يستيقظ إلا بعد فوات الأوان.
أما الآن، في هذه الحياة الجديدة، وبما يحمله من ذكريات وتجارب… فلن يسمح بتكرار نفس المصير!

لطالما تأمل في أسباب انهيار تلك الإمبراطورية العظيمة خلال فترة قصيرة.
ولو تمكّن من تنفيذ الخطط التي وضعها بعد ثلاثين عامًا، فربما كان بوسعه إنقاذ سلالة تانغ من السقوط.

لكن، قبل كل شيء، عليه أن يمنع الحدث الخطير الذي سيقع داخل هذه العائلة أولًا.
شقيقته الصغرى، شقيقه الأكبر، والده، والدته، بل وحتى كامل عشيرة وانغ… الجميع سيتأثر بذلك الحدث.

ذلك الحدث كان البداية لانحدار عشيرة وانغ، حتى سقطت دون أن تنهض مجددًا.

ومن بعده، بدأت سلسلة من المآسي، رحل فيها من يحبهم ويحبونه، واحدًا تلو الآخر.

كل ذلك جرى بعد فترة قصيرة من انتقاله إلى هذا العالم.

لكن حينها، كان لا يزال جاهلًا.
أما الآن، فقد عزم على تغيير كل شيء!

كيف لمن أراد اجتياح العالم أن يعجز عن إصلاح منزله؟
وكيف لبيضة أن تبقى سليمة في عشٍّ مهدم؟
إن لم ينقذ عائلته أولًا، فكيف له أن يُنقذ العالم؟

لا، مهما كلف الأمر، عليه أن يمنع حدوث ذلك!

بهذه الأفكار الجارفة في ذهنه، دفع وانغ تشونغ الباب وخرج…
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

مصطلحات:
سهول الصين الوسطى: قلب الحضارة الصينية.

زهرة الإبيفيلوم: مجاز للجمال العابر.

ذرية يانهوانغ: إشارة للأصل الأسطوري للصينيين.

جبل الملك ذي الأصابع الخمس: مجاز لاستحالة الهروب من القدر.

الولايات الجنوبية: شمال فيتنام قديمًا.

الهُو (Hu): مصطلح للقبائل الأجنبية.

يو-تسانغ: الاسم التاريخي للتبت.

إيرهاي: منطقة مملكة دالي قرب بحيرة إيرهاي.

لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط