الفصل 796: الاحتمالات
توجّب على رئيس النقابة برادت الاعتراف بأن هذه واحدة من أكثر الرسائل ابتكارًا التي قرأها في حياته بأكملها. فقد شكّلت حقًا تجربة بحد ذاتها.
واشتبهَ في تعمّد كاتب الرسالة جعلها على هذا النحو، فقد أمكنه أن يكون أكثر صرامة وجفافًا بشأن هذا الأمر، لكنه اختاروا ألا يفعلوا ذلك. إذ تعمق في الكثير من الشروط والعروض الأخرى، لكنه أضاف بخفة العرض الأكثر صدمة في الرسالة بأكملها. والمتمثّل في عرض خريطة مفصّلة لزنزانة شيونيل تمتاز بدقة وضبط عاليين، على حد زعمه.
ولم يقتنع بعد بصحة هذا الادعاء. ومع ذلك، وإن صح الأمر، فلا توجد سوى طريقة واحدة تجعل مثل هذا الشيء حقيقيًا.
“تقنية فنون قتالية، همم؟” فكر في نفسه.
يُمثّل هذا أحد أكثر الأمور إحباطًا عند محاولة التنبؤ بمستقبل الحضارة كتاجر. فبينما امتلك القدرة على تقييم الاتجاهات الاجتماعية، والثقافية، والتجارية، والاقتصادية، وحتى التكنولوجية إلى حدٍ ما، إلا أنه امتلك بصيرة ضئيلة جدًا فيما يتعلق بالاتجاهات القتالية.
ويعود ذلك إلى كون الفنون القتالية، كمجال وقطاع، أكثر عرضة للتأثر بالتأثيرات الفردية من أي مجال سعي آخر موجود حاليًا. إذ يُعد مجالًا حصريًا للغاية يمنع الدخول والفهم لأولئك غير المستحقين لدخول عالم المسارات القتالية هذا.
وعلى عكس مجالات العلوم، حيث يُرفع التقدّم العلمي عمومًا بواسطة المجتمع العلمي ككل، بدا من الأسهل بكثير على ممارس الفنون القتالية إحراز تقدم جذري من خلال تطوير تقنية قوية ذات قابلية انتشار عالية، مما يهز الاتجاهات القتالية فجأة.
تمكن من النظر إلى المجالات العلمية وإجراء قياسات أكثر دقة لاتجاهاتها ببعض الاستشارة، ولكن لا يمكن قول الشيء نفسه عن الفنون القتالية. وأحيانًا يخلد إلى النوم خائفًا من تطوير سيد قتالي لتقنية ثورية تسمح بالنقل الفوري عبر مسافات بعيدة.
ولم يمتلك أي مؤشر على استبعاد مثل هذا الأمر بشكل خاص، إذ لا يسعه سوى التعامل معها عند حدوثها.
وفي هذه الحالة، فإن الثقة المطلقة التي أعلن بها هذا الفرد تحديدًا قدرته على توفير خريطة عالية الدقة والضبط لزنزانة شيونيل، ستستند على الأرجح إلى تقنية فنون قتالية، وليس من خلال الوسائل التقليدية. ولا يزال هذا يفترض وجود حقيقة في هذا الادعاء، وأنه لا يُمثل أكاذيب ملفقة وهراء.
[أود ترتيب اجتماع في الحلقة الداخلية لبلدة حلقة المغامرين. وتحديدًا، في مكتب النقابة رقم اثنين وثلاثين، في الساعة التاسعة مساءً من اليوم الأربعين من الشتاء. وسأقدم لك دليلًا على هويتي كـ “الفويدر”، ودليلًا على ادعاءاتي بشأن الخريطة.]
عبس رئيس النقابة عند سماع ذلك التاريخ. فقد تميز ذلك التاريخ بكونه بعد خمسة أيام من الآن، وصادف أيضًا اليوم الذي سيحاول فيه الفرسان القتاليون الأصليون التابعون لجيش شيونيل مداهمة أحدث طابق مُكتشف، وهو الطابق الثالث عشر من زنزانة شيونيل.
علاوة على ذلك، جُدوِل وقت الاجتماع بعد دخول العديد من المغامرين من الفرسان القتاليين التابعين لاتحاد شيونيل إلى الزنزانة.
لم يتمالك رئيس النقابة برادت نفسه من الشعور بالريبة. كما لاحظ أن موقع الاجتماع استبعد بالضرورة وجود كبار قتاليين، نظرًا لعدم تمكّنهم من التواجد في أي مكان قريب من زنزانة شيونيل. وربما بدا هذا متعمدًا وسببًا لاختيار موقع الاجتماع، حيث سيقبض عليه الكبار القتاليون بوضوح، وسيحظى رئيس النقابة برادت بميزة ساحقة في أي اشتباك يتوصلون بعده إلى اتفاق.
“ذكي…” ضيّق عينيه.
يُعد هذا أمرًا جيدًا لأنه يشير إلى كفاءة الشخص، مما يعني أن احتمالية فشل أي مسعى من هذا القبيل منخفضة جدًا. ومع ذلك، لم يبدُ جيدًا من حيث صعوبة فرض اتفاق يكون مفيدًا له بشكل غير متناسب. ورغم ذلك، مثّل الأمر شيئًا إيجابيًا بشكل عام. إذ يفضّل دائمًا التعامل مع شخص ذكي وكفء بدلًا من أحمق مهمل، خاصةً عندما يلعب الشخص الذي يتعامل معه دورًا بالغ الأهمية في كل هذا.
“همم…”
لم يمتلك خيارًا سوى الذهاب، خاصة مع ضمان إثبات الهويات وإثبات خريطة الزنزانة. وخاصةً الأمر الأخير، فلم يستطع مطلقًا السماح بخريطة الزنزانة أن تفلت من بين يديه تحت أي ظرف من الظروف مهما كان.
ورغم ذلك، وجبَ عليه القيام ببعض الاستعدادات، لذا قدّر الأيام القليلة المتاحة له قبل الاجتماع. كما توجّب عليه مراجعة العديد من الاعتبارات أيضًا.
على سبيل المثال، ألا يمكنه ببساطة القبض على “الفويدر” بالقوة في ذلك الاجتماع؟
صحيح أن “الفويدر” بدا قويًا بوضوح لاجتيازه الطابق الثاني بمفرده، ولكن، هل يمكنه حقًا التعامل مع عدد هائل من الفرسان القتاليين خارج الزنزانة؟
ربما لا.
في هذه الحالة؟ ما الذي سيمنع رئيس النقابة برادت باتريك من القبض عليه حينها وهناك بمجرد تأكيد هويته بموجب تُهم التهرب الضريبي، والاقتحام، والدخول إلى مكتب رئيس النقابة بشكل غير قانوني؟
عندها سيمكنه استخدام كافة أشكال الإقناع لاستغلال “الفويدر” كما يشاء. ألا يُمثّل ذلك مسارًا أقل خطورة؟ بدلًا من الوثوق بشخص غريب عشوائي في الوفاء بوعده، والتأكد من تصرفه بحذر وعناية في جميع الأوقات.
لم يُبدِ معارضةً لاتخاذ مثل هذه الإجراءات، وبالتأكيد ليس لأسباب أخلاقية. فقد سار فوق جبل من الجثث، التي تحمّل مسؤوليتها، ليصل إلى ما وصل إليه الآن، ولم يمانع إضافة جثة أخرى إلى القائمة إن لزم الأمر.
إن لزم الأمر، بالطبع. وبصراحة، اعتمد الأمر كليًا على “الفويدر”. فإذا تبيّن وصول “الفويدر” شخصيًا دون أي تدابير مضادة لمثل هذه النتيجة المتوقعة، مال رئيس النقابة “برادت باتريك” إلى أسره حيًا بدلًا من السماح لمثل هذا الأحمق بالتجول بحرية.
ومع ذلك، فإذا تبيّن أخذهم لهذه الاحتمالية في الحسبان تمامًا، فسيصبح أكثر موثوقية ومصداقية في عينيه.
اللَّهُمَّ ثَبِّتْنِي وَاجْعَلْنِي هَادِيًا مَهْدِيًّا.
دَلَّ عَلَيْهِ دُعَاءُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِجَرِيرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
(البخاري)
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.