شق «هو» طريقه نحو غرفة المعيشة، خاطيًا على الزجاج المكسور.
ومع اقترابه، تدلى فهمى من الذهول.
بدا وكأن ذلك المخلوق هو تجسيد للموت نفسه. لو كنت محاطًا بالضباع، لربما اعتقدت أن لديَّ فرصة للنجاة، لكن عند النظر إلي المخلوق أمامي، علمت أن النجاة من هذا الشيء مستحيلة.
كان جسده ذو لون أسود قاتم، ولامعًا في الوقت ذاته، كما لو كان مغطى بالزيت. رغم نحافته، إلا أنه لم يبدو ضعيفًا على الإطلاق؛ بل العكس، بدا وكأنه مليء بالعضلات.
وما زاد روعي هو وجهه الذي خلت ملامحه، إذ لم يكن فيه سوى فم وحيد قادر على ابتلاع كل شيء.
استحوذ عليَّ رعب الموت. كل جزء فيَّ استجدى للهروب. عقلي صرخ فيَّ لأبتعد، لكن جسدي ظل مشلولًا. كان الوضع معكوسًا تمامًا عما حدث سابقًا. اقترب المخلوق مني حتى صار وجهه قريبًا من وجهي، وفتح فمه على اتساعه.
‹هل سيصرخ مجددًا؟… أم سيأكلني؟›
فقدت القدرة على السمع. أصدر المخلوق صوتًا حادًا؛ مما تسبب في طنين أذني، وكأنه عد تنازلي لموتي.
*خطوة، خطوة*
وقبل أن يتمكن من قضم عنقي، انصرف انتباهه فجأة نحو غرفة النوم. تابعت نظرته لا إراديًا. لم أستطع سماع ما يحدث، لكن رأيت مقبض الباب يتحرك. سو يون حاولت الخروج.
«سو يون، لا!»
لم أكن متأكدًا مما إذا كنت قد نطقت باسمها بصوت مسموع؛ لأن أذنيَّ كانتا على وشك الصمم، لكنني كنت واثقًا من أنها تحاول الخروج. لم أستطع حتى تخيل ما قد يحدث إذا خرجت في تلك اللحظة. تمالكت نفسي ورفعت الممسحة المتآكلة. ممسكًا بسلاحي البدائي، توجهت مباشرة نحو عنق المخلوق.
*طعنة!*
أصبت عنقه مباشرةً. رغم أن طرف الممسحة كان غير حاد، إلا أنه كان من المنطقي أن تخترق عنق المخلوق. لكن، ورغم بذلي قصارى جهدي في تلك الطعنة، إلا أن الممسحة مرت بجانب رقبته دون أن تخترقها. أو بالأحرى، ارتدت عن عنقه. بدا وكأن جلده شديد السُمك، أشبه بدرع.
‹هل خارت قواي تمامًا؟… أم أن قوتي لا تكفي؟›
التفت المخلوق نحوي فورًا بعدما أدرك نواياي. وما إن رآني ممسكًا بالممسحة في يدي حتى اشتعل غضبًا. فتح فمه مجددًا وضرب الممسحة من يدي بقوة، فشعرت بيدي اليمنى تنخلع من مفصلها.
«ماذا؟!»
اتسعت عيناي من الصدمة حين رأيت ذراعي اليمنى المكسورة.
‹هذا مرعب.›
تملكني الخوف، لكن حتى في تلك اللحظة، لم أفكر إلا في شيء واحد:
‹أرجوكِ سو يون، ابقي في الداخل!… لا يمكنكِ الخروج الآن!›
لكنني لم أتمكن من نطق تلك الكلمات بصوتٍ عالٍ. فقد كان وجود هذا الوحش كافيًا لسحق روحي تمامًا، ولم أعد قادرًا على التنفس.
وفي لمح البصر، انقض المخلوق على بطني. حدث كل ذلك في لحظة، فلم تستطع عيناي مواكبة حركته السريعة. صُدمت لدرجة أنني لم أتمكن حتى من الصراخ. كل ما رأيته كان أمعائي وهي تتناثر.
«آااررغه!»
أخيرًا، شعرت بالألم وصرخت. كان الألم لا يوصف، وكأنني أحترق حيًا. لم أستطع التنفس، رأيت نهايتي تقترب.
«لا! آااارغه!»
بدأت أصرخ بكلمات غير مفهومة، عاجزًا عن تفسيرها. بذلت ما بوسعي للنجاة، فضربت رأسه وحاولت إبعاده عني. لكن كلما قاومت أكثر، شعرت باستنزاف قوتي أكثر حتى خارت جميع قواي.
‹أنا… لا أستطيع الموت.›
حتى وأنا على حافة الموت، لم أستطع التخلي عن الأمل في النجاة. صرخت وبكيت من أجل الحياة العزيزة، والدموع والمخاط يغطيان وجهي. حتى بعد رؤية أمعائي تتساقط، لم أستطع الاستسلام. ليس لأنني أردت أن أعيش.
‹إذا مت، فمَن سيرعى سو يون؟ كيف ستكون حياتها من بعدي؟›
كنت قلقًا من أن هذا الوحش سيتوجه إلى سو يون بعد انتهائه مني. لم أستطع التوقف عن تخيلها وهي تعاني نفس المصير الذي كنت أمر به. وبينما ينزف الدم مني بغزارة، مددت يدي نحو سكيني. لن أموت وحدي. لم أستطع ترك وحش كهذا يعيش. مع آخر ما تبقى من قواي، وجهت له ضربة أخيرة مستهدفًا رأسه.
*اختراق!*
طعنت السكين في جمجمته بكل ما أملك من قوة. كنت متأكدًا أنني أصبته هذه المرة.
وكانت هذه الضربة الأخيرة لي. لكن مما أثار رعبي، لم تُحدث الطعنة سوى خدش صغير. شعرت باندفاع دمي إلى رأسي، وبدأ جسدي يبرد تدريجيًا. تدفق الدم في حلقي حتى بدأ يخرج من فمي. وبينما أفقد وعيي تدريجيًا، ظللت أكرر نفس العبارة:
«لا…تخرجي… لا…»
*نبض!*
نبض قلبي بجنون، كأنها المرة الأخيرة التي سينبض بها. لم أعد أرى ما أمامي. أدركت أنني ألفظ آخر أنفاسي. بدأت أفقد الوعي ببطء.
‹لماذا لا أستطيع التنفس؟ كيف كان يتنفس المرء مجددًا؟›
لم أستطع التنفس. شعرت بأنني أسقط في الهاوية. لم أستطع مقاومة الجاذبية التي تسحبني للأسفل.
* * *
فتحت عينيَّ ببطء وحدقت في الفراغ فوقي. تساءلت كم من الوقت مضى. حدقت بشرود في سقف غرفة المعيشة. بدا الدفء والضحكات من حولي غير واقعيين. استدرت باتجاه الضجيج، وجذبني المشهد نحو المطبخ.
كانت زوجتي وسو يون هناك. لسبب ما، أثارت رؤيتهما في نفسي شعورًا غريبًا بالحزن. افتقدت هذه الأجواء بشدة؛ زوجتي وابنتي ومثل هذه السكينة.
نهضت وسرت نحو المطبخ. وحينها، أدركت أن هناك خطأ ما. كان هناك جدار زجاجي أمام الطاولة، يحجبني عنهما.
«عزيزتي، عزيزتي!»
حاولت قدر المستطاع مناداة زوجتي، لكن لم يبدو أن أيًا منهما انتبه لي. كانتا غافلتين تمامًا عن وجودي، كما لو أننا في عالمين مختلفين.
بدأت أضرب الجدار بأقصى ما أستطيع، محاولًا جذب انتباههما. آلمتني يديَّ بشدة، لكنني لم أتمكن من التوقف عن الضرب. أردت أن أحطم هذا الجدار؛ لأكون بجوار عائلتي. كلما أصبحت أكثر يأسًا، زادت الدموع المنهمرة من عينيَّ.
«لماذا، لماذا، لماذا؟…»
لم أكن أدري سبب هذا الحزن العميق، لكن ما شعرت به كان بلا شك حزنًا نقيًا. في تلك اللحظة، نظرت سو يون نحوي. بدا وكأنها شعرت بوجودي، وركضت نحوي بابتسامة عريضة. لكن زوجتي أوقفتها. وعند فعلها ذلك، اتخذ وجهها تعبيرًا لم أره من قبل.
امتلأت عيناها بنظرات الكراهية والإشمئزاز والاستياء. حدقت في وجهي بغضب وهمست: «كيف سمحت لنفسك بأن تنهار هكذا؟ كان دورك هو حمايتها!»
شعرت بأن عالمي انهار لحظة سماعي ما قالته.
‹أنا، لم أقم بواجبي؟ لقد خاطرت بحياتي لإنقاذها. والآن تقولين لي إنني كنت غير مسؤول؟ وماذا فعلتِ أنتِ؟ ماذا يمكنني أن أفعل في هذا العالم المدمر؟›
اجتاحني غضب غير مفهوم، وبدأت أصرخ بأعلى صوتي.
«غرررر!»
‹ما… ما هذا الصوت؟ هل أنا من أصدر هذا الصوت؟›
فركت عنقي. لكنني لم أشعر بأي شيء، والأمر نفسه عندما لمست أجزاء مختلفة من جسدي. خفضت رأسي ونظرت إلى بطني.
‹هاه؟›
حينها، اتسعت عيناي بصدمة؛ رأيت أمعائي تتدلى من بطني.
‹ما الذي يجري؟ هل يجب أن أحاول إعادتها إلى مكانها؟ ولكن، هل سيفلح ذلك حتى؟›
عقلي تجمد. اجتاحتني موجة من الخوف والارتباك. ثم صدمني إدراك مفاجئ.
‹هل أنا ميت؟›
«أبي!»
في هذه الأثناء، سمعت صوت سو يون من بعيد، وهي تمسك بيد أمها وتناديني. هدأت وذكَّرت نفسي بهدفي.
‹إنها بحاجة لي، صغيرتي تناديني!›
نهضت ولكمت الجدار الزجاجي بقوة أكبر
«أرجوك انكسر!… هيا!»
«غررر!»
ألقيت بنفسي بقوة على الجدار، محطمًا العقبة التي كانت تفصل بيننا. ثم أمسكت بيدها، لكن ما إن فعلت ذلك حتى بدأت زوجتي تتلاشى.
«أبي!»
ركضت سو يون نحوي كما لو كانت تنتظر أن ينكسر الجدار. احتضنتها وهدأتها.
‹لا بأس يا صغيرتي. بابا هنا.›
لسبب ما، الكلمات التي أردت قولها لم تخرج من فمي. ظللت أحتضنها لبعض الوقت، وأقسمت أنني لن أسمح بحدوث هذا مرة أخرى.
‹لن أتركها أبدًا. أبدًا لن أتركها وحدها مرة أخرى.›
*نبض.*
شعرت وقتها بعودة، نبضي موقظًا روحي من جديد.
* * *
«غرر!»
استيقظت على هديري. متناثرًا ريقي في كل مكان. واصلت التنفس بصعوبة بينما أستعيد وعيي ببطء.
‹هل كنت أحلم؟ أم أنني مازلت على قيد الحياة فعلًا؟›
نظرت حولي ولاحظت قطعًا دامية من الزجاج المكسور متناثرة في جميع أنحاء الأرض.
وضعت يدي على جسدي، متذكرًا ما حدث الليلة الماضية. لا تزال صورة المخلوق الأسود القاتم وهو يمزق بطني عالقة في ذهني. بلعت ريقي ونظرت إلى بطني. ولدهشتي، لم يكن هناك أي شيء خاطئ في بطني. كانت ملابسي ممزقة، وهذا كل شيء. كنت فقط شاحبًا بعض الشيء أكثر من المعتاد.
‹لقد نجوت، هاه؟ أنا نجوت!›
لم أستطع التوقف عن الابتسام. وقفت وشعرت أنني أفضل من أي وقت مضى. تذكرت الألم الذي عانيته قبل فقدان وعيي، ولكن الآن، شعرت وكأنني ولدت من جديد. وبينما كنت منهمرًا في فرحة النجاة، لمعت صورة مألوفة في ذهني.
«سو يون!»
لم أصدق أنني نسيتها. اندفعت نحو غرفة النوم. ولكن فجأة شعرت بشيء طري تحت قدمي. نظرت فورًا إلى الأسفل. لم أتمكن من تحديد ما كان عليه؛ لذا جثوت على ركبتي لآخذ نظرة أقرب.
‹لا شك في ذلك… هذه أمعائي.›
أصبح ذهني فارغًا للحظة، ثم لمست بطني. فحصته بعناية واكتشفت أن يدي سُحبت للداخل، وكأن بطني كان فارغًا. شعرت وكأن معدتي كانت ككرة مطاطية إسفنجية… كانت مجوفة من الداخل. جلدي كان يشبه قطعة لحم مجمدة. حدقت في يدي لبرهة ووضعتها بحذر على قلبي.
«…»
لم أشعر بأي شيء.
‹ماذا يعني ذلك… ألا يعني هذا أن قلبي لا يعمل؟›
‹لحظة… إذا كان الأمر كذلك، فأنا…›
توقفت أفكاري فجأة. لم أستطع استيعاب كل هذا.
‹كيف أتحرك بقلب لا ينبض؟ كيف أفكر حتى.›
تصلب جسدي في مكانه محاولًا فهم ما يحدث.
*طقطقة*
من مكان ما، سمعت صوت مقبض الباب يدور، نظرت نحو غرفة النوم ورأيت الأريكة تعترض طريق الباب.
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.