6 - أكاذيب لأجل الأمل.
《١》
كانت الحيرة تختفي من صدرها المشتعل. لم يعد هناك قلقٌ يشغل ذهنها.
«—وهكذا، انطلق ثلاثة من الحمقى إلى القصر في عربة تجرها تنانين برية حكيمة.»
«إيه؟»
بعد أن انتهت من إخبار إميليا بالتفاصيل، بدا التعب على رام، ووضعت يدها على جبينها.
«إذا كان هذا كل ما تود قوله…»
تفاجأت إميليا قليلًا برؤية رام تعبر عن مشاعرها بوضوح لأول مرة. ومع ذلك، لم يكن تفاجؤها مقتصرًا على رام وحدها، بل امتد إلى الطرق الفوضوية التي يتبعها سوبارو والآخرون أيضًا.
ومع ذلك، فإن ما قاله بشدة ليس مجرد كلمات لطيفة ومزخرفة.
من انحناءة بسيطة في زاويتي عينيه، بدا واضحًا أن كلماته لم تكن تحمل سخرية، بل تعبيرًا عن اهتمام موجه نحو إميليا.
«همم، فهمت ما قلتيه لي… حقًا، إنه لا يُصلح أبدًا.»
ورغم أنه كان يحيك الخطط لإفشال مساعيها، كان يتصرف بنوع من القلق المشوَّه تجاه مشاعرها. ولم يقتصر ذلك على إميليا فقط؛ بل شمل سوبارو، وغارفيل، وكل مَن حوله.
حين طرح عليها سؤاله، وقفت رام باستقامة أكبر، مما دفع روزوال إلى إسقاط كتفيه بإحباط.
تنهَّدت إميليا بعمق، ثم ارتسم على وجهها ابتسامة خفيفة.
وكانت رام تحدق فيها، وقد ضيقت عينيها الورديتين بنظرة تساؤل.
«…»
«هل يعني هذا أن رام تتعاون مع سوبارو وأوتو لأنني طفلة كثيرة البكاء؟»
«… أهذا كل ما لديكِ لتقولي؟»
«أعتقد ذلك؟ آه، بالطبع، مغادرته من دون أن ينتظرني جعلني أشعر ببعض… نعم، فقط القليل، القليل جدًا من الانزعاج، ولكن…»
عندما زعم روزوال أنها لا تملك فرصة للنصر، أومأت رام برأسها، دون أن تبذل أي جهد لدحض كلامه.
فقد كان قد ودعها عندما ذهبت إلى القبر بمظاهر عظيمة.
إذًا، ما الذي جعله يرحل فجأة دون أن ينتظرها ليشهد النهاية؟
«لكن، على الرغم من أنني سببتُ لهم الكثير من المتاعب، فقد ساعدني الجميع. أنا حقًا حمقاء عديمة الجدوى، ومع ذلك مدَّ لي الجميع يد العون. لذلك فكرتُ، لا يمكنني أن أفقد شجاعتي هنا…»
«لكن أعتقد أنه لم يكن يظن أن هناك فرصة لأني سأفشل، هاه؟»
ملامسة أصابعه جعلت قلب رام ينبض بسرعة داخل صدرها.
حقًا، لو كان سوبارو أكثر قلقًا بشأن إميليا من أي شيء آخر، لكان بالتأكيد انتظرها. لكن عدم وجوده هناك يعني أن هناك شخصًا آخر، في مكان بعيد عنها، يحتاج إليه أكثر. شخص لم يستطع إلا أن ينطلق مسرعًا نحوه.
روزوال لم يقاطع إميليا، ولم يرد عليها. ومع ذلك، لم يتطلب الأمر سوى نظرة واحدة إلى عينيه لمعرفة أن كلماتها لم تمر مرور الكرام.
ومع ألم المحاكمة الأولى الذي ما زال جاثمًا في صدرها، شقت إميليا طريقها مباشرة نحو الغرفة الحجرية.
—لأنها تعلم أن ناتسكي سوبارو يؤمن بها، استطاعت أن ترى الأمور بتلك النظرة.
«على أي حال، أتوقع منك قبول هذين الشرطين. بما أنهما ضروريان ويشكَّلان الحد الأدنى لنجاح خطتك، فلا أعتقد أنهما يشكلان عبئًا كبيرًا عليك، أليس كذلك؟»
«أشعر ببعض الغضب، رغم ذلك. أتساءل، هل يحبني سوبارو حقًا؟»
أثار رده فضول إميليا وجعلها تميل برأسها، لكنه لم ينكر كلماتها.
«… باروسو يهتم بالسيدة إميليا أكثر من أي شخص آخر.»
اقترب أوتو من رام بمجرد أن تأكد إلى حد معين.
«همم، شكرًا لكِ.»
«لسبب ما، السيد ناتسكي لا يعتبر الآنسة رام عدوة بأي حال من الأحوال. إذا كان محقًا، أعتقد أنه ينبغي لنا أن نتعاون مع رغبات الآنسة رام الحقيقية.»
كانت إميليا في تلك اللحظة تحاول، في غيابه، أن تؤكد مشاعره نحوها. ونظرًا إلى ابتسامتها الرقيقة، خفضت رام عينيها، وكأنها كانت راضية بما آلت إليه الأمور.
«أن ترى فقط ما ترغب في رؤيته… يا له من تناقض مؤلم أن أعيب هذه السمة على الشاب سوبارو، بينما تحدث تحت أنفي مباشرة. كنت أعتقد أن أفعالك تعبير عن إخلاصك بطريقتك الخاصة.»
«سيدتي إميليا، بما أنكِ قد عدتِ، هل يعني هذا أن…؟»
«ماذا تقصدين؟»
«أتعنين المحاكمة؟ نعم، لقد… آه، قد يكون من الصعب قليلًا القول إنها قد انتهت. لقد واجهتُ ماضيَّ بصدق… لكن يبدو أنها لم تنتهِ بعد.»
«ماذا تقصدين؟»
—وبالتالي، استجابةً لإلحاح رام، شرع أوتو في تقديم تفسير مفصَّل.
«المحاكمة لا تنتهي بواحدة فقط. هناك محاكمتان أخرتان… ويبدو أن الحاجز لن يُزال إلا بعد إتمامها. لذا، سأحتاج إلى العودة إلى القبر فيما بعد…»
كانت الحقيقة التي كشفتها إيكيدنا صادمة، لكنها لم تغير ما يجب على إميليا فعله.
قطع روزوال كلامه عند هذا الحد، وأغمض إحدى عينيه، بينما اخترقت نظرة عينه الصفراء رام كما لو كانت تقرأ أعماقها.
رغم أن سوبارو ورفاقه انطلقوا في مهمة أخرى، وأن رام وسكان الملجأ وأهل قرية إيرلهام قد يضطرون إلى الانتظار لفترة أطول، إلا أن إميليا لم تتوقف عن التقدم حتى تصل إلى النهاية.
«سيدي روزوال، ماذا تنوي أن تفعل من الآن فصاعدًا؟»
«لقد أصبحتِ حقًا قوية، سيدتي إميليا.»
ربما تمتمت رام بذلك لأنها رأت العزم في عيني إميليا. شعرَت إميليا بنبرة تردد غريبة في صوت رام، وانتظرت بصمت لكي تُكمل رام كلماتها.
وبينما غرق الجو في الصمت، بدا أن رام غارقة في تأمل عميق لبعض الوقت. وأخيرًا—
هذا ما علَّمها إياه سوبارو بإخلاص، وبإصرارٍ بالغ.
نظرت إميليا إلى رام التي انحنت أمامها، مائلة رأسها نحو الأرض بإجلال. كان هذا ما يُطلق عليه أسمى مراتب الاحترام. إنها أعظم مظاهر التكريم، ترمز إلى مَن يستحق التقدير الأعلى.
«—سيدتي إميليا، أعتذر بشدة.»
بينما انعقد صوت إميليا في حلقها، وبخت رام روزوال بشدة بدلًا منها.
«…حقًا من النادر سماعكِ تعتذرين. ماذا حدث فجأة؟»
«رام تعتقد ذلك أيضًا… هذه ستكون أول مرة تنحني فيها رام أمام السيدة إميليا بصدق.»
«… أهذا كل ما لديكِ لتقولي؟»
ارتسمت على وجه إميليا ابتسامة متألمة بينما كانت رام تصرح بصراحة بأن احترامها السابق كان سطحيًا. وبعينين ورديتين تخترقان عيني إميليا البنفسجيتين، بدأت رام بتقديم اعتذارها، أو ربما اعترافها.
«هاه! كاذب دون خجل. وأيضًا، قد وضعت آمالك في المكان الخطأ. رغبات رام تتماشى مع أمنيات السيد روزوال. كيف توصلت إلى الاعتقاد أنني قد أساعد باروسو؟»
«حتى هذه اللحظة، لم أؤمن بقدرة السيدة إميليا على الوقوف بثبات. لقد تحطم قلبكِ في محنة المحاكمة، وخسرتِ حتى الروح العظيمة التي كانت سندكِ… تساءلت، كيف لكِ أن تقفي على قدميكِ مجددًا؟»
‹كبرياء رجالي أو ما شابه ذلك. يا له من شيء تافه.› فكرت رام باستخفاف وهي تزفر بسخرية.
«…»
وضعت رام يدها اليسرى التي كانت إميليا تمسك بها بلطف على صدرها.
«—روزوال، هل يمكن أنك أردت مني أن أفعل شيئًا فظيعًا؟»
«لكن ها أنتِ الآن، يا سيدتي، واقفة على قدميكِ… ترفعين رأسكِ ومستعدة لمواجهة ما قد يأتي. أخصم نقاطًا قليلة فقط بسبب آثار الدموع التي لا تزال على وجنتيكِ.»
«آه، أوه، حقًا…!»
«هذا ما سأثبته من الآن فصاعدًا، في القبر… لا، حتى خارج الملجأ.»
مسحت إميليا وجنتيها بكمَّها بحماس، محوِّلة آثار الدموع التي أشارت إليها رام. ثم عادت لتواجه رام مرة أخرى، مائلة رأسها برفق.
«—؟ بمعنى أنكِ ترغبين في التغلب عليَّ وأنا في كامل قوتي؟ أم أنكِ ترغبين في تدميري دون إضاعة ثانية واحدة؟ أستطيع أن أفهم مثل هذه المشاعر إلى حد ما، ولكن…»
«هل يعني هذا أن رام تتعاون مع سوبارو وأوتو لأنني طفلة كثيرة البكاء؟»
لقد تحدَّت إميليا المحاكمة بسبب نداء صوت سوبارو إليها. وكان لا بد من إيقاف تذمُّر غارفيل لتتمكن كلمات سوبارو من الوصول إليها. ومن أجل ذلك، كان لا بد من تعاون أوتو ورام— وبفضل كل هذا، تمكنت إميليا من التقدم.
«بالتأكيد، تمزحين. رام لا تمد يد العون لهذين الاثنين على الإطلاق. رام تمد يدها للسيدة إميليا، بعد أن استنتجت أن هذا التعاون يحمل قيمة.»
ربما السبب الحقيقي الذي دفع روزوال للقدوم إلى هذا المكان كان—
«أحقًا؟ …نعم، أظن أن ذلك ممكن.»
بهذه الكلمات التي وجهتها إلى روزوال وكلماتها الموجهة إلى رام، شعرت إميليا أنها قد قالت كل ما يمكن قوله. أما الباقي، فكان لا بد أن يُثبت بالجواب الذي ستتوصل إليه، ليس بالكلمات بل بالأفعال.
لقد تحدَّت إميليا المحاكمة بسبب نداء صوت سوبارو إليها. وكان لا بد من إيقاف تذمُّر غارفيل لتتمكن كلمات سوبارو من الوصول إليها. ومن أجل ذلك، كان لا بد من تعاون أوتو ورام— وبفضل كل هذا، تمكنت إميليا من التقدم.
«عجبًا، كم أنتِ طماعة. ولكن، ماذا ستفعلين حيال ذلك؟ حتى لو كنتِ أوني اختيرت من قِبل السماء، فقد ابتعدتِ الآن كثيرًا عن ذلك من دون قرنكِ. حتى مع جراحي، أستطيع استخدام سحر كافٍ تمامًا قبل البدء في الطقوس. هل تستطيعين هزيمتي؟»
أعلنت إميليا بحزم أمام روزوال أنها ستتحدى المحاكمة الثانية. ثم حوَّلت نظرها إلى رام، التي لم تترك يدها طوال الوقت.
بالفعل، يمكن وصف جميع أفعال رام بأنها تنبع من خدمتها المخلصة لإميليا.
«ولكن لماذا؟ لماذا أردتِ مساعدتي، رام؟»
«—لأنه عندما يكون لديكِ طلب، من الضروري أن تُظهري إخلاصكِ.»
أومأت رام برأسها وهي تخفض عينيها، ثم استدارت إميليا نحو مدخل القبر.
تلك الكلمات، والفعل الذي تبعها، جعل إميليا تحبس أنفاسها.
«اسمحي لي أن أقدم لكِ رسميًا تهنئتي، مرفقة بمشاعر التعاطف والشفقة— لقد أبلَيتِ بلاءً حسنًا في اجتياز المحاكمة. كنتُ أعتقد حقًا أنه يفوق قدراتكِ.»
«أنا أستمع.»
نظرت إميليا إلى رام التي انحنت أمامها، مائلة رأسها نحو الأرض بإجلال. كان هذا ما يُطلق عليه أسمى مراتب الاحترام. إنها أعظم مظاهر التكريم، ترمز إلى مَن يستحق التقدير الأعلى.
بمعنى آخر، لو لم يكن روزوال قد فتح قلبه لها بصدق، لما استطاع فن الرؤية البعيدة العمل عليه. في الواقع، لم تحاول رام مطلقًا أن تطابق رؤيتها مع رؤية روزوال حتى هذه اللحظة.
هذا لم يكن الاحترام السطحي الذي أبدته رام لإميليا في السابق، بل كان إظهارًا لاحترام حقيقي—
«أنا أستمع.»
«أرجوكِ، سيدتي إميليا— أرجوكِ، أنقذي سيدي روزوال.»
ولذلك ليست هناك حاجة للتردد بشأن هذا.
«…أنقذ روزوال؟»
«…أنقذ روزوال؟»
«إنه مسكون بالكامل بشغف مفرط، شغفٌ قيَّد قلبه كسحر لعنة منذ زمن بعيد، بعيد جدًا. ربما كانت رام على ما يرام مع هذا الحال. ربما كانت رام راضية حتى لو لم ينظر نحوها، حتى لو اعتبرها مجرد أداة مفيدة لإشباع هوسه.»
«—روزوال.»
بينما ما زالت تُحني رأسها بأعمق درجات التواضع، كشفت رام بصراحة عما يختبئ في أعماق قلبها.
«إن أردتِ الدقة، هذا عالم يقترب من نهايته، ربما؟ إنه عالم انحرف عن مساره الصحيح، عالم ضل عن وجهته الأصلية. هذا الملجأ، والانتخاب الملكي، كلاهما أصبح بلا معنى.»
ربما، بينما كانت تراقب روزوال باستمرار، كانت تلك هي الأمنية التي كانت رام تغذيها في أعماق قلبها خلف قناعٍ من اللامبالاة… الأمنية بأنها على ما يرام أن تكون أداة مفيدة فحسب. لكن الآن، رام ترفض ذلك الوجود.
«لكن هوسه قد حاد الآن بعيدًا عن الطريق. لقد فقد رؤية الهدف الذي هو أساس كل آماله، وسيدي روزوال يتعلق بكتابه باسم فقط… أرجوكِ، حرِّريه من هوسه.»
«همم، شكرًا لكِ.»
لكن—
«هل سيكون روزوال على ما يرام إذا حررته؟»
«لن يكون كذلك. سيفقد حتمًا مبرر حياته وقد ينهار تمامًا. ومع ذلك، سيدتي إميليا، أنتِ الوحيدة التي تستطيعين فعل ذلك. ربما، من خلال إبعاده عن أسلوب الحياة الذي اعتمد عليه طيلة هذا الوقت… قد تصل مشاعري إليه أخيرًا.»
ورغم أنه كان يحيك الخطط لإفشال مساعيها، كان يتصرف بنوع من القلق المشوَّه تجاه مشاعرها. ولم يقتصر ذلك على إميليا فقط؛ بل شمل سوبارو، وغارفيل، وكل مَن حوله.
كان هذا التماسًا صادقًا. وبينما انحنت برأسها، حافظت رام على نبرة صوتها المعتادة، لكنها توسلت بكل جدية.
صوت بدا وكأنه يعشق بطريقة شيطانية، كأنه يدوس برفق على الروح.
لم تستوعب إميليا تمامًا حتى نصف ما حوته كلمات رام من معانٍ. ولكن مشاعر رام، ورغباتها، كانت صادقة. وهذا وحده كان كافيًا.
«ما الذي يجب أن أفعله؟»
«إذًا، حان الوقت أخيرًا. بالتأكيد، انحرفت مجريات هذا العالم عن المسار الذي أرجوه. وهكذا، يدخل العهد حيز التنفيذ… مما يعني أنني، وقد فقدت رغبتي، عليَّ أن أقدم نفسي لكِ كما وعدت.»
«…»
«—اجلسي على العرش الملكي.»
«حتى قراركِ الفاضل بأن تُجرحي أصبح بلا معنى، لأن هذا العالم منتهى.»
«…»
«على السيدة إميليا أن تجلس على العرش الملكي في لوغونيكا. عندها فقط، ستتحقق رغبة السيد روزوال. حتى لو استمر في السير بعيدًا عن الطريق السوي، سيأتي يوم تتحقق فيه مشاعره. نعم، قدِّمي للسيد روزوال هذا الخلاص. امنحي لحياته معنًى، اليوم وغدًا.»
في القبر، في ذلك الممر البارد المصنوع من الحجارة، وضع سوبارو جبينه على جبين إميليا، صارخًا بغضب.
—هذه اللحظة كانت ما انتظرته رام منذ زمن بعيد.
وقفت إميليا صامتة بينما راحت رام تضيف كلمة تلو الأخرى دون توقف.
رفع حاجبيه بدهشة ظاهرة، كما لو أنه وصل إلى نتيجة واحدة بشأن تصرفات رام. وبعد استبعاد كل التفسيرات الخاطئة التي قد تُفهم من كلماتها، وصل أخيرًا إلى الجواب الصحيح.
ربما، بينما كانت تراقب روزوال باستمرار، كانت تلك هي الأمنية التي كانت رام تغذيها في أعماق قلبها خلف قناعٍ من اللامبالاة… الأمنية بأنها على ما يرام أن تكون أداة مفيدة فحسب. لكن الآن، رام ترفض ذلك الوجود.
لأول مرة، تلقت إميليا مشاعر رام التي نُطقت بمثل هذه الفصاحة.
ربما كان هذا السبب. ربما كان هذا هو.
ورغم أنه كان يحيك الخطط لإفشال مساعيها، كان يتصرف بنوع من القلق المشوَّه تجاه مشاعرها. ولم يقتصر ذلك على إميليا فقط؛ بل شمل سوبارو، وغارفيل، وكل مَن حوله.
في أعماق صدرها، شعرت إميليا بمشاعر لا يمكن وصفها، مشاعر أثقلت قلبها كما لم تفعل من قبل.
في تلك اللحظة، رام، التي اعتقدت أنها واقفة بمفردها، غير قادرة على الاعتماد على أحد، أصبحت الآن تعتمد عليها.
المشاعر الساخنة التي فاضت نتيجة لذلك كانت بالكاد قابلة للكبت.
«رام سوف…»
كان نظره مثبّتًا على عيني إميليا، وكأنه يحاول أن يُبقي المشاعر العميقة التي تختمر خلف طلاء وجهه وابتسامته المتكلفة من الظهور على السطح. ومن هنا أدركت الحقيقة.
«أرجوكِ، سيدتي إميليا.»
أمام إميليا التي لم تنطق بكلمة، انحنت رام برأسها ببطء.
—كانت عيناها الورديتان تلمعان بكل الحب الذي اختزنته تلك البنية الصغيرة.
في وقت ما، لم تكن إميليا قادرة على صياغة إجابة واضحة، ولكن في تلك اللحظة، أخيرًا استطاعت جمع أجزائها معًا.
«—أنقذيه.»
«بعد ذلك، السيدة إميليا. لا أستطيع تحمل رؤية السيدة إميليا بهذه الحالة البائسة بعد أن فقدت الروح العظيمة. قل لباروسو أن يفعل شيئًا— ربما يكون ذلك خارجًا عن نوايا السيد روزوال، لكن حتى لو كان كذلك، فإنه إذا أردنا المضي قدمًا، فلا بد أن تستعيد السيدة إميليا عافيتها، سواء أحببت ذلك أم لا.»
ذلك الرجاء الهادئ أحدث رجفة ملموسة في كيان إميليا بأكمله.
جعلت كلمات إميليا روزوال يوقف خطواته. لم يكن ذلك بفعل الحدة التي احتوتها نبرة صوتها، بل بسبب كفها الممدودة نحوه.
بمعنى آخر، لو لم يكن روزوال قد فتح قلبه لها بصدق، لما استطاع فن الرؤية البعيدة العمل عليه. في الواقع، لم تحاول رام مطلقًا أن تطابق رؤيتها مع رؤية روزوال حتى هذه اللحظة.
ذلك الإحساس اخترق قلبها مباشرةً، وترك أثره العميق لدرجة جعلت يديها ترتجفان. شعرت بالحرارة التي حملها الدم المتدفق في جسدها بأكمله.
«… سيدي روزوال، منذ متى وأنت تراقب حديثي مع السيدة إميليا؟»
وبعد أن مرت تلك المشاعر بداخلها، لم يتبقَ في صدر إميليا سوى إحساسٍ واحد…
«سيدي روزوال، ماذا تنوي أن تفعل من الآن فصاعدًا؟»
«ربما لم أفهم مشاعر رام بعد. ليس حقًا.»
إحساس بالواجب اشتعل حارًا ومتوهجًا.
«لست واثقة تمامًا من العلاقة بين كوني ملكة وإنقاذ روزوال.»
«…»
«…»
«ربما لم أفهم مشاعر رام بعد. ليس حقًا.»
شعرت إميليا بارتجافٍ في يد رام التي أمسكت بها، فرفعت رأسها متجهةً نحو الصوت الآتي من خلف رام— من جهة المستوطنة. وهناك، رأت شخصيةً تقف بهدوءٍ في الساحة العشبية.
«…»
بعد أن شاهد روزوال ورام دخول إميليا إلى القبر، بقي الاثنان وحدهما في الساحة العشبية.
«لكن.»
تحدَّثت إميليا بهدوء وهي تنظر نحو رام، مستنشقة نفسًا عميقًا.
ألقى روزوال كلماته بنبرةٍ ملغَّمة بالسخرية بينما واصل حديثه مع إميليا، التي بدت حائرةً عاجزةً عن فهم مقصده.
كانت الحيرة تختفي من صدرها المشتعل. لم يعد هناك قلقٌ يشغل ذهنها.
«إذا كان لا بد من قول ذلك، لا أستطيع أن أتخيل أي شيء جيد. ولكن، بصفتي تاجرًا، لا بد لي من بذل كل جهد لتحقيق النجاح في عملي. إن فشلت بسبب الجبن، فسأجلب العار لعائلة سوين، كما تعلمين.»
لم يسبق أن شعرت روحها بهذا التوهج.
حكَّ أوتو وجهه بنظرة مستسلمة ردًا على تصريحات رام.
«هذه أول مرة تطلب مني رام شيئًا، أليس كذلك؟»
«همم، فهمت ما قلتيه لي… حقًا، إنه لا يُصلح أبدًا.»
«ثقة مبالغ فيها. أتساءل، هل تعتقد حقًا أن مثل هذه الثقة كافية لإقناع رام بأن تنحني لإرادتك؟»
ولذلك ليست هناك حاجة للتردد بشأن هذا.
راودها هذا الاحتمال فجأة. وبمجرد أن نطقت به، لم تستطع التفكير في سبب آخر.
«حسنًا، رام. الآن بعد أن وثقتِ بي، أريد أن أرد لكِ الجميل.»
خاطبتها رام بشفاه مرتجفة، وقد لزمت الصمت طوال الحديث بين الاثنين. وعندما نادت عليها، أومأت إميليا برأسها بلطف، ثم تركت يد رام التي كانت تربط بينهما.
ربما لأن ما أرادت إميليا فعله وما وَجب عليها فعله أصبحا في تلك اللحظة شيئًا واحدًا.
ذلك الرجاء الهادئ أحدث رجفة ملموسة في كيان إميليا بأكمله.
ليس هناك مجال للتردد. فقط ابتسمت إميليا وأومأت برأسها.
«ربما هذا هو الشيء الذي يجب أن أبدأ العمل عليه من الآن فصاعدًا.»
«…أنقذ روزوال؟»
«ذلك يعتمد على مدى إثارة المحادثة التي تحملها، وعلى أي قدر من الاهتمام يمكن أن تستحوذ عليه، أظنني يجب أن أقول ذلك.»
بشجاعة، عبَّرت عن رغبتها في تحقيق أمنياتها ورغبات الآخرين على حدٍ سواء.
لقد تحدَّت إميليا المحاكمة بسبب نداء صوت سوبارو إليها. وكان لا بد من إيقاف تذمُّر غارفيل لتتمكن كلمات سوبارو من الوصول إليها. ومن أجل ذلك، كان لا بد من تعاون أوتو ورام— وبفضل كل هذا، تمكنت إميليا من التقدم.
«آه…» أجابت رام، وفتحت فمها قليلًا وهي تنحني. بدا وكأن التوتر قد تلاشى— ومعه أيضًا قلقها، كما بدا من ارتجاف شفتيها تعبيرًا عن الارتياح.
رفعت رام ثلاث أصابع أثناء حديثها، فشدَّ أوتو ملامح وجهه وأومأ بعمق.
رؤية رام وقد استرخت ملامحها أشعرت إميليا بشيءٍ من الرضا. وفي ذات الوقت، فكَّرت كم كان ذلك متماشيًا مع شخصية رام، التي رفضت البكاء رغم امتلاء عينيها بالدموع.
واصل روزوال مناجاته، بينما كانت رام تصلي أن يختفي هذا الشعور المزعج الذي يعكر ذكرياتها.
«بعد ذلك، السيدة إميليا. لا أستطيع تحمل رؤية السيدة إميليا بهذه الحالة البائسة بعد أن فقدت الروح العظيمة. قل لباروسو أن يفعل شيئًا— ربما يكون ذلك خارجًا عن نوايا السيد روزوال، لكن حتى لو كان كذلك، فإنه إذا أردنا المضي قدمًا، فلا بد أن تستعيد السيدة إميليا عافيتها، سواء أحببت ذلك أم لا.»
وما إن مدت إميليا يدها إلى رام التي كانت جاثيةً على ركبتيها لتساعدها على الوقوف—
«—أرجو ألَّا تمانعوا إن انتهزتُ هذه اللحظة لأقدم أخيرًا كلمات تهنئتي الخاصة؟»
«أأنت أحمق؟»
《٥》
«—!»
شعرت إميليا بارتجافٍ في يد رام التي أمسكت بها، فرفعت رأسها متجهةً نحو الصوت الآتي من خلف رام— من جهة المستوطنة. وهناك، رأت شخصيةً تقف بهدوءٍ في الساحة العشبية.
«… أهذا كل ما لديكِ لتقولي؟»
كان الصوت مألوفًا. والهيئة تنضح باللامبالاة. لكن الأهم من ذلك كله، أن هذا الصوت كان صادرًا عن الشخص الذي كان محور حديثهم بأكمله—
جعلت كلمات إميليا روزوال يوقف خطواته. لم يكن ذلك بفعل الحدة التي احتوتها نبرة صوتها، بل بسبب كفها الممدودة نحوه.
«—روزوال.»
وهكذا، خطت رام إلى ذلك المكان الذي لم تُدعَ إليه أبدًا.
وبقليل من الحذر الذي تسلل إلى صدرها، نطقت إميليا باسمه.
لم تكن متأكدة مما نطقت به شفاهها في اللحظة الأخيرة، لكنها كانت تعلم أن المحاكمة الثانية قد بدأت.
《٢》
نظرت إميليا إلى رام التي انحنت أمامها، مائلة رأسها نحو الأرض بإجلال. كان هذا ما يُطلق عليه أسمى مراتب الاحترام. إنها أعظم مظاهر التكريم، ترمز إلى مَن يستحق التقدير الأعلى.
«يبدو أنكما كنتما في خضم محادثة، لكن يبدو أن الأمر قد انتهى… أليس كذلك؟»
وعندما نُودي باسمه، بدأ الشخص، الذي لم يكن سوى روزوال إل. ميزرس، يتقدم نحوهم.
«أفهم. لقد مضت سنوات منذ أن وجهتِ عصاك نحوي… لكن أن يأتي ذلك الوقت الآن، فهو أمر مؤسف. كما يؤلمني أن مَن تعرف مشاعري وهدفي تطلق عليهما وصف الهوس…»
ارتدى زيه المعتاد ذو الطابع الغريب، ولأول مرة منذ فترة، عاد لوضع مساحيقه البيضاء المألوفة على وجهه. هذا هو روزوال الذي تعرفه إميليا— يختلف تمامًا عن ذلك المريض المصاب الذي اعتادت رؤيته طريح الفراش في الآونة الأخيرة.
«—توقف عند هذا الحد.»
في النهاية، سوبارو، الذي تبع إميليا إلى داخل القبر، ربما جادل بأفكارٍ مثالية، ولم يكن منطقه يعتمد على تحرير الملجأ كأولوية.
«…هممم.»
«—؟ أعتقد أن الجميع يكرهون ذلك؟»
جعلت كلمات إميليا روزوال يوقف خطواته. لم يكن ذلك بفعل الحدة التي احتوتها نبرة صوتها، بل بسبب كفها الممدودة نحوه.
«يبدو أنكما كنتما في خضم محادثة، لكن يبدو أن الأمر قد انتهى… أليس كذلك؟»
وبقليل من الحذر الذي تسلل إلى صدرها، نطقت إميليا باسمه.
كانت إميليا قد جذبت رام بالقرب منها بيدها اليمنى، بينما مدَّت يدها اليسرى نحو روزوال. ولم يكن هذا مجرد استعراض، إذ إن تدفق المانا المتوهج الذي شعر به روزوال أوضح أنها لم تكن تمزح.
«يا للصرامة، يا لصرامة هذا الترحيب. رغم أنني، بمجرد سماعي أن إميليا قد تحدت المحاكمة، جئت راكضًا بجسدي المثقل بالإصابــــات.»
ثم فتحت عينيها ورفعت وجهها. بنظرة مفعمة بالجرأة المعتادة، وجَّهت عينيها نحو روزوال.
«كم أود أن أصدق أن هذا ما يدور في ذهنك حقًا، ولكن…»
«…»
«… سيدي روزوال، منذ متى وأنت تراقب حديثي مع السيدة إميليا؟»
بكلماتها، ردَّت إميليا مراوغةً الحقيقة، بينما ضاقت حاجباها برفق.
«…»
بحكم الواقع، كان روزوال حليفها الرئيسي وراعيها في المنافسة الملكية. كما أنه كان المنقذ الذي أخرجها من الجليد الذي غطي غابة إليور العظيمة، التي لم ترَها سوى في الماضي الذي كشفه لها المحاكمة— وهو مَن علَّمها إمكانية إنقاذ أبناء شعبها المتجمدين.
تراجعت إميليا بيدها اليسرى، التي كانت قد وجهتها نحو روزوال، محاولةً أن تجمع كل المشاعر المتدفقة داخل صدرها. لم ترغب في التواصل مع روزوال بالمانا في تلك اللحظة، بل بالكلمات.
كان هذا هو روزوال الذي شعرت إميليا بالحذر تجاهه— لأنها شعرت باهتزاز راحة يد رام في قبضتها.
لم يخبر روزوال أحدًا بمكان الكتاب الذي يحمل المعرفة. كل ما كانت تعرفه رام هو أن الكتاب موجود، لكنه كان دائمًا بعيدًا عن متناولها.
«أرجوكِ، سيدتي إميليا، لا تتخذي هذا الوجه المليء بالخوف. حتى أنا أشعر بقلقٍ صادقٍ عليكِ… أو ربما ينبغي أن أقول، أشعر بالتعاطف معكِ.»
ثم أومأ روزوال بعمق على الموقف الذي دبَّرته رام بمخططاتها.
«تتعاطف معي؟ ماذا تقصد بذلك؟»
«أولًا، غارف. لا بأس بتلقينه درسًا بلكمة على أنفه. رام تتفق تمامًا مع كسر جسر أنف غارف— ولكن، بعد كسر أنفه، ستتركون أمره لرام.»
«أعني ما قلته تمامًا. أنا أتعاطف معكِ من أعماق قلبي— لهذا الوضع الذي تجدين نفسكِ فيه، حيث لم تعرفي أبدًا كيف تكونين محبوبة إلا من خلال تلبية توقعات الآخرين من حولك، فاضطررتِ حتمًا إلى مواجهة الماضي رغمًا عنكِ.»
وفي حين كانت رام تفعل ذلك، قال روزوال، الذي راقب رحيل إميليا عن مسافة قصيرة، تلك الكلمات بصوت خافت.
بينما هزَّ رأسه برفض، جعل إعلان روزوال إميليا تفتح عينيها على اتساعهما.
«لا، ليس كذبًا. ليست هراءً بلا أساس. سوبارو قال إنه يؤمن بي. تلك المشاعر لن تصبح كذبة… ولن أسمح لها بأن تكون كذلك. هذه هي إجابتي.»
لقد نطق بكلمة ”تعاطف“ كما لو كان يشفق على ظروفها. ومع ذلك، كانت المشاعر الباردة المفعمة بالكآبة مختلفة عن التعاطف البسيط— بل أقرب ما تكون إلى الحقد.
«اسمحي لي أن أقدم لكِ رسميًا تهنئتي، مرفقة بمشاعر التعاطف والشفقة— لقد أبلَيتِ بلاءً حسنًا في اجتياز المحاكمة. كنتُ أعتقد حقًا أنه يفوق قدراتكِ.»
«… مثل هذه الكلمات تجعل من الصعب قول ”شكرًا“ فحسب. علاوةً على ذلك، لم أنتهِ بعد من المحاكمة كما ينبغي. قيل لي إن هناك محاكمتين أخرتين.»
«نعم، أعلم ذلك. بل أشعر ببعض الراحة— وتحديدًا، لأنكِ، حتى وأنتِ تبدين كالمغفلة، كنتِ قادرةً على فهم أن تهنئتي قبل قليل لم تكن كلمات نابعة من حسن نية.»
عندما أعلن روزوال هذا الكلام بثقة، شعرت إميليا بقوةٍ متزايدة في قبضتها على يد رام.
ألقى روزوال كلماته بنبرةٍ ملغَّمة بالسخرية بينما واصل حديثه مع إميليا، التي بدت حائرةً عاجزةً عن فهم مقصده.
«لو استجابت السيدة إميليا للاستفزاز وحاولت إيذائي، لكانت نتيجة المنافسة قد حُسمت على الفور… ولكن ربما بدت الظروف مواتية أكثر مما ينبغي؟»
مشاعره العدائية كانت معقدة، مزيجًا متساويًا من الأسى والفرح. لكن ما كان واضحًا هو أن سلوكه المليء بالاحتقار الذاتي والسخرية من نفسه ليس سوى قشرة سطحية تغطي معاناته الحقيقية.
«إيه؟»
«روزوال، لماذا أتيت إلى هنا؟ هل أتيت حقًا فقط لتقول هذا؟»
«في الغالب لهذا السبب. كما أردتُ أن أرى بعينيَّ.»
وفقًا لما جاء في كتاب المعرفة، سيجعل روزوال الثلوج تتساقط على الملجأ. وكان قد جاء من أجل البلُّورة السحرية لاستخدامها كمحفز سحري. ولتنفيذ تلك التعويذة—
«هل تمانعين إن تبادلتُ الحديث معك؟»
«أن ترى… تعني نتائج محاكمتي؟»
في تلك اللحظة، رام، التي اعتقدت أنها واقفة بمفردها، غير قادرة على الاعتماد على أحد، أصبحت الآن تعتمد عليها.
كان من الطبيعي أن يقاتل غارفيل وإميليا وبعدهما سوبارو وأوتو بشجاعة. ولقد كان من الجيد أن تتعاون رام معهم بدرجات متفاوتة. لكن عندما يأتي الأمر إلى المشهد الأخير، لن تسمح رام لأي شخص آخر بالسيطرة عليه.
أغمض روزوال عينيه وسحب كتفيه إلى الخلف. في تأكيده لنتيجة المحاكمة، ربما كان يسعى لرؤية الإجابة التي استخلصتها إميليا من مواجهتها لماضيها… أو لمعرفة إن كان ذلك قد كسر قلبها مرةً أخرى.
«قلتَ إنك كنت تعتقد أنني لن أتمكن من القيام بذلك… هل غيَّرتَ رأيك قليلًا؟»
«إذًا، حان الوقت أخيرًا. بالتأكيد، انحرفت مجريات هذا العالم عن المسار الذي أرجوه. وهكذا، يدخل العهد حيز التنفيذ… مما يعني أنني، وقد فقدت رغبتي، عليَّ أن أقدم نفسي لكِ كما وعدت.»
«…»
شعرت رام بأن هذه الحقيقة مزعجة للغاية، فانزلقت يدها إلى فخذها.
«أجل، أعتقد أنك كنتَ قلقًا من عدة أمور. حتى قبل فترة قصيرة جدًا، كنت دائمًا ما أتراجع عن كل شيء… تسببت في الكثير من المتاعب لبَاك، وسوبارو، والجميع.»
أثناء هزه رأسه ببطء مجددًا، تحدث روزوال بهذه الكلمات، وكأنه يشعر بندم عميق ينبع من أعماق قلبه. لم تستطع إميليا إخفاء حيرتها أمام التناقض بين هيئته الخارجية والمشاعر التي بدت واضحة في حديثه.
سوبارو، وهو يعلم أن غارفيل طيب، طلب منه أن يتغير مع ذلك.
إذا كان يظن أن إميليا ربما لن تتمكن من تجاوز المحاكمة، فهذا أمر طبيعي.
بينما ما زالت تُحني رأسها بأعمق درجات التواضع، كشفت رام بصراحة عما يختبئ في أعماق قلبها.
«—ينبغي عليكِ الانتظار هنا حتى تعود السيدة إميليا. فبعكس ذلك، سأشعر بوخز في صدري إن وصلت تلك الفتاة الشجاعة دون أن تجد أحدًا في استقبالها.»
بصراحة، حتى في تلك اللحظة، وجدت أنه من الغريب أن شخصًا ضعيفًا مثلها قد تحدَّى المحاكمة. قلبها كان يتزعزع بسهولة، وعملية تفكيرها سطحية، وكانت هشةً وبائسة. ومع ذلك…
«أظن ذلك. وبصراحة، كنت أظن أنك قد تطرحين طلبات أصعب وأقل قابلية للتحقيق بكثير… آه، أممم، أتخيل أن الشرط الثالث سيكون شيئًا مميزًا، لذا سألتزم الصمت وأنتظر.»
«لكن، على الرغم من أنني سببتُ لهم الكثير من المتاعب، فقد ساعدني الجميع. أنا حقًا حمقاء عديمة الجدوى، ومع ذلك مدَّ لي الجميع يد العون. لذلك فكرتُ، لا يمكنني أن أفقد شجاعتي هنا…»
«يبدو أنك محتال بارع.»
في أعماق المنشأة، تشكَّلت فجوة في الجدران البيضاء، ومن تلك الغرفة المخفية انبعث ضوء أزرق خافت. وحين تبعت رام الضوء بنظرها، دخل في مجال رؤيتها بلُّورة ضخمة بشكل غير معتاد— لا، بلورة سحرية، كانت داخلها فتاة شابة محبوسة.
تراجعت إميليا بيدها اليسرى، التي كانت قد وجهتها نحو روزوال، محاولةً أن تجمع كل المشاعر المتدفقة داخل صدرها. لم ترغب في التواصل مع روزوال بالمانا في تلك اللحظة، بل بالكلمات.
«—اجلسي على العرش الملكي.»
لكن بينما كانت تدير كلماتها، أطلق روزوال صوتًا خافتًا من حنجرته وعيناه مغلقتان.
حقًا، لو كان سوبارو أكثر قلقًا بشأن إميليا من أي شيء آخر، لكان بالتأكيد انتظرها. لكن عدم وجوده هناك يعني أن هناك شخصًا آخر، في مكان بعيد عنها، يحتاج إليه أكثر. شخص لم يستطع إلا أن ينطلق مسرعًا نحوه.
«…»
في البداية، بدت كلماته وكأنها تحاول عمدًا أن تهين وتستخف، إلا أن إميليا شعرت لسببٍ ما بأن المشاعر التي كشفها كانت أشبه برثاء يمزقه من الداخل.
ففن الرؤية البعيدة، الذي تناقلته عشيرة الأوني، لا يعمل إلا إذا كانت الترددات بين المستخدم والهدف متوافقة. بالطبع، إذا بذلت رام جهدًا، كان بإمكانها التوافق حتى مع وحوش الشياطين، لكن الأمر يختلف إذا كان الهدف شخصية رفيعة المستوى. في حال أغلق هذا الهدف قلبه، يصبح التوافق مستحيلًا تمامًا.
ضحك روزوال ضحكةً منخفضة ومطولة، محاولًا كبت صوته حتى خرج كتيار خفيف.
بمعنى آخر، لو لم يكن روزوال قد فتح قلبه لها بصدق، لما استطاع فن الرؤية البعيدة العمل عليه. في الواقع، لم تحاول رام مطلقًا أن تطابق رؤيتها مع رؤية روزوال حتى هذه اللحظة.
لقد نطق بكلمة ”تعاطف“ كما لو كان يشفق على ظروفها. ومع ذلك، كانت المشاعر الباردة المفعمة بالكآبة مختلفة عن التعاطف البسيط— بل أقرب ما تكون إلى الحقد.
ثم فتح إحدى عينيه— مركزًا بجدية عينه الصفراء على إميليا.
«تقولين نفس الأشياء التي يقولها الشاب سوبارو. هل تعلمتِ ذلك أيضًا من تقليده؟»
روزوال لم يقاطع إميليا، ولم يرد عليها. ومع ذلك، لم يتطلب الأمر سوى نظرة واحدة إلى عينيه لمعرفة أن كلماتها لم تمر مرور الكرام.
«—!!»
حين كانت رام لا تزال طفلة صغيرة، كانت تلك هي كلمات العهد الذي قطعته بعد أن استعارت مساعدة روزوال للانتقام من الأوغاد الذين دمَّروا قبيلة الأوني. عهدٌ جمع بين ولائها لروزوال وعزمها الراسخ على تدمير رغبته.
«سيد روزوال!»
بينما انعقد صوت إميليا في حلقها، وبخت رام روزوال بشدة بدلًا منها.
رام، التي ظلت صامتة حتى تلك اللحظة، وقفت بجانب إميليا، ووجهت مشاعرها القوية بلونها الوردي نحو سيدها. ولكن روزوال تجاهل ذلك، متلقيًا هذه المشاعر وكأنها نسيم منعش، وواصل حديثه مع إميليا.
«تلك كلمات مستعارة على مسرح مُعَدٍّ لكِ. حتى تحديكِ لهذه المحاكمة هنا كان خيارًا أتاحته لكِ إرادة الآخرين الطيبة… أنا لا ألومكِ. بل أنا، والآخرون من حولنا، مَن أرادوا منكِ ذلك. ولكن رغم أنه يفهم ذلك جيدًا، فقد فرض سوبارو عليكِ أمرًا قاسيًا كهذا.»
«سيدتي إميليا، بما أنكِ قد عدتِ، هل يعني هذا أن…؟»
«ليس الأمر كذلك! سوبارو كان فقط…»
«…»
شعرت إميليا بارتجافٍ في يد رام التي أمسكت بها، فرفعت رأسها متجهةً نحو الصوت الآتي من خلف رام— من جهة المستوطنة. وهناك، رأت شخصيةً تقف بهدوءٍ في الساحة العشبية.
«تلك هي طريقته. في النهاية، لم يفعل سوى أن صاح بتشجيعٍ مجردٍ من كل منطق أو عقلانية، أليس كذلك؟ استدعى كل الحجج العاطفية الممكنة، وفرض أفكاره المثالية عليكِ وحدك. أنا أفهم، أفهم؛ حقًا… بعد كل شيء، نحن متشابهان، هو وأنا.»
«أشعر ببعض الغضب، رغم ذلك. أتساءل، هل يحبني سوبارو حقًا؟»
«سوبارو وأنتَ متشابهان؟ ماذا تعني بذلك؟»
«في أننا نفرض أفكارنا المثالية على النساء اللواتي نحبهن.»
«أرجوكِ، سيدتي إميليا— أرجوكِ، أنقذي سيدي روزوال.»
عندما أعلن روزوال هذا الكلام بثقة، شعرت إميليا بقوةٍ متزايدة في قبضتها على يد رام.
ومع إدراكها للمشاعر التي انعكست في راحة يدها، رفعت إميليا نظرها مباشرةً نحو عين روزوال الصفراء.
تقييم رام لسوبارو لم يتغير: كان رجلًا ذا توقيت جيد، وهذا كل شيء.
ظلَّت ابتسامة بلا حياة تزين زوايا شفتيه، بينما كان يهز رأسه يمينًا ويسارًا.
«… لمجرد توضيح الأمر، أنا أكره الألم.»
«ما الذي قاله لكِ؟ لا شك في أنها كانت كلمات مريحة للآذان. أنتِ لطيفة، سيدة إميليا، تنهارين بسهولة، مما يجعلكِ سهلة التعامل طالما حافظ المرء على اللباقة. حقًا، سيدة إميليا ضعيفة وهشة، شخصٌ يتشبث بآمال يائسة. لا بد أنكِ فكرتِ يومًا كيف يمكن أن تكون حياتك كفتاةٍ عادية، أليس كذلك؟ ولكن، هو لا يهتم بكِ أنتِ الحقيقية، ليس ولو للحظة. ما يحبه هو صورتك المثالية التي يحملها بداخله— أليس كذلك؟»
كان من الطبيعي أن يقاتل غارفيل وإميليا وبعدهما سوبارو وأوتو بشجاعة. ولقد كان من الجيد أن تتعاون رام معهم بدرجات متفاوتة. لكن عندما يأتي الأمر إلى المشهد الأخير، لن تسمح رام لأي شخص آخر بالسيطرة عليه.
وضعت رام يدها اليسرى التي كانت إميليا تمسك بها بلطف على صدرها.
كلمات روزوال، التي تكدَّست كأنها سمٌ زعاف، جعلت نظرته تبدو كأنها تعكس فراغًا داخليًا.
الرائحة العائمة والجدران البيضاء على نحو غير طبيعي تسببت في تشويش أجزاء من حواسها الخمس. ومع ذلك، لم يشكل الأمر مشكلة.
في البداية، بدت كلماته وكأنها تحاول عمدًا أن تهين وتستخف، إلا أن إميليا شعرت لسببٍ ما بأن المشاعر التي كشفها كانت أشبه برثاء يمزقه من الداخل.
«—روزوال، هل يمكن أنك أردت مني أن أفعل شيئًا فظيعًا؟»
ربما لم يعد روزوال نفسه قادرًا على التمييز بوضوح إن كان يتحدث عن سوبارو أم عن ذاته.
ومع أنه كان يتمتع بهيبةٍ كافية لإرهاب أي شخص، إلا أن إميليا استجمعت أنفاسها القصيرة.
«فبعد كل شيء… أُجبرتِ على أن تقطعي عهدًا بالولاء رغمًا عنكِ، وأن تقضي أيامكِ مع الرجل الذي كان سببًا في دمار وطنكِ. حتى لو كان جسدكِ، بلا قرنكِ، بحاجة إلى دعمي كي تبقي على قيد الحياة، فلا بد أن ذلك كان مؤلمًا للغاية. أعتذر إن كنتُ قد تصرفت وكأنه أمر لا يعنيني.»
بالتأكيد، كان روزوال قويًا بما يكفي لإضعاف أي عزيمة، لكن كان هناك شيء يجب أن يُقال.
كان اختيار الملك موجودًا لهذا الهدف. وكان الملجأ موجودًا لهذا الهدف. وكان هو نفسه موجودًا لهذا الهدف.
ربما، بينما كانت تراقب روزوال باستمرار، كانت تلك هي الأمنية التي كانت رام تغذيها في أعماق قلبها خلف قناعٍ من اللامبالاة… الأمنية بأنها على ما يرام أن تكون أداة مفيدة فحسب. لكن الآن، رام ترفض ذلك الوجود.
وقبل أي شيء آخر، لم يكن سوبارو موجودًا ليقوله، لذا وجب على الفتاة المرتعشة أن تفعل ذلك بدلًا منه.
سوبارو، وهو يعلم أن غارفيل طيب، طلب منه أن يتغير مع ذلك.
«…هل هذا كل ما لديك لتقوله؟»
«…»
«…»
«هل هذا هو السبب الوحيد الذي يجعلكَ تعتقد أنك وسوبارو متشابهان؟»
السؤال الذي طرحته إميليا جعل ملامح التساؤل تطفو في كلتا عيني روزوال.
ولكنه، على نحوٍ مثير للريبة، لم يُجب بشيء. لم تكن لدى روزوال أي كلمات تتابعها يمكن أن تضاهي سؤال إميليا.
لذلك، كان هناك حقًا ما يجب أن يُقال.
إذا كان يظن أن إميليا ربما لن تتمكن من تجاوز المحاكمة، فهذا أمر طبيعي.
«إذا كان هذا كل ما تود قوله…»
ذلك الرجاء الهادئ أحدث رجفة ملموسة في كيان إميليا بأكمله.
«…هل هذا كل ما لديك لتقوله؟»
«…»
«أنتَ وسوبارو لا تشبهان بعضكما على الإطلاق.»
«…أنقذ روزوال؟»
واصل روزوال مناجاته، بينما كانت رام تصلي أن يختفي هذا الشعور المزعج الذي يعكر ذكرياتها.
في النهاية، سوبارو، الذي تبع إميليا إلى داخل القبر، ربما جادل بأفكارٍ مثالية، ولم يكن منطقه يعتمد على تحرير الملجأ كأولوية.
«…إر؟»
ومع ذلك، فإن ما قاله بشدة ليس مجرد كلمات لطيفة ومزخرفة.
شعرت إميليا بارتجافٍ في يد رام التي أمسكت بها، فرفعت رأسها متجهةً نحو الصوت الآتي من خلف رام— من جهة المستوطنة. وهناك، رأت شخصيةً تقف بهدوءٍ في الساحة العشبية.
«هل تعلم؟، سوبارو قال لي إنني امرأة مزعجة.»
نحو الرجل الذي أحبته بجنون، والذي استحوذت عليه مشاعر غرام مفرط، أفصحت رام عن حبها الخاص، أملًا في أن تحفره عميقًا في قلبه.
واحدة تلو الأخرى، أُلغيت الشروط المطلوبة لتحقيق ما كُتب. العقد التي أعاقت تحرير الملجأ قد حُلَّت واحدة تلو الأخرى. ولم يتبق من البيادق التي كانت تخدمه أحد.
«… ماذا؟»
«لكن، ألا ترين أن الشباك التي نسجتها هذه المرة كانت كثيــــرة جدًا؟ بالطبع، من الجدير بالثناء أن قدرتكِ على الاستبصار سمحت لكِ بتتبعي حتى هذه النقطة. لقد كان ذلك إنجازًا رائعًا. ولكن…»
«سألني مَن أعتقد أنني، أفعل كل هذه الأشياء وأتسبب بكل تلك المتاعب. سألني إلى متى سأظل أتصرف بهذه الطريقة وأجعله ينتظر معلقًا بالأمل فقط. قال إنني أتكلم كثيرًا، وإنني ناقصةٌ لدرجة أنه لم يعد يستطيع النظر إليَّ— هذا ما قاله لي سوبارو.»
كانت إميليا في تلك اللحظة تحاول، في غيابه، أن تؤكد مشاعره نحوها. ونظرًا إلى ابتسامتها الرقيقة، خفضت رام عينيها، وكأنها كانت راضية بما آلت إليه الأمور.
في القبر، في ذلك الممر البارد المصنوع من الحجارة، وضع سوبارو جبينه على جبين إميليا، صارخًا بغضب.
وفي تلك اللحظة، تذكرت إميليا الكلمات التي هزت قلبها.
—أما الآن، بعد أن استعادت إميليا ماضيها، فقد كان ذلك سببًا للفرح العميق الذي لا يُقاس.
أدركت رام جيدًا أن هذا التفاعل النادر منه جعل قلبها يخفق بمشاعر عذرية لا إرادية.
«كان الأمر كما قال سوبارو تمامًا. أنا ضعيفة، لا أجيد سوى الكلام، وأعاني نقصًا في كل شيء.»
ألسنة لهب حمراء وزرقاء وخضراء— ضيَّق روزوال عينيه وهو يريها لهبًا بلون تلو الآخر.
كانت إميليا قد نسيت حتى أنها ضعيفة، وأنها لا تفعل سوى الكلام، وتفتقر إلى الكثير من الأمور. دفنت ذكرياتها وتصرفت كما لو أن تلك الجوانب منها غير موجودة، لكن سوبارو فهمها. رأى حقيقتها.
«قلت: يا لها من شفقة— الرجاء الشرح بتفصيل أكبر.»
—أما الآن، بعد أن استعادت إميليا ماضيها، فقد كان ذلك سببًا للفرح العميق الذي لا يُقاس.
وبينما غرق الجو في الصمت، بدا أن رام غارقة في تأمل عميق لبعض الوقت. وأخيرًا—
«آه، إر… هل كان من الواضح لكِ هذا حقًا؟»
«سوبارو رآني كما أنا حقًا. وفكرتُ، لا أريد أن أُري سوبارو جانبي السيئ بعد الآن. لهذا السبب، أنتَ وسوبارو لا تتشابهان على الإطلاق.»
وما إن مدت إميليا يدها إلى رام التي كانت جاثيةً على ركبتيها لتساعدها على الوقوف—
لو كان ناتسكي سوبارو شخصًا لا يقبل أقل من صورة إميليا المثالية، لظلت إلى تلك اللحظة في القبر، جاثية على ركبتيها.
«قلتَ إنك كنت تعتقد أنني لن أتمكن من القيام بذلك… هل غيَّرتَ رأيك قليلًا؟»
حتى فيما يتعلق بغارفيل، لم تشك لحظة أنه لو لم يتحدث سوبارو عن المثالية، رغم إدراكه لواقع الأمور، لما كان غارفيل استمع لتلك الكلمات أبدًا.
«سيدتي إميليا.»
سوبارو، وهو يعلم أن إميليا ضعيفة، أخبرها أنه يحبها على الرغم من ذلك.
«كم أود أن أصدق أن هذا ما يدور في ذهنك حقًا، ولكن…»
سوبارو، وهو يعلم أن غارفيل طيب، طلب منه أن يتغير مع ذلك.
«—تعالي.»
في تلك اللحظة، لم تستطع التباهي مع ذلك الشعور الأجوف.
سوبارو كان يهرع إلى كل مَن توقفت قدماه عن المضي قدمًا، يوبخهم، يدفعهم من ظهورهم، ويجعلهم يركضون مجددًا.
قائلًا: ”يمكنك أن تفعلها“. قائلًا: ”«يمكنك أن تقاتل“. قائلًا: «ليس لديك وقت لتقف في مكانك».
«هل تنوين إخفاء مثل هذا الأمر بينما تنظرين مباشرة في عيني هكذا؟!»
«عندما عادت إليَّ ذكرياتي، شعرت بالقلق. مع اختفاء باك، شعرت وكأنني أتعرض للسحق… وعندما تذكرت كل شيء، شعرت وكأنني لم أعد أنا، وكأن كل ما كنت عليه حتى تلك اللحظة كان مجرد كذبة.»
«يا للصرامة، يا لصرامة هذا الترحيب. رغم أنني، بمجرد سماعي أن إميليا قد تحدت المحاكمة، جئت راكضًا بجسدي المثقل بالإصابــــات.»
«لسبب ما، السيد ناتسكي لا يعتبر الآنسة رام عدوة بأي حال من الأحوال. إذا كان محقًا، أعتقد أنه ينبغي لنا أن نتعاون مع رغبات الآنسة رام الحقيقية.»
ما آمنت به انهار، ونتيجة لذلك، توقفت عن المضي قدمًا.
«حتى قراركِ الفاضل بأن تُجرحي أصبح بلا معنى، لأن هذا العالم منتهى.»
وبينما كانت ترتعد أمام تلك الأفكار، السبب الذي جعل إميليا تستطيع الوقوف هنا بعدما واجهت ماضيها وتغلبت عليه كان—
«حسنًا، بكل صراحة— هل يمكن أن نحصل على مساعدتك في رهان السيد ناتسكي مع الماركيز؟»
«عندما ترغب في فعل شيء… عندما ترغب في التغيير— هناك أشخاص سيساعدونك، أشخاص سيمدون يد العون لك. لقد علمني أنه يوجد أشخاص كهؤلاء.»
«يا للصرامة، يا لصرامة هذا الترحيب. رغم أنني، بمجرد سماعي أن إميليا قد تحدت المحاكمة، جئت راكضًا بجسدي المثقل بالإصابــــات.»
«أليس هذا مجرد وهم؟ خدعة لإقناعك بالوقوف مجددًا حتى…»
«—؟»
«لا، ليس كذبًا. ليست هراءً بلا أساس. سوبارو قال إنه يؤمن بي. تلك المشاعر لن تصبح كذبة… ولن أسمح لها بأن تكون كذلك. هذه هي إجابتي.»
بكل جرأة، رفضت إميليا اعتراض روزوال.
«أنتَ وسوبارو لا تشبهان بعضكما على الإطلاق.»
«مرحبًا، روزوال. والآن وقد فكرتُ في الأمر، لم تتح لي الفرصة لتصفية الأمور معك، أليس كذلك؟»
لن تسمح أبدًا بأن تُسمى الكلمات التي قالها لها، عندما كانت ضعيفة وعاجزة، كذبةً أو أملًا لا وجود له. لن تسمح بذلك.
الكلمات التي أعلنها ناتسكي سوبارو بحزم لإميليا— «أنا أعلم أنكِ تستطيعين فعلها»— لم تكن كذبة.
وفي تلك اللحظة، تذكرت إميليا الكلمات التي هزت قلبها.
إميليا كسرت قوقعتها، وبقيامها بذلك، انتهت الكذبة.
«—إذًا، ما رأيك بكل هذا؟»
هذا ما يُطلق عليه الناس أمنية… أمنية أن تنتهي الكذبة. ولهذا السبب—
«—سأحوِّل الأكاذيب إلى أماني. هذا ما أريد فعله الآن، وما يجب أن أفعله.»
هذا ما علَّمها إياه سوبارو بإخلاص، وبإصرارٍ بالغ.
في وقت ما، لم تكن إميليا قادرة على صياغة إجابة واضحة، ولكن في تلك اللحظة، أخيرًا استطاعت جمع أجزائها معًا.
شعرت إميليا بارتجافٍ في يد رام التي أمسكت بها، فرفعت رأسها متجهةً نحو الصوت الآتي من خلف رام— من جهة المستوطنة. وهناك، رأت شخصيةً تقف بهدوءٍ في الساحة العشبية.
—ستحقق هذه الأمنية. هذا ما كان على إميليا فعله.
«…»
«سوبارو وأنتَ متشابهان؟ ماذا تعني بذلك؟»
روزوال لم يقاطع إميليا، ولم يرد عليها. ومع ذلك، لم يتطلب الأمر سوى نظرة واحدة إلى عينيه لمعرفة أن كلماتها لم تمر مرور الكرام.

ضيَّقت رام عينيها، متملِّكةً شعورًا غريبًا بالاضطراب بسبب ذلك الألم المفاجئ في ذهنها، وتلك الفجوة في ذكرياتها.
كما كان مدركًا بنفسه، اعتمدت خطة العمل على نحوٍ كبير على العلاقة المتوقعة بين سوبارو وإميليا. لقد بُنيت الخطة على افتراض وثقة بوجود رابط ملموس بينهما.
كان نظره مثبّتًا على عيني إميليا، وكأنه يحاول أن يُبقي المشاعر العميقة التي تختمر خلف طلاء وجهه وابتسامته المتكلفة من الظهور على السطح. ومن هنا أدركت الحقيقة.
حالة روزوال النفسية كانت متشابكة للغاية بحيث يصعب تفسيرها. كان حكيمًا، وإميليا شعرت بأنه عاش في عالم يتجاوز إدراكها تمامًا. ولكن في تلك اللحظة، أدركت شيئًا واحدًا.
«—؟ أعتقد أن الجميع يكرهون ذلك؟»
ربما السبب الحقيقي الذي دفع روزوال للقدوم إلى هذا المكان كان—
في الواقع، وافقت رام على رأي روزوال مرة بعد مرة. معظم تصرفات سوبارو كانت عشوائية، وخطة أوتو حظيت فقط بحسن الحظ السماوي بفضل تعاون رام.
«—روزوال، هل يمكن أنك أردت مني أن أفعل شيئًا فظيعًا؟»
لقد نطق بكلمة ”تعاطف“ كما لو كان يشفق على ظروفها. ومع ذلك، كانت المشاعر الباردة المفعمة بالكآبة مختلفة عن التعاطف البسيط— بل أقرب ما تكون إلى الحقد.
«… تتحدثين حقًا مثل الشاب سوبارو.»
راودها هذا الاحتمال فجأة. وبمجرد أن نطقت به، لم تستطع التفكير في سبب آخر.
«—لأنه عندما يكون لديكِ طلب، من الضروري أن تُظهري إخلاصكِ.»
لوحت بالعصا بين يديها، ثم وجهت طرفها نحو سيدها المحبوب—
رغم إصاباته العميقة، دفع نفسه للحضور، ممزوجًا تهانيه بالإهانات، متحدثًا بخبث عن أنه لم يكن يتوقع منها شيئًا، وفوق ذلك كله، استهزاؤه بسوبارو— كان ذلك كله سلسلة من التصرفات غير المعتادة عليه، متراكبة الواحدة تلو الأخرى…
خاطبتها رام بشفاه مرتجفة، وقد لزمت الصمت طوال الحديث بين الاثنين. وعندما نادت عليها، أومأت إميليا برأسها بلطف، ثم تركت يد رام التي كانت تربط بينهما.
«يبدو كأنك تريد أن تغضبني حتى أعاقبك.»
بشجاعة، عبَّرت عن رغبتها في تحقيق أمنياتها ورغبات الآخرين على حدٍ سواء.
«… لمجرد توضيح الأمر، أنا أكره الألم.»
«… ماذا؟»
«—؟ أعتقد أن الجميع يكرهون ذلك؟»
«إذًا أسألكِ: ما الغرَض من مجيئكِ إلى هذا المكان؟»
أثار رده فضول إميليا وجعلها تميل برأسها، لكنه لم ينكر كلماتها.
هل كان يريد أن يُؤذى، أن يُعاقب؟ هل جاء روزوال إلى هنا من أجل ذلك؟
غادر روزوال الساحة العشبية، ولم يتجه نحو المستوطنة، بل نحو الغابة.
بينما ما زالت تُحني رأسها بأعمق درجات التواضع، كشفت رام بصراحة عما يختبئ في أعماق قلبها.
حتى إميليا استطاعت أن تفهم تلك النزعات التدميرية، ذلك النوع من كراهية الذات التي تصل إلى حد الرغبة في التعرض للعذاب. الفرق الوحيد يكمن في توجيه تلك المشاعر؛ إما نحو الداخل أو الخارج.
لأول مرة، تلقت إميليا مشاعر رام التي نُطقت بمثل هذه الفصاحة.
إميليا كانت من النوع الذي يوجه تلك المشاعر إلى الداخل. وربما كان ذلك ينطبق على روزوال أيضًا؟
«أنا مجرد رجل في منتصف الطريق نحو تحقيق حلم. ربما لهذا السبب أجد نفسي متفقًا مع السيد ناتسكي ومساعيه المتهورة. إررر، لقد خرجت عن الموضوع قليلًا.»
«وها قد تغيرتِ مجددًا— بالنسبة لي، هذا أمر صعب للغاية تقبله.»
«…»
«روزوال؟»
لم تستوعب إميليا تمامًا حتى نصف ما حوته كلمات رام من معانٍ. ولكن مشاعر رام، ورغباتها، كانت صادقة. وهذا وحده كان كافيًا.
«أحترم قراركِ، والرغبة في المضي قدمًا تستحق الثناء. أستطيع أن أفهم كيف تجدين الأمل بعد تقبلكِ للألم والجروح. ولهذا السبب أتعاطف معكِ.»
«…هممم.»
«…»
أتعاطف. كرر روزوال الكلمة التي بدأ بها حديثه مع إميليا مرة أخرى.
ولكن إميليا شعرت بأنها قد أوضحت مسبقًا أن تعاطفه في غير محله. ليس هناك سبب للنظر إليها على أنها مثيرة للشفقة، فقد وجدت الأمل بالفعل.
ومع إدراكه بأن هذا الأمل زائل، هز روزوال رأسه يمينًا ويسارًا. ففي النهاية—
«حتى قراركِ الفاضل بأن تُجرحي أصبح بلا معنى، لأن هذا العالم منتهى.»
«عالم منتهي…؟»
«وأوني، لمَن يرغب في ذلك، أوني يهدم أسسه ذاتها، أليس كذلك؟»
«إن أردتِ الدقة، هذا عالم يقترب من نهايته، ربما؟ إنه عالم انحرف عن مساره الصحيح، عالم ضل عن وجهته الأصلية. هذا الملجأ، والانتخاب الملكي، كلاهما أصبح بلا معنى.»
في الواقع، لم تكن لرام أي فرصة للنصر… حتى لو لم تكن قد أنهكتها المعركة الأخيرة مع غارفيل. ليس لديها حتى أدنى فرصة لتحقيق انتصار بالكاد لو قاتلت روزوال.
بينما نظر روزوال نحوها، شحنت رام الطاقة في العصا التي كانت تمسك بها، وأدخلت يدها الأخرى الفارغة في زي خادمتها. ثم—
أثناء هزه رأسه ببطء مجددًا، تحدث روزوال بهذه الكلمات، وكأنه يشعر بندم عميق ينبع من أعماق قلبه. لم تستطع إميليا إخفاء حيرتها أمام التناقض بين هيئته الخارجية والمشاعر التي بدت واضحة في حديثه.
وبقليل من الحذر الذي تسلل إلى صدرها، نطقت إميليا باسمه.
حتى مع شعوره بالإحباط العميق داخل قلبه، بدا أن روزوال يترك كل شيء يذهب.
عندما وصلت إلى وجهتها، كان الضوء الشاحب الخافت يضيء كلمات الدعم التي تركها لها سوبارو.
«روزوال… ما الذي تحاول التخلي عنه؟ أنت… أنت وأنا بدأنا هذا معًا، أليس كذلك؟ التخلي عنه في منتصف الطريق…هذا خطأ تمامًا!»
«في أننا نفرض أفكارنا المثالية على النساء اللواتي نحبهن.»
«—إذًا… ما الذي ترغبين في فعله؟»
الصوت لم يكن صادرًا من رام ولا روزوال. في المبنى الأبيض، تردد صدى هذا الصوت في الفجوة الأبعد بالخلف، مما جعل وجه روزوال يتلوَّى على نحو دراماتيكي.
بكلماتها، ردَّت إميليا مراوغةً الحقيقة، بينما ضاقت حاجباها برفق.
«لا أعرف! لكن الأمور الخاطئة تبقى خاطئة! لا أفهم ما الذي تحاول التخلي عنه، روزوال، لكن لا تفعل ذلك! هذا أناني للغاية، أليس كذلك؟!»
«رأيتُ الماضي. إذًا التالي سيكون…»
رغم إدراكها التام بأنها تبدو وكأنها تلقي محاضرة لطفل صغير، مدت إميليا يدها نحو روزوال لتحتويه.
إميليا كانت من النوع الذي يوجه تلك المشاعر إلى الداخل. وربما كان ذلك ينطبق على روزوال أيضًا؟
إذا كان روزوال سيحاول ترك كل شيء وراءه، فستمسك به وتعيده مرة أخرى بدلًا منه.
«سوبارو وأنتَ متشابهان؟ ماذا تعني بذلك؟»
«لا داعي للتخلي عن أي شيء— ليس بعد الآن.»
«… تتحدثين حقًا مثل الشاب سوبارو.»
قائلًا: ”يمكنك أن تفعلها“. قائلًا: ”«يمكنك أن تقاتل“. قائلًا: «ليس لديك وقت لتقف في مكانك».
بينما انتفخت إميليا صدرها بإصرار وهي تعلن عن معتقداتها، أطلق روزوال تنهيدة طويلة. ثم ترك كتفيه يتدليان كما لو أن الطاقة انسحبت من جسده بالكامل، وحوَّل نظره نحو القبر خلف إميليا.
«إلى أي مدى تستطيعين تحويل الكلمات الكبيرة إلى واقع ملموس؟»
«هذا ما سأثبته من الآن فصاعدًا، في القبر… لا، حتى خارج الملجأ.»
«—إذًا… ما الذي ترغبين في فعله؟»
أعلنت إميليا بحزم أمام روزوال أنها ستتحدى المحاكمة الثانية. ثم حوَّلت نظرها إلى رام، التي لم تترك يدها طوال الوقت.
وهكذا، خطت رام إلى ذلك المكان الذي لم تُدعَ إليه أبدًا.
ولكنه، على نحوٍ مثير للريبة، لم يُجب بشيء. لم تكن لدى روزوال أي كلمات تتابعها يمكن أن تضاهي سؤال إميليا.
«سيدتي إميليا.»
خاطبتها رام بشفاه مرتجفة، وقد لزمت الصمت طوال الحديث بين الاثنين. وعندما نادت عليها، أومأت إميليا برأسها بلطف، ثم تركت يد رام التي كانت تربط بينهما.
«سأذهب الآن يا رام— وسأحقق أمنيتكِ بطريقة ما.»
أثناء هزه رأسه ببطء مجددًا، تحدث روزوال بهذه الكلمات، وكأنه يشعر بندم عميق ينبع من أعماق قلبه. لم تستطع إميليا إخفاء حيرتها أمام التناقض بين هيئته الخارجية والمشاعر التي بدت واضحة في حديثه.
«…»
«يؤسفني أنني أهدرت كل تلك النوايا الحسنة التي بذلتها بشق الأنفس. أن تتحمل كل تلك الكلمات القاسية دون أن تنفجر غضبًا… إنها بالفعل ضعيفة حتى النهاية.»
أومأت رام برأسها وهي تخفض عينيها، ثم استدارت إميليا نحو مدخل القبر.
بهذه الكلمات التي وجهتها إلى روزوال وكلماتها الموجهة إلى رام، شعرت إميليا أنها قد قالت كل ما يمكن قوله. أما الباقي، فكان لا بد أن يُثبت بالجواب الذي ستتوصل إليه، ليس بالكلمات بل بالأفعال.
بفروه الرمادي، وذيله الطويل، وحركاته التي كانت مفرطة في اللطافة، ظهر قط صغير— الروح العظيمة.
كانت إميليا في تلك اللحظة تحاول، في غيابه، أن تؤكد مشاعره نحوها. ونظرًا إلى ابتسامتها الرقيقة، خفضت رام عينيها، وكأنها كانت راضية بما آلت إليه الأمور.
وضعت قدمها على درجات الحجر، متطلعةً مرة أخرى لدخول القبر الذي غادرته للتو. خلفها—
«كان ينبغي أن تدعيني أنجز ما جئت لتحقيقه، والذي كنت على بعد خطوة واحدة فقط من إتمامه. هذا وحده أمر مؤسف.»
«—أنتِ مخطئة في شيء واحد، سيدتي إميليا. كل شيء بدأ بيني وبين المعلمة.»
كان في صوته نغمة مليئة بالحنين.
«لا، ليس كذبًا. ليست هراءً بلا أساس. سوبارو قال إنه يؤمن بي. تلك المشاعر لن تصبح كذبة… ولن أسمح لها بأن تكون كذلك. هذه هي إجابتي.»
صوت بدا وكأنه يعشق بطريقة شيطانية، كأنه يدوس برفق على الروح.
ومع ذلك الصوت خلفها، تقدمت إميليا إلى داخل القبر الذي أضاء بضوء باهت.
«أن ترى… تعني نتائج محاكمتي؟»
توجهت نحو الغرفة الحجرية التي غادرتها في السابق. هناك، كانت المحاكمة الثانية في انتظارها.
—محاكمة لتحويل الكلمات الكاذبة التي نطق بها أحدهم إلى أمنية حقيقية.
«رأيتُ الماضي. إذًا التالي سيكون…»
ما الذي كان ينتظرها؟
«تقولين نفس الأشياء التي يقولها الشاب سوبارو. هل تعلمتِ ذلك أيضًا من تقليده؟»
ومع ألم المحاكمة الأولى الذي ما زال جاثمًا في صدرها، شقت إميليا طريقها مباشرة نحو الغرفة الحجرية.
عندما وصلت إلى وجهتها، كان الضوء الشاحب الخافت يضيء كلمات الدعم التي تركها لها سوبارو.
أثار رده فضول إميليا وجعلها تميل برأسها، لكنه لم ينكر كلماتها.
«أجل، أعتقد أنك كنتَ قلقًا من عدة أمور. حتى قبل فترة قصيرة جدًا، كنت دائمًا ما أتراجع عن كل شيء… تسببت في الكثير من المتاعب لبَاك، وسوبارو، والجميع.»
تبقت محاكمتان. وعندما تُجتاز المحاكمة الثالثة، سيستقبل الملجأ مستقبله.
وفي اللحظة التي راودها هذا التفكير…
«لكن، على الرغم من أنني سببتُ لهم الكثير من المتاعب، فقد ساعدني الجميع. أنا حقًا حمقاء عديمة الجدوى، ومع ذلك مدَّ لي الجميع يد العون. لذلك فكرتُ، لا يمكنني أن أفقد شجاعتي هنا…»
«—تأملي إلى الحاضر المجهول.»
«أحترم قراركِ، والرغبة في المضي قدمًا تستحق الثناء. أستطيع أن أفهم كيف تجدين الأمل بعد تقبلكِ للألم والجروح. ولهذا السبب أتعاطف معكِ.»
في اللحظة التي أدركت فيها أن الصوت الذي سمعت همسه في أذنها كان صوتها هي، شعرت وكأن قوتها تخور.
أعلن أوتو بحزم أنه لا يستطيع أن يجلب العار لعائلته. مثل هذا الإصرار لم يصل إلى قلب رام، التي لم تعد تملك عائلة خاصة بها— على الأقل، كان هذا المفترض.
فرغت أفكارها، وراودها إحساس قوي بأن روحها تُنتزع من جسدها، لتُحمل إلى مكان بعيد.
بحكم الواقع، كان روزوال حليفها الرئيسي وراعيها في المنافسة الملكية. كما أنه كان المنقذ الذي أخرجها من الجليد الذي غطي غابة إليور العظيمة، التي لم ترَها سوى في الماضي الذي كشفه لها المحاكمة— وهو مَن علَّمها إمكانية إنقاذ أبناء شعبها المتجمدين.
«سوبارو…»
«هل هذا هو السبب الوحيد الذي يجعلكَ تعتقد أنك وسوبارو متشابهان؟»
لم تكن متأكدة مما نطقت به شفاهها في اللحظة الأخيرة، لكنها كانت تعلم أن المحاكمة الثانية قد بدأت.
«لكن ها أنتِ الآن، يا سيدتي، واقفة على قدميكِ… ترفعين رأسكِ ومستعدة لمواجهة ما قد يأتي. أخصم نقاطًا قليلة فقط بسبب آثار الدموع التي لا تزال على وجنتيكِ.»
《٣》
بعد أن شاهد روزوال ورام دخول إميليا إلى القبر، بقي الاثنان وحدهما في الساحة العشبية.
بكلماتها، ردَّت إميليا مراوغةً الحقيقة، بينما ضاقت حاجباها برفق.
وضعت رام يدها اليسرى التي كانت إميليا تمسك بها بلطف على صدرها.
«—إذا كان القتال اثنين ضد واحد، ربما تكون الكفة لصالحنا؟»
«… يبدو أن عزمها مرتفع بطريقة غير متوقعة. سوبارو خصم لا يُستهان به.»
وفي حين كانت رام تفعل ذلك، قال روزوال، الذي راقب رحيل إميليا عن مسافة قصيرة، تلك الكلمات بصوت خافت.
«هذا ما سأثبته من الآن فصاعدًا، في القبر… لا، حتى خارج الملجأ.»
في البداية، بدت كلماته وكأنها تحاول عمدًا أن تهين وتستخف، إلا أن إميليا شعرت لسببٍ ما بأن المشاعر التي كشفها كانت أشبه برثاء يمزقه من الداخل.
لم يكن في نبرته الكثير من المشاعر، ولم يظهر عليه أنه يشعر بخيبة أمل كبيرة مما قاله.
«بما يكفي لتغيير الطقس، نعم— ذكرتُ سابقًا أن هذا العالم انحرف عن نواياي، لكن ذلك ليس دقيقًا تمامًا. الجزء الأهم لم يزل قائمًا. وفي هذا السياق، كنتِ… متسرعةً.»
في الحقيقة، تيقنت رام من ذلك. لم يكن لدى روزوال الاهتمام الصادق الذي أظهره قبل لحظات. والدليل على ذلك أنه لم يبدُ عليه أي انزعاج من نتيجة كانت بالتأكيد مخالفة لرغبته.
—سبب دمار وطنها.
«يؤسفني أنني أهدرت كل تلك النوايا الحسنة التي بذلتها بشق الأنفس. أن تتحمل كل تلك الكلمات القاسية دون أن تنفجر غضبًا… إنها بالفعل ضعيفة حتى النهاية.»
وفي أثناء تأكيده للعهد الذي لم يكن لينساه أبدًا، أخرج روزوال كتابًا أسود من جيبه. وحين وقعت عينا رام على الكتاب الأسود، أدركت على الفور أنه الكتاب البغيض الذي يصف النبوءات.
«… سيدي روزوال، منذ متى وأنت تراقب حديثي مع السيدة إميليا؟»
«كانت لي كلمات حادة مع الشاب سوبارو والبقية، كما تعلمين. أردت أن أرى حالة السيدة إميليا بنفسي… وهكذا رأيتكِ تجثين على ركبتك أمامها— أنتِ ممثلة بارعة بالفعل.»
ردَّ روزوال على سؤال رام بإعجاب واضح. بمعنى آخر، كان روزوال قد رأى رام وهي تبدي احترامها لإميليا وتطلب منها تحقيق أمنيتها الثمينة الوحيدة.
«عالم منتهي…؟»
وبعد أن شاهد ذلك وأجرى حواره مع إميليا نتيجة لذلك، كان يشكر رام الآن على جهودها.
إميليا كسرت قوقعتها، وبقيامها بذلك، انتهت الكذبة.
«لو استجابت السيدة إميليا للاستفزاز وحاولت إيذائي، لكانت نتيجة المنافسة قد حُسمت على الفور… ولكن ربما بدت الظروف مواتية أكثر مما ينبغي؟»
إذا كان روزوال سيحاول ترك كل شيء وراءه، فستمسك به وتعيده مرة أخرى بدلًا منه.
«بغض النظر عما إذا كنت أتذكرك أم لا، أليس عليك أن تعرِّف نفسك أولًا؟ بغض النظر عما إذا كنت أتذكرك أم لا.»
كان يقصد إثارة غضب إميليا وتحويله نحوه.
بكلماتها، ردَّت إميليا مراوغةً الحقيقة، بينما ضاقت حاجباها برفق.
إميليا فسَّرت ذلك على أنه رغبة منه في أن تُلحق به الأذى. وفي ذلك، كانت على حق. لكن حيث أخطأت إميليا هو اعتقادها أن روزوال أراد ذلك كعقاب لنفسه.
لمسه، الحديث معه، تنفيذ أوامره— كل هذه الأمور ملأت رام بمشاعر السعادة المطلقة. ليس من المبالغة القول إنها منحت حياتها معنى. بل عاشت من أجلها.
—لم يكن روزوال يسعى إلا لبذل أقصى جهده لتحقيق ما ورد في كتابه السحري.
كان اختيار الملك موجودًا لهذا الهدف. وكان الملجأ موجودًا لهذا الهدف. وكان هو نفسه موجودًا لهذا الهدف.
وضعت قدمها على درجات الحجر، متطلعةً مرة أخرى لدخول القبر الذي غادرته للتو. خلفها—
حزن غارفيل، وأماني ريوزو وشيما الطويلة الأمد، وتفاني فريدريكا، وكآبة سوبارو، وإحساس إميليا بالذنب، وحتى مشاعر رام— كل هذه الأمور كانت أدوات استخدمها لتحقيق النتيجة التي أرادها الكتاب السحري.
«يتجه الشاب سوبارو والبقية نحو القصر، تاركين هذا الملجأ للسيدة إميليا. في الظاهر، يبدو هذا الفعل ماهرًا، لكنه خطوة ضعيفة. أن يرى المرء ما يرغب في رؤيته فقط هو عادة يمكن أن يسميها أي شخص رذيلة. ولا أرغب في أن يكتسب الشاب سوبارو مثل هذه العادة.»
«ما الذي تعنيه بذلك؟»
«إنه مسكون بالكامل بشغف مفرط، شغفٌ قيَّد قلبه كسحر لعنة منذ زمن بعيد، بعيد جدًا. ربما كانت رام على ما يرام مع هذا الحال. ربما كانت رام راضية حتى لو لم ينظر نحوها، حتى لو اعتبرها مجرد أداة مفيدة لإشباع هوسه.»
«لم أتوقع أن ينضم غارفيل إلى جانب سوبارو. ولكن هذا يعني أيضًا أنه أُزيل من جانب الملجأ. وإذا أُغلقت عيناه المزعجتان، سأقترب من هدفي بطريقة لم تكن ممكنة من قبل.»
كان مبنًى يحافظ على لون أبيض شاذ، ينبعث منه نتن منفِّر يطرد أي زائر. إنه مختبر الساحرة، القابع في أعمق أرجاء الغابة، في نهاية طريق لا يستحق اسم الطريق— مكان سُمِع ذكره مرات عديدة، لكنها لم تصل إليه من قبل.
«…»
«همم، شكرًا لكِ.»
«سمعت أنكِ تعاونتِ معهم في مسألة غارفيل. بالطبع، أفهم أنكِ كنتِ تعتقدين أن ذلك كان أمرًا جيدًا. مشاعركِ عميقة. وأنا قد أخذتها في الحسبان أيضًا، بالطبع.»
كانت رام تخفض رأسها بينما اقترب روزوال، واضعًا يده برفق على كتفها. ومن خلال كفه، نقل روزوال إحساسًا عميقًا بالثقة تجاه رام.
كانت إميليا في تلك اللحظة تحاول، في غيابه، أن تؤكد مشاعره نحوها. ونظرًا إلى ابتسامتها الرقيقة، خفضت رام عينيها، وكأنها كانت راضية بما آلت إليه الأمور.
ومع ذلك، فإن ما قاله بشدة ليس مجرد كلمات لطيفة ومزخرفة.
ملامسة أصابعه جعلت قلب رام ينبض بسرعة داخل صدرها.
ومع ذلك، كانت محتوياتها المتطرفة تتطلب من واضع الخطة أن يستنزف نفسه حتى حافة الموت، حيث يضع شبكة خطيرة لا يظهر فيها سوى بصيص ضئيل من الأمل.
لمسه، الحديث معه، تنفيذ أوامره— كل هذه الأمور ملأت رام بمشاعر السعادة المطلقة. ليس من المبالغة القول إنها منحت حياتها معنى. بل عاشت من أجلها.
—في اللحظة التي راودها هذا الفكر، تجاهلت رام الفجوة الطفيفة التي أحدثها في قلبها.
«أأنت أحمق؟»
في تلك اللحظة، لم تستطع التباهي مع ذلك الشعور الأجوف.
بينما هزَّ رأسه برفض، جعل إعلان روزوال إميليا تفتح عينيها على اتساعهما.
«سيدي روزوال، ماذا تنوي أن تفعل من الآن فصاعدًا؟»
«في نقطة تُسمى بالتحدي الأخير، وفي منعطف يدفع السيد روزوال إلى التحرك بنفسه، من غير المعقول أن يكون الكتاب خارج حوزتك، نظرًا لاعتمادك عليه بصورة كبيرة.»
«ما أطلبه لم يتغير عن ذي قبل. ما عليَّ سوى أن أبذل جهدًا مضاعفًا قليلًا.»
«رام سوف…»
هذا لم يكن الاحترام السطحي الذي أبدته رام لإميليا في السابق، بل كان إظهارًا لاحترام حقيقي—
«—ينبغي عليكِ الانتظار هنا حتى تعود السيدة إميليا. فبعكس ذلك، سأشعر بوخز في صدري إن وصلت تلك الفتاة الشجاعة دون أن تجد أحدًا في استقبالها.»
«إلى حد كبير، نعم. لكن الأمر ليس كذلك بالنسبة للنهاية. لا يمكن الحديث عن النجاح أو الفشل حتى تصل الأمور المكتوبة في الكتاب بشأن الملجأ إلى نهايتها— إذا سقط الثلج هنا، ماذا سيحدث للملجأ؟ ما هو مستقبله؟»
من انحناءة بسيطة في زاويتي عينيه، بدا واضحًا أن كلماته لم تكن تحمل سخرية، بل تعبيرًا عن اهتمام موجه نحو إميليا.
«—سيدتي إميليا، أعتذر بشدة.»
ورغم أنه كان يحيك الخطط لإفشال مساعيها، كان يتصرف بنوع من القلق المشوَّه تجاه مشاعرها. ولم يقتصر ذلك على إميليا فقط؛ بل شمل سوبارو، وغارفيل، وكل مَن حوله.
ورغم أنه كان يحيك الخطط لإفشال مساعيها، كان يتصرف بنوع من القلق المشوَّه تجاه مشاعرها. ولم يقتصر ذلك على إميليا فقط؛ بل شمل سوبارو، وغارفيل، وكل مَن حوله.
لهذا، انحنت رام لروزوال، الشخص الوحيد الذي فتحت له قلبها، وراقبته وهو يبتعد.
ورغم أنه كان يحيك الخطط لإفشال مساعيها، كان يتصرف بنوع من القلق المشوَّه تجاه مشاعرها. ولم يقتصر ذلك على إميليا فقط؛ بل شمل سوبارو، وغارفيل، وكل مَن حوله.
غادر روزوال الساحة العشبية، ولم يتجه نحو المستوطنة، بل نحو الغابة.
بلا شك، شاركت رام في الخطة لأجل أهدافها الخاصة. لكن هذا الأمر كان شيئًا لا بد أن أوتو، الذي طرح الفكرة أساسًا، قد أدخله في حساباته مسبقًا.
تابعته رام بعينيها الزهريتين حتى اختفى عن نظرها، وبعد ذلك أغلقت عينيها برفق.
«هذه أول مرة تطلب مني رام شيئًا، أليس كذلك؟»
ثم—
«وها قد تغيرتِ مجددًا— بالنسبة لي، هذا أمر صعب للغاية تقبله.»
《٤》
—لم يكن روزوال يسعى إلا لبذل أقصى جهده لتحقيق ما ورد في كتابه السحري.
—ثم، مستندة إلى المشهد الذي ارتسم خلف عينيها المغلقتين، وصلت رام إلى مكان محدد.
«…»
كان مبنًى يحافظ على لون أبيض شاذ، ينبعث منه نتن منفِّر يطرد أي زائر. إنه مختبر الساحرة، القابع في أعمق أرجاء الغابة، في نهاية طريق لا يستحق اسم الطريق— مكان سُمِع ذكره مرات عديدة، لكنها لم تصل إليه من قبل.
«حياتي أو موتك يعود القرار بشأنه إلى رام.»
كلمات رام جعلت على وجه روزوال نظرة استفهام صادقة غطَّت ملامحه بالكامل. تلك الحقيقة جعلت رام تغمض عينيها.
وهكذا، خطت رام إلى ذلك المكان الذي لم تُدعَ إليه أبدًا.
رؤية رام وقد استرخت ملامحها أشعرت إميليا بشيءٍ من الرضا. وفي ذات الوقت، فكَّرت كم كان ذلك متماشيًا مع شخصية رام، التي رفضت البكاء رغم امتلاء عينيها بالدموع.
«…»
لم تحاول إخفاء صوت خطواتها. على العكس، تعمدت جعل خطواتها مسموعة، كأنها تنقش وجودها في أذني سامعها. بهذا، أعلنت أنها لاحقت صورته، واتَّبعت أثر خطواته، لتصل إلى هذا المكان.
تنهَّدت إميليا بعمق، ثم ارتسم على وجهها ابتسامة خفيفة.
كان ظهورها في هذا الشكل، وكأنه إجابة على العديد من الأسئلة التي لطالما طُرحت.
«… أفهم. إذًا باستخدام فن الرؤية البعيدة، كان الوصول إلى هنا أمرًا يسيرًا بالنسبة لك؟»
«إذاً، لست حتى بشريًا الآن؟! إر، أستطيع أن أفهم لماذا ترينني كإضافة لسيد ناتسكي، ولكن…»
وفقًا لذلك، تم التعرف فورًا على وجود الزائر -أو بالأحرى، الدخيل- من قبل الشيطان.
«هذه أول مرة تطلب مني رام شيئًا، أليس كذلك؟»
الشيطان الذي يقف عند مدخل الغرفة، نظر إلى رام بتعبير يحمل تساؤلًا، مع لمحة خفيفة من الحيرة ترتسم في عينيه المختلفتي اللون.
«—إذًا، ما رأيك بكل هذا؟»
أدركت رام جيدًا أن هذا التفاعل النادر منه جعل قلبها يخفق بمشاعر عذرية لا إرادية.
—اختارت رام خوض هذه المجازفة لأنها رأت فيها أفضل فرصة لتحقيق أمنيتها الخاصة.
ففن الرؤية البعيدة، الذي تناقلته عشيرة الأوني، لا يعمل إلا إذا كانت الترددات بين المستخدم والهدف متوافقة. بالطبع، إذا بذلت رام جهدًا، كان بإمكانها التوافق حتى مع وحوش الشياطين، لكن الأمر يختلف إذا كان الهدف شخصية رفيعة المستوى. في حال أغلق هذا الهدف قلبه، يصبح التوافق مستحيلًا تمامًا.
بمعنى آخر، لو لم يكن روزوال قد فتح قلبه لها بصدق، لما استطاع فن الرؤية البعيدة العمل عليه. في الواقع، لم تحاول رام مطلقًا أن تطابق رؤيتها مع رؤية روزوال حتى هذه اللحظة.
«ما الذي قاله لكِ؟ لا شك في أنها كانت كلمات مريحة للآذان. أنتِ لطيفة، سيدة إميليا، تنهارين بسهولة، مما يجعلكِ سهلة التعامل طالما حافظ المرء على اللباقة. حقًا، سيدة إميليا ضعيفة وهشة، شخصٌ يتشبث بآمال يائسة. لا بد أنكِ فكرتِ يومًا كيف يمكن أن تكون حياتك كفتاةٍ عادية، أليس كذلك؟ ولكن، هو لا يهتم بكِ أنتِ الحقيقية، ليس ولو للحظة. ما يحبه هو صورتك المثالية التي يحملها بداخله— أليس كذلك؟»
وهكذا وصلت أخيرًا إلى هذا المكان— حقًا، كيف لا تشعر بالبهجة؟
«—سيدتي إميليا، أعتذر بشدة.»
«أعتقد أنني طلبت منكِ انتظار السيدة إميليا؟»
«نعم، هذا ما طلبته.»
«إذًا أسألكِ: ما الغرَض من مجيئكِ إلى هذا المكان؟»
«—الإجابة بسيطة للغاية.»
ومع ذلك، كانت محتوياتها المتطرفة تتطلب من واضع الخطة أن يستنزف نفسه حتى حافة الموت، حيث يضع شبكة خطيرة لا يظهر فيها سوى بصيص ضئيل من الأمل.
عندما سألها، كتمت شغفًا جعل قلبها ينبض بعنف، وأجابت بتعبير ظل محايدًا وهادئًا.
تأرجح شعر رام الوردي وهي تسحب عصاها السحرية من تحت طرف تنورتها.
راودها هذا الاحتمال فجأة. وبمجرد أن نطقت به، لم تستطع التفكير في سبب آخر.
كانت عصاها المحببة، التي أهداها لها روزوال شخصيًا عندما بدأت خدمته— عصا سحرية تحتوي على قرن رام المكسور.
لوحت بالعصا بين يديها، ثم وجهت طرفها نحو سيدها المحبوب—
في القبر، في ذلك الممر البارد المصنوع من الحجارة، وضع سوبارو جبينه على جبين إميليا، صارخًا بغضب.
كانت الحقيقة التي كشفتها إيكيدنا صادمة، لكنها لم تغير ما يجب على إميليا فعله.
«—لقد جئت لأنتزع منك هوسك بالساحرة.»
وفي الوقت الذي تبادل فيه الاثنان تلك الكلمات، أضاء نور، وبدأ يأخذ شكلًا تدريجيًا—
نحو الرجل الذي أحبته بجنون، والذي استحوذت عليه مشاعر غرام مفرط، أفصحت رام عن حبها الخاص، أملًا في أن تحفره عميقًا في قلبه.
لم تكن قلقة على الإطلاق. لقد عرفت غارفيل لما يقارب عقدًا من الزمان. طالما بقي كما كان دائمًا، فمن غير المرجح أن تكون هي مَن تتراجع… على الرغم من أن الأمر كان يبدو سخيفًا.
《٥》
ألسنة لهب حمراء وزرقاء وخضراء— ضيَّق روزوال عينيه وهو يريها لهبًا بلون تلو الآخر.
—اختارت رام خوض هذه المجازفة لأنها رأت فيها أفضل فرصة لتحقيق أمنيتها الخاصة.
وعلى الرغم من أن الخطة ارتكزت إلى حد كبير على المنطق، إلا أن هذا الجزء بالتحديد كان يعتمد على الأمل والعاطفة.
«—تحياتي، الآنسة رام. الرياح هادئة الليلة. إنها ليلة جميلة، أليس كذلك؟»
تمتم روزوال بصوت منخفض. بدا وكأنه يكرر الكلمة التي نطقت بها رام للتو، وكأنه يصنِّف الغاية التي دفعتها إلى الحضور في هذا المكان.
راودها هذا الاحتمال فجأة. وبمجرد أن نطقت به، لم تستطع التفكير في سبب آخر.
كان ذلك عندما خاطبها رجل معين في الليلة التي سبقت تغلُّب إميليا على محاكمة القبر، الليلة التي تخلَّص فيها غارفيل من عقدة عشرة أعوام من الجمود، الليلة التي اهتز فيها سوبارو من إذلال قراءة أبيات حبه بصوت عالٍ أمام مَن لا يرغب بهم، والليلة التي راهنت فيها رام على تحقيق رغبتها التي طال انتظارها— بعبارة أخرى، كانت تلك الليلة السابقة لكل ذلك.
«…»
«حسنًا، بكل صراحة— هل يمكن أن نحصل على مساعدتك في رهان السيد ناتسكي مع الماركيز؟»
في زاوية من المستوطنة، وقفت رام ثابتة في مكان بدا خاليًا من أي وجود بشري، وهي تحدق بتركيز نحو ذلك الرجل.
«…إر؟»
بينما انعقد صوت إميليا في حلقها، وبخت رام روزوال بشدة بدلًا منها.
في لحظة واحدة، تحوَّلت نبرة الإطراء التي تغمر صوته إلى خيبة أمل واضحة.
«—أوه. كنت أتساءل مَن يكون، لكنك الرجل الذي كان مع باروسو، أليس كذلك؟ بدون باروسو بجانبك، وجودك ضعيف لدرجة أنني لم أتمكن من تحديد نوع المخلوق الذي أنت عليه.»
«إذاً، لست حتى بشريًا الآن؟! إر، أستطيع أن أفهم لماذا ترينني كإضافة لسيد ناتسكي، ولكن…»
«الرجل الذي يتحسَّن بكونه مجرد إضافة لشخص آخر لا قيمة له بمفرده. ابتعد.»
«أعني ما قلته تمامًا. أنا أتعاطف معكِ من أعماق قلبي— لهذا الوضع الذي تجدين نفسكِ فيه، حيث لم تعرفي أبدًا كيف تكونين محبوبة إلا من خلال تلبية توقعات الآخرين من حولك، فاضطررتِ حتمًا إلى مواجهة الماضي رغمًا عنكِ.»
«هذه الخادمة قاسية للغاية!!»
تركت رام الرجل دون حيلة يتشبث بها، وارتفع صوته ليصيح باستنكار، رافعًا وجهه نحو السماء. زفرت رام بهدوء على رد فعله، وضمت ذراعيها إلى صدرها وهي تنظر إليه بثبات من الأمام.
‹كبرياء رجالي أو ما شابه ذلك. يا له من شيء تافه.› فكرت رام باستخفاف وهي تزفر بسخرية.
«تلك كلمات مستعارة على مسرح مُعَدٍّ لكِ. حتى تحديكِ لهذه المحاكمة هنا كان خيارًا أتاحته لكِ إرادة الآخرين الطيبة… أنا لا ألومكِ. بل أنا، والآخرون من حولنا، مَن أرادوا منكِ ذلك. ولكن رغم أنه يفهم ذلك جيدًا، فقد فرض سوبارو عليكِ أمرًا قاسيًا كهذا.»
توترت كتفا الشاب، وبدت عليه علامات الارتباك تحت نظرة عينيها الزهريتين الضيقتين.
«يتجه الشاب سوبارو والبقية نحو القصر، تاركين هذا الملجأ للسيدة إميليا. في الظاهر، يبدو هذا الفعل ماهرًا، لكنه خطوة ضعيفة. أن يرى المرء ما يرغب في رؤيته فقط هو عادة يمكن أن يسميها أي شخص رذيلة. ولا أرغب في أن يكتسب الشاب سوبارو مثل هذه العادة.»
«هل تمانعين إن تبادلتُ الحديث معك؟»
«بغض النظر عما إذا كنت أتذكرك أم لا، أليس عليك أن تعرِّف نفسك أولًا؟ بغض النظر عما إذا كنت أتذكرك أم لا.»
«هذا ما سأثبته من الآن فصاعدًا، في القبر… لا، حتى خارج الملجأ.»
«لست متأكدًا لماذا كررتِ هذه العبارة مرتين…! …أنا أوتو سوين. قد أكون مجرد تاجر متجول، ولكنني أرجو منك أن تتفضلي بتذكُّر اسمي ووجهي مع ذلك.»
ثم فتح إحدى عينيه— مركزًا بجدية عينه الصفراء على إميليا.
«ذلك يعتمد على مدى إثارة المحادثة التي تحملها، وعلى أي قدر من الاهتمام يمكن أن تستحوذ عليه، أظنني يجب أن أقول ذلك.»
رغم أن سوبارو ورفاقه انطلقوا في مهمة أخرى، وأن رام وسكان الملجأ وأهل قرية إيرلهام قد يضطرون إلى الانتظار لفترة أطول، إلا أن إميليا لم تتوقف عن التقدم حتى تصل إلى النهاية.
—ستحقق هذه الأمنية. هذا ما كان على إميليا فعله.
«حسنًا، بكل صراحة— هل يمكن أن نحصل على مساعدتك في رهان السيد ناتسكي مع الماركيز؟»
«بغض النظر عما إذا كنت أتذكرك أم لا، أليس عليك أن تعرِّف نفسك أولًا؟ بغض النظر عما إذا كنت أتذكرك أم لا.»
كانت رام تنوي أن تُظهر أن زمام المبادرة بيدها، لكنها حبست أنفاسها قليلًا.
كان ذلك بسبب بساطة الطريقة التي تسلل بها الشاب -أوتو- إلى موقفها على نحو غير متوقع.
عندما ألقت نظرة نحوه، كان أوتو يبتسم وهو يراقب رام بعينين مدققتين. أدركت رام أن هذه الملاحظة الدقيقة، على عكس مظهره السطحي، جسدت قيمته الحقيقية كتاجر متجول.
«…حقًا من النادر سماعكِ تعتذرين. ماذا حدث فجأة؟»
«يبدو أنك محتال بارع.»
بينما كان روزوال يثني على الوضع، أخذت الروح العظيمة تلعق وجهها وهي ترد عليه.
«أنا مجرد رجل في منتصف الطريق نحو تحقيق حلم. ربما لهذا السبب أجد نفسي متفقًا مع السيد ناتسكي ومساعيه المتهورة. إررر، لقد خرجت عن الموضوع قليلًا.»
«…»
«هاه! كاذب دون خجل. وأيضًا، قد وضعت آمالك في المكان الخطأ. رغبات رام تتماشى مع أمنيات السيد روزوال. كيف توصلت إلى الاعتقاد أنني قد أساعد باروسو؟»
«أنا واثق أنك على دراية بأن مسار الأحداث، فيما يتعلق بأمنيات الماركيز، قد انحرف بالفعل؟ أظن أن السيد ناتسكي قد تحدث إليك عن هذا أيضًا.»
سوبارو، وهو يعلم أن غارفيل طيب، طلب منه أن يتغير مع ذلك.
«لن يكون كذلك. سيفقد حتمًا مبرر حياته وقد ينهار تمامًا. ومع ذلك، سيدتي إميليا، أنتِ الوحيدة التي تستطيعين فعل ذلك. ربما، من خلال إبعاده عن أسلوب الحياة الذي اعتمد عليه طيلة هذا الوقت… قد تصل مشاعري إليه أخيرًا.»
اقترب أوتو من رام بمجرد أن تأكد إلى حد معين.
«لحظتك؟»
شعرت رام بأن هذه الحقيقة مزعجة للغاية، فانزلقت يدها إلى فخذها.
«…»
كانت العصا السحرية المثبتة تحت تنورتها سلاحها المحبب الذي تستخدمه في إطلاق السحر.
بهذه الكلمات التي وجهتها إلى روزوال وكلماتها الموجهة إلى رام، شعرت إميليا أنها قد قالت كل ما يمكن قوله. أما الباقي، فكان لا بد أن يُثبت بالجواب الذي ستتوصل إليه، ليس بالكلمات بل بالأفعال.
رغم أنها رأت أن استخدام هذه العصا ضد شخص مثل أوتو مبالغة، إلا أن امتلاك وسيلة تسحقه على الفور كان كنزًا لا يُقدَّر بثمن.
توترت كتفا الشاب، وبدت عليه علامات الارتباك تحت نظرة عينيها الزهريتين الضيقتين.
«كما أرى الأمر، يبدو أن هذه لحظتي للتألق.»
«—أوه. كنت أتساءل مَن يكون، لكنك الرجل الذي كان مع باروسو، أليس كذلك؟ بدون باروسو بجانبك، وجودك ضعيف لدرجة أنني لم أتمكن من تحديد نوع المخلوق الذي أنت عليه.»
«لحظتك؟»
عندما شاهدت رام أوتو وهو يحرِّك وجنته بلطف ويمرر لسانه على شفتيه لترطيبهما، رفعت حاجبها نحوه بشيء من الفضول.
بالفعل، يمكن وصف جميع أفعال رام بأنها تنبع من خدمتها المخلصة لإميليا.
كان ذلك بسبب بساطة الطريقة التي تسلل بها الشاب -أوتو- إلى موقفها على نحو غير متوقع.
«إنها لحظة حرجة، أو شيء من هذا القبيل. ليس بالأمر الذي يمكنني التفاخر به، لكن نسبة نجاحي في هذه اللحظات جيدة للغاية.»
«لا أعرف! لكن الأمور الخاطئة تبقى خاطئة! لا أفهم ما الذي تحاول التخلي عنه، روزوال، لكن لا تفعل ذلك! هذا أناني للغاية، أليس كذلك؟!»
«ثقة مبالغ فيها. أتساءل، هل تعتقد حقًا أن مثل هذه الثقة كافية لإقناع رام بأن تنحني لإرادتك؟»
وفي اللحظة التي راودها هذا التفكير…
لم يكن لرام الاستعداد للاستماع إلى دعوات عابرة أو محاولات سطحية. مقارنةً بما كانت عليه سابقًا، لم يستطع أوتو إلا أن يظن أن موقف رام أصبح أكثر هشاشة… حقًا، كانت هذه لحظة حرجة بكل معنى الكلمة.
«في نقطة تُسمى بالتحدي الأخير، وفي منعطف يدفع السيد روزوال إلى التحرك بنفسه، من غير المعقول أن يكون الكتاب خارج حوزتك، نظرًا لاعتمادك عليه بصورة كبيرة.»
إذا استطاع ”التألق“ على نحوٍ صحيح، فربما—
«—إذا كان القتال اثنين ضد واحد، ربما تكون الكفة لصالحنا؟»
نظرت إميليا إلى رام التي انحنت أمامها، مائلة رأسها نحو الأرض بإجلال. كان هذا ما يُطلق عليه أسمى مراتب الاحترام. إنها أعظم مظاهر التكريم، ترمز إلى مَن يستحق التقدير الأعلى.
«لسبب ما، السيد ناتسكي لا يعتبر الآنسة رام عدوة بأي حال من الأحوال. إذا كان محقًا، أعتقد أنه ينبغي لنا أن نتعاون مع رغبات الآنسة رام الحقيقية.»
«… يا لها من شفقة.»
سوبارو، وهو يعلم أن غارفيل طيب، طلب منه أن يتغير مع ذلك.
«إيه؟»
«هل تفتقر إلى الخيال لتدرك ما الذي قد يحدث إذا أخبرت رام السيد روزوال بكل هذا…؟»
ظهرت على وجه أوتو ملامح البله عندما زفرت رام بعمق، ثم حركت يدها من على فخذها، لتستخدمها برفق في ترتيب خصلات شعرها.
في الحقيقة، تيقنت رام من ذلك. لم يكن لدى روزوال الاهتمام الصادق الذي أظهره قبل لحظات. والدليل على ذلك أنه لم يبدُ عليه أي انزعاج من نتيجة كانت بالتأكيد مخالفة لرغبته.
«قلت: يا لها من شفقة— الرجاء الشرح بتفصيل أكبر.»
حتى لو استمعت إلى تفسيره للنهاية، فلن يكون الوقت متأخرًا لتقرر ما إذا كانت ستستخدم عصاها السحرية أم لا.
—محاكمة لتحويل الكلمات الكاذبة التي نطق بها أحدهم إلى أمنية حقيقية.
غادر روزوال الساحة العشبية، ولم يتجه نحو المستوطنة، بل نحو الغابة.
على الأقل، لم يكن عرض أوتو التفاوض معها أمرًا سيئًا. نعم، ستستمع إليه بقبول ظاهري.
«…»
—وبالتالي، استجابةً لإلحاح رام، شرع أوتو في تقديم تفسير مفصَّل.
«—إذًا، ما رأيك بكل هذا؟»
أدركت رام جيدًا أن هذا التفاعل النادر منه جعل قلبها يخفق بمشاعر عذرية لا إرادية.
أثناء هزه رأسه ببطء مجددًا، تحدث روزوال بهذه الكلمات، وكأنه يشعر بندم عميق ينبع من أعماق قلبه. لم تستطع إميليا إخفاء حيرتها أمام التناقض بين هيئته الخارجية والمشاعر التي بدت واضحة في حديثه.
«أأنت أحمق؟»
«تلك كلمات مستعارة على مسرح مُعَدٍّ لكِ. حتى تحديكِ لهذه المحاكمة هنا كان خيارًا أتاحته لكِ إرادة الآخرين الطيبة… أنا لا ألومكِ. بل أنا، والآخرون من حولنا، مَن أرادوا منكِ ذلك. ولكن رغم أنه يفهم ذلك جيدًا، فقد فرض سوبارو عليكِ أمرًا قاسيًا كهذا.»
أعلنت رام أن ما تراه أمامها هو غبي بكل معنى الكلمة، والكلمة المناسبة لتوجيهها إلى أحمق هي ببساطة ”أحمق“.
إذا استطاع ”التألق“ على نحوٍ صحيح، فربما—
كان من الطبيعي أن تشعر برغبة في قول ذلك. فبعد كل شيء، شرح أوتو لم يكن ملخصًا ولا موجزًا، بل أقرب إلى كشف جميع الأوراق التي تملكها مجموعته.
«قلتَ إنك كنت تعتقد أنني لن أتمكن من القيام بذلك… هل غيَّرتَ رأيك قليلًا؟»
كان عهدها مع روزوال ضروريًا لتتمكن من البقاء على قيد الحياة بعد ذلك.
بمعنى آخر، فضح أمامها خطتهم بالكامل.
وعلى الرغم من أن الخطة ارتكزت إلى حد كبير على المنطق، إلا أن هذا الجزء بالتحديد كان يعتمد على الأمل والعاطفة.
«هل تفتقر إلى الخيال لتدرك ما الذي قد يحدث إذا أخبرت رام السيد روزوال بكل هذا…؟»
حتى فيما يتعلق بغارفيل، لم تشك لحظة أنه لو لم يتحدث سوبارو عن المثالية، رغم إدراكه لواقع الأمور، لما كان غارفيل استمع لتلك الكلمات أبدًا.
رغم إدراكها التام بأنها تبدو وكأنها تلقي محاضرة لطفل صغير، مدت إميليا يدها نحو روزوال لتحتويه.
«إذا كان لا بد من قول ذلك، لا أستطيع أن أتخيل أي شيء جيد. ولكن، بصفتي تاجرًا، لا بد لي من بذل كل جهد لتحقيق النجاح في عملي. إن فشلت بسبب الجبن، فسأجلب العار لعائلة سوين، كما تعلمين.»
لذلك، كان هناك حقًا ما يجب أن يُقال.
أعلن أوتو بحزم أنه لا يستطيع أن يجلب العار لعائلته. مثل هذا الإصرار لم يصل إلى قلب رام، التي لم تعد تملك عائلة خاصة بها— على الأقل، كان هذا المفترض.
فرغت أفكارها، وراودها إحساس قوي بأن روحها تُنتزع من جسدها، لتُحمل إلى مكان بعيد.
«الآنسة رام؟»
«—لا شيء على الإطلاق. المهم، في البداية، تصرَّفت وكأنك اقتربت مني لخدمة باروسو… لكن هذا قرارك أنت، أليس كذلك؟ على الأقل، لم تتحدث مع باروسو بخصوص غارف.»
لم يكن لرام الاستعداد للاستماع إلى دعوات عابرة أو محاولات سطحية. مقارنةً بما كانت عليه سابقًا، لم يستطع أوتو إلا أن يظن أن موقف رام أصبح أكثر هشاشة… حقًا، كانت هذه لحظة حرجة بكل معنى الكلمة.
«بغض النظر عما إذا كنت أتذكرك أم لا، أليس عليك أن تعرِّف نفسك أولًا؟ بغض النظر عما إذا كنت أتذكرك أم لا.»
«آه، إر… هل كان من الواضح لكِ هذا حقًا؟»
تابعته رام بعينيها الزهريتين حتى اختفى عن نظرها، وبعد ذلك أغلقت عينيها برفق.
«لا أعتقد أن باروسو سيوافق على مثل هذه الطيش. رام ترى أن هذا أمر سخيف للغاية للمحاولة منفردًا— لدرجة أن وصفه بعيب في الشخصية لا يبدو كافيًا.»
كان هذا التماسًا صادقًا. وبينما انحنت برأسها، حافظت رام على نبرة صوتها المعتادة، لكنها توسلت بكل جدية.
«يؤسفني أنني أهدرت كل تلك النوايا الحسنة التي بذلتها بشق الأنفس. أن تتحمل كل تلك الكلمات القاسية دون أن تنفجر غضبًا… إنها بالفعل ضعيفة حتى النهاية.»
بالطبع، خطة سوبارو وأوتو تضمنت تدابير مضادة ضد غارفيل.
«…»
ومع ذلك، كانت محتوياتها المتطرفة تتطلب من واضع الخطة أن يستنزف نفسه حتى حافة الموت، حيث يضع شبكة خطيرة لا يظهر فيها سوى بصيص ضئيل من الأمل.
«إنه حقًا عيب في الشخصية. لن أقول هذا لأي أحد، ولكن واضع هذه الخطة ليس مؤهلًا على الإطلاق ليكون تاجرًا.»
وعندما نُودي باسمه، بدأ الشخص، الذي لم يكن سوى روزوال إل. ميزرس، يتقدم نحوهم.
عندما وصلت إلى وجهتها، كان الضوء الشاحب الخافت يضيء كلمات الدعم التي تركها لها سوبارو.
«هل تنوين إخفاء مثل هذا الأمر بينما تنظرين مباشرة في عيني هكذا؟!»
«لن يكون كذلك. سيفقد حتمًا مبرر حياته وقد ينهار تمامًا. ومع ذلك، سيدتي إميليا، أنتِ الوحيدة التي تستطيعين فعل ذلك. ربما، من خلال إبعاده عن أسلوب الحياة الذي اعتمد عليه طيلة هذا الوقت… قد تصل مشاعري إليه أخيرًا.»
‹كبرياء رجالي أو ما شابه ذلك. يا له من شيء تافه.› فكرت رام باستخفاف وهي تزفر بسخرية.
ومع ذلك، وبغض النظر عن العزيمة الخفية التي أبداها أوتو، لم تكن الخطة سيئة. صحيح أن العناصر التي يتوقف عليها هذا الرهان ليست قليلة، لكن مقارنةً بالانتظار السلبي لهزيمة حتمية، كانت هذه المحاولة أكثر استشرافًا للمستقبل. وبناءً على ذلك…
«أرجوكِ، سيدتي إميليا، لا تتخذي هذا الوجه المليء بالخوف. حتى أنا أشعر بقلقٍ صادقٍ عليكِ… أو ربما ينبغي أن أقول، أشعر بالتعاطف معكِ.»
«—إذا كانت رام ستتعاون معك، فهناك ثلاثة شروط.»
رفعت رام ثلاث أصابع أثناء حديثها، فشدَّ أوتو ملامح وجهه وأومأ بعمق.
بحركة خفيفة، ألقى روزوال الكتاب الذي كان ممسكًا به، ثم أمسكه بيده الأخرى وأعاد وضعه في جيبه بحركة مسرحية. اشتعلت ألسنة اللهب من كفيه الفارغتين.
«أنا أستمع.»
《٢》
بينما هزَّ رأسه برفض، جعل إعلان روزوال إميليا تفتح عينيها على اتساعهما.
«أولًا، غارف. لا بأس بتلقينه درسًا بلكمة على أنفه. رام تتفق تمامًا مع كسر جسر أنف غارف— ولكن، بعد كسر أنفه، ستتركون أمره لرام.»
لكن بينما كانت تدير كلماتها، أطلق روزوال صوتًا خافتًا من حنجرته وعيناه مغلقتان.
«سأذهب الآن يا رام— وسأحقق أمنيتكِ بطريقة ما.»
«بما أنني آمل أن يكون لك دور كبير فيما يتعلق بغارفيل، فإن كلماتك هذه تبدو مشؤومة إلى حد كبير…»
«…»
«ذلك يعتمد على غارف.»
لم تكن قلقة على الإطلاق. لقد عرفت غارفيل لما يقارب عقدًا من الزمان. طالما بقي كما كان دائمًا، فمن غير المرجح أن تكون هي مَن تتراجع… على الرغم من أن الأمر كان يبدو سخيفًا.
«بعد ذلك، السيدة إميليا. لا أستطيع تحمل رؤية السيدة إميليا بهذه الحالة البائسة بعد أن فقدت الروح العظيمة. قل لباروسو أن يفعل شيئًا— ربما يكون ذلك خارجًا عن نوايا السيد روزوال، لكن حتى لو كان كذلك، فإنه إذا أردنا المضي قدمًا، فلا بد أن تستعيد السيدة إميليا عافيتها، سواء أحببت ذلك أم لا.»
«في هذه المسألة، الأمر يعتمد على السيد ناتسكي والسيدة إميليا، أليس كذلك؟ حسنًا، قد تكون هذه النقطة هي الأكثر غموضًا، ولكن هذه الخطة تعتمد في النهاية على نجاح ذلك.»
ومع ألم المحاكمة الأولى الذي ما زال جاثمًا في صدرها، شقت إميليا طريقها مباشرة نحو الغرفة الحجرية.
حكَّ أوتو وجهه بنظرة مستسلمة ردًا على تصريحات رام.
«قد لم أُصرح بذلك علنًا، ولكنني رأيت دائمًا الأمر كذلك. ومن الطبيعي أن يكون هذا رأيي.»
كانت رام تفهم حذره، ولكن مخاوفه لم تكن في محلها.
كما كان مدركًا بنفسه، اعتمدت خطة العمل على نحوٍ كبير على العلاقة المتوقعة بين سوبارو وإميليا. لقد بُنيت الخطة على افتراض وثقة بوجود رابط ملموس بينهما.
راودها هذا الاحتمال فجأة. وبمجرد أن نطقت به، لم تستطع التفكير في سبب آخر.
«لو استجابت السيدة إميليا للاستفزاز وحاولت إيذائي، لكانت نتيجة المنافسة قد حُسمت على الفور… ولكن ربما بدت الظروف مواتية أكثر مما ينبغي؟»
وعلى الرغم من أن الخطة ارتكزت إلى حد كبير على المنطق، إلا أن هذا الجزء بالتحديد كان يعتمد على الأمل والعاطفة.
«أعتقد ذلك؟ آه، بالطبع، مغادرته من دون أن ينتظرني جعلني أشعر ببعض… نعم، فقط القليل، القليل جدًا من الانزعاج، ولكن…»
«على أي حال، أتوقع منك قبول هذين الشرطين. بما أنهما ضروريان ويشكَّلان الحد الأدنى لنجاح خطتك، فلا أعتقد أنهما يشكلان عبئًا كبيرًا عليك، أليس كذلك؟»
«لست متأكدًا لماذا كررتِ هذه العبارة مرتين…! …أنا أوتو سوين. قد أكون مجرد تاجر متجول، ولكنني أرجو منك أن تتفضلي بتذكُّر اسمي ووجهي مع ذلك.»
«أظن ذلك. وبصراحة، كنت أظن أنك قد تطرحين طلبات أصعب وأقل قابلية للتحقيق بكثير… آه، أممم، أتخيل أن الشرط الثالث سيكون شيئًا مميزًا، لذا سألتزم الصمت وأنتظر.»
«…»
«يا له من أحمق.»
«…هل هذا كل ما لديك لتقوله؟»
«أحترم قراركِ، والرغبة في المضي قدمًا تستحق الثناء. أستطيع أن أفهم كيف تجدين الأمل بعد تقبلكِ للألم والجروح. ولهذا السبب أتعاطف معكِ.»
كانت رام تفهم حذره، ولكن مخاوفه لم تكن في محلها.
بلا شك، شاركت رام في الخطة لأجل أهدافها الخاصة. لكن هذا الأمر كان شيئًا لا بد أن أوتو، الذي طرح الفكرة أساسًا، قد أدخله في حساباته مسبقًا.
«—يتطلب ذلك قدرًا هائلًا من التركيز واستخدامًا بارعًا جدًا للمانا. في تلك اللحظة، كنتِ لتتمكني بالتأكيد من تحقيق انتقامكِ. حتى دون قرنكِ، لو هاجمتِ فجأة، فإن جراحي عميقة وثقتي بكِ كافية لتبطئ ردة فعلي… كنتِ بلا شك ستقضين عليَّ.»
كان من الطبيعي أن يقاتل غارفيل وإميليا وبعدهما سوبارو وأوتو بشجاعة. ولقد كان من الجيد أن تتعاون رام معهم بدرجات متفاوتة. لكن عندما يأتي الأمر إلى المشهد الأخير، لن تسمح رام لأي شخص آخر بالسيطرة عليه.
كان في صوته نغمة مليئة بالحنين.
ومن ثم، كان الشرط الأخير الذي طلبته رام من أوتو بسيطًا للغاية.
«ليس الأمر كذلك! سوبارو كان فقط…»
«—تحياتي، الآنسة رام. الرياح هادئة الليلة. إنها ليلة جميلة، أليس كذلك؟»
وكان ذلك—
«—لن تنطق بكلمة واحدة لباروسو حول سبب رغبة رام في الانضمام إلى رهانه.»
«…»
《٥》
كان هذا هو روزوال الذي شعرت إميليا بالحذر تجاهه— لأنها شعرت باهتزاز راحة يد رام في قبضتها.
وعندما وصلت إلى المشهد الأخير من الخطة التي انضمت إليها، وقفت رام وجهًا لوجه أمام روزوال.
«آه…» أجابت رام، وفتحت فمها قليلًا وهي تنحني. بدا وكأن التوتر قد تلاشى— ومعه أيضًا قلقها، كما بدا من ارتجاف شفتيها تعبيرًا عن الارتياح.
كان المكان هو المنشأة التي تم وضعها سرًا في الغابة— المكان الذي ورد ذكره في حكاية شيما عن الماضي، والذي اعتُبر، بمعنى من المعاني، العمود المركزي للملجأ إلى جانب القبر.
واصل روزوال مناجاته، بينما كانت رام تصلي أن يختفي هذا الشعور المزعج الذي يعكر ذكرياتها.
الرائحة العائمة والجدران البيضاء على نحو غير طبيعي تسببت في تشويش أجزاء من حواسها الخمس. ومع ذلك، لم يشكل الأمر مشكلة.
«هذه الفتاة الجديرة بالثناء التي قدمت جسدها في سبيل صديقتها، لتصبح نواة الملجأ. ولكن، في هذه اللحظة، هي ليست هدفي. ما أحتاجه هو هذه البلُّورة السحرية.»
الرجل الذي وقف أمام رام الآن كان قد سلب وعيها، وصولًا إلى أعمق زوايا روحها، منذ زمن بعيد، بعيد جدًا.
«ما الذي يجب أن أفعله؟»
«هوس، تقولين ذلــــــك…»
«تقولين نفس الأشياء التي يقولها الشاب سوبارو. هل تعلمتِ ذلك أيضًا من تقليده؟»
تمتم روزوال بصوت منخفض. بدا وكأنه يكرر الكلمة التي نطقت بها رام للتو، وكأنه يصنِّف الغاية التي دفعتها إلى الحضور في هذا المكان.
«…»
ولكن إميليا شعرت بأنها قد أوضحت مسبقًا أن تعاطفه في غير محله. ليس هناك سبب للنظر إليها على أنها مثيرة للشفقة، فقد وجدت الأمل بالفعل.
في تلك اللحظة، استعرض روزوال في عقله مجموعة متنوعة من الاحتمالات. معظمها كانت بعيدة كل البعد عن الحقيقة. لكنه توقف عند الاحتمال الذي بدا له الأكثر معقولية.
«لقد أحسنتِ صنعًا بتوفير فرصة اضطررتُ فيها إلى حمل كتاب المعرفة معي. لو تخلى غارفيل عن هوسه بالملجأ، ولو توقفت السيدة إميليا عن الاعتماد فقط على ذلك الشاب سوبارو، مهما كانت النتيجة، ليس هناك طريقة للحفاظ على ما كُتب سوى أن أتحرك بنفسي.»
«أجد ذلك غير مرجح، ومع ذلك… هل من الممكن حقًا أنك تنوين توجيه عصاك ضدي؟»
كان ذلك هو كتاب المعرفة، الهدف الذي جعل وجود روزوال كله قائمًا عليه، والكتاب الذي أقسمت رام منذ زمن بعيد على تدميره.
«بعد ذلك، السيدة إميليا. لا أستطيع تحمل رؤية السيدة إميليا بهذه الحالة البائسة بعد أن فقدت الروح العظيمة. قل لباروسو أن يفعل شيئًا— ربما يكون ذلك خارجًا عن نوايا السيد روزوال، لكن حتى لو كان كذلك، فإنه إذا أردنا المضي قدمًا، فلا بد أن تستعيد السيدة إميليا عافيتها، سواء أحببت ذلك أم لا.»
رفع حاجبيه بدهشة ظاهرة، كما لو أنه وصل إلى نتيجة واحدة بشأن تصرفات رام. وبعد استبعاد كل التفسيرات الخاطئة التي قد تُفهم من كلماتها، وصل أخيرًا إلى الجواب الصحيح.
«…هل هذا كل ما لديك لتقوله؟»
«مرحبًا، روزوال. والآن وقد فكرتُ في الأمر، لم تتح لي الفرصة لتصفية الأمور معك، أليس كذلك؟»
حين طرح عليها سؤاله، وقفت رام باستقامة أكبر، مما دفع روزوال إلى إسقاط كتفيه بإحباط.
حزن غارفيل، وأماني ريوزو وشيما الطويلة الأمد، وتفاني فريدريكا، وكآبة سوبارو، وإحساس إميليا بالذنب، وحتى مشاعر رام— كل هذه الأمور كانت أدوات استخدمها لتحقيق النتيجة التي أرادها الكتاب السحري.
«أفهم. لقد مضت سنوات منذ أن وجهتِ عصاك نحوي… لكن أن يأتي ذلك الوقت الآن، فهو أمر مؤسف. كما يؤلمني أن مَن تعرف مشاعري وهدفي تطلق عليهما وصف الهوس…»
«قلتُ لك، سيدي روزوال: لقد جئتُ لأنتزع منك هوسك بالساحرة.»
«قد لم أُصرح بذلك علنًا، ولكنني رأيت دائمًا الأمر كذلك. ومن الطبيعي أن يكون هذا رأيي.»
«—روزوال، هل يمكن أنك أردت مني أن أفعل شيئًا فظيعًا؟»
«طبيعي… حسنًا، أعتقد أن ذلك طبيعي بالنظر إلى الأيام الطويلة التي قضيتها في خضوع مهين.»
على الرغم من أنه أسقط كتفيه، ظل روزوال يحدق في رام، التي وقفت بثبات، بعينيه المتلونتين. ومن هناك، مرر أصابعه برفق عبر شعره النيلي.
إحساس بالواجب اشتعل حارًا ومتوهجًا.
«أن ترى فقط ما ترغب في رؤيته… يا له من تناقض مؤلم أن أعيب هذه السمة على الشاب سوبارو، بينما تحدث تحت أنفي مباشرة. كنت أعتقد أن أفعالك تعبير عن إخلاصك بطريقتك الخاصة.»
وهكذا، خطت رام إلى ذلك المكان الذي لم تُدعَ إليه أبدًا.
«توجيه ضربة لغارف كان لأجل هدف رام ولتصحيح غبائه… ولكن ماذا نويت أن تفعل بتلك المجموعة بدون رام؟»
«ما الذي يجب أن أفعله؟»
«لا يمكنني إنكار الشعور بأنك قد لعبتِ دورك جيدًا في النهاية. ففي هذا التحدي الأخير، اختار الشاب سوبارو أن يخاطر ويلقي بشبكته— أما أنا، فلا ألهو بمثل هذه المقامرات.»
بينما كان روزوال يثني على الوضع، أخذت الروح العظيمة تلعق وجهها وهي ترد عليه.
تحدث وكأن قرار سوبارو كان مليئًا بالسخرية، بينما بدت أفكاره الخاصة منطقية تمامًا.
—تصاعدت ألسنة اللهب المسحورة بألوانها الآسرة، بينما حلَّقت شفرات الرياح عديمة اللون بجنون، وغرق العالم في برودة متفجرة متجمّدة.
في الواقع، وافقت رام على رأي روزوال مرة بعد مرة. معظم تصرفات سوبارو كانت عشوائية، وخطة أوتو حظيت فقط بحسن الحظ السماوي بفضل تعاون رام.
الأوني، الذين قيل إنهم الأقوى بين جميع أشباه البشر، لم يتمكنوا من مواجهة قوة الأعداد الغاشمة. قلة عددهم مقارنة بعدد خصومهم الذين أحاطتهم بكراهيةٍ هائلة جعلتهم يلقون حتفهم في ليلة واحدة فقط، تاركين وراءهم رام و”—“ فقط.
تقييم رام لسوبارو لم يتغير: كان رجلًا ذا توقيت جيد، وهذا كل شيء.
من انحناءة بسيطة في زاويتي عينيه، بدا واضحًا أن كلماته لم تكن تحمل سخرية، بل تعبيرًا عن اهتمام موجه نحو إميليا.
«لكن امتلاك توقيت جيد هو ميزة باروسو الوحيدة. لم أكن مخطئة عندما راهنت على تلك الميزة الوحيدة— لديك الكتاب، أليس كذلك؟»
أتعاطف. كرر روزوال الكلمة التي بدأ بها حديثه مع إميليا مرة أخرى.
«سيدتي إميليا، بما أنكِ قد عدتِ، هل يعني هذا أن…؟»
«…»
«في نقطة تُسمى بالتحدي الأخير، وفي منعطف يدفع السيد روزوال إلى التحرك بنفسه، من غير المعقول أن يكون الكتاب خارج حوزتك، نظرًا لاعتمادك عليه بصورة كبيرة.»
بعد أن شاهد روزوال ورام دخول إميليا إلى القبر، بقي الاثنان وحدهما في الساحة العشبية.
لم يخبر روزوال أحدًا بمكان الكتاب الذي يحمل المعرفة. كل ما كانت تعرفه رام هو أن الكتاب موجود، لكنه كان دائمًا بعيدًا عن متناولها.
كانت هذه فرصة ذهبية؛ فقد كانت على يقين أن روزوال يحمل الكتاب بين يديه، ولهذا جاءت.
ففن الرؤية البعيدة، الذي تناقلته عشيرة الأوني، لا يعمل إلا إذا كانت الترددات بين المستخدم والهدف متوافقة. بالطبع، إذا بذلت رام جهدًا، كان بإمكانها التوافق حتى مع وحوش الشياطين، لكن الأمر يختلف إذا كان الهدف شخصية رفيعة المستوى. في حال أغلق هذا الهدف قلبه، يصبح التوافق مستحيلًا تمامًا.
—هذه اللحظة كانت ما انتظرته رام منذ زمن بعيد.
«—لم أنسَ. فهو، في النهاية، الوعد الوحيد الذي قُطع بينك وبيني.»
«سيف، لمَن يحمل السيف؛ سحر، لمن يتشبث بالسحر؛ ولهب، لمَن يكرِّس نفسه له.»
«وأوني، لمَن يرغب في ذلك، أوني يهدم أسسه ذاتها، أليس كذلك؟»
«… ظننتُ أن الأحداث انحرفت عن تلك المكتوبة في كتاب المعرفة؟»
كان مبنًى يحافظ على لون أبيض شاذ، ينبعث منه نتن منفِّر يطرد أي زائر. إنه مختبر الساحرة، القابع في أعمق أرجاء الغابة، في نهاية طريق لا يستحق اسم الطريق— مكان سُمِع ذكره مرات عديدة، لكنها لم تصل إليه من قبل.
—كلمات العهد الذي تبادله كلاهما أعادتهما إلى بداية علاقتهما تمامًا.
حين كانت رام لا تزال طفلة صغيرة، كانت تلك هي كلمات العهد الذي قطعته بعد أن استعارت مساعدة روزوال للانتقام من الأوغاد الذين دمَّروا قبيلة الأوني. عهدٌ جمع بين ولائها لروزوال وعزمها الراسخ على تدمير رغبته.
«لم أتوقع أن ينضم غارفيل إلى جانب سوبارو. ولكن هذا يعني أيضًا أنه أُزيل من جانب الملجأ. وإذا أُغلقت عيناه المزعجتان، سأقترب من هدفي بطريقة لم تكن ممكنة من قبل.»
كان ذلك العهد الذي أُبرم بين رام وروزوال، عهدًا لم يتبدل أو يتراجع على مدار تسع سنوات منذ أن صيغ—
خلف جفونها المغلقة، كانت دوَّامة من المشاعر المعقدة التي لم تسمح أبدًا لها بأن تصل إلى السطح. أغلقت رام عينيها حتى يكون أسلوب حياتها، الذي أقسمت ألا تكشفه لأحد طوال حياتها، مرئيًا لها وحدها.
«…هممم.»
«إذًا، حان الوقت أخيرًا. بالتأكيد، انحرفت مجريات هذا العالم عن المسار الذي أرجوه. وهكذا، يدخل العهد حيز التنفيذ… مما يعني أنني، وقد فقدت رغبتي، عليَّ أن أقدم نفسي لكِ كما وعدت.»
«بعد ذلك، السيدة إميليا. لا أستطيع تحمل رؤية السيدة إميليا بهذه الحالة البائسة بعد أن فقدت الروح العظيمة. قل لباروسو أن يفعل شيئًا— ربما يكون ذلك خارجًا عن نوايا السيد روزوال، لكن حتى لو كان كذلك، فإنه إذا أردنا المضي قدمًا، فلا بد أن تستعيد السيدة إميليا عافيتها، سواء أحببت ذلك أم لا.»
تقييم رام لسوبارو لم يتغير: كان رجلًا ذا توقيت جيد، وهذا كل شيء.
كان روزوال قد عقد العزم على أن يكرس حياته الطويلة بأكملها للوصول إلى النتيجة المسجلة في الكتاب السحري، لدرجة أن فشله في تحقيق ذلك كان يعني أن حياته تفقد أي معنى.
إحساس بالواجب اشتعل حارًا ومتوهجًا.
«إذا تحولتُ إلى قوقعة فارغة، يمكنك أن تفعلي بي ما تشائين. لقد وعدتُ بذلك، أليس كذلك؟»
«حياتي أو موتك يعود القرار بشأنه إلى رام.»
«لكن، على الرغم من أنني سببتُ لهم الكثير من المتاعب، فقد ساعدني الجميع. أنا حقًا حمقاء عديمة الجدوى، ومع ذلك مدَّ لي الجميع يد العون. لذلك فكرتُ، لا يمكنني أن أفقد شجاعتي هنا…»
«نعم، هذا هو… وبعد مرور ما يقرب من عشر سنوات، قد تحقِّقين أخيرًا انتقامك.»
«إلى حد كبير، نعم. لكن الأمر ليس كذلك بالنسبة للنهاية. لا يمكن الحديث عن النجاح أو الفشل حتى تصل الأمور المكتوبة في الكتاب بشأن الملجأ إلى نهايتها— إذا سقط الثلج هنا، ماذا سيحدث للملجأ؟ ما هو مستقبله؟»
وفي أثناء تأكيده للعهد الذي لم يكن لينساه أبدًا، أخرج روزوال كتابًا أسود من جيبه. وحين وقعت عينا رام على الكتاب الأسود، أدركت على الفور أنه الكتاب البغيض الذي يصف النبوءات.
في أعماق صدرها، شعرت إميليا بمشاعر لا يمكن وصفها، مشاعر أثقلت قلبها كما لم تفعل من قبل.
كان ذلك هو كتاب المعرفة، الهدف الذي جعل وجود روزوال كله قائمًا عليه، والكتاب الذي أقسمت رام منذ زمن بعيد على تدميره.
«…»
«بالنسبة لكِ، لا بد أن هذه كانت سنوات طويلة ومُرَّة للغاية، أليس كذلك؟»
«أجل، أعتقد أنك كنتَ قلقًا من عدة أمور. حتى قبل فترة قصيرة جدًا، كنت دائمًا ما أتراجع عن كل شيء… تسببت في الكثير من المتاعب لبَاك، وسوبارو، والجميع.»
«…»
«فبعد كل شيء… أُجبرتِ على أن تقطعي عهدًا بالولاء رغمًا عنكِ، وأن تقضي أيامكِ مع الرجل الذي كان سببًا في دمار وطنكِ. حتى لو كان جسدكِ، بلا قرنكِ، بحاجة إلى دعمي كي تبقي على قيد الحياة، فلا بد أن ذلك كان مؤلمًا للغاية. أعتذر إن كنتُ قد تصرفت وكأنه أمر لا يعنيني.»
كان صوته خاليًا من المشاعر بينما كان يُعرِّف وجود رام ذاته.
ومع إدراكه بأن هذا الأمل زائل، هز روزوال رأسه يمينًا ويسارًا. ففي النهاية—
—سبب دمار وطنها.
ربما لم يعد روزوال نفسه قادرًا على التمييز بوضوح إن كان يتحدث عن سوبارو أم عن ذاته.
تلك الكلمات أعادت إلى ذهن رام ذكرى مؤلمة، واستيقظت معها غصةٌ في صدرها. تذكرت قريتها وهي تحترق، صرخات إخوتها، أسرتها التي كانت تبحث عن نجاة قبل أن تلتهمها النيران.
أثناء هزه رأسه ببطء مجددًا، تحدث روزوال بهذه الكلمات، وكأنه يشعر بندم عميق ينبع من أعماق قلبه. لم تستطع إميليا إخفاء حيرتها أمام التناقض بين هيئته الخارجية والمشاعر التي بدت واضحة في حديثه.
الأوني، الذين قيل إنهم الأقوى بين جميع أشباه البشر، لم يتمكنوا من مواجهة قوة الأعداد الغاشمة. قلة عددهم مقارنة بعدد خصومهم الذين أحاطتهم بكراهيةٍ هائلة جعلتهم يلقون حتفهم في ليلة واحدة فقط، تاركين وراءهم رام و”—“ فقط.
لم يسبق أن شعرت روحها بهذا التوهج.
«كما أرى الأمر، يبدو أن هذه لحظتي للتألق.»
كان عهدها مع روزوال ضروريًا لتتمكن من البقاء على قيد الحياة بعد ذلك.
هذا الأمر، ”—“ لم يكن يعرفه أبدًا، وشيئًا لم تخبر رام به ”—“.
«…»
«—؟»
ضيَّقت رام عينيها، متملِّكةً شعورًا غريبًا بالاضطراب بسبب ذلك الألم المفاجئ في ذهنها، وتلك الفجوة في ذكرياتها.
كان الأمر أشبه بنوع غريب من فقدان الذاكرة، وكأنها فقدت ذكرى امتلكها منذ وقت قصير فقط. شعرت بأنها فقدت شيئًا لا يمكنها تحمُّل فقدانه، لكن رام تجاوزت هذا الإحساس، متظاهرة بأن شيئًا لم يحدث بقوة إرادتها.
«بتغطيتكِ لقلبكِ المشتعل بالانتقام بقشرة من الولاء، أخفيتِ نيران الثأر التي غذيتِها داخلكِ بينما كنتِ تخدمينني. ومع ذلك، لم يكن هناك قطعة شطرنج أفضل منكِ. حتى الآن، وحتى داخل هذا الملجأ، هل تدركين مدى كونكِ كنزًا ثمينًا؟»
«روزوال… ما الذي تحاول التخلي عنه؟ أنت… أنت وأنا بدأنا هذا معًا، أليس كذلك؟ التخلي عنه في منتصف الطريق…هذا خطأ تمامًا!»
واصل روزوال مناجاته، بينما كانت رام تصلي أن يختفي هذا الشعور المزعج الذي يعكر ذكرياتها.
—كانت هذه ريوزو ماير، الهوية الحقيقية للملجأ، كما أوضحت شيما.
«—سأحوِّل الأكاذيب إلى أماني. هذا ما أريد فعله الآن، وما يجب أن أفعله.»
امتلأت كلماته بالثناء. وبفهمه للنوايا الحقيقية التي أخفتها رام طويلًا، بدا كأنه يقدم ثناءً خافتًا على تجاوزها عددًا من المصاعب للوصول إلى هذه النقطة من أجل تحقيق رغبتها.
بشجاعة، عبَّرت عن رغبتها في تحقيق أمنياتها ورغبات الآخرين على حدٍ سواء.
كان هذا نوعًا مشوهًا للغاية من الحب.
«…»
كان ذلك حبًا يشبه احتفالًا بتقدُّم طفل في الأيام والشهور، حبًا يمدُّ يده نحو رغبة على وشك أن تتحقق.
لكن—
هذا لم يكن الاحترام السطحي الذي أبدته رام لإميليا في السابق، بل كان إظهارًا لاحترام حقيقي—
«في أننا نفرض أفكارنا المثالية على النساء اللواتي نحبهن.»
«—وهذا ما يجعل الأمر أكثر إيلامًا. قراركِ ليس سوى تسرع صغير، سابق لأوانه.»
ربما كان هذا السبب. ربما كان هذا هو.
في لحظة واحدة، تحوَّلت نبرة الإطراء التي تغمر صوته إلى خيبة أمل واضحة.
ارتسمت ابتسامة على وجه روزوال بينما هز رأسه يمينًا ويسارًا، متجهمًا وهو ينظر إلى رام التي كانت تقبض على عصاها.
وقبل أي شيء آخر، لم يكن سوبارو موجودًا ليقوله، لذا وجب على الفتاة المرتعشة أن تفعل ذلك بدلًا منه.
«لقد أحسنتِ صنعًا بتوفير فرصة اضطررتُ فيها إلى حمل كتاب المعرفة معي. لو تخلى غارفيل عن هوسه بالملجأ، ولو توقفت السيدة إميليا عن الاعتماد فقط على ذلك الشاب سوبارو، مهما كانت النتيجة، ليس هناك طريقة للحفاظ على ما كُتب سوى أن أتحرك بنفسي.»
واحدة تلو الأخرى، أُلغيت الشروط المطلوبة لتحقيق ما كُتب. العقد التي أعاقت تحرير الملجأ قد حُلَّت واحدة تلو الأخرى. ولم يتبق من البيادق التي كانت تخدمه أحد.
«—لم أنسَ. فهو، في النهاية، الوعد الوحيد الذي قُطع بينك وبيني.»
«رغم ذلك، ربما يكون القول إنَّها حُلَّت بدلًا من إلغائها يعكس على نحوٍ أفضل عمق مشاعركِ.»
كان ذلك عندما خاطبها رجل معين في الليلة التي سبقت تغلُّب إميليا على محاكمة القبر، الليلة التي تخلَّص فيها غارفيل من عقدة عشرة أعوام من الجمود، الليلة التي اهتز فيها سوبارو من إذلال قراءة أبيات حبه بصوت عالٍ أمام مَن لا يرغب بهم، والليلة التي راهنت فيها رام على تحقيق رغبتها التي طال انتظارها— بعبارة أخرى، كانت تلك الليلة السابقة لكل ذلك.
«الوسائل البسيطة عادةً ما تكون الأقل جدوى. رام أيضًا لا تحب الرهانات الخاسرة، كما تعلم.»
كانت إميليا قد نسيت حتى أنها ضعيفة، وأنها لا تفعل سوى الكلام، وتفتقر إلى الكثير من الأمور. دفنت ذكرياتها وتصرفت كما لو أن تلك الجوانب منها غير موجودة، لكن سوبارو فهمها. رأى حقيقتها.
«لكن، ألا ترين أن الشباك التي نسجتها هذه المرة كانت كثيــــرة جدًا؟ بالطبع، من الجدير بالثناء أن قدرتكِ على الاستبصار سمحت لكِ بتتبعي حتى هذه النقطة. لقد كان ذلك إنجازًا رائعًا. ولكن…»
ومع ذلك الصوت خلفها، تقدمت إميليا إلى داخل القبر الذي أضاء بضوء باهت.
قطع روزوال كلامه عند هذا الحد، وأغمض إحدى عينيه، بينما اخترقت نظرة عينه الصفراء رام كما لو كانت تقرأ أعماقها.
«روزوال، لماذا أتيت إلى هنا؟ هل أتيت حقًا فقط لتقول هذا؟»
في الحقيقة، تيقنت رام من ذلك. لم يكن لدى روزوال الاهتمام الصادق الذي أظهره قبل لحظات. والدليل على ذلك أنه لم يبدُ عليه أي انزعاج من نتيجة كانت بالتأكيد مخالفة لرغبته.
«كان ينبغي أن تدعيني أنجز ما جئت لتحقيقه، والذي كنت على بعد خطوة واحدة فقط من إتمامه. هذا وحده أمر مؤسف.»
«… مثل هذه الكلمات تجعل من الصعب قول ”شكرًا“ فحسب. علاوةً على ذلك، لم أنتهِ بعد من المحاكمة كما ينبغي. قيل لي إن هناك محاكمتين أخرتين.»
ومع فتح ذراعيه على اتساعهما، وبيده اليمنى ما زال يحمل الكتاب، حوَّل روزوال انتباهه إلى ما يقف خلفه.
في أعماق المنشأة، تشكَّلت فجوة في الجدران البيضاء، ومن تلك الغرفة المخفية انبعث ضوء أزرق خافت. وحين تبعت رام الضوء بنظرها، دخل في مجال رؤيتها بلُّورة ضخمة بشكل غير معتاد— لا، بلورة سحرية، كانت داخلها فتاة شابة محبوسة.
«بالنسبة لكِ، لا بد أن هذه كانت سنوات طويلة ومُرَّة للغاية، أليس كذلك؟»
—كانت هذه ريوزو ماير، الهوية الحقيقية للملجأ، كما أوضحت شيما.
«هذه الفتاة الجديرة بالثناء التي قدمت جسدها في سبيل صديقتها، لتصبح نواة الملجأ. ولكن، في هذه اللحظة، هي ليست هدفي. ما أحتاجه هو هذه البلُّورة السحرية.»
ألقى روزوال كلماته بنبرةٍ ملغَّمة بالسخرية بينما واصل حديثه مع إميليا، التي بدت حائرةً عاجزةً عن فهم مقصده.
«تنوي استخدام البلُّورة السحرية كعامل محفز لتنفيذ سحر عظيم؟»
«بما يكفي لتغيير الطقس، نعم— ذكرتُ سابقًا أن هذا العالم انحرف عن نواياي، لكن ذلك ليس دقيقًا تمامًا. الجزء الأهم لم يزل قائمًا. وفي هذا السياق، كنتِ… متسرعةً.»
«إلى أي مدى تستطيعين تحويل الكلمات الكبيرة إلى واقع ملموس؟»
«… يا لها من شفقة.»
«… ظننتُ أن الأحداث انحرفت عن تلك المكتوبة في كتاب المعرفة؟»
في يد رام كانت البلورة السحرية التي منحها إياها سوبارو— إلى جانب روح عظيمة غير متعاقدة، تقدم مساعدتها لليلة واحدة بدافع من نزوة.
«إلى حد كبير، نعم. لكن الأمر ليس كذلك بالنسبة للنهاية. لا يمكن الحديث عن النجاح أو الفشل حتى تصل الأمور المكتوبة في الكتاب بشأن الملجأ إلى نهايتها— إذا سقط الثلج هنا، ماذا سيحدث للملجأ؟ ما هو مستقبله؟»
وضعت رام يدها اليسرى التي كانت إميليا تمسك بها بلطف على صدرها.
وفقًا لما جاء في كتاب المعرفة، سيجعل روزوال الثلوج تتساقط على الملجأ. وكان قد جاء من أجل البلُّورة السحرية لاستخدامها كمحفز سحري. ولتنفيذ تلك التعويذة—
«لست واثقة تمامًا من العلاقة بين كوني ملكة وإنقاذ روزوال.»
«—يتطلب ذلك قدرًا هائلًا من التركيز واستخدامًا بارعًا جدًا للمانا. في تلك اللحظة، كنتِ لتتمكني بالتأكيد من تحقيق انتقامكِ. حتى دون قرنكِ، لو هاجمتِ فجأة، فإن جراحي عميقة وثقتي بكِ كافية لتبطئ ردة فعلي… كنتِ بلا شك ستقضين عليَّ.»
—اختارت رام خوض هذه المجازفة لأنها رأت فيها أفضل فرصة لتحقيق أمنيتها الخاصة.
«… لم أفعل ذلك؛ لأن القيام بذلك كان سيصبح بلا معنى.»
حالة روزوال النفسية كانت متشابكة للغاية بحيث يصعب تفسيرها. كان حكيمًا، وإميليا شعرت بأنه عاش في عالم يتجاوز إدراكها تمامًا. ولكن في تلك اللحظة، أدركت شيئًا واحدًا.
«—؟ بمعنى أنكِ ترغبين في التغلب عليَّ وأنا في كامل قوتي؟ أم أنكِ ترغبين في تدميري دون إضاعة ثانية واحدة؟ أستطيع أن أفهم مثل هذه المشاعر إلى حد ما، ولكن…»
«هل تعلم؟، سوبارو قال لي إنني امرأة مزعجة.»
«لا. كنتُ على حق… أنتَ حقًا لا تفهم شيئًا، أليس كذلك؟»
«رام تعتقد ذلك أيضًا… هذه ستكون أول مرة تنحني فيها رام أمام السيدة إميليا بصدق.»
كلمات رام جعلت على وجه روزوال نظرة استفهام صادقة غطَّت ملامحه بالكامل. تلك الحقيقة جعلت رام تغمض عينيها.
لم يسبق أن شعرت روحها بهذا التوهج.
«تلك كلمات مستعارة على مسرح مُعَدٍّ لكِ. حتى تحديكِ لهذه المحاكمة هنا كان خيارًا أتاحته لكِ إرادة الآخرين الطيبة… أنا لا ألومكِ. بل أنا، والآخرون من حولنا، مَن أرادوا منكِ ذلك. ولكن رغم أنه يفهم ذلك جيدًا، فقد فرض سوبارو عليكِ أمرًا قاسيًا كهذا.»
«…»
«كانت لي كلمات حادة مع الشاب سوبارو والبقية، كما تعلمين. أردت أن أرى حالة السيدة إميليا بنفسي… وهكذا رأيتكِ تجثين على ركبتك أمامها— أنتِ ممثلة بارعة بالفعل.»
خلف جفونها المغلقة، كانت دوَّامة من المشاعر المعقدة التي لم تسمح أبدًا لها بأن تصل إلى السطح. أغلقت رام عينيها حتى يكون أسلوب حياتها، الذي أقسمت ألا تكشفه لأحد طوال حياتها، مرئيًا لها وحدها.
في القبر، في ذلك الممر البارد المصنوع من الحجارة، وضع سوبارو جبينه على جبين إميليا، صارخًا بغضب.
ثم فتحت عينيها ورفعت وجهها. بنظرة مفعمة بالجرأة المعتادة، وجَّهت عينيها نحو روزوال.
كان من الطبيعي أن يقاتل غارفيل وإميليا وبعدهما سوبارو وأوتو بشجاعة. ولقد كان من الجيد أن تتعاون رام معهم بدرجات متفاوتة. لكن عندما يأتي الأمر إلى المشهد الأخير، لن تسمح رام لأي شخص آخر بالسيطرة عليه.
«لن تتحقق أمنيتك. أن تلتزم بالشروط بدقة، وتقدِّم نفسك لي كقشرة فارغة، أمر عديم المعنى. استقبال نسخة مكسورة منك لن يرضيني.»
«نعم، هذا هو… وبعد مرور ما يقرب من عشر سنوات، قد تحقِّقين أخيرًا انتقامك.»
«…»
«عجبًا، كم أنتِ طماعة. ولكن، ماذا ستفعلين حيال ذلك؟ حتى لو كنتِ أوني اختيرت من قِبل السماء، فقد ابتعدتِ الآن كثيرًا عن ذلك من دون قرنكِ. حتى مع جراحي، أستطيع استخدام سحر كافٍ تمامًا قبل البدء في الطقوس. هل تستطيعين هزيمتي؟»
كانت إميليا قد جذبت رام بالقرب منها بيدها اليمنى، بينما مدَّت يدها اليسرى نحو روزوال. ولم يكن هذا مجرد استعراض، إذ إن تدفق المانا المتوهج الذي شعر به روزوال أوضح أنها لم تكن تمزح.
«لا، من المؤكد أنه سيكون من الغباء التفكير في ذلك. أدرك جيدًا أن قوة السيد روزوال لا تقل إلا عن معلمه.»
عندما زعم روزوال أنها لا تملك فرصة للنصر، أومأت رام برأسها، دون أن تبذل أي جهد لدحض كلامه.
«طبيعي… حسنًا، أعتقد أن ذلك طبيعي بالنظر إلى الأيام الطويلة التي قضيتها في خضوع مهين.»
في الواقع، لم تكن لرام أي فرصة للنصر… حتى لو لم تكن قد أنهكتها المعركة الأخيرة مع غارفيل. ليس لديها حتى أدنى فرصة لتحقيق انتصار بالكاد لو قاتلت روزوال.
ومع ألم المحاكمة الأولى الذي ما زال جاثمًا في صدرها، شقت إميليا طريقها مباشرة نحو الغرفة الحجرية.
«—إذًا، ما الهدف الذي تسعين لتحقيقه، أتســــاءل؟»
تمتم روزوال بصوت منخفض. بدا وكأنه يكرر الكلمة التي نطقت بها رام للتو، وكأنه يصنِّف الغاية التي دفعتها إلى الحضور في هذا المكان.
بحركة خفيفة، ألقى روزوال الكتاب الذي كان ممسكًا به، ثم أمسكه بيده الأخرى وأعاد وضعه في جيبه بحركة مسرحية. اشتعلت ألسنة اللهب من كفيه الفارغتين.
—أما الآن، بعد أن استعادت إميليا ماضيها، فقد كان ذلك سببًا للفرح العميق الذي لا يُقاس.
«—وهذا ما يجعل الأمر أكثر إيلامًا. قراركِ ليس سوى تسرع صغير، سابق لأوانه.»
ألسنة لهب حمراء وزرقاء وخضراء— ضيَّق روزوال عينيه وهو يريها لهبًا بلون تلو الآخر.
بينما نظر روزوال نحوها، شحنت رام الطاقة في العصا التي كانت تمسك بها، وأدخلت يدها الأخرى الفارغة في زي خادمتها. ثم—
ثم فتح إحدى عينيه— مركزًا بجدية عينه الصفراء على إميليا.
«رام لا تملك فرصة للنصر. هذا أمر واضح. لكن—»
«—إذا كان القتال اثنين ضد واحد، ربما تكون الكفة لصالحنا؟»
بينما انعقد صوت إميليا في حلقها، وبخت رام روزوال بشدة بدلًا منها.
في الحقيقة، تيقنت رام من ذلك. لم يكن لدى روزوال الاهتمام الصادق الذي أظهره قبل لحظات. والدليل على ذلك أنه لم يبدُ عليه أي انزعاج من نتيجة كانت بالتأكيد مخالفة لرغبته.
«…»
«ما أطلبه لم يتغير عن ذي قبل. ما عليَّ سوى أن أبذل جهدًا مضاعفًا قليلًا.»
الصوت لم يكن صادرًا من رام ولا روزوال. في المبنى الأبيض، تردد صدى هذا الصوت في الفجوة الأبعد بالخلف، مما جعل وجه روزوال يتلوَّى على نحو دراماتيكي.
«لا، من المؤكد أنه سيكون من الغباء التفكير في ذلك. أدرك جيدًا أن قوة السيد روزوال لا تقل إلا عن معلمه.»
لم يكن ما ظهر على وجهه غضبًا، بل مفاجأة مما لم يكن متوقعًا وسعادة بما أدهشه جعلته يبتسم.
هذا لم يكن الاحترام السطحي الذي أبدته رام لإميليا في السابق، بل كان إظهارًا لاحترام حقيقي—
«إذًا، هذا هو السبب الأكبر لموافقتكِ على خطة الشاب سوبارو…!»
توترت كتفا الشاب، وبدت عليه علامات الارتباك تحت نظرة عينيها الزهريتين الضيقتين.
«قلتُ لك، سيدي روزوال: لقد جئتُ لأنتزع منك هوسك بالساحرة.»
«اسمحي لي أن أقدم لكِ رسميًا تهنئتي، مرفقة بمشاعر التعاطف والشفقة— لقد أبلَيتِ بلاءً حسنًا في اجتياز المحاكمة. كنتُ أعتقد حقًا أنه يفوق قدراتكِ.»
ردًا على صوت روزوال المرتفع، أمسكت رام بطرف تنورتها وانحنت.
وفي الوقت الذي تبادل فيه الاثنان تلك الكلمات، أضاء نور، وبدأ يأخذ شكلًا تدريجيًا—
أمام إميليا التي لم تنطق بكلمة، انحنت رام برأسها ببطء.
«—وأنا روح طليقة، جامحة… لقد مضى وقت طويل منذ أن خضتُ معركة طويلة. لنباشر إذًا، أليس كذلك؟»
«فبعد كل شيء… أُجبرتِ على أن تقطعي عهدًا بالولاء رغمًا عنكِ، وأن تقضي أيامكِ مع الرجل الذي كان سببًا في دمار وطنكِ. حتى لو كان جسدكِ، بلا قرنكِ، بحاجة إلى دعمي كي تبقي على قيد الحياة، فلا بد أن ذلك كان مؤلمًا للغاية. أعتذر إن كنتُ قد تصرفت وكأنه أمر لا يعنيني.»
بفروه الرمادي، وذيله الطويل، وحركاته التي كانت مفرطة في اللطافة، ظهر قط صغير— الروح العظيمة.
«إلى حد كبير، نعم. لكن الأمر ليس كذلك بالنسبة للنهاية. لا يمكن الحديث عن النجاح أو الفشل حتى تصل الأمور المكتوبة في الكتاب بشأن الملجأ إلى نهايتها— إذا سقط الثلج هنا، ماذا سيحدث للملجأ؟ ما هو مستقبله؟»
«…»
في يد رام كانت البلورة السحرية التي منحها إياها سوبارو— إلى جانب روح عظيمة غير متعاقدة، تقدم مساعدتها لليلة واحدة بدافع من نزوة.
ارتسمت على وجه إميليا ابتسامة متألمة بينما كانت رام تصرح بصراحة بأن احترامها السابق كان سطحيًا. وبعينين ورديتين تخترقان عيني إميليا البنفسجيتين، بدأت رام بتقديم اعتذارها، أو ربما اعترافها.
ذلك الرجاء الهادئ أحدث رجفة ملموسة في كيان إميليا بأكمله.
«نعم، أرى— في هذه الحالة، بكل تأكيد!»
—تصاعدت ألسنة اللهب المسحورة بألوانها الآسرة، بينما حلَّقت شفرات الرياح عديمة اللون بجنون، وغرق العالم في برودة متفجرة متجمّدة.
«مرحبًا، روزوال. والآن وقد فكرتُ في الأمر، لم تتح لي الفرصة لتصفية الأمور معك، أليس كذلك؟»
«لكن ها أنتِ الآن، يا سيدتي، واقفة على قدميكِ… ترفعين رأسكِ ومستعدة لمواجهة ما قد يأتي. أخصم نقاطًا قليلة فقط بسبب آثار الدموع التي لا تزال على وجنتيكِ.»
—كلمات العهد الذي تبادله كلاهما أعادتهما إلى بداية علاقتهما تمامًا.
بينما كان روزوال يثني على الوضع، أخذت الروح العظيمة تلعق وجهها وهي ترد عليه.
«—!!»
«أتعنين المحاكمة؟ نعم، لقد… آه، قد يكون من الصعب قليلًا القول إنها قد انتهت. لقد واجهتُ ماضيَّ بصدق… لكن يبدو أنها لم تنتهِ بعد.»
ثم أومأ روزوال بعمق على الموقف الذي دبَّرته رام بمخططاتها.
ليس هناك مجال للتردد. فقط ابتسمت إميليا وأومأت برأسها.
كان اختيار الملك موجودًا لهذا الهدف. وكان الملجأ موجودًا لهذا الهدف. وكان هو نفسه موجودًا لهذا الهدف.
«—تعالي.»
«كما تشاء.»
بكل جرأة، رفضت إميليا اعتراض روزوال.
—تصاعدت ألسنة اللهب المسحورة بألوانها الآسرة، بينما حلَّقت شفرات الرياح عديمة اللون بجنون، وغرق العالم في برودة متفجرة متجمّدة.
《٣》
في تلك اللحظة الواحدة، انتشرت موجات الصدمة في الملجأ، وبدأت رقصة مروعة بين أوني، وشيطان، وروح.

«—اجلسي على العرش الملكي.»
////
رام، التي ظلت صامتة حتى تلك اللحظة، وقفت بجانب إميليا، ووجهت مشاعرها القوية بلونها الوردي نحو سيدها. ولكن روزوال تجاهل ذلك، متلقيًا هذه المشاعر وكأنها نسيم منعش، وواصل حديثه مع إميليا.
حسابنا بتويتر @ReZeroAR
كانت الحيرة تختفي من صدرها المشتعل. لم يعد هناك قلقٌ يشغل ذهنها.
