6 - أكاذيب لأجل الأمل.
《١》
لم يكن لرام الاستعداد للاستماع إلى دعوات عابرة أو محاولات سطحية. مقارنةً بما كانت عليه سابقًا، لم يستطع أوتو إلا أن يظن أن موقف رام أصبح أكثر هشاشة… حقًا، كانت هذه لحظة حرجة بكل معنى الكلمة.
كانت إميليا قد نسيت حتى أنها ضعيفة، وأنها لا تفعل سوى الكلام، وتفتقر إلى الكثير من الأمور. دفنت ذكرياتها وتصرفت كما لو أن تلك الجوانب منها غير موجودة، لكن سوبارو فهمها. رأى حقيقتها.
«—وهكذا، انطلق ثلاثة من الحمقى إلى القصر في عربة تجرها تنانين برية حكيمة.»
بعد أن انتهت من إخبار إميليا بالتفاصيل، بدا التعب على رام، ووضعت يدها على جبينها.
تقييم رام لسوبارو لم يتغير: كان رجلًا ذا توقيت جيد، وهذا كل شيء.
تفاجأت إميليا قليلًا برؤية رام تعبر عن مشاعرها بوضوح لأول مرة. ومع ذلك، لم يكن تفاجؤها مقتصرًا على رام وحدها، بل امتد إلى الطرق الفوضوية التي يتبعها سوبارو والآخرون أيضًا.
«يبدو أنكما كنتما في خضم محادثة، لكن يبدو أن الأمر قد انتهى… أليس كذلك؟»
«همم، فهمت ما قلتيه لي… حقًا، إنه لا يُصلح أبدًا.»
رؤية رام وقد استرخت ملامحها أشعرت إميليا بشيءٍ من الرضا. وفي ذات الوقت، فكَّرت كم كان ذلك متماشيًا مع شخصية رام، التي رفضت البكاء رغم امتلاء عينيها بالدموع.
تنهَّدت إميليا بعمق، ثم ارتسم على وجهها ابتسامة خفيفة.
وكانت رام تحدق فيها، وقد ضيقت عينيها الورديتين بنظرة تساؤل.
«هذه الفتاة الجديرة بالثناء التي قدمت جسدها في سبيل صديقتها، لتصبح نواة الملجأ. ولكن، في هذه اللحظة، هي ليست هدفي. ما أحتاجه هو هذه البلُّورة السحرية.»
«… أهذا كل ما لديكِ لتقولي؟»
«أعتقد ذلك؟ آه، بالطبع، مغادرته من دون أن ينتظرني جعلني أشعر ببعض… نعم، فقط القليل، القليل جدًا من الانزعاج، ولكن…»
شعرت إميليا بارتجافٍ في يد رام التي أمسكت بها، فرفعت رأسها متجهةً نحو الصوت الآتي من خلف رام— من جهة المستوطنة. وهناك، رأت شخصيةً تقف بهدوءٍ في الساحة العشبية.
«حتى هذه اللحظة، لم أؤمن بقدرة السيدة إميليا على الوقوف بثبات. لقد تحطم قلبكِ في محنة المحاكمة، وخسرتِ حتى الروح العظيمة التي كانت سندكِ… تساءلت، كيف لكِ أن تقفي على قدميكِ مجددًا؟»
فقد كان قد ودعها عندما ذهبت إلى القبر بمظاهر عظيمة.
إذًا، ما الذي جعله يرحل فجأة دون أن ينتظرها ليشهد النهاية؟
«لكن أعتقد أنه لم يكن يظن أن هناك فرصة لأني سأفشل، هاه؟»
حقًا، لو كان سوبارو أكثر قلقًا بشأن إميليا من أي شيء آخر، لكان بالتأكيد انتظرها. لكن عدم وجوده هناك يعني أن هناك شخصًا آخر، في مكان بعيد عنها، يحتاج إليه أكثر. شخص لم يستطع إلا أن ينطلق مسرعًا نحوه.
كان من الطبيعي أن يقاتل غارفيل وإميليا وبعدهما سوبارو وأوتو بشجاعة. ولقد كان من الجيد أن تتعاون رام معهم بدرجات متفاوتة. لكن عندما يأتي الأمر إلى المشهد الأخير، لن تسمح رام لأي شخص آخر بالسيطرة عليه.
—لأنها تعلم أن ناتسكي سوبارو يؤمن بها، استطاعت أن ترى الأمور بتلك النظرة.
«أشعر ببعض الغضب، رغم ذلك. أتساءل، هل يحبني سوبارو حقًا؟»
«تلك كلمات مستعارة على مسرح مُعَدٍّ لكِ. حتى تحديكِ لهذه المحاكمة هنا كان خيارًا أتاحته لكِ إرادة الآخرين الطيبة… أنا لا ألومكِ. بل أنا، والآخرون من حولنا، مَن أرادوا منكِ ذلك. ولكن رغم أنه يفهم ذلك جيدًا، فقد فرض سوبارو عليكِ أمرًا قاسيًا كهذا.»
«… باروسو يهتم بالسيدة إميليا أكثر من أي شخص آخر.»
«همم، شكرًا لكِ.»
كانت رام تفهم حذره، ولكن مخاوفه لم تكن في محلها.
تقييم رام لسوبارو لم يتغير: كان رجلًا ذا توقيت جيد، وهذا كل شيء.
كانت إميليا في تلك اللحظة تحاول، في غيابه، أن تؤكد مشاعره نحوها. ونظرًا إلى ابتسامتها الرقيقة، خفضت رام عينيها، وكأنها كانت راضية بما آلت إليه الأمور.
كانت إميليا في تلك اللحظة تحاول، في غيابه، أن تؤكد مشاعره نحوها. ونظرًا إلى ابتسامتها الرقيقة، خفضت رام عينيها، وكأنها كانت راضية بما آلت إليه الأمور.
«سيدتي إميليا، بما أنكِ قد عدتِ، هل يعني هذا أن…؟»
«بما أنني آمل أن يكون لك دور كبير فيما يتعلق بغارفيل، فإن كلماتك هذه تبدو مشؤومة إلى حد كبير…»
«أتعنين المحاكمة؟ نعم، لقد… آه، قد يكون من الصعب قليلًا القول إنها قد انتهت. لقد واجهتُ ماضيَّ بصدق… لكن يبدو أنها لم تنتهِ بعد.»
ليس هناك مجال للتردد. فقط ابتسمت إميليا وأومأت برأسها.
«ماذا تقصدين؟»
«نعم، أعلم ذلك. بل أشعر ببعض الراحة— وتحديدًا، لأنكِ، حتى وأنتِ تبدين كالمغفلة، كنتِ قادرةً على فهم أن تهنئتي قبل قليل لم تكن كلمات نابعة من حسن نية.»
«المحاكمة لا تنتهي بواحدة فقط. هناك محاكمتان أخرتان… ويبدو أن الحاجز لن يُزال إلا بعد إتمامها. لذا، سأحتاج إلى العودة إلى القبر فيما بعد…»
«رأيتُ الماضي. إذًا التالي سيكون…»
‹كبرياء رجالي أو ما شابه ذلك. يا له من شيء تافه.› فكرت رام باستخفاف وهي تزفر بسخرية.
كانت الحقيقة التي كشفتها إيكيدنا صادمة، لكنها لم تغير ما يجب على إميليا فعله.
«—لم أنسَ. فهو، في النهاية، الوعد الوحيد الذي قُطع بينك وبيني.»
وهكذا، خطت رام إلى ذلك المكان الذي لم تُدعَ إليه أبدًا.
رغم أن سوبارو ورفاقه انطلقوا في مهمة أخرى، وأن رام وسكان الملجأ وأهل قرية إيرلهام قد يضطرون إلى الانتظار لفترة أطول، إلا أن إميليا لم تتوقف عن التقدم حتى تصل إلى النهاية.
«—روزوال، هل يمكن أنك أردت مني أن أفعل شيئًا فظيعًا؟»
«لقد أصبحتِ حقًا قوية، سيدتي إميليا.»
«طبيعي… حسنًا، أعتقد أن ذلك طبيعي بالنظر إلى الأيام الطويلة التي قضيتها في خضوع مهين.»
ربما تمتمت رام بذلك لأنها رأت العزم في عيني إميليا. شعرَت إميليا بنبرة تردد غريبة في صوت رام، وانتظرت بصمت لكي تُكمل رام كلماتها.
وعندما نُودي باسمه، بدأ الشخص، الذي لم يكن سوى روزوال إل. ميزرس، يتقدم نحوهم.
وبينما غرق الجو في الصمت، بدا أن رام غارقة في تأمل عميق لبعض الوقت. وأخيرًا—
واحدة تلو الأخرى، أُلغيت الشروط المطلوبة لتحقيق ما كُتب. العقد التي أعاقت تحرير الملجأ قد حُلَّت واحدة تلو الأخرى. ولم يتبق من البيادق التي كانت تخدمه أحد.
«—سيدتي إميليا، أعتذر بشدة.»
بحكم الواقع، كان روزوال حليفها الرئيسي وراعيها في المنافسة الملكية. كما أنه كان المنقذ الذي أخرجها من الجليد الذي غطي غابة إليور العظيمة، التي لم ترَها سوى في الماضي الذي كشفه لها المحاكمة— وهو مَن علَّمها إمكانية إنقاذ أبناء شعبها المتجمدين.
«…حقًا من النادر سماعكِ تعتذرين. ماذا حدث فجأة؟»
«بما يكفي لتغيير الطقس، نعم— ذكرتُ سابقًا أن هذا العالم انحرف عن نواياي، لكن ذلك ليس دقيقًا تمامًا. الجزء الأهم لم يزل قائمًا. وفي هذا السياق، كنتِ… متسرعةً.»
«رام تعتقد ذلك أيضًا… هذه ستكون أول مرة تنحني فيها رام أمام السيدة إميليا بصدق.»
«…»
ارتسمت على وجه إميليا ابتسامة متألمة بينما كانت رام تصرح بصراحة بأن احترامها السابق كان سطحيًا. وبعينين ورديتين تخترقان عيني إميليا البنفسجيتين، بدأت رام بتقديم اعتذارها، أو ربما اعترافها.
«حتى هذه اللحظة، لم أؤمن بقدرة السيدة إميليا على الوقوف بثبات. لقد تحطم قلبكِ في محنة المحاكمة، وخسرتِ حتى الروح العظيمة التي كانت سندكِ… تساءلت، كيف لكِ أن تقفي على قدميكِ مجددًا؟»
«…»
لقد نطق بكلمة ”تعاطف“ كما لو كان يشفق على ظروفها. ومع ذلك، كانت المشاعر الباردة المفعمة بالكآبة مختلفة عن التعاطف البسيط— بل أقرب ما تكون إلى الحقد.
«لكن ها أنتِ الآن، يا سيدتي، واقفة على قدميكِ… ترفعين رأسكِ ومستعدة لمواجهة ما قد يأتي. أخصم نقاطًا قليلة فقط بسبب آثار الدموع التي لا تزال على وجنتيكِ.»
ومع إدراكها للمشاعر التي انعكست في راحة يدها، رفعت إميليا نظرها مباشرةً نحو عين روزوال الصفراء.
«آه، أوه، حقًا…!»
مسحت إميليا وجنتيها بكمَّها بحماس، محوِّلة آثار الدموع التي أشارت إليها رام. ثم عادت لتواجه رام مرة أخرى، مائلة رأسها برفق.
«هل يعني هذا أن رام تتعاون مع سوبارو وأوتو لأنني طفلة كثيرة البكاء؟»
حقًا، لو كان سوبارو أكثر قلقًا بشأن إميليا من أي شيء آخر، لكان بالتأكيد انتظرها. لكن عدم وجوده هناك يعني أن هناك شخصًا آخر، في مكان بعيد عنها، يحتاج إليه أكثر. شخص لم يستطع إلا أن ينطلق مسرعًا نحوه.
«بالتأكيد، تمزحين. رام لا تمد يد العون لهذين الاثنين على الإطلاق. رام تمد يدها للسيدة إميليا، بعد أن استنتجت أن هذا التعاون يحمل قيمة.»
ولذلك ليست هناك حاجة للتردد بشأن هذا.
«أحقًا؟ …نعم، أظن أن ذلك ممكن.»
عندما زعم روزوال أنها لا تملك فرصة للنصر، أومأت رام برأسها، دون أن تبذل أي جهد لدحض كلامه.
لقد تحدَّت إميليا المحاكمة بسبب نداء صوت سوبارو إليها. وكان لا بد من إيقاف تذمُّر غارفيل لتتمكن كلمات سوبارو من الوصول إليها. ومن أجل ذلك، كان لا بد من تعاون أوتو ورام— وبفضل كل هذا، تمكنت إميليا من التقدم.
لم تكن قلقة على الإطلاق. لقد عرفت غارفيل لما يقارب عقدًا من الزمان. طالما بقي كما كان دائمًا، فمن غير المرجح أن تكون هي مَن تتراجع… على الرغم من أن الأمر كان يبدو سخيفًا.
بالفعل، يمكن وصف جميع أفعال رام بأنها تنبع من خدمتها المخلصة لإميليا.
«سيدتي إميليا، بما أنكِ قد عدتِ، هل يعني هذا أن…؟»
«ولكن لماذا؟ لماذا أردتِ مساعدتي، رام؟»
«—لأنه عندما يكون لديكِ طلب، من الضروري أن تُظهري إخلاصكِ.»
«نعم، أعلم ذلك. بل أشعر ببعض الراحة— وتحديدًا، لأنكِ، حتى وأنتِ تبدين كالمغفلة، كنتِ قادرةً على فهم أن تهنئتي قبل قليل لم تكن كلمات نابعة من حسن نية.»
تلك الكلمات، والفعل الذي تبعها، جعل إميليا تحبس أنفاسها.
نظرت إميليا إلى رام التي انحنت أمامها، مائلة رأسها نحو الأرض بإجلال. كان هذا ما يُطلق عليه أسمى مراتب الاحترام. إنها أعظم مظاهر التكريم، ترمز إلى مَن يستحق التقدير الأعلى.
هذا لم يكن الاحترام السطحي الذي أبدته رام لإميليا في السابق، بل كان إظهارًا لاحترام حقيقي—
—ثم، مستندة إلى المشهد الذي ارتسم خلف عينيها المغلقتين، وصلت رام إلى مكان محدد.
«أرجوكِ، سيدتي إميليا— أرجوكِ، أنقذي سيدي روزوال.»
«الآنسة رام؟»
«…أنقذ روزوال؟»
«إنه مسكون بالكامل بشغف مفرط، شغفٌ قيَّد قلبه كسحر لعنة منذ زمن بعيد، بعيد جدًا. ربما كانت رام على ما يرام مع هذا الحال. ربما كانت رام راضية حتى لو لم ينظر نحوها، حتى لو اعتبرها مجرد أداة مفيدة لإشباع هوسه.»
بينما ما زالت تُحني رأسها بأعمق درجات التواضع، كشفت رام بصراحة عما يختبئ في أعماق قلبها.
—وبالتالي، استجابةً لإلحاح رام، شرع أوتو في تقديم تفسير مفصَّل.
ربما، بينما كانت تراقب روزوال باستمرار، كانت تلك هي الأمنية التي كانت رام تغذيها في أعماق قلبها خلف قناعٍ من اللامبالاة… الأمنية بأنها على ما يرام أن تكون أداة مفيدة فحسب. لكن الآن، رام ترفض ذلك الوجود.
ألقى روزوال كلماته بنبرةٍ ملغَّمة بالسخرية بينما واصل حديثه مع إميليا، التي بدت حائرةً عاجزةً عن فهم مقصده.
«لكن هوسه قد حاد الآن بعيدًا عن الطريق. لقد فقد رؤية الهدف الذي هو أساس كل آماله، وسيدي روزوال يتعلق بكتابه باسم فقط… أرجوكِ، حرِّريه من هوسه.»
«هل سيكون روزوال على ما يرام إذا حررته؟»
«…»
«لن يكون كذلك. سيفقد حتمًا مبرر حياته وقد ينهار تمامًا. ومع ذلك، سيدتي إميليا، أنتِ الوحيدة التي تستطيعين فعل ذلك. ربما، من خلال إبعاده عن أسلوب الحياة الذي اعتمد عليه طيلة هذا الوقت… قد تصل مشاعري إليه أخيرًا.»
«—وهذا ما يجعل الأمر أكثر إيلامًا. قراركِ ليس سوى تسرع صغير، سابق لأوانه.»
كان هذا التماسًا صادقًا. وبينما انحنت برأسها، حافظت رام على نبرة صوتها المعتادة، لكنها توسلت بكل جدية.
«رغم ذلك، ربما يكون القول إنَّها حُلَّت بدلًا من إلغائها يعكس على نحوٍ أفضل عمق مشاعركِ.»
«… تتحدثين حقًا مثل الشاب سوبارو.»
لم تستوعب إميليا تمامًا حتى نصف ما حوته كلمات رام من معانٍ. ولكن مشاعر رام، ورغباتها، كانت صادقة. وهذا وحده كان كافيًا.
ولذلك ليست هناك حاجة للتردد بشأن هذا.
كان من الطبيعي أن تشعر برغبة في قول ذلك. فبعد كل شيء، شرح أوتو لم يكن ملخصًا ولا موجزًا، بل أقرب إلى كشف جميع الأوراق التي تملكها مجموعته.
«ما الذي يجب أن أفعله؟»
«في أننا نفرض أفكارنا المثالية على النساء اللواتي نحبهن.»
《٢》
«—اجلسي على العرش الملكي.»
إميليا كانت من النوع الذي يوجه تلك المشاعر إلى الداخل. وربما كان ذلك ينطبق على روزوال أيضًا؟
«…»
«على السيدة إميليا أن تجلس على العرش الملكي في لوغونيكا. عندها فقط، ستتحقق رغبة السيد روزوال. حتى لو استمر في السير بعيدًا عن الطريق السوي، سيأتي يوم تتحقق فيه مشاعره. نعم، قدِّمي للسيد روزوال هذا الخلاص. امنحي لحياته معنًى، اليوم وغدًا.»
وقفت إميليا صامتة بينما راحت رام تضيف كلمة تلو الأخرى دون توقف.
«الآنسة رام؟»
لأول مرة، تلقت إميليا مشاعر رام التي نُطقت بمثل هذه الفصاحة.
ربما كان هذا السبب. ربما كان هذا هو.
في أعماق صدرها، شعرت إميليا بمشاعر لا يمكن وصفها، مشاعر أثقلت قلبها كما لم تفعل من قبل.
«—أنتِ مخطئة في شيء واحد، سيدتي إميليا. كل شيء بدأ بيني وبين المعلمة.»
في تلك اللحظة، رام، التي اعتقدت أنها واقفة بمفردها، غير قادرة على الاعتماد على أحد، أصبحت الآن تعتمد عليها.
«سيدي روزوال، ماذا تنوي أن تفعل من الآن فصاعدًا؟»
المشاعر الساخنة التي فاضت نتيجة لذلك كانت بالكاد قابلة للكبت.
«سيف، لمَن يحمل السيف؛ سحر، لمن يتشبث بالسحر؛ ولهب، لمَن يكرِّس نفسه له.»
«لن تتحقق أمنيتك. أن تلتزم بالشروط بدقة، وتقدِّم نفسك لي كقشرة فارغة، أمر عديم المعنى. استقبال نسخة مكسورة منك لن يرضيني.»
«أرجوكِ، سيدتي إميليا.»
—في اللحظة التي راودها هذا الفكر، تجاهلت رام الفجوة الطفيفة التي أحدثها في قلبها.
أمام إميليا التي لم تنطق بكلمة، انحنت رام برأسها ببطء.
////
—كانت عيناها الورديتان تلمعان بكل الحب الذي اختزنته تلك البنية الصغيرة.
سوبارو، وهو يعلم أن غارفيل طيب، طلب منه أن يتغير مع ذلك.
《٣》
«—أنقذيه.»
«قلتَ إنك كنت تعتقد أنني لن أتمكن من القيام بذلك… هل غيَّرتَ رأيك قليلًا؟»
«…»
ذلك الرجاء الهادئ أحدث رجفة ملموسة في كيان إميليا بأكمله.
بحركة خفيفة، ألقى روزوال الكتاب الذي كان ممسكًا به، ثم أمسكه بيده الأخرى وأعاد وضعه في جيبه بحركة مسرحية. اشتعلت ألسنة اللهب من كفيه الفارغتين.
«إنه حقًا عيب في الشخصية. لن أقول هذا لأي أحد، ولكن واضع هذه الخطة ليس مؤهلًا على الإطلاق ليكون تاجرًا.»
ذلك الإحساس اخترق قلبها مباشرةً، وترك أثره العميق لدرجة جعلت يديها ترتجفان. شعرت بالحرارة التي حملها الدم المتدفق في جسدها بأكمله.
«إذا كان هذا كل ما تود قوله…»
وبعد أن مرت تلك المشاعر بداخلها، لم يتبقَ في صدر إميليا سوى إحساسٍ واحد…
تلك الكلمات، والفعل الذي تبعها، جعل إميليا تحبس أنفاسها.
إحساس بالواجب اشتعل حارًا ومتوهجًا.
«إذاً، لست حتى بشريًا الآن؟! إر، أستطيع أن أفهم لماذا ترينني كإضافة لسيد ناتسكي، ولكن…»
«…»
«لست واثقة تمامًا من العلاقة بين كوني ملكة وإنقاذ روزوال.»
«أفهم. لقد مضت سنوات منذ أن وجهتِ عصاك نحوي… لكن أن يأتي ذلك الوقت الآن، فهو أمر مؤسف. كما يؤلمني أن مَن تعرف مشاعري وهدفي تطلق عليهما وصف الهوس…»
«…»
لذلك، كان هناك حقًا ما يجب أن يُقال.
ردَّ روزوال على سؤال رام بإعجاب واضح. بمعنى آخر، كان روزوال قد رأى رام وهي تبدي احترامها لإميليا وتطلب منها تحقيق أمنيتها الثمينة الوحيدة.
«ربما لم أفهم مشاعر رام بعد. ليس حقًا.»
«أرجوكِ، سيدتي إميليا— أرجوكِ، أنقذي سيدي روزوال.»
«…»
لم يسبق أن شعرت روحها بهذا التوهج.
«لكن.»
ولذلك ليست هناك حاجة للتردد بشأن هذا.
«—روزوال، هل يمكن أنك أردت مني أن أفعل شيئًا فظيعًا؟»
تحدَّثت إميليا بهدوء وهي تنظر نحو رام، مستنشقة نفسًا عميقًا.
«عندما ترغب في فعل شيء… عندما ترغب في التغيير— هناك أشخاص سيساعدونك، أشخاص سيمدون يد العون لك. لقد علمني أنه يوجد أشخاص كهؤلاء.»
كانت الحيرة تختفي من صدرها المشتعل. لم يعد هناك قلقٌ يشغل ذهنها.
لم يسبق أن شعرت روحها بهذا التوهج.
«هذه أول مرة تطلب مني رام شيئًا، أليس كذلك؟»
ولذلك ليست هناك حاجة للتردد بشأن هذا.
«الوسائل البسيطة عادةً ما تكون الأقل جدوى. رام أيضًا لا تحب الرهانات الخاسرة، كما تعلم.»
«…»
«حسنًا، رام. الآن بعد أن وثقتِ بي، أريد أن أرد لكِ الجميل.»
لقد نطق بكلمة ”تعاطف“ كما لو كان يشفق على ظروفها. ومع ذلك، كانت المشاعر الباردة المفعمة بالكآبة مختلفة عن التعاطف البسيط— بل أقرب ما تكون إلى الحقد.
ربما لأن ما أرادت إميليا فعله وما وَجب عليها فعله أصبحا في تلك اللحظة شيئًا واحدًا.
—أما الآن، بعد أن استعادت إميليا ماضيها، فقد كان ذلك سببًا للفرح العميق الذي لا يُقاس.
ليس هناك مجال للتردد. فقط ابتسمت إميليا وأومأت برأسها.
«ربما هذا هو الشيء الذي يجب أن أبدأ العمل عليه من الآن فصاعدًا.»
رغم إصاباته العميقة، دفع نفسه للحضور، ممزوجًا تهانيه بالإهانات، متحدثًا بخبث عن أنه لم يكن يتوقع منها شيئًا، وفوق ذلك كله، استهزاؤه بسوبارو— كان ذلك كله سلسلة من التصرفات غير المعتادة عليه، متراكبة الواحدة تلو الأخرى…
بشجاعة، عبَّرت عن رغبتها في تحقيق أمنياتها ورغبات الآخرين على حدٍ سواء.
«آه، إر… هل كان من الواضح لكِ هذا حقًا؟»
«آه…» أجابت رام، وفتحت فمها قليلًا وهي تنحني. بدا وكأن التوتر قد تلاشى— ومعه أيضًا قلقها، كما بدا من ارتجاف شفتيها تعبيرًا عن الارتياح.
«—ينبغي عليكِ الانتظار هنا حتى تعود السيدة إميليا. فبعكس ذلك، سأشعر بوخز في صدري إن وصلت تلك الفتاة الشجاعة دون أن تجد أحدًا في استقبالها.»
رؤية رام وقد استرخت ملامحها أشعرت إميليا بشيءٍ من الرضا. وفي ذات الوقت، فكَّرت كم كان ذلك متماشيًا مع شخصية رام، التي رفضت البكاء رغم امتلاء عينيها بالدموع.
«لو استجابت السيدة إميليا للاستفزاز وحاولت إيذائي، لكانت نتيجة المنافسة قد حُسمت على الفور… ولكن ربما بدت الظروف مواتية أكثر مما ينبغي؟»
«رام لا تملك فرصة للنصر. هذا أمر واضح. لكن—»
وما إن مدت إميليا يدها إلى رام التي كانت جاثيةً على ركبتيها لتساعدها على الوقوف—
«…»
«—أرجو ألَّا تمانعوا إن انتهزتُ هذه اللحظة لأقدم أخيرًا كلمات تهنئتي الخاصة؟»
«هوس، تقولين ذلــــــك…»
«—!»
«—لقد جئت لأنتزع منك هوسك بالساحرة.»
«همم، شكرًا لكِ.»
شعرت إميليا بارتجافٍ في يد رام التي أمسكت بها، فرفعت رأسها متجهةً نحو الصوت الآتي من خلف رام— من جهة المستوطنة. وهناك، رأت شخصيةً تقف بهدوءٍ في الساحة العشبية.
كان ذلك هو كتاب المعرفة، الهدف الذي جعل وجود روزوال كله قائمًا عليه، والكتاب الذي أقسمت رام منذ زمن بعيد على تدميره.
كان الصوت مألوفًا. والهيئة تنضح باللامبالاة. لكن الأهم من ذلك كله، أن هذا الصوت كان صادرًا عن الشخص الذي كان محور حديثهم بأكمله—
«إيه؟»
على الأقل، لم يكن عرض أوتو التفاوض معها أمرًا سيئًا. نعم، ستستمع إليه بقبول ظاهري.
«—روزوال.»
ربما كان هذا السبب. ربما كان هذا هو.
«بغض النظر عما إذا كنت أتذكرك أم لا، أليس عليك أن تعرِّف نفسك أولًا؟ بغض النظر عما إذا كنت أتذكرك أم لا.»
وبقليل من الحذر الذي تسلل إلى صدرها، نطقت إميليا باسمه.
«—إذًا، ما الهدف الذي تسعين لتحقيقه، أتســــاءل؟»
《٢》
ربما لأن ما أرادت إميليا فعله وما وَجب عليها فعله أصبحا في تلك اللحظة شيئًا واحدًا.
«آه…» أجابت رام، وفتحت فمها قليلًا وهي تنحني. بدا وكأن التوتر قد تلاشى— ومعه أيضًا قلقها، كما بدا من ارتجاف شفتيها تعبيرًا عن الارتياح.
«يبدو أنكما كنتما في خضم محادثة، لكن يبدو أن الأمر قد انتهى… أليس كذلك؟»
بينما انعقد صوت إميليا في حلقها، وبخت رام روزوال بشدة بدلًا منها.
وعندما نُودي باسمه، بدأ الشخص، الذي لم يكن سوى روزوال إل. ميزرس، يتقدم نحوهم.
حين كانت رام لا تزال طفلة صغيرة، كانت تلك هي كلمات العهد الذي قطعته بعد أن استعارت مساعدة روزوال للانتقام من الأوغاد الذين دمَّروا قبيلة الأوني. عهدٌ جمع بين ولائها لروزوال وعزمها الراسخ على تدمير رغبته.
ارتدى زيه المعتاد ذو الطابع الغريب، ولأول مرة منذ فترة، عاد لوضع مساحيقه البيضاء المألوفة على وجهه. هذا هو روزوال الذي تعرفه إميليا— يختلف تمامًا عن ذلك المريض المصاب الذي اعتادت رؤيته طريح الفراش في الآونة الأخيرة.
«—توقف عند هذا الحد.»
في البداية، بدت كلماته وكأنها تحاول عمدًا أن تهين وتستخف، إلا أن إميليا شعرت لسببٍ ما بأن المشاعر التي كشفها كانت أشبه برثاء يمزقه من الداخل.
«…هممم.»
جعلت كلمات إميليا روزوال يوقف خطواته. لم يكن ذلك بفعل الحدة التي احتوتها نبرة صوتها، بل بسبب كفها الممدودة نحوه.
كانت إميليا قد جذبت رام بالقرب منها بيدها اليمنى، بينما مدَّت يدها اليسرى نحو روزوال. ولم يكن هذا مجرد استعراض، إذ إن تدفق المانا المتوهج الذي شعر به روزوال أوضح أنها لم تكن تمزح.
«كما أرى الأمر، يبدو أن هذه لحظتي للتألق.»
«يا للصرامة، يا لصرامة هذا الترحيب. رغم أنني، بمجرد سماعي أن إميليا قد تحدت المحاكمة، جئت راكضًا بجسدي المثقل بالإصابــــات.»
بينما هزَّ رأسه برفض، جعل إعلان روزوال إميليا تفتح عينيها على اتساعهما.
«إيه؟»
«كم أود أن أصدق أن هذا ما يدور في ذهنك حقًا، ولكن…»
كان ظهورها في هذا الشكل، وكأنه إجابة على العديد من الأسئلة التي لطالما طُرحت.
بينما هزَّ رأسه برفض، جعل إعلان روزوال إميليا تفتح عينيها على اتساعهما.
بكلماتها، ردَّت إميليا مراوغةً الحقيقة، بينما ضاقت حاجباها برفق.
بحكم الواقع، كان روزوال حليفها الرئيسي وراعيها في المنافسة الملكية. كما أنه كان المنقذ الذي أخرجها من الجليد الذي غطي غابة إليور العظيمة، التي لم ترَها سوى في الماضي الذي كشفه لها المحاكمة— وهو مَن علَّمها إمكانية إنقاذ أبناء شعبها المتجمدين.
كلمات رام جعلت على وجه روزوال نظرة استفهام صادقة غطَّت ملامحه بالكامل. تلك الحقيقة جعلت رام تغمض عينيها.
كان هذا هو روزوال الذي شعرت إميليا بالحذر تجاهه— لأنها شعرت باهتزاز راحة يد رام في قبضتها.
«كان الأمر كما قال سوبارو تمامًا. أنا ضعيفة، لا أجيد سوى الكلام، وأعاني نقصًا في كل شيء.»
في تلك اللحظة، لم تستطع التباهي مع ذلك الشعور الأجوف.
«أرجوكِ، سيدتي إميليا، لا تتخذي هذا الوجه المليء بالخوف. حتى أنا أشعر بقلقٍ صادقٍ عليكِ… أو ربما ينبغي أن أقول، أشعر بالتعاطف معكِ.»
«—أوه. كنت أتساءل مَن يكون، لكنك الرجل الذي كان مع باروسو، أليس كذلك؟ بدون باروسو بجانبك، وجودك ضعيف لدرجة أنني لم أتمكن من تحديد نوع المخلوق الذي أنت عليه.»
واحدة تلو الأخرى، أُلغيت الشروط المطلوبة لتحقيق ما كُتب. العقد التي أعاقت تحرير الملجأ قد حُلَّت واحدة تلو الأخرى. ولم يتبق من البيادق التي كانت تخدمه أحد.
«تتعاطف معي؟ ماذا تقصد بذلك؟»
«أعني ما قلته تمامًا. أنا أتعاطف معكِ من أعماق قلبي— لهذا الوضع الذي تجدين نفسكِ فيه، حيث لم تعرفي أبدًا كيف تكونين محبوبة إلا من خلال تلبية توقعات الآخرين من حولك، فاضطررتِ حتمًا إلى مواجهة الماضي رغمًا عنكِ.»
كان نظره مثبّتًا على عيني إميليا، وكأنه يحاول أن يُبقي المشاعر العميقة التي تختمر خلف طلاء وجهه وابتسامته المتكلفة من الظهور على السطح. ومن هنا أدركت الحقيقة.
بينما هزَّ رأسه برفض، جعل إعلان روزوال إميليا تفتح عينيها على اتساعهما.
«بالتأكيد، تمزحين. رام لا تمد يد العون لهذين الاثنين على الإطلاق. رام تمد يدها للسيدة إميليا، بعد أن استنتجت أن هذا التعاون يحمل قيمة.»
«لكن هوسه قد حاد الآن بعيدًا عن الطريق. لقد فقد رؤية الهدف الذي هو أساس كل آماله، وسيدي روزوال يتعلق بكتابه باسم فقط… أرجوكِ، حرِّريه من هوسه.»
لقد نطق بكلمة ”تعاطف“ كما لو كان يشفق على ظروفها. ومع ذلك، كانت المشاعر الباردة المفعمة بالكآبة مختلفة عن التعاطف البسيط— بل أقرب ما تكون إلى الحقد.
«اسمحي لي أن أقدم لكِ رسميًا تهنئتي، مرفقة بمشاعر التعاطف والشفقة— لقد أبلَيتِ بلاءً حسنًا في اجتياز المحاكمة. كنتُ أعتقد حقًا أنه يفوق قدراتكِ.»
وبينما كانت ترتعد أمام تلك الأفكار، السبب الذي جعل إميليا تستطيع الوقوف هنا بعدما واجهت ماضيها وتغلبت عليه كان—
«… مثل هذه الكلمات تجعل من الصعب قول ”شكرًا“ فحسب. علاوةً على ذلك، لم أنتهِ بعد من المحاكمة كما ينبغي. قيل لي إن هناك محاكمتين أخرتين.»
أعلنت إميليا بحزم أمام روزوال أنها ستتحدى المحاكمة الثانية. ثم حوَّلت نظرها إلى رام، التي لم تترك يدها طوال الوقت.
«أعتقد أنني طلبت منكِ انتظار السيدة إميليا؟»
«نعم، أعلم ذلك. بل أشعر ببعض الراحة— وتحديدًا، لأنكِ، حتى وأنتِ تبدين كالمغفلة، كنتِ قادرةً على فهم أن تهنئتي قبل قليل لم تكن كلمات نابعة من حسن نية.»
ما آمنت به انهار، ونتيجة لذلك، توقفت عن المضي قدمًا.
ألقى روزوال كلماته بنبرةٍ ملغَّمة بالسخرية بينما واصل حديثه مع إميليا، التي بدت حائرةً عاجزةً عن فهم مقصده.
ومع إدراكها للمشاعر التي انعكست في راحة يدها، رفعت إميليا نظرها مباشرةً نحو عين روزوال الصفراء.
مشاعره العدائية كانت معقدة، مزيجًا متساويًا من الأسى والفرح. لكن ما كان واضحًا هو أن سلوكه المليء بالاحتقار الذاتي والسخرية من نفسه ليس سوى قشرة سطحية تغطي معاناته الحقيقية.
«روزوال، لماذا أتيت إلى هنا؟ هل أتيت حقًا فقط لتقول هذا؟»
—هذه اللحظة كانت ما انتظرته رام منذ زمن بعيد.
«في الغالب لهذا السبب. كما أردتُ أن أرى بعينيَّ.»
ومع ذلك الصوت خلفها، تقدمت إميليا إلى داخل القبر الذي أضاء بضوء باهت.
«أن ترى… تعني نتائج محاكمتي؟»
«لكن، على الرغم من أنني سببتُ لهم الكثير من المتاعب، فقد ساعدني الجميع. أنا حقًا حمقاء عديمة الجدوى، ومع ذلك مدَّ لي الجميع يد العون. لذلك فكرتُ، لا يمكنني أن أفقد شجاعتي هنا…»
أغمض روزوال عينيه وسحب كتفيه إلى الخلف. في تأكيده لنتيجة المحاكمة، ربما كان يسعى لرؤية الإجابة التي استخلصتها إميليا من مواجهتها لماضيها… أو لمعرفة إن كان ذلك قد كسر قلبها مرةً أخرى.
على الرغم من أنه أسقط كتفيه، ظل روزوال يحدق في رام، التي وقفت بثبات، بعينيه المتلونتين. ومن هناك، مرر أصابعه برفق عبر شعره النيلي.
«روزوال؟»
«قلتَ إنك كنت تعتقد أنني لن أتمكن من القيام بذلك… هل غيَّرتَ رأيك قليلًا؟»
«…»
رفعت رام ثلاث أصابع أثناء حديثها، فشدَّ أوتو ملامح وجهه وأومأ بعمق.
في لحظة واحدة، تحوَّلت نبرة الإطراء التي تغمر صوته إلى خيبة أمل واضحة.
«أجل، أعتقد أنك كنتَ قلقًا من عدة أمور. حتى قبل فترة قصيرة جدًا، كنت دائمًا ما أتراجع عن كل شيء… تسببت في الكثير من المتاعب لبَاك، وسوبارو، والجميع.»
«…»
إذا كان يظن أن إميليا ربما لن تتمكن من تجاوز المحاكمة، فهذا أمر طبيعي.
«أعتقد أنني طلبت منكِ انتظار السيدة إميليا؟»
بصراحة، حتى في تلك اللحظة، وجدت أنه من الغريب أن شخصًا ضعيفًا مثلها قد تحدَّى المحاكمة. قلبها كان يتزعزع بسهولة، وعملية تفكيرها سطحية، وكانت هشةً وبائسة. ومع ذلك…
بينما هزَّ رأسه برفض، جعل إعلان روزوال إميليا تفتح عينيها على اتساعهما.
«…حقًا من النادر سماعكِ تعتذرين. ماذا حدث فجأة؟»
«لكن، على الرغم من أنني سببتُ لهم الكثير من المتاعب، فقد ساعدني الجميع. أنا حقًا حمقاء عديمة الجدوى، ومع ذلك مدَّ لي الجميع يد العون. لذلك فكرتُ، لا يمكنني أن أفقد شجاعتي هنا…»
كانت الحقيقة التي كشفتها إيكيدنا صادمة، لكنها لم تغير ما يجب على إميليا فعله.
تراجعت إميليا بيدها اليسرى، التي كانت قد وجهتها نحو روزوال، محاولةً أن تجمع كل المشاعر المتدفقة داخل صدرها. لم ترغب في التواصل مع روزوال بالمانا في تلك اللحظة، بل بالكلمات.
لهذا، انحنت رام لروزوال، الشخص الوحيد الذي فتحت له قلبها، وراقبته وهو يبتعد.
لكن بينما كانت تدير كلماتها، أطلق روزوال صوتًا خافتًا من حنجرته وعيناه مغلقتان.
أعلن أوتو بحزم أنه لا يستطيع أن يجلب العار لعائلته. مثل هذا الإصرار لم يصل إلى قلب رام، التي لم تعد تملك عائلة خاصة بها— على الأقل، كان هذا المفترض.
«…»
«عندما ترغب في فعل شيء… عندما ترغب في التغيير— هناك أشخاص سيساعدونك، أشخاص سيمدون يد العون لك. لقد علمني أنه يوجد أشخاص كهؤلاء.»
ضحك روزوال ضحكةً منخفضة ومطولة، محاولًا كبت صوته حتى خرج كتيار خفيف.
«—إذًا، ما رأيك بكل هذا؟»
ثم فتح إحدى عينيه— مركزًا بجدية عينه الصفراء على إميليا.
وكانت رام تحدق فيها، وقد ضيقت عينيها الورديتين بنظرة تساؤل.
«تقولين نفس الأشياء التي يقولها الشاب سوبارو. هل تعلمتِ ذلك أيضًا من تقليده؟»
«—!!»
كان من الطبيعي أن تشعر برغبة في قول ذلك. فبعد كل شيء، شرح أوتو لم يكن ملخصًا ولا موجزًا، بل أقرب إلى كشف جميع الأوراق التي تملكها مجموعته.
عندما زعم روزوال أنها لا تملك فرصة للنصر، أومأت رام برأسها، دون أن تبذل أي جهد لدحض كلامه.
«سيد روزوال!»
بينما انعقد صوت إميليا في حلقها، وبخت رام روزوال بشدة بدلًا منها.
رام، التي ظلت صامتة حتى تلك اللحظة، وقفت بجانب إميليا، ووجهت مشاعرها القوية بلونها الوردي نحو سيدها. ولكن روزوال تجاهل ذلك، متلقيًا هذه المشاعر وكأنها نسيم منعش، وواصل حديثه مع إميليا.
على الرغم من أنه أسقط كتفيه، ظل روزوال يحدق في رام، التي وقفت بثبات، بعينيه المتلونتين. ومن هناك، مرر أصابعه برفق عبر شعره النيلي.
«تلك كلمات مستعارة على مسرح مُعَدٍّ لكِ. حتى تحديكِ لهذه المحاكمة هنا كان خيارًا أتاحته لكِ إرادة الآخرين الطيبة… أنا لا ألومكِ. بل أنا، والآخرون من حولنا، مَن أرادوا منكِ ذلك. ولكن رغم أنه يفهم ذلك جيدًا، فقد فرض سوبارو عليكِ أمرًا قاسيًا كهذا.»
«ليس الأمر كذلك! سوبارو كان فقط…»
«كما أرى الأمر، يبدو أن هذه لحظتي للتألق.»
«تلك هي طريقته. في النهاية، لم يفعل سوى أن صاح بتشجيعٍ مجردٍ من كل منطق أو عقلانية، أليس كذلك؟ استدعى كل الحجج العاطفية الممكنة، وفرض أفكاره المثالية عليكِ وحدك. أنا أفهم، أفهم؛ حقًا… بعد كل شيء، نحن متشابهان، هو وأنا.»
في يد رام كانت البلورة السحرية التي منحها إياها سوبارو— إلى جانب روح عظيمة غير متعاقدة، تقدم مساعدتها لليلة واحدة بدافع من نزوة.
«سوبارو وأنتَ متشابهان؟ ماذا تعني بذلك؟»
هذا الأمر، ”—“ لم يكن يعرفه أبدًا، وشيئًا لم تخبر رام به ”—“.
«في أننا نفرض أفكارنا المثالية على النساء اللواتي نحبهن.»
////
عندما أعلن روزوال هذا الكلام بثقة، شعرت إميليا بقوةٍ متزايدة في قبضتها على يد رام.
ففن الرؤية البعيدة، الذي تناقلته عشيرة الأوني، لا يعمل إلا إذا كانت الترددات بين المستخدم والهدف متوافقة. بالطبع، إذا بذلت رام جهدًا، كان بإمكانها التوافق حتى مع وحوش الشياطين، لكن الأمر يختلف إذا كان الهدف شخصية رفيعة المستوى. في حال أغلق هذا الهدف قلبه، يصبح التوافق مستحيلًا تمامًا.
ومع إدراكها للمشاعر التي انعكست في راحة يدها، رفعت إميليا نظرها مباشرةً نحو عين روزوال الصفراء.
«—وهذا ما يجعل الأمر أكثر إيلامًا. قراركِ ليس سوى تسرع صغير، سابق لأوانه.»
ظلَّت ابتسامة بلا حياة تزين زوايا شفتيه، بينما كان يهز رأسه يمينًا ويسارًا.
«ما الذي قاله لكِ؟ لا شك في أنها كانت كلمات مريحة للآذان. أنتِ لطيفة، سيدة إميليا، تنهارين بسهولة، مما يجعلكِ سهلة التعامل طالما حافظ المرء على اللباقة. حقًا، سيدة إميليا ضعيفة وهشة، شخصٌ يتشبث بآمال يائسة. لا بد أنكِ فكرتِ يومًا كيف يمكن أن تكون حياتك كفتاةٍ عادية، أليس كذلك؟ ولكن، هو لا يهتم بكِ أنتِ الحقيقية، ليس ولو للحظة. ما يحبه هو صورتك المثالية التي يحملها بداخله— أليس كذلك؟»
واصل روزوال مناجاته، بينما كانت رام تصلي أن يختفي هذا الشعور المزعج الذي يعكر ذكرياتها.
كلمات روزوال، التي تكدَّست كأنها سمٌ زعاف، جعلت نظرته تبدو كأنها تعكس فراغًا داخليًا.
في البداية، بدت كلماته وكأنها تحاول عمدًا أن تهين وتستخف، إلا أن إميليا شعرت لسببٍ ما بأن المشاعر التي كشفها كانت أشبه برثاء يمزقه من الداخل.
وكانت رام تحدق فيها، وقد ضيقت عينيها الورديتين بنظرة تساؤل.
ربما لم يعد روزوال نفسه قادرًا على التمييز بوضوح إن كان يتحدث عن سوبارو أم عن ذاته.
ومع أنه كان يتمتع بهيبةٍ كافية لإرهاب أي شخص، إلا أن إميليا استجمعت أنفاسها القصيرة.
«—؟»
بالتأكيد، كان روزوال قويًا بما يكفي لإضعاف أي عزيمة، لكن كان هناك شيء يجب أن يُقال.
كلمات روزوال، التي تكدَّست كأنها سمٌ زعاف، جعلت نظرته تبدو كأنها تعكس فراغًا داخليًا.
توترت كتفا الشاب، وبدت عليه علامات الارتباك تحت نظرة عينيها الزهريتين الضيقتين.
وقبل أي شيء آخر، لم يكن سوبارو موجودًا ليقوله، لذا وجب على الفتاة المرتعشة أن تفعل ذلك بدلًا منه.
«…هل هذا كل ما لديك لتقوله؟»
بهذه الكلمات التي وجهتها إلى روزوال وكلماتها الموجهة إلى رام، شعرت إميليا أنها قد قالت كل ما يمكن قوله. أما الباقي، فكان لا بد أن يُثبت بالجواب الذي ستتوصل إليه، ليس بالكلمات بل بالأفعال.
«…»
—أما الآن، بعد أن استعادت إميليا ماضيها، فقد كان ذلك سببًا للفرح العميق الذي لا يُقاس.
«إلى أي مدى تستطيعين تحويل الكلمات الكبيرة إلى واقع ملموس؟»
«هل هذا هو السبب الوحيد الذي يجعلكَ تعتقد أنك وسوبارو متشابهان؟»
السؤال الذي طرحته إميليا جعل ملامح التساؤل تطفو في كلتا عيني روزوال.
ثم فتحت عينيها ورفعت وجهها. بنظرة مفعمة بالجرأة المعتادة، وجَّهت عينيها نحو روزوال.
ولكنه، على نحوٍ مثير للريبة، لم يُجب بشيء. لم تكن لدى روزوال أي كلمات تتابعها يمكن أن تضاهي سؤال إميليا.
«… لم أفعل ذلك؛ لأن القيام بذلك كان سيصبح بلا معنى.»
«وأوني، لمَن يرغب في ذلك، أوني يهدم أسسه ذاتها، أليس كذلك؟»
لذلك، كان هناك حقًا ما يجب أن يُقال.
بصراحة، حتى في تلك اللحظة، وجدت أنه من الغريب أن شخصًا ضعيفًا مثلها قد تحدَّى المحاكمة. قلبها كان يتزعزع بسهولة، وعملية تفكيرها سطحية، وكانت هشةً وبائسة. ومع ذلك…
«إذا كان هذا كل ما تود قوله…»
«…»
«أنتَ وسوبارو لا تشبهان بعضكما على الإطلاق.»
«… لمجرد توضيح الأمر، أنا أكره الألم.»
في النهاية، سوبارو، الذي تبع إميليا إلى داخل القبر، ربما جادل بأفكارٍ مثالية، ولم يكن منطقه يعتمد على تحرير الملجأ كأولوية.
«…»
ومع ذلك، فإن ما قاله بشدة ليس مجرد كلمات لطيفة ومزخرفة.
«هل تعلم؟، سوبارو قال لي إنني امرأة مزعجة.»
كان المكان هو المنشأة التي تم وضعها سرًا في الغابة— المكان الذي ورد ذكره في حكاية شيما عن الماضي، والذي اعتُبر، بمعنى من المعاني، العمود المركزي للملجأ إلى جانب القبر.
على الأقل، لم يكن عرض أوتو التفاوض معها أمرًا سيئًا. نعم، ستستمع إليه بقبول ظاهري.
«… ماذا؟»
كان هذا التماسًا صادقًا. وبينما انحنت برأسها، حافظت رام على نبرة صوتها المعتادة، لكنها توسلت بكل جدية.
«سألني مَن أعتقد أنني، أفعل كل هذه الأشياء وأتسبب بكل تلك المتاعب. سألني إلى متى سأظل أتصرف بهذه الطريقة وأجعله ينتظر معلقًا بالأمل فقط. قال إنني أتكلم كثيرًا، وإنني ناقصةٌ لدرجة أنه لم يعد يستطيع النظر إليَّ— هذا ما قاله لي سوبارو.»
في القبر، في ذلك الممر البارد المصنوع من الحجارة، وضع سوبارو جبينه على جبين إميليا، صارخًا بغضب.
«ربما لم أفهم مشاعر رام بعد. ليس حقًا.»
«أنا مجرد رجل في منتصف الطريق نحو تحقيق حلم. ربما لهذا السبب أجد نفسي متفقًا مع السيد ناتسكي ومساعيه المتهورة. إررر، لقد خرجت عن الموضوع قليلًا.»
وفي تلك اللحظة، تذكرت إميليا الكلمات التي هزت قلبها.
«حسنًا، رام. الآن بعد أن وثقتِ بي، أريد أن أرد لكِ الجميل.»
«—إذا كان القتال اثنين ضد واحد، ربما تكون الكفة لصالحنا؟»
«كان الأمر كما قال سوبارو تمامًا. أنا ضعيفة، لا أجيد سوى الكلام، وأعاني نقصًا في كل شيء.»
كانت إميليا في تلك اللحظة تحاول، في غيابه، أن تؤكد مشاعره نحوها. ونظرًا إلى ابتسامتها الرقيقة، خفضت رام عينيها، وكأنها كانت راضية بما آلت إليه الأمور.
كانت إميليا قد نسيت حتى أنها ضعيفة، وأنها لا تفعل سوى الكلام، وتفتقر إلى الكثير من الأمور. دفنت ذكرياتها وتصرفت كما لو أن تلك الجوانب منها غير موجودة، لكن سوبارو فهمها. رأى حقيقتها.
«مرحبًا، روزوال. والآن وقد فكرتُ في الأمر، لم تتح لي الفرصة لتصفية الأمور معك، أليس كذلك؟»
«—!!»
—أما الآن، بعد أن استعادت إميليا ماضيها، فقد كان ذلك سببًا للفرح العميق الذي لا يُقاس.
«هوس، تقولين ذلــــــك…»
«سوبارو رآني كما أنا حقًا. وفكرتُ، لا أريد أن أُري سوبارو جانبي السيئ بعد الآن. لهذا السبب، أنتَ وسوبارو لا تتشابهان على الإطلاق.»
أومأت رام برأسها وهي تخفض عينيها، ثم استدارت إميليا نحو مدخل القبر.
لو كان ناتسكي سوبارو شخصًا لا يقبل أقل من صورة إميليا المثالية، لظلت إلى تلك اللحظة في القبر، جاثية على ركبتيها.
«—!!»
حتى فيما يتعلق بغارفيل، لم تشك لحظة أنه لو لم يتحدث سوبارو عن المثالية، رغم إدراكه لواقع الأمور، لما كان غارفيل استمع لتلك الكلمات أبدًا.
تنهَّدت إميليا بعمق، ثم ارتسم على وجهها ابتسامة خفيفة.
سوبارو، وهو يعلم أن إميليا ضعيفة، أخبرها أنه يحبها على الرغم من ذلك.
سوبارو، وهو يعلم أن غارفيل طيب، طلب منه أن يتغير مع ذلك.
وعلى الرغم من أن الخطة ارتكزت إلى حد كبير على المنطق، إلا أن هذا الجزء بالتحديد كان يعتمد على الأمل والعاطفة.
سوبارو كان يهرع إلى كل مَن توقفت قدماه عن المضي قدمًا، يوبخهم، يدفعهم من ظهورهم، ويجعلهم يركضون مجددًا.
«لست متأكدًا لماذا كررتِ هذه العبارة مرتين…! …أنا أوتو سوين. قد أكون مجرد تاجر متجول، ولكنني أرجو منك أن تتفضلي بتذكُّر اسمي ووجهي مع ذلك.»
«يا له من أحمق.»
قائلًا: ”يمكنك أن تفعلها“. قائلًا: ”«يمكنك أن تقاتل“. قائلًا: «ليس لديك وقت لتقف في مكانك».
«—!!»
«عندما عادت إليَّ ذكرياتي، شعرت بالقلق. مع اختفاء باك، شعرت وكأنني أتعرض للسحق… وعندما تذكرت كل شيء، شعرت وكأنني لم أعد أنا، وكأن كل ما كنت عليه حتى تلك اللحظة كان مجرد كذبة.»
كانت عصاها المحببة، التي أهداها لها روزوال شخصيًا عندما بدأت خدمته— عصا سحرية تحتوي على قرن رام المكسور.
بينما ما زالت تُحني رأسها بأعمق درجات التواضع، كشفت رام بصراحة عما يختبئ في أعماق قلبها.
ما آمنت به انهار، ونتيجة لذلك، توقفت عن المضي قدمًا.
كانت إميليا في تلك اللحظة تحاول، في غيابه، أن تؤكد مشاعره نحوها. ونظرًا إلى ابتسامتها الرقيقة، خفضت رام عينيها، وكأنها كانت راضية بما آلت إليه الأمور.
«… باروسو يهتم بالسيدة إميليا أكثر من أي شخص آخر.»
وبينما كانت ترتعد أمام تلك الأفكار، السبب الذي جعل إميليا تستطيع الوقوف هنا بعدما واجهت ماضيها وتغلبت عليه كان—
«ثقة مبالغ فيها. أتساءل، هل تعتقد حقًا أن مثل هذه الثقة كافية لإقناع رام بأن تنحني لإرادتك؟»
«عندما ترغب في فعل شيء… عندما ترغب في التغيير— هناك أشخاص سيساعدونك، أشخاص سيمدون يد العون لك. لقد علمني أنه يوجد أشخاص كهؤلاء.»
«في الغالب لهذا السبب. كما أردتُ أن أرى بعينيَّ.»
«أليس هذا مجرد وهم؟ خدعة لإقناعك بالوقوف مجددًا حتى…»
«لقد أحسنتِ صنعًا بتوفير فرصة اضطررتُ فيها إلى حمل كتاب المعرفة معي. لو تخلى غارفيل عن هوسه بالملجأ، ولو توقفت السيدة إميليا عن الاعتماد فقط على ذلك الشاب سوبارو، مهما كانت النتيجة، ليس هناك طريقة للحفاظ على ما كُتب سوى أن أتحرك بنفسي.»
وما إن مدت إميليا يدها إلى رام التي كانت جاثيةً على ركبتيها لتساعدها على الوقوف—
«لا، ليس كذبًا. ليست هراءً بلا أساس. سوبارو قال إنه يؤمن بي. تلك المشاعر لن تصبح كذبة… ولن أسمح لها بأن تكون كذلك. هذه هي إجابتي.»
بكل جرأة، رفضت إميليا اعتراض روزوال.
«—يتطلب ذلك قدرًا هائلًا من التركيز واستخدامًا بارعًا جدًا للمانا. في تلك اللحظة، كنتِ لتتمكني بالتأكيد من تحقيق انتقامكِ. حتى دون قرنكِ، لو هاجمتِ فجأة، فإن جراحي عميقة وثقتي بكِ كافية لتبطئ ردة فعلي… كنتِ بلا شك ستقضين عليَّ.»
لن تسمح أبدًا بأن تُسمى الكلمات التي قالها لها، عندما كانت ضعيفة وعاجزة، كذبةً أو أملًا لا وجود له. لن تسمح بذلك.
«فبعد كل شيء… أُجبرتِ على أن تقطعي عهدًا بالولاء رغمًا عنكِ، وأن تقضي أيامكِ مع الرجل الذي كان سببًا في دمار وطنكِ. حتى لو كان جسدكِ، بلا قرنكِ، بحاجة إلى دعمي كي تبقي على قيد الحياة، فلا بد أن ذلك كان مؤلمًا للغاية. أعتذر إن كنتُ قد تصرفت وكأنه أمر لا يعنيني.»
الكلمات التي أعلنها ناتسكي سوبارو بحزم لإميليا— «أنا أعلم أنكِ تستطيعين فعلها»— لم تكن كذبة.
في تلك اللحظة الواحدة، انتشرت موجات الصدمة في الملجأ، وبدأت رقصة مروعة بين أوني، وشيطان، وروح.
إميليا كسرت قوقعتها، وبقيامها بذلك، انتهت الكذبة.
هذا ما يُطلق عليه الناس أمنية… أمنية أن تنتهي الكذبة. ولهذا السبب—
«حتى هذه اللحظة، لم أؤمن بقدرة السيدة إميليا على الوقوف بثبات. لقد تحطم قلبكِ في محنة المحاكمة، وخسرتِ حتى الروح العظيمة التي كانت سندكِ… تساءلت، كيف لكِ أن تقفي على قدميكِ مجددًا؟»
«لا يمكنني إنكار الشعور بأنك قد لعبتِ دورك جيدًا في النهاية. ففي هذا التحدي الأخير، اختار الشاب سوبارو أن يخاطر ويلقي بشبكته— أما أنا، فلا ألهو بمثل هذه المقامرات.»
«—سأحوِّل الأكاذيب إلى أماني. هذا ما أريد فعله الآن، وما يجب أن أفعله.»
بينما نظر روزوال نحوها، شحنت رام الطاقة في العصا التي كانت تمسك بها، وأدخلت يدها الأخرى الفارغة في زي خادمتها. ثم—
هذا ما علَّمها إياه سوبارو بإخلاص، وبإصرارٍ بالغ.
في وقت ما، لم تكن إميليا قادرة على صياغة إجابة واضحة، ولكن في تلك اللحظة، أخيرًا استطاعت جمع أجزائها معًا.
—ستحقق هذه الأمنية. هذا ما كان على إميليا فعله.
ومع ألم المحاكمة الأولى الذي ما زال جاثمًا في صدرها، شقت إميليا طريقها مباشرة نحو الغرفة الحجرية.
«…»
«لحظتك؟»
روزوال لم يقاطع إميليا، ولم يرد عليها. ومع ذلك، لم يتطلب الأمر سوى نظرة واحدة إلى عينيه لمعرفة أن كلماتها لم تمر مرور الكرام.

مشاعره العدائية كانت معقدة، مزيجًا متساويًا من الأسى والفرح. لكن ما كان واضحًا هو أن سلوكه المليء بالاحتقار الذاتي والسخرية من نفسه ليس سوى قشرة سطحية تغطي معاناته الحقيقية.
كان نظره مثبّتًا على عيني إميليا، وكأنه يحاول أن يُبقي المشاعر العميقة التي تختمر خلف طلاء وجهه وابتسامته المتكلفة من الظهور على السطح. ومن هنا أدركت الحقيقة.
لكن بينما كانت تدير كلماتها، أطلق روزوال صوتًا خافتًا من حنجرته وعيناه مغلقتان.
حالة روزوال النفسية كانت متشابكة للغاية بحيث يصعب تفسيرها. كان حكيمًا، وإميليا شعرت بأنه عاش في عالم يتجاوز إدراكها تمامًا. ولكن في تلك اللحظة، أدركت شيئًا واحدًا.
—سبب دمار وطنها.
ربما السبب الحقيقي الذي دفع روزوال للقدوم إلى هذا المكان كان—
«ليس الأمر كذلك! سوبارو كان فقط…»
«—روزوال، هل يمكن أنك أردت مني أن أفعل شيئًا فظيعًا؟»
إذا استطاع ”التألق“ على نحوٍ صحيح، فربما—
راودها هذا الاحتمال فجأة. وبمجرد أن نطقت به، لم تستطع التفكير في سبب آخر.
وبينما غرق الجو في الصمت، بدا أن رام غارقة في تأمل عميق لبعض الوقت. وأخيرًا—
رغم إصاباته العميقة، دفع نفسه للحضور، ممزوجًا تهانيه بالإهانات، متحدثًا بخبث عن أنه لم يكن يتوقع منها شيئًا، وفوق ذلك كله، استهزاؤه بسوبارو— كان ذلك كله سلسلة من التصرفات غير المعتادة عليه، متراكبة الواحدة تلو الأخرى…
«—أوه. كنت أتساءل مَن يكون، لكنك الرجل الذي كان مع باروسو، أليس كذلك؟ بدون باروسو بجانبك، وجودك ضعيف لدرجة أنني لم أتمكن من تحديد نوع المخلوق الذي أنت عليه.»
«يبدو كأنك تريد أن تغضبني حتى أعاقبك.»
بمعنى آخر، فضح أمامها خطتهم بالكامل.
«… لمجرد توضيح الأمر، أنا أكره الألم.»
على الرغم من أنه أسقط كتفيه، ظل روزوال يحدق في رام، التي وقفت بثبات، بعينيه المتلونتين. ومن هناك، مرر أصابعه برفق عبر شعره النيلي.
«—؟ أعتقد أن الجميع يكرهون ذلك؟»
«روزوال، لماذا أتيت إلى هنا؟ هل أتيت حقًا فقط لتقول هذا؟»
أثار رده فضول إميليا وجعلها تميل برأسها، لكنه لم ينكر كلماتها.
هل كان يريد أن يُؤذى، أن يُعاقب؟ هل جاء روزوال إلى هنا من أجل ذلك؟
حتى إميليا استطاعت أن تفهم تلك النزعات التدميرية، ذلك النوع من كراهية الذات التي تصل إلى حد الرغبة في التعرض للعذاب. الفرق الوحيد يكمن في توجيه تلك المشاعر؛ إما نحو الداخل أو الخارج.
قطع روزوال كلامه عند هذا الحد، وأغمض إحدى عينيه، بينما اخترقت نظرة عينه الصفراء رام كما لو كانت تقرأ أعماقها.
إميليا كانت من النوع الذي يوجه تلك المشاعر إلى الداخل. وربما كان ذلك ينطبق على روزوال أيضًا؟
«وها قد تغيرتِ مجددًا— بالنسبة لي، هذا أمر صعب للغاية تقبله.»
«روزوال؟»
ربما، بينما كانت تراقب روزوال باستمرار، كانت تلك هي الأمنية التي كانت رام تغذيها في أعماق قلبها خلف قناعٍ من اللامبالاة… الأمنية بأنها على ما يرام أن تكون أداة مفيدة فحسب. لكن الآن، رام ترفض ذلك الوجود.
«أحترم قراركِ، والرغبة في المضي قدمًا تستحق الثناء. أستطيع أن أفهم كيف تجدين الأمل بعد تقبلكِ للألم والجروح. ولهذا السبب أتعاطف معكِ.»
أتعاطف. كرر روزوال الكلمة التي بدأ بها حديثه مع إميليا مرة أخرى.
في وقت ما، لم تكن إميليا قادرة على صياغة إجابة واضحة، ولكن في تلك اللحظة، أخيرًا استطاعت جمع أجزائها معًا.
بينما انعقد صوت إميليا في حلقها، وبخت رام روزوال بشدة بدلًا منها.
ولكن إميليا شعرت بأنها قد أوضحت مسبقًا أن تعاطفه في غير محله. ليس هناك سبب للنظر إليها على أنها مثيرة للشفقة، فقد وجدت الأمل بالفعل.
«…هل هذا كل ما لديك لتقوله؟»
ومع إدراكه بأن هذا الأمل زائل، هز روزوال رأسه يمينًا ويسارًا. ففي النهاية—
«—!!»
«حتى قراركِ الفاضل بأن تُجرحي أصبح بلا معنى، لأن هذا العالم منتهى.»
«تلك هي طريقته. في النهاية، لم يفعل سوى أن صاح بتشجيعٍ مجردٍ من كل منطق أو عقلانية، أليس كذلك؟ استدعى كل الحجج العاطفية الممكنة، وفرض أفكاره المثالية عليكِ وحدك. أنا أفهم، أفهم؛ حقًا… بعد كل شيء، نحن متشابهان، هو وأنا.»
«—إذًا، ما الهدف الذي تسعين لتحقيقه، أتســــاءل؟»
«عالم منتهي…؟»
«إن أردتِ الدقة، هذا عالم يقترب من نهايته، ربما؟ إنه عالم انحرف عن مساره الصحيح، عالم ضل عن وجهته الأصلية. هذا الملجأ، والانتخاب الملكي، كلاهما أصبح بلا معنى.»
《١》
أثناء هزه رأسه ببطء مجددًا، تحدث روزوال بهذه الكلمات، وكأنه يشعر بندم عميق ينبع من أعماق قلبه. لم تستطع إميليا إخفاء حيرتها أمام التناقض بين هيئته الخارجية والمشاعر التي بدت واضحة في حديثه.
«قلتُ لك، سيدي روزوال: لقد جئتُ لأنتزع منك هوسك بالساحرة.»
حتى مع شعوره بالإحباط العميق داخل قلبه، بدا أن روزوال يترك كل شيء يذهب.
«تلك هي طريقته. في النهاية، لم يفعل سوى أن صاح بتشجيعٍ مجردٍ من كل منطق أو عقلانية، أليس كذلك؟ استدعى كل الحجج العاطفية الممكنة، وفرض أفكاره المثالية عليكِ وحدك. أنا أفهم، أفهم؛ حقًا… بعد كل شيء، نحن متشابهان، هو وأنا.»
«روزوال… ما الذي تحاول التخلي عنه؟ أنت… أنت وأنا بدأنا هذا معًا، أليس كذلك؟ التخلي عنه في منتصف الطريق…هذا خطأ تمامًا!»
«…هل هذا كل ما لديك لتقوله؟»
«—إذًا… ما الذي ترغبين في فعله؟»
«لا أعرف! لكن الأمور الخاطئة تبقى خاطئة! لا أفهم ما الذي تحاول التخلي عنه، روزوال، لكن لا تفعل ذلك! هذا أناني للغاية، أليس كذلك؟!»
رغم إدراكها التام بأنها تبدو وكأنها تلقي محاضرة لطفل صغير، مدت إميليا يدها نحو روزوال لتحتويه.
إذا كان روزوال سيحاول ترك كل شيء وراءه، فستمسك به وتعيده مرة أخرى بدلًا منه.
في تلك اللحظة، استعرض روزوال في عقله مجموعة متنوعة من الاحتمالات. معظمها كانت بعيدة كل البعد عن الحقيقة. لكنه توقف عند الاحتمال الذي بدا له الأكثر معقولية.
«لا داعي للتخلي عن أي شيء— ليس بعد الآن.»
«… تتحدثين حقًا مثل الشاب سوبارو.»
بينما انتفخت إميليا صدرها بإصرار وهي تعلن عن معتقداتها، أطلق روزوال تنهيدة طويلة. ثم ترك كتفيه يتدليان كما لو أن الطاقة انسحبت من جسده بالكامل، وحوَّل نظره نحو القبر خلف إميليا.
«تنوي استخدام البلُّورة السحرية كعامل محفز لتنفيذ سحر عظيم؟»
ارتدى زيه المعتاد ذو الطابع الغريب، ولأول مرة منذ فترة، عاد لوضع مساحيقه البيضاء المألوفة على وجهه. هذا هو روزوال الذي تعرفه إميليا— يختلف تمامًا عن ذلك المريض المصاب الذي اعتادت رؤيته طريح الفراش في الآونة الأخيرة.
«إلى أي مدى تستطيعين تحويل الكلمات الكبيرة إلى واقع ملموس؟»
ذلك الرجاء الهادئ أحدث رجفة ملموسة في كيان إميليا بأكمله.
«هذا ما سأثبته من الآن فصاعدًا، في القبر… لا، حتى خارج الملجأ.»
«إذًا، حان الوقت أخيرًا. بالتأكيد، انحرفت مجريات هذا العالم عن المسار الذي أرجوه. وهكذا، يدخل العهد حيز التنفيذ… مما يعني أنني، وقد فقدت رغبتي، عليَّ أن أقدم نفسي لكِ كما وعدت.»
أعلنت إميليا بحزم أمام روزوال أنها ستتحدى المحاكمة الثانية. ثم حوَّلت نظرها إلى رام، التي لم تترك يدها طوال الوقت.
«—إذا كانت رام ستتعاون معك، فهناك ثلاثة شروط.»
«سيدتي إميليا.»
خاطبتها رام بشفاه مرتجفة، وقد لزمت الصمت طوال الحديث بين الاثنين. وعندما نادت عليها، أومأت إميليا برأسها بلطف، ثم تركت يد رام التي كانت تربط بينهما.
هذا الأمر، ”—“ لم يكن يعرفه أبدًا، وشيئًا لم تخبر رام به ”—“.
ظلَّت ابتسامة بلا حياة تزين زوايا شفتيه، بينما كان يهز رأسه يمينًا ويسارًا.
«سأذهب الآن يا رام— وسأحقق أمنيتكِ بطريقة ما.»
حزن غارفيل، وأماني ريوزو وشيما الطويلة الأمد، وتفاني فريدريكا، وكآبة سوبارو، وإحساس إميليا بالذنب، وحتى مشاعر رام— كل هذه الأمور كانت أدوات استخدمها لتحقيق النتيجة التي أرادها الكتاب السحري.
«…»
كان الصوت مألوفًا. والهيئة تنضح باللامبالاة. لكن الأهم من ذلك كله، أن هذا الصوت كان صادرًا عن الشخص الذي كان محور حديثهم بأكمله—
أومأت رام برأسها وهي تخفض عينيها، ثم استدارت إميليا نحو مدخل القبر.
«المحاكمة لا تنتهي بواحدة فقط. هناك محاكمتان أخرتان… ويبدو أن الحاجز لن يُزال إلا بعد إتمامها. لذا، سأحتاج إلى العودة إلى القبر فيما بعد…»
ارتدى زيه المعتاد ذو الطابع الغريب، ولأول مرة منذ فترة، عاد لوضع مساحيقه البيضاء المألوفة على وجهه. هذا هو روزوال الذي تعرفه إميليا— يختلف تمامًا عن ذلك المريض المصاب الذي اعتادت رؤيته طريح الفراش في الآونة الأخيرة.
بهذه الكلمات التي وجهتها إلى روزوال وكلماتها الموجهة إلى رام، شعرت إميليا أنها قد قالت كل ما يمكن قوله. أما الباقي، فكان لا بد أن يُثبت بالجواب الذي ستتوصل إليه، ليس بالكلمات بل بالأفعال.
عندما سألها، كتمت شغفًا جعل قلبها ينبض بعنف، وأجابت بتعبير ظل محايدًا وهادئًا.
وضعت قدمها على درجات الحجر، متطلعةً مرة أخرى لدخول القبر الذي غادرته للتو. خلفها—
«…»
«—أنقذيه.»
«—أنتِ مخطئة في شيء واحد، سيدتي إميليا. كل شيء بدأ بيني وبين المعلمة.»
كان في صوته نغمة مليئة بالحنين.
لأول مرة، تلقت إميليا مشاعر رام التي نُطقت بمثل هذه الفصاحة.
صوت بدا وكأنه يعشق بطريقة شيطانية، كأنه يدوس برفق على الروح.
خاطبتها رام بشفاه مرتجفة، وقد لزمت الصمت طوال الحديث بين الاثنين. وعندما نادت عليها، أومأت إميليا برأسها بلطف، ثم تركت يد رام التي كانت تربط بينهما.
ومع ذلك الصوت خلفها، تقدمت إميليا إلى داخل القبر الذي أضاء بضوء باهت.
توجهت نحو الغرفة الحجرية التي غادرتها في السابق. هناك، كانت المحاكمة الثانية في انتظارها.
«… أهذا كل ما لديكِ لتقولي؟»
—محاكمة لتحويل الكلمات الكاذبة التي نطق بها أحدهم إلى أمنية حقيقية.
في أعماق المنشأة، تشكَّلت فجوة في الجدران البيضاء، ومن تلك الغرفة المخفية انبعث ضوء أزرق خافت. وحين تبعت رام الضوء بنظرها، دخل في مجال رؤيتها بلُّورة ضخمة بشكل غير معتاد— لا، بلورة سحرية، كانت داخلها فتاة شابة محبوسة.
«رأيتُ الماضي. إذًا التالي سيكون…»
«همم، فهمت ما قلتيه لي… حقًا، إنه لا يُصلح أبدًا.»
ألقى روزوال كلماته بنبرةٍ ملغَّمة بالسخرية بينما واصل حديثه مع إميليا، التي بدت حائرةً عاجزةً عن فهم مقصده.
ما الذي كان ينتظرها؟
رفعت رام ثلاث أصابع أثناء حديثها، فشدَّ أوتو ملامح وجهه وأومأ بعمق.
—تصاعدت ألسنة اللهب المسحورة بألوانها الآسرة، بينما حلَّقت شفرات الرياح عديمة اللون بجنون، وغرق العالم في برودة متفجرة متجمّدة.
ومع ألم المحاكمة الأولى الذي ما زال جاثمًا في صدرها، شقت إميليا طريقها مباشرة نحو الغرفة الحجرية.
«لكن أعتقد أنه لم يكن يظن أن هناك فرصة لأني سأفشل، هاه؟»
عندما وصلت إلى وجهتها، كان الضوء الشاحب الخافت يضيء كلمات الدعم التي تركها لها سوبارو.
وبينما كانت ترتعد أمام تلك الأفكار، السبب الذي جعل إميليا تستطيع الوقوف هنا بعدما واجهت ماضيها وتغلبت عليه كان—
تبقت محاكمتان. وعندما تُجتاز المحاكمة الثالثة، سيستقبل الملجأ مستقبله.
«أعتقد ذلك؟ آه، بالطبع، مغادرته من دون أن ينتظرني جعلني أشعر ببعض… نعم، فقط القليل، القليل جدًا من الانزعاج، ولكن…»
وفي اللحظة التي راودها هذا التفكير…
«أعني ما قلته تمامًا. أنا أتعاطف معكِ من أعماق قلبي— لهذا الوضع الذي تجدين نفسكِ فيه، حيث لم تعرفي أبدًا كيف تكونين محبوبة إلا من خلال تلبية توقعات الآخرين من حولك، فاضطررتِ حتمًا إلى مواجهة الماضي رغمًا عنكِ.»
«—تأملي إلى الحاضر المجهول.»
—كانت عيناها الورديتان تلمعان بكل الحب الذي اختزنته تلك البنية الصغيرة.
في اللحظة التي أدركت فيها أن الصوت الذي سمعت همسه في أذنها كان صوتها هي، شعرت وكأن قوتها تخور.
في تلك اللحظة، رام، التي اعتقدت أنها واقفة بمفردها، غير قادرة على الاعتماد على أحد، أصبحت الآن تعتمد عليها.
فرغت أفكارها، وراودها إحساس قوي بأن روحها تُنتزع من جسدها، لتُحمل إلى مكان بعيد.
«سوبارو…»
«أرجوكِ، سيدتي إميليا— أرجوكِ، أنقذي سيدي روزوال.»
«—تعالي.»
لم تكن متأكدة مما نطقت به شفاهها في اللحظة الأخيرة، لكنها كانت تعلم أن المحاكمة الثانية قد بدأت.
«تقولين نفس الأشياء التي يقولها الشاب سوبارو. هل تعلمتِ ذلك أيضًا من تقليده؟»
《٣》
«ما أطلبه لم يتغير عن ذي قبل. ما عليَّ سوى أن أبذل جهدًا مضاعفًا قليلًا.»
بعد أن شاهد روزوال ورام دخول إميليا إلى القبر، بقي الاثنان وحدهما في الساحة العشبية.
«رغم ذلك، ربما يكون القول إنَّها حُلَّت بدلًا من إلغائها يعكس على نحوٍ أفضل عمق مشاعركِ.»
أثار رده فضول إميليا وجعلها تميل برأسها، لكنه لم ينكر كلماتها.
وضعت رام يدها اليسرى التي كانت إميليا تمسك بها بلطف على صدرها.
«—لن تنطق بكلمة واحدة لباروسو حول سبب رغبة رام في الانضمام إلى رهانه.»
«… يبدو أن عزمها مرتفع بطريقة غير متوقعة. سوبارو خصم لا يُستهان به.»
«هل سيكون روزوال على ما يرام إذا حررته؟»
وفي حين كانت رام تفعل ذلك، قال روزوال، الذي راقب رحيل إميليا عن مسافة قصيرة، تلك الكلمات بصوت خافت.
لم يكن في نبرته الكثير من المشاعر، ولم يظهر عليه أنه يشعر بخيبة أمل كبيرة مما قاله.
«—أرجو ألَّا تمانعوا إن انتهزتُ هذه اللحظة لأقدم أخيرًا كلمات تهنئتي الخاصة؟»
في الحقيقة، تيقنت رام من ذلك. لم يكن لدى روزوال الاهتمام الصادق الذي أظهره قبل لحظات. والدليل على ذلك أنه لم يبدُ عليه أي انزعاج من نتيجة كانت بالتأكيد مخالفة لرغبته.
«يا له من أحمق.»
«يؤسفني أنني أهدرت كل تلك النوايا الحسنة التي بذلتها بشق الأنفس. أن تتحمل كل تلك الكلمات القاسية دون أن تنفجر غضبًا… إنها بالفعل ضعيفة حتى النهاية.»
«… سيدي روزوال، منذ متى وأنت تراقب حديثي مع السيدة إميليا؟»
«كانت لي كلمات حادة مع الشاب سوبارو والبقية، كما تعلمين. أردت أن أرى حالة السيدة إميليا بنفسي… وهكذا رأيتكِ تجثين على ركبتك أمامها— أنتِ ممثلة بارعة بالفعل.»
وفي أثناء تأكيده للعهد الذي لم يكن لينساه أبدًا، أخرج روزوال كتابًا أسود من جيبه. وحين وقعت عينا رام على الكتاب الأسود، أدركت على الفور أنه الكتاب البغيض الذي يصف النبوءات.
ردَّ روزوال على سؤال رام بإعجاب واضح. بمعنى آخر، كان روزوال قد رأى رام وهي تبدي احترامها لإميليا وتطلب منها تحقيق أمنيتها الثمينة الوحيدة.
«لقد أصبحتِ حقًا قوية، سيدتي إميليا.»
وبعد أن شاهد ذلك وأجرى حواره مع إميليا نتيجة لذلك، كان يشكر رام الآن على جهودها.
«رام لا تملك فرصة للنصر. هذا أمر واضح. لكن—»
«لو استجابت السيدة إميليا للاستفزاز وحاولت إيذائي، لكانت نتيجة المنافسة قد حُسمت على الفور… ولكن ربما بدت الظروف مواتية أكثر مما ينبغي؟»
كان يقصد إثارة غضب إميليا وتحويله نحوه.
—أما الآن، بعد أن استعادت إميليا ماضيها، فقد كان ذلك سببًا للفرح العميق الذي لا يُقاس.
«هوس، تقولين ذلــــــك…»
إميليا فسَّرت ذلك على أنه رغبة منه في أن تُلحق به الأذى. وفي ذلك، كانت على حق. لكن حيث أخطأت إميليا هو اعتقادها أن روزوال أراد ذلك كعقاب لنفسه.
«بعد ذلك، السيدة إميليا. لا أستطيع تحمل رؤية السيدة إميليا بهذه الحالة البائسة بعد أن فقدت الروح العظيمة. قل لباروسو أن يفعل شيئًا— ربما يكون ذلك خارجًا عن نوايا السيد روزوال، لكن حتى لو كان كذلك، فإنه إذا أردنا المضي قدمًا، فلا بد أن تستعيد السيدة إميليا عافيتها، سواء أحببت ذلك أم لا.»
—لم يكن روزوال يسعى إلا لبذل أقصى جهده لتحقيق ما ورد في كتابه السحري.
إحساس بالواجب اشتعل حارًا ومتوهجًا.
كان اختيار الملك موجودًا لهذا الهدف. وكان الملجأ موجودًا لهذا الهدف. وكان هو نفسه موجودًا لهذا الهدف.
وبينما كانت ترتعد أمام تلك الأفكار، السبب الذي جعل إميليا تستطيع الوقوف هنا بعدما واجهت ماضيها وتغلبت عليه كان—
«كانت لي كلمات حادة مع الشاب سوبارو والبقية، كما تعلمين. أردت أن أرى حالة السيدة إميليا بنفسي… وهكذا رأيتكِ تجثين على ركبتك أمامها— أنتِ ممثلة بارعة بالفعل.»
حزن غارفيل، وأماني ريوزو وشيما الطويلة الأمد، وتفاني فريدريكا، وكآبة سوبارو، وإحساس إميليا بالذنب، وحتى مشاعر رام— كل هذه الأمور كانت أدوات استخدمها لتحقيق النتيجة التي أرادها الكتاب السحري.
«يتجه الشاب سوبارو والبقية نحو القصر، تاركين هذا الملجأ للسيدة إميليا. في الظاهر، يبدو هذا الفعل ماهرًا، لكنه خطوة ضعيفة. أن يرى المرء ما يرغب في رؤيته فقط هو عادة يمكن أن يسميها أي شخص رذيلة. ولا أرغب في أن يكتسب الشاب سوبارو مثل هذه العادة.»
«ما الذي تعنيه بذلك؟»
في تلك اللحظة، لم تستطع التباهي مع ذلك الشعور الأجوف.
«لم أتوقع أن ينضم غارفيل إلى جانب سوبارو. ولكن هذا يعني أيضًا أنه أُزيل من جانب الملجأ. وإذا أُغلقت عيناه المزعجتان، سأقترب من هدفي بطريقة لم تكن ممكنة من قبل.»
ورغم أنه كان يحيك الخطط لإفشال مساعيها، كان يتصرف بنوع من القلق المشوَّه تجاه مشاعرها. ولم يقتصر ذلك على إميليا فقط؛ بل شمل سوبارو، وغارفيل، وكل مَن حوله.
«…»
«سمعت أنكِ تعاونتِ معهم في مسألة غارفيل. بالطبع، أفهم أنكِ كنتِ تعتقدين أن ذلك كان أمرًا جيدًا. مشاعركِ عميقة. وأنا قد أخذتها في الحسبان أيضًا، بالطبع.»
«—وأنا روح طليقة، جامحة… لقد مضى وقت طويل منذ أن خضتُ معركة طويلة. لنباشر إذًا، أليس كذلك؟»
كانت رام تخفض رأسها بينما اقترب روزوال، واضعًا يده برفق على كتفها. ومن خلال كفه، نقل روزوال إحساسًا عميقًا بالثقة تجاه رام.
المشاعر الساخنة التي فاضت نتيجة لذلك كانت بالكاد قابلة للكبت.
ملامسة أصابعه جعلت قلب رام ينبض بسرعة داخل صدرها.
«إن أردتِ الدقة، هذا عالم يقترب من نهايته، ربما؟ إنه عالم انحرف عن مساره الصحيح، عالم ضل عن وجهته الأصلية. هذا الملجأ، والانتخاب الملكي، كلاهما أصبح بلا معنى.»
لمسه، الحديث معه، تنفيذ أوامره— كل هذه الأمور ملأت رام بمشاعر السعادة المطلقة. ليس من المبالغة القول إنها منحت حياتها معنى. بل عاشت من أجلها.
ورغم أنه كان يحيك الخطط لإفشال مساعيها، كان يتصرف بنوع من القلق المشوَّه تجاه مشاعرها. ولم يقتصر ذلك على إميليا فقط؛ بل شمل سوبارو، وغارفيل، وكل مَن حوله.
—في اللحظة التي راودها هذا الفكر، تجاهلت رام الفجوة الطفيفة التي أحدثها في قلبها.
كانت رام تنوي أن تُظهر أن زمام المبادرة بيدها، لكنها حبست أنفاسها قليلًا.
في تلك اللحظة، لم تستطع التباهي مع ذلك الشعور الأجوف.
«سيدي روزوال، ماذا تنوي أن تفعل من الآن فصاعدًا؟»
«—أوه. كنت أتساءل مَن يكون، لكنك الرجل الذي كان مع باروسو، أليس كذلك؟ بدون باروسو بجانبك، وجودك ضعيف لدرجة أنني لم أتمكن من تحديد نوع المخلوق الذي أنت عليه.»
«ما أطلبه لم يتغير عن ذي قبل. ما عليَّ سوى أن أبذل جهدًا مضاعفًا قليلًا.»
«الوسائل البسيطة عادةً ما تكون الأقل جدوى. رام أيضًا لا تحب الرهانات الخاسرة، كما تعلم.»
بفروه الرمادي، وذيله الطويل، وحركاته التي كانت مفرطة في اللطافة، ظهر قط صغير— الروح العظيمة.
«رام سوف…»
«—ينبغي عليكِ الانتظار هنا حتى تعود السيدة إميليا. فبعكس ذلك، سأشعر بوخز في صدري إن وصلت تلك الفتاة الشجاعة دون أن تجد أحدًا في استقبالها.»
«همم، فهمت ما قلتيه لي… حقًا، إنه لا يُصلح أبدًا.»
«لكن هوسه قد حاد الآن بعيدًا عن الطريق. لقد فقد رؤية الهدف الذي هو أساس كل آماله، وسيدي روزوال يتعلق بكتابه باسم فقط… أرجوكِ، حرِّريه من هوسه.»
من انحناءة بسيطة في زاويتي عينيه، بدا واضحًا أن كلماته لم تكن تحمل سخرية، بل تعبيرًا عن اهتمام موجه نحو إميليا.
—وبالتالي، استجابةً لإلحاح رام، شرع أوتو في تقديم تفسير مفصَّل.
ورغم أنه كان يحيك الخطط لإفشال مساعيها، كان يتصرف بنوع من القلق المشوَّه تجاه مشاعرها. ولم يقتصر ذلك على إميليا فقط؛ بل شمل سوبارو، وغارفيل، وكل مَن حوله.
ظهرت على وجه أوتو ملامح البله عندما زفرت رام بعمق، ثم حركت يدها من على فخذها، لتستخدمها برفق في ترتيب خصلات شعرها.
لهذا، انحنت رام لروزوال، الشخص الوحيد الذي فتحت له قلبها، وراقبته وهو يبتعد.
رغم إدراكها التام بأنها تبدو وكأنها تلقي محاضرة لطفل صغير، مدت إميليا يدها نحو روزوال لتحتويه.
غادر روزوال الساحة العشبية، ولم يتجه نحو المستوطنة، بل نحو الغابة.
تابعته رام بعينيها الزهريتين حتى اختفى عن نظرها، وبعد ذلك أغلقت عينيها برفق.
وما إن مدت إميليا يدها إلى رام التي كانت جاثيةً على ركبتيها لتساعدها على الوقوف—
«قلت: يا لها من شفقة— الرجاء الشرح بتفصيل أكبر.»
ثم—
لم يكن في نبرته الكثير من المشاعر، ولم يظهر عليه أنه يشعر بخيبة أمل كبيرة مما قاله.
《٤》
«سيدتي إميليا.»
—ثم، مستندة إلى المشهد الذي ارتسم خلف عينيها المغلقتين، وصلت رام إلى مكان محدد.
كان مبنًى يحافظ على لون أبيض شاذ، ينبعث منه نتن منفِّر يطرد أي زائر. إنه مختبر الساحرة، القابع في أعمق أرجاء الغابة، في نهاية طريق لا يستحق اسم الطريق— مكان سُمِع ذكره مرات عديدة، لكنها لم تصل إليه من قبل.
«…»
وهكذا، خطت رام إلى ذلك المكان الذي لم تُدعَ إليه أبدًا.
في أعماق صدرها، شعرت إميليا بمشاعر لا يمكن وصفها، مشاعر أثقلت قلبها كما لم تفعل من قبل.
عندما زعم روزوال أنها لا تملك فرصة للنصر، أومأت رام برأسها، دون أن تبذل أي جهد لدحض كلامه.
«…»
لم تكن متأكدة مما نطقت به شفاهها في اللحظة الأخيرة، لكنها كانت تعلم أن المحاكمة الثانية قد بدأت.
لم تحاول إخفاء صوت خطواتها. على العكس، تعمدت جعل خطواتها مسموعة، كأنها تنقش وجودها في أذني سامعها. بهذا، أعلنت أنها لاحقت صورته، واتَّبعت أثر خطواته، لتصل إلى هذا المكان.
كان ظهورها في هذا الشكل، وكأنه إجابة على العديد من الأسئلة التي لطالما طُرحت.
«أرجوكِ، سيدتي إميليا.»
«—إذا كانت رام ستتعاون معك، فهناك ثلاثة شروط.»
«… أفهم. إذًا باستخدام فن الرؤية البعيدة، كان الوصول إلى هنا أمرًا يسيرًا بالنسبة لك؟»
تركت رام الرجل دون حيلة يتشبث بها، وارتفع صوته ليصيح باستنكار، رافعًا وجهه نحو السماء. زفرت رام بهدوء على رد فعله، وضمت ذراعيها إلى صدرها وهي تنظر إليه بثبات من الأمام.
وفقًا لذلك، تم التعرف فورًا على وجود الزائر -أو بالأحرى، الدخيل- من قبل الشيطان.
واصل روزوال مناجاته، بينما كانت رام تصلي أن يختفي هذا الشعور المزعج الذي يعكر ذكرياتها.
الشيطان الذي يقف عند مدخل الغرفة، نظر إلى رام بتعبير يحمل تساؤلًا، مع لمحة خفيفة من الحيرة ترتسم في عينيه المختلفتي اللون.
«نعم، أعلم ذلك. بل أشعر ببعض الراحة— وتحديدًا، لأنكِ، حتى وأنتِ تبدين كالمغفلة، كنتِ قادرةً على فهم أن تهنئتي قبل قليل لم تكن كلمات نابعة من حسن نية.»
عندما ألقت نظرة نحوه، كان أوتو يبتسم وهو يراقب رام بعينين مدققتين. أدركت رام أن هذه الملاحظة الدقيقة، على عكس مظهره السطحي، جسدت قيمته الحقيقية كتاجر متجول.
أدركت رام جيدًا أن هذا التفاعل النادر منه جعل قلبها يخفق بمشاعر عذرية لا إرادية.
ظهرت على وجه أوتو ملامح البله عندما زفرت رام بعمق، ثم حركت يدها من على فخذها، لتستخدمها برفق في ترتيب خصلات شعرها.
«ذلك يعتمد على غارف.»
ففن الرؤية البعيدة، الذي تناقلته عشيرة الأوني، لا يعمل إلا إذا كانت الترددات بين المستخدم والهدف متوافقة. بالطبع، إذا بذلت رام جهدًا، كان بإمكانها التوافق حتى مع وحوش الشياطين، لكن الأمر يختلف إذا كان الهدف شخصية رفيعة المستوى. في حال أغلق هذا الهدف قلبه، يصبح التوافق مستحيلًا تمامًا.
—وبالتالي، استجابةً لإلحاح رام، شرع أوتو في تقديم تفسير مفصَّل.
—ستحقق هذه الأمنية. هذا ما كان على إميليا فعله.
بمعنى آخر، لو لم يكن روزوال قد فتح قلبه لها بصدق، لما استطاع فن الرؤية البعيدة العمل عليه. في الواقع، لم تحاول رام مطلقًا أن تطابق رؤيتها مع رؤية روزوال حتى هذه اللحظة.
وهكذا وصلت أخيرًا إلى هذا المكان— حقًا، كيف لا تشعر بالبهجة؟
حزن غارفيل، وأماني ريوزو وشيما الطويلة الأمد، وتفاني فريدريكا، وكآبة سوبارو، وإحساس إميليا بالذنب، وحتى مشاعر رام— كل هذه الأمور كانت أدوات استخدمها لتحقيق النتيجة التي أرادها الكتاب السحري.
عندما أعلن روزوال هذا الكلام بثقة، شعرت إميليا بقوةٍ متزايدة في قبضتها على يد رام.
«أعتقد أنني طلبت منكِ انتظار السيدة إميليا؟»
«لكن ها أنتِ الآن، يا سيدتي، واقفة على قدميكِ… ترفعين رأسكِ ومستعدة لمواجهة ما قد يأتي. أخصم نقاطًا قليلة فقط بسبب آثار الدموع التي لا تزال على وجنتيكِ.»
«نعم، هذا ما طلبته.»
«إذًا أسألكِ: ما الغرَض من مجيئكِ إلى هذا المكان؟»
في يد رام كانت البلورة السحرية التي منحها إياها سوبارو— إلى جانب روح عظيمة غير متعاقدة، تقدم مساعدتها لليلة واحدة بدافع من نزوة.
«—الإجابة بسيطة للغاية.»
عندما سألها، كتمت شغفًا جعل قلبها ينبض بعنف، وأجابت بتعبير ظل محايدًا وهادئًا.
تأرجح شعر رام الوردي وهي تسحب عصاها السحرية من تحت طرف تنورتها.
كانت عصاها المحببة، التي أهداها لها روزوال شخصيًا عندما بدأت خدمته— عصا سحرية تحتوي على قرن رام المكسور.
إذًا، ما الذي جعله يرحل فجأة دون أن ينتظرها ليشهد النهاية؟
لوحت بالعصا بين يديها، ثم وجهت طرفها نحو سيدها المحبوب—
«—لقد جئت لأنتزع منك هوسك بالساحرة.»
«على أي حال، أتوقع منك قبول هذين الشرطين. بما أنهما ضروريان ويشكَّلان الحد الأدنى لنجاح خطتك، فلا أعتقد أنهما يشكلان عبئًا كبيرًا عليك، أليس كذلك؟»
نحو الرجل الذي أحبته بجنون، والذي استحوذت عليه مشاعر غرام مفرط، أفصحت رام عن حبها الخاص، أملًا في أن تحفره عميقًا في قلبه.
《٥》
«—أوه. كنت أتساءل مَن يكون، لكنك الرجل الذي كان مع باروسو، أليس كذلك؟ بدون باروسو بجانبك، وجودك ضعيف لدرجة أنني لم أتمكن من تحديد نوع المخلوق الذي أنت عليه.»
—اختارت رام خوض هذه المجازفة لأنها رأت فيها أفضل فرصة لتحقيق أمنيتها الخاصة.
«—تحياتي، الآنسة رام. الرياح هادئة الليلة. إنها ليلة جميلة، أليس كذلك؟»
«—روزوال، هل يمكن أنك أردت مني أن أفعل شيئًا فظيعًا؟»
«… باروسو يهتم بالسيدة إميليا أكثر من أي شخص آخر.»
كان ذلك عندما خاطبها رجل معين في الليلة التي سبقت تغلُّب إميليا على محاكمة القبر، الليلة التي تخلَّص فيها غارفيل من عقدة عشرة أعوام من الجمود، الليلة التي اهتز فيها سوبارو من إذلال قراءة أبيات حبه بصوت عالٍ أمام مَن لا يرغب بهم، والليلة التي راهنت فيها رام على تحقيق رغبتها التي طال انتظارها— بعبارة أخرى، كانت تلك الليلة السابقة لكل ذلك.
«—إذًا، ما رأيك بكل هذا؟»
«…»
في زاوية من المستوطنة، وقفت رام ثابتة في مكان بدا خاليًا من أي وجود بشري، وهي تحدق بتركيز نحو ذلك الرجل.
«روزوال؟»
«آه…» أجابت رام، وفتحت فمها قليلًا وهي تنحني. بدا وكأن التوتر قد تلاشى— ومعه أيضًا قلقها، كما بدا من ارتجاف شفتيها تعبيرًا عن الارتياح.
«…إر؟»
«…»
«—أوه. كنت أتساءل مَن يكون، لكنك الرجل الذي كان مع باروسو، أليس كذلك؟ بدون باروسو بجانبك، وجودك ضعيف لدرجة أنني لم أتمكن من تحديد نوع المخلوق الذي أنت عليه.»
«حسنًا، بكل صراحة— هل يمكن أن نحصل على مساعدتك في رهان السيد ناتسكي مع الماركيز؟»
«إذاً، لست حتى بشريًا الآن؟! إر، أستطيع أن أفهم لماذا ترينني كإضافة لسيد ناتسكي، ولكن…»
ضيَّقت رام عينيها، متملِّكةً شعورًا غريبًا بالاضطراب بسبب ذلك الألم المفاجئ في ذهنها، وتلك الفجوة في ذكرياتها.
«الرجل الذي يتحسَّن بكونه مجرد إضافة لشخص آخر لا قيمة له بمفرده. ابتعد.»
«هذه الخادمة قاسية للغاية!!»
«بغض النظر عما إذا كنت أتذكرك أم لا، أليس عليك أن تعرِّف نفسك أولًا؟ بغض النظر عما إذا كنت أتذكرك أم لا.»
ثم—
تركت رام الرجل دون حيلة يتشبث بها، وارتفع صوته ليصيح باستنكار، رافعًا وجهه نحو السماء. زفرت رام بهدوء على رد فعله، وضمت ذراعيها إلى صدرها وهي تنظر إليه بثبات من الأمام.
أغمض روزوال عينيه وسحب كتفيه إلى الخلف. في تأكيده لنتيجة المحاكمة، ربما كان يسعى لرؤية الإجابة التي استخلصتها إميليا من مواجهتها لماضيها… أو لمعرفة إن كان ذلك قد كسر قلبها مرةً أخرى.
وقبل أي شيء آخر، لم يكن سوبارو موجودًا ليقوله، لذا وجب على الفتاة المرتعشة أن تفعل ذلك بدلًا منه.
توترت كتفا الشاب، وبدت عليه علامات الارتباك تحت نظرة عينيها الزهريتين الضيقتين.
بينما انعقد صوت إميليا في حلقها، وبخت رام روزوال بشدة بدلًا منها.
«هل تمانعين إن تبادلتُ الحديث معك؟»
وفي حين كانت رام تفعل ذلك، قال روزوال، الذي راقب رحيل إميليا عن مسافة قصيرة، تلك الكلمات بصوت خافت.
«بغض النظر عما إذا كنت أتذكرك أم لا، أليس عليك أن تعرِّف نفسك أولًا؟ بغض النظر عما إذا كنت أتذكرك أم لا.»
بصراحة، حتى في تلك اللحظة، وجدت أنه من الغريب أن شخصًا ضعيفًا مثلها قد تحدَّى المحاكمة. قلبها كان يتزعزع بسهولة، وعملية تفكيرها سطحية، وكانت هشةً وبائسة. ومع ذلك…
«لست متأكدًا لماذا كررتِ هذه العبارة مرتين…! …أنا أوتو سوين. قد أكون مجرد تاجر متجول، ولكنني أرجو منك أن تتفضلي بتذكُّر اسمي ووجهي مع ذلك.»
«ذلك يعتمد على مدى إثارة المحادثة التي تحملها، وعلى أي قدر من الاهتمام يمكن أن تستحوذ عليه، أظنني يجب أن أقول ذلك.»
«عجبًا، كم أنتِ طماعة. ولكن، ماذا ستفعلين حيال ذلك؟ حتى لو كنتِ أوني اختيرت من قِبل السماء، فقد ابتعدتِ الآن كثيرًا عن ذلك من دون قرنكِ. حتى مع جراحي، أستطيع استخدام سحر كافٍ تمامًا قبل البدء في الطقوس. هل تستطيعين هزيمتي؟»
«حسنًا، بكل صراحة— هل يمكن أن نحصل على مساعدتك في رهان السيد ناتسكي مع الماركيز؟»
إذا كان يظن أن إميليا ربما لن تتمكن من تجاوز المحاكمة، فهذا أمر طبيعي.
«هل سيكون روزوال على ما يرام إذا حررته؟»
كانت رام تنوي أن تُظهر أن زمام المبادرة بيدها، لكنها حبست أنفاسها قليلًا.
كان ذلك بسبب بساطة الطريقة التي تسلل بها الشاب -أوتو- إلى موقفها على نحو غير متوقع.
«ماذا تقصدين؟»
عندما ألقت نظرة نحوه، كان أوتو يبتسم وهو يراقب رام بعينين مدققتين. أدركت رام أن هذه الملاحظة الدقيقة، على عكس مظهره السطحي، جسدت قيمته الحقيقية كتاجر متجول.
«—أوه. كنت أتساءل مَن يكون، لكنك الرجل الذي كان مع باروسو، أليس كذلك؟ بدون باروسو بجانبك، وجودك ضعيف لدرجة أنني لم أتمكن من تحديد نوع المخلوق الذي أنت عليه.»
وفي حين كانت رام تفعل ذلك، قال روزوال، الذي راقب رحيل إميليا عن مسافة قصيرة، تلك الكلمات بصوت خافت.
«يبدو أنك محتال بارع.»
حسابنا بتويتر @ReZeroAR
«أنا مجرد رجل في منتصف الطريق نحو تحقيق حلم. ربما لهذا السبب أجد نفسي متفقًا مع السيد ناتسكي ومساعيه المتهورة. إررر، لقد خرجت عن الموضوع قليلًا.»
تفاجأت إميليا قليلًا برؤية رام تعبر عن مشاعرها بوضوح لأول مرة. ومع ذلك، لم يكن تفاجؤها مقتصرًا على رام وحدها، بل امتد إلى الطرق الفوضوية التي يتبعها سوبارو والآخرون أيضًا.
«هاه! كاذب دون خجل. وأيضًا، قد وضعت آمالك في المكان الخطأ. رغبات رام تتماشى مع أمنيات السيد روزوال. كيف توصلت إلى الاعتقاد أنني قد أساعد باروسو؟»
«مرحبًا، روزوال. والآن وقد فكرتُ في الأمر، لم تتح لي الفرصة لتصفية الأمور معك، أليس كذلك؟»
وبعد أن مرت تلك المشاعر بداخلها، لم يتبقَ في صدر إميليا سوى إحساسٍ واحد…
«أنا واثق أنك على دراية بأن مسار الأحداث، فيما يتعلق بأمنيات الماركيز، قد انحرف بالفعل؟ أظن أن السيد ناتسكي قد تحدث إليك عن هذا أيضًا.»
اقترب أوتو من رام بمجرد أن تأكد إلى حد معين.
كان مبنًى يحافظ على لون أبيض شاذ، ينبعث منه نتن منفِّر يطرد أي زائر. إنه مختبر الساحرة، القابع في أعمق أرجاء الغابة، في نهاية طريق لا يستحق اسم الطريق— مكان سُمِع ذكره مرات عديدة، لكنها لم تصل إليه من قبل.
شعرت رام بأن هذه الحقيقة مزعجة للغاية، فانزلقت يدها إلى فخذها.
كانت العصا السحرية المثبتة تحت تنورتها سلاحها المحبب الذي تستخدمه في إطلاق السحر.
كانت إميليا قد جذبت رام بالقرب منها بيدها اليمنى، بينما مدَّت يدها اليسرى نحو روزوال. ولم يكن هذا مجرد استعراض، إذ إن تدفق المانا المتوهج الذي شعر به روزوال أوضح أنها لم تكن تمزح.
رغم أنها رأت أن استخدام هذه العصا ضد شخص مثل أوتو مبالغة، إلا أن امتلاك وسيلة تسحقه على الفور كان كنزًا لا يُقدَّر بثمن.
«أحقًا؟ …نعم، أظن أن ذلك ممكن.»
«ما الذي قاله لكِ؟ لا شك في أنها كانت كلمات مريحة للآذان. أنتِ لطيفة، سيدة إميليا، تنهارين بسهولة، مما يجعلكِ سهلة التعامل طالما حافظ المرء على اللباقة. حقًا، سيدة إميليا ضعيفة وهشة، شخصٌ يتشبث بآمال يائسة. لا بد أنكِ فكرتِ يومًا كيف يمكن أن تكون حياتك كفتاةٍ عادية، أليس كذلك؟ ولكن، هو لا يهتم بكِ أنتِ الحقيقية، ليس ولو للحظة. ما يحبه هو صورتك المثالية التي يحملها بداخله— أليس كذلك؟»
«كما أرى الأمر، يبدو أن هذه لحظتي للتألق.»
«لحظتك؟»
«يؤسفني أنني أهدرت كل تلك النوايا الحسنة التي بذلتها بشق الأنفس. أن تتحمل كل تلك الكلمات القاسية دون أن تنفجر غضبًا… إنها بالفعل ضعيفة حتى النهاية.»
عندما شاهدت رام أوتو وهو يحرِّك وجنته بلطف ويمرر لسانه على شفتيه لترطيبهما، رفعت حاجبها نحوه بشيء من الفضول.
ثم فتح إحدى عينيه— مركزًا بجدية عينه الصفراء على إميليا.
من انحناءة بسيطة في زاويتي عينيه، بدا واضحًا أن كلماته لم تكن تحمل سخرية، بل تعبيرًا عن اهتمام موجه نحو إميليا.
«إنها لحظة حرجة، أو شيء من هذا القبيل. ليس بالأمر الذي يمكنني التفاخر به، لكن نسبة نجاحي في هذه اللحظات جيدة للغاية.»
سوبارو، وهو يعلم أن غارفيل طيب، طلب منه أن يتغير مع ذلك.
«ثقة مبالغ فيها. أتساءل، هل تعتقد حقًا أن مثل هذه الثقة كافية لإقناع رام بأن تنحني لإرادتك؟»
عندما زعم روزوال أنها لا تملك فرصة للنصر، أومأت رام برأسها، دون أن تبذل أي جهد لدحض كلامه.
لم يكن لرام الاستعداد للاستماع إلى دعوات عابرة أو محاولات سطحية. مقارنةً بما كانت عليه سابقًا، لم يستطع أوتو إلا أن يظن أن موقف رام أصبح أكثر هشاشة… حقًا، كانت هذه لحظة حرجة بكل معنى الكلمة.
«لقد أحسنتِ صنعًا بتوفير فرصة اضطررتُ فيها إلى حمل كتاب المعرفة معي. لو تخلى غارفيل عن هوسه بالملجأ، ولو توقفت السيدة إميليا عن الاعتماد فقط على ذلك الشاب سوبارو، مهما كانت النتيجة، ليس هناك طريقة للحفاظ على ما كُتب سوى أن أتحرك بنفسي.»
إذا استطاع ”التألق“ على نحوٍ صحيح، فربما—
«لسبب ما، السيد ناتسكي لا يعتبر الآنسة رام عدوة بأي حال من الأحوال. إذا كان محقًا، أعتقد أنه ينبغي لنا أن نتعاون مع رغبات الآنسة رام الحقيقية.»
«نعم، هذا ما طلبته.»
«… يا لها من شفقة.»
بمعنى آخر، فضح أمامها خطتهم بالكامل.
«إيه؟»
ظهرت على وجه أوتو ملامح البله عندما زفرت رام بعمق، ثم حركت يدها من على فخذها، لتستخدمها برفق في ترتيب خصلات شعرها.
«ذلك يعتمد على غارف.»
أتعاطف. كرر روزوال الكلمة التي بدأ بها حديثه مع إميليا مرة أخرى.
«قلت: يا لها من شفقة— الرجاء الشرح بتفصيل أكبر.»
حتى لو استمعت إلى تفسيره للنهاية، فلن يكون الوقت متأخرًا لتقرر ما إذا كانت ستستخدم عصاها السحرية أم لا.
«يتجه الشاب سوبارو والبقية نحو القصر، تاركين هذا الملجأ للسيدة إميليا. في الظاهر، يبدو هذا الفعل ماهرًا، لكنه خطوة ضعيفة. أن يرى المرء ما يرغب في رؤيته فقط هو عادة يمكن أن يسميها أي شخص رذيلة. ولا أرغب في أن يكتسب الشاب سوبارو مثل هذه العادة.»
على الأقل، لم يكن عرض أوتو التفاوض معها أمرًا سيئًا. نعم، ستستمع إليه بقبول ظاهري.
«أنتَ وسوبارو لا تشبهان بعضكما على الإطلاق.»
—وبالتالي، استجابةً لإلحاح رام، شرع أوتو في تقديم تفسير مفصَّل.
«سيف، لمَن يحمل السيف؛ سحر، لمن يتشبث بالسحر؛ ولهب، لمَن يكرِّس نفسه له.»
«—إذًا، ما رأيك بكل هذا؟»
لكن بينما كانت تدير كلماتها، أطلق روزوال صوتًا خافتًا من حنجرته وعيناه مغلقتان.
أعلنت رام أن ما تراه أمامها هو غبي بكل معنى الكلمة، والكلمة المناسبة لتوجيهها إلى أحمق هي ببساطة ”أحمق“.
«أأنت أحمق؟»
كانت رام تنوي أن تُظهر أن زمام المبادرة بيدها، لكنها حبست أنفاسها قليلًا.
أعلنت رام أن ما تراه أمامها هو غبي بكل معنى الكلمة، والكلمة المناسبة لتوجيهها إلى أحمق هي ببساطة ”أحمق“.
كان من الطبيعي أن تشعر برغبة في قول ذلك. فبعد كل شيء، شرح أوتو لم يكن ملخصًا ولا موجزًا، بل أقرب إلى كشف جميع الأوراق التي تملكها مجموعته.
لكن—
—هذه اللحظة كانت ما انتظرته رام منذ زمن بعيد.
بمعنى آخر، فضح أمامها خطتهم بالكامل.
كان نظره مثبّتًا على عيني إميليا، وكأنه يحاول أن يُبقي المشاعر العميقة التي تختمر خلف طلاء وجهه وابتسامته المتكلفة من الظهور على السطح. ومن هنا أدركت الحقيقة.
«هل تفتقر إلى الخيال لتدرك ما الذي قد يحدث إذا أخبرت رام السيد روزوال بكل هذا…؟»
وما إن مدت إميليا يدها إلى رام التي كانت جاثيةً على ركبتيها لتساعدها على الوقوف—
«إذا كان لا بد من قول ذلك، لا أستطيع أن أتخيل أي شيء جيد. ولكن، بصفتي تاجرًا، لا بد لي من بذل كل جهد لتحقيق النجاح في عملي. إن فشلت بسبب الجبن، فسأجلب العار لعائلة سوين، كما تعلمين.»
مسحت إميليا وجنتيها بكمَّها بحماس، محوِّلة آثار الدموع التي أشارت إليها رام. ثم عادت لتواجه رام مرة أخرى، مائلة رأسها برفق.
أعلن أوتو بحزم أنه لا يستطيع أن يجلب العار لعائلته. مثل هذا الإصرار لم يصل إلى قلب رام، التي لم تعد تملك عائلة خاصة بها— على الأقل، كان هذا المفترض.
«هاه! كاذب دون خجل. وأيضًا، قد وضعت آمالك في المكان الخطأ. رغبات رام تتماشى مع أمنيات السيد روزوال. كيف توصلت إلى الاعتقاد أنني قد أساعد باروسو؟»
«الآنسة رام؟»
ثم فتح إحدى عينيه— مركزًا بجدية عينه الصفراء على إميليا.
«—لا شيء على الإطلاق. المهم، في البداية، تصرَّفت وكأنك اقتربت مني لخدمة باروسو… لكن هذا قرارك أنت، أليس كذلك؟ على الأقل، لم تتحدث مع باروسو بخصوص غارف.»
«… ظننتُ أن الأحداث انحرفت عن تلك المكتوبة في كتاب المعرفة؟»
«آه، إر… هل كان من الواضح لكِ هذا حقًا؟»
«—إذًا، ما الهدف الذي تسعين لتحقيقه، أتســــاءل؟»
«لا أعتقد أن باروسو سيوافق على مثل هذه الطيش. رام ترى أن هذا أمر سخيف للغاية للمحاولة منفردًا— لدرجة أن وصفه بعيب في الشخصية لا يبدو كافيًا.»
كان ظهورها في هذا الشكل، وكأنه إجابة على العديد من الأسئلة التي لطالما طُرحت.
بالطبع، خطة سوبارو وأوتو تضمنت تدابير مضادة ضد غارفيل.
ومع ذلك، كانت محتوياتها المتطرفة تتطلب من واضع الخطة أن يستنزف نفسه حتى حافة الموت، حيث يضع شبكة خطيرة لا يظهر فيها سوى بصيص ضئيل من الأمل.
«لكن هوسه قد حاد الآن بعيدًا عن الطريق. لقد فقد رؤية الهدف الذي هو أساس كل آماله، وسيدي روزوال يتعلق بكتابه باسم فقط… أرجوكِ، حرِّريه من هوسه.»
«إنه حقًا عيب في الشخصية. لن أقول هذا لأي أحد، ولكن واضع هذه الخطة ليس مؤهلًا على الإطلاق ليكون تاجرًا.»
«…»
«هل تنوين إخفاء مثل هذا الأمر بينما تنظرين مباشرة في عيني هكذا؟!»
«همم، شكرًا لكِ.»
‹كبرياء رجالي أو ما شابه ذلك. يا له من شيء تافه.› فكرت رام باستخفاف وهي تزفر بسخرية.
ومع ذلك، وبغض النظر عن العزيمة الخفية التي أبداها أوتو، لم تكن الخطة سيئة. صحيح أن العناصر التي يتوقف عليها هذا الرهان ليست قليلة، لكن مقارنةً بالانتظار السلبي لهزيمة حتمية، كانت هذه المحاولة أكثر استشرافًا للمستقبل. وبناءً على ذلك…
«عالم منتهي…؟»
«—إذا كانت رام ستتعاون معك، فهناك ثلاثة شروط.»
«أن ترى… تعني نتائج محاكمتي؟»
رفعت رام ثلاث أصابع أثناء حديثها، فشدَّ أوتو ملامح وجهه وأومأ بعمق.
تلك الكلمات، والفعل الذي تبعها، جعل إميليا تحبس أنفاسها.
«أنا أستمع.»
«أولًا، غارف. لا بأس بتلقينه درسًا بلكمة على أنفه. رام تتفق تمامًا مع كسر جسر أنف غارف— ولكن، بعد كسر أنفه، ستتركون أمره لرام.»
«ما الذي تعنيه بذلك؟»
«بما أنني آمل أن يكون لك دور كبير فيما يتعلق بغارفيل، فإن كلماتك هذه تبدو مشؤومة إلى حد كبير…»
«هل يعني هذا أن رام تتعاون مع سوبارو وأوتو لأنني طفلة كثيرة البكاء؟»
ربما لأن ما أرادت إميليا فعله وما وَجب عليها فعله أصبحا في تلك اللحظة شيئًا واحدًا.
«ذلك يعتمد على غارف.»
واحدة تلو الأخرى، أُلغيت الشروط المطلوبة لتحقيق ما كُتب. العقد التي أعاقت تحرير الملجأ قد حُلَّت واحدة تلو الأخرى. ولم يتبق من البيادق التي كانت تخدمه أحد.
لم تكن قلقة على الإطلاق. لقد عرفت غارفيل لما يقارب عقدًا من الزمان. طالما بقي كما كان دائمًا، فمن غير المرجح أن تكون هي مَن تتراجع… على الرغم من أن الأمر كان يبدو سخيفًا.
في تلك اللحظة، استعرض روزوال في عقله مجموعة متنوعة من الاحتمالات. معظمها كانت بعيدة كل البعد عن الحقيقة. لكنه توقف عند الاحتمال الذي بدا له الأكثر معقولية.
«بعد ذلك، السيدة إميليا. لا أستطيع تحمل رؤية السيدة إميليا بهذه الحالة البائسة بعد أن فقدت الروح العظيمة. قل لباروسو أن يفعل شيئًا— ربما يكون ذلك خارجًا عن نوايا السيد روزوال، لكن حتى لو كان كذلك، فإنه إذا أردنا المضي قدمًا، فلا بد أن تستعيد السيدة إميليا عافيتها، سواء أحببت ذلك أم لا.»
بعد أن انتهت من إخبار إميليا بالتفاصيل، بدا التعب على رام، ووضعت يدها على جبينها.
«في هذه المسألة، الأمر يعتمد على السيد ناتسكي والسيدة إميليا، أليس كذلك؟ حسنًا، قد تكون هذه النقطة هي الأكثر غموضًا، ولكن هذه الخطة تعتمد في النهاية على نجاح ذلك.»
حكَّ أوتو وجهه بنظرة مستسلمة ردًا على تصريحات رام.
كما كان مدركًا بنفسه، اعتمدت خطة العمل على نحوٍ كبير على العلاقة المتوقعة بين سوبارو وإميليا. لقد بُنيت الخطة على افتراض وثقة بوجود رابط ملموس بينهما.
«سيد روزوال!»
وعلى الرغم من أن الخطة ارتكزت إلى حد كبير على المنطق، إلا أن هذا الجزء بالتحديد كان يعتمد على الأمل والعاطفة.
تنهَّدت إميليا بعمق، ثم ارتسم على وجهها ابتسامة خفيفة.
«على أي حال، أتوقع منك قبول هذين الشرطين. بما أنهما ضروريان ويشكَّلان الحد الأدنى لنجاح خطتك، فلا أعتقد أنهما يشكلان عبئًا كبيرًا عليك، أليس كذلك؟»
بالتأكيد، كان روزوال قويًا بما يكفي لإضعاف أي عزيمة، لكن كان هناك شيء يجب أن يُقال.
على الرغم من أنه أسقط كتفيه، ظل روزوال يحدق في رام، التي وقفت بثبات، بعينيه المتلونتين. ومن هناك، مرر أصابعه برفق عبر شعره النيلي.
«أظن ذلك. وبصراحة، كنت أظن أنك قد تطرحين طلبات أصعب وأقل قابلية للتحقيق بكثير… آه، أممم، أتخيل أن الشرط الثالث سيكون شيئًا مميزًا، لذا سألتزم الصمت وأنتظر.»
«يا له من أحمق.»
«وها قد تغيرتِ مجددًا— بالنسبة لي، هذا أمر صعب للغاية تقبله.»
كانت رام تفهم حذره، ولكن مخاوفه لم تكن في محلها.
—محاكمة لتحويل الكلمات الكاذبة التي نطق بها أحدهم إلى أمنية حقيقية.
«—إذا كانت رام ستتعاون معك، فهناك ثلاثة شروط.»
بلا شك، شاركت رام في الخطة لأجل أهدافها الخاصة. لكن هذا الأمر كان شيئًا لا بد أن أوتو، الذي طرح الفكرة أساسًا، قد أدخله في حساباته مسبقًا.
«بما أنني آمل أن يكون لك دور كبير فيما يتعلق بغارفيل، فإن كلماتك هذه تبدو مشؤومة إلى حد كبير…»
كان من الطبيعي أن يقاتل غارفيل وإميليا وبعدهما سوبارو وأوتو بشجاعة. ولقد كان من الجيد أن تتعاون رام معهم بدرجات متفاوتة. لكن عندما يأتي الأمر إلى المشهد الأخير، لن تسمح رام لأي شخص آخر بالسيطرة عليه.
عندما وصلت إلى وجهتها، كان الضوء الشاحب الخافت يضيء كلمات الدعم التي تركها لها سوبارو.
ومن ثم، كان الشرط الأخير الذي طلبته رام من أوتو بسيطًا للغاية.
«روزوال؟»
وكان ذلك—
هل كان يريد أن يُؤذى، أن يُعاقب؟ هل جاء روزوال إلى هنا من أجل ذلك؟
«—لن تنطق بكلمة واحدة لباروسو حول سبب رغبة رام في الانضمام إلى رهانه.»
تحدَّثت إميليا بهدوء وهي تنظر نحو رام، مستنشقة نفسًا عميقًا.
《٥》
وعندما وصلت إلى المشهد الأخير من الخطة التي انضمت إليها، وقفت رام وجهًا لوجه أمام روزوال.
في الواقع، لم تكن لرام أي فرصة للنصر… حتى لو لم تكن قد أنهكتها المعركة الأخيرة مع غارفيل. ليس لديها حتى أدنى فرصة لتحقيق انتصار بالكاد لو قاتلت روزوال.
كان المكان هو المنشأة التي تم وضعها سرًا في الغابة— المكان الذي ورد ذكره في حكاية شيما عن الماضي، والذي اعتُبر، بمعنى من المعاني، العمود المركزي للملجأ إلى جانب القبر.
الرائحة العائمة والجدران البيضاء على نحو غير طبيعي تسببت في تشويش أجزاء من حواسها الخمس. ومع ذلك، لم يشكل الأمر مشكلة.
وعلى الرغم من أن الخطة ارتكزت إلى حد كبير على المنطق، إلا أن هذا الجزء بالتحديد كان يعتمد على الأمل والعاطفة.
رفعت رام ثلاث أصابع أثناء حديثها، فشدَّ أوتو ملامح وجهه وأومأ بعمق.
الرجل الذي وقف أمام رام الآن كان قد سلب وعيها، وصولًا إلى أعمق زوايا روحها، منذ زمن بعيد، بعيد جدًا.
«هوس، تقولين ذلــــــك…»
كان ذلك عندما خاطبها رجل معين في الليلة التي سبقت تغلُّب إميليا على محاكمة القبر، الليلة التي تخلَّص فيها غارفيل من عقدة عشرة أعوام من الجمود، الليلة التي اهتز فيها سوبارو من إذلال قراءة أبيات حبه بصوت عالٍ أمام مَن لا يرغب بهم، والليلة التي راهنت فيها رام على تحقيق رغبتها التي طال انتظارها— بعبارة أخرى، كانت تلك الليلة السابقة لكل ذلك.
عندما زعم روزوال أنها لا تملك فرصة للنصر، أومأت رام برأسها، دون أن تبذل أي جهد لدحض كلامه.
تمتم روزوال بصوت منخفض. بدا وكأنه يكرر الكلمة التي نطقت بها رام للتو، وكأنه يصنِّف الغاية التي دفعتها إلى الحضور في هذا المكان.
في تلك اللحظة، استعرض روزوال في عقله مجموعة متنوعة من الاحتمالات. معظمها كانت بعيدة كل البعد عن الحقيقة. لكنه توقف عند الاحتمال الذي بدا له الأكثر معقولية.
«فبعد كل شيء… أُجبرتِ على أن تقطعي عهدًا بالولاء رغمًا عنكِ، وأن تقضي أيامكِ مع الرجل الذي كان سببًا في دمار وطنكِ. حتى لو كان جسدكِ، بلا قرنكِ، بحاجة إلى دعمي كي تبقي على قيد الحياة، فلا بد أن ذلك كان مؤلمًا للغاية. أعتذر إن كنتُ قد تصرفت وكأنه أمر لا يعنيني.»
إذا كان يظن أن إميليا ربما لن تتمكن من تجاوز المحاكمة، فهذا أمر طبيعي.
«أجد ذلك غير مرجح، ومع ذلك… هل من الممكن حقًا أنك تنوين توجيه عصاك ضدي؟»
تحدث وكأن قرار سوبارو كان مليئًا بالسخرية، بينما بدت أفكاره الخاصة منطقية تمامًا.
«…»
رفع حاجبيه بدهشة ظاهرة، كما لو أنه وصل إلى نتيجة واحدة بشأن تصرفات رام. وبعد استبعاد كل التفسيرات الخاطئة التي قد تُفهم من كلماتها، وصل أخيرًا إلى الجواب الصحيح.
—هذه اللحظة كانت ما انتظرته رام منذ زمن بعيد.
《٤》
حين طرح عليها سؤاله، وقفت رام باستقامة أكبر، مما دفع روزوال إلى إسقاط كتفيه بإحباط.
«لا، من المؤكد أنه سيكون من الغباء التفكير في ذلك. أدرك جيدًا أن قوة السيد روزوال لا تقل إلا عن معلمه.»
«إذًا، حان الوقت أخيرًا. بالتأكيد، انحرفت مجريات هذا العالم عن المسار الذي أرجوه. وهكذا، يدخل العهد حيز التنفيذ… مما يعني أنني، وقد فقدت رغبتي، عليَّ أن أقدم نفسي لكِ كما وعدت.»
«أفهم. لقد مضت سنوات منذ أن وجهتِ عصاك نحوي… لكن أن يأتي ذلك الوقت الآن، فهو أمر مؤسف. كما يؤلمني أن مَن تعرف مشاعري وهدفي تطلق عليهما وصف الهوس…»
«أفهم. لقد مضت سنوات منذ أن وجهتِ عصاك نحوي… لكن أن يأتي ذلك الوقت الآن، فهو أمر مؤسف. كما يؤلمني أن مَن تعرف مشاعري وهدفي تطلق عليهما وصف الهوس…»
«إنه مسكون بالكامل بشغف مفرط، شغفٌ قيَّد قلبه كسحر لعنة منذ زمن بعيد، بعيد جدًا. ربما كانت رام على ما يرام مع هذا الحال. ربما كانت رام راضية حتى لو لم ينظر نحوها، حتى لو اعتبرها مجرد أداة مفيدة لإشباع هوسه.»
«قد لم أُصرح بذلك علنًا، ولكنني رأيت دائمًا الأمر كذلك. ومن الطبيعي أن يكون هذا رأيي.»
بصراحة، حتى في تلك اللحظة، وجدت أنه من الغريب أن شخصًا ضعيفًا مثلها قد تحدَّى المحاكمة. قلبها كان يتزعزع بسهولة، وعملية تفكيرها سطحية، وكانت هشةً وبائسة. ومع ذلك…
وفقًا لما جاء في كتاب المعرفة، سيجعل روزوال الثلوج تتساقط على الملجأ. وكان قد جاء من أجل البلُّورة السحرية لاستخدامها كمحفز سحري. ولتنفيذ تلك التعويذة—
«طبيعي… حسنًا، أعتقد أن ذلك طبيعي بالنظر إلى الأيام الطويلة التي قضيتها في خضوع مهين.»
«في هذه المسألة، الأمر يعتمد على السيد ناتسكي والسيدة إميليا، أليس كذلك؟ حسنًا، قد تكون هذه النقطة هي الأكثر غموضًا، ولكن هذه الخطة تعتمد في النهاية على نجاح ذلك.»
ضحك روزوال ضحكةً منخفضة ومطولة، محاولًا كبت صوته حتى خرج كتيار خفيف.
على الرغم من أنه أسقط كتفيه، ظل روزوال يحدق في رام، التي وقفت بثبات، بعينيه المتلونتين. ومن هناك، مرر أصابعه برفق عبر شعره النيلي.
«أحقًا؟ …نعم، أظن أن ذلك ممكن.»
«أن ترى فقط ما ترغب في رؤيته… يا له من تناقض مؤلم أن أعيب هذه السمة على الشاب سوبارو، بينما تحدث تحت أنفي مباشرة. كنت أعتقد أن أفعالك تعبير عن إخلاصك بطريقتك الخاصة.»
«توجيه ضربة لغارف كان لأجل هدف رام ولتصحيح غبائه… ولكن ماذا نويت أن تفعل بتلك المجموعة بدون رام؟»
تابعته رام بعينيها الزهريتين حتى اختفى عن نظرها، وبعد ذلك أغلقت عينيها برفق.
«لا يمكنني إنكار الشعور بأنك قد لعبتِ دورك جيدًا في النهاية. ففي هذا التحدي الأخير، اختار الشاب سوبارو أن يخاطر ويلقي بشبكته— أما أنا، فلا ألهو بمثل هذه المقامرات.»
تحدث وكأن قرار سوبارو كان مليئًا بالسخرية، بينما بدت أفكاره الخاصة منطقية تمامًا.
حزن غارفيل، وأماني ريوزو وشيما الطويلة الأمد، وتفاني فريدريكا، وكآبة سوبارو، وإحساس إميليا بالذنب، وحتى مشاعر رام— كل هذه الأمور كانت أدوات استخدمها لتحقيق النتيجة التي أرادها الكتاب السحري.
في الواقع، وافقت رام على رأي روزوال مرة بعد مرة. معظم تصرفات سوبارو كانت عشوائية، وخطة أوتو حظيت فقط بحسن الحظ السماوي بفضل تعاون رام.
«…حقًا من النادر سماعكِ تعتذرين. ماذا حدث فجأة؟»
تقييم رام لسوبارو لم يتغير: كان رجلًا ذا توقيت جيد، وهذا كل شيء.
ومع أنه كان يتمتع بهيبةٍ كافية لإرهاب أي شخص، إلا أن إميليا استجمعت أنفاسها القصيرة.
وعندما وصلت إلى المشهد الأخير من الخطة التي انضمت إليها، وقفت رام وجهًا لوجه أمام روزوال.
«لكن امتلاك توقيت جيد هو ميزة باروسو الوحيدة. لم أكن مخطئة عندما راهنت على تلك الميزة الوحيدة— لديك الكتاب، أليس كذلك؟»
«…»
«…»
«في نقطة تُسمى بالتحدي الأخير، وفي منعطف يدفع السيد روزوال إلى التحرك بنفسه، من غير المعقول أن يكون الكتاب خارج حوزتك، نظرًا لاعتمادك عليه بصورة كبيرة.»
كان من الطبيعي أن يقاتل غارفيل وإميليا وبعدهما سوبارو وأوتو بشجاعة. ولقد كان من الجيد أن تتعاون رام معهم بدرجات متفاوتة. لكن عندما يأتي الأمر إلى المشهد الأخير، لن تسمح رام لأي شخص آخر بالسيطرة عليه.
لم يخبر روزوال أحدًا بمكان الكتاب الذي يحمل المعرفة. كل ما كانت تعرفه رام هو أن الكتاب موجود، لكنه كان دائمًا بعيدًا عن متناولها.
عندما ألقت نظرة نحوه، كان أوتو يبتسم وهو يراقب رام بعينين مدققتين. أدركت رام أن هذه الملاحظة الدقيقة، على عكس مظهره السطحي، جسدت قيمته الحقيقية كتاجر متجول.
لأول مرة، تلقت إميليا مشاعر رام التي نُطقت بمثل هذه الفصاحة.
كانت هذه فرصة ذهبية؛ فقد كانت على يقين أن روزوال يحمل الكتاب بين يديه، ولهذا جاءت.
«… ماذا؟»
في وقت ما، لم تكن إميليا قادرة على صياغة إجابة واضحة، ولكن في تلك اللحظة، أخيرًا استطاعت جمع أجزائها معًا.
—هذه اللحظة كانت ما انتظرته رام منذ زمن بعيد.
«أرجوكِ، سيدتي إميليا.»
«—لم أنسَ. فهو، في النهاية، الوعد الوحيد الذي قُطع بينك وبيني.»
«آه، إر… هل كان من الواضح لكِ هذا حقًا؟»
كان ذلك بسبب بساطة الطريقة التي تسلل بها الشاب -أوتو- إلى موقفها على نحو غير متوقع.
«سيف، لمَن يحمل السيف؛ سحر، لمن يتشبث بالسحر؛ ولهب، لمَن يكرِّس نفسه له.»
راودها هذا الاحتمال فجأة. وبمجرد أن نطقت به، لم تستطع التفكير في سبب آخر.
«وأوني، لمَن يرغب في ذلك، أوني يهدم أسسه ذاتها، أليس كذلك؟»
«هل سيكون روزوال على ما يرام إذا حررته؟»
—كلمات العهد الذي تبادله كلاهما أعادتهما إلى بداية علاقتهما تمامًا.
أعلن أوتو بحزم أنه لا يستطيع أن يجلب العار لعائلته. مثل هذا الإصرار لم يصل إلى قلب رام، التي لم تعد تملك عائلة خاصة بها— على الأقل، كان هذا المفترض.
حين كانت رام لا تزال طفلة صغيرة، كانت تلك هي كلمات العهد الذي قطعته بعد أن استعارت مساعدة روزوال للانتقام من الأوغاد الذين دمَّروا قبيلة الأوني. عهدٌ جمع بين ولائها لروزوال وعزمها الراسخ على تدمير رغبته.
تلك الكلمات، والفعل الذي تبعها، جعل إميليا تحبس أنفاسها.
«أظن ذلك. وبصراحة، كنت أظن أنك قد تطرحين طلبات أصعب وأقل قابلية للتحقيق بكثير… آه، أممم، أتخيل أن الشرط الثالث سيكون شيئًا مميزًا، لذا سألتزم الصمت وأنتظر.»
كان ذلك العهد الذي أُبرم بين رام وروزوال، عهدًا لم يتبدل أو يتراجع على مدار تسع سنوات منذ أن صيغ—
«تنوي استخدام البلُّورة السحرية كعامل محفز لتنفيذ سحر عظيم؟»
«إذًا، حان الوقت أخيرًا. بالتأكيد، انحرفت مجريات هذا العالم عن المسار الذي أرجوه. وهكذا، يدخل العهد حيز التنفيذ… مما يعني أنني، وقد فقدت رغبتي، عليَّ أن أقدم نفسي لكِ كما وعدت.»
«بما أنني آمل أن يكون لك دور كبير فيما يتعلق بغارفيل، فإن كلماتك هذه تبدو مشؤومة إلى حد كبير…»
كان روزوال قد عقد العزم على أن يكرس حياته الطويلة بأكملها للوصول إلى النتيجة المسجلة في الكتاب السحري، لدرجة أن فشله في تحقيق ذلك كان يعني أن حياته تفقد أي معنى.
تقييم رام لسوبارو لم يتغير: كان رجلًا ذا توقيت جيد، وهذا كل شيء.
«إذا تحولتُ إلى قوقعة فارغة، يمكنك أن تفعلي بي ما تشائين. لقد وعدتُ بذلك، أليس كذلك؟»
«حياتي أو موتك يعود القرار بشأنه إلى رام.»
«نعم، هذا هو… وبعد مرور ما يقرب من عشر سنوات، قد تحقِّقين أخيرًا انتقامك.»
«أأنت أحمق؟»
وفي أثناء تأكيده للعهد الذي لم يكن لينساه أبدًا، أخرج روزوال كتابًا أسود من جيبه. وحين وقعت عينا رام على الكتاب الأسود، أدركت على الفور أنه الكتاب البغيض الذي يصف النبوءات.
ففن الرؤية البعيدة، الذي تناقلته عشيرة الأوني، لا يعمل إلا إذا كانت الترددات بين المستخدم والهدف متوافقة. بالطبع، إذا بذلت رام جهدًا، كان بإمكانها التوافق حتى مع وحوش الشياطين، لكن الأمر يختلف إذا كان الهدف شخصية رفيعة المستوى. في حال أغلق هذا الهدف قلبه، يصبح التوافق مستحيلًا تمامًا.
الرائحة العائمة والجدران البيضاء على نحو غير طبيعي تسببت في تشويش أجزاء من حواسها الخمس. ومع ذلك، لم يشكل الأمر مشكلة.
كان ذلك هو كتاب المعرفة، الهدف الذي جعل وجود روزوال كله قائمًا عليه، والكتاب الذي أقسمت رام منذ زمن بعيد على تدميره.
«بالنسبة لكِ، لا بد أن هذه كانت سنوات طويلة ومُرَّة للغاية، أليس كذلك؟»
«قلتَ إنك كنت تعتقد أنني لن أتمكن من القيام بذلك… هل غيَّرتَ رأيك قليلًا؟»
عندما ألقت نظرة نحوه، كان أوتو يبتسم وهو يراقب رام بعينين مدققتين. أدركت رام أن هذه الملاحظة الدقيقة، على عكس مظهره السطحي، جسدت قيمته الحقيقية كتاجر متجول.
«…»
«فبعد كل شيء… أُجبرتِ على أن تقطعي عهدًا بالولاء رغمًا عنكِ، وأن تقضي أيامكِ مع الرجل الذي كان سببًا في دمار وطنكِ. حتى لو كان جسدكِ، بلا قرنكِ، بحاجة إلى دعمي كي تبقي على قيد الحياة، فلا بد أن ذلك كان مؤلمًا للغاية. أعتذر إن كنتُ قد تصرفت وكأنه أمر لا يعنيني.»
كانت رام تخفض رأسها بينما اقترب روزوال، واضعًا يده برفق على كتفها. ومن خلال كفه، نقل روزوال إحساسًا عميقًا بالثقة تجاه رام.
كان صوته خاليًا من المشاعر بينما كان يُعرِّف وجود رام ذاته.
تأرجح شعر رام الوردي وهي تسحب عصاها السحرية من تحت طرف تنورتها.
ذلك الرجاء الهادئ أحدث رجفة ملموسة في كيان إميليا بأكمله.
—سبب دمار وطنها.
تلك الكلمات أعادت إلى ذهن رام ذكرى مؤلمة، واستيقظت معها غصةٌ في صدرها. تذكرت قريتها وهي تحترق، صرخات إخوتها، أسرتها التي كانت تبحث عن نجاة قبل أن تلتهمها النيران.
«ذلك يعتمد على مدى إثارة المحادثة التي تحملها، وعلى أي قدر من الاهتمام يمكن أن تستحوذ عليه، أظنني يجب أن أقول ذلك.»
الأوني، الذين قيل إنهم الأقوى بين جميع أشباه البشر، لم يتمكنوا من مواجهة قوة الأعداد الغاشمة. قلة عددهم مقارنة بعدد خصومهم الذين أحاطتهم بكراهيةٍ هائلة جعلتهم يلقون حتفهم في ليلة واحدة فقط، تاركين وراءهم رام و”—“ فقط.
«بالتأكيد، تمزحين. رام لا تمد يد العون لهذين الاثنين على الإطلاق. رام تمد يدها للسيدة إميليا، بعد أن استنتجت أن هذا التعاون يحمل قيمة.»
كان عهدها مع روزوال ضروريًا لتتمكن من البقاء على قيد الحياة بعد ذلك.
لو كان ناتسكي سوبارو شخصًا لا يقبل أقل من صورة إميليا المثالية، لظلت إلى تلك اللحظة في القبر، جاثية على ركبتيها.
هذا الأمر، ”—“ لم يكن يعرفه أبدًا، وشيئًا لم تخبر رام به ”—“.
—لأنها تعلم أن ناتسكي سوبارو يؤمن بها، استطاعت أن ترى الأمور بتلك النظرة.
ضيَّقت رام عينيها، متملِّكةً شعورًا غريبًا بالاضطراب بسبب ذلك الألم المفاجئ في ذهنها، وتلك الفجوة في ذكرياتها.
«—؟»
ضيَّقت رام عينيها، متملِّكةً شعورًا غريبًا بالاضطراب بسبب ذلك الألم المفاجئ في ذهنها، وتلك الفجوة في ذكرياتها.
في وقت ما، لم تكن إميليا قادرة على صياغة إجابة واضحة، ولكن في تلك اللحظة، أخيرًا استطاعت جمع أجزائها معًا.
كان الأمر أشبه بنوع غريب من فقدان الذاكرة، وكأنها فقدت ذكرى امتلكها منذ وقت قصير فقط. شعرت بأنها فقدت شيئًا لا يمكنها تحمُّل فقدانه، لكن رام تجاوزت هذا الإحساس، متظاهرة بأن شيئًا لم يحدث بقوة إرادتها.
«…»
«أحترم قراركِ، والرغبة في المضي قدمًا تستحق الثناء. أستطيع أن أفهم كيف تجدين الأمل بعد تقبلكِ للألم والجروح. ولهذا السبب أتعاطف معكِ.»
«بتغطيتكِ لقلبكِ المشتعل بالانتقام بقشرة من الولاء، أخفيتِ نيران الثأر التي غذيتِها داخلكِ بينما كنتِ تخدمينني. ومع ذلك، لم يكن هناك قطعة شطرنج أفضل منكِ. حتى الآن، وحتى داخل هذا الملجأ، هل تدركين مدى كونكِ كنزًا ثمينًا؟»
واصل روزوال مناجاته، بينما كانت رام تصلي أن يختفي هذا الشعور المزعج الذي يعكر ذكرياتها.
في النهاية، سوبارو، الذي تبع إميليا إلى داخل القبر، ربما جادل بأفكارٍ مثالية، ولم يكن منطقه يعتمد على تحرير الملجأ كأولوية.
امتلأت كلماته بالثناء. وبفهمه للنوايا الحقيقية التي أخفتها رام طويلًا، بدا كأنه يقدم ثناءً خافتًا على تجاوزها عددًا من المصاعب للوصول إلى هذه النقطة من أجل تحقيق رغبتها.
«لو استجابت السيدة إميليا للاستفزاز وحاولت إيذائي، لكانت نتيجة المنافسة قد حُسمت على الفور… ولكن ربما بدت الظروف مواتية أكثر مما ينبغي؟»
كان هذا نوعًا مشوهًا للغاية من الحب.
«…أنقذ روزوال؟»
كان ذلك حبًا يشبه احتفالًا بتقدُّم طفل في الأيام والشهور، حبًا يمدُّ يده نحو رغبة على وشك أن تتحقق.
«هل هذا هو السبب الوحيد الذي يجعلكَ تعتقد أنك وسوبارو متشابهان؟»
«رام تعتقد ذلك أيضًا… هذه ستكون أول مرة تنحني فيها رام أمام السيدة إميليا بصدق.»
لكن—
«—وهذا ما يجعل الأمر أكثر إيلامًا. قراركِ ليس سوى تسرع صغير، سابق لأوانه.»
حين كانت رام لا تزال طفلة صغيرة، كانت تلك هي كلمات العهد الذي قطعته بعد أن استعارت مساعدة روزوال للانتقام من الأوغاد الذين دمَّروا قبيلة الأوني. عهدٌ جمع بين ولائها لروزوال وعزمها الراسخ على تدمير رغبته.
لو كان ناتسكي سوبارو شخصًا لا يقبل أقل من صورة إميليا المثالية، لظلت إلى تلك اللحظة في القبر، جاثية على ركبتيها.
في لحظة واحدة، تحوَّلت نبرة الإطراء التي تغمر صوته إلى خيبة أمل واضحة.
«رام لا تملك فرصة للنصر. هذا أمر واضح. لكن—»
ارتسمت ابتسامة على وجه روزوال بينما هز رأسه يمينًا ويسارًا، متجهمًا وهو ينظر إلى رام التي كانت تقبض على عصاها.
«لقد أحسنتِ صنعًا بتوفير فرصة اضطررتُ فيها إلى حمل كتاب المعرفة معي. لو تخلى غارفيل عن هوسه بالملجأ، ولو توقفت السيدة إميليا عن الاعتماد فقط على ذلك الشاب سوبارو، مهما كانت النتيجة، ليس هناك طريقة للحفاظ على ما كُتب سوى أن أتحرك بنفسي.»
كان هذا هو روزوال الذي شعرت إميليا بالحذر تجاهه— لأنها شعرت باهتزاز راحة يد رام في قبضتها.
واحدة تلو الأخرى، أُلغيت الشروط المطلوبة لتحقيق ما كُتب. العقد التي أعاقت تحرير الملجأ قد حُلَّت واحدة تلو الأخرى. ولم يتبق من البيادق التي كانت تخدمه أحد.
كان عهدها مع روزوال ضروريًا لتتمكن من البقاء على قيد الحياة بعد ذلك.
«رغم ذلك، ربما يكون القول إنَّها حُلَّت بدلًا من إلغائها يعكس على نحوٍ أفضل عمق مشاعركِ.»
«روزوال، لماذا أتيت إلى هنا؟ هل أتيت حقًا فقط لتقول هذا؟»
«لن تتحقق أمنيتك. أن تلتزم بالشروط بدقة، وتقدِّم نفسك لي كقشرة فارغة، أمر عديم المعنى. استقبال نسخة مكسورة منك لن يرضيني.»
«الوسائل البسيطة عادةً ما تكون الأقل جدوى. رام أيضًا لا تحب الرهانات الخاسرة، كما تعلم.»
كانت إميليا في تلك اللحظة تحاول، في غيابه، أن تؤكد مشاعره نحوها. ونظرًا إلى ابتسامتها الرقيقة، خفضت رام عينيها، وكأنها كانت راضية بما آلت إليه الأمور.
لقد تحدَّت إميليا المحاكمة بسبب نداء صوت سوبارو إليها. وكان لا بد من إيقاف تذمُّر غارفيل لتتمكن كلمات سوبارو من الوصول إليها. ومن أجل ذلك، كان لا بد من تعاون أوتو ورام— وبفضل كل هذا، تمكنت إميليا من التقدم.
«لكن، ألا ترين أن الشباك التي نسجتها هذه المرة كانت كثيــــرة جدًا؟ بالطبع، من الجدير بالثناء أن قدرتكِ على الاستبصار سمحت لكِ بتتبعي حتى هذه النقطة. لقد كان ذلك إنجازًا رائعًا. ولكن…»
«—لأنه عندما يكون لديكِ طلب، من الضروري أن تُظهري إخلاصكِ.»
«الرجل الذي يتحسَّن بكونه مجرد إضافة لشخص آخر لا قيمة له بمفرده. ابتعد.»
قطع روزوال كلامه عند هذا الحد، وأغمض إحدى عينيه، بينما اخترقت نظرة عينه الصفراء رام كما لو كانت تقرأ أعماقها.
«كان ينبغي أن تدعيني أنجز ما جئت لتحقيقه، والذي كنت على بعد خطوة واحدة فقط من إتمامه. هذا وحده أمر مؤسف.»
ومع فتح ذراعيه على اتساعهما، وبيده اليمنى ما زال يحمل الكتاب، حوَّل روزوال انتباهه إلى ما يقف خلفه.
كان يقصد إثارة غضب إميليا وتحويله نحوه.
في أعماق المنشأة، تشكَّلت فجوة في الجدران البيضاء، ومن تلك الغرفة المخفية انبعث ضوء أزرق خافت. وحين تبعت رام الضوء بنظرها، دخل في مجال رؤيتها بلُّورة ضخمة بشكل غير معتاد— لا، بلورة سحرية، كانت داخلها فتاة شابة محبوسة.
ولذلك ليست هناك حاجة للتردد بشأن هذا.
—كانت هذه ريوزو ماير، الهوية الحقيقية للملجأ، كما أوضحت شيما.
«—لأنه عندما يكون لديكِ طلب، من الضروري أن تُظهري إخلاصكِ.»
تفاجأت إميليا قليلًا برؤية رام تعبر عن مشاعرها بوضوح لأول مرة. ومع ذلك، لم يكن تفاجؤها مقتصرًا على رام وحدها، بل امتد إلى الطرق الفوضوية التي يتبعها سوبارو والآخرون أيضًا.
«هذه الفتاة الجديرة بالثناء التي قدمت جسدها في سبيل صديقتها، لتصبح نواة الملجأ. ولكن، في هذه اللحظة، هي ليست هدفي. ما أحتاجه هو هذه البلُّورة السحرية.»
وعندما نُودي باسمه، بدأ الشخص، الذي لم يكن سوى روزوال إل. ميزرس، يتقدم نحوهم.
«تنوي استخدام البلُّورة السحرية كعامل محفز لتنفيذ سحر عظيم؟»
كان الأمر أشبه بنوع غريب من فقدان الذاكرة، وكأنها فقدت ذكرى امتلكها منذ وقت قصير فقط. شعرت بأنها فقدت شيئًا لا يمكنها تحمُّل فقدانه، لكن رام تجاوزت هذا الإحساس، متظاهرة بأن شيئًا لم يحدث بقوة إرادتها.
«—تحياتي، الآنسة رام. الرياح هادئة الليلة. إنها ليلة جميلة، أليس كذلك؟»
«بما يكفي لتغيير الطقس، نعم— ذكرتُ سابقًا أن هذا العالم انحرف عن نواياي، لكن ذلك ليس دقيقًا تمامًا. الجزء الأهم لم يزل قائمًا. وفي هذا السياق، كنتِ… متسرعةً.»
ردًا على صوت روزوال المرتفع، أمسكت رام بطرف تنورتها وانحنت.
«… ظننتُ أن الأحداث انحرفت عن تلك المكتوبة في كتاب المعرفة؟»
كلمات روزوال، التي تكدَّست كأنها سمٌ زعاف، جعلت نظرته تبدو كأنها تعكس فراغًا داخليًا.
«إلى حد كبير، نعم. لكن الأمر ليس كذلك بالنسبة للنهاية. لا يمكن الحديث عن النجاح أو الفشل حتى تصل الأمور المكتوبة في الكتاب بشأن الملجأ إلى نهايتها— إذا سقط الثلج هنا، ماذا سيحدث للملجأ؟ ما هو مستقبله؟»
ثم—
كان في صوته نغمة مليئة بالحنين.
وفقًا لما جاء في كتاب المعرفة، سيجعل روزوال الثلوج تتساقط على الملجأ. وكان قد جاء من أجل البلُّورة السحرية لاستخدامها كمحفز سحري. ولتنفيذ تلك التعويذة—
«هل سيكون روزوال على ما يرام إذا حررته؟»
«—يتطلب ذلك قدرًا هائلًا من التركيز واستخدامًا بارعًا جدًا للمانا. في تلك اللحظة، كنتِ لتتمكني بالتأكيد من تحقيق انتقامكِ. حتى دون قرنكِ، لو هاجمتِ فجأة، فإن جراحي عميقة وثقتي بكِ كافية لتبطئ ردة فعلي… كنتِ بلا شك ستقضين عليَّ.»
كان الصوت مألوفًا. والهيئة تنضح باللامبالاة. لكن الأهم من ذلك كله، أن هذا الصوت كان صادرًا عن الشخص الذي كان محور حديثهم بأكمله—
«… لم أفعل ذلك؛ لأن القيام بذلك كان سيصبح بلا معنى.»
«أنتَ وسوبارو لا تشبهان بعضكما على الإطلاق.»
«—؟ بمعنى أنكِ ترغبين في التغلب عليَّ وأنا في كامل قوتي؟ أم أنكِ ترغبين في تدميري دون إضاعة ثانية واحدة؟ أستطيع أن أفهم مثل هذه المشاعر إلى حد ما، ولكن…»
«لا. كنتُ على حق… أنتَ حقًا لا تفهم شيئًا، أليس كذلك؟»
«بالتأكيد، تمزحين. رام لا تمد يد العون لهذين الاثنين على الإطلاق. رام تمد يدها للسيدة إميليا، بعد أن استنتجت أن هذا التعاون يحمل قيمة.»
كلمات رام جعلت على وجه روزوال نظرة استفهام صادقة غطَّت ملامحه بالكامل. تلك الحقيقة جعلت رام تغمض عينيها.
بينما نظر روزوال نحوها، شحنت رام الطاقة في العصا التي كانت تمسك بها، وأدخلت يدها الأخرى الفارغة في زي خادمتها. ثم—
«…»
لم تستوعب إميليا تمامًا حتى نصف ما حوته كلمات رام من معانٍ. ولكن مشاعر رام، ورغباتها، كانت صادقة. وهذا وحده كان كافيًا.
خلف جفونها المغلقة، كانت دوَّامة من المشاعر المعقدة التي لم تسمح أبدًا لها بأن تصل إلى السطح. أغلقت رام عينيها حتى يكون أسلوب حياتها، الذي أقسمت ألا تكشفه لأحد طوال حياتها، مرئيًا لها وحدها.
ثم فتحت عينيها ورفعت وجهها. بنظرة مفعمة بالجرأة المعتادة، وجَّهت عينيها نحو روزوال.
«لن تتحقق أمنيتك. أن تلتزم بالشروط بدقة، وتقدِّم نفسك لي كقشرة فارغة، أمر عديم المعنى. استقبال نسخة مكسورة منك لن يرضيني.»
«إنه مسكون بالكامل بشغف مفرط، شغفٌ قيَّد قلبه كسحر لعنة منذ زمن بعيد، بعيد جدًا. ربما كانت رام على ما يرام مع هذا الحال. ربما كانت رام راضية حتى لو لم ينظر نحوها، حتى لو اعتبرها مجرد أداة مفيدة لإشباع هوسه.»
«عجبًا، كم أنتِ طماعة. ولكن، ماذا ستفعلين حيال ذلك؟ حتى لو كنتِ أوني اختيرت من قِبل السماء، فقد ابتعدتِ الآن كثيرًا عن ذلك من دون قرنكِ. حتى مع جراحي، أستطيع استخدام سحر كافٍ تمامًا قبل البدء في الطقوس. هل تستطيعين هزيمتي؟»
«لا أعرف! لكن الأمور الخاطئة تبقى خاطئة! لا أفهم ما الذي تحاول التخلي عنه، روزوال، لكن لا تفعل ذلك! هذا أناني للغاية، أليس كذلك؟!»
«لا، من المؤكد أنه سيكون من الغباء التفكير في ذلك. أدرك جيدًا أن قوة السيد روزوال لا تقل إلا عن معلمه.»
مسحت إميليا وجنتيها بكمَّها بحماس، محوِّلة آثار الدموع التي أشارت إليها رام. ثم عادت لتواجه رام مرة أخرى، مائلة رأسها برفق.
عندما زعم روزوال أنها لا تملك فرصة للنصر، أومأت رام برأسها، دون أن تبذل أي جهد لدحض كلامه.
لأول مرة، تلقت إميليا مشاعر رام التي نُطقت بمثل هذه الفصاحة.
في الواقع، لم تكن لرام أي فرصة للنصر… حتى لو لم تكن قد أنهكتها المعركة الأخيرة مع غارفيل. ليس لديها حتى أدنى فرصة لتحقيق انتصار بالكاد لو قاتلت روزوال.
تراجعت إميليا بيدها اليسرى، التي كانت قد وجهتها نحو روزوال، محاولةً أن تجمع كل المشاعر المتدفقة داخل صدرها. لم ترغب في التواصل مع روزوال بالمانا في تلك اللحظة، بل بالكلمات.
«—إذًا، ما الهدف الذي تسعين لتحقيقه، أتســــاءل؟»
بحركة خفيفة، ألقى روزوال الكتاب الذي كان ممسكًا به، ثم أمسكه بيده الأخرى وأعاد وضعه في جيبه بحركة مسرحية. اشتعلت ألسنة اللهب من كفيه الفارغتين.
ألسنة لهب حمراء وزرقاء وخضراء— ضيَّق روزوال عينيه وهو يريها لهبًا بلون تلو الآخر.
«لقد أصبحتِ حقًا قوية، سيدتي إميليا.»
بينما نظر روزوال نحوها، شحنت رام الطاقة في العصا التي كانت تمسك بها، وأدخلت يدها الأخرى الفارغة في زي خادمتها. ثم—
«رام لا تملك فرصة للنصر. هذا أمر واضح. لكن—»
«—إذا كان القتال اثنين ضد واحد، ربما تكون الكفة لصالحنا؟»
«—تأملي إلى الحاضر المجهول.»
«…»
بينما انعقد صوت إميليا في حلقها، وبخت رام روزوال بشدة بدلًا منها.
«لكن ها أنتِ الآن، يا سيدتي، واقفة على قدميكِ… ترفعين رأسكِ ومستعدة لمواجهة ما قد يأتي. أخصم نقاطًا قليلة فقط بسبب آثار الدموع التي لا تزال على وجنتيكِ.»
الصوت لم يكن صادرًا من رام ولا روزوال. في المبنى الأبيض، تردد صدى هذا الصوت في الفجوة الأبعد بالخلف، مما جعل وجه روزوال يتلوَّى على نحو دراماتيكي.
لم يكن ما ظهر على وجهه غضبًا، بل مفاجأة مما لم يكن متوقعًا وسعادة بما أدهشه جعلته يبتسم.
《٣》
«إذًا، هذا هو السبب الأكبر لموافقتكِ على خطة الشاب سوبارو…!»
«قلتُ لك، سيدي روزوال: لقد جئتُ لأنتزع منك هوسك بالساحرة.»
«حتى قراركِ الفاضل بأن تُجرحي أصبح بلا معنى، لأن هذا العالم منتهى.»
ردًا على صوت روزوال المرتفع، أمسكت رام بطرف تنورتها وانحنت.
وفي الوقت الذي تبادل فيه الاثنان تلك الكلمات، أضاء نور، وبدأ يأخذ شكلًا تدريجيًا—
«ما الذي تعنيه بذلك؟»
—أما الآن، بعد أن استعادت إميليا ماضيها، فقد كان ذلك سببًا للفرح العميق الذي لا يُقاس.
«—وأنا روح طليقة، جامحة… لقد مضى وقت طويل منذ أن خضتُ معركة طويلة. لنباشر إذًا، أليس كذلك؟»
«—روزوال.»
«…»
بفروه الرمادي، وذيله الطويل، وحركاته التي كانت مفرطة في اللطافة، ظهر قط صغير— الروح العظيمة.
كان ذلك حبًا يشبه احتفالًا بتقدُّم طفل في الأيام والشهور، حبًا يمدُّ يده نحو رغبة على وشك أن تتحقق.
في يد رام كانت البلورة السحرية التي منحها إياها سوبارو— إلى جانب روح عظيمة غير متعاقدة، تقدم مساعدتها لليلة واحدة بدافع من نزوة.
«نعم، أرى— في هذه الحالة، بكل تأكيد!»
«مرحبًا، روزوال. والآن وقد فكرتُ في الأمر، لم تتح لي الفرصة لتصفية الأمور معك، أليس كذلك؟»
«سوبارو وأنتَ متشابهان؟ ماذا تعني بذلك؟»
بينما كان روزوال يثني على الوضع، أخذت الروح العظيمة تلعق وجهها وهي ترد عليه.
ثم أومأ روزوال بعمق على الموقف الذي دبَّرته رام بمخططاتها.
—لم يكن روزوال يسعى إلا لبذل أقصى جهده لتحقيق ما ورد في كتابه السحري.
«—تعالي.»
«…»
«اسمحي لي أن أقدم لكِ رسميًا تهنئتي، مرفقة بمشاعر التعاطف والشفقة— لقد أبلَيتِ بلاءً حسنًا في اجتياز المحاكمة. كنتُ أعتقد حقًا أنه يفوق قدراتكِ.»
«كما تشاء.»
لم تحاول إخفاء صوت خطواتها. على العكس، تعمدت جعل خطواتها مسموعة، كأنها تنقش وجودها في أذني سامعها. بهذا، أعلنت أنها لاحقت صورته، واتَّبعت أثر خطواته، لتصل إلى هذا المكان.
«إذًا أسألكِ: ما الغرَض من مجيئكِ إلى هذا المكان؟»
—تصاعدت ألسنة اللهب المسحورة بألوانها الآسرة، بينما حلَّقت شفرات الرياح عديمة اللون بجنون، وغرق العالم في برودة متفجرة متجمّدة.
خاطبتها رام بشفاه مرتجفة، وقد لزمت الصمت طوال الحديث بين الاثنين. وعندما نادت عليها، أومأت إميليا برأسها بلطف، ثم تركت يد رام التي كانت تربط بينهما.
في تلك اللحظة الواحدة، انتشرت موجات الصدمة في الملجأ، وبدأت رقصة مروعة بين أوني، وشيطان، وروح.

«سيدتي إميليا.»
////
«أنتَ وسوبارو لا تشبهان بعضكما على الإطلاق.»
حسابنا بتويتر @ReZeroAR
ومع أنه كان يتمتع بهيبةٍ كافية لإرهاب أي شخص، إلا أن إميليا استجمعت أنفاسها القصيرة.
