Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

ري زيرو: بدء الحياة في عالم أخر من الصفر 5

5 - الشفاه الممحوة من حمرتها.

5 - الشفاه الممحوة من حمرتها.

الشفاه الممحوة من حمرتها

«ألا تحب والدتك، أو عائلتك؟ ألهذا تستطيع أن تهب قلبك لشيء آخر بسهولة؟ بدلًا من استخدام القوة التي صقلتها لوقت طويل، كان مجرد كسر أنيابك كافيًا لثني المشاعر التي احتفظت بها لعقد من الزمن؟ إذا كان الأمر كذلك، فإن مَن جعل حبك هشًّا، زائفًا وسريع الزوال ليس سوى نفسك.»

 

 

١

 

 

 

—لنعد إلى سرد الحكاية من البداية.

رغم ذلك، كان عليه أن يمضي قدمًا. ريم، فريدريكا، وبيترا في انتظاره. بالإضافة إلى—

 

 

بعد أن عرفوا الحقيقة الكاملة عن كيف نشأ الملجأ والحقيقة المخفية وراء ذلك الماضي، تمكنت مجموعة من الأفراد الذين أدركوا كل شيء الآن من تلبية الشروط المطلوبة لمواجهة رجل بعينه لمعرفة نواياه الحقيقية.

«لا داعي للقلق، يا سيد سوبارو.»

 

مشيرًا إلى قدميه، عبَّر غارفيل عن السبب الذي يجعله يقف في ذلك الموقف.

—حان الوقت لمواجهة مكائد روزوال إل ميزرس وجهًا لوجه.

«… لأن المشاعر لا تتغير؟»

 

 

بمعنويات مرتفعة، انطلق سوبارو والآخرون بخطى متسارعة من القبر إلى المستوطنة. حيث كان العقل المدبر الذي أعدَّ كل المخطط بانتظارهم.

«يا لا تقدر على ”الانتصار“ على ماضيك. هذا ما كنت أعتقده. لهذا لا أضحك عليك لأنك عالق، تفكر بنفس الطريقة اللي كنت أفكر فيها في الماضي. ما الذي يستحق الضحك هنا؟»

 

 

«بخصوص الأفعال الشريرة، لا أعتقد أنك بنصف سوء روزوال، أيها القائد.»

 

 

 

«تجعلني أبدو سيئًا جدًا… بغض النظر عن الفوز أو الخسارة؛ التصرف بمكر مثل روزوال بالتأكيد فكرة سيئة. ماذا لو بدأ الناس بإلقاء البيض عليَّ كلما عدت إلى المنزل؟»

«في النهاية، وصلت إلى هنا بفضل تلك القوة التي استخدمتها كورقة رابحة في وجه كل ما يعترض طريقك. وبإرادتك، تخلَّيت عنها لتصبح عاديًا، فما الذي يمكن لرجل غير موهوب مثلك أن يفعله؟! لن أسمح لأحد أن يحاول انتهاك قدسية المشاعر التي صقلتها على مدار أيام وشهور لا تُحصى! لن أسمح بذلك لأيٍّ من كان!»

 

 

«ما هذا القلق الغريب؟ رمي البيض على الناس يعد مضيعة حقًا.»

 

 

 

حتى مع اختلاف أسلوبهم في الحديث، راجع سوبارو ورفاقه موقفهم وما يعرفونه. على وجه الخصوص، كانت مشاركة المعلومات مع رفيقهم الجديد، غارفيل، أولوية ملحة.

 

 

 

وبما أنهم ليس لديهم متسع من الوقت، كانت الشروح موجزة نسبيًا، مما جعلها مشوشة بلا شك.

 

 

أثناء إجراء الفحوص النهائية لخطة أوتو، توجها إلى الكابينة لجلب شيءٍ كان غارفيل قد نسيه.

«في الواقع، غارفيل، إلى أي حد كنت تتعاون مع روزوال على أي حال؟»

رغم ذلك، كان عليه أن يمضي قدمًا. ريم، فريدريكا، وبيترا في انتظاره. بالإضافة إلى—

 

أثناء إجراء الفحوص النهائية لخطة أوتو، توجها إلى الكابينة لجلب شيءٍ كان غارفيل قد نسيه.

«أنا وهذا الوغد؟ …مستحيل. يمكن تحدثنا عنك وعن السيدة إميليا لبضع ثوانٍ فقط، بالكاد. ولم أتحدث معه أصلًا منذ اليوم الأول لوصولك أنت والبقية، يا قائد.»

 

 

 

«هذا توتر شديد في العلاقة… آه، فهمت، فهمت… لكن لم أتوقع أنك تكره الرجل إلى هذا الحد، حتى لو كان منافسك العاطفي…»

«—أن توقف القتلة الذين أرسلتهم إلى القصر. وبعدها سنتمكن من مناقشة الأمور الأخرى.»

 

عندما زأر غارفيل بتوتر، لم يرد سوبارو سوى بابتسامة متجاهلة ليعبر له عن رأيه.

«… ليس هذا السبب الوحيد. بالنسبة لي، لا أطيق ذاك الوغد.»

 

 

 

صرف غارفيل نظره بعيدًا وهمس بصوت منخفض. كان من المؤكد أن غارفيل وروزوال يعرفان بعضهما منذ أكثر من عقد. لم يكن باستطاعة سوبارو فهم تعقيدات المشاعر بينهما بمجرد نظرة خارجية.

— ذكره روزوال بتلك اللحظة في القبر قبل أن يحتد النقاش بينهما.

 

«…»

لكن سوبارو تنهد وهو يستمع إلى رد غارفيل، الذي شعر أنه أكَّد مخاوفه. لأن العداوة التي يظهرها غارفيل تجاهه لم تكن بسبب أوامر مباشرة من روزوال…

 

 

ولو تأملنا قليلًا، لوجدنا أن هذا كان حاله دومًا. مشاعر سوبارو تجاه إميليا، ومشاعر ريم تجاه سوبارو… روزوال كان دومًا متقبلًا لتلك الأشياء، أليس كذلك؟

«لديه عائلة ريوزو، وشيما، ثم هناك رام بطبيعة الحال، وحتى إميليا تُعد من ضمنهم… عجبًا، كم من القيود وضع روزوال عليك، يا غارفيل؟»

كلمة قصيرة من سوبارو جعلت الأقدام الثلاثة تتوقف. أمامهم مباشرةً كانت تقف إقامة حجرية صغيرة— المقر المؤقت حيث كان روزوال، العقل المدبر وراء الأحداث والعدو الذي عليهم هزيمته، ينتظرهم.

 

«لا يمكنني إنكار أن الهدف الأصلي تحول إلى مفاوضات ناقصة في منتصف الطريق…»

«استعداداته السابقة وضعتنا في وضع لا يُحسد عليه، وفوق ذلك، قام بتحضيرات دقيقة لإسقاط خصومه. ألا يُعد الآن الوقت المناسب للهرب؟»

الكلمات التي نطق بها سوبارو تركت جو الغرفة مليئًا بالصمت.

 

قلب روزوال العنيد لم ينكسر، رغم أنه شهد إصرار وعزيمة سوبارو.

«آسف لإحباطك، لكن سياستنا الحالية تعتمد على أولوية السلامة بينما نواجههم.»

«وهكذا، أنتَ الذي كنت مصممًا على تمزيق الغرباء، تجد نفسك الآن سعيدًا بالوقوف إلى جانب الشاب سوبارو. أفاجأ من أنك قد غيرت رأيك بهذه السرعة— لقد حافظت على ما هو ثمين في قلبك لفترة طويلة جدًا، ومع ذلك، تتخلى عن حبك لأمك بهذه السهولة.»

 

 

ردَّ سوبارو على نداء أوتو بتعليق ساخر. وعندما رأى أن غارفيل بدى مرتبكًا من حديثهما، أوضح سوبارو أكثر.

«يمكنكما أن تتفكرا في تقصيركما في الشرح لاحقًا. في الوقت الحالي، علينا اعتبار هذا من حسن حظنا، إذ أن العقبة الكبرى أمامنا قد أزيلت— سيد ناتسكي، يمكننا القيام بهذا.»

 

 

«بعبارة أخرى، الأنشطة السرية التي يقودها روزوال، العقل المدبر وراء الوضع الحالي، ليست مجرد مزاح. كان من الأسهل حل المسألة لو كنت قد عقدت اتفاقًا معه لمعارضة تحرير الملجأ، لكن…»

ردَّ سوبارو بصوتٍ مرتفع على سخرية رام، ثم جال في جيبه، يتحسس شيئًا صلبًا بأطراف أصابعه. تنفس بعمق هادئ.

 

 

«مستحيل أبرم اتفاق معه! بالنسبة لي، حاولت أمزق حلقك بملء إرادتي، يا قائد!»

 

 

 

صارخًا وكأنه مستعد للعض في الحال، قبض غارفيل على البلورة المتدلية من عنقه. كان هذا التصرف اللاواعي يبدو مدفوعًا بحاجة للحصول على طمأنة جسدية تؤكد موقفه.

 

 

«شكرًا لكم جميعًا. لكن لا تنسوا ما قلته. انتظروا حتى…»

من المحتمل أن غارفيل كان يعاني من قلقه الخاص. تمامًا مثلما كانت ريوزو محتارة من قصة شيما حول الدور الحقيقي للملجأ، كانت تلك الحقائق بداية تحدي غارفيل.

مع صيحة أوتو التي قلبت مفتاحًا في ذهنه، اتخذ سوبارو قرارًا فوريًا بناءً على هذا التغيير في الظروف.

 

 

متألمًا، وقع غارفيل بين سوبارو وأوتو، حيث ألقى الأخير نظرة على وجوه الآخرين.

تأجج الغضب في عيني روزوال، بينما كان يرفض إنذار سوبارو. ولكن ابتسامة ارتسمت على ملامحه المزخرفة، ومع مشاعره المتعادية انبثق جو من الرعب العميق.

 

 

«لو صدقنا كلام غارفيل، فإن الماركيز يتمتع بموقف قوي بفضل حظه المذهل.»

كان هذا أول سؤال جاد يطرحه روزوال على سوبارو عند وصوله إلى هذه الغرفة، لكنه كان أيضًا ما أراد غارفيل معرفته في وقت سابق. وعند دعوته للإجابة، التقط سوبارو أنفاسه. فقد أتوا إلى هنا بهدف واحد.

 

 

«هذا أكثر إخافة. لو كان هناك شيء نفتقر إليه نحن الثلاثة، فهو الحظ.»

تحت هتافات التشجيع من القرويين، اندفعت عربة التنين في ظلمة الليل نحو الغابة، والطريق… والقصر.

 

«النقوش على الجدار، تعني.»

تبادل سوبارو وأوتو نظرات عابسة وأطلقا تنهيدة. عقد غارفيل حاجبيه، ليس من الدهشة، بل لأنه شعر بالضيق من سلوكهما الكئيب.

تلك الكلمات اللاذعة، التي بدت وكأنها ستشق جرحًا في قلب غارفيل، جعلت سوبارو يندم للحظة واحدة على إحضاره معه—وونعم. ندمه استمر للحظة واحدة فقط.

 

 

«يا قائد، لماذا أنتما هادئين هكذا حيال هذا، لو كان صحيحًا أن هذا الوغد هو المتحكم بكل شيء في الملجأ؟»

 

 

«إذًا، ما الذي تنوي فعله الآن؟»

«إذًا لقد كنت منتبهًا. نعم، إذا كان الوضع كذلك، فالمسألة خطيرة جدًا.»

«—أنت حقًا كما حكمت عليك، يا ناتسكي سوبارو.»

 

«لم أكن أتوقع حقًا أن يتخلى الماركيز عن موقفه، لكن لماذا انهارت المحادثات بهذا الشكل بينما كان من الأفضل أن تنتهي بهدوء…؟!»

باستخدام الأشخاص الذين كانوا في صفه منذ البداية قدر استطاعته، والتلاعب بمَن لم يكونوا كذلك بذكاء، تمكن روزوال من ربط الأحداث المحيطة بالملجأ والقصر بشكل لا ينفصل. ولو كان على سوبارو أن يسمي أسماء، لكان بكل تأكيد هو وإميليا على رأس قائمة البيادق التي قادها روزوال بمهارة.

وأخيرًا—

 

«ستتعذب، ستُقيَّد، فهذا هو قدر نصف الجان. إنها اللعنة التي تحملها لكونها وُلدت من نفس سلالة ساحرة الحسد. من المحتم أن تكون مكروهة كساحرة.»

حتى إنه دمج في استراتيجيته الورقة الرابحة التي تمثلت في غارفيل، الذي جعل سوبارو يعاني مرارًا وتكرارًا— كم من التخطيط بذله روزوال في هذه المؤامرة؟

 

 

«ما أمرك يا روزوال؟»

—الهوس والعزيمة اللازمتان لتنفيذ شيء كهذا تجعله فعلًا أقرب إلى كائن وحشي— شيطان.

 

 

في تلك اللحظة، كانت رقعة اللعب التي أعدها روزوال بعناية تتهاوى بشدة.

وكان سوبارو ورفاقه يتوجهون نحو مكان ذلك الشيطان. ولرؤية سوبارو وأوتو يتبادلان المزاح قبيل مواجهتهما، ليس غريبًا أن يشعر غارفيل بالارتباك.

لم يكن هناك أي دهشة لدى سوبارو أو أوتو، حيث كان كلاهما هنا لذات الغاية. وعلى ذلك، كان روزوال وحده، الذي أصبح نظره باردًا، وغارفيل الذي ظهر القلق في عينيه، هما مَن تفاعل بعدم يقين.

 

 

«بالمقام الأول، يا قائد، لماذا أتينا كل هذه المسافة لمقابلة هذا الوغد…؟»

«تسللت الشكوك إلى غارفل حين عبر عن شك طبيعي تمامًا تملكه. ومع ذلك، لم يكن هناك وقت للرد عليه، للأسف. فقد—

 

كان في صوت رام حدة، ربما لأنها اعتبرت تصرفه غير مسؤول. كان من الطبيعي أن تراها بهذا الشكل. فالتخلي عنهم في وضع مثل هذا قد يجعل إميليا غاضبة، ناهيك عن رام.

«تسللت الشكوك إلى غارفل حين عبر عن شك طبيعي تمامًا تملكه. ومع ذلك، لم يكن هناك وقت للرد عليه، للأسف. فقد—

«لولا أن المكان مخصص لحل الأمور سلميًا، لكنت اتفقت معك تمامًا…!»

 

صرف غارفيل نظره بعيدًا وهمس بصوت منخفض. كان من المؤكد أن غارفيل وروزوال يعرفان بعضهما منذ أكثر من عقد. لم يكن باستطاعة سوبارو فهم تعقيدات المشاعر بينهما بمجرد نظرة خارجية.

«—وصلنا.»

—قبل أن يتحداه في رهانه الأخير، قال روزوال ذلك لسوبارو.

 

هذا هو الرجل الذي ورث أماني أسرة ميزرس الممتدة لأربعمئة عام— روزوال إل ميزرس.

كلمة قصيرة من سوبارو جعلت الأقدام الثلاثة تتوقف. أمامهم مباشرةً كانت تقف إقامة حجرية صغيرة— المقر المؤقت حيث كان روزوال، العقل المدبر وراء الأحداث والعدو الذي عليهم هزيمته، ينتظرهم.

 

 

«تَعتمد عليَّ، أليس كذلك، باروسو؟ أنتَ حقًا…»

«ليس لدينا موعد محدد…»

 

 

بينما كان سوبارو يجز على أسنانه بقلق، صاح غارفيل فجأة، «انتظر قليلًا.»، وهو يكشف عن أنيابه بنبرة حادة.

وسط توتر لم يكن بإمكان مزحة عابرة تبديده، دخل الثلاثة إلى المبنى. كان الهواء داخله جافًا. شعروا بوجود شخص خلف الباب الموجود في نهاية المبنى—  ذلك الشخص هو روزوال.

 

 

وكأنه يرد الدين، كان غارفيل هذه المرة هو مَن وجه شفرة من الكلمات نحو روزوال. ثم أظهر أنيابه وأعلن مشاعره لروزوال، ليس كمنافس له في الحب، بل كعقبة تقف في طريقه.

توقف سوبارو للحظة أمام الباب، ثم—

«—وصلنا.»

 

 

«—تفضل بالدخول، أيها الشاب سوبارو. فأنا قد انتهيت لتوي من التحضييرات.»

«كما لو كان بإمكانها ذلك. بلا أحد تعتمد عليه، ستسحقها أوجاعها. أملها العظيم في التغيير سيتلاشى في الحزن، وستلتجئ إليك باكية… وهذا ما يناسبها.»

 

 

«…»

«—لم تنتهِ المنافسة ما دام الركن الأساسي الذي يرتكز عليه كلانا ما زال قائمًا.»

 

«النقوش على الجدار، تعني.»

الصوت الذي وصل إليهم عبر الباب جعلهم يتنفسون بصعوبة. نظر سوبارو إلى أوتو وغارفيل، متفحصًا التوتر في عيونهما.

 

 

 

«تحضيرات، هذا ما يقوله الوغد…»

كلمة واحدة، ”تحضيرات“، علقت في أذهانهم. ومع ذلك، لم يكن خصمهم من النوع الذي يشن هجومًا بدون أن يسبق ذلك بكلمات. وبثقة غريبة في روزوال بهذا الشأن، وضع سوبارو يده على الباب.

 

عند مواجهة هذا العزم، ماذا يمكن للمرء أن يقول؟ لم يكن لدى سوبارو أي وسيلة للتعبير عن مشاعره.

«أتساءل عن نوع التحضيرات التي قد يعنيها في وقت مثل هذا… ربما لتحويلنا إلى قطع من الفحم المحترق؟»

 

 

كانت خطة روزوال تنهار، والقضايا التي تحيط بالملجأ والقصر تقترب من نهايتها. وإذا قبل روزوال طلب استسلامه، فيمكنهم إنهاء كل شيء.

«اهدأ، عندما تتحول إلى رماد، سأكون أنا بقايا رماد. لن أدعك تموت وحدك.»

لم يكن هناك أي دهشة لدى سوبارو أو أوتو، حيث كان كلاهما هنا لذات الغاية. وعلى ذلك، كان روزوال وحده، الذي أصبح نظره باردًا، وغارفيل الذي ظهر القلق في عينيه، هما مَن تفاعل بعدم يقين.

 

«بعد ذلك… غارفيل!»

«هذا الرد لا يبعث على الطمأنينة، أرجو أن تعلم!!»

«أنتِ تجعلين الأمر يبدو سيئًا. لكنك لستِ مخطئة بشأن التنبيه الليلي ثم النهوض أول شيء في الصباح— من هنا، أوتو، وغارفيل، وأنا سنتجه نحو القصر. را… فريدريكا ومَن معها في خطر.»

 

بقسوة، ببرودة، وكأنه يصدر حكمًا قاسيًا وعادلًا، واصل كلامه.

كلمة واحدة، ”تحضيرات“، علقت في أذهانهم. ومع ذلك، لم يكن خصمهم من النوع الذي يشن هجومًا بدون أن يسبق ذلك بكلمات. وبثقة غريبة في روزوال بهذا الشأن، وضع سوبارو يده على الباب.

«لن تفعل شيئًا. لا يمكنك أن تفعل شيئًا. بعد كل شيء—»

 

هذا التصريح جعل القلق يظهر مجددًا في عيني روزوال. تمامًا كما عندما أدرك وجود أوتو، فقد جعلت كلمات غارفيل روزوال يشعر بالاضطراب.

ثم—

—قبل أن يتحداه في رهانه الأخير، قال روزوال ذلك لسوبارو.

 

لكن شيئًا واحدًا قد تغير منذ ذلك الحين.

«آااه، فهمت الآن ما تعنيه.»

 

 

كان أهل قرية إيرلهام قد تكدسوا هناك، منهمكين في همسات ونقاشات متفرقة. وأمام هؤلاء اللاجئين المتجمعين كان سوبارو ورفاقه، وإذا أرادت وصف ما كانوا يفعلونه بكلمات—

الآن، بعد أن أدرك نوايا روزوال، أطلق سوبارو تنهيدة خفيفة مع تعليقه.

«—نحن راحلون!!»

 

 

عند سماع تلك التنهيدة، نظر رفيقاه أخيرًا إلى داخل الغرفة، ليشاهدا ما رآه سوبارو ويرد كل منهما بطريقته. غارفيل نقر لسانه، بينما اتسعت عينا أوتو دهشة.

—كان هذا ما أراد أن يؤمن به.

 

 

الآن أدرك سوبارو أن هذه هي المرة الأولى التي يرى فيها أوتو مثل هذا المشهد.

 

 

«يا عزيزي، إنه أمر لا يجب أن يقلقك. فقد أخبرتك، أليس كذلك؟ أنني سأواجهك في حالة مناسبة مرة أخرى.»

«لم أتوقع أن تحملك قدماك إليَّ في هذه اللحظة بالذات. حسنًا، ما الذي أتى بكم إلى هنا؟ هل ربما حكمتم بأن فرصكم سيئة وأتيتم تبحثون عن شروط سلمية؟»

«ليس لدينا موعد محدد…»

 

 

متحدثًا بنبرة ساخرة، نظر روزوال إلى سوبارو والآخرين وهم واقفون عند مدخل الغرفة.

 

 

ولو تأملنا قليلًا، لوجدنا أن هذا كان حاله دومًا. مشاعر سوبارو تجاه إميليا، ومشاعر ريم تجاه سوبارو… روزوال كان دومًا متقبلًا لتلك الأشياء، أليس كذلك؟

—كان وجهه مطليًا باللون الأبيض، مع خطوط عيون مريبة وشفاه محمرة. كان هذا هو مظهر المهرج الذي اعتاده سوبارو.

《٥》

 

— ذكره روزوال بتلك اللحظة في القبر قبل أن يحتد النقاش بينهما.

قام من على السرير، مغطِّيًا جسده المؤلم المربوط بالأربطة بزيه الغريب، ومنح صوته وتصرفاته لمسة من البرود المتعالي. وقف هناك كشيطان لا يحتاج إلى إخفاء هوسه الخاص.

على أية حال، كان الحذر الداخلي لروزوال تجاه أوتو قد ازداد على نحوٍ حاد. وفي الوقت نفسه، أصبح واضحًا بصورة كبيرة كيف تغيرت الأمور ولماذا طالبوه بالاستسلام.

 

 

كان مظهره لافتًا للغاية لدرجة أن أوتو، الذي رأى هذا للمرة الأولى، ارتعش بوضوح. وعند رؤيته ذلك، انحنى سوبارو بكتفيه باتجاه روزوال.

 

 

 

«كنت متحمسًا لزيارتنا لدرجة أنك ارتديت أفضل زي لاستقبالنا. سأخجل من ذلك.»

«سماعكِ، وأنتِ التي تفعلين ما تشائين دائمًا، تقولين هذا… أمر مرعب بطريقة ما…»

 

«أعتقد أنه يجب عليَّ أن أقول بأنك قد تروضت أخيرًا، يا غارفيل.»

«يا عزيزي، إنه أمر لا يجب أن يقلقك. فقد أخبرتك، أليس كذلك؟ أنني سأواجهك في حالة مناسبة مرة أخرى.»

 

 

 

«آه، هذا صحيح، تذكرت.»

«نعم، أعتقد ذلك. أوتو هو ”ذلك“.»

 

 

كان روزوال قد قال شيئًا بهذا المعنى حين غادر سوبارو بعد المحادثة التي تحداه فيها لمواجهة أخيرة. بالطبع، لم يتوقع سوبارو حقًا أن يستقبله بوجه كامل المكياج.

 

 

 

«بالنسبة لي، وضع المكياج ليس أقل من استعداد للمعركة. فعندما أستعد لمواجهة لا يمكنني الخسارة فيها، يكون المكياج وسيلة لتحفيزي على خوضها، كما تـــرى.»

أثارت تساؤلات زعيمة القرية حيرة سوبارو للحظة، لكن اتسعت عيناه سريعًا.

 

«أتقصد أنني أسأت فهم شيء ما؟»

«أرى، إذًا الأمر حرفيًا طلاء حرب بالنسبة لك… لحظة، هل تتحدث بجدية؟ لا تقول ذلك على سبيل المزاح؟»

 

 

 

«حسنًا، سأترك لك الخيار فيما إذا رغبت في تصديقه أم لا. تجهيز نفسي للمعركة والظهور أمامك بهذا المظهر… أليس هذا يُظهر لك عزيمتي بشكل كافٍ؟»

«مهلًا، استمع إلي! حتى لو عدنا، ليس لدينا القوة القتالية الكافية! سيزيد هذا فقط عدد الضحايا!»

 

 

فهم سوبارو من نبرة روزوال المنخفضة والمشحونة بالإيحاء أن الأمر كان بالنسبة له فعلاً بمثابة طلاء حرب حقيقي.

 

 

«هكذا ستُجردك من كل ضعفٍ تتمسك به، وعندما تصل إلى الحضيض وتسمح لنا أخيرًا بالحديث معك… حينها ستكون مستعدًا للاستماع. هذا ما أؤمن به.»

وكما أن سوبارو يضع كل شيء على المحك في هذه المواجهة، كان روزوال يصب كل قوته في هذه المعركة. وهذا الفهم المتبادل هو ما جعل كليهما يقفان أمام بعضهما كخصمين حقيقيين على الساحة ذاتها.

الكلمات التي نطق بها سوبارو تركت جو الغرفة مليئًا بالصمت.

 

 

«والآن، لنعد إلى السؤال الأول، سوبارو— لماذا جئت إلى هنا؟»

 

 

 

كان هذا أول سؤال جاد يطرحه روزوال على سوبارو عند وصوله إلى هذه الغرفة، لكنه كان أيضًا ما أراد غارفيل معرفته في وقت سابق. وعند دعوته للإجابة، التقط سوبارو أنفاسه. فقد أتوا إلى هنا بهدف واحد.

 

 

 

وهو—

حتى إن لم يعد موقف غارفيل عنادًا متمسكًا بماضيه مع الملجأ، فإن هذا لا يعني أن مشاعره قد تلاشت. فقط غارفيل يعلم مدى التغيير الذي طرأ عليه.

 

«نعم! أرجوك، توقف هنا!»

«—جئت لأطالبك بالاستسلام.»

 

 

«—حتى النهاية، وحتى اللحظة الأخيرة. وإذا أُزيل الحاجز قبل ذلك، فكل شيء على ما يرام.»

٢

 

 

 

—فالمطالبة بالاستسلام لا تعني شيئًا أقل من الاعتراف الرسمي بالهزيمة.

«…»

 

 

«…»

 

 

أصدر غارفيل صوتًا خفيفًا بأسنانه عندما أجابه أوتو بصوت هادئ. ثم أكمل سوبارو ما بدأه أوتو وهو يحدق في روزوال.

الكلمات التي نطق بها سوبارو تركت جو الغرفة مليئًا بالصمت.

بصراحة، هزَّ روزوال رأسه نافيًا طلب سوبارو.

 

 

لم يكن هناك أي دهشة لدى سوبارو أو أوتو، حيث كان كلاهما هنا لذات الغاية. وعلى ذلك، كان روزوال وحده، الذي أصبح نظره باردًا، وغارفيل الذي ظهر القلق في عينيه، هما مَن تفاعل بعدم يقين.

 

 

«آه، هذا صحيح، تذكرت.»

«ما الذي تعنيه بمطالبة الاستسلام…؟»

«إذًا لقد كنت منتبهًا. نعم، إذا كان الوضع كذلك، فالمسألة خطيرة جدًا.»

 

ورغم ذلك، لم يتراجع عن إصراره، فلم يقبل طلب الاستسلام، ولم يرَ أن ميزان القوى سيتغير في المستقبل القريب. وأعظم دليل على يقين روزوال في انتصاره كان—

«المعنى واضح كما يبدو. كنت ترغب في معرفة سبب قدوم السيد ناتسكي لمقابلة الماركيز؟ هذه هي الإجابة.»

«تمامًا كما تؤمن بقوة الآخرين، أؤمن أنا بالبقاء ضعيفًا! لأنني أرى أن البشر كائنات ضعيفة، هشة، ضئيلة، لا تقوى على تحقيق شيء دون أن تتشبث بشيءٍ واحدٍ مهم!»

 

 

أصدر غارفيل صوتًا خفيفًا بأسنانه عندما أجابه أوتو بصوت هادئ. ثم أكمل سوبارو ما بدأه أوتو وهو يحدق في روزوال.

وقد استنفدت كلماتها، أنهى سوبارو حديثه الأخير مع رام التي زفرت مستاءة، وذراعاها متشابكتان. وبامتعاض من ردها، حكَّ سوبارو وجنته بإصبع.

 

 

«هذا هو الأمر. أدرك تمامًا مدى دقتك في التخطيط. لأكون صريحًا، فكرت كثيرًا أنني انتهيت في مواقف كثيرة  لكني متأكد أنك من بين الجميع تدرك الأمر. التخطيط الذي أعددته… ينهار.»

 

 

كان هذا شعاع الأمل المتبقي لدى سوبارو. وروزوال—

«بالتأكيد، هذا صحيح. بالتأكيد، الأمر كما تقول تمامًا. الوضع قد تغير بالفعل. مَن يرافقونك دليل كافٍ. ومع ذلك، ما يشغلني هو…»

 

 

 

توقف روزوال عن الكلام، وأغلق إحدى عينيه بينما وجه نظره إلى خلف سوبارو. وبطبيعة الحال، كان سينظر مباشرة إلى غارفيل، باعتباره تجسيدًا لهذا التغيير في الوضع، بعينه الصفراء— لكن لم يفعل ذلك.

وبحكم فرق الطول بينهما، نظر روزوال إلى سوبارو من الأعلى، محدقًا في عينيه السوداوين وهو يتابع.

 

«هذا ينطبق عليك أيضًا…؟ ولكنني سمعت أنك وفريدريكا من والدين مختلفين!»

«تقصدني؟»

 

 

 

عند جذب انتباه روزوال له للمرة الأولى، بدا أن وجه أوتو قد اشتد قليلًا. جعلته كلماته يتساءل روزوال، الذي رفع رأسه وأمال عنقه بتعبير نادر من الحيرة البسيطة.

صرخ بغضب، موجهًا غضبًا بسيطًا ضد كيان لا يتوافق معه.

 

أصدر غارفيل صوتًا خفيفًا بأسنانه عندما أجابه أوتو بصوت هادئ. ثم أكمل سوبارو ما بدأه أوتو وهو يحدق في روزوال.

«تساءلت عن هذا منذ دخولك، لكن… مَن تكون؟ ومن أين أتيت؟»

 

 

 

«أنت حقًا شيء عجيب، أوتو. يبدو أنك لم تكن مدرجًا في كتاب التنبؤ الذي يراه.»

«هل تعدون عربات التنين لتنسلَّوا ليلًا؟ الآن، وفي هذا الوقت تحديدًا؟»

 

 

«هذا لا يُسعدني إطلاقًا، ولا أستطيع إخفاء دهشتي من هذه التعليقات غير المفهومة على الإطلاق!»

«—أنت حقًا كما حكمت عليك، يا ناتسكي سوبارو.»

 

 

اشتعل أوتو غضبًا فعليًا تجاه سوبارو بسبب تعليقه غير المناسب تمامًا للموقف.

《١》

 

حتى إن لم يعد موقف غارفيل عنادًا متمسكًا بماضيه مع الملجأ، فإن هذا لا يعني أن مشاعره قد تلاشت. فقط غارفيل يعلم مدى التغيير الذي طرأ عليه.

كان السبب الأصلي لمجيء أوتو مع سوبارو وإميليا هو أن سوبارو وعده بتقديمه لروزوال. من هناك، كان بلا شك سيتفاوض حول قيمة بضاعته من الزيت ويبحث طبيعة مساهماته في هزيمة طائفة الساحرة. وبالنظر إلى هذا الموقف الأولي، كان من الطبيعي أن يشعر أوتو بالغضب لأن روزوال لم يكن يعرف حتى مَن يكون.

هذا هو الرجل الذي ورث أماني أسرة ميزرس الممتدة لأربعمئة عام— روزوال إل ميزرس.

 

 

ولكن—

 

 

«بفضل الشاب أوتو، تمكنت من استعادة توازنك، مما جعلك تميل لتحديني في مواجهة أخيرة، أليس كذلك؟»

«وجود شخص كهذا في هذا المكان لا بد أن يُحدد اتجاه مواجهتي مع سوبارو. أفهم؛ بعبارة أخرى، هو ”ذلك“.»

 

 

كانت كلمات روزوال كالسيف، يستخدمها كمحاولة لإثارة ما يكمن في أعماق قلب غارفيل. مثل أداة جراحية لفتح الصدر واستخراج الأعضاء الداخلية، هدفت كلماته الماكرة إلى كشف رغبات غارفيل للجميع.

«نعم، أعتقد ذلك. أوتو هو ”ذلك“.»

«لقد نذرت مشاعري طيلة أربعمئة عام لامرأة واحدة. ومدة انقطاعي عن لمسها تفوق بكثير الأيام التي قضيناها معًا، لكن صورتها لا تزال محفورة في كياني. لقد احترقت روحي منذ ذلك الحين. منذ يوم فراقنا، وظل قلبي محطمًا، ولم يتغير شيء في داخلي أبدًا!!»

 

 

«—؟»

كانت نبرة صوت روزوال، التي بدت مليئة بالندم، تزداد حرارةً وظلامًا مع كل كلمة.

 

 

كان روزوال واثقًا من شيء ما، وهز سوبارو رأسه بالموافقة.

صرخ بغضب، موجهًا غضبًا بسيطًا ضد كيان لا يتوافق معه.

 

 

وحده أوتو، المعني بالأمر، بدا في حيرة تامة إزاء الموضوع الذي بدا أنه يقف في مركزه.

 

 

«ما أمرك يا روزوال؟»

لم يفهم أوتو. كان غافلًا تمامًا. فوجوده ذاته كان—

 

 

 

«—أول انزلاق في التروس.»

 

 

—الهوس والعزيمة اللازمتان لتنفيذ شيء كهذا تجعله فعلًا أقرب إلى كائن وحشي— شيطان.

بلا شك، كان روزوال قد بنى لوح لعبه بعناية كما لو كان يُنشئ آلة دقيقة.

 

 

«نعم، نعم، نعم، نعم! هذا يكفي تمامًا! يكفي!»

باستخدام كل الحكمة والمعرفة التي يمتلكها، كان الشيطان قد خطط لتحركات كل قطعة على اللوح مسبقًا، ليضمن بذلك أن يدفع سوبارو دائمًا للعودة بالموت مهما كانت مسارات الأحداث.

 

 

 

ولكن قطعة غير متوقعة من الخارج قفزت إلى لوح لعبه، الذي كان قد رتبه بعناية كآلة دقيقة—

ولكن ما هو الضعف الذي يعتري غارفيل وهو الآن بهذا الحال؟ ما الذي يستوجب أن تهتز أو تكتئب لأجله؟

 

 

«التدفق تغير بفضل صديقي، الذي يبدو تافهًا لدرجة أنه لم يُسجل في كتاب نبوءتك.»

 

 

 

«… اسمح لي أن أسألك رسميًا عن اسمك.»

وكان سوبارو ورفاقه يتوجهون نحو مكان ذلك الشيطان. ولرؤية سوبارو وأوتو يتبادلان المزاح قبيل مواجهتهما، ليس غريبًا أن يشعر غارفيل بالارتباك.

 

 

سأل روزوال بهدوء عن اسم العامل الذي تسبب في التشويه في خططه الدقيقة. خطا سوبارو خطوة إلى الوراء ودفع صديقه للأمام.

لقد آمن أن هذا هو السبيل الوحيد لفهم قيمة المشاعر، وأراد تصديق أن مشاعر الآخرين يمكن أن تثبت صحة مشاعره الخاصة. ولهذا السبب، أراد من غارفيل أن يبقى غارقًا في ضعفه، متشبثًا بمشاعره بشدة كمَن يخاف تبددها، آملًا أن يبقى على تلك الحال. فقد أراد وبشدة أن يتشبث الآخرون بمشاعرهم كما يفعل هو.

 

 

بدفعة بسيطة، تقدم أوتو خطوة. أخذ نفسًا عميقًا، ثم انحنى أمام روزوال.

 

 

 

«اسمي أوتو سوين. إنه لشرف لي أن ألتقي بالماركيز النبيل شخصيًا. على الرغم من أنني لا أزيد عن كوني تاجرًا متجولًا متواضعًا، آمل أن أكون من معارفك.»

 

 

«بعد ذلك… غارفيل!»

«سأتذكرك، يا أوتو— في المرة القادمة، لن أفقدك من نظري أبدًا.»

«لم أتوقع أن تحملك قدماك إليَّ في هذه اللحظة بالذات. حسنًا، ما الذي أتى بكم إلى هنا؟ هل ربما حكمتم بأن فرصكم سيئة وأتيتم تبحثون عن شروط سلمية؟»

 

 

بعد أن أعلن أوتو عن اسمه، كان سوبارو الوحيد الذي فهم المعنى الحقيقي من رد روزوال. فقد أدرك تمامًا مدى جديَّة الحذر الذي وجهه روزوال نحو أوتو.

 

 

«بالمناسبة، سمعتُ مصطلحًا سابقًا لا أستطيع تجاوزه بسهولة. مَن هو هذا ”المسؤول“ الذي تحدث عنه الجميع من القرية…؟»

«يا رجل، أوتو. تمامًا كما خططت، تركت انطباعًا قويًا لدى روزوال!»

هذا هو الرجل الذي ورث أماني أسرة ميزرس الممتدة لأربعمئة عام— روزوال إل ميزرس.

 

بلا شك، كان روزوال قد بنى لوح لعبه بعناية كما لو كان يُنشئ آلة دقيقة.

«ليس هذا هو الشكل الذي أردت أن أُحفظ به في ذاكرته!»

«لم أحصل على تفسير واضح، لكن التفكير في أن هذا الوغد لديه خطة تعرض الناس في القصر للخطر… بما فيهم أختي الكبيرة، هذا يكفي، صحيح؟»

 

لو كان غارفيل هو نفس الشخص قبل لحظات، لكانت تلك الإهانات القاسية قد أثارت فيه نوبة غضب. ولكنه هنا، يتجاهلها وكأنه يزيح نسيمًا دافئًا.

بالتأكيد، قد ترك انطباعًا، لكن كان من الأفضل لو بقي غير ملحوظ وسهل النسيان.

 

 

باستخدام الأشخاص الذين كانوا في صفه منذ البداية قدر استطاعته، والتلاعب بمَن لم يكونوا كذلك بذكاء، تمكن روزوال من ربط الأحداث المحيطة بالملجأ والقصر بشكل لا ينفصل. ولو كان على سوبارو أن يسمي أسماء، لكان بكل تأكيد هو وإميليا على رأس قائمة البيادق التي قادها روزوال بمهارة.

على أية حال، كان الحذر الداخلي لروزوال تجاه أوتو قد ازداد على نحوٍ حاد. وفي الوقت نفسه، أصبح واضحًا بصورة كبيرة كيف تغيرت الأمور ولماذا طالبوه بالاستسلام.

في تلك اللحظة، شعر سوبارو كأنه أخيرًا استوعب، وكأن بصره قد اخترق ستار الغموض ليكشف عمق أفكار روزوال الحقيقية.

 

 

«بفضل الشاب أوتو، تمكنت من استعادة توازنك، مما جعلك تميل لتحديني في مواجهة أخيرة، أليس كذلك؟»

 

 

 

«هذا هو الوضع… لكن أليس هذا غريبًا بعض الشيء؟ عادةً، ستكون البطلة الرئيسية هي مَن تظهر لمساندتي. ألا يخذل ذلك توقعات الجمهور إذا كان هناك شخصية ذكورية تدعوني للصمود؟»

«إذًا، ما الذي تنوي فعله الآن؟»

 

بعد أن أعلن أوتو عن اسمه، كان سوبارو الوحيد الذي فهم المعنى الحقيقي من رد روزوال. فقد أدرك تمامًا مدى جديَّة الحذر الذي وجهه روزوال نحو أوتو.

«حتى وإن نظرت إليَّ بعينين معاتبتين، لا أدري ما الذي تريده مني!»

 

 

دافع سوبارو عن نفسه ودفع روزوال بقوة، مشيرًا بإصبعه نحو السماء.

«أمزح، أمزح.»

 

 

 

في الواقع، لو لم يكن أوتو موجودًا، لانهارت الفئة بأكملها في هذه المرحلة. كان من الصعب عليه أن يشكر أوتو على ذلك مباشرةً، لكن امتنانه كان حقيقيًا بلا شك. وذلك، بالإضافة إلى—

«—حتى النهاية، وحتى اللحظة الأخيرة. وإذا أُزيل الحاجز قبل ذلك، فكل شيء على ما يرام.»

 

 

«…»

«أنا استثناء— الحاجز الذي يمنع ”الناس المختلطين“ من المرور لا يؤثر عليَّ. مثل أختي الكبيرة، أنا ابن لأب من دم مختلط وأم بشرية. دمي خفيف، فلا يعمل علي الحاجز.»

 

«سأحتاج منك أن تستعرض لقب ”الأقوى“ هذا بكل ما أوتيت من قوة في القصر.»

كان هناك شيء خفي، لكن سوبارو التقط تلميحًا طفيفًا من القلق في عيني روزوال. كان ذلك القلق على الأرجح ناجمًا عن إدخال عنصر غير معروف في سيناريو كان واثقًا من نجاحه.

«—وصلنا.»

 

صمت لوهلة، وعيناه المختلفتان في اللون تحملان غضبًا متطابقًا بداخلهما، ثم أكمل.

ما دفع روزوال إلى هذا الوضع لم يكن مجرد وجود أوتو.

«بالتأكيد، ارتكبنا أنا وغارفيل بعض الأخطاء هناك، لكن المسؤولية تقع على عاتقك أيضًا، أليس كذلك؟»

 

 

في تلك اللحظة، حول روزوال نظراته نحو غارفيل، ذلك الشخص الذي جسَّد التغيير حقًا. وعندما رأى أن نظراته لم تغير شيئًا في وجه غارفيل، فتح شفتيه بتعبير يشوبه الخيبة.

«ما هذا القلق الغريب؟ رمي البيض على الناس يعد مضيعة حقًا.»

 

كانت نبرة صوت روزوال، التي بدت مليئة بالندم، تزداد حرارةً وظلامًا مع كل كلمة.

«أعتقد أنه يجب عليَّ أن أقول بأنك قد تروضت أخيرًا، يا غارفيل.»

 

 

«عقد من الزمن، قرن، ثم أربعة قرون من حياتي— وكأن كل هذا يمكن أن يتغير بفضل رجل عادي مثلك!!»

كان غارفييل، الذي خيب أمله، يقف خلف سوبارو وأوتو، متخذًا وضعًا جاهزًا لأي ظرف طارئ، بحيث يمكنه حمايتهما في أي لحظة. وهذا ما جعل روزوال يتنهد بامتعاض واضح.

«ناه، لا شيء. لقد أصبحتَ أكثر ثباتًا.»

 

 

«وهكذا، أنتَ الذي كنت مصممًا على تمزيق الغرباء، تجد نفسك الآن سعيدًا بالوقوف إلى جانب الشاب سوبارو. أفاجأ من أنك قد غيرت رأيك بهذه السرعة— لقد حافظت على ما هو ثمين في قلبك لفترة طويلة جدًا، ومع ذلك، تتخلى عن حبك لأمك بهذه السهولة.»

 

 

 

كانت كلمات روزوال كالسيف، يستخدمها كمحاولة لإثارة ما يكمن في أعماق قلب غارفيل. مثل أداة جراحية لفتح الصدر واستخراج الأعضاء الداخلية، هدفت كلماته الماكرة إلى كشف رغبات غارفيل للجميع.

 

 

«—أرفض، يا سوبارو الشاب.»

تلك كانت مشاعر الحب نحو والدته والندم العميق تجاه الماضي الذي ظل يحمله في قلبه طيلة هذه الفترة—

بعد كلمات زعيمة القرية، تعاقبت أصوات أهل القرية، كلٌ منهم يعبر عن دعمه لسوبارو ورفاقه بأسلوبه الخاص، لكنها كانت جميعها كلمات تشجيع تدعم قراره. وهذا ما منحه الكثير من العون.

 

 

«توقف يا روزوال. ماذا تعرف أنت عن مشاعر غارفيل؟»

 

 

«لأنك واصلت الإيمان بتلك المشاعر لفترة طويلة حقًا؟»

«بالطبع لا أفهمها، ولا أرغب في ذلك. مجرد خسارته في معركة وكلماتك الرخيصة كانت كافية لتحرك مشاعره. ماذا يمكن أن أسميها إذًا، إن لم تكن سطحية؟»

لقد أشعلت كلمات روزوال نيران الغضب في قلب سوبارو.

 

«الذهاب لمساعدة القصر يعني مغادرة الملجأ. والسيدة إميليا في خضم تحديها، لكن حاجز القبر لا يزال سليمًا، لذا إذا منعك الحاجز…»

وبينما كان روزوال يكدس الإهانات واحدةً تلو الأخرى، لم يكن غارفيل هو مَن انفجر غضبًا، بل سوبارو.

 

 

 

كان سوبارو قد اصطدم بغارفيل، وتبادل معه اللكمات، وسمع مباشرةً صرخة قلبه. لم يكن ليسمح لأي أحد بأن يقلل من شأنها أو يعتبرها سطحية أو رخيصة.

 

 

«—يا رجل، كلماتك ضعيفة للغاية، يا روزوال.»

«انتظر لحظة، أيها القائد.»

 

 

ومنذ تلك اللحظة، لم يتبادلوا المزيد من الكلمات. كل ما كان ينبغي أن يُقال قد قيل. كل ما تبقى هو أن يبذل كلٌ منهم قصارى جهده لتحقيق ما يصبون إليه.

لكن كان غارفيل نفسه هو مَن أوقف سوبارو الغاضب.

واصل روزوال تقدمه بخطى ثابتة.

 

 

بلا شك، كان غارفيل هو الأكثر تضررًا من كلمات روزوال المليئة بالسخرية. كان سوبارو يحاول إيقاف تلك الكلمات قبل أن تترك جرحًا في قلب الفتى. لكن…

وكيف يمكنه أن ينسى؟ ذلك الوجه— كان النسخة المطابقة لوجه إميليا.

 

«أنا استثناء— الحاجز الذي يمنع ”الناس المختلطين“ من المرور لا يؤثر عليَّ. مثل أختي الكبيرة، أنا ابن لأب من دم مختلط وأم بشرية. دمي خفيف، فلا يعمل علي الحاجز.»

«كلماتك هي الرخيصة كالتراب، يا روزوال.»

نقر غارفيل على جبينه بإصبع بينما كان يقرع أنيابه. وعلى عكس حماسة روزوال الهادئة والمشتعلة، كانت عزيمة غارفيل هادئة.

 

 

وضع غارفيل ذراعيه بتكاسل وكأنه يشعر بالملل، ثم قَرَعَ بأسنانه وألقى تلك الكلمات نحو روزوال.

 

 

 

كان سلوكه هذا مفاجئًا بالنسبة لسوبارو. لاحظ روزوال هذا التفاعل، فرفع حاجبًا بنظرةٍ متعجبة.

 

 

قال روزوال وهو يضع يده على صدره، منكرًا مزاعم سوبارو ومعلنًا أنها بعيدة عن الحقيقة.

لو كان غارفيل هو نفس الشخص قبل لحظات، لكانت تلك الإهانات القاسية قد أثارت فيه نوبة غضب. ولكنه هنا، يتجاهلها وكأنه يزيح نسيمًا دافئًا.

ثم، تحت نظرة سوبارو المستفسرة، ارتجفت شفاه روزوال.

 

صرف غارفيل نظره بعيدًا وهمس بصوت منخفض. كان من المؤكد أن غارفيل وروزوال يعرفان بعضهما منذ أكثر من عقد. لم يكن باستطاعة سوبارو فهم تعقيدات المشاعر بينهما بمجرد نظرة خارجية.

«أنا لا أنكر أني كنت مترددًا بشأن بعض الأمور. صحيح أني انضممت للقائد قبل ساعات قليلة فقط. يمكن أن تراها تغييرًا سريعًا في القلب.»

 

 

لو كان غارفيل هو نفس الشخص قبل لحظات، لكانت تلك الإهانات القاسية قد أثارت فيه نوبة غضب. ولكنه هنا، يتجاهلها وكأنه يزيح نسيمًا دافئًا.

«أولًا تغيير في القلب والآن تحدٍ؟ تلك المشاعر التي قدَّمتها على مدار عشر سنوات طويلة ليست بالزمن القصير. أتساءل، إلى أين تلاشت تلك المشاعر؟»

 

 

 

هزَّ روزوال كتفيه برد غارفيل، وأضاق عينيه بنظرةٍ باردة متزايدة. عيناه الوسيمتان، المختلفتا اللون، غمرتهما مشاعر راكدة لا تتناسب مع جمالهما على الإطلاق.

صمت لوهلة، وعيناه المختلفتان في اللون تحملان غضبًا متطابقًا بداخلهما، ثم أكمل.

 

 

وبتلك المشاعر العالقة في نظراته، واصل روزوال هجماته الكلامية على غارفيل.

«مهلًا، لا تلقي باللوم كثيرًا على القائد، أخي. بالنسبة لمعاييره، لقد أجاد في الرد. أنا شخصيًا استمتعت فقط بالاستماع إلى ما قاله.»

 

«—نحن راحلون!!»

«الرغبات لا تتلاشى ببساطة في الهواء. إن كنت تحبها حقًا، فإن مشاعرك لن تتغير مطلقًا. أهي عشر سنوات من العمل يمكن أن تتغير بسهولة هكذا؟»

 

 

 

كانت نبرة صوت روزوال، التي بدت مليئة بالندم، تزداد حرارةً وظلامًا مع كل كلمة.

«—أن توقف القتلة الذين أرسلتهم إلى القصر. وبعدها سنتمكن من مناقشة الأمور الأخرى.»

 

«لو صدقنا كلام غارفيل، فإن الماركيز يتمتع بموقف قوي بفضل حظه المذهل.»

«كم من الوقت قضيت مع الشاب سوبارو خلال بضعة أيام فقط؟ هل جمعتما معًا رابطًا يضاهي ذلك الحب؟ بالطبع لا. كما لو أن شيئًا يمكن أن يرتفع عاليًا أو يصل إلى نفس عمق حبك— فالشيء الذي تضعه فوق كل شيء آخر، هو الذي يحمل هذه القوة.»

لم يرَ سوبارو من قبل روزوال يعبر عن مشاعره بهذه الصراحة، حتى إنه لم يكن يتخيل أن مثل هذا يمكن أن يحدث. ولهذا، كانت رؤيته بهذه الحالة تسبب لسوبارو ألمًا شديدًا.

 

ورغم ذلك، لم يتراجع عن إصراره، فلم يقبل طلب الاستسلام، ولم يرَ أن ميزان القوى سيتغير في المستقبل القريب. وأعظم دليل على يقين روزوال في انتصاره كان—

كان صوته هادئًا، لكنه كان يضجُّ بحرارة. ما بدأ كتأنيبٍ على تغيير القلب تحوَّل إلى مناشدة، رغبةٍ صادقة؛ مجرَّد الاستماع إليه كان يكفي لأن يشعل في القلب شعورًا بالحزن.

«فهمتِ… إذًا، سأترك هذا الدور لكِ. نعتمد عليكِ يا.»

 

—كان وجهه مطليًا باللون الأبيض، مع خطوط عيون مريبة وشفاه محمرة. كان هذا هو مظهر المهرج الذي اعتاده سوبارو.

— بالنسبة له، ما هو أثمن شيء لديك هو ما تتخلَّى عن كل شيء آخر من أجله.

 

 

—مهما ضحكوا، ناتسكي سوبارو لن يشعر بالخجل من عزيمته.

سابقًا، كان روزوال قد قال مثل هذه الكلمات لسوبارو. وكان هذا هو طابع حب روزوال. فبالنسبة له، كان هذا هو الأسلوب الوحيد للحب؛ لم يعترف بأي أسلوب آخر.

 

 

توقف روزوال عن الكلام، وأغلق إحدى عينيه بينما وجه نظره إلى خلف سوبارو. وبطبيعة الحال، كان سينظر مباشرة إلى غارفيل، باعتباره تجسيدًا لهذا التغيير في الوضع، بعينه الصفراء— لكن لم يفعل ذلك.

«… أم لعلَّك لم تحبها على الإطلاق، يا غارفيل؟»

صمت لوهلة، وعيناه المختلفتان في اللون تحملان غضبًا متطابقًا بداخلهما، ثم أكمل.

 

بدأت عربة التنين تتحرك ببطء، وانطلق سباقهم للخروج من الملجأ.

لذا حاول روزوال أن ينكر تغيير غارفيل، الذي كان ينتهك فلسفته في الحياة.

«آسف لإحباطك، لكن سياستنا الحالية تعتمد على أولوية السلامة بينما نواجههم.»

 

 

أنكر روزوال غارفيل، الذي نمَّى حبه لعشر سنوات، ليجد في النهاية أن استنتاجه كان خاطئًا وأنه بحاجة إلى شيء جديد.

تدخل أوتو في الحوار المتصاعد، وأوقف حججهم في منتصف الطريق. بعد ذلك، نظر إلى وجوههم بنظرة حادة، وقال: «أتعلم؟ من الواضح أن سياق المحادثة قد تغير، لكن هل تدرك هذا، غارفيل؟»

 

«أجل، هذا صحيح. لمجرد أنك أدخلت قطعة من خارج رقعة اللعب وأزلت غارفيل كعائق، تظن نفسك في موقفٍ متفوق؟ ولكن، كما كان الحال سابقًا، لا تزال اليد العليا لي.»

«ألا تحب والدتك، أو عائلتك؟ ألهذا تستطيع أن تهب قلبك لشيء آخر بسهولة؟ بدلًا من استخدام القوة التي صقلتها لوقت طويل، كان مجرد كسر أنيابك كافيًا لثني المشاعر التي احتفظت بها لعقد من الزمن؟ إذا كان الأمر كذلك، فإن مَن جعل حبك هشًّا، زائفًا وسريع الزوال ليس سوى نفسك.»

 

 

 

دون أن تتغير ملامحه، كانت الكلمات وحدها هي التي استخدمها روزوال لتوبيخ غارفيل على تغيير قلبه.

بمعنويات مرتفعة، انطلق سوبارو والآخرون بخطى متسارعة من القبر إلى المستوطنة. حيث كان العقل المدبر الذي أعدَّ كل المخطط بانتظارهم.

 

«أجل، هذا صحيح. لمجرد أنك أدخلت قطعة من خارج رقعة اللعب وأزلت غارفيل كعائق، تظن نفسك في موقفٍ متفوق؟ ولكن، كما كان الحال سابقًا، لا تزال اليد العليا لي.»

تلك الكلمات اللاذعة، التي بدت وكأنها ستشق جرحًا في قلب غارفيل، جعلت سوبارو يندم للحظة واحدة على إحضاره معه—وونعم. ندمه استمر للحظة واحدة فقط.

توهجت عيناه اليشميتان كاللهب وهو يبتسم، مكشرًا عن أنيابه.

 

 

«—يا رجل، كلماتك ضعيفة للغاية، يا روزوال.»

الآن أدرك سوبارو أن هذه هي المرة الأولى التي يرى فيها أوتو مثل هذا المشهد.

 

 

لم يرد غارفيل بمشاعر، رغم أن سلوكه كان مليئًا بالشوك. بدا أن هناك نوعًا من الشفقة في نظراته.

 

 

«تجعلني أبدو سيئًا جدًا… بغض النظر عن الفوز أو الخسارة؛ التصرف بمكر مثل روزوال بالتأكيد فكرة سيئة. ماذا لو بدأ الناس بإلقاء البيض عليَّ كلما عدت إلى المنزل؟»

«لا يهمني إن أردت توبيخي. فقط لا تسئ فهمي.»

«أعلم! إذا كان بإمكاننا جميعًا عبور الحاجز، فالأمر يصبح بسيطًا سريعًا!»

 

صعد سوبارو إلى عربة التنين وصرخ، مما جعل باتلاش، تنينه المحبوب المتصل بالعربة، يصدر صهيلًا قويًا. وبتشجيع من ذلك الصهيل، أصدر التنين الآخر، الخاص بأوتو والمثبت بجانبها، زئيرًا منخفضًا في استجابة.

«… إساءة فهمك؟»

 

 

 

«بالنسبة لي، لم أتابع القائد لمجرد أنني خسرت قتالًا. نعم، الخسارة كانت مؤلمة، لكني لا ألين بهده السهولة بحيث أغير موقفي بسبب شيء مثل هذا.»

«ما الذي تعنيه بمطالبة الاستسلام…؟»

 

 

نقر غارفيل على جبينه بإصبع بينما كان يقرع أنيابه. وعلى عكس حماسة روزوال الهادئة والمشتعلة، كانت عزيمة غارفيل هادئة.

 

 

 

«يا مثلما قلت يا روزوال. كنت متعلِّقًا بالماضي خلال العشر سنوات الماضية… لا أذكر أني قلت لك كل هذا يا، لكن في هذه اللحظة لن أتفاجأ من أنك تعرف.»

«أنا لا أنكر أني كنت مترددًا بشأن بعض الأمور. صحيح أني انضممت للقائد قبل ساعات قليلة فقط. يمكن أن تراها تغييرًا سريعًا في القلب.»

 

«ناه، لا شيء. لقد أصبحتَ أكثر ثباتًا.»

«…»

 

 

 

«صدمت بالماضي الذي مرَّ عليَّ خلال هذه السنوات العشر. القائد… نااه، رام، صحيح؟ رام قالت لي هذا. ادخل إلى القبر، واجه ماضيك… وهذا هو السبب الذي جعلني أقف هنا الآن.»

 

 

 

مشيرًا إلى قدميه، عبَّر غارفيل عن السبب الذي يجعله يقف في ذلك الموقف.

كان هناك شيء خفي، لكن سوبارو التقط تلميحًا طفيفًا من القلق في عيني روزوال. كان ذلك القلق على الأرجح ناجمًا عن إدخال عنصر غير معروف في سيناريو كان واثقًا من نجاحه.

 

 

«واجهت ماضيك، يا غارفيل؟»

وكما أن كل رأس عائلة في أسرة ميزرس ورث اسم روزوال، فقد ورث أيضًا مهمة حماية الملجأ. ارتبط الاسم بالمهمة، وتمازج المعنى العميق خلفها.

 

«الرغبات لا تتلاشى ببساطة في الهواء. إن كنت تحبها حقًا، فإن مشاعرك لن تتغير مطلقًا. أهي عشر سنوات من العمل يمكن أن تتغير بسهولة هكذا؟»

هذا التصريح جعل القلق يظهر مجددًا في عيني روزوال. تمامًا كما عندما أدرك وجود أوتو، فقد جعلت كلمات غارفيل روزوال يشعر بالاضطراب.

 

 

 

كان يواجه الحقيقة بأن غارفيل تحدَّى القبر عن طيب خاطر ليواجه ماضيه مرة أخرى.

 

 

 

«يا لا تقدر على ”الانتصار“ على ماضيك. هذا ما كنت أعتقده. لهذا لا أضحك عليك لأنك عالق، تفكر بنفس الطريقة اللي كنت أفكر فيها في الماضي. ما الذي يستحق الضحك هنا؟»

«يا مثلما قلت يا روزوال. كنت متعلِّقًا بالماضي خلال العشر سنوات الماضية… لا أذكر أني قلت لك كل هذا يا، لكن في هذه اللحظة لن أتفاجأ من أنك تعرف.»

 

 

«…»

«بعد كل شيء، أنت— لا شيء، أدنى من الشخص العادي!»

 

 

«لا أنوى التكلم عن ما رأيته أو لماذا أنا مع القائد. لكن سأقول لك شيء واحد، السبب الكبير الذي جعلني بجانبه هو ألا أكون بجانبك.»

«اهدأ، عندما تتحول إلى رماد، سأكون أنا بقايا رماد. لن أدعك تموت وحدك.»

 

 

وكأنه يرد الدين، كان غارفيل هذه المرة هو مَن وجه شفرة من الكلمات نحو روزوال. ثم أظهر أنيابه وأعلن مشاعره لروزوال، ليس كمنافس له في الحب، بل كعقبة تقف في طريقه.

لقد آمن أن هذا هو السبيل الوحيد لفهم قيمة المشاعر، وأراد تصديق أن مشاعر الآخرين يمكن أن تثبت صحة مشاعره الخاصة. ولهذا السبب، أراد من غارفيل أن يبقى غارقًا في ضعفه، متشبثًا بمشاعره بشدة كمَن يخاف تبددها، آملًا أن يبقى على تلك الحال. فقد أراد وبشدة أن يتشبث الآخرون بمشاعرهم كما يفعل هو.

 

«نعم! أرجوك، توقف هنا!»

«—بدل ما أكون مع شخص يطلب مني أظل ضعيفًا للنهاية، طبعًا سأفضل أن أكون مع الذي يقول إنه يحتاجني لأني قوي!»

«—. نعم، هذا صحيح. لقد أرسل قتلة إلى القصر، وهم ماهرون للغاية. ليس لديَّ فرصة لمواجهتهم. لذلك أنا بحاجة إلى قوة قتالية…»

 

«ستنجح إميليا في تخطيها. إيكيدنا لن تتمكن من إفسادها. كيف حال ريوزو والباقين؟»

كانت كلمات غارفيل البسيطة ردًا على مناشدة روزوال. وعند انتهاء حديثه، نفخ بأنفاسه بتحدٍّ وذراعاه معقودتان.

《١》

 

 

«… ماذا؟»

 

 

«بعبارة أخرى، الأنشطة السرية التي يقودها روزوال، العقل المدبر وراء الوضع الحالي، ليست مجرد مزاح. كان من الأسهل حل المسألة لو كنت قد عقدت اتفاقًا معه لمعارضة تحرير الملجأ، لكن…»

«ناه، لا شيء. لقد أصبحتَ أكثر ثباتًا.»

 

 

 

عندما زأر غارفيل بتوتر، لم يرد سوبارو سوى بابتسامة متجاهلة ليعبر له عن رأيه.

 

 

رفع رأسه، وأمسك بياقة روزوال، محدقًا في عينيه المتباينتين بغضب محتدم، مستخدمًا في نظراته تلك الشراسة التي ورثها من والدته.

لقد طرأ بالفعل تغيير على نفسية غارفيل. غير أن هذا التغيير لم يأتِ بسهولة؛ فمن الممكن أن تتأثر روحه بكلمات روزوال القاسية. بناءً على ذلك—

 

 

«من المستحيل أن أكرهك. أثق بك من أعماق قلبي.»

«روزوال.»

 

 

حتى مع اختلاف أسلوبهم في الحديث، راجع سوبارو ورفاقه موقفهم وما يعرفونه. على وجه الخصوص، كانت مشاركة المعلومات مع رفيقهم الجديد، غارفيل، أولوية ملحة.

التفت سوبارو نحو روزوال الذي التزم الصمت، وواصل الهجوم بجدية.

 

 

 

كان أوتو موجودًا. وكان غارفيل موجودًا. هذان العنصران وحدهما قد غيَّرا الوضع.

 

 

 

«غارفيل واجه ماضيه. ووجوده هنا كنتيجة لذلك لا يعني أن مشاعره تجاه عائلته طوال السنوات العشر قد ضعفت. أنا متأكد من أن قوة مشاعره لم تتغير. لكنها لم تتغير، بل هو الذي تغير. هل هذا أمر يصعب تصديقه؟»

 

 

«صدمت بالماضي الذي مرَّ عليَّ خلال هذه السنوات العشر. القائد… نااه، رام، صحيح؟ رام قالت لي هذا. ادخل إلى القبر، واجه ماضيك… وهذا هو السبب الذي جعلني أقف هنا الآن.»

حتى إن لم يعد موقف غارفيل عنادًا متمسكًا بماضيه مع الملجأ، فإن هذا لا يعني أن مشاعره قد تلاشت. فقط غارفيل يعلم مدى التغيير الذي طرأ عليه.

«ستنجح إميليا في تخطيها. إيكيدنا لن تتمكن من إفسادها. كيف حال ريوزو والباقين؟»

 

ولكن—

ولكن ما هو الضعف الذي يعتري غارفيل وهو الآن بهذا الحال؟ ما الذي يستوجب أن تهتز أو تكتئب لأجله؟

«هيه، يمكنك الاعتماد عليَّ. كما يقولون، ”لا مهرب من راينهارد“.»

 

انتهى الحديث. نادى سوبارو على الرفيقين الذين كانا برفقته وخرج من الغرفة. تبعه أوتو بصمت، أما غارفيل، الذي خرج أخيرًا، فقد ألقى نظرة واحدة أخيرة على روزوال.

«ينبغي أن ينطبق الأمر عليك أيضًا. لقد أخبرتك، يا روزوال. أنا… نحن لا نريد الاستمرار في التصادم معك إلى الأبد. إن وجهنا طرقنا نحو نفس الاتجاه، فسنصل معًا إلى حيث نريد. لا يزال هناك وقت للتراجع.»

 

 

 

في تلك اللحظة، كانت رقعة اللعب التي أعدها روزوال بعناية تتهاوى بشدة.

«توقف يا روزوال. ماذا تعرف أنت عن مشاعر غارفيل؟»

 

 

مع تراجع السيطرة عن خطته، كان لا يزال بإمكانه التوقف عن أن يكون عدوًا لغارفيل وسوبارو والجميع. كان لا يزال بوسعه—

ورغم ذلك، لم يتراجع عن إصراره، فلم يقبل طلب الاستسلام، ولم يرَ أن ميزان القوى سيتغير في المستقبل القريب. وأعظم دليل على يقين روزوال في انتصاره كان—

 

 

«—أن توقف القتلة الذين أرسلتهم إلى القصر. وبعدها سنتمكن من مناقشة الأمور الأخرى.»

«—أن توقف القتلة الذين أرسلتهم إلى القصر. وبعدها سنتمكن من مناقشة الأمور الأخرى.»

 

دون أن تتغير ملامحه، كانت الكلمات وحدها هي التي استخدمها روزوال لتوبيخ غارفيل على تغيير قلبه.

كانت خطة روزوال تنهار، والقضايا التي تحيط بالملجأ والقصر تقترب من نهايتها. وإذا قبل روزوال طلب استسلامه، فيمكنهم إنهاء كل شيء.

 

 

 

وبناءً على ذلك، ولإيمانه بأن المحاولة تستحق المخاطرة، أتى سوبارو إلى هنا ليطرح رهانه.

بقي روزوال وحيدًا تمامًا. ربما رأى غارفيل في ذلك أمرًا ذا مغزى وهمس بصوت خافت أشبه بالهمسات المرافقة للتفكير.

 

 

كان هذا شعاع الأمل المتبقي لدى سوبارو. وروزوال—

 

 

بابتسامة ساخرة على كلمات سوبارو، وضعت رام الشيء الذي التقطته بهدوء في جيب زي الخادمة الذي ترتديه.

«—أرفض، يا سوبارو الشاب.»

 

 

 

«…»

كانت مشاعر روزوال مركزة، توجهت نحو الشخص الذي يكن له حبًا عميقًا.

 

 

«لم أكد لأربعمائة عام كي أُهزم لمجرد تبدُّل طفيف في الظروف.»

«أنتِ تجعلين الأمر يبدو سيئًا. لكنك لستِ مخطئة بشأن التنبيه الليلي ثم النهوض أول شيء في الصباح— من هنا، أوتو، وغارفيل، وأنا سنتجه نحو القصر. را… فريدريكا ومَن معها في خطر.»

 

 

بصراحة، هزَّ روزوال رأسه نافيًا طلب سوبارو.

 

 

كان سلوكه هذا مفاجئًا بالنسبة لسوبارو. لاحظ روزوال هذا التفاعل، فرفع حاجبًا بنظرةٍ متعجبة.

ومع تزايد الغضب في عينيه، أعلن روزوال أن الحرب ستستمر.

في مؤخرة ذهنه، تذكر حفل الشاي مع الساحرات— سبع ساحرات من الماضي حملن أسماء الخطايا السبع المميتة.

 

كان روزوال يُشير ضمنيًا إلى أن أساس ثقته في انتصاره يكمن في الفتاة التي تخوض المحاكمة في تلك اللحظة. تمامًا كما آمن بضعف البشر وضعف غارفيل، آمن بضعفها.

٣

 

 

«أولًا تغيير في القلب والآن تحدٍ؟ تلك المشاعر التي قدَّمتها على مدار عشر سنوات طويلة ليست بالزمن القصير. أتساءل، إلى أين تلاشت تلك المشاعر؟»

أثقل تغير مشاعر روزوال الجو في الغرفة.

بلا شك، كان روزوال قد بنى لوح لعبه بعناية كما لو كان يُنشئ آلة دقيقة.

 

كان مظهره لافتًا للغاية لدرجة أن أوتو، الذي رأى هذا للمرة الأولى، ارتعش بوضوح. وعند رؤيته ذلك، انحنى سوبارو بكتفيه باتجاه روزوال.

تأجج الغضب في عيني روزوال، بينما كان يرفض إنذار سوبارو. ولكن ابتسامة ارتسمت على ملامحه المزخرفة، ومع مشاعره المتعادية انبثق جو من الرعب العميق.

«تساءلت عن هذا منذ دخولك، لكن… مَن تكون؟ ومن أين أتيت؟»

 

 

دوامة من المشاعر الكريهه عمَّت المكان كله. وفي وسطها، ضحك روزوال بسخرية من سوبارو.

«الرغبات لا تتلاشى ببساطة في الهواء. إن كنت تحبها حقًا، فإن مشاعرك لن تتغير مطلقًا. أهي عشر سنوات من العمل يمكن أن تتغير بسهولة هكذا؟»

 

سقوط المفاوضات يعني أن المشاكل المختلفة المحيطة بالقصر ستستمر بلا توقف. وكما قال روزوال، إذا لم ينجحوا في منع الهجوم، فسينتهي الصراع حتمًا بهزيمة سوبارو.

«طلبٌ للاستسلام، أليس كذلك؟ نعم، أرى ذلك… بالتأكيد، لا يُلام المرء على تفسير تغيير جذري على أنه حسم للنصر أو الهزيمة، أعتقد ذلك…»

رأى كيف كانت إميليا مثقلة بالمسؤوليات الجسيمة، وكيف نهش الحزن قلبها لابتعادها عن باك. رأى التعبير على وجهها وهي تحدق في سوبارو، ودموع الألم الجارفة تغمر عينيها—

 

بلا شك، كان غارفيل هو الأكثر تضررًا من كلمات روزوال المليئة بالسخرية. كان سوبارو يحاول إيقاف تلك الكلمات قبل أن تترك جرحًا في قلب الفتى. لكن…

«أتقصد أنني أسأت فهم شيء ما؟»

«آسف لإحباطك، لكن سياستنا الحالية تعتمد على أولوية السلامة بينما نواجههم.»

 

 

«أجل، هذا صحيح. لمجرد أنك أدخلت قطعة من خارج رقعة اللعب وأزلت غارفيل كعائق، تظن نفسك في موقفٍ متفوق؟ ولكن، كما كان الحال سابقًا، لا تزال اليد العليا لي.»

كان مظهره لافتًا للغاية لدرجة أن أوتو، الذي رأى هذا للمرة الأولى، ارتعش بوضوح. وعند رؤيته ذلك، انحنى سوبارو بكتفيه باتجاه روزوال.

 

«كم من الوقت قضيت مع الشاب سوبارو خلال بضعة أيام فقط؟ هل جمعتما معًا رابطًا يضاهي ذلك الحب؟ بالطبع لا. كما لو أن شيئًا يمكن أن يرتفع عاليًا أو يصل إلى نفس عمق حبك— فالشيء الذي تضعه فوق كل شيء آخر، هو الذي يحمل هذه القوة.»

قال روزوال وهو يضع يده على صدره، منكرًا مزاعم سوبارو ومعلنًا أنها بعيدة عن الحقيقة.

 

 

«كلماتك هي الرخيصة كالتراب، يا روزوال.»

«كل شيءٍ في الوقت الحاضر يسير وفق ما قلتَه. وطالما بقي الأمر كذلك، فإن موقفي المتفوق لا يتغير. لا وسيلة لديك لإيقافي. في هذه اللحظة ذاتها، ألا تسمع وقع أقدام الهزيمة المألوفة تقترب منك؟»

 

 

«… ماذا؟»

«—!»

 

 

 

كان روزوال يشير ضمنًا إلى مخططه بإرسال قتلة إلى القصر. لقد ادَّعي أنه ما دام الهجوم على القصر ووجود القتلة قائمين، فإن سوبارو لا يملك أي فرصة للنصر.

«بالمقام الأول، يا قائد، لماذا أتينا كل هذه المسافة لمقابلة هذا الوغد…؟»

 

لقد سمع من قبل أن فريدريكا خرجت من الملجأ بسبب خفة دمها المختلط— بكلماتٍ أخرى، لأنها ربعية الدم. لكن.

كان شرط رهان سوبارو مع روزوال هو ألا يخسر أحدًا، لا في الملجأ ولا في القصر، وأن لا يكون هناك ضحايا.

«…»

 

 

«هذا هو التحدي الذي اقترحته بنفسك.»

 

 

 

تقدم روزوال خطوة، مصيبًا بملاحظاته مشاعر سوبارو الداخلية بلا خطأ.

 

 

 

وبحكم فرق الطول بينهما، نظر روزوال إلى سوبارو من الأعلى، محدقًا في عينيه السوداوين وهو يتابع.

«انتظر لحظة، أيها القائد.»

 

 

بقسوة، ببرودة، وكأنه يصدر حكمًا قاسيًا وعادلًا، واصل كلامه.

 

 

وبينما كان روزوال يكدس الإهانات واحدةً تلو الأخرى، لم يكن غارفيل هو مَن انفجر غضبًا، بل سوبارو.

«ماذا عن شروط رهانك؟ لقد قيَّدت أقوى أسلحتك لتصبح شخصًا عاديًا.»

 

 

«لنذهب.»

واصل روزوال تقدمه بخطى ثابتة.

—قبل أن يتحداه في رهانه الأخير، قال روزوال ذلك لسوبارو.

 

بمعنويات مرتفعة، انطلق سوبارو والآخرون بخطى متسارعة من القبر إلى المستوطنة. حيث كان العقل المدبر الذي أعدَّ كل المخطط بانتظارهم.

«كشخصٍ عادي، ما الذي يمكنك تحقيقه؟ ما الذي يمكنك زعزعته؟»

سابقًا، كان روزوال قد قال مثل هذه الكلمات لسوبارو. وكان هذا هو طابع حب روزوال. فبالنسبة له، كان هذا هو الأسلوب الوحيد للحب؛ لم يعترف بأي أسلوب آخر.

 

 

استمر روزوال، وكلماته بدأت تزداد حرارةً شيئًا فشيئًا.

التفت سوبارو نحو روزوال الذي التزم الصمت، وواصل الهجوم بجدية.

 

«وأنا أيضًا قد أنهيتُ التجهيزات. يمكننا الانطلاق في أي لحظة!»

«لن تفعل شيئًا. لا يمكنك أن تفعل شيئًا. بعد كل شيء—»

 

 

 

صمت لوهلة، وعيناه المختلفتان في اللون تحملان غضبًا متطابقًا بداخلهما، ثم أكمل.

 

 

 

«بعد كل شيء، أنت— لا شيء، أدنى من الشخص العادي!»

 

 

«—!»

صرخ بغضب، موجهًا غضبًا بسيطًا ضد كيان لا يتوافق معه.

 

 

لقد طرأ بالفعل تغيير على نفسية غارفيل. غير أن هذا التغيير لم يأتِ بسهولة؛ فمن الممكن أن تتأثر روحه بكلمات روزوال القاسية. بناءً على ذلك—

فبالنسبة لرجل عاش حياته في ظل شبح الموت الدائم، بل وتصرَّف بهدوء حتى أثناء وقوفه وسط دوامة الموت، كان قرار ناتسكي سوبارو بتجنب الموت أمرًا غير منطقي بالنسبة لروزوال، مما زاد من حنقه عليه.

 

 

 

«في النهاية، وصلت إلى هنا بفضل تلك القوة التي استخدمتها كورقة رابحة في وجه كل ما يعترض طريقك. وبإرادتك، تخلَّيت عنها لتصبح عاديًا، فما الذي يمكن لرجل غير موهوب مثلك أن يفعله؟! لن أسمح لأحد أن يحاول انتهاك قدسية المشاعر التي صقلتها على مدار أيام وشهور لا تُحصى! لن أسمح بذلك لأيٍّ من كان!»

«لماذا أشعر أنني لن أتخلص من تلك الذكرى أبدًا؟!»

 

 

كان هوس غارفيل بالملجأ هو تحريف لعشر سنوات من الحب الذي يكنُّه لعائلته.

 

 

 

أما إميليا، فقد حملت ذنوب مئة عام، بما يكفي لرغبتها في نسيانها، تتراكم فوقها مشاعر الذنب على تخلِّيها عنها.

 

 

 

وأخيرًا—

 

 

 

«عقد من الزمن، قرن، ثم أربعة قرون من حياتي— وكأن كل هذا يمكن أن يتغير بفضل رجل عادي مثلك!!»

«لن تفعل شيئًا. لا يمكنك أن تفعل شيئًا. بعد كل شيء—»

 

في تلك اللحظة، حول روزوال نظراته نحو غارفيل، ذلك الشخص الذي جسَّد التغيير حقًا. وعندما رأى أن نظراته لم تغير شيئًا في وجه غارفيل، فتح شفتيه بتعبير يشوبه الخيبة.

«… لأن المشاعر لا تتغير؟»

«كلماتك هي الرخيصة كالتراب، يا روزوال.»

 

«يا عزيزي، إنه أمر لا يجب أن يقلقك. فقد أخبرتك، أليس كذلك؟ أنني سأواجهك في حالة مناسبة مرة أخرى.»

«نعم، هذا صحيح!»

أصدر غارفيل صوتًا خفيفًا بأسنانه عندما أجابه أوتو بصوت هادئ. ثم أكمل سوبارو ما بدأه أوتو وهو يحدق في روزوال.

 

«لم أكن أتوقع حقًا أن يتخلى الماركيز عن موقفه، لكن لماذا انهارت المحادثات بهذا الشكل بينما كان من الأفضل أن تنتهي بهدوء…؟!»

«لأنك واصلت الإيمان بتلك المشاعر لفترة طويلة حقًا؟»

بدفعة بسيطة، تقدم أوتو خطوة. أخذ نفسًا عميقًا، ثم انحنى أمام روزوال.

 

«لقد سمعنا جميعًا عن ذلك من المسؤول. وهل نسيت؟»

«أجل، تمامًا كما قلت!»

 

 

وبتلك المشاعر العالقة في نظراته، واصل روزوال هجماته الكلامية على غارفيل.

حينما استفسر سوبارو، أقر روزوال بكل شيء.

 

 

 

كان يقول إن المشاعر هي شيء لا يمكن لأحد التغلب عليه. كان يقول إن المشاعر ليست شيئًا يمكن تغييره أو تعديله.

 

 

 

«…»

 

 

أثناء إجراء الفحوص النهائية لخطة أوتو، توجها إلى الكابينة لجلب شيءٍ كان غارفيل قد نسيه.

في تلك اللحظة، شعر سوبارو كأنه أخيرًا استوعب، وكأن بصره قد اخترق ستار الغموض ليكشف عمق أفكار روزوال الحقيقية.

التفت سوبارو نحو روزوال الذي التزم الصمت، وواصل الهجوم بجدية.

 

كان في صوت رام حدة، ربما لأنها اعتبرت تصرفه غير مسؤول. كان من الطبيعي أن تراها بهذا الشكل. فالتخلي عنهم في وضع مثل هذا قد يجعل إميليا غاضبة، ناهيك عن رام.

—سعى روزوال لإثبات مشاعره.

«أجل، هذا صحيح. لمجرد أنك أدخلت قطعة من خارج رقعة اللعب وأزلت غارفيل كعائق، تظن نفسك في موقفٍ متفوق؟ ولكن، كما كان الحال سابقًا، لا تزال اليد العليا لي.»

 

كان أهل قرية إيرلهام قد تكدسوا هناك، منهمكين في همسات ونقاشات متفرقة. وأمام هؤلاء اللاجئين المتجمعين كان سوبارو ورفاقه، وإذا أرادت وصف ما كانوا يفعلونه بكلمات—

لقد آمن أن هذا هو السبيل الوحيد لفهم قيمة المشاعر، وأراد تصديق أن مشاعر الآخرين يمكن أن تثبت صحة مشاعره الخاصة. ولهذا السبب، أراد من غارفيل أن يبقى غارقًا في ضعفه، متشبثًا بمشاعره بشدة كمَن يخاف تبددها، آملًا أن يبقى على تلك الحال. فقد أراد وبشدة أن يتشبث الآخرون بمشاعرهم كما يفعل هو.

وأخيرًا—

 

لقد جعل من أماني عائلته العتيقة رغبته الخاصة، ولهذا عاش دومًا مستندًا إلى ذلك. سار هذا العبقري في طريقٍ كان أي شخصٍ عادي ليتخلى عنه دون أدنى تردد.

«ما أمرك يا روزوال؟»

 

 

—كان هذا ما أراد أن يؤمن به.

كانت مشاعر روزوال مركزة، توجهت نحو الشخص الذي يكن له حبًا عميقًا.

وهو—

 

«هذا سيء. كنت أريد إيقاف الهجوم على القصر، لكن بدا وكأنه يقول، ابتعدوا— لقد فات الأوان للتراجع الآن.»

بأملٍ أن تكون مشاعره ذاتها مبرَّرة، بات يميل إلى دعم أولئك الذين يخلصون لأحبتهم.

 

 

«—بكاؤها سيء لدرجة أنني لا أرغب في رؤيته مجددًا!!»

ولو تأملنا قليلًا، لوجدنا أن هذا كان حاله دومًا. مشاعر سوبارو تجاه إميليا، ومشاعر ريم تجاه سوبارو… روزوال كان دومًا متقبلًا لتلك الأشياء، أليس كذلك؟

«—بكاؤها سيء لدرجة أنني لا أرغب في رؤيته مجددًا!!»

 

«…»

فروزوال كان مؤمنًا بفكرةٍ عميقة: قوة المشاعر، وقيمة الروابط التي تجمع القلوب.

 

 

ولكن قطعة غير متوقعة من الخارج قفزت إلى لوح لعبه، الذي كان قد رتبه بعناية كآلة دقيقة—

كان يؤمن بتلك الروابط، وبفكرة الاعتزاز بالآخرين، ربما أكثر من أي أحد آخر، ومع ذلك—

 

 

«—أنت حقًا كما حكمت عليك، يا ناتسكي سوبارو.»

«لماذا ترى المشاعر مجرد ضعف؟ أنت تعلم كم من القوة والعزم يتطلبه الاحتفاظ بمشاعر لأحدهم لفترة طويلة. فلماذا تركز على كونها مصدرًا للضعف؟»

 

 

تقدم روزوال خطوة، مصيبًا بملاحظاته مشاعر سوبارو الداخلية بلا خطأ.

«—لأن هذا هو ما أؤمن به.»

 

 

 

أجاب روزوال بنبرة تتخللها العواطف المتقدة، فيما اشتد بريق الغضب في عينيه الزرقاء والصفراء، ليصبح وهجًا متقدًا يمور بالغضب.

عندما زأر غارفيل بتوتر، لم يرد سوبارو سوى بابتسامة متجاهلة ليعبر له عن رأيه.

 

كان هذا غير دقيق بعض الشيء. الأدق أن أوتو كان مسؤولًا عن إثارة الوضع الذي أدى إلى انضمامه إلى سوبارو في هذا الاجتماع— وبالتالي تدمير ترتيب روزوال على نحو كارثي.

—قبل أن يتحداه في رهانه الأخير، قال روزوال ذلك لسوبارو.

«حسنًا، لم أعرف لأنك لم تخبرتني بكل هذا، لذا اللوم يقع عليك، أيها القائد! إنه تمامًا مثلما انهار إيبشيز بسبب قلة الكلام!»

 

«هذا الرد لا يبعث على الطمأنينة، أرجو أن تعلم!!»

«من المستحيل أن أكرهك. أثق بك من أعماق قلبي

 

 

 

لكن في تلك اللحظة، اشتعلت عيناه بالغضب كأنها تلتهم الرجل الذي بات هو أبغض مخلوقٍ في حياته.

 

 

 

«تمامًا كما تؤمن بقوة الآخرين، أؤمن أنا بالبقاء ضعيفًا! لأنني أرى أن البشر كائنات ضعيفة، هشة، ضئيلة، لا تقوى على تحقيق شيء دون أن تتشبث بشيءٍ واحدٍ مهم!»

 

 

«بفضل الشاب أوتو، تمكنت من استعادة توازنك، مما جعلك تميل لتحديني في مواجهة أخيرة، أليس كذلك؟»

«…»

 

 

 

«لقد نذرت مشاعري طيلة أربعمئة عام لامرأة واحدة. ومدة انقطاعي عن لمسها تفوق بكثير الأيام التي قضيناها معًا، لكن صورتها لا تزال محفورة في كياني. لقد احترقت روحي منذ ذلك الحين. منذ يوم فراقنا، وظل قلبي محطمًا، ولم يتغير شيء في داخلي أبدًا!!»

 

 

 

حمل صوته قوة مرعبة، حتى بدت الغرفة الضيقة وكأنها تهتز بوقع كلماته.

تبادلا النظرات. لقد تلاشت المشاعر الجياشة إلى مكان ما، وبدا روزوال بنظرات هادئة وهو يتطلع إلى سوبارو.

 

 

لم يرَ سوبارو من قبل روزوال يعبر عن مشاعره بهذه الصراحة، حتى إنه لم يكن يتخيل أن مثل هذا يمكن أن يحدث. ولهذا، كانت رؤيته بهذه الحالة تسبب لسوبارو ألمًا شديدًا.

تلك الكلمات اللاذعة، التي بدت وكأنها ستشق جرحًا في قلب غارفيل، جعلت سوبارو يندم للحظة واحدة على إحضاره معه—وونعم. ندمه استمر للحظة واحدة فقط.

 

 

أربعمئة عام— وفقًا لما قالته شيما، كانت هذه هي المدة التي قامت فيها أسرة ميزرس بحماية الملجأ، جيلًا بعد جيل، كما طلبت منهم الساحرة إيكيدنا.

«أولًا تغيير في القلب والآن تحدٍ؟ تلك المشاعر التي قدَّمتها على مدار عشر سنوات طويلة ليست بالزمن القصير. أتساءل، إلى أين تلاشت تلك المشاعر؟»

 

 

وكما أن كل رأس عائلة في أسرة ميزرس ورث اسم روزوال، فقد ورث أيضًا مهمة حماية الملجأ. ارتبط الاسم بالمهمة، وتمازج المعنى العميق خلفها.

 

 

الآن أدرك سوبارو أن هذه هي المرة الأولى التي يرى فيها أوتو مثل هذا المشهد.

لقد جعل من أماني عائلته العتيقة رغبته الخاصة، ولهذا عاش دومًا مستندًا إلى ذلك. سار هذا العبقري في طريقٍ كان أي شخصٍ عادي ليتخلى عنه دون أدنى تردد.

 

 

 

كان التقدير البسيط والحب نحو معلمٍ كريم قد تحول إلى لعنة تُقيد سلالة كاملة، لتنجب شيطانًا.

 

 

«—بكاؤها سيء لدرجة أنني لا أرغب في رؤيته مجددًا!!»

هذا هو الرجل الذي ورث أماني أسرة ميزرس الممتدة لأربعمئة عام— روزوال إل ميزرس.

أما إميليا، فقد حملت ذنوب مئة عام، بما يكفي لرغبتها في نسيانها، تتراكم فوقها مشاعر الذنب على تخلِّيها عنها.

 

«…»

«… لا يزال التفوق بيدي. قد يحتوي المكتوب بعض الخطأ، فما أهمية ذلك؟ إن ما أسعى إليه هو النتائج. والشروط لم تتغير بشكلٍ جوهري، ولن تحقق أهدافك أبدًا دون أن تتغير، بضعفك البشري.»

 

 

 

بعد أن أخذ بعض الوقت ليلتقط أنفاسه، استعاد صوته تماسكه وثباته.

«أأتحمل المسؤولية فقط لوجودي؟!»

 

وكيف يمكنه أن ينسى؟ ذلك الوجه— كان النسخة المطابقة لوجه إميليا.

ورغم ذلك، لم يتراجع عن إصراره، فلم يقبل طلب الاستسلام، ولم يرَ أن ميزان القوى سيتغير في المستقبل القريب. وأعظم دليل على يقين روزوال في انتصاره كان—

 

 

 

«—لم تنتهِ المنافسة ما دام الركن الأساسي الذي يرتكز عليه كلانا ما زال قائمًا.»

 

 

«هذا سيء. كنت أريد إيقاف الهجوم على القصر، لكن بدا وكأنه يقول، ابتعدوا— لقد فات الأوان للتراجع الآن.»

كان روزوال يُشير ضمنيًا إلى أن أساس ثقته في انتصاره يكمن في الفتاة التي تخوض المحاكمة في تلك اللحظة. تمامًا كما آمن بضعف البشر وضعف غارفيل، آمن بضعفها.

لقد طرأ بالفعل تغيير على نفسية غارفيل. غير أن هذا التغيير لم يأتِ بسهولة؛ فمن الممكن أن تتأثر روحه بكلمات روزوال القاسية. بناءً على ذلك—

 

بصراحة، هزَّ روزوال رأسه نافيًا طلب سوبارو.

لقد آمن بأن إميليا ضعيفة، هشة، ستظل عاجزة عن مواجهة ندمها وتجاوزه.

«—يا رجل، كلماتك ضعيفة للغاية، يا روزوال.»

 

«هذا هو الوضع… لكن أليس هذا غريبًا بعض الشيء؟ عادةً، ستكون البطلة الرئيسية هي مَن تظهر لمساندتي. ألا يخذل ذلك توقعات الجمهور إذا كان هناك شخصية ذكورية تدعوني للصمود؟»

«—لا تستخف بإميليا، يا روزوال.»

 

 

 

تدخل سوبارو للحديث بعد أن تملكه الغضب مما قاله روزوال، وقد تأججت مشاعره من دفاعه عن إميليا. لم يكن بمقدوره أن يبقى صامتًا، تمامًا كما قررت إميليا التوقف عن الخوف.

 

 

«لأنك واصلت الإيمان بتلك المشاعر لفترة طويلة حقًا؟»

«إميليا لن تتصرف كما تريد بعد الآن. تلك الفتاة ستتغلب على كل عقبة تقف في طريقها.»

كانت خطة روزوال تنهار، والقضايا التي تحيط بالملجأ والقصر تقترب من نهايتها. وإذا قبل روزوال طلب استسلامه، فيمكنهم إنهاء كل شيء.

 

 

«كما لو كان بإمكانها ذلك. بلا أحد تعتمد عليه، ستسحقها أوجاعها. أملها العظيم في التغيير سيتلاشى في الحزن، وستلتجئ إليك باكية… وهذا ما يناسبها.»

 

 

 

«ليس هناك امرأة يناسبها وجه باكٍ. هل رأيت وجه إميليا عندما تبكي؟…»

توهجت عيناه اليشميتان كاللهب وهو يبتسم، مكشرًا عن أنيابه.

 

《٢》

لقد أشعلت كلمات روزوال نيران الغضب في قلب سوبارو.

 

 

 

— ذكره روزوال بتلك اللحظة في القبر قبل أن يحتد النقاش بينهما.

 

 

 

رأى كيف كانت إميليا مثقلة بالمسؤوليات الجسيمة، وكيف نهش الحزن قلبها لابتعادها عن باك. رأى التعبير على وجهها وهي تحدق في سوبارو، ودموع الألم الجارفة تغمر عينيها—

لم تكن زعيمة القرية وحدها، بل كل أهل القرية وضعوا ثقتهم فيها.

 

 

«—بكاؤها سيء لدرجة أنني لا أرغب في رؤيته مجددًا!!»

 

 

كان أهل قرية إيرلهام قد تكدسوا هناك، منهمكين في همسات ونقاشات متفرقة. وأمام هؤلاء اللاجئين المتجمعين كان سوبارو ورفاقه، وإذا أرادت وصف ما كانوا يفعلونه بكلمات—

«ستتعذب، ستُقيَّد، فهذا هو قدر نصف الجان. إنها اللعنة التي تحملها لكونها وُلدت من نفس سلالة ساحرة الحسد. من المحتم أن تكون مكروهة كساحرة.»

«ماذا تعني بما الأمر؟ كان عليك قول هذا من قبل، يا لك من…! لو كنت تعرف هذا، لكان… أنت… أنت…!!»

 

 

«أغلق فمك. أي شيء في تلك الفتاة يجعلها ساحرة؟ أين تلك الساحرة التي تتحدثون عنها بلا توقف؟»

 

 

 

ذات مرة، كان روزوال هو مَن صاح، كاشفًا عن مشاعره الشرسة. أما الآن، فقد جاء دور سوبارو.

 

 

 

رفع رأسه، وأمسك بياقة روزوال، محدقًا في عينيه المتباينتين بغضب محتدم، مستخدمًا في نظراته تلك الشراسة التي ورثها من والدته.

—كان وجهه مطليًا باللون الأبيض، مع خطوط عيون مريبة وشفاه محمرة. كان هذا هو مظهر المهرج الذي اعتاده سوبارو.

 

«ماذا تعني بما الأمر؟ كان عليك قول هذا من قبل، يا لك من…! لو كنت تعرف هذا، لكان… أنت… أنت…!!»

«لا يعجبني. لا، لا يعجبني هذا العالم كله في هذه اللحظة. إذا كنتم ستسمون تلك الفتاة بالساحرة—! إذا كان هذا ما تريدونه جميعًا، فأنتم من سيجعلها ساحرة، إذا استمريتم في ترديد أنها ضعيفة، أنها مكروهة، أن خطأها الوحيد أنها وُلدت بشيء لا تستطيع تغييره، فأنتم مَن سيجعلها مسكينة مسلوبة الإرادة!!»

الصوت الذي وصل إليهم عبر الباب جعلهم يتنفسون بصعوبة. نظر سوبارو إلى أوتو وغارفيل، متفحصًا التوتر في عيونهما.

 

 

في مؤخرة ذهنه، تذكر حفل الشاي مع الساحرات— سبع ساحرات من الماضي حملن أسماء الخطايا السبع المميتة.

كان صوته هادئًا، لكنه كان يضجُّ بحرارة. ما بدأ كتأنيبٍ على تغيير القلب تحوَّل إلى مناشدة، رغبةٍ صادقة؛ مجرَّد الاستماع إليه كان يكفي لأن يشعل في القلب شعورًا بالحزن.

 

«…»

تيفون، دافني، مينيرفا، سيكميت، كارميلا، إيكيدنا.

 

 

 

وقبل أن يتلاشى ذلك العالم، كانت ساتيلا، التي أغدقت عليه بالحب حتى النهاية.

تقدم روزوال خطوة، مصيبًا بملاحظاته مشاعر سوبارو الداخلية بلا خطأ.

 

بقي روزوال وحيدًا تمامًا. ربما رأى غارفيل في ذلك أمرًا ذا مغزى وهمس بصوت خافت أشبه بالهمسات المرافقة للتفكير.

وكيف يمكنه أن ينسى؟ ذلك الوجه— كان النسخة المطابقة لوجه إميليا.

«مَن كان الذي أخذ على عاتقه تحريرنا، يا ترى؟»

 

 

«هل قال أحدهم لها، ولو لمرة واحدة، إن كل شيء على ما يرام؟! عندما تحزن، عندما تتألم، هل قيل لها إنه من حقها أن تبكي؟! وأنه إن عجزت عن مسح الدموع عن خديها، فهناك مَن يقف بجانبها ليفعل ذلك… أنه هناك مَن سيعتني بها؟! هل قال أحدكم لها ذلك؟!»

ثم توقف للحظة، قبل أن يثبت نظره على غارفيل.

 

 

لم يسمح أحد لإميليا أن تبكي، رغم أنها كانت تحمل في قلبها تراكمات مريرة من الألم والمعاناة والحزن. ولهذا السبب، عندما بكت، كان بُكاؤها سيئًا للغاية. كبح صوت النحيب، إخفاء وجهك الباكي… كانت هذه الأشياء تُفعل كوسيلة لحماية نفسك أثناء البكاء، أشياء تتعلمها حينما يجعلك الناس تبكي مرارًا وتكرارًا.

أربعمئة عام— وفقًا لما قالته شيما، كانت هذه هي المدة التي قامت فيها أسرة ميزرس بحماية الملجأ، جيلًا بعد جيل، كما طلبت منهم الساحرة إيكيدنا.

 

«سأتذكرك، يا أوتو— في المرة القادمة، لن أفقدك من نظري أبدًا.»

قضت أيامها في جهلٍ بكل هذا، ولذلك كانت تلك الفتاة سيئة في البكاء.

أنكر روزوال غارفيل، الذي نمَّى حبه لعشر سنوات، ليجد في النهاية أن استنتاجه كان خاطئًا وأنه بحاجة إلى شيء جديد.

 

«—؟»

«إذا كان لا أحد سيقوم بذلك، فسأفعلها أنا. هذه المشاعر… هذه اللعنة! هل تظن أنه ليس هناك مجال لتغييرها يومًا؟! سنخرجها من قلبك مهما كلف الأمر!»

كان أوتو موجودًا. وكان غارفيل موجودًا. هذان العنصران وحدهما قد غيَّرا الوضع.

 

 

دافع سوبارو عن نفسه ودفع روزوال بقوة، مشيرًا بإصبعه نحو السماء.

«…»

 

«أرى، إذًا الأمر حرفيًا طلاء حرب بالنسبة لك… لحظة، هل تتحدث بجدية؟ لا تقول ذلك على سبيل المزاح؟»

كان من الغريب أن هذه الوضعية التي اتخذها سوبارو هي ذاتها التي اتخذتها إميليا في نفس اللحظة، وهي تواجه الكلمات الخبيثة التي كانت تُلقى عليها داخل المحاكمة.

«ليس هناك امرأة يناسبها وجه باكٍ. هل رأيت وجه إميليا عندما تبكي؟…»

 

 

«—أنا ناتسكي سوبارو! فارس إميليا نصف الجان ذات الشعر الفضي!»

 

 

أربعمئة عام— وفقًا لما قالته شيما، كانت هذه هي المدة التي قامت فيها أسرة ميزرس بحماية الملجأ، جيلًا بعد جيل، كما طلبت منهم الساحرة إيكيدنا.

في الماضي، نطق ناتسكي سوبارو بهذه الكلمات دون قناعة حقيقية، ما دفع جمعًا كبيرًا للسخرية من جرأته المتهورة. وعندما تذكر نفسه في ذلك الوقت، أدرك أنه كان أقل وعيًا حتى من الآن.

«روزوال.»

 

 

لكن شيئًا واحدًا قد تغير منذ ذلك الحين.

 

 

كان التقدير البسيط والحب نحو معلمٍ كريم قد تحول إلى لعنة تُقيد سلالة كاملة، لتنجب شيطانًا.

—مهما ضحكوا، ناتسكي سوبارو لن يشعر بالخجل من عزيمته.

 

 

بصراحة، هزَّ روزوال رأسه نافيًا طلب سوبارو.

«إميليا قادمة، يا روزوال. الفتاة التي تظن بإصرار أنها ضعيفة قادمة لقطع آخر خيط من أملٍ تتمسك به.»

على أية حال، كان الحذر الداخلي لروزوال تجاه أوتو قد ازداد على نحوٍ حاد. وفي الوقت نفسه، أصبح واضحًا بصورة كبيرة كيف تغيرت الأمور ولماذا طالبوه بالاستسلام.

 

«نعم! أرجوك، توقف هنا!»

«…»

تبادل سوبارو وأوتو نظرات عابسة وأطلقا تنهيدة. عقد غارفيل حاجبيه، ليس من الدهشة، بل لأنه شعر بالضيق من سلوكهما الكئيب.

 

رفض كل من سوبارو وروزوال فلسفة الآخر التي تتعارض مع فلسفته، وابتعدا عن بعضهما البعض. من تلك النقطة، ستكون الأفعال وليست الكلمات هي التي ستثبت صحة ادعاءاتهما.

«هكذا ستُجردك من كل ضعفٍ تتمسك به، وعندما تصل إلى الحضيض وتسمح لنا أخيرًا بالحديث معك… حينها ستكون مستعدًا للاستماع. هذا ما أؤمن به.»

لو كان غارفيل هو نفس الشخص قبل لحظات، لكانت تلك الإهانات القاسية قد أثارت فيه نوبة غضب. ولكنه هنا، يتجاهلها وكأنه يزيح نسيمًا دافئًا.

 

«لماذا ترى المشاعر مجرد ضعف؟ أنت تعلم كم من القوة والعزم يتطلبه الاحتفاظ بمشاعر لأحدهم لفترة طويلة. فلماذا تركز على كونها مصدرًا للضعف؟»

قلب روزوال العنيد لم ينكسر، رغم أنه شهد إصرار وعزيمة سوبارو.

«—بكاؤها سيء لدرجة أنني لا أرغب في رؤيته مجددًا!!»

 

 

لقد كان كما أكَّد مرارًا وتكرارًا حتى تلك اللحظة. أربعة قرون من الزمن المتراكم لم يكن من الممكن تغييرها بكلمة أو فعل واحد.

وكأنه يرد الدين، كان غارفيل هذه المرة هو مَن وجه شفرة من الكلمات نحو روزوال. ثم أظهر أنيابه وأعلن مشاعره لروزوال، ليس كمنافس له في الحب، بل كعقبة تقف في طريقه.

 

 

تمامًا كما بدأت كلمات وأفعال غارفيل خلال عشرة أعوام وإميليا على مدار مئة عام تحركان الأمور، فبأفعال سوبارو والآخرين ستصل كلماتهم إلى روزوال الذي عاش لأربعمائة عام.

«…»

 

ما دفع روزوال إلى هذا الوضع لم يكن مجرد وجود أوتو.

—كان هذا ما أراد أن يؤمن به.

لكن في تلك اللحظة، اشتعلت عيناه بالغضب كأنها تلتهم الرجل الذي بات هو أبغض مخلوقٍ في حياته.

 

 

«—أنت حقًا كما حكمت عليك، يا ناتسكي سوبارو.»

«… ماذا؟»

 

رأى كيف كانت إميليا مثقلة بالمسؤوليات الجسيمة، وكيف نهش الحزن قلبها لابتعادها عن باك. رأى التعبير على وجهها وهي تحدق في سوبارو، ودموع الألم الجارفة تغمر عينيها—

«ماذا؟»

«…»

 

 

بعد أن أنهى سوبارو حديثه، نادى روزوال اسمه بهدوء.

لكن كان غارفيل نفسه هو مَن أوقف سوبارو الغاضب.

 

«هل تعدون عربات التنين لتنسلَّوا ليلًا؟ الآن، وفي هذا الوقت تحديدًا؟»

تبادلا النظرات. لقد تلاشت المشاعر الجياشة إلى مكان ما، وبدا روزوال بنظرات هادئة وهو يتطلع إلى سوبارو.

 

 

أجاب سوبارو على استفسار رام بينما كان يُعدُّ تنينه المحبوب ذو اللون الأسود الحالك، باتلاش، لجر عربة بتنينين. أثارت إجابته دهشة رام، التي رفعت حاجبها متسائلة.

ثم، تحت نظرة سوبارو المستفسرة، ارتجفت شفاه روزوال.

«هذا سيء. كنت أريد إيقاف الهجوم على القصر، لكن بدا وكأنه يقول، ابتعدوا— لقد فات الأوان للتراجع الآن.»

 

«لا يعجبني. لا، لا يعجبني هذا العالم كله في هذه اللحظة. إذا كنتم ستسمون تلك الفتاة بالساحرة—! إذا كان هذا ما تريدونه جميعًا، فأنتم من سيجعلها ساحرة، إذا استمريتم في ترديد أنها ضعيفة، أنها مكروهة، أن خطأها الوحيد أنها وُلدت بشيء لا تستطيع تغييره، فأنتم مَن سيجعلها مسكينة مسلوبة الإرادة!!»

«أنت وأنا متشابهان. أعني في مسألة التضحية بمبادئنا لأجل مَن نحب.»

 

 

عند جذب انتباه روزوال له للمرة الأولى، بدا أن وجه أوتو قد اشتد قليلًا. جعلته كلماته يتساءل روزوال، الذي رفع رأسه وأمال عنقه بتعبير نادر من الحيرة البسيطة.

«—أنت تؤمن بالضعف. وأنا أؤمن بالقوة. هذه هي الطريقة الوحيدة التي أوافق فيها على أننا متشابهان.»

«في النهاية، وصلت إلى هنا بفضل تلك القوة التي استخدمتها كورقة رابحة في وجه كل ما يعترض طريقك. وبإرادتك، تخلَّيت عنها لتصبح عاديًا، فما الذي يمكن لرجل غير موهوب مثلك أن يفعله؟! لن أسمح لأحد أن يحاول انتهاك قدسية المشاعر التي صقلتها على مدار أيام وشهور لا تُحصى! لن أسمح بذلك لأيٍّ من كان!»

 

 

رفض كل من سوبارو وروزوال فلسفة الآخر التي تتعارض مع فلسفته، وابتعدا عن بعضهما البعض. من تلك النقطة، ستكون الأفعال وليست الكلمات هي التي ستثبت صحة ادعاءاتهما.

«الرغبات لا تتلاشى ببساطة في الهواء. إن كنت تحبها حقًا، فإن مشاعرك لن تتغير مطلقًا. أهي عشر سنوات من العمل يمكن أن تتغير بسهولة هكذا؟»

 

 

«لنذهب.»

 

 

 

انتهى الحديث. نادى سوبارو على الرفيقين الذين كانا برفقته وخرج من الغرفة. تبعه أوتو بصمت، أما غارفيل، الذي خرج أخيرًا، فقد ألقى نظرة واحدة أخيرة على روزوال.

تحت هتافات التشجيع من القرويين، اندفعت عربة التنين في ظلمة الليل نحو الغابة، والطريق… والقصر.

 

 

بقي روزوال وحيدًا تمامًا. ربما رأى غارفيل في ذلك أمرًا ذا مغزى وهمس بصوت خافت أشبه بالهمسات المرافقة للتفكير.

كان غارفيل يشعر بالضيق لعدم تمكنه من متابعة المحادثة، لكن تعابير وجهه تبدلت في لحظة.

 

«تقصدني؟»

«—أحمق غبي.»

«التدفق تغير بفضل صديقي، الذي يبدو تافهًا لدرجة أنه لم يُسجل في كتاب نبوءتك.»

 

 

٤

 

 

 

مع انتهاء المفاوضات بالفشل، خرج سوبارو ورفاقه من المبنى، وتبادلوا الأفكار بتوترٍ واضح.

 

 

«نعم، هذا صحيح!»

كانت تبادل الكلمات السابقة قد سمح لكل منهم بأن يكشف عن عزيمته ومشاعره الحقيقية تجاه الآخر. كانت دوافع روزوال واضحة، وقد نجح خلال هذه اللحظات القصيرة والمكثفة في إعادة توازن القوى إلى مستوى متساوٍ بين الطرفين.

 

 

 

ونتيجة لهذا التبادل، كان هناك شيء واحد يمكن لسوبارو أن يجزم به بثقة.

 

 

 

«هذا سيء. كنت أريد إيقاف الهجوم على القصر، لكن بدا وكأنه يقول، ابتعدوا— لقد فات الأوان للتراجع الآن.»

 

 

 

«لا يمكنني إنكار أن الهدف الأصلي تحول إلى مفاوضات ناقصة في منتصف الطريق…»

 

 

 

«مهلًا، لا تلقي باللوم كثيرًا على القائد، أخي. بالنسبة لمعاييره، لقد أجاد في الرد. أنا شخصيًا استمتعت فقط بالاستماع إلى ما قاله.»

«غارفيل واجه ماضيه. ووجوده هنا كنتيجة لذلك لا يعني أن مشاعره تجاه عائلته طوال السنوات العشر قد ضعفت. أنا متأكد من أن قوة مشاعره لم تتغير. لكنها لم تتغير، بل هو الذي تغير. هل هذا أمر يصعب تصديقه؟»

 

لكن عند توضيح هذا لغارفيل، تجعد أنفه بتحدٍ، غير مبالٍ.

«لولا أن المكان مخصص لحل الأمور سلميًا، لكنت اتفقت معك تمامًا…!»

«أنا استثناء— الحاجز الذي يمنع ”الناس المختلطين“ من المرور لا يؤثر عليَّ. مثل أختي الكبيرة، أنا ابن لأب من دم مختلط وأم بشرية. دمي خفيف، فلا يعمل علي الحاجز.»

 

 

عندما حاول سوبارو التفكير في سبب تصاعد الأمور، شجعه غارفيل بلا مسؤولية، مما جعل أوتو يمسك رأسه بحيرة حقيقية.

 

 

 

«لم أكن أتوقع حقًا أن يتخلى الماركيز عن موقفه، لكن لماذا انهارت المحادثات بهذا الشكل بينما كان من الأفضل أن تنتهي بهدوء…؟!»

 

 

«لا داعي للقلق، يا سيد سوبارو.»

«بالتأكيد، ارتكبنا أنا وغارفيل بعض الأخطاء هناك، لكن المسؤولية تقع على عاتقك أيضًا، أليس كذلك؟»

لكن بالمقابل، كان من الضروري استخدام مجموعة من التدابير المضادة لمواجهة المشاكل المتعددة التي ما زالت قائمة في الملجأ. كان قد أعد جميع الترتيبات، ولكن —

 

«—أنا ناتسكي سوبارو! فارس إميليا نصف الجان ذات الشعر الفضي!»

«مسؤوليتي؟ لم أفعل شيئًا يستدعي…»

 

 

لقد آمن أن هذا هو السبيل الوحيد لفهم قيمة المشاعر، وأراد تصديق أن مشاعر الآخرين يمكن أن تثبت صحة مشاعره الخاصة. ولهذا السبب، أراد من غارفيل أن يبقى غارقًا في ضعفه، متشبثًا بمشاعره بشدة كمَن يخاف تبددها، آملًا أن يبقى على تلك الحال. فقد أراد وبشدة أن يتشبث الآخرون بمشاعرهم كما يفعل هو.

«حسنًا، أعني أنك كنت موجودًا، أليس كذلك؟»

ومع تزايد الغضب في عينيه، أعلن روزوال أن الحرب ستستمر.

 

«…»

«أأتحمل المسؤولية فقط لوجودي؟!»

 

 

كان هوس غارفيل بالملجأ هو تحريف لعشر سنوات من الحب الذي يكنُّه لعائلته.

كان هذا غير دقيق بعض الشيء. الأدق أن أوتو كان مسؤولًا عن إثارة الوضع الذي أدى إلى انضمامه إلى سوبارو في هذا الاجتماع— وبالتالي تدمير ترتيب روزوال على نحو كارثي.

 

 

«تجعلني أبدو سيئًا جدًا… بغض النظر عن الفوز أو الخسارة؛ التصرف بمكر مثل روزوال بالتأكيد فكرة سيئة. ماذا لو بدأ الناس بإلقاء البيض عليَّ كلما عدت إلى المنزل؟»

ورغم أن أوتو ليس لديه أي فكرة عن ما يجري في الخلفية، فإن تحميله المسؤولية جعله متأكدًا من أن التهمة كانت ظالمة.

 

 

«هذا ينطبق عليك أيضًا…؟ ولكنني سمعت أنك وفريدريكا من والدين مختلفين!»

«على أي حال، ليس هذا وقت التبادل بالمزاح. روزوال لن يوقف الهجوم على القصر. هذا يعني أننا بحاجة إلى العودة إلى هناك فورًا دون إضاعة لحظة واحدة. هذا ما يعنيه، ولكن…»

 

 

 

سقوط المفاوضات يعني أن المشاكل المختلفة المحيطة بالقصر ستستمر بلا توقف. وكما قال روزوال، إذا لم ينجحوا في منع الهجوم، فسينتهي الصراع حتمًا بهزيمة سوبارو.

 

 

 

لم يبقَ وقت يذكر قبل أن تهاجم إلزا وميلي، القتلتان المرسلتان من قبل روزوال، القصر.

«الحاجز؟… لا مشكلة. الحاجز لا يؤثر عليَّ بسبب تركيبتي، فهمت؟»

 

ولو تأملنا قليلًا، لوجدنا أن هذا كان حاله دومًا. مشاعر سوبارو تجاه إميليا، ومشاعر ريم تجاه سوبارو… روزوال كان دومًا متقبلًا لتلك الأشياء، أليس كذلك؟

بينما كان سوبارو يجز على أسنانه بقلق، صاح غارفيل فجأة، «انتظر قليلًا.»، وهو يكشف عن أنيابه بنبرة حادة.

 

 

 

«لم أحصل على تفسير واضح، لكن التفكير في أن هذا الوغد لديه خطة تعرض الناس في القصر للخطر… بما فيهم أختي الكبيرة، هذا يكفي، صحيح؟»

 

 

 

«—. نعم، هذا صحيح. لقد أرسل قتلة إلى القصر، وهم ماهرون للغاية. ليس لديَّ فرصة لمواجهتهم. لذلك أنا بحاجة إلى قوة قتالية…»

 

 

 

«حديث مختصر إذًا. لنوقف الأحاديث ونذهب إلى القصر الآن.»

 

 

—فالمطالبة بالاستسلام لا تعني شيئًا أقل من الاعتراف الرسمي بالهزيمة.

«مهلًا، استمع إلي! حتى لو عدنا، ليس لدينا القوة القتالية الكافية! سيزيد هذا فقط عدد الضحايا!»

«تجعلني أبدو سيئًا جدًا… بغض النظر عن الفوز أو الخسارة؛ التصرف بمكر مثل روزوال بالتأكيد فكرة سيئة. ماذا لو بدأ الناس بإلقاء البيض عليَّ كلما عدت إلى المنزل؟»

 

«لماذا أشعر أنني لن أتخلص من تلك الذكرى أبدًا؟!»

«آه؟! عم تتكلم، قائد؟ هل تقول أنني لست كافيًا…؟!»

كانت كلمات روزوال كالسيف، يستخدمها كمحاولة لإثارة ما يكمن في أعماق قلب غارفيل. مثل أداة جراحية لفتح الصدر واستخراج الأعضاء الداخلية، هدفت كلماته الماكرة إلى كشف رغبات غارفيل للجميع.

 

 

«نعم! أرجوك، توقف هنا!»

 

 

 

تدخل أوتو في الحوار المتصاعد، وأوقف حججهم في منتصف الطريق. بعد ذلك، نظر إلى وجوههم بنظرة حادة، وقال: «أتعلم؟ من الواضح أن سياق المحادثة قد تغير، لكن هل تدرك هذا، غارفيل؟»

 

 

 

«أدرك ماذا؟»

 

 

 

«الذهاب لمساعدة القصر يعني مغادرة الملجأ. والسيدة إميليا في خضم تحديها، لكن حاجز القبر لا يزال سليمًا، لذا إذا منعك الحاجز…»

أجاب روزوال بنبرة تتخللها العواطف المتقدة، فيما اشتد بريق الغضب في عينيه الزرقاء والصفراء، ليصبح وهجًا متقدًا يمور بالغضب.

 

 

أومأ أوتو مشيرًا إلى أن المسألة محسومة، كاشفًا عن الثغرة في تفكير غارفيل.

 

 

كان غارفييل، الذي خيب أمله، يقف خلف سوبارو وأوتو، متخذًا وضعًا جاهزًا لأي ظرف طارئ، بحيث يمكنه حمايتهما في أي لحظة. وهذا ما جعل روزوال يتنهد بامتعاض واضح.

لكن عند توضيح هذا لغارفيل، تجعد أنفه بتحدٍ، غير مبالٍ.

وسط توتر لم يكن بإمكان مزحة عابرة تبديده، دخل الثلاثة إلى المبنى. كان الهواء داخله جافًا. شعروا بوجود شخص خلف الباب الموجود في نهاية المبنى—  ذلك الشخص هو روزوال.

 

عندما حاول سوبارو التفكير في سبب تصاعد الأمور، شجعه غارفيل بلا مسؤولية، مما جعل أوتو يمسك رأسه بحيرة حقيقية.

«الحاجز؟… لا مشكلة. الحاجز لا يؤثر عليَّ بسبب تركيبتي، فهمت؟»

«…»

 

 

«—هاه؟»

«كنت متحمسًا لزيارتنا لدرجة أنك ارتديت أفضل زي لاستقبالنا. سأخجل من ذلك.»

 

«لم أكد لأربعمائة عام كي أُهزم لمجرد تبدُّل طفيف في الظروف.»

عندما لمس غارفيل أحد أنيابه بإصبعه وقدم تفسيرًا مختصرًا، نطق سوبارو وأوتو برد فعلٍ متطابق. تحت وطأة نظراتهما المستفسرة وأصواتهما المتسائلة، قال غارفيل: «أقصد.»، وهو ينقر بلسانه.

 

 

«لماذا أشعر أنني لن أتخلص من تلك الذكرى أبدًا؟!»

«أنا استثناء— الحاجز الذي يمنع ”الناس المختلطين“ من المرور لا يؤثر عليَّ. مثل أختي الكبيرة، أنا ابن لأب من دم مختلط وأم بشرية. دمي خفيف، فلا يعمل علي الحاجز.»

 

 

 

وبالتالي، ليس هناك ما يمنعهم من الذهاب لدعم القصر في تلك اللحظة، حتى دون رفع الحاجز.

صرف غارفيل نظره بعيدًا وهمس بصوت منخفض. كان من المؤكد أن غارفيل وروزوال يعرفان بعضهما منذ أكثر من عقد. لم يكن باستطاعة سوبارو فهم تعقيدات المشاعر بينهما بمجرد نظرة خارجية.

 

«إذًا، ما الذي تنوي فعله الآن؟»

ومع إفصاح غارفيل المباشر عن ظروف ولادته، وجد سوبارو نفسه في حيرةٍ تامة.

 

 

 

لقد سمع من قبل أن فريدريكا خرجت من الملجأ بسبب خفة دمها المختلط— بكلماتٍ أخرى، لأنها ربعية الدم. لكن.

تذكر. لقد بدا كأنه مضى وقت طويل على ذلك، حيث كان ذلك في اليوم الأول الذي زاروا فيه هذا المكان— هناك، في الكاتدرائية، وعدت إميليا بتحرير باقي القرويين من الملجأ.

 

«هذا هو التحدي الذي اقترحته بنفسك.»

«هذا ينطبق عليك أيضًا…؟ ولكنني سمعت أنك وفريدريكا من والدين مختلفين!»

 

 

«هل حقًا يستخدمون مقولة عنه وهو لا يزال حيًا؟ ما هذا بحق؟»

«… حسنًا، تعلم. أمي حظها سيء في اختيار الرجال، ولا ذوق. فكِّر فيها بنفسك.»

 

 

 

أدار غارفيل وجهه بعيدًا. ومن هذا، شعر سوبارو بأن كلماته كانت صادقة.

 

 

«ماذا؟»

بمعنى آخر، والدة غارفيل وفريدريكا أنجبت طفلين من رجلين مختلفين من ذوي الدم المختلط، من أشباه البشر. ونتيجة لذلك، كلا الأخوين يمكنهما المرور عبر حاجز الملجأ دون أي عائق…

«بالنسبة لي، وضع المكياج ليس أقل من استعداد للمعركة. فعندما أستعد لمواجهة لا يمكنني الخسارة فيها، يكون المكياج وسيلة لتحفيزي على خوضها، كما تـــرى.»

 

 

«هاه؟ ما الأمر، أيها القائد؟»

«—بدل ما أكون مع شخص يطلب مني أظل ضعيفًا للنهاية، طبعًا سأفضل أن أكون مع الذي يقول إنه يحتاجني لأني قوي!»

 

 

«ماذا تعني بما الأمر؟ كان عليك قول هذا من قبل، يا لك من…! لو كنت تعرف هذا، لكان… أنت… أنت…!!»

«هل حقًا يستخدمون مقولة عنه وهو لا يزال حيًا؟ ما هذا بحق؟»

 

«لولا أن المكان مخصص لحل الأمور سلميًا، لكنت اتفقت معك تمامًا…!»

«حسنًا، لم أعرف لأنك لم تخبرتني بكل هذا، لذا اللوم يقع عليك، أيها القائد! إنه تمامًا مثلما انهار إيبشيز بسبب قلة الكلام!»

لذا حاول روزوال أن ينكر تغيير غارفيل، الذي كان ينتهك فلسفته في الحياة.

 

«يا رجل، أوتو. تمامًا كما خططت، تركت انطباعًا قويًا لدى روزوال!»

«نعم، نعم، نعم، نعم! هذا يكفي تمامًا! يكفي!»

 

 

بينما كان سوبارو يجز على أسنانه بقلق، صاح غارفيل فجأة، «انتظر قليلًا.»، وهو يكشف عن أنيابه بنبرة حادة.

تمامًا عندما كان الاثنان على وشك الشجار، تدخل أوتو مرة أخرى، مانعًا سوبارو من الضرب الذي كان لا مفر منه.

بصراحة، هزَّ روزوال رأسه نافيًا طلب سوبارو.

 

«يا قائد، لماذا أنتما هادئين هكذا حيال هذا، لو كان صحيحًا أن هذا الوغد هو المتحكم بكل شيء في الملجأ؟»

«يمكنكما أن تتفكرا في تقصيركما في الشرح لاحقًا. في الوقت الحالي، علينا اعتبار هذا من حسن حظنا، إذ أن العقبة الكبرى أمامنا قد أزيلت— سيد ناتسكي، يمكننا القيام بهذا.»

لم يفهم أوتو. كان غافلًا تمامًا. فوجوده ذاته كان—

 

 

«أعلم! إذا كان بإمكاننا جميعًا عبور الحاجز، فالأمر يصبح بسيطًا سريعًا!»

«هاه؟ ما الأمر، أيها القائد؟»

 

«سأتذكرك، يا أوتو— في المرة القادمة، لن أفقدك من نظري أبدًا.»

مع صيحة أوتو التي قلبت مفتاحًا في ذهنه، اتخذ سوبارو قرارًا فوريًا بناءً على هذا التغيير في الظروف.

 

 

 

إذا كان بإمكانهم جميعًا عبور الحاجز، فيمكنهم أخذ غارفيل معهم عند العودة إلى القصر. وإذا كان غارفيل معهم، يصبح من الممكن مواجهة إلا وميلي.

 

 

 

لكن بالمقابل، كان من الضروري استخدام مجموعة من التدابير المضادة لمواجهة المشاكل المتعددة التي ما زالت قائمة في الملجأ. كان قد أعد جميع الترتيبات، ولكن —

«—لا تستخف بإميليا، يا روزوال.»

 

 

«بعد ذلك… غارفيل!»

 

 

«أأتحمل المسؤولية فقط لوجودي؟!»

«آه؟»

 

 

 

«سنكفل كل شيء عدا القوة الجسدية. لكن فيما يتعلق بالقوة، حتى لو وقفنا وقاتلنا، لن نتمكن من هزيمتهم. لهذا السبب…»

 

 

 

ثم توقف للحظة، قبل أن يثبت نظره على غارفيل.

 

 

 

كان غارفيل يشعر بالضيق لعدم تمكنه من متابعة المحادثة، لكن تعابير وجهه تبدلت في لحظة.

«—هاه؟»

 

 

«بكل صراحة، لا أفهم الكثير مما يحدث، لكن…»

«—انطلقوا! علينا الوصول إلى القصر قبل بزوغ الفجر. أعتمد عليكِ، يا باتلاش!»

 

كان هناك شيء خفي، لكن سوبارو التقط تلميحًا طفيفًا من القلق في عيني روزوال. كان ذلك القلق على الأرجح ناجمًا عن إدخال عنصر غير معروف في سيناريو كان واثقًا من نجاحه.

توهجت عيناه اليشميتان كاللهب وهو يبتسم، مكشرًا عن أنيابه.

«أغلق فمك. أي شيء في تلك الفتاة يجعلها ساحرة؟ أين تلك الساحرة التي تتحدثون عنها بلا توقف؟»

 

كان صوته هادئًا، لكنه كان يضجُّ بحرارة. ما بدأ كتأنيبٍ على تغيير القلب تحوَّل إلى مناشدة، رغبةٍ صادقة؛ مجرَّد الاستماع إليه كان يكفي لأن يشعل في القلب شعورًا بالحزن.

«اترك كل القتال لي— أنا الأفضل في هذا المجال.»

 

 

 

٥

 

 

 

«إذًا، ما الذي تنوي فعله الآن؟»

 

 

 

كانت رام هي مَن بادرت بالكلام، عند عودتها من الغابة إلى حيث كان سوبارو والبقية، لتجد بعض الهرج والمرج يحدث أمام الكاتدرائية— المبنى الذي تجمع فيه اللاجئون من قرية إيرلهام.

وأخيرًا—

 

 

كان أهل قرية إيرلهام قد تكدسوا هناك، منهمكين في همسات ونقاشات متفرقة. وأمام هؤلاء اللاجئين المتجمعين كان سوبارو ورفاقه، وإذا أرادت وصف ما كانوا يفعلونه بكلمات—

«تجعلني أبدو سيئًا جدًا… بغض النظر عن الفوز أو الخسارة؛ التصرف بمكر مثل روزوال بالتأكيد فكرة سيئة. ماذا لو بدأ الناس بإلقاء البيض عليَّ كلما عدت إلى المنزل؟»

 

 

«هل تعدون عربات التنين لتنسلَّوا ليلًا؟ الآن، وفي هذا الوقت تحديدًا؟»

 

 

 

«أنتِ تجعلين الأمر يبدو سيئًا. لكنك لستِ مخطئة بشأن التنبيه الليلي ثم النهوض أول شيء في الصباح— من هنا، أوتو، وغارفيل، وأنا سنتجه نحو القصر. را… فريدريكا ومَن معها في خطر.»

«—هاه؟»

 

في تلك اللحظة، كانت رقعة اللعب التي أعدها روزوال بعناية تتهاوى بشدة.

أجاب سوبارو على استفسار رام بينما كان يُعدُّ تنينه المحبوب ذو اللون الأسود الحالك، باتلاش، لجر عربة بتنينين. أثارت إجابته دهشة رام، التي رفعت حاجبها متسائلة.

«كنت متحمسًا لزيارتنا لدرجة أنك ارتديت أفضل زي لاستقبالنا. سأخجل من ذلك.»

 

 

«إلى القصر…؟» تمتمت. «ما زالت نتيجة محاكمة الآنسة إميليا معلقة. فماذا ستفعل؟»

«—أنا ناتسكي سوبارو! فارس إميليا نصف الجان ذات الشعر الفضي!»

 

 

«ستنجح إميليا في تخطيها. إيكيدنا لن تتمكن من إفسادها. كيف حال ريوزو والباقين؟»

«… ماذا؟»

 

«غارفيل واجه ماضيه. ووجوده هنا كنتيجة لذلك لا يعني أن مشاعره تجاه عائلته طوال السنوات العشر قد ضعفت. أنا متأكد من أن قوة مشاعره لم تتغير. لكنها لم تتغير، بل هو الذي تغير. هل هذا أمر يصعب تصديقه؟»

«يعتنون بالآنسة شيما. ورام مكلفة بالبقاء لمراقبة الوضع حتى تعود الآنسة إميليا.»

 

 

«—بكاؤها سيء لدرجة أنني لا أرغب في رؤيته مجددًا!!»

«فهمتِ… إذًا، سأترك هذا الدور لكِ. نعتمد عليكِ يا.»

 

 

كلمة واحدة، ”تحضيرات“، علقت في أذهانهم. ومع ذلك، لم يكن خصمهم من النوع الذي يشن هجومًا بدون أن يسبق ذلك بكلمات. وبثقة غريبة في روزوال بهذا الشأن، وضع سوبارو يده على الباب.

«تَعتمد عليَّ، أليس كذلك، باروسو؟ أنتَ حقًا…»

 

 

 

كان في صوت رام حدة، ربما لأنها اعتبرت تصرفه غير مسؤول. كان من الطبيعي أن تراها بهذا الشكل. فالتخلي عنهم في وضع مثل هذا قد يجعل إميليا غاضبة، ناهيك عن رام.

«النقوش على الجدار، تعني.»

 

«حتى وإن نظرت إليَّ بعينين معاتبتين، لا أدري ما الذي تريده مني!»

«إذًا، ما الذي تنوي فعله الآن؟»

«كما سمعتم، أيها الجميع! من هنا، سننطلق عائدين إلى القصر متقدمين عليكم بخطوة! عذرًا على هذا الترتيب العشوائي، لكن…»

 

 

رغم ذلك، كان عليه أن يمضي قدمًا. ريم، فريدريكا، وبيترا في انتظاره. بالإضافة إلى—

«ماذا عن شروط رهانك؟ لقد قيَّدت أقوى أسلحتك لتصبح شخصًا عاديًا.»

 

 

«—عذرًا على التأخير، أيها القائد! لقد عدت!»

صرخ بغضب، موجهًا غضبًا بسيطًا ضد كيان لا يتوافق معه.

 

«مَن كان الذي أخذ على عاتقه تحريرنا، يا ترى؟»

«وأنا أيضًا قد أنهيتُ التجهيزات. يمكننا الانطلاق في أي لحظة!»

«لم أكد لأربعمائة عام كي أُهزم لمجرد تبدُّل طفيف في الظروف.»

 

«نعم، أعتقد ذلك. أوتو هو ”ذلك“.»

بروحٍ معنوية مرتفعة، قطع صوتان حديث سوبارو ورام. ثم قفز كل منهما إلى عربة التنين: غارفيل إلى السقف، وأوتو إلى مقعد السائق.

 

 

في مؤخرة ذهنه، تذكر حفل الشاي مع الساحرات— سبع ساحرات من الماضي حملن أسماء الخطايا السبع المميتة.

أثناء إجراء الفحوص النهائية لخطة أوتو، توجها إلى الكابينة لجلب شيءٍ كان غارفيل قد نسيه.

«…»

 

 

«كنت الأقوى سابقًا، أما الآن فأنا أقوى من أي وقت مضى، ها. الآن لن أُهزم من أحد، حتى أنت، أيها القائد.»

 

 

 

«سأحتاج منك أن تستعرض لقب ”الأقوى“ هذا بكل ما أوتيت من قوة في القصر.»

 

 

 

«هيه، يمكنك الاعتماد عليَّ. كما يقولون، ”لا مهرب من راينهارد“.»

 

 

 

«هل حقًا يستخدمون مقولة عنه وهو لا يزال حيًا؟ ما هذا بحق؟»

تبادلا النظرات. لقد تلاشت المشاعر الجياشة إلى مكان ما، وبدا روزوال بنظرات هادئة وهو يتطلع إلى سوبارو.

 

 

بدا غارفيل متحمسًا للغاية، مما أثار دهشة وابتسامة ساخرة من سوبارو. ثم نظر سوبارو خلفه— نحو رام وأهل قرية إيرلهام الذين اصطفوا خلفها. بالطبع، لا تزال رام تحمل على وجهها نظرةً غير مقتنعة، لكن أهل قرية إيرلهام انحنوا بعمق ردًا على نظرته.

«…»

 

 

«كما سمعتم، أيها الجميع! من هنا، سننطلق عائدين إلى القصر متقدمين عليكم بخطوة! عذرًا على هذا الترتيب العشوائي، لكن…»

 

 

كان هوس غارفيل بالملجأ هو تحريف لعشر سنوات من الحب الذي يكنُّه لعائلته.

«لا داعي للقلق، يا سيد سوبارو.»

«بكل صراحة، لا أفهم الكثير مما يحدث، لكن…»

 

وكما أن سوبارو يضع كل شيء على المحك في هذه المواجهة، كان روزوال يصب كل قوته في هذه المعركة. وهذا الفهم المتبادل هو ما جعل كليهما يقفان أمام بعضهما كخصمين حقيقيين على الساحة ذاتها.

قاطع صوت كلمات سوبارو؛ كانت من عجوز منحنية الظهر— زعيمة قرية إيرلهام. وجَّهت صوتها المبحوح وعينيها المليئتين بلطفٍ نحو سوبارو.

 

 

كانت تبادل الكلمات السابقة قد سمح لكل منهم بأن يكشف عن عزيمته ومشاعره الحقيقية تجاه الآخر. كانت دوافع روزوال واضحة، وقد نجح خلال هذه اللحظات القصيرة والمكثفة في إعادة توازن القوى إلى مستوى متساوٍ بين الطرفين.

«لقد سمعنا جميعًا عن ذلك من المسؤول. وهل نسيت؟»

 

 

عند سماع تلك التنهيدة، نظر رفيقاه أخيرًا إلى داخل الغرفة، ليشاهدا ما رآه سوبارو ويرد كل منهما بطريقته. غارفيل نقر لسانه، بينما اتسعت عينا أوتو دهشة.

«…»

 

 

 

«مَن كان الذي أخذ على عاتقه تحريرنا، يا ترى؟»

كان هذا شعاع الأمل المتبقي لدى سوبارو. وروزوال—

 

 

أثارت تساؤلات زعيمة القرية حيرة سوبارو للحظة، لكن اتسعت عيناه سريعًا.

«إذًا، ما الذي تنوي فعله الآن؟»

 

 

تذكر. لقد بدا كأنه مضى وقت طويل على ذلك، حيث كان ذلك في اليوم الأول الذي زاروا فيه هذا المكان— هناك، في الكاتدرائية، وعدت إميليا بتحرير باقي القرويين من الملجأ.

تمامًا عندما كان الاثنان على وشك الشجار، تدخل أوتو مرة أخرى، مانعًا سوبارو من الضرب الذي كان لا مفر منه.

 

«—تفضل بالدخول، أيها الشاب سوبارو. فأنا قد انتهيت لتوي من التحضييرات.»

لم تكن زعيمة القرية وحدها، بل كل أهل القرية وضعوا ثقتهم فيها.

 

 

 

«لا داعي للقلق، يا سيد سوبارو. الأهم من ذلك، عليك أن تؤدي واجبك الذي يجب أن تكمله، أليس كذلك؟»

«وأنا أيضًا قد أنهيتُ التجهيزات. يمكننا الانطلاق في أي لحظة!»

 

«التدفق تغير بفضل صديقي، الذي يبدو تافهًا لدرجة أنه لم يُسجل في كتاب نبوءتك.»

«لا تتراجع في هذه اللحظة. رجاءً، اذهب سريعًا.»

 

 

«ما أمرك يا روزوال؟»

«آآه، من الأفضل أن تمسح ما تبقى من نزيف أنفك في الطريق. لا نريد أن تخيب أمل بيترا.»

تبادل سوبارو وأوتو نظرات عابسة وأطلقا تنهيدة. عقد غارفيل حاجبيه، ليس من الدهشة، بل لأنه شعر بالضيق من سلوكهما الكئيب.

 

—سعى روزوال لإثبات مشاعره.

بعد كلمات زعيمة القرية، تعاقبت أصوات أهل القرية، كلٌ منهم يعبر عن دعمه لسوبارو ورفاقه بأسلوبه الخاص، لكنها كانت جميعها كلمات تشجيع تدعم قراره. وهذا ما منحه الكثير من العون.

 

 

«بالنسبة لي، لم أتابع القائد لمجرد أنني خسرت قتالًا. نعم، الخسارة كانت مؤلمة، لكني لا ألين بهده السهولة بحيث أغير موقفي بسبب شيء مثل هذا.»

«شكرًا لكم جميعًا. لكن لا تنسوا ما قلته. انتظروا حتى…»

«الذهاب لمساعدة القصر يعني مغادرة الملجأ. والسيدة إميليا في خضم تحديها، لكن حاجز القبر لا يزال سليمًا، لذا إذا منعك الحاجز…»

 

«هذا هو الوضع… لكن أليس هذا غريبًا بعض الشيء؟ عادةً، ستكون البطلة الرئيسية هي مَن تظهر لمساندتي. ألا يخذل ذلك توقعات الجمهور إذا كان هناك شخصية ذكورية تدعوني للصمود؟»

«—حتى النهاية، وحتى اللحظة الأخيرة. وإذا أُزيل الحاجز قبل ذلك، فكل شيء على ما يرام.»

حسابنا بتويتر @ReZeroAR

 

 

«لهذا، يا سيد سوبارو، عليك أن تكفَّ عن التردد، وتدعنا نساعدك هذه المرة.»

 

 

 

كلماتهم القوية والعزيمة الصادقة جعلت سوبارو يعجز عن الرد. فـ ”دعنا نساعدك“ كانت تعبيرًا عن إرادة جميع القرويين. وأي إضافة من جانبه كانت لتكون بليدة وغير مناسبة.

 

 

عند سماع تلك التنهيدة، نظر رفيقاه أخيرًا إلى داخل الغرفة، ليشاهدا ما رآه سوبارو ويرد كل منهما بطريقته. غارفيل نقر لسانه، بينما اتسعت عينا أوتو دهشة.

عند مواجهة هذا العزم، ماذا يمكن للمرء أن يقول؟ لم يكن لدى سوبارو أي وسيلة للتعبير عن مشاعره.

 

 

 

لهذا، انحنى برأسه احترامًا. ولم يتبقَ سوى مسألة واحدة—

 

 

بمعنى آخر، والدة غارفيل وفريدريكا أنجبت طفلين من رجلين مختلفين من ذوي الدم المختلط، من أشباه البشر. ونتيجة لذلك، كلا الأخوين يمكنهما المرور عبر حاجز الملجأ دون أي عائق…

«رام، لا وقت لتوضيح كل التفاصيل، لكنهم جميعًا يفهمون أدوارهم، وإميليا كذلك. وأما أنتِ…»

 

 

دافع سوبارو عن نفسه ودفع روزوال بقوة، مشيرًا بإصبعه نحو السماء.

«-حسنًا إذًا. افعل ما تشاء. ورام ستفعل ما تشاء أيضًا.»

 

 

 

وقد استنفدت كلماتها، أنهى سوبارو حديثه الأخير مع رام التي زفرت مستاءة، وذراعاها متشابكتان. وبامتعاض من ردها، حكَّ سوبارو وجنته بإصبع.

 

 

كان سوبارو قد اصطدم بغارفيل، وتبادل معه اللكمات، وسمع مباشرةً صرخة قلبه. لم يكن ليسمح لأي أحد بأن يقلل من شأنها أو يعتبرها سطحية أو رخيصة.

«سماعكِ، وأنتِ التي تفعلين ما تشائين دائمًا، تقولين هذا… أمر مرعب بطريقة ما…»

 

 

 

«هاه. نعم، فلتخشى ذلك— باروسو، هل أنت حقًا مرتاح لهذا؟»

«يا لا تقدر على ”الانتصار“ على ماضيك. هذا ما كنت أعتقده. لهذا لا أضحك عليك لأنك عالق، تفكر بنفس الطريقة اللي كنت أفكر فيها في الماضي. ما الذي يستحق الضحك هنا؟»

 

 

«نعم. لقد قلت لإميليا كل ما أردت قوله.»

«كما لو كان بإمكانها ذلك. بلا أحد تعتمد عليه، ستسحقها أوجاعها. أملها العظيم في التغيير سيتلاشى في الحزن، وستلتجئ إليك باكية… وهذا ما يناسبها.»

 

 

«النقوش على الجدار، تعني.»

 

 

بعد أن عرفوا الحقيقة الكاملة عن كيف نشأ الملجأ والحقيقة المخفية وراء ذلك الماضي، تمكنت مجموعة من الأفراد الذين أدركوا كل شيء الآن من تلبية الشروط المطلوبة لمواجهة رجل بعينه لمعرفة نواياه الحقيقية.

«لماذا أشعر أنني لن أتخلص من تلك الذكرى أبدًا؟!»

«الذهاب لمساعدة القصر يعني مغادرة الملجأ. والسيدة إميليا في خضم تحديها، لكن حاجز القبر لا يزال سليمًا، لذا إذا منعك الحاجز…»

 

ثم توقف للحظة، قبل أن يثبت نظره على غارفيل.

ردَّ سوبارو بصوتٍ مرتفع على سخرية رام، ثم جال في جيبه، يتحسس شيئًا صلبًا بأطراف أصابعه. تنفس بعمق هادئ.

 

 

«—عذرًا على التأخير، أيها القائد! لقد عدت!»

«—رام.»

«النقوش على الجدار، تعني.»

 

 

ناداها، ثم أخرج الشيء من جيبه وألقاه باتجاهها. فأمسكته رام بلطف.

 

 

«—أنت تؤمن بالضعف. وأنا أؤمن بالقوة. هذه هي الطريقة الوحيدة التي أوافق فيها على أننا متشابهان.»

«لا تفعلي شيئًا طائشًا.»

 

 

بينما كان سوبارو يجز على أسنانه بقلق، صاح غارفيل فجأة، «انتظر قليلًا.»، وهو يكشف عن أنيابه بنبرة حادة.

«مَن تظن نفسك تخاطب، باروسو؟ لا تجعلني أضحك.»

 

 

«—انطلقوا! علينا الوصول إلى القصر قبل بزوغ الفجر. أعتمد عليكِ، يا باتلاش!»

بابتسامة ساخرة على كلمات سوبارو، وضعت رام الشيء الذي التقطته بهدوء في جيب زي الخادمة الذي ترتديه.

مع صيحة أوتو التي قلبت مفتاحًا في ذهنه، اتخذ سوبارو قرارًا فوريًا بناءً على هذا التغيير في الظروف.

 

تذكر. لقد بدا كأنه مضى وقت طويل على ذلك، حيث كان ذلك في اليوم الأول الذي زاروا فيه هذا المكان— هناك، في الكاتدرائية، وعدت إميليا بتحرير باقي القرويين من الملجأ.

ومنذ تلك اللحظة، لم يتبادلوا المزيد من الكلمات. كل ما كان ينبغي أن يُقال قد قيل. كل ما تبقى هو أن يبذل كلٌ منهم قصارى جهده لتحقيق ما يصبون إليه.

 

 

«اسمي أوتو سوين. إنه لشرف لي أن ألتقي بالماركيز النبيل شخصيًا. على الرغم من أنني لا أزيد عن كوني تاجرًا متجولًا متواضعًا، آمل أن أكون من معارفك.»

«—انطلقوا! علينا الوصول إلى القصر قبل بزوغ الفجر. أعتمد عليكِ، يا باتلاش!»

 

 

«فهمتِ… إذًا، سأترك هذا الدور لكِ. نعتمد عليكِ يا.»

صعد سوبارو إلى عربة التنين وصرخ، مما جعل باتلاش، تنينه المحبوب المتصل بالعربة، يصدر صهيلًا قويًا. وبتشجيع من ذلك الصهيل، أصدر التنين الآخر، الخاص بأوتو والمثبت بجانبها، زئيرًا منخفضًا في استجابة.

《١》

 

 

بدأت عربة التنين تتحرك ببطء، وانطلق سباقهم للخروج من الملجأ.

 

 

 

«بالمناسبة، سمعتُ مصطلحًا سابقًا لا أستطيع تجاوزه بسهولة. مَن هو هذا ”المسؤول“ الذي تحدث عنه الجميع من القرية…؟»

في تلك اللحظة، حول روزوال نظراته نحو غارفيل، ذلك الشخص الذي جسَّد التغيير حقًا. وعندما رأى أن نظراته لم تغير شيئًا في وجه غارفيل، فتح شفتيه بتعبير يشوبه الخيبة.

 

 

«—نحن راحلون!!»

كان من الغريب أن هذه الوضعية التي اتخذها سوبارو هي ذاتها التي اتخذتها إميليا في نفس اللحظة، وهي تواجه الكلمات الخبيثة التي كانت تُلقى عليها داخل المحاكمة.

 

 

صاح التنين متجاوزًا سؤال أوتو، مطلقًا بركته الواقية من الرياح.

ولكن قطعة غير متوقعة من الخارج قفزت إلى لوح لعبه، الذي كان قد رتبه بعناية كآلة دقيقة—

 

رفع رأسه، وأمسك بياقة روزوال، محدقًا في عينيه المتباينتين بغضب محتدم، مستخدمًا في نظراته تلك الشراسة التي ورثها من والدته.

تحت هتافات التشجيع من القرويين، اندفعت عربة التنين في ظلمة الليل نحو الغابة، والطريق… والقصر.

 

 

—فالمطالبة بالاستسلام لا تعني شيئًا أقل من الاعتراف الرسمي بالهزيمة.

////

«انتظر لحظة، أيها القائد.»

حسابنا بتويتر @ReZeroAR

 

🔥 تحدي يوليو 2026 ⏳ 17 يوم متبقي
10,000 شعلة الهدف: 66,666
15%
🔥 ادعم الموقع لضمان استمراريته وبدون ظهور إعلانات مزعجة للجميع!
×

شراء عملة الشعلة

🥇M. K🔥 10,000

«بعد ذلك… غارفيل!»

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط