في غابة غيرمفليد سقط ثيودور
نظرت ببرود نحو كاسبر، لم يعد هناك مجال لإخفاء الحقيقة أو التظاهر بأني “ثيودور السابق”. لقد انتهى ذلك الشخص منذ أن وجدت نفسي محاصرًا في هذا العالم الغريب، عالمٌ يلتهم المنطق ويلقي بي في جنون بلا حدود. لم أعد أهتم إن كنت سأكشف نفسي. ما الجدوى؟
نظرت نحو الجميع. وجوههم كانت متيبسة، عيونهم مليئة بالارتباك والحيرة. كان الموقف قد تغير، نية الموت التي ملأت المكان قبل لحظات خمدت قليلاً، لكن لم تختفِ تمامًا. شعرت برغبة في لعن نفسي، لماذا تهورت؟ لماذا وضعت نفسي في هذا الموقف؟ لكنني أزحت الفكرة من رأسي بسرعة.
هارونلد.
شعرت بارتعاش طفيف في أطرافي، ليس بسبب البرد الذي يملأ الغرفة، بل بسبب الخوف الحقيقي الذي يتسرب إلى كل جزء مني. كان قلبي يدق بخفوت غريب، كما لو أنه يهمس لي: “اصمد”، لكن كل نبضة تحمل معها ثقل الرهبة والشك.
“ثيودور، فقط ماذا تفعل؟ هل جننت؟”
ورغم ذلك، كان هناك شعور أقوى يطغى على خوفي: الاشمئزاز. نعم، اشمئزاز عميق متأصل من هؤلاء الزنادقة. لقد قرأت عن أمثالهم. سمعت عن الطقوس التي يمارسونها، عن الجرائم التي ارتكبوها باسم أيديولوجياتهم الملتوية.
الصدمة اخترقتني كخنجر غير مرئي، لكنها لم تستطع كسر القناع البارد الذي أجبرت نفسي على ارتدائه.
كاسبر كان يتحدث، لكن كلماته تلاشت في ضجيج عقلي. كنت أراه، أسمع نبرة صوته، لكن الكلمات لم تصل. كل تركيزي كان منصبًا على شيء آخر.
مات؟
هارونلد.
ذلك السمين بطيء الحركة، ذلك الذي كنت ألاحظه بصمت منذ اللحظة الأولى. درسته بعناية، تتبعت كل حركة، كل تفصيلة. صحيح أنه يمتلك بنية جسدية قوية، لكن عيناه تخونه. كان بليدًا، غير واعٍ تمامًا بما يدور حوله. تركيزه ضعيف، ردود أفعاله بطيئة.
ذلك السمين بطيء الحركة، ذلك الذي كنت ألاحظه بصمت منذ اللحظة الأولى. درسته بعناية، تتبعت كل حركة، كل تفصيلة. صحيح أنه يمتلك بنية جسدية قوية، لكن عيناه تخونه. كان بليدًا، غير واعٍ تمامًا بما يدور حوله. تركيزه ضعيف، ردود أفعاله بطيئة.
الجدران؟ لم تعد تلك الجدران المتشققة المعتادة. الآن كانت مظلمة بالكامل، وكأنها ابتلعت الضوء نفسه. من بعيد، بدت الجدران وكأنها تتنفس، ترتعش بهدوء، كما لو أن هذا المكان حيٌّ بطريقة مروعة.
أما كاسبر؟ نظرة واحدة تكفي لمعرفة أنه ليس هدفًا واقعيًا. كان يقف بثقة، وكأن كل ما يحدث هنا يدور في فلكه. جسده يشع تهديدًا صامتًا، وسلاحه يبدو كأنه امتداد ليده، جاهز للانقضاض في أي لحظة.
“ثيودور، فقط ماذا تفعل؟ هل جننت؟”
البقية؟ كانوا غامضين، وكل غموضهم كان كافياً لجعلي أشعر بعدم الارتياح. أسلحتهم بدت غريبة، أدوات تشبه الخناجر لكن حوافها كانت متوهجة بوميض طفيف. ربما تحمل سحرًا، أو شيئًا أسوأ.
لكن هارونلد؟ كان يحمل ساطورًا كبيرًا معلقًا على خصره. كان هدفًا يمكن الوصول إليه، خطوة أولى في محاولة لكسر سيطرتهم. خطتي كانت واضحة: أهاجمه، أستولي على الساطور، وأستخدمه كرهينة للسيطرة على الوضع. وإذا فشلت؟ الباب مفتوح خلفي، وهناك نافذة مهترئة يمكنني الاندفاع من خلالها إذا لزم الأمر.
الأرضية، السقف، الجدران، كلها بدت وكأنها تنهار في دوامة من الظلام. حاولت التركيز، لكن كل شيء كان ينهار حولي.
“كان ذلك في غابة غيرمفليد. لم تكن الأوضاع لصالحنا. أخبرني ثيودور أن ذلك الكيان قد بدأ بالتسلل إليه.”
نظرت سريعًا حولي، لكن كل شيء حولي كان غريبًا. تلك الغرفة التي دخلتها قبل دقائق لم تكن كما هي الآن.
“أي حركة غير متوقعة، وسأنحر هذا العجل السمين أسفلي.”
الهواء في الغرفة كان ثقيلًا كأنه مشبع بغيوم غير مرئية، مشحونًا بطاقة مريبة جعلت كل شيء يبدو مشوّشًا. كلمات كاسبر الأخيرة كانت كالصفعة على وجهي، أو بالأحرى، على إدراكي الهش للوضع. “ثيودور مات قبل يومين. أنا من قتلته.”
كانت الأرضية، التي بدت عادية عند دخولي، قد تحولت إلى سطح خرساني قاتم، بلون أحمر يميل إلى القرمزي، وكأنها قد تشبعت بدماء أجيال من الأرواح. أشكال هندسية غريبة محفورة في الخرسانة، بدت منظمة بشكل غير مريح، كأنها جزء من طقوس شيطانية أُجريت هنا.
الجدران؟ لم تعد تلك الجدران المتشققة المعتادة. الآن كانت مظلمة بالكامل، وكأنها ابتلعت الضوء نفسه. من بعيد، بدت الجدران وكأنها تتنفس، ترتعش بهدوء، كما لو أن هذا المكان حيٌّ بطريقة مروعة.
“كان ذلك في غابة غيرمفليد. لم تكن الأوضاع لصالحنا. أخبرني ثيودور أن ذلك الكيان قد بدأ بالتسلل إليه.”
الهواء كان ثقيلًا بشكل يكاد يخنقني. لم يكن مجرد هواء، بل خليط من الرطوبة والرهبة، مليئًا بهمهمات خافتة، كأن آلاف الأرواح الملعونة تحاول الهمس لي. لم أستطع فهم الكلمات، لكن كل همسة كانت تشعرني بوخز خفيف في رأسي.
لم يكن هناك وقت للتفكير أكثر.
كان الصوت قادمًا من أحد الأشخاص الآخرين في الغرفة، نبرته كانت مليئة بالدهشة والارتباك، كأنه غير قادر على تصديق ما يراه.
نظرت إلى هارونلد بعينين مشحونتين بالعزم، كان جسدي متشنجًا، لكن كل عضلة فيه كانت مستعدة للحركة. أخذت خطوة واحدة نحو الأمام، ثم اندفعت بكل قوتي نحوه، وصرخة داخلية تصدح في رأسي: “إما الآن أو أبدًا.”
كنت على وشك التحرك عندما سمعته يتنفس بعمق، كأنه يحاول تهدئة نفسه. ثم تابع كاسبر، وكأن كلماته تحمل وزنًا ثقيلًا يصعب على الهواء حمله:
انطلقت كالسهم قبل أن يتمكن أي شخص في الغرفة من استيعاب ما يحدث. كنت أعلم أن المباغتة هي سلاحي الوحيد، وأن المفاجأة ستكون سلاحي الأقوى. في تلك اللحظات، كان الزمن يبدو وكأنه تباطأ. سمعت همسات الأنفاس، وشعرت بثقل الهواء حولي، لكنني تجاهلت كل شيء.
كان كاسبر يقف خلفي مباشرة. وجهه الخالي من المشاعر كان أشبه بقناع شيطاني. نظارته المستطيلة أضافت حدة غريبة لمظهره. كان هناك شيء مرعب في تلك النظرة، كأنها تخترقني وتكشف كل أسراري.
واحد، اثنان، ثلاثة.
رأيت نظرة هارونلد تتغير، اتسعت عيناه برعب مفاجئ، لكنه لم يكن سريعًا بما يكفي ليتفادى ما حدث بعد ذلك. قدمت انطلقت كرصاصة نحو هدفها، ركلة مباشرة وقوية استهدفت المنطقة الحساسة بين ساقيه.
نظرت نحو الجميع. وجوههم كانت متيبسة، عيونهم مليئة بالارتباك والحيرة. كان الموقف قد تغير، نية الموت التي ملأت المكان قبل لحظات خمدت قليلاً، لكن لم تختفِ تمامًا. شعرت برغبة في لعن نفسي، لماذا تهورت؟ لماذا وضعت نفسي في هذا الموقف؟ لكنني أزحت الفكرة من رأسي بسرعة.
نعم، هناك بالضبط.
أما كاسبر؟ نظرة واحدة تكفي لمعرفة أنه ليس هدفًا واقعيًا. كان يقف بثقة، وكأن كل ما يحدث هنا يدور في فلكه. جسده يشع تهديدًا صامتًا، وسلاحه يبدو كأنه امتداد ليده، جاهز للانقضاض في أي لحظة.
قبل حتى أن يصرخ أو يشعر بالألم، قمت بحركة ملتفة، قفزت بخفة وسرعة، ووجهت له ركلة منحنية بشقلبة كاملة أسقطته أرضًا كعجل ميت. صوت جسده الثقيل وهو يصطدم بالأرض كان أشبه بانفجار مكتوم، واهتزاز الغرفة تحته كأنه كائن ضخم قد انهار.
نظرت نحو الجميع. وجوههم كانت متيبسة، عيونهم مليئة بالارتباك والحيرة. كان الموقف قد تغير، نية الموت التي ملأت المكان قبل لحظات خمدت قليلاً، لكن لم تختفِ تمامًا. شعرت برغبة في لعن نفسي، لماذا تهورت؟ لماذا وضعت نفسي في هذا الموقف؟ لكنني أزحت الفكرة من رأسي بسرعة.
لقد أغمي عليه فورًا.
رفعت بصري نحو كاسبر، الذي كان يتحرك نحوي بسرعة. عيناه الجليديتان كانت تشتعلان بغضب بارد، ونية الموت كانت تتدفق منه كريح عاصفة. مشيته كانت ثابتة ومخيفة، كأن كل خطوة تخبرني: “أنت لن تنجو.”
لم أترك لنفسي لحظة للراحة أو التفكير. كنت أعلم أن البقية قد انتبهوا الآن، وأن رد فعلهم سيكون سريعًا. تحركت كالنمر الجائع، أطلقت يدي نحو الساطور الكبير المعلق على خصر هارونلد.
هارونلد.
الساطور.
لكن هارونلد؟ كان يحمل ساطورًا كبيرًا معلقًا على خصره. كان هدفًا يمكن الوصول إليه، خطوة أولى في محاولة لكسر سيطرتهم. خطتي كانت واضحة: أهاجمه، أستولي على الساطور، وأستخدمه كرهينة للسيطرة على الوضع. وإذا فشلت؟ الباب مفتوح خلفي، وهناك نافذة مهترئة يمكنني الاندفاع من خلالها إذا لزم الأمر.
التفكير في ذلك جعلني أشعر بارتعاش داخلي غير مبرر، كأنني كنت على وشك الانهيار. لكنني تمالكت نفسي. هذه اللحظة ليست مناسبة لفقدان التركيز. كنت أعلم أن أي حركة خاطئة مني ستُقلب الطاولة ضدي.
كان أكبر من أي ساطور رأيته من قبل، حجمه ضعف المعتاد، ومعدنه الأسود العميق يشع بلمعة غريبة. بدا كأنه قطعة من الظلام المصقول، شيء ينتمي إلى عالم آخر. قبضت عليه بشدة، شعرت بوزنه الثقيل بين يدي، لكنه لم يكن مرهقًا بل بدا وكأنه يتوافق مع قبضتي، كما لو كان مصنوعًا خصيصًا لي.
رفعت بصري نحو كاسبر، الذي كان يتحرك نحوي بسرعة. عيناه الجليديتان كانت تشتعلان بغضب بارد، ونية الموت كانت تتدفق منه كريح عاصفة. مشيته كانت ثابتة ومخيفة، كأن كل خطوة تخبرني: “أنت لن تنجو.”
شعرت بارتعاش طفيف في أطرافي، ليس بسبب البرد الذي يملأ الغرفة، بل بسبب الخوف الحقيقي الذي يتسرب إلى كل جزء مني. كان قلبي يدق بخفوت غريب، كما لو أنه يهمس لي: “اصمد”، لكن كل نبضة تحمل معها ثقل الرهبة والشك.
فجأة، شعرت بحركة خلفي. حركة لم أتوقعها. كنت واثقًا أنني كنت مقابلاً للحائط. كيف يمكن أن يحدث شيء هناك؟
لكنني كنت مستعدًا.
بيد واحدة، قبضت على شعر هارونلد الكثيف، ورفعت رأسه المترنح كالدمية أمامي. بدا كأنه مجرد كلب ميت، لا وزن له ولا قيمة. نظرت إلى كاسبر، وعيناي كانتا تتحدثان بصوت أعلى من أي كلمات:
التفكير في ذلك جعلني أشعر بارتعاش داخلي غير مبرر، كأنني كنت على وشك الانهيار. لكنني تمالكت نفسي. هذه اللحظة ليست مناسبة لفقدان التركيز. كنت أعلم أن أي حركة خاطئة مني ستُقلب الطاولة ضدي.
“خطوة واحدة أخرى، وسأقطع رأسه.”
كاسبر كان يتحدث، لكن كلماته تلاشت في ضجيج عقلي. كنت أراه، أسمع نبرة صوته، لكن الكلمات لم تصل. كل تركيزي كان منصبًا على شيء آخر.
رغم الخوف الذي كنت أشعر به داخليًا، لم أترك شفقة أو تردد يظهران على ملامحي. هؤلاء الزنادقة لا يستحقون شيئًا سوى الموت. مجرد التفكير بأن هذا الجسد الذي أتحرك فيه الآن كان ينتمي يومًا لأحدهم كان كافيًا ليشعرني بالاشمئزاز.
كان هذا كل ما استطعت قوله قبل أن يغمرني الظلام تمامًا.
“ثيودور، فقط ماذا تفعل؟ هل جننت؟”
واحد، اثنان، ثلاثة.
كان الصوت قادمًا من أحد الأشخاص الآخرين في الغرفة، نبرته كانت مليئة بالدهشة والارتباك، كأنه غير قادر على تصديق ما يراه.
شعرت بارتعاش طفيف في أطرافي، ليس بسبب البرد الذي يملأ الغرفة، بل بسبب الخوف الحقيقي الذي يتسرب إلى كل جزء مني. كان قلبي يدق بخفوت غريب، كما لو أنه يهمس لي: “اصمد”، لكن كل نبضة تحمل معها ثقل الرهبة والشك.
لكن قبل أن أرد، جاء صوت كاسبر حادًا وقاطعًا:
كنت على وشك التحرك عندما سمعته يتنفس بعمق، كأنه يحاول تهدئة نفسه. ثم تابع كاسبر، وكأن كلماته تحمل وزنًا ثقيلًا يصعب على الهواء حمله:
ورغم ذلك، كان هناك شعور أقوى يطغى على خوفي: الاشمئزاز. نعم، اشمئزاز عميق متأصل من هؤلاء الزنادقة. لقد قرأت عن أمثالهم. سمعت عن الطقوس التي يمارسونها، عن الجرائم التي ارتكبوها باسم أيديولوجياتهم الملتوية.
“جاك، هذا ليس ثيودور. توقف.”
لكنني كنت مستعدًا.
كانت كلماته كافية لتجعل كل شيء يتوقف للحظة. الجو في الغرفة تغير، كأن ثقلاً جديدًا قد أُلقي فيه.
الصدمة اخترقتني كخنجر غير مرئي، لكنها لم تستطع كسر القناع البارد الذي أجبرت نفسي على ارتدائه.
رغم ذلك، كان هناك شيء مزعج في الأمر. إذا كان كاسبر يعرف أنني لست ثيودور، لماذا لم يتحرك منذ الصباح؟ لماذا لم يحاول قتلي على الفور؟ هل كان ينتظر شيئًا؟
ليس ثيودور؟
شعرت بارتعاش طفيف في أطرافي، ليس بسبب البرد الذي يملأ الغرفة، بل بسبب الخوف الحقيقي الذي يتسرب إلى كل جزء مني. كان قلبي يدق بخفوت غريب، كما لو أنه يهمس لي: “اصمد”، لكن كل نبضة تحمل معها ثقل الرهبة والشك.
شعرت بشيء في داخلي يتغير. لم أكن بحاجة إلى المزيد من التأكيد. اللعبة انتهت، والتمثيل لم يعد خيارًا.
كنت على وشك التحرك عندما سمعته يتنفس بعمق، كأنه يحاول تهدئة نفسه. ثم تابع كاسبر، وكأن كلماته تحمل وزنًا ثقيلًا يصعب على الهواء حمله:
الهواء في الغرفة كان ثقيلًا كأنه مشبع بغيوم غير مرئية، مشحونًا بطاقة مريبة جعلت كل شيء يبدو مشوّشًا. كلمات كاسبر الأخيرة كانت كالصفعة على وجهي، أو بالأحرى، على إدراكي الهش للوضع. “ثيودور مات قبل يومين. أنا من قتلته.”
انطلقت كالسهم قبل أن يتمكن أي شخص في الغرفة من استيعاب ما يحدث. كنت أعلم أن المباغتة هي سلاحي الوحيد، وأن المفاجأة ستكون سلاحي الأقوى. في تلك اللحظات، كان الزمن يبدو وكأنه تباطأ. سمعت همسات الأنفاس، وشعرت بثقل الهواء حولي، لكنني تجاهلت كل شيء.
المنظر تغير فجأة.
الصدمة اخترقتني كخنجر غير مرئي، لكنها لم تستطع كسر القناع البارد الذي أجبرت نفسي على ارتدائه.
ورغم ذلك، كان هناك شعور أقوى يطغى على خوفي: الاشمئزاز. نعم، اشمئزاز عميق متأصل من هؤلاء الزنادقة. لقد قرأت عن أمثالهم. سمعت عن الطقوس التي يمارسونها، عن الجرائم التي ارتكبوها باسم أيديولوجياتهم الملتوية.
مات؟
قتلني؟ لا، ليسني أنا. بل… أنا السابق. ثيودور الأصلي.
لم أترك لنفسي لحظة للراحة أو التفكير. كنت أعلم أن البقية قد انتبهوا الآن، وأن رد فعلهم سيكون سريعًا. تحركت كالنمر الجائع، أطلقت يدي نحو الساطور الكبير المعلق على خصر هارونلد.
التفكير في ذلك جعلني أشعر بارتعاش داخلي غير مبرر، كأنني كنت على وشك الانهيار. لكنني تمالكت نفسي. هذه اللحظة ليست مناسبة لفقدان التركيز. كنت أعلم أن أي حركة خاطئة مني ستُقلب الطاولة ضدي.
لم أفهم. كيف كان هنا، وهو في نفس الوقت هناك، على الجانب الآخر من الغرفة؟
لكن هارونلد؟ كان يحمل ساطورًا كبيرًا معلقًا على خصره. كان هدفًا يمكن الوصول إليه، خطوة أولى في محاولة لكسر سيطرتهم. خطتي كانت واضحة: أهاجمه، أستولي على الساطور، وأستخدمه كرهينة للسيطرة على الوضع. وإذا فشلت؟ الباب مفتوح خلفي، وهناك نافذة مهترئة يمكنني الاندفاع من خلالها إذا لزم الأمر.
نظرت نحو الجميع. وجوههم كانت متيبسة، عيونهم مليئة بالارتباك والحيرة. كان الموقف قد تغير، نية الموت التي ملأت المكان قبل لحظات خمدت قليلاً، لكن لم تختفِ تمامًا. شعرت برغبة في لعن نفسي، لماذا تهورت؟ لماذا وضعت نفسي في هذا الموقف؟ لكنني أزحت الفكرة من رأسي بسرعة.
شعرت بارتعاش طفيف في أطرافي، ليس بسبب البرد الذي يملأ الغرفة، بل بسبب الخوف الحقيقي الذي يتسرب إلى كل جزء مني. كان قلبي يدق بخفوت غريب، كما لو أنه يهمس لي: “اصمد”، لكن كل نبضة تحمل معها ثقل الرهبة والشك.
“أي حركة غير متوقعة، وسأنحر هذا العجل السمين أسفلي.”
كنت على وشك التحرك عندما سمعته يتنفس بعمق، كأنه يحاول تهدئة نفسه. ثم تابع كاسبر، وكأن كلماته تحمل وزنًا ثقيلًا يصعب على الهواء حمله:
“أي حركة غير متوقعة، وسأنحر هذا العجل السمين أسفلي.”
“كان ذلك في غابة غيرمفليد. لم تكن الأوضاع لصالحنا. أخبرني ثيودور أن ذلك الكيان قد بدأ بالتسلل إليه.”
فجأة، شعرت بحركة خلفي. حركة لم أتوقعها. كنت واثقًا أنني كنت مقابلاً للحائط. كيف يمكن أن يحدث شيء هناك؟
رغم الخوف الذي كنت أشعر به داخليًا، لم أترك شفقة أو تردد يظهران على ملامحي. هؤلاء الزنادقة لا يستحقون شيئًا سوى الموت. مجرد التفكير بأن هذا الجسد الذي أتحرك فيه الآن كان ينتمي يومًا لأحدهم كان كافيًا ليشعرني بالاشمئزاز.
كان صوته هادئًا، لكنه يحمل شيئًا من الحزن المكبوت. زفرة خفيفة خرجت منه، كأنها تحمل ذكرى ثقيلة.
كان كاسبر يقف خلفي مباشرة. وجهه الخالي من المشاعر كان أشبه بقناع شيطاني. نظارته المستطيلة أضافت حدة غريبة لمظهره. كان هناك شيء مرعب في تلك النظرة، كأنها تخترقني وتكشف كل أسراري.
كانت الأرضية، التي بدت عادية عند دخولي، قد تحولت إلى سطح خرساني قاتم، بلون أحمر يميل إلى القرمزي، وكأنها قد تشبعت بدماء أجيال من الأرواح. أشكال هندسية غريبة محفورة في الخرسانة، بدت منظمة بشكل غير مريح، كأنها جزء من طقوس شيطانية أُجريت هنا.
“لقد طلب مني بنفسه أن أفعل ذلك. لم يكن يريد أن يصبح وعاءً لذلك الكيان. لثيودور كان الأمر أسوأ من الموت. لمدة طويلة، لم أعرف ماذا أفعل. ثيودور كان بمثابة أخ لي. كنت أفضل خسارة حياتي على أن أراه يموت.”
لكن قبل أن أرد، جاء صوت كاسبر حادًا وقاطعًا:
تلك الكلمات، مليئة بالعاطفة المكبوتة، أثارت شيئًا بداخلي. لم أكن أعرف أن هناك هذه الرابطة بينهما. لكنني لم أسمح لنفسي بالشعور بأي تعاطف. تبا للزنادقة. ليبقوا في الجحيم.
أما كاسبر؟ نظرة واحدة تكفي لمعرفة أنه ليس هدفًا واقعيًا. كان يقف بثقة، وكأن كل ما يحدث هنا يدور في فلكه. جسده يشع تهديدًا صامتًا، وسلاحه يبدو كأنه امتداد ليده، جاهز للانقضاض في أي لحظة.
رغم ذلك، كان هناك شيء مزعج في الأمر. إذا كان كاسبر يعرف أنني لست ثيودور، لماذا لم يتحرك منذ الصباح؟ لماذا لم يحاول قتلي على الفور؟ هل كان ينتظر شيئًا؟
“ثيودور، فقط ماذا تفعل؟ هل جننت؟”
كاسبر كان يتحدث، لكن كلماته تلاشت في ضجيج عقلي. كنت أراه، أسمع نبرة صوته، لكن الكلمات لم تصل. كل تركيزي كان منصبًا على شيء آخر.
فجأة، شعرت بحركة خلفي. حركة لم أتوقعها. كنت واثقًا أنني كنت مقابلاً للحائط. كيف يمكن أن يحدث شيء هناك؟
التفت بسرعة، وكان المنظر أمامي كافيًا لتجميد الدم في عروقي.
فجأة، شعرت بحركة خلفي. حركة لم أتوقعها. كنت واثقًا أنني كنت مقابلاً للحائط. كيف يمكن أن يحدث شيء هناك؟
كان كاسبر يقف خلفي مباشرة. وجهه الخالي من المشاعر كان أشبه بقناع شيطاني. نظارته المستطيلة أضافت حدة غريبة لمظهره. كان هناك شيء مرعب في تلك النظرة، كأنها تخترقني وتكشف كل أسراري.
انطلقت كالسهم قبل أن يتمكن أي شخص في الغرفة من استيعاب ما يحدث. كنت أعلم أن المباغتة هي سلاحي الوحيد، وأن المفاجأة ستكون سلاحي الأقوى. في تلك اللحظات، كان الزمن يبدو وكأنه تباطأ. سمعت همسات الأنفاس، وشعرت بثقل الهواء حولي، لكنني تجاهلت كل شيء.
لم أفهم. كيف كان هنا، وهو في نفس الوقت هناك، على الجانب الآخر من الغرفة؟
هل… مت؟
المنظر تغير فجأة.
كنت على وشك التحرك عندما سمعته يتنفس بعمق، كأنه يحاول تهدئة نفسه. ثم تابع كاسبر، وكأن كلماته تحمل وزنًا ثقيلًا يصعب على الهواء حمله:
الأرضية، السقف، الجدران، كلها بدت وكأنها تنهار في دوامة من الظلام. حاولت التركيز، لكن كل شيء كان ينهار حولي.
رأيت نفسي.
كان كاسبر يقف خلفي مباشرة. وجهه الخالي من المشاعر كان أشبه بقناع شيطاني. نظارته المستطيلة أضافت حدة غريبة لمظهره. كان هناك شيء مرعب في تلك النظرة، كأنها تخترقني وتكشف كل أسراري.
لكن ليس كما كنت. رأيت جسدي، بلا رأس، ملقى على الأرض. بجانبه، كان يقف كاسبر، ممسكًا بجسد هارونلد السمين وكأنه لعبة مكسورة. وجوه البقية كانت محاطة بالظلام، لكنني شعرت بنظراتهم تخترقني.
المنظر تغير فجأة.
هل… مت؟
رغم ذلك، كان هناك شيء مزعج في الأمر. إذا كان كاسبر يعرف أنني لست ثيودور، لماذا لم يتحرك منذ الصباح؟ لماذا لم يحاول قتلي على الفور؟ هل كان ينتظر شيئًا؟
كانت تلك الفكرة تضربني كصاعقة. المشهد أمامي كان عبثيًا، كابوسًا يرفض أن ينتهي.
الصدمة اخترقتني كخنجر غير مرئي، لكنها لم تستطع كسر القناع البارد الذي أجبرت نفسي على ارتدائه.
الساطور.
“تبا.”
كانت كلماته كافية لتجعل كل شيء يتوقف للحظة. الجو في الغرفة تغير، كأن ثقلاً جديدًا قد أُلقي فيه.
كان هذا كل ما استطعت قوله قبل أن يغمرني الظلام تمامًا.
نظرت ببرود نحو كاسبر، لم يعد هناك مجال لإخفاء الحقيقة أو التظاهر بأني “ثيودور السابق”. لقد انتهى ذلك الشخص منذ أن وجدت نفسي محاصرًا في هذا العالم الغريب، عالمٌ يلتهم المنطق ويلقي بي في جنون بلا حدود. لم أعد أهتم إن كنت سأكشف نفسي. ما الجدوى؟
“كان ذلك في غابة غيرمفليد. لم تكن الأوضاع لصالحنا. أخبرني ثيودور أن ذلك الكيان قد بدأ بالتسلل إليه.”
