في غابة غيرمفليد سقط ثيودور
نظرت ببرود نحو كاسبر، لم يعد هناك مجال لإخفاء الحقيقة أو التظاهر بأني “ثيودور السابق”. لقد انتهى ذلك الشخص منذ أن وجدت نفسي محاصرًا في هذا العالم الغريب، عالمٌ يلتهم المنطق ويلقي بي في جنون بلا حدود. لم أعد أهتم إن كنت سأكشف نفسي. ما الجدوى؟
“أي حركة غير متوقعة، وسأنحر هذا العجل السمين أسفلي.”
نظرت ببرود نحو كاسبر، لم يعد هناك مجال لإخفاء الحقيقة أو التظاهر بأني “ثيودور السابق”. لقد انتهى ذلك الشخص منذ أن وجدت نفسي محاصرًا في هذا العالم الغريب، عالمٌ يلتهم المنطق ويلقي بي في جنون بلا حدود. لم أعد أهتم إن كنت سأكشف نفسي. ما الجدوى؟
شعرت بارتعاش طفيف في أطرافي، ليس بسبب البرد الذي يملأ الغرفة، بل بسبب الخوف الحقيقي الذي يتسرب إلى كل جزء مني. كان قلبي يدق بخفوت غريب، كما لو أنه يهمس لي: “اصمد”، لكن كل نبضة تحمل معها ثقل الرهبة والشك.
كان أكبر من أي ساطور رأيته من قبل، حجمه ضعف المعتاد، ومعدنه الأسود العميق يشع بلمعة غريبة. بدا كأنه قطعة من الظلام المصقول، شيء ينتمي إلى عالم آخر. قبضت عليه بشدة، شعرت بوزنه الثقيل بين يدي، لكنه لم يكن مرهقًا بل بدا وكأنه يتوافق مع قبضتي، كما لو كان مصنوعًا خصيصًا لي.
ورغم ذلك، كان هناك شعور أقوى يطغى على خوفي: الاشمئزاز. نعم، اشمئزاز عميق متأصل من هؤلاء الزنادقة. لقد قرأت عن أمثالهم. سمعت عن الطقوس التي يمارسونها، عن الجرائم التي ارتكبوها باسم أيديولوجياتهم الملتوية.
كاسبر كان يتحدث، لكن كلماته تلاشت في ضجيج عقلي. كنت أراه، أسمع نبرة صوته، لكن الكلمات لم تصل. كل تركيزي كان منصبًا على شيء آخر.
الساطور.
هارونلد.
ذلك السمين بطيء الحركة، ذلك الذي كنت ألاحظه بصمت منذ اللحظة الأولى. درسته بعناية، تتبعت كل حركة، كل تفصيلة. صحيح أنه يمتلك بنية جسدية قوية، لكن عيناه تخونه. كان بليدًا، غير واعٍ تمامًا بما يدور حوله. تركيزه ضعيف، ردود أفعاله بطيئة.
أما كاسبر؟ نظرة واحدة تكفي لمعرفة أنه ليس هدفًا واقعيًا. كان يقف بثقة، وكأن كل ما يحدث هنا يدور في فلكه. جسده يشع تهديدًا صامتًا، وسلاحه يبدو كأنه امتداد ليده، جاهز للانقضاض في أي لحظة.
البقية؟ كانوا غامضين، وكل غموضهم كان كافياً لجعلي أشعر بعدم الارتياح. أسلحتهم بدت غريبة، أدوات تشبه الخناجر لكن حوافها كانت متوهجة بوميض طفيف. ربما تحمل سحرًا، أو شيئًا أسوأ.
الهواء في الغرفة كان ثقيلًا كأنه مشبع بغيوم غير مرئية، مشحونًا بطاقة مريبة جعلت كل شيء يبدو مشوّشًا. كلمات كاسبر الأخيرة كانت كالصفعة على وجهي، أو بالأحرى، على إدراكي الهش للوضع. “ثيودور مات قبل يومين. أنا من قتلته.”
“أي حركة غير متوقعة، وسأنحر هذا العجل السمين أسفلي.”
لكن هارونلد؟ كان يحمل ساطورًا كبيرًا معلقًا على خصره. كان هدفًا يمكن الوصول إليه، خطوة أولى في محاولة لكسر سيطرتهم. خطتي كانت واضحة: أهاجمه، أستولي على الساطور، وأستخدمه كرهينة للسيطرة على الوضع. وإذا فشلت؟ الباب مفتوح خلفي، وهناك نافذة مهترئة يمكنني الاندفاع من خلالها إذا لزم الأمر.
نظرت سريعًا حولي، لكن كل شيء حولي كان غريبًا. تلك الغرفة التي دخلتها قبل دقائق لم تكن كما هي الآن.
كانت الأرضية، التي بدت عادية عند دخولي، قد تحولت إلى سطح خرساني قاتم، بلون أحمر يميل إلى القرمزي، وكأنها قد تشبعت بدماء أجيال من الأرواح. أشكال هندسية غريبة محفورة في الخرسانة، بدت منظمة بشكل غير مريح، كأنها جزء من طقوس شيطانية أُجريت هنا.
هارونلد.
هارونلد.
الجدران؟ لم تعد تلك الجدران المتشققة المعتادة. الآن كانت مظلمة بالكامل، وكأنها ابتلعت الضوء نفسه. من بعيد، بدت الجدران وكأنها تتنفس، ترتعش بهدوء، كما لو أن هذا المكان حيٌّ بطريقة مروعة.
الهواء كان ثقيلًا بشكل يكاد يخنقني. لم يكن مجرد هواء، بل خليط من الرطوبة والرهبة، مليئًا بهمهمات خافتة، كأن آلاف الأرواح الملعونة تحاول الهمس لي. لم أستطع فهم الكلمات، لكن كل همسة كانت تشعرني بوخز خفيف في رأسي.
رغم الخوف الذي كنت أشعر به داخليًا، لم أترك شفقة أو تردد يظهران على ملامحي. هؤلاء الزنادقة لا يستحقون شيئًا سوى الموت. مجرد التفكير بأن هذا الجسد الذي أتحرك فيه الآن كان ينتمي يومًا لأحدهم كان كافيًا ليشعرني بالاشمئزاز.
لم يكن هناك وقت للتفكير أكثر.
نظرت إلى هارونلد بعينين مشحونتين بالعزم، كان جسدي متشنجًا، لكن كل عضلة فيه كانت مستعدة للحركة. أخذت خطوة واحدة نحو الأمام، ثم اندفعت بكل قوتي نحوه، وصرخة داخلية تصدح في رأسي: “إما الآن أو أبدًا.”
الهواء في الغرفة كان ثقيلًا كأنه مشبع بغيوم غير مرئية، مشحونًا بطاقة مريبة جعلت كل شيء يبدو مشوّشًا. كلمات كاسبر الأخيرة كانت كالصفعة على وجهي، أو بالأحرى، على إدراكي الهش للوضع. “ثيودور مات قبل يومين. أنا من قتلته.”
انطلقت كالسهم قبل أن يتمكن أي شخص في الغرفة من استيعاب ما يحدث. كنت أعلم أن المباغتة هي سلاحي الوحيد، وأن المفاجأة ستكون سلاحي الأقوى. في تلك اللحظات، كان الزمن يبدو وكأنه تباطأ. سمعت همسات الأنفاس، وشعرت بثقل الهواء حولي، لكنني تجاهلت كل شيء.
تلك الكلمات، مليئة بالعاطفة المكبوتة، أثارت شيئًا بداخلي. لم أكن أعرف أن هناك هذه الرابطة بينهما. لكنني لم أسمح لنفسي بالشعور بأي تعاطف. تبا للزنادقة. ليبقوا في الجحيم.
كنت على وشك التحرك عندما سمعته يتنفس بعمق، كأنه يحاول تهدئة نفسه. ثم تابع كاسبر، وكأن كلماته تحمل وزنًا ثقيلًا يصعب على الهواء حمله:
واحد، اثنان، ثلاثة.
رغم ذلك، كان هناك شيء مزعج في الأمر. إذا كان كاسبر يعرف أنني لست ثيودور، لماذا لم يتحرك منذ الصباح؟ لماذا لم يحاول قتلي على الفور؟ هل كان ينتظر شيئًا؟
رأيت نظرة هارونلد تتغير، اتسعت عيناه برعب مفاجئ، لكنه لم يكن سريعًا بما يكفي ليتفادى ما حدث بعد ذلك. قدمت انطلقت كرصاصة نحو هدفها، ركلة مباشرة وقوية استهدفت المنطقة الحساسة بين ساقيه.
“تبا.”
نعم، هناك بالضبط.
رغم ذلك، كان هناك شيء مزعج في الأمر. إذا كان كاسبر يعرف أنني لست ثيودور، لماذا لم يتحرك منذ الصباح؟ لماذا لم يحاول قتلي على الفور؟ هل كان ينتظر شيئًا؟
قبل حتى أن يصرخ أو يشعر بالألم، قمت بحركة ملتفة، قفزت بخفة وسرعة، ووجهت له ركلة منحنية بشقلبة كاملة أسقطته أرضًا كعجل ميت. صوت جسده الثقيل وهو يصطدم بالأرض كان أشبه بانفجار مكتوم، واهتزاز الغرفة تحته كأنه كائن ضخم قد انهار.
لقد أغمي عليه فورًا.
نظرت إلى هارونلد بعينين مشحونتين بالعزم، كان جسدي متشنجًا، لكن كل عضلة فيه كانت مستعدة للحركة. أخذت خطوة واحدة نحو الأمام، ثم اندفعت بكل قوتي نحوه، وصرخة داخلية تصدح في رأسي: “إما الآن أو أبدًا.”
كاسبر كان يتحدث، لكن كلماته تلاشت في ضجيج عقلي. كنت أراه، أسمع نبرة صوته، لكن الكلمات لم تصل. كل تركيزي كان منصبًا على شيء آخر.
لم أترك لنفسي لحظة للراحة أو التفكير. كنت أعلم أن البقية قد انتبهوا الآن، وأن رد فعلهم سيكون سريعًا. تحركت كالنمر الجائع، أطلقت يدي نحو الساطور الكبير المعلق على خصر هارونلد.
الهواء في الغرفة كان ثقيلًا كأنه مشبع بغيوم غير مرئية، مشحونًا بطاقة مريبة جعلت كل شيء يبدو مشوّشًا. كلمات كاسبر الأخيرة كانت كالصفعة على وجهي، أو بالأحرى، على إدراكي الهش للوضع. “ثيودور مات قبل يومين. أنا من قتلته.”
قبل حتى أن يصرخ أو يشعر بالألم، قمت بحركة ملتفة، قفزت بخفة وسرعة، ووجهت له ركلة منحنية بشقلبة كاملة أسقطته أرضًا كعجل ميت. صوت جسده الثقيل وهو يصطدم بالأرض كان أشبه بانفجار مكتوم، واهتزاز الغرفة تحته كأنه كائن ضخم قد انهار.
الساطور.
رأيت نظرة هارونلد تتغير، اتسعت عيناه برعب مفاجئ، لكنه لم يكن سريعًا بما يكفي ليتفادى ما حدث بعد ذلك. قدمت انطلقت كرصاصة نحو هدفها، ركلة مباشرة وقوية استهدفت المنطقة الحساسة بين ساقيه.
كان أكبر من أي ساطور رأيته من قبل، حجمه ضعف المعتاد، ومعدنه الأسود العميق يشع بلمعة غريبة. بدا كأنه قطعة من الظلام المصقول، شيء ينتمي إلى عالم آخر. قبضت عليه بشدة، شعرت بوزنه الثقيل بين يدي، لكنه لم يكن مرهقًا بل بدا وكأنه يتوافق مع قبضتي، كما لو كان مصنوعًا خصيصًا لي.
لقد أغمي عليه فورًا.
رفعت بصري نحو كاسبر، الذي كان يتحرك نحوي بسرعة. عيناه الجليديتان كانت تشتعلان بغضب بارد، ونية الموت كانت تتدفق منه كريح عاصفة. مشيته كانت ثابتة ومخيفة، كأن كل خطوة تخبرني: “أنت لن تنجو.”
البقية؟ كانوا غامضين، وكل غموضهم كان كافياً لجعلي أشعر بعدم الارتياح. أسلحتهم بدت غريبة، أدوات تشبه الخناجر لكن حوافها كانت متوهجة بوميض طفيف. ربما تحمل سحرًا، أو شيئًا أسوأ.
لكنني كنت مستعدًا.
كان صوته هادئًا، لكنه يحمل شيئًا من الحزن المكبوت. زفرة خفيفة خرجت منه، كأنها تحمل ذكرى ثقيلة.
واحد، اثنان، ثلاثة.
بيد واحدة، قبضت على شعر هارونلد الكثيف، ورفعت رأسه المترنح كالدمية أمامي. بدا كأنه مجرد كلب ميت، لا وزن له ولا قيمة. نظرت إلى كاسبر، وعيناي كانتا تتحدثان بصوت أعلى من أي كلمات:
“خطوة واحدة أخرى، وسأقطع رأسه.”
رغم الخوف الذي كنت أشعر به داخليًا، لم أترك شفقة أو تردد يظهران على ملامحي. هؤلاء الزنادقة لا يستحقون شيئًا سوى الموت. مجرد التفكير بأن هذا الجسد الذي أتحرك فيه الآن كان ينتمي يومًا لأحدهم كان كافيًا ليشعرني بالاشمئزاز.
لكن هارونلد؟ كان يحمل ساطورًا كبيرًا معلقًا على خصره. كان هدفًا يمكن الوصول إليه، خطوة أولى في محاولة لكسر سيطرتهم. خطتي كانت واضحة: أهاجمه، أستولي على الساطور، وأستخدمه كرهينة للسيطرة على الوضع. وإذا فشلت؟ الباب مفتوح خلفي، وهناك نافذة مهترئة يمكنني الاندفاع من خلالها إذا لزم الأمر.
“ثيودور، فقط ماذا تفعل؟ هل جننت؟”
الهواء في الغرفة كان ثقيلًا كأنه مشبع بغيوم غير مرئية، مشحونًا بطاقة مريبة جعلت كل شيء يبدو مشوّشًا. كلمات كاسبر الأخيرة كانت كالصفعة على وجهي، أو بالأحرى، على إدراكي الهش للوضع. “ثيودور مات قبل يومين. أنا من قتلته.”
كان الصوت قادمًا من أحد الأشخاص الآخرين في الغرفة، نبرته كانت مليئة بالدهشة والارتباك، كأنه غير قادر على تصديق ما يراه.
كان هذا كل ما استطعت قوله قبل أن يغمرني الظلام تمامًا.
شعرت بشيء في داخلي يتغير. لم أكن بحاجة إلى المزيد من التأكيد. اللعبة انتهت، والتمثيل لم يعد خيارًا.
لكن قبل أن أرد، جاء صوت كاسبر حادًا وقاطعًا:
شعرت بشيء في داخلي يتغير. لم أكن بحاجة إلى المزيد من التأكيد. اللعبة انتهت، والتمثيل لم يعد خيارًا.
“جاك، هذا ليس ثيودور. توقف.”
الهواء كان ثقيلًا بشكل يكاد يخنقني. لم يكن مجرد هواء، بل خليط من الرطوبة والرهبة، مليئًا بهمهمات خافتة، كأن آلاف الأرواح الملعونة تحاول الهمس لي. لم أستطع فهم الكلمات، لكن كل همسة كانت تشعرني بوخز خفيف في رأسي.
كانت كلماته كافية لتجعل كل شيء يتوقف للحظة. الجو في الغرفة تغير، كأن ثقلاً جديدًا قد أُلقي فيه.
قتلني؟ لا، ليسني أنا. بل… أنا السابق. ثيودور الأصلي.
ليس ثيودور؟
مات؟
شعرت بشيء في داخلي يتغير. لم أكن بحاجة إلى المزيد من التأكيد. اللعبة انتهت، والتمثيل لم يعد خيارًا.
الصدمة اخترقتني كخنجر غير مرئي، لكنها لم تستطع كسر القناع البارد الذي أجبرت نفسي على ارتدائه.
الهواء في الغرفة كان ثقيلًا كأنه مشبع بغيوم غير مرئية، مشحونًا بطاقة مريبة جعلت كل شيء يبدو مشوّشًا. كلمات كاسبر الأخيرة كانت كالصفعة على وجهي، أو بالأحرى، على إدراكي الهش للوضع. “ثيودور مات قبل يومين. أنا من قتلته.”
الصدمة اخترقتني كخنجر غير مرئي، لكنها لم تستطع كسر القناع البارد الذي أجبرت نفسي على ارتدائه.
مات؟
“تبا.”
قتلني؟ لا، ليسني أنا. بل… أنا السابق. ثيودور الأصلي.
كان هذا كل ما استطعت قوله قبل أن يغمرني الظلام تمامًا.
التفكير في ذلك جعلني أشعر بارتعاش داخلي غير مبرر، كأنني كنت على وشك الانهيار. لكنني تمالكت نفسي. هذه اللحظة ليست مناسبة لفقدان التركيز. كنت أعلم أن أي حركة خاطئة مني ستُقلب الطاولة ضدي.
لكن هارونلد؟ كان يحمل ساطورًا كبيرًا معلقًا على خصره. كان هدفًا يمكن الوصول إليه، خطوة أولى في محاولة لكسر سيطرتهم. خطتي كانت واضحة: أهاجمه، أستولي على الساطور، وأستخدمه كرهينة للسيطرة على الوضع. وإذا فشلت؟ الباب مفتوح خلفي، وهناك نافذة مهترئة يمكنني الاندفاع من خلالها إذا لزم الأمر.
قتلني؟ لا، ليسني أنا. بل… أنا السابق. ثيودور الأصلي.
نظرت نحو الجميع. وجوههم كانت متيبسة، عيونهم مليئة بالارتباك والحيرة. كان الموقف قد تغير، نية الموت التي ملأت المكان قبل لحظات خمدت قليلاً، لكن لم تختفِ تمامًا. شعرت برغبة في لعن نفسي، لماذا تهورت؟ لماذا وضعت نفسي في هذا الموقف؟ لكنني أزحت الفكرة من رأسي بسرعة.
البقية؟ كانوا غامضين، وكل غموضهم كان كافياً لجعلي أشعر بعدم الارتياح. أسلحتهم بدت غريبة، أدوات تشبه الخناجر لكن حوافها كانت متوهجة بوميض طفيف. ربما تحمل سحرًا، أو شيئًا أسوأ.
“أي حركة غير متوقعة، وسأنحر هذا العجل السمين أسفلي.”
“جاك، هذا ليس ثيودور. توقف.”
التفت بسرعة، وكان المنظر أمامي كافيًا لتجميد الدم في عروقي.
كنت على وشك التحرك عندما سمعته يتنفس بعمق، كأنه يحاول تهدئة نفسه. ثم تابع كاسبر، وكأن كلماته تحمل وزنًا ثقيلًا يصعب على الهواء حمله:
بيد واحدة، قبضت على شعر هارونلد الكثيف، ورفعت رأسه المترنح كالدمية أمامي. بدا كأنه مجرد كلب ميت، لا وزن له ولا قيمة. نظرت إلى كاسبر، وعيناي كانتا تتحدثان بصوت أعلى من أي كلمات:
“كان ذلك في غابة غيرمفليد. لم تكن الأوضاع لصالحنا. أخبرني ثيودور أن ذلك الكيان قد بدأ بالتسلل إليه.”
كان كاسبر يقف خلفي مباشرة. وجهه الخالي من المشاعر كان أشبه بقناع شيطاني. نظارته المستطيلة أضافت حدة غريبة لمظهره. كان هناك شيء مرعب في تلك النظرة، كأنها تخترقني وتكشف كل أسراري.
كان صوته هادئًا، لكنه يحمل شيئًا من الحزن المكبوت. زفرة خفيفة خرجت منه، كأنها تحمل ذكرى ثقيلة.
كاسبر كان يتحدث، لكن كلماته تلاشت في ضجيج عقلي. كنت أراه، أسمع نبرة صوته، لكن الكلمات لم تصل. كل تركيزي كان منصبًا على شيء آخر.
لم أفهم. كيف كان هنا، وهو في نفس الوقت هناك، على الجانب الآخر من الغرفة؟
“لقد طلب مني بنفسه أن أفعل ذلك. لم يكن يريد أن يصبح وعاءً لذلك الكيان. لثيودور كان الأمر أسوأ من الموت. لمدة طويلة، لم أعرف ماذا أفعل. ثيودور كان بمثابة أخ لي. كنت أفضل خسارة حياتي على أن أراه يموت.”
كان هذا كل ما استطعت قوله قبل أن يغمرني الظلام تمامًا.
تلك الكلمات، مليئة بالعاطفة المكبوتة، أثارت شيئًا بداخلي. لم أكن أعرف أن هناك هذه الرابطة بينهما. لكنني لم أسمح لنفسي بالشعور بأي تعاطف. تبا للزنادقة. ليبقوا في الجحيم.
ذلك السمين بطيء الحركة، ذلك الذي كنت ألاحظه بصمت منذ اللحظة الأولى. درسته بعناية، تتبعت كل حركة، كل تفصيلة. صحيح أنه يمتلك بنية جسدية قوية، لكن عيناه تخونه. كان بليدًا، غير واعٍ تمامًا بما يدور حوله. تركيزه ضعيف، ردود أفعاله بطيئة.
رغم ذلك، كان هناك شيء مزعج في الأمر. إذا كان كاسبر يعرف أنني لست ثيودور، لماذا لم يتحرك منذ الصباح؟ لماذا لم يحاول قتلي على الفور؟ هل كان ينتظر شيئًا؟
مات؟
فجأة، شعرت بحركة خلفي. حركة لم أتوقعها. كنت واثقًا أنني كنت مقابلاً للحائط. كيف يمكن أن يحدث شيء هناك؟
نظرت إلى هارونلد بعينين مشحونتين بالعزم، كان جسدي متشنجًا، لكن كل عضلة فيه كانت مستعدة للحركة. أخذت خطوة واحدة نحو الأمام، ثم اندفعت بكل قوتي نحوه، وصرخة داخلية تصدح في رأسي: “إما الآن أو أبدًا.”
التفت بسرعة، وكان المنظر أمامي كافيًا لتجميد الدم في عروقي.
“خطوة واحدة أخرى، وسأقطع رأسه.”
كان كاسبر يقف خلفي مباشرة. وجهه الخالي من المشاعر كان أشبه بقناع شيطاني. نظارته المستطيلة أضافت حدة غريبة لمظهره. كان هناك شيء مرعب في تلك النظرة، كأنها تخترقني وتكشف كل أسراري.
ورغم ذلك، كان هناك شعور أقوى يطغى على خوفي: الاشمئزاز. نعم، اشمئزاز عميق متأصل من هؤلاء الزنادقة. لقد قرأت عن أمثالهم. سمعت عن الطقوس التي يمارسونها، عن الجرائم التي ارتكبوها باسم أيديولوجياتهم الملتوية.
لم أفهم. كيف كان هنا، وهو في نفس الوقت هناك، على الجانب الآخر من الغرفة؟
المنظر تغير فجأة.
انطلقت كالسهم قبل أن يتمكن أي شخص في الغرفة من استيعاب ما يحدث. كنت أعلم أن المباغتة هي سلاحي الوحيد، وأن المفاجأة ستكون سلاحي الأقوى. في تلك اللحظات، كان الزمن يبدو وكأنه تباطأ. سمعت همسات الأنفاس، وشعرت بثقل الهواء حولي، لكنني تجاهلت كل شيء.
الأرضية، السقف، الجدران، كلها بدت وكأنها تنهار في دوامة من الظلام. حاولت التركيز، لكن كل شيء كان ينهار حولي.
“ثيودور، فقط ماذا تفعل؟ هل جننت؟”
رأيت نفسي.
رفعت بصري نحو كاسبر، الذي كان يتحرك نحوي بسرعة. عيناه الجليديتان كانت تشتعلان بغضب بارد، ونية الموت كانت تتدفق منه كريح عاصفة. مشيته كانت ثابتة ومخيفة، كأن كل خطوة تخبرني: “أنت لن تنجو.”
لكن ليس كما كنت. رأيت جسدي، بلا رأس، ملقى على الأرض. بجانبه، كان يقف كاسبر، ممسكًا بجسد هارونلد السمين وكأنه لعبة مكسورة. وجوه البقية كانت محاطة بالظلام، لكنني شعرت بنظراتهم تخترقني.
هل… مت؟
“ثيودور، فقط ماذا تفعل؟ هل جننت؟”
تلك الكلمات، مليئة بالعاطفة المكبوتة، أثارت شيئًا بداخلي. لم أكن أعرف أن هناك هذه الرابطة بينهما. لكنني لم أسمح لنفسي بالشعور بأي تعاطف. تبا للزنادقة. ليبقوا في الجحيم.
كانت تلك الفكرة تضربني كصاعقة. المشهد أمامي كان عبثيًا، كابوسًا يرفض أن ينتهي.
“لقد طلب مني بنفسه أن أفعل ذلك. لم يكن يريد أن يصبح وعاءً لذلك الكيان. لثيودور كان الأمر أسوأ من الموت. لمدة طويلة، لم أعرف ماذا أفعل. ثيودور كان بمثابة أخ لي. كنت أفضل خسارة حياتي على أن أراه يموت.”
“تبا.”
مات؟
كان هذا كل ما استطعت قوله قبل أن يغمرني الظلام تمامًا.
قتلني؟ لا، ليسني أنا. بل… أنا السابق. ثيودور الأصلي.
