ثيودور
الليلة كانت كثيفة بالهدوء المشحون، كأن العالم نفسه يتنفس بصعوبة تحت وطأة الظلام. نزلت من سيارة الشرطة التابعة للمكتب، وتقدمت ببطء نحو مدخل الجامعة. الأضواء الخافتة المنبعثة من أعمدة الإنارة بالكاد تلامس الأرصفة الرطبة، كأنها تخشى التوغل في أعماق الظلام المحيط.
دفعت الباب، والظلام استقبلني كصديق قديم. نظرت إلى الداخل بحذر، وكانت رائحة المكان تشبه تمامًا ما كنت أتوقعه: عفونة خفيفة، مزيج من رائحة خشب قديم وغبار متراكم.
لم يكن بإمكاني التفكير بوضوح. عقلي كان كتلة متشابكة من الذكريات المبعثرة والمشاعر المتضاربة. رغم ذلك، لم أستطع تجاهل أن التجول وحيدًا في الجامعة بعد منتصف الليل كان فكرة سيئة، بل خطيرة بما يكفي لتجعلك تتساءل عن قرارك قبل أن تخطو أول خطوة.
أخرجت التميمة الخاصة بي ببطء، تلك القطعة الصغيرة التي طالما شعرت أنها تحمل وزنًا أثقل مما يبدو. وضعتها حول عنقي، وعدّلت موضعها كأنها درع واهٍ ضد ما قد يخبئه الظلام. بعد ذلك عدّلت نظارتي، ثم ربطة عنقي غير المستوية، متجاهلاً الاهتزاز الطفيف في يدي. أخيرًا، نظرت إلى بدلتي المتهالكة التي بالكاد تعكس صورة رجل واثق.
“لماذا؟ كيف؟”
تقدمت بخطوات ثقيلة، وحيدًا في هذه الليلة البائسة. شعرت أن كل شيء حولي يراقبني بصمت مريب، كأن الجامعة ذاتها تتنفس وتتربص. كنت أمشي وحيدًا بهذا الشكل لأول مرة منذ زمن بعيد. لا، لم أكن وحيدًا بهذه الطريقة من قبل… ليس منذ أن قابلته.
فكرة أن هذا الكيان قد عاد أو أنه تسلل إلى هنا جعلتني أشعر بمزيج من الحماس والغضب. كنت مستعدًا لتدميره هذه المرة، مهما كلفني الأمر.
في تلك اللحظة، شعرت كأن الغرفة تضيق. الهواء أصبح أكثر ثقلاً. كأن الجدران تقترب مني ببطء، تدفعني نحو هذا الجسد الغامض، نحو الحقيقة التي أخشى معرفتها.
ثيودور.
مجرد ذكر اسمه كان كافيًا ليجعل قلبي يضيق كأنني أمسك بثقل غير مرئي. تذكُّر ما حدث معه يكفي لتحطيم أي تماسك بداخلي. حاولت أن أسيطر على نفسي، أن أدفن تلك الذكريات في أعمق زاوية من عقلي، لكن المشاعر كانت أقوى مني.
قطرات باردة سالت من عيني، دون أن أعي. هل كنت أبكي؟
“لكن كاسبر، هذه مجرد عيوب صغيرة.”
“هاي، كاسبر! لماذا لم تخبرني أن ربطة العنق خاصتي غير مستوية؟”
وضعت القفازات جانباً، واستحضرت الكلمات القديمة التي لا تفارق ذاكرتي. الكلمات التي تعلمتها منذ سنوات طويلة، حين كنت لا أزال مبتدئًا في هذا العالم المظلم. أدرت التميمة حول عنقي بين أصابعي، شعرت بالبرد الخفيف الذي ينبعث منها، كأنها تتنفس معي.
أردت تصديق ذلك. أردت بشدة أن يكون قد وجد طقسًا، تعويذة، شيئًا أنقذه قبل المهمة. ربما خطط لكل شيء مسبقًا، وعاد من الموت بطريقة ما.
كان صوته يعود لي كأن شبحًا قد استدعاه من الماضي.
“لا شيء…”
“ثيودور…”
لم أكن قد لاحظت أن ربطة عنقه كانت غير مستوية بالفعل. كان ينظر إلي بابتسامة مائلة، عابثة، تلك الابتسامة التي اعتدت أن أراها كلما بدأ يمزح معي.
“حسنًا، لك ذلك. أنت أحمق، غبي، نرجسي، مريض نفسي، مجنون، عنصري… وفي الواقع، بشع.”
“هذا… لا يعقل!”
“وماذا عن شعري؟ أبدو وكأنني مهرج، أليس كذلك؟”
لكنه رد بابتسامته المعتادة، تلك الابتسامة التي كانت تختبئ خلفها مشاعر لا يمكن قراءتها بسهولة:
“هل يمكن أن يكون هذا هو ثيو؟”
كان دائمًا يعبث بنفسه، يبحث عن أي فرصة ليجعلني أبتسم أو أضحك.
في كل مرة، النتيجة نفسها. الجسد أمامي… بشري. ليس فقط بشريًا، بل نقي بشكل مستحيل.
“هيا، ثيو. أنت رائع كما أنت.”
أخرجت التميمة الخاصة بي ببطء، تلك القطعة الصغيرة التي طالما شعرت أنها تحمل وزنًا أثقل مما يبدو. وضعتها حول عنقي، وعدّلت موضعها كأنها درع واهٍ ضد ما قد يخبئه الظلام. بعد ذلك عدّلت نظارتي، ثم ربطة عنقي غير المستوية، متجاهلاً الاهتزاز الطفيف في يدي. أخيرًا، نظرت إلى بدلتي المتهالكة التي بالكاد تعكس صورة رجل واثق.
“لا، لا. أنت فقط تجاملني. كونك صديقي المقرب، عليك أن تخبرني بعيوبي. أم أنك مجرد أفضل صديق مزيف؟ هه!”
رغم نبرته الهزلية، كنت أعرف أن هناك جزءًا منه يبحث عن إجابة. لذلك، قررت أن أرد عليه بطريقة جادة، بطريقة يعلم أنها مزاح أيضًا:
لكن الحقيقة كانت واضحة أمامي.
“حسنًا، لك ذلك. أنت أحمق، غبي، نرجسي، مريض نفسي، مجنون، عنصري… وفي الواقع، بشع.”
“كيف؟ ماذا يحدث هنا؟”
اقتربت أكثر. عيناي كانت تراقبان تفاصيل وجهه. كلما نظرت إليه، شعرت بثقل داخلي أكبر.
ابتسمت لنفسي حينها، وقلت في داخلي: “مهلاً، هذه صفاته أصلاً.”
لكنه رد بابتسامته المعتادة، تلك الابتسامة التي كانت تختبئ خلفها مشاعر لا يمكن قراءتها بسهولة:
كررت الطقس مرة أخرى. ثم مرة ثالثة. ورابعة. وخامسة.
“لكن كاسبر، هذه مجرد عيوب صغيرة.”
…
خطوت نحو السرير ببطء، كأنني أقترب من شيء مقدس ومحرم في آن واحد. كنت أرتجف، ليس من الخوف، بل من تلك المشاعر المختلطة التي لا أستطيع تفسيرها. ثيودور… إذا كان هذا أنت، فكيف عدت؟ وإذا لم تكن أنت، فمن أنت؟
رفعت نظري نحو الطريق المظلم الممتد أمامي، متناسياً ذكرياتي التي كانت تتدفق كالنهر الهائج. كان هناك شيء في الظلام، بقايا أرواح عالقة، تتجسس علي من زوايا الرؤية. شعرت بها، بتلك النظرات الباردة الخفية. لم أكن في حال جيد لمحاولة تبديدها. كنت أجر قدميّ نحو المهجع، والظلال تتراقص حولي، كأنها تهمس لي بأسرار لا أريد سماعها.
قلت ذلك، لكنني لم أستطع تجاهل الألم العالق في صدري. لم أكن أبكي فقط على ما فقدته، بل على ما أصبحت عليه.
وأخيرًا، وصلت أمام باب الغرفة رقم 9. كان الباب يبدو عادياً، لكنني كنت أعلم أنه يحمل خلفه ثقل ذكريات يصعب علي مواجهتها. مددت يدي نحو المقبض، ووجدت نفسي أرتجف.
ثيودور.
تقدمت بخطوات ثقيلة، وحيدًا في هذه الليلة البائسة. شعرت أن كل شيء حولي يراقبني بصمت مريب، كأن الجامعة ذاتها تتنفس وتتربص. كنت أمشي وحيدًا بهذا الشكل لأول مرة منذ زمن بعيد. لا، لم أكن وحيدًا بهذه الطريقة من قبل… ليس منذ أن قابلته.
قطرات باردة سالت من عيني، دون أن أعي. هل كنت أبكي؟
كررت الطقس مرة أخرى. ثم مرة ثالثة. ورابعة. وخامسة.
“على ذلك الوغد؟ تبا له…”
تحركت بسرعة حول الغرفة. فتشت الزوايا، تفحصت الأثاث، بحثت عن أي بقايا أو أثر لوجوده. لم أترك شبرًا دون أن أتحقق منه. ولكن… لم أجد شيئًا. لا رماد، لا بقايا طاقة، لا شيء.
دفعت الباب، والظلام استقبلني كصديق قديم. نظرت إلى الداخل بحذر، وكانت رائحة المكان تشبه تمامًا ما كنت أتوقعه: عفونة خفيفة، مزيج من رائحة خشب قديم وغبار متراكم.
قلت ذلك، لكنني لم أستطع تجاهل الألم العالق في صدري. لم أكن أبكي فقط على ما فقدته، بل على ما أصبحت عليه.
…
لم أستطع حماية أقرب أصدقائي. كل تلك التدريبات، الاختبارات، التجارب القاسية التي خضتها، لم تكن كافية. شعور الفشل كان يثقل صدري كصخرة عملاقة، والعجز كان كحبل ملتف حول عنقي، يخنقني ببطء. حاولت أن أسيطر على نفسي، أن أتجاهل تلك الأصوات التي تهمس في عقلي بأني لست إلا عبئًا، ثم دفعت الباب ببطء.
“تبا!”
كانت هذه الكلمة أول ما نطقت به بصوت خافت. لم أعد إلى هذه الغرفة منذ يومين، والآن، مجرد الوقوف أمامها يجعل قدماي ثقيلتين كأنهما مغروستان في الأرض.
لكن عيناي انجذبتا، كما لو كانتا مسيرتين، نحو السرير السفلي. السرير الذي كان دائمًا يخص ثيودور. توقفت. شيء ما لم يكن طبيعيًا.
دفعت الباب، والظلام استقبلني كصديق قديم. نظرت إلى الداخل بحذر، وكانت رائحة المكان تشبه تمامًا ما كنت أتوقعه: عفونة خفيفة، مزيج من رائحة خشب قديم وغبار متراكم.
ابتسمت لنفسي حينها، وقلت في داخلي: “مهلاً، هذه صفاته أصلاً.”
ألقيت نظرة سريعة نحو السرير العلوي، سرير هارونلد. “اللعين السمين!” قلتها في نفسي. لم يكن هذا الوغد يعتني بالمكان أبدًا. تربية العم فيليكس لم تُفلح معه. حتى في غيابي، بدا المكان وكأنه مهجور منذ أشهر.
ألقيت نظرة سريعة على التميمة حول عنقي، كانت لا تزال سليمة، لا شرخ، لا أثر لأي كسر. إذن، لم تكن تعويذة أو وهم. هذا حقيقي.
“هل يمكن أن يكون هذا هو ثيو؟”
لكن عيناي انجذبتا، كما لو كانتا مسيرتين، نحو السرير السفلي. السرير الذي كان دائمًا يخص ثيودور. توقفت. شيء ما لم يكن طبيعيًا.
ألقيت نظرة سريعة على التميمة حول عنقي، كانت لا تزال سليمة، لا شرخ، لا أثر لأي كسر. إذن، لم تكن تعويذة أو وهم. هذا حقيقي.
“هاه؟”
لكنه رد بابتسامته المعتادة، تلك الابتسامة التي كانت تختبئ خلفها مشاعر لا يمكن قراءتها بسهولة:
هناك شخص نائم على السرير.
“لا، لا. أنت فقط تجاملني. كونك صديقي المقرب، عليك أن تخبرني بعيوبي. أم أنك مجرد أفضل صديق مزيف؟ هه!”
“من هذا؟ من ابن اللعينة الذي يحتل مكان ثيو؟”
قطرات باردة سالت من عيني، دون أن أعي. هل كنت أبكي؟
“حسناً…”
خطوت ببطء، يدي مشدودة، قبضتي متوترة. كنت على وشك صفع هذا المتطفل، ولكن… توقفت.
الظلال حول الغرفة بدت وكأنها تتحرك، أو ربما كنت أتخيل ذلك. لكن شيئًا آخر جذب انتباهي أكثر من أي شيء آخر.
“وماذا عن شعري؟ أبدو وكأنني مهرج، أليس كذلك؟”
“هذا ليس ثيو. لا يمكن أن يكون.”
“هذا… هذا ثيو؟”
“هذا… لا يعقل!”
لكن عيناي انجذبتا، كما لو كانتا مسيرتين، نحو السرير السفلي. السرير الذي كان دائمًا يخص ثيودور. توقفت. شيء ما لم يكن طبيعيًا.
تراجعت خطوة. لم أكن أصدق عيني. جسدي كان يرتجف، ليس خوفًا، بل ارتباكًا مطلقًا.
“هل يمكن أن يكون هذا هو ثيو؟”
في كل مرة، النتيجة نفسها. الجسد أمامي… بشري. ليس فقط بشريًا، بل نقي بشكل مستحيل.
“هل أنا أحلم؟”
خطوت نحو السرير ببطء، كأنني أقترب من شيء مقدس ومحرم في آن واحد. كنت أرتجف، ليس من الخوف، بل من تلك المشاعر المختلطة التي لا أستطيع تفسيرها. ثيودور… إذا كان هذا أنت، فكيف عدت؟ وإذا لم تكن أنت، فمن أنت؟
“هل أنا أحلم؟”
ألقيت نظرة سريعة على التميمة حول عنقي، كانت لا تزال سليمة، لا شرخ، لا أثر لأي كسر. إذن، لم تكن تعويذة أو وهم. هذا حقيقي.
“كيف؟ ماذا يحدث هنا؟”
رفعت نظري نحو الطريق المظلم الممتد أمامي، متناسياً ذكرياتي التي كانت تتدفق كالنهر الهائج. كان هناك شيء في الظلام، بقايا أرواح عالقة، تتجسس علي من زوايا الرؤية. شعرت بها، بتلك النظرات الباردة الخفية. لم أكن في حال جيد لمحاولة تبديدها. كنت أجر قدميّ نحو المهجع، والظلال تتراقص حولي، كأنها تهمس لي بأسرار لا أريد سماعها.
عيناي انتقلت بسرعة بين السرير والجسد المستلقي عليه. عقلي كان يعيد صياغة الأحداث، يحاول تفسير ما أراه. كنت متأكدًا مما حدث. ما حدث بالأمس كان حقيقيًا. رأيت ثيو يسقط. رأيت المكتب يتدخل. رأيت…
تقدمت بخطوات ثقيلة، وحيدًا في هذه الليلة البائسة. شعرت أن كل شيء حولي يراقبني بصمت مريب، كأن الجامعة ذاتها تتنفس وتتربص. كنت أمشي وحيدًا بهذا الشكل لأول مرة منذ زمن بعيد. لا، لم أكن وحيدًا بهذه الطريقة من قبل… ليس منذ أن قابلته.
توقفت فجأة.
عيناي انتقلت بسرعة بين السرير والجسد المستلقي عليه. عقلي كان يعيد صياغة الأحداث، يحاول تفسير ما أراه. كنت متأكدًا مما حدث. ما حدث بالأمس كان حقيقيًا. رأيت ثيو يسقط. رأيت المكتب يتدخل. رأيت…
“هذا… لا يعقل!”
دخلت وضعية هجومية دون تفكير. يداي أصبحتا متوترة، وعيناي تمسحان الغرفة بعناية.
“قد يكون الكيان هنا.”
ألقيت نظرة سريعة على التميمة حول عنقي، كانت لا تزال سليمة، لا شرخ، لا أثر لأي كسر. إذن، لم تكن تعويذة أو وهم. هذا حقيقي.
فكرة أن هذا الكيان قد عاد أو أنه تسلل إلى هنا جعلتني أشعر بمزيج من الحماس والغضب. كنت مستعدًا لتدميره هذه المرة، مهما كلفني الأمر.
عقلي كان يدور كدوامة. أسئلة بلا إجابات. الاحتمالات الوحيدة التي تبقت لي كانت مريعة، لكنني لم أكن مستعدًا لمواجهتها بعد.
تحركت بسرعة حول الغرفة. فتشت الزوايا، تفحصت الأثاث، بحثت عن أي بقايا أو أثر لوجوده. لم أترك شبرًا دون أن أتحقق منه. ولكن… لم أجد شيئًا. لا رماد، لا بقايا طاقة، لا شيء.
تحركت بسرعة حول الغرفة. فتشت الزوايا، تفحصت الأثاث، بحثت عن أي بقايا أو أثر لوجوده. لم أترك شبرًا دون أن أتحقق منه. ولكن… لم أجد شيئًا. لا رماد، لا بقايا طاقة، لا شيء.
ثيودور.
ابتسمت لنفسي حينها، وقلت في داخلي: “مهلاً، هذه صفاته أصلاً.”
توقفت، أنفاسي كانت متسارعة، وعيناي عادت لتتوجه نحو الجسد المستلقي.
في تلك اللحظة، شعرت كأن الغرفة تضيق. الهواء أصبح أكثر ثقلاً. كأن الجدران تقترب مني ببطء، تدفعني نحو هذا الجسد الغامض، نحو الحقيقة التي أخشى معرفتها.
“هذا ليس ثيو. لا يمكن أن يكون.”
كانت هذه الكلمة أول ما نطقت به بصوت خافت. لم أعد إلى هذه الغرفة منذ يومين، والآن، مجرد الوقوف أمامها يجعل قدماي ثقيلتين كأنهما مغروستان في الأرض.
لكن ملامحه، تفاصيله، كانت نسخة طبق الأصل. شعرت بصدري يضيق، كأن قلبي يُعصر بيد غير مرئية.
“لماذا؟ كيف؟”
لم أستطع سوى الشعور بذلك الألم الحاد. كان وجهه، ملامحه، كل شيء يصرخ باسمه. لكن عقلي كان يرفض قبول الحقيقة. كنت أعرف أن ما حدث كان حقيقيًا. كنت هناك. رأيت النهاية بعيني.
ومع ذلك، في أعماقي، كانت هناك تلك الشعلة الصغيرة من الأمل. شعلة تأبى أن تنطفئ، رغم كل الأدلة التي تشير إلى العكس.
خطوت ببطء، يدي مشدودة، قبضتي متوترة. كنت على وشك صفع هذا المتطفل، ولكن… توقفت.
خطوت نحو السرير ببطء، كأنني أقترب من شيء مقدس ومحرم في آن واحد. كنت أرتجف، ليس من الخوف، بل من تلك المشاعر المختلطة التي لا أستطيع تفسيرها. ثيودور… إذا كان هذا أنت، فكيف عدت؟ وإذا لم تكن أنت، فمن أنت؟
“هذا… لا يعقل!”
…
قمت بخلع القفازات البيضاء من يدي بحذر، كأنني أستعد لمس مقدس أو محرم. أناملي ارتعشت لوهلة، لكنني أجبرت نفسي على الثبات. الغرفة كانت هادئة، لكن في داخل رأسي، كانت العاصفة مشتعلة.
“حسناً…”
“كيف؟ ماذا يحدث هنا؟”
لكن ملامحه، تفاصيله، كانت نسخة طبق الأصل. شعرت بصدري يضيق، كأن قلبي يُعصر بيد غير مرئية.
وضعت القفازات جانباً، واستحضرت الكلمات القديمة التي لا تفارق ذاكرتي. الكلمات التي تعلمتها منذ سنوات طويلة، حين كنت لا أزال مبتدئًا في هذا العالم المظلم. أدرت التميمة حول عنقي بين أصابعي، شعرت بالبرد الخفيف الذي ينبعث منها، كأنها تتنفس معي.
لم أستطع سوى الشعور بذلك الألم الحاد. كان وجهه، ملامحه، كل شيء يصرخ باسمه. لكن عقلي كان يرفض قبول الحقيقة. كنت أعرف أن ما حدث كان حقيقيًا. كنت هناك. رأيت النهاية بعيني.
رفعت يدي ببطء وأديت الطقس. حركة دقيقة باليد، ترديد خافت بالكلمات. الطقس كان بسيطًا، لكنه فعال. كوسيط، هذه الغرفة كانت أشبه بمنزلي الثاني، والمكان يستجيب لي بسهولة. كنت واثقًا أنني سأكشف الحقيقة هنا.
“مهما يكن هذا الشيء، فسأعرفه.”
انتظرت. شعرت بالهواء في الغرفة يتغير. كانت الموجات التي أطلقتها تتحرك عبر الجدران، الأرضية، السقف… تبحث عن أي شيء غير طبيعي، أي أثر للشذوذ.
مجرد ذكر اسمه كان كافيًا ليجعل قلبي يضيق كأنني أمسك بثقل غير مرئي. تذكُّر ما حدث معه يكفي لتحطيم أي تماسك بداخلي. حاولت أن أسيطر على نفسي، أن أدفن تلك الذكريات في أعمق زاوية من عقلي، لكن المشاعر كانت أقوى مني.
“من هذا؟ من ابن اللعينة الذي يحتل مكان ثيو؟”
لكن النتيجة كانت صادمة.
“قد يكون الكيان هنا.”
ثيودور.
“لا شيء…”
كررت الطقس مرة أخرى. ثم مرة ثالثة. ورابعة. وخامسة.
رفعت نظري نحو الطريق المظلم الممتد أمامي، متناسياً ذكرياتي التي كانت تتدفق كالنهر الهائج. كان هناك شيء في الظلام، بقايا أرواح عالقة، تتجسس علي من زوايا الرؤية. شعرت بها، بتلك النظرات الباردة الخفية. لم أكن في حال جيد لمحاولة تبديدها. كنت أجر قدميّ نحو المهجع، والظلال تتراقص حولي، كأنها تهمس لي بأسرار لا أريد سماعها.
رفعت يدي ببطء وأديت الطقس. حركة دقيقة باليد، ترديد خافت بالكلمات. الطقس كان بسيطًا، لكنه فعال. كوسيط، هذه الغرفة كانت أشبه بمنزلي الثاني، والمكان يستجيب لي بسهولة. كنت واثقًا أنني سأكشف الحقيقة هنا.
في كل مرة، النتيجة نفسها. الجسد أمامي… بشري. ليس فقط بشريًا، بل نقي بشكل مستحيل.
لم أكن قد لاحظت أن ربطة عنقه كانت غير مستوية بالفعل. كان ينظر إلي بابتسامة مائلة، عابثة، تلك الابتسامة التي اعتدت أن أراها كلما بدأ يمزح معي.
دفعت الباب، والظلام استقبلني كصديق قديم. نظرت إلى الداخل بحذر، وكانت رائحة المكان تشبه تمامًا ما كنت أتوقعه: عفونة خفيفة، مزيج من رائحة خشب قديم وغبار متراكم.
شعرت بأعصابي تبدأ بالانهيار.
“هذا… لا يعقل!”
عيناي انتقلت بسرعة بين السرير والجسد المستلقي عليه. عقلي كان يعيد صياغة الأحداث، يحاول تفسير ما أراه. كنت متأكدًا مما حدث. ما حدث بالأمس كان حقيقيًا. رأيت ثيو يسقط. رأيت المكتب يتدخل. رأيت…
المولود الجديد، لحظة خروجه إلى العالم، لن يكون بهذا النقاء. البشر دائمًا يحملون شيئًا من الشذوذ، مهما كان بسيطًا أو غير ملحوظ. لكن هذا الجسد… كان أشبه بلوحة بيضاء، لا بقعة عليها.
رغم نبرته الهزلية، كنت أعرف أن هناك جزءًا منه يبحث عن إجابة. لذلك، قررت أن أرد عليه بطريقة جادة، بطريقة يعلم أنها مزاح أيضًا:
اقتربت أكثر. عيناي كانت تراقبان تفاصيل وجهه. كلما نظرت إليه، شعرت بثقل داخلي أكبر.
“هل يمكن أن يكون هذا هو ثيو؟”
“كيف؟ ماذا يحدث هنا؟”
أردت تصديق ذلك. أردت بشدة أن يكون قد وجد طقسًا، تعويذة، شيئًا أنقذه قبل المهمة. ربما خطط لكل شيء مسبقًا، وعاد من الموت بطريقة ما.
“قد يكون الكيان هنا.”
لكن الحقيقة كانت واضحة أمامي.
“ثيودور…”
“هذا هراء…”
قلت ذلك، لكنني لم أستطع تجاهل الألم العالق في صدري. لم أكن أبكي فقط على ما فقدته، بل على ما أصبحت عليه.
…
الفكرة كانت سخيفة لدرجة أنني شعرت بالخجل لمجرد التفكير فيها. الاحتمالات المنطقية كانت معدومة. كنت أعرف ذلك. كنت أعلم أن العودة من الموت ليست بهذه السهولة. ليس في عالمنا، حيث كل شيء مرتبط بالتوازن، والخطأ قد يكلفك روحك للأبد.
“هل يمكن أن يكون هذا هو ثيو؟”
لم يكن بإمكاني التفكير بوضوح. عقلي كان كتلة متشابكة من الذكريات المبعثرة والمشاعر المتضاربة. رغم ذلك، لم أستطع تجاهل أن التجول وحيدًا في الجامعة بعد منتصف الليل كان فكرة سيئة، بل خطيرة بما يكفي لتجعلك تتساءل عن قرارك قبل أن تخطو أول خطوة.
ومع ذلك، في أعماقي، كانت هناك تلك الشعلة الصغيرة من الأمل. شعلة تأبى أن تنطفئ، رغم كل الأدلة التي تشير إلى العكس.
تراجعت خطوة إلى الوراء، نظرت إلى السرير مجددًا، ثم إلى الجسد المستلقي عليه.
“لكن كاسبر، هذه مجرد عيوب صغيرة.”
“إذا لم يكن هذا شذوذًا، وإذا لم يكن هذا طقسًا… فماذا يكون؟”
دفعت الباب، والظلام استقبلني كصديق قديم. نظرت إلى الداخل بحذر، وكانت رائحة المكان تشبه تمامًا ما كنت أتوقعه: عفونة خفيفة، مزيج من رائحة خشب قديم وغبار متراكم.
ألقيت نظرة سريعة على التميمة حول عنقي، كانت لا تزال سليمة، لا شرخ، لا أثر لأي كسر. إذن، لم تكن تعويذة أو وهم. هذا حقيقي.
عقلي كان يدور كدوامة. أسئلة بلا إجابات. الاحتمالات الوحيدة التي تبقت لي كانت مريعة، لكنني لم أكن مستعدًا لمواجهتها بعد.
ومع ذلك، في أعماقي، كانت هناك تلك الشعلة الصغيرة من الأمل. شعلة تأبى أن تنطفئ، رغم كل الأدلة التي تشير إلى العكس.
“هاي، كاسبر! لماذا لم تخبرني أن ربطة العنق خاصتي غير مستوية؟”
في تلك اللحظة، شعرت كأن الغرفة تضيق. الهواء أصبح أكثر ثقلاً. كأن الجدران تقترب مني ببطء، تدفعني نحو هذا الجسد الغامض، نحو الحقيقة التي أخشى معرفتها.
“وماذا عن شعري؟ أبدو وكأنني مهرج، أليس كذلك؟”
عقلي كان يدور كدوامة. أسئلة بلا إجابات. الاحتمالات الوحيدة التي تبقت لي كانت مريعة، لكنني لم أكن مستعدًا لمواجهتها بعد.
عقلي كان يدور كدوامة. أسئلة بلا إجابات. الاحتمالات الوحيدة التي تبقت لي كانت مريعة، لكنني لم أكن مستعدًا لمواجهتها بعد.
