الملك
“أنت هناك… تعال، تقدم إلي.”
رفعت الخنجر ببطء، ببطء شديد، نحو ذقنه، حتى لامس النصل البارد جلده، شعرت بالقشعريرة التي سرت في جسده بالكامل، بذلك التوتر الذي سيطر عليه حتى كاد يفقد وعيه.
لم يكن الأمر مجرد كلمات، بل كان قانونًا غير منطوق، قوةً تسللت عبر الهواء كيدٍ خفية، تقبض على أعصاب ذلك الشاب، تجبره على الطاعة رغمًا عن إرادته.
“هذا… هذا جنون، هاهاها!”
لحظة واحدة مرت، كانت كافية لجعل عينيه تتسعان برعب، شفتيه ترتجفان دون قدرة على الاعتراض، أنفاسه تخون إيقاعها الطبيعي. حاول التراجع، خطوة واحدة فقط، لكنها لم تتحقق. قدماه تحركتا للأمام بدلًا من الخلف، وكأن قوة غير مرئية دفعته للمثول أمامي.
“هل كان من المفترض أن يحدث شيء عند قطع رأسه؟”
وقف هناك، جسده متصلب، أطرافه ترتعش، وعرقه يلمع تحت الضوء الخافت. كان بإمكاني سماع دقات قلبه، متسارعة، مضطربة، أشبه بصرخات مخلوق محاصر داخل قفص ضيق.
لكن كاسبر؟
ببطء، ومن دون استعجال، نظرت إليه نظرة باردة، ثم سألت بصوت هادئ، لكنه محفوف بسلطة لا جدال فيها:
“حاضر، ملكي.”
“إذن، هل تعلم من أنا الآن؟”
“همم… لا، لا… أفضل اسم الملك.”
ابتلع ريقه بصعوبة، وفتح فمه ليجيب، لكن الكلمات خرجت منه كأنها تُجتثّ من أعماقه:
تردد الصوت في الغرفة، كان واضحًا كفاية ليجعل الجميع يقشعر، ليتسلل إلى أعماقهم مثل نصل بارد يُغرَس في نخاعهم.
“نعم… نعم سيدي… أنت هو سيدي…”
نظرت إلى البقية، وجوههم التي كانت تحمل خليطًا من الصدمة والخوف، ثم سألته مرة أخرى، بصوت هادئ، لكن كل حرف فيه كان يزن أكثر من صخرة ضخمة:
“لا، ملكي، لا تقتلني!”
راقبت توتره للحظات، ثم وضعت يدي على ذقني، كما لو كنت أفكر في أمر عابر. جُزء مني كان يستمتع بهذه اللحظة، ولست متأكدًا إن كان هذا طبيعيًا أم لا، لكن ما أنا واثق منه هو أن شيئًا في داخلي تغيّر.
“فيليب.”
“هذا… هذا جنون، هاهاها!”
“أوه، أنت جيد بالفعل… ذكي…”
“إرقصوا! غنوا! صفقوا! افرحوا!”
ثم توقفت، تعمدت ترك الصمت يلف المكان، الصمت الذي كان أثقل من أي تهديد. لاحظت كيف ازداد ارتعاشه، كيف تضاعف خوفه من مجرد انتظاره للكلمات التي ستلي.
ببطء، تمتمت:
“إذن، هل تعلم من أنا الآن؟”
“نادني بالأمير.”
لكنني لم أشعر بالرضا. تحركت عيناي في الفراغ، وكأنني أبحث عن لقب أكثر ملاءمة، لقب يحمل ثقلًا أكبر، سُلطة أوسع.
بشكلٍ غريب، غير منطقي، وكأن جسده انتفض من تلقاء نفسه، وكأنه لم يكن يملك أي سيطرة عليه، تدحرج مباشرةً حتى توقف عند قدمي.
“همم… لا، لا… أفضل اسم الملك.”
ثم توقفت، تعمدت ترك الصمت يلف المكان، الصمت الذي كان أثقل من أي تهديد. لاحظت كيف ازداد ارتعاشه، كيف تضاعف خوفه من مجرد انتظاره للكلمات التي ستلي.
هذه المرة، لم يكن الأمر مجرد اختيار، بل كان إعلانًا، تأكيدًا على واقع لا يمكن تغييره.
بمجرد أن لفظت كلماتي، كان الأمر كما لو أن الهواء في الغرفة قد امتص أصواتهم. توقفت الأقدام عن الحركة، جفّت الحناجر في اللحظة نفسها، وتوقف الجميع كما لو أن الزمن قد تجمّد فجأة.
نظرت إلى البقية، وجوههم التي كانت تحمل خليطًا من الصدمة والخوف، ثم سألته مرة أخرى، بصوت هادئ، لكن كل حرف فيه كان يزن أكثر من صخرة ضخمة:
“هل هذا واضح بالنسبة لكم جميعًا؟”
لم أحتج إلى الانتظار. كما لو أن الأقدار نفسها فرضت قانونًا جديدًا، جثا الأربعة على ركبهم دفعة واحدة. لم يكن مجرد ركوع، بل انحناء خالص، استسلام كامل. كانت رؤوسهم مطأطئة، جباههم ملامسة للأرض، كأنهم يخشون مجرد رفع أعينهم نحوي.
ببطء، تمتمت:
ثم، بصوت متشابك، مليء بالخضوع، جاء الرد الذي كنت أنتظره:
لم يكن مجرد سؤال، بل كان محاكمة.
“عاش الملك!”
“الإسم؟”
قهقهت بصوت منخفض، أول الأمر، لكن الضحكة نمت، تضخمت، حتى أصبحت نغمة تملأ المكان، ترددت أصداؤها بين الجدران المتصدعة.
“اهعغ! تبًا، أنتم مزعجون! توقفوا!”
شيء داخلي، شيء جديد، شيء لم أمتلكه من قبل، كان يخبرني أن هذا الفعل كان ناقصًا، غير مكتمل.
“هاهاها… إذن، هذا هو الشعور… هل هذا ما كان يشعر به رين؟”
كاسبر لم يكن محظوظًا مثله.
ابتسمت ابتسامة ملك، ملك وُلد للتو من رحم الجنون.
“نعم… نعم سيدي… أنت هو سيدي…”
الطريق إلى العرش محفوف بالدماء
نظراتهم… تلك العيون المتسعة، الشفاه التي لم تستطع النطق، الجسد المتصلب وكأنه يحاول الانكماش داخل نفسه. هل يظنونني مجنونًا؟ هاهاها، ربما، لكن ما الفرق؟ العالم نفسه مجنون، فلماذا أعير اهتمامًا لنظرات حمقى لا يفهمون شيئًا؟
كاسبر لم يكن محظوظًا مثله.
زفرت ببطء، نظرت حولي… الغرفة، ذلك المكان الذي كان قبل لحظات يعج بالفوضى، عاد إلى طبيعته وكأن شيئًا لم يكن. الجدران المتآكلة، الأضواء الخافتة التي بالكاد تكشف عن الأرضية القذرة، ورائحة الدماء التي لا تزال تعبق في الهواء، تذكر الجميع بأن شيئًا قد حدث هنا، شيئًا لن يُنسى بسهولة.
نعم، تدحرج.
لكن نظري لم يستقر طويلًا في الفراغ، بل وقع على كتلة من اللحم الملقى على الأرض— هارونلد.
كان هذا مثيرًا للضحك لوهلة، لكن عندما رفعت قدمي، رأيته يرفع رأسه وينظر إلي بعينين مليئتين بالرعب، فمه يرتجف وهو يلهث وكأنه يحاول التقاط أنفاسه الأخيرة.
يا له من خنزير… لا يزال غارقًا في سباته، وكأن الفوضى من حوله لم تكن سوى نسمات هواء باردة تلاعبت بأحلامه الدنيئة. لم أزعجه، لم يكن يستحق ذلك حتى. إن كان بقاؤه على قيد الحياة مرهونًا بعدم إزعاجي، فلنضعه في خانة “المؤجلين” الآن.
كسرٌ واضح، حاد، خالٍ من الرحمة.
قهقهت بصوت منخفض، أول الأمر، لكن الضحكة نمت، تضخمت، حتى أصبحت نغمة تملأ المكان، ترددت أصداؤها بين الجدران المتصدعة.
لكن كاسبر؟
كاسبر لم يكن محظوظًا مثله.
التفتت إلى جسده المتصلب، إلى ملامحه الجامدة، إلى النبض الذي عاد إلى طبيعته بشكل غريب. كان من الواضح أنه لا يزال حيًا، لكنه كان مجرد مسألة وقت. لم أنتظر. لم أكن بحاجة لذلك.
التفتت إلى جسده المتصلب، إلى ملامحه الجامدة، إلى النبض الذي عاد إلى طبيعته بشكل غريب. كان من الواضح أنه لا يزال حيًا، لكنه كان مجرد مسألة وقت. لم أنتظر. لم أكن بحاجة لذلك.
هذه المرة، لم يكن الأمر مجرد اختيار، بل كان إعلانًا، تأكيدًا على واقع لا يمكن تغييره.
خطوت نحوه، انحنيت قليلًا، وأمسكت بالخنجر الغريب ذي اللون الأسود الذي كان يحمله. كان نصلًا قاتمًا، وكأنه قد شُحذ من ظلال الليل نفسه، ملمسه بارد كالجليد، لكن هناك شيء آخر… شيء ينبض فيه، كما لو كان يتنفس، كما لو كان واعيًا.
“هذا… هذا جنون، هاهاها!”
“دعنا نختبرك إذن.”
وبحركة واحدة، بلا أي تردد، رفعت الخنجر وقطعت رأسه.
رأيت الرأس المقطوع يتدحرج قليلًا على الأرض، ركلته بلا مبالاة نحو الحائط، ثم تخطيت الجثة التي لم تتحرك أو تتفاعل بأي شكل غير طبيعي.
لحظة من الصمت، ثم— شعور غريب، غريب للغاية.
جسدي ارتجف، لكن ليس من الفرح، ليس من النشوة المعتادة عند رؤية الدم يسيل. لا، هذه المرة، كان الأمر مختلفًا. كان أشبه بخيبة أمل؟ كيف أصف ذلك؟ وكأن شيئًا داخلي توقّع أكثر، توقّع انفجارًا، أو صرخة ما، أو ربما… حدثًا أكبر.
ضحكت، صوتي كان هادئًا، لكنه حمل في طياته شيئًا مخيفًا.
شيء داخلي، شيء جديد، شيء لم أمتلكه من قبل، كان يخبرني أن هذا الفعل كان ناقصًا، غير مكتمل.
“هذا… هذا جنون، هاهاها!”
“هل كان من المفترض أن يحدث شيء عند قطع رأسه؟”
لكنني لم أشعر بالرضا. تحركت عيناي في الفراغ، وكأنني أبحث عن لقب أكثر ملاءمة، لقب يحمل ثقلًا أكبر، سُلطة أوسع.
تساءلت، لكنني سرعان ما تجاهلت الفكرة، دفنتها في أعماقي كما أدفن أي مشاعر غير مرغوبة.
رأيت الرأس المقطوع يتدحرج قليلًا على الأرض، ركلته بلا مبالاة نحو الحائط، ثم تخطيت الجثة التي لم تتحرك أو تتفاعل بأي شكل غير طبيعي.
لكن البقية؟
“فيليب، سأقتلك.”
البقية كانوا هناك، جاثين، رؤوسهم ملتصقة بالأرض كما لو أن رفعها قد يجلب عليهم لعنة لا فرار منها.
ثم، وجهت نظري نحو الجثة الكبيرة الملقاة على الأرض… هارونلد.
تقدمت بينهم، كل خطوة كنت أخطوها كان صوتها يتردد في الغرفة وكأن الأرض نفسها تحبس أنفاسها. وصلت إلى ذلك الشاب، ذلك الذي أرغم جسده على الطاعة منذ البداية.
قهقهت بصوت منخفض، أول الأمر، لكن الضحكة نمت، تضخمت، حتى أصبحت نغمة تملأ المكان، ترددت أصداؤها بين الجدران المتصدعة.
“قف.”
“الإسم؟”
كلمة واحدة، لكنها كافية ليقفز إلى وضعية مستقيمة في لحظة واحدة، وكأن الكهرباء صعقته.
رأيت كيف كانت يداه ترتجفان، كيف كان يحاول جاهدًا التحكم في أنفاسه، كيف لم يجرؤ حتى على النظر في عيني.
تقدمت بينهم، كل خطوة كنت أخطوها كان صوتها يتردد في الغرفة وكأن الأرض نفسها تحبس أنفاسها. وصلت إلى ذلك الشاب، ذلك الذي أرغم جسده على الطاعة منذ البداية.
رفعت الخنجر ببطء، ببطء شديد، نحو ذقنه، حتى لامس النصل البارد جلده، شعرت بالقشعريرة التي سرت في جسده بالكامل، بذلك التوتر الذي سيطر عليه حتى كاد يفقد وعيه.
رأيت الرأس المقطوع يتدحرج قليلًا على الأرض، ركلته بلا مبالاة نحو الحائط، ثم تخطيت الجثة التي لم تتحرك أو تتفاعل بأي شكل غير طبيعي.
رأيت الرأس المقطوع يتدحرج قليلًا على الأرض، ركلته بلا مبالاة نحو الحائط، ثم تخطيت الجثة التي لم تتحرك أو تتفاعل بأي شكل غير طبيعي.
“الإسم؟”
“قف.”
رأيت كيف كانت يداه ترتجفان، كيف كان يحاول جاهدًا التحكم في أنفاسه، كيف لم يجرؤ حتى على النظر في عيني.
لم يكن مجرد سؤال، بل كان محاكمة.
ثم، بصوت متشابك، مليء بالخضوع، جاء الرد الذي كنت أنتظره:
“فيليب بنبري، ملكي.”
صوته كان ضعيفًا، مبحوحًا، لكنه لم يرتجف، لم يكن هناك تردد، بل كان هناك استسلامٌ مطلق.
كان هذا مثيرًا للضحك لوهلة، لكن عندما رفعت قدمي، رأيته يرفع رأسه وينظر إلي بعينين مليئتين بالرعب، فمه يرتجف وهو يلهث وكأنه يحاول التقاط أنفاسه الأخيرة.
رفعت حاجبي قليلًا، نظرت إلى وجهه، تأملته، وكأنني أحاول قراءة خطوط قدره المنحوتة على قسماته الشاحبة. فيليب؟ يا لها من مصادفة غريبة. كان لدي صديق يحمل هذا الاسم ذات يوم.
التفتت إلى جسده المتصلب، إلى ملامحه الجامدة، إلى النبض الذي عاد إلى طبيعته بشكل غريب. كان من الواضح أنه لا يزال حيًا، لكنه كان مجرد مسألة وقت. لم أنتظر. لم أكن بحاجة لذلك.
ضحكت، صوتي كان هادئًا، لكنه حمل في طياته شيئًا مخيفًا.
“حاضر، ملكي.”
“فيليب، سأقتلك.”
لحظة من الصمت، ثم—
“حاضر، ملكي.”
خطوت نحوه، انحنيت قليلًا، وأمسكت بالخنجر الغريب ذي اللون الأسود الذي كان يحمله. كان نصلًا قاتمًا، وكأنه قد شُحذ من ظلال الليل نفسه، ملمسه بارد كالجليد، لكن هناك شيء آخر… شيء ينبض فيه، كما لو كان يتنفس، كما لو كان واعيًا.
رؤوس تهتز، أقدام تضرب الأرض، أيدٍ تصفق في فوضى لا معنى لها، أصوات نشاز تصرخ بأغانٍ لم تكن أغانٍ أبدًا، مجرد صدى مجنون لأمر أكثر جنونًا.
تجمدت، نظرت إليه بذهول للحظات، عقلي لم يستوعب ما سمعته للتو.
لم يكن مجرد سؤال، بل كان محاكمة.
حاضر؟
أية استجابة هذه؟!
ضحكت، صوتي كان هادئًا، لكنه حمل في طياته شيئًا مخيفًا.
حدّقت في وجهه، وفي تلك اللحظة، رأيت دموعه تنهمر، تتدحرج على وجنتيه في صمت، كأنها أمطار يائسة تسقط على أرض قاحلة. لم يكن يبكي بصوت عالٍ، لم يكن ينوح أو يتوسل، بل كان مجرد بكاء هادئ، مستسلم، بائس إلى حد الجنون.
ضحكت، ضحكة لم تكن عادية، بل كانت مزيجًا من النشوة، والسخرية، والجنون. كان الأمر ممتعًا بشكل لا يُصدق.
لكن… إرادتي كانت أقوى من إرادته.
“هذا… هذا جنون، هاهاها!”
انحنى جسده للحظة، اهتزت ركبته، لكنه لم يسقط، لم يصرخ، لم يتفوه بكلمة واحدة، فقط كان هناك صوت أنفاسه المضطربة، والصوت الرتيب لدموعه المتساقطة.
ضحكت، لم أستطع منع نفسي. كان الأمر عبثيًا، غريبًا، لكنه في نفس الوقت… ممتع.
نظراتهم… تلك العيون المتسعة، الشفاه التي لم تستطع النطق، الجسد المتصلب وكأنه يحاول الانكماش داخل نفسه. هل يظنونني مجنونًا؟ هاهاها، ربما، لكن ما الفرق؟ العالم نفسه مجنون، فلماذا أعير اهتمامًا لنظرات حمقى لا يفهمون شيئًا؟
“أ-أرجوك! عزيزي ثيودور—لا، الأمير ثيودور! آسف، آسف! أقصد الملك ثيودور!”
رفعت الخنجر، ثم نظرت إليه مجددًا.
يا له من خنزير… لا يزال غارقًا في سباته، وكأن الفوضى من حوله لم تكن سوى نسمات هواء باردة تلاعبت بأحلامه الدنيئة. لم أزعجه، لم يكن يستحق ذلك حتى. إن كان بقاؤه على قيد الحياة مرهونًا بعدم إزعاجي، فلنضعه في خانة “المؤجلين” الآن.
“فيليب.”
وقف هناك، جسده متصلب، أطرافه ترتعش، وعرقه يلمع تحت الضوء الخافت. كان بإمكاني سماع دقات قلبه، متسارعة، مضطربة، أشبه بصرخات مخلوق محاصر داخل قفص ضيق.
“نعم سيدي؟”
راقبت توتره للحظات، ثم وضعت يدي على ذقني، كما لو كنت أفكر في أمر عابر. جُزء مني كان يستمتع بهذه اللحظة، ولست متأكدًا إن كان هذا طبيعيًا أم لا، لكن ما أنا واثق منه هو أن شيئًا في داخلي تغيّر.
“قم بكسر ذراعك اليسرى.”
“هل كان من المفترض أن يحدث شيء عند قطع رأسه؟”
رأيت كيف تصلب جسده للحظات، كيف تجمد الهواء حوله، كيف حاول عقله أن يقاوم الأمر، كيف بدأت يده اليمنى ترتفع ببطء، وكأنها تنتمي لشخص آخر، وكأنها ليست جزءًا منه.
تساءلت، لكنني سرعان ما تجاهلت الفكرة، دفنتها في أعماقي كما أدفن أي مشاعر غير مرغوبة.
كان واضحًا أنه لا يريد فعل ذلك، لا يريد حتى مجرد التفكير فيه. كان جسده يرتجف بعنف، أنفاسه أصبحت متقطعة، كان وجهه شاحبًا أكثر من أي وقت مضى.
لكن… إرادتي كانت أقوى من إرادته.
“هل كان من المفترض أن يحدث شيء عند قطع رأسه؟”
كيانه بالكامل أراد تنفيذ أمري، روحه انحنت قبل أن ينحني جسده، ولم يكن لديه أي خيار آخر سوى الطاعة.
شيء داخلي، شيء جديد، شيء لم أمتلكه من قبل، كان يخبرني أن هذا الفعل كان ناقصًا، غير مكتمل.
وقف هناك، جسده متصلب، أطرافه ترتعش، وعرقه يلمع تحت الضوء الخافت. كان بإمكاني سماع دقات قلبه، متسارعة، مضطربة، أشبه بصرخات مخلوق محاصر داخل قفص ضيق.
وفي اللحظة التي اشتد فيها توتره، في اللحظة التي بلغت فيها معاناته ذروتها، سمعت الطرطقة.
كسرٌ واضح، حاد، خالٍ من الرحمة.
الطريق إلى العرش محفوف بالدماء
تردد الصوت في الغرفة، كان واضحًا كفاية ليجعل الجميع يقشعر، ليتسلل إلى أعماقهم مثل نصل بارد يُغرَس في نخاعهم.
وفي تلك اللحظة، ضحكت.
راقبت توتره للحظات، ثم وضعت يدي على ذقني، كما لو كنت أفكر في أمر عابر. جُزء مني كان يستمتع بهذه اللحظة، ولست متأكدًا إن كان هذا طبيعيًا أم لا، لكن ما أنا واثق منه هو أن شيئًا في داخلي تغيّر.
انحنى جسده للحظة، اهتزت ركبته، لكنه لم يسقط، لم يصرخ، لم يتفوه بكلمة واحدة، فقط كان هناك صوت أنفاسه المضطربة، والصوت الرتيب لدموعه المتساقطة.
هل يجب أن أقتله؟
وفي تلك اللحظة، ضحكت.
“إرقصوا! غنوا! صفقوا! افرحوا!”
وبحركة واحدة، بلا أي تردد، رفعت الخنجر وقطعت رأسه.
ضحكت، ضحكة لم تكن عادية، بل كانت مزيجًا من النشوة، والسخرية، والجنون. كان الأمر ممتعًا بشكل لا يُصدق.
هل يجب أن أقتله؟
هل أصبح الجميع هكذا؟
كان هذا مثيرًا للضحك لوهلة، لكن عندما رفعت قدمي، رأيته يرفع رأسه وينظر إلي بعينين مليئتين بالرعب، فمه يرتجف وهو يلهث وكأنه يحاول التقاط أنفاسه الأخيرة.
لكنني لم أشعر بالرضا. تحركت عيناي في الفراغ، وكأنني أبحث عن لقب أكثر ملاءمة، لقب يحمل ثقلًا أكبر، سُلطة أوسع.
نظرت حولي، إلى هؤلاء الأشخاص الذين كانوا قبل لحظاتٍ فقط أعداءً محتملين، مترددين، مرعوبين، أما الآن؟ كانوا مجرد دمى متحركة، مجرد أدوات تنتظر الأوامر.
بشكلٍ غريب، غير منطقي، وكأن جسده انتفض من تلقاء نفسه، وكأنه لم يكن يملك أي سيطرة عليه، تدحرج مباشرةً حتى توقف عند قدمي.
ضحكت، صوتي كان هادئًا، لكنه حمل في طياته شيئًا مخيفًا.
رفعت يدي في الهواء، ثم صرخت:
“أوه… رائع، هذا أفضل بكثير.”
“إرقصوا! غنوا! صفقوا! افرحوا!”
“إذن، هل تعلم من أنا الآن؟”
ارتعش الجميع للحظة، ثم… بدأوا يفعلونها.
هل يجب أن أقتله؟
رؤوس تهتز، أقدام تضرب الأرض، أيدٍ تصفق في فوضى لا معنى لها، أصوات نشاز تصرخ بأغانٍ لم تكن أغانٍ أبدًا، مجرد صدى مجنون لأمر أكثر جنونًا.
كان جسده يرتعش، كلماته تخرج متشابكة، وكأن لسانه لا يستطيع اللحاق بذعره.
“إرقصوا! غنوا! صفقوا! افرحوا!”
كانوا أشبه بفرقة من المهرجين القُدامى، مهرجين فقدوا عقولهم، أجسادهم تتحرك بلا انسجام، بلا منطق، بلا روح.
رفعت الخنجر ببطء، ببطء شديد، نحو ذقنه، حتى لامس النصل البارد جلده، شعرت بالقشعريرة التي سرت في جسده بالكامل، بذلك التوتر الذي سيطر عليه حتى كاد يفقد وعيه.
لكن سرعان ما شعرت بالضجر، الفوضى تحوّلت إلى ضوضاء خانقة.
رفعت حاجبي قليلًا، نظرت إلى وجهه، تأملته، وكأنني أحاول قراءة خطوط قدره المنحوتة على قسماته الشاحبة. فيليب؟ يا لها من مصادفة غريبة. كان لدي صديق يحمل هذا الاسم ذات يوم.
“اهعغ! تبًا، أنتم مزعجون! توقفوا!”
“حاضر، ملكي.”
بمجرد أن لفظت كلماتي، كان الأمر كما لو أن الهواء في الغرفة قد امتص أصواتهم. توقفت الأقدام عن الحركة، جفّت الحناجر في اللحظة نفسها، وتوقف الجميع كما لو أن الزمن قد تجمّد فجأة.
“أوه… رائع، هذا أفضل بكثير.”
كيانه بالكامل أراد تنفيذ أمري، روحه انحنت قبل أن ينحني جسده، ولم يكن لديه أي خيار آخر سوى الطاعة.
“دعنا نختبرك إذن.”
ثم، وجهت نظري نحو الجثة الكبيرة الملقاة على الأرض… هارونلد.
“خنزير لعين…” تمتمت بصوت منخفض، لكن في عقلي، كانت فكرة واحدة تتردد، فكرة وحيدة، قوية، واضحة:
بمجرد أن لفظت كلماتي، كان الأمر كما لو أن الهواء في الغرفة قد امتص أصواتهم. توقفت الأقدام عن الحركة، جفّت الحناجر في اللحظة نفسها، وتوقف الجميع كما لو أن الزمن قد تجمّد فجأة.
هل يجب أن أقتله؟
قلت ذلك بصوت أعلى قليلًا، دون أن أنتظر إجابة من أحد، لكنني تفاجأت بشيء أغرب مما كنت أتخيله.
انحنى جسده للحظة، اهتزت ركبته، لكنه لم يسقط، لم يصرخ، لم يتفوه بكلمة واحدة، فقط كان هناك صوت أنفاسه المضطربة، والصوت الرتيب لدموعه المتساقطة.
هارونلد، هذا الشيء الهائل، البدين، عديم الفائدة، بدأ يتدحرج.
نعم، تدحرج.
كانوا أشبه بفرقة من المهرجين القُدامى، مهرجين فقدوا عقولهم، أجسادهم تتحرك بلا انسجام، بلا منطق، بلا روح.
أية استجابة هذه؟!
بشكلٍ غريب، غير منطقي، وكأن جسده انتفض من تلقاء نفسه، وكأنه لم يكن يملك أي سيطرة عليه، تدحرج مباشرةً حتى توقف عند قدمي.
“الإسم؟”
كان هذا مثيرًا للضحك لوهلة، لكن عندما رفعت قدمي، رأيته يرفع رأسه وينظر إلي بعينين مليئتين بالرعب، فمه يرتجف وهو يلهث وكأنه يحاول التقاط أنفاسه الأخيرة.
رفعت الخنجر ببطء، ببطء شديد، نحو ذقنه، حتى لامس النصل البارد جلده، شعرت بالقشعريرة التي سرت في جسده بالكامل، بذلك التوتر الذي سيطر عليه حتى كاد يفقد وعيه.
هل يجب أن أقتله؟
ثم نطق بصوت متحشرج، مختنق:
لكنني لم أشعر بالرضا. تحركت عيناي في الفراغ، وكأنني أبحث عن لقب أكثر ملاءمة، لقب يحمل ثقلًا أكبر، سُلطة أوسع.
“أ-أرجوك! عزيزي ثيودور—لا، الأمير ثيودور! آسف، آسف! أقصد الملك ثيودور!”
جسدي ارتجف، لكن ليس من الفرح، ليس من النشوة المعتادة عند رؤية الدم يسيل. لا، هذه المرة، كان الأمر مختلفًا. كان أشبه بخيبة أمل؟ كيف أصف ذلك؟ وكأن شيئًا داخلي توقّع أكثر، توقّع انفجارًا، أو صرخة ما، أو ربما… حدثًا أكبر.
كان جسده يرتعش، كلماته تخرج متشابكة، وكأن لسانه لا يستطيع اللحاق بذعره.
هل يجب أن أقتله؟
“لا، ملكي، لا تقتلني!”
“دعنا نختبرك إذن.”
رأيت وجهه، الشحوب الذي اجتاحه، العرق الذي انساب على جبينه، الخوف المتجسد في كل ذرة منه، وكأنه كان يعلم… وكأنه رأى نهايته أمامه بالفعل.
هذه المرة، لم يكن الأمر مجرد اختيار، بل كان إعلانًا، تأكيدًا على واقع لا يمكن تغييره.
أوه… هذا الشعور.
“دعنا نختبرك إذن.”
ابتسمت.
ثم، بصوت متشابك، مليء بالخضوع، جاء الرد الذي كنت أنتظره:
ابتسمت ابتسامة ملك، ملك وُلد للتو من رحم الجنون.
التفتت إلى جسده المتصلب، إلى ملامحه الجامدة، إلى النبض الذي عاد إلى طبيعته بشكل غريب. كان من الواضح أنه لا يزال حيًا، لكنه كان مجرد مسألة وقت. لم أنتظر. لم أكن بحاجة لذلك.
كان جسده يرتعش، كلماته تخرج متشابكة، وكأن لسانه لا يستطيع اللحاق بذعره.
“إرقصوا! غنوا! صفقوا! افرحوا!”
