Switch Mode

يسرّنا أن نعلمكم بأن ملوك الروايات يوفر أيضًا موقعًا مجانيًا تمامًا يمكن للجميع القراءة من خلاله، مع وجود بعض الإعلانات التي تساهم في دعم استمرار تقديم المحتوى مجانًا.

يمكنكم زيارة الموقع المجاني عبر النقر هنا.

شكرًا لكم على متابعتكم ودعمكم الدائم.

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

سجلات الباحث 48

زنديق

 

 

رفعت حاجبًا وأنا أنظر إلى هذا الشيء الضخم المنبطح على الأرض، ضفدع مترهل في هيئة بشرية.

 

“أوه، انظروا ماذا لدينا هنا…”

 

جلست القرفصاء أمامه، حتى صرت بمستواه، ثم مددت يدي وربتّ ببطء على شعره المتعرق، كما لو كنت أُهدّئ كلبًا مذعورًا.

 

لكن بدلاً من الاطمئنان، بدأ جسده يرتجف بعنف.

 

كم هذا مثير للشفقة.

 

“أوه، هارونلد يا صديقي، أنت تعرف مكانك بالفعل، أليس كذلك؟”

 

مررت أصابعي على رأسه، ملمس جلده الدهني جعلني أرفع يدي باستياء طفيف، ثم تابعت بنبرة ساخرة:

 

“الأرض… الغبار تحت قدمي. هذا هو موضعك الحقيقي.”

 

شعرت بارتجافه يتضاعف، كأنه فهم أخيرًا أن مصيره ليس بيده، بل بيدي أنا.

 

“دعني أعطيك اختبارًا بسيطًا.”

 

تحجّرت أنفاسه.

 

“إن استطعت النجاح فيه، فاعتبر نفسك محظوظًا… ولن أقتلك.”

 

كان هذا كافيًا ليجعله يحاول رفع رأسه، ربما كان يأمل برؤية تعبير وجهي، ربما كان يريد التأكد إن كنت جادًا.

 

لكنني لم أعطه هذه الفرصة.

 

“لا ترفع رأسك.”

 

ثم، بدون أي إنذار، ضربت رأسه بقوة جعلت جبهته تصطدم بالأرض المليئة بالغبار.

 

“إن رفعت رأسك مجددًا… سأقطعه.”

 

“حاضر! حاضر، ثيودور! أقصد… م-ملكي!”

 

سمعت تنفسه اللاهث وهو يحاول السيطرة على ارتجافه.

 

لكنني لم أهتم.

 

كنت أستمتع.

 

“أوه، لنرى…”

 

ابتسمت وأنا أضع الخنجر على ركبتي، أفكر للحظة قبل أن أبدأ بصوت هادئ كمن يروي قصة ما قبل النوم:

 

“في يوم من الأيام، قرر الملك…”

 

توقفت لوهلة، ثم أكملت:

 

“…أنا، أن يقتل زنديقًا لعينًا في غرفته.”

 

توقفت مرة أخرى، متعمدًا ترك الجملة تتسلل إلى عقله المرتجف قبل أن أتابع:

 

“لكن… المشكلة أن اختفاءه سيجلب العديد من المشاكل، لأنه ليس مجرد حشرة بلا قيمة.”

 

اقتربت أكثر وهمست:

 

“بل هو طالب جامعي، وعضو في منظمة شبه حكومية.”

 

وضعت يدي على رأسه برفق، ثم ضغطت بأصابعي على جمجمته وكأني أفكر بصوت عالٍ:

 

“ماذا سيحدث تاليًا برأيك، هارونلد؟”

 

كانت أنفاسه غير مستقرة، واضحة، تكاد تكون مسموعة أكثر من اللازم في صمت الغرفة المشحون بالخوف.

 

“أخبرني، ماذا سيفعل الملك؟”

 

لم يكن هذا مجرد سؤال… بل كان مصيرًا معلقًا بين شفتيه المرتجفتين.

 

كان وجهه شاحبًا، جسده ينتفض كما لو أن الشتاء اخترق نخاع عظامه، ولكن حتى وسط هذا الرعب، وسط هذا الانهيار البطيء الذي يبتلعه، كان لا يزال قادرًا على التمسك بآخر خيط من الكبرياء.

 

“الملك يفعل ما يريد، لا أحد يستطيع تحديد ما يفعله الملك.”

 

قالها بصوت مرتجف، لكنه أبى أن ينكسر تمامًا، وكأنه يحاول التشبث بوهم السلطة، بوهم أن كلماته قد تمنحه بعض السيطرة على مصيره.

 

ضحكت.

 

ضحكة صاخبة، مشبعة بالتهكم، لدرجة أن صدري اهتز قليلاً بينما كنت أرتجف فوقه.

 

“يا لك من وغد سمين لعين… لكنك ذكي، ها؟”

 

رفعت رأسي لأنظر إليه، كانت عيناه المتسعتان تعكسان الظلام الذي يحيط بنا، لكنها لم تكن عيون رجل أعمته الخطيئة. لا، لم يكن يشبه غيره من الحثالة الذين واجهتهم من قبل، لم يكن كمجنون يهمهم بكلام فارغ عن نهاية العالم، لم يكن كطفل يتوسل للنجاة، ولم يكن وحشًا تتقطر الدماء من مخالبه…

 

كان عاقلًا.

 

وهذا ما جعل الأمر أكثر إزعاجًا.

 

اقتربت منه أكثر، وضعت كوعي على ركبتي، وأسندت رأسي على يدي كما لو كنت أراقب فأرًا وقع في فخ.

 

“لماذا؟ لماذا فقط اخترت أن تكون زنديقًا؟”

 

مررت بأصابعي على مقبض الخنجر، أتحسس البرودة المعدنية للنصل بينما كنت أتأمل وجهه.

 

“طالب جامعي، عائلتك موجودة وهي في وضع جيد بالفعل… كان بإمكانك أن تعيش حياة طبيعية، حياة مريحة…”

 

أغمضت عيني للحظة، ثم فتحتهما ببطء، متأملًا انعكاسي المشوه في بركة الدم الصغيرة التي بدأت تتجمع على الأرض تحته.

 

“فقط لماذا تفعل ذلك؟”

 

شعرت للحظة بشيء أشبه بالشفقة، لكنه كان شعورًا فارغًا، هشًا، كظل عاطفة لم تكتمل.

 

حدقت في عينيه مجددًا، باحثًا عن إجابة لم أكن متأكدًا من أنني أرغب في سماعها.

 

لكن في النهاية، ما الفرق الذي كان سيصنعه؟

 

تذكرت أفعال الزنادقة التي قرأت عنها، عن طقوسهم الملتوية، عن القرى التي احترقت، عن الأطفال الذين اختفوا، عن الأهوال التي أطلقوها في العالم…

 

اختفت الشفقة كما لو لم تكن موجودة أصلًا.

 

شددت قبضتي على الخنجر.

 

“هارونلد، كم شخصًا قتلت؟”

 

راقبت كيف تغيرت تعابيره، كيف اهتزت زاوية شفتيه للحظة قبل أن يتمالك نفسه، كيف ترددت أنفاسه في الهواء المشبع برائحة الحديد.

 

“قتلت…؟”

 

هز رأسه ببطء، كأنما يحاول التأكد من كلماته.

 

“لم أقتل أحدًا من قبل في حياتي، يا ملكي.”

 

رمقته بنظرة باردة.

 

“أوه؟ إذًا… كم شخصًا عذبت في حياتك؟”

 

مرة أخرى، جاء التردد، لكنه لم يكن التردد الذي يسبق الكذب، بل التردد الذي يسبق الحقيقة غير المرغوبة.

 

“لم أعذب أي شخص من قبل… على حد علمي، يا سيدي.”

 

هاه؟

 

ميلت رأسي قليلًا، أراقبه كما يراقب المرء لغزًا مستعصيًا.

 

“هل أنت زنديق بالاسم فقط؟”

 

شعرت بشيء ثقيل يتسلل إلى داخلي، شيء يشبه خيبة الأمل، لكن ليس تمامًا.

 

كان من المستحيل عليه الكذب علي، كنت أعلم ذلك، ومع ذلك…

 

لماذا هو هنا؟

 

إذا لم يكن قاتلًا، لم يكن معذبًا، لم يكن سافك دماء، فلماذا يُعتبر زنديقًا؟

 

رفع رأسه قليلًا، وكأنما يبحث عن إجابة، ثم نطق بصوت هادئ، غير متوقع:

 

“زنديق؟ ملكي، من فضلك، اشرح لي معنى الزنديق بالنسبة لك.”

 

توقفت لحظة.

 

ثم ضحكت، لكن هذه المرة، لم تكن ضحكتي صاخبة.

 

بل كانت ناعمة، بطيئة، كالنصل الذي يُجر ببطء على الجلد.

 

“هل أنت أحمق؟ يا لك من جريء… هل تطلب مني شيئًا الآن؟”

 

رأيت لمحة من الذعر تومض في عينيه، وسارع إلى الكلام.

 

“أعتذر، سيدي! أعتذر!”

 

تركت الصمت يملأ الغرفة للحظة، ثم ابتسمت ابتسامة واسعة، كأنني أعطيه أملًا كاذبًا.

 

“هيا، أنا أمزح فقط.”

 

شعرت بأنه كاد يتنفس الصعداء، لكني لم أترك له تلك الفرصة.

 

تحركت ببطء، ومررت طرف الخنجر الحاد على طول خده، مجرد لمسة خفيفة، لم تقطع الجلد لكنها تركت أثرًا باردًا كقبلة الموت.

 

“الزنديق؟”

 

همست بصوت ناعم، بينما راقبت كيف تجمدت تعابيره تحت اللمسة المعدنية.

 

“هو شخص وغد لعين، مقرف.”

 

توقفت عند عنقه، وضغطت قليلاً، ليس بما يكفي للجرح، لكن بما يكفي ليشعر بأنفاسي وهي تختلط بهلع أنفاسه.

 

“يقتل، يعذب، يسرق، يفعل ما يريد، يتبع عقائد وأفكارًا ملتوية.”

 

خفضت رأسي، حتى أصبحت شفاهي بجوار أذنه، حتى أصبح بإمكانه سماع نبضات الصمت الذي يسبق العاصفة.

 

“هذا هو الزنديق في نظري…”

 

ثم همست، ببطء، وكأنني ألقي عليه لعنة لا يمكن كسرها:

 

“فهل أنت زنديق، هارونلد؟”

 

شعرت بارتجاف جسده، بأنفاسه اللاهثة، بذلك الرعب الخام الذي بدأ يتغلغل في عموده الفقري.

 

وابتسمت.

 

تجمد الهواء بيننا، كأن الزمن نفسه قد انكمش في تلك اللحظة، وأصبح ثقيلاً كالموت. نظرت إليه، إلى الطريقة التي تتسع بها حدقتاه كما لو كان يغرق، إلى شفتيه المرتعشتين بينما يحاول استجماع أنفاسه، إلى العرق البارد الذي انساب على جانب وجهه، متلألئًا تحت الضوء الخافت كدمعة معلقة بين الحياة والموت.

 

ثم، بصوت لم يكن مرتجفًا كصوته السابق، لكنه لم يكن قويًا أيضًا، نطق بالكلمات التي بدت وكأنها تخرج من أعماق يأسه.

 

“لا، لست زنديقًا، يا ملكي…”

 

ظللت أراقبه بصمت، أُبقي طرف الخنجر قريبًا بما يكفي ليشعر بثقل التهديد، لكنه لم يكن قريبًا كفاية ليقطع، ليس بعد.

 

ثم، وكأنه يدرك أن كلماته وحدها لن تكون كافية، استجمع شتات نفسه، ونطق مجددًا، بصوت كان يحاول أن يكون أكثر ثباتًا:

 

“اعذر وقاحتي… لكنني مجرد شخص عادي.”

 

ضحكت داخليًا. عادي؟

 

رأيته يبلع ريقه بصعوبة، كأنه أدرك حجم الكذبة التي خرجت من فمه. لكنه لم يتوقف، بل استمر، كمن يحاول يائسًا الإمساك بحبل يوشك أن ينقطع تحت وزنه.

 

“لست مجنونًا، ولا متطرفًا. لا أنتمي إلى أي عصابة، ولا إلى أي من تلك الطوائف السرية التي تحاك حولها الأساطير…”

 

كان يتكلم بسرعة، كأنه يخشى أن أقاطعه، أن أُسكت صوته قبل أن يتمكن من شرح نفسه. لكن تلعثمه، ذلك التردد الطفيف في بعض كلماته، فضحه أكثر مما أنقذه.

 

كنت أراقبه كما يراقب القط فأرًا يركض في متاهة بلا مخرج.

 

“كما أنني…”

 

توقف للحظة، وكأن الفكرة التالية التي خطرت له كانت محفوفة بالمخاطر، ثم أكمل:

 

“لست مثل كاسبر، شبه عضو في المكتب.”

 

هاه… كاسبر؟

 

كأن ذكر الاسم جعله يعي أنه ربما قال أكثر مما ينبغي، لكنه كان قد بدأ بالفعل، ولم يكن بإمكانه التراجع الآن.

 

“لست مجنونًا أو مختلًا…”

 

رأيت كيف قبض على يديه، كيف حاول أن يخفي ارتجاف أصابعه، كيف كانت عروقه تنبض بسرعة مخيفة، كأنه قد استنزف كل ما لديه من رباطة جأش في هذا الجواب.

 

“ملكي، أنا شخص عادي… أجبرتني الظروف على السير في طريق آخر.”

 

صمت للحظة، وكأنه يجمع أنفاسه، ثم همس أخيرًا، بصوت بدا أقرب إلى الرجاء منه إلى التبرير:

 

“لكن صدقني… لست زنديقًا.”

 

 

ظللت صامتًا، أراقبه دون أن أحرك ساكنًا.

 

رأيت في عينيه تلك الشرارة الأخيرة من الأمل، ذلك التوسل الخفي بأن أصدق، أن أمنحه فرصة، أن أسمح له بأن يكون أكثر من مجرد رقم آخر في قائمة طويلة من الضحايا.

 

لكن المشكلة لم تكن فيما قاله.

 

المشكلة كانت فيما لم يقله.

 

اقتربت ببطء، حتى أصبحت على بعد أنفاس منه، حتى استطعت رؤية الانعكاس المشوه لصورتي في عينيه المرتجفتين.

 

ثم، بصوت خافت، لكن مشبع بالقوة، همست:

 

“وأي الظروف… أجبرتك على هذا الطريق، هارونلد؟”

 

 

 

 

لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط