زنديق
“الزنديق؟”
“حاضر! حاضر، ثيودور! أقصد… م-ملكي!”
رفعت حاجبًا وأنا أنظر إلى هذا الشيء الضخم المنبطح على الأرض، ضفدع مترهل في هيئة بشرية.
ضحكت داخليًا. عادي؟
ضحكت.
“أوه، انظروا ماذا لدينا هنا…”
تركت الصمت يملأ الغرفة للحظة، ثم ابتسمت ابتسامة واسعة، كأنني أعطيه أملًا كاذبًا.
جلست القرفصاء أمامه، حتى صرت بمستواه، ثم مددت يدي وربتّ ببطء على شعره المتعرق، كما لو كنت أُهدّئ كلبًا مذعورًا.
جلست القرفصاء أمامه، حتى صرت بمستواه، ثم مددت يدي وربتّ ببطء على شعره المتعرق، كما لو كنت أُهدّئ كلبًا مذعورًا.
لكن بدلاً من الاطمئنان، بدأ جسده يرتجف بعنف.
وهذا ما جعل الأمر أكثر إزعاجًا.
كم هذا مثير للشفقة.
رأيت لمحة من الذعر تومض في عينيه، وسارع إلى الكلام.
وهذا ما جعل الأمر أكثر إزعاجًا.
“أوه، هارونلد يا صديقي، أنت تعرف مكانك بالفعل، أليس كذلك؟”
ثم، وكأنه يدرك أن كلماته وحدها لن تكون كافية، استجمع شتات نفسه، ونطق مجددًا، بصوت كان يحاول أن يكون أكثر ثباتًا:
مررت أصابعي على رأسه، ملمس جلده الدهني جعلني أرفع يدي باستياء طفيف، ثم تابعت بنبرة ساخرة:
“ماذا سيحدث تاليًا برأيك، هارونلد؟”
“الأرض… الغبار تحت قدمي. هذا هو موضعك الحقيقي.”
شعرت بارتجافه يتضاعف، كأنه فهم أخيرًا أن مصيره ليس بيده، بل بيدي أنا.
“هل أنت أحمق؟ يا لك من جريء… هل تطلب مني شيئًا الآن؟”
“لم أعذب أي شخص من قبل… على حد علمي، يا سيدي.”
“دعني أعطيك اختبارًا بسيطًا.”
“يقتل، يعذب، يسرق، يفعل ما يريد، يتبع عقائد وأفكارًا ملتوية.”
تحجّرت أنفاسه.
“يقتل، يعذب، يسرق، يفعل ما يريد، يتبع عقائد وأفكارًا ملتوية.”
“إن استطعت النجاح فيه، فاعتبر نفسك محظوظًا… ولن أقتلك.”
كم هذا مثير للشفقة.
كان هذا كافيًا ليجعله يحاول رفع رأسه، ربما كان يأمل برؤية تعبير وجهي، ربما كان يريد التأكد إن كنت جادًا.
لكنني لم أعطه هذه الفرصة.
“لم أقتل أحدًا من قبل في حياتي، يا ملكي.”
“أخبرني، ماذا سيفعل الملك؟”
“لا ترفع رأسك.”
وهذا ما جعل الأمر أكثر إزعاجًا.
ابتسمت وأنا أضع الخنجر على ركبتي، أفكر للحظة قبل أن أبدأ بصوت هادئ كمن يروي قصة ما قبل النوم:
ثم، بدون أي إنذار، ضربت رأسه بقوة جعلت جبهته تصطدم بالأرض المليئة بالغبار.
“أعتذر، سيدي! أعتذر!”
“إن رفعت رأسك مجددًا… سأقطعه.”
“لست مجنونًا أو مختلًا…”
“حاضر! حاضر، ثيودور! أقصد… م-ملكي!”
سمعت تنفسه اللاهث وهو يحاول السيطرة على ارتجافه.
كنت أستمتع.
لكنني لم أهتم.
“…أنا، أن يقتل زنديقًا لعينًا في غرفته.”
كنت أستمتع.
شعرت بارتجافه يتضاعف، كأنه فهم أخيرًا أن مصيره ليس بيده، بل بيدي أنا.
“أوه، لنرى…”
لكن بدلاً من الاطمئنان، بدأ جسده يرتجف بعنف.
ابتسمت وأنا أضع الخنجر على ركبتي، أفكر للحظة قبل أن أبدأ بصوت هادئ كمن يروي قصة ما قبل النوم:
ضحكت داخليًا. عادي؟
“في يوم من الأيام، قرر الملك…”
رأيت في عينيه تلك الشرارة الأخيرة من الأمل، ذلك التوسل الخفي بأن أصدق، أن أمنحه فرصة، أن أسمح له بأن يكون أكثر من مجرد رقم آخر في قائمة طويلة من الضحايا.
إذا لم يكن قاتلًا، لم يكن معذبًا، لم يكن سافك دماء، فلماذا يُعتبر زنديقًا؟
توقفت لوهلة، ثم أكملت:
“…أنا، أن يقتل زنديقًا لعينًا في غرفته.”
هز رأسه ببطء، كأنما يحاول التأكد من كلماته.
توقفت مرة أخرى، متعمدًا ترك الجملة تتسلل إلى عقله المرتجف قبل أن أتابع:
لماذا هو هنا؟
“لكن… المشكلة أن اختفاءه سيجلب العديد من المشاكل، لأنه ليس مجرد حشرة بلا قيمة.”
إذا لم يكن قاتلًا، لم يكن معذبًا، لم يكن سافك دماء، فلماذا يُعتبر زنديقًا؟
اقتربت أكثر وهمست:
لكن بدلاً من الاطمئنان، بدأ جسده يرتجف بعنف.
“بل هو طالب جامعي، وعضو في منظمة شبه حكومية.”
وضعت يدي على رأسه برفق، ثم ضغطت بأصابعي على جمجمته وكأني أفكر بصوت عالٍ:
“ماذا سيحدث تاليًا برأيك، هارونلد؟”
كانت أنفاسه غير مستقرة، واضحة، تكاد تكون مسموعة أكثر من اللازم في صمت الغرفة المشحون بالخوف.
مرة أخرى، جاء التردد، لكنه لم يكن التردد الذي يسبق الكذب، بل التردد الذي يسبق الحقيقة غير المرغوبة.
همست بصوت ناعم، بينما راقبت كيف تجمدت تعابيره تحت اللمسة المعدنية.
“أخبرني، ماذا سيفعل الملك؟”
لم يكن هذا مجرد سؤال… بل كان مصيرًا معلقًا بين شفتيه المرتجفتين.
وهذا ما جعل الأمر أكثر إزعاجًا.
“هو شخص وغد لعين، مقرف.”
كان وجهه شاحبًا، جسده ينتفض كما لو أن الشتاء اخترق نخاع عظامه، ولكن حتى وسط هذا الرعب، وسط هذا الانهيار البطيء الذي يبتلعه، كان لا يزال قادرًا على التمسك بآخر خيط من الكبرياء.
“لست مجنونًا، ولا متطرفًا. لا أنتمي إلى أي عصابة، ولا إلى أي من تلك الطوائف السرية التي تحاك حولها الأساطير…”
كم هذا مثير للشفقة.
“الملك يفعل ما يريد، لا أحد يستطيع تحديد ما يفعله الملك.”
“بل هو طالب جامعي، وعضو في منظمة شبه حكومية.”
إذا لم يكن قاتلًا، لم يكن معذبًا، لم يكن سافك دماء، فلماذا يُعتبر زنديقًا؟
قالها بصوت مرتجف، لكنه أبى أن ينكسر تمامًا، وكأنه يحاول التشبث بوهم السلطة، بوهم أن كلماته قد تمنحه بعض السيطرة على مصيره.
ضحكت.
وهذا ما جعل الأمر أكثر إزعاجًا.
رفعت حاجبًا وأنا أنظر إلى هذا الشيء الضخم المنبطح على الأرض، ضفدع مترهل في هيئة بشرية.
ضحكة صاخبة، مشبعة بالتهكم، لدرجة أن صدري اهتز قليلاً بينما كنت أرتجف فوقه.
“يا لك من وغد سمين لعين… لكنك ذكي، ها؟”
“لكن… المشكلة أن اختفاءه سيجلب العديد من المشاكل، لأنه ليس مجرد حشرة بلا قيمة.”
رفعت رأسي لأنظر إليه، كانت عيناه المتسعتان تعكسان الظلام الذي يحيط بنا، لكنها لم تكن عيون رجل أعمته الخطيئة. لا، لم يكن يشبه غيره من الحثالة الذين واجهتهم من قبل، لم يكن كمجنون يهمهم بكلام فارغ عن نهاية العالم، لم يكن كطفل يتوسل للنجاة، ولم يكن وحشًا تتقطر الدماء من مخالبه…
“قتلت…؟”
كان عاقلًا.
“هارونلد، كم شخصًا قتلت؟”
بل كانت ناعمة، بطيئة، كالنصل الذي يُجر ببطء على الجلد.
وهذا ما جعل الأمر أكثر إزعاجًا.
وهذا ما جعل الأمر أكثر إزعاجًا.
قالها بصوت مرتجف، لكنه أبى أن ينكسر تمامًا، وكأنه يحاول التشبث بوهم السلطة، بوهم أن كلماته قد تمنحه بعض السيطرة على مصيره.
اقتربت منه أكثر، وضعت كوعي على ركبتي، وأسندت رأسي على يدي كما لو كنت أراقب فأرًا وقع في فخ.
“بل هو طالب جامعي، وعضو في منظمة شبه حكومية.”
“لماذا؟ لماذا فقط اخترت أن تكون زنديقًا؟”
مررت بأصابعي على مقبض الخنجر، أتحسس البرودة المعدنية للنصل بينما كنت أتأمل وجهه.
“لماذا؟ لماذا فقط اخترت أن تكون زنديقًا؟”
“طالب جامعي، عائلتك موجودة وهي في وضع جيد بالفعل… كان بإمكانك أن تعيش حياة طبيعية، حياة مريحة…”
أغمضت عيني للحظة، ثم فتحتهما ببطء، متأملًا انعكاسي المشوه في بركة الدم الصغيرة التي بدأت تتجمع على الأرض تحته.
خفضت رأسي، حتى أصبحت شفاهي بجوار أذنه، حتى أصبح بإمكانه سماع نبضات الصمت الذي يسبق العاصفة.
“فقط لماذا تفعل ذلك؟”
“هيا، أنا أمزح فقط.”
شعرت للحظة بشيء أشبه بالشفقة، لكنه كان شعورًا فارغًا، هشًا، كظل عاطفة لم تكتمل.
شعرت بارتجافه يتضاعف، كأنه فهم أخيرًا أن مصيره ليس بيده، بل بيدي أنا.
رفع رأسه قليلًا، وكأنما يبحث عن إجابة، ثم نطق بصوت هادئ، غير متوقع:
حدقت في عينيه مجددًا، باحثًا عن إجابة لم أكن متأكدًا من أنني أرغب في سماعها.
رأيت في عينيه تلك الشرارة الأخيرة من الأمل، ذلك التوسل الخفي بأن أصدق، أن أمنحه فرصة، أن أسمح له بأن يكون أكثر من مجرد رقم آخر في قائمة طويلة من الضحايا.
لكن في النهاية، ما الفرق الذي كان سيصنعه؟
قالها بصوت مرتجف، لكنه أبى أن ينكسر تمامًا، وكأنه يحاول التشبث بوهم السلطة، بوهم أن كلماته قد تمنحه بعض السيطرة على مصيره.
لماذا هو هنا؟
تذكرت أفعال الزنادقة التي قرأت عنها، عن طقوسهم الملتوية، عن القرى التي احترقت، عن الأطفال الذين اختفوا، عن الأهوال التي أطلقوها في العالم…
“لكن… المشكلة أن اختفاءه سيجلب العديد من المشاكل، لأنه ليس مجرد حشرة بلا قيمة.”
اختفت الشفقة كما لو لم تكن موجودة أصلًا.
“كما أنني…”
ثم، بصوت خافت، لكن مشبع بالقوة، همست:
شددت قبضتي على الخنجر.
“لماذا؟ لماذا فقط اخترت أن تكون زنديقًا؟”
ثم، بصوت لم يكن مرتجفًا كصوته السابق، لكنه لم يكن قويًا أيضًا، نطق بالكلمات التي بدت وكأنها تخرج من أعماق يأسه.
“هارونلد، كم شخصًا قتلت؟”
هاه… كاسبر؟
راقبت كيف تغيرت تعابيره، كيف اهتزت زاوية شفتيه للحظة قبل أن يتمالك نفسه، كيف ترددت أنفاسه في الهواء المشبع برائحة الحديد.
“قتلت…؟”
“لماذا؟ لماذا فقط اخترت أن تكون زنديقًا؟”
هز رأسه ببطء، كأنما يحاول التأكد من كلماته.
“لست مجنونًا، ولا متطرفًا. لا أنتمي إلى أي عصابة، ولا إلى أي من تلك الطوائف السرية التي تحاك حولها الأساطير…”
راقبت كيف تغيرت تعابيره، كيف اهتزت زاوية شفتيه للحظة قبل أن يتمالك نفسه، كيف ترددت أنفاسه في الهواء المشبع برائحة الحديد.
“لم أقتل أحدًا من قبل في حياتي، يا ملكي.”
لم يكن هذا مجرد سؤال… بل كان مصيرًا معلقًا بين شفتيه المرتجفتين.
رمقته بنظرة باردة.
“فقط لماذا تفعل ذلك؟”
“أوه؟ إذًا… كم شخصًا عذبت في حياتك؟”
“فقط لماذا تفعل ذلك؟”
مررت بأصابعي على مقبض الخنجر، أتحسس البرودة المعدنية للنصل بينما كنت أتأمل وجهه.
مرة أخرى، جاء التردد، لكنه لم يكن التردد الذي يسبق الكذب، بل التردد الذي يسبق الحقيقة غير المرغوبة.
مررت أصابعي على رأسه، ملمس جلده الدهني جعلني أرفع يدي باستياء طفيف، ثم تابعت بنبرة ساخرة:
“لم أعذب أي شخص من قبل… على حد علمي، يا سيدي.”
“الأرض… الغبار تحت قدمي. هذا هو موضعك الحقيقي.”
“لم أقتل أحدًا من قبل في حياتي، يا ملكي.”
هاه؟
ميلت رأسي قليلًا، أراقبه كما يراقب المرء لغزًا مستعصيًا.
لكن المشكلة لم تكن فيما قاله.
“هل أنت زنديق بالاسم فقط؟”
تذكرت أفعال الزنادقة التي قرأت عنها، عن طقوسهم الملتوية، عن القرى التي احترقت، عن الأطفال الذين اختفوا، عن الأهوال التي أطلقوها في العالم…
ضحكت.
شعرت بشيء ثقيل يتسلل إلى داخلي، شيء يشبه خيبة الأمل، لكن ليس تمامًا.
كان من المستحيل عليه الكذب علي، كنت أعلم ذلك، ومع ذلك…
اقتربت ببطء، حتى أصبحت على بعد أنفاس منه، حتى استطعت رؤية الانعكاس المشوه لصورتي في عينيه المرتجفتين.
أغمضت عيني للحظة، ثم فتحتهما ببطء، متأملًا انعكاسي المشوه في بركة الدم الصغيرة التي بدأت تتجمع على الأرض تحته.
لماذا هو هنا؟
أغمضت عيني للحظة، ثم فتحتهما ببطء، متأملًا انعكاسي المشوه في بركة الدم الصغيرة التي بدأت تتجمع على الأرض تحته.
إذا لم يكن قاتلًا، لم يكن معذبًا، لم يكن سافك دماء، فلماذا يُعتبر زنديقًا؟
رفع رأسه قليلًا، وكأنما يبحث عن إجابة، ثم نطق بصوت هادئ، غير متوقع:
رفعت رأسي لأنظر إليه، كانت عيناه المتسعتان تعكسان الظلام الذي يحيط بنا، لكنها لم تكن عيون رجل أعمته الخطيئة. لا، لم يكن يشبه غيره من الحثالة الذين واجهتهم من قبل، لم يكن كمجنون يهمهم بكلام فارغ عن نهاية العالم، لم يكن كطفل يتوسل للنجاة، ولم يكن وحشًا تتقطر الدماء من مخالبه…
“زنديق؟ ملكي، من فضلك، اشرح لي معنى الزنديق بالنسبة لك.”
لكنني لم أعطه هذه الفرصة.
وابتسمت.
توقفت لحظة.
رأيت لمحة من الذعر تومض في عينيه، وسارع إلى الكلام.
ثم ضحكت، لكن هذه المرة، لم تكن ضحكتي صاخبة.
“في يوم من الأيام، قرر الملك…”
ثم، وكأنه يدرك أن كلماته وحدها لن تكون كافية، استجمع شتات نفسه، ونطق مجددًا، بصوت كان يحاول أن يكون أكثر ثباتًا:
بل كانت ناعمة، بطيئة، كالنصل الذي يُجر ببطء على الجلد.
“لا ترفع رأسك.”
لكنني لم أهتم.
“هل أنت أحمق؟ يا لك من جريء… هل تطلب مني شيئًا الآن؟”
ثم، وكأنه يدرك أن كلماته وحدها لن تكون كافية، استجمع شتات نفسه، ونطق مجددًا، بصوت كان يحاول أن يكون أكثر ثباتًا:
رأيت لمحة من الذعر تومض في عينيه، وسارع إلى الكلام.
“أعتذر، سيدي! أعتذر!”
ظللت أراقبه بصمت، أُبقي طرف الخنجر قريبًا بما يكفي ليشعر بثقل التهديد، لكنه لم يكن قريبًا كفاية ليقطع، ليس بعد.
تركت الصمت يملأ الغرفة للحظة، ثم ابتسمت ابتسامة واسعة، كأنني أعطيه أملًا كاذبًا.
“كما أنني…”
“هيا، أنا أمزح فقط.”
شددت قبضتي على الخنجر.
بل كانت ناعمة، بطيئة، كالنصل الذي يُجر ببطء على الجلد.
شعرت بأنه كاد يتنفس الصعداء، لكني لم أترك له تلك الفرصة.
تركت الصمت يملأ الغرفة للحظة، ثم ابتسمت ابتسامة واسعة، كأنني أعطيه أملًا كاذبًا.
تحركت ببطء، ومررت طرف الخنجر الحاد على طول خده، مجرد لمسة خفيفة، لم تقطع الجلد لكنها تركت أثرًا باردًا كقبلة الموت.
بل كانت ناعمة، بطيئة، كالنصل الذي يُجر ببطء على الجلد.
“يقتل، يعذب، يسرق، يفعل ما يريد، يتبع عقائد وأفكارًا ملتوية.”
“الزنديق؟”
“دعني أعطيك اختبارًا بسيطًا.”
همست بصوت ناعم، بينما راقبت كيف تجمدت تعابيره تحت اللمسة المعدنية.
“هو شخص وغد لعين، مقرف.”
كان يتكلم بسرعة، كأنه يخشى أن أقاطعه، أن أُسكت صوته قبل أن يتمكن من شرح نفسه. لكن تلعثمه، ذلك التردد الطفيف في بعض كلماته، فضحه أكثر مما أنقذه.
توقفت عند عنقه، وضغطت قليلاً، ليس بما يكفي للجرح، لكن بما يكفي ليشعر بأنفاسي وهي تختلط بهلع أنفاسه.
كنت أستمتع.
“يقتل، يعذب، يسرق، يفعل ما يريد، يتبع عقائد وأفكارًا ملتوية.”
خفضت رأسي، حتى أصبحت شفاهي بجوار أذنه، حتى أصبح بإمكانه سماع نبضات الصمت الذي يسبق العاصفة.
“هذا هو الزنديق في نظري…”
رأيت كيف قبض على يديه، كيف حاول أن يخفي ارتجاف أصابعه، كيف كانت عروقه تنبض بسرعة مخيفة، كأنه قد استنزف كل ما لديه من رباطة جأش في هذا الجواب.
ثم همست، ببطء، وكأنني ألقي عليه لعنة لا يمكن كسرها:
“يا لك من وغد سمين لعين… لكنك ذكي، ها؟”
رأيت في عينيه تلك الشرارة الأخيرة من الأمل، ذلك التوسل الخفي بأن أصدق، أن أمنحه فرصة، أن أسمح له بأن يكون أكثر من مجرد رقم آخر في قائمة طويلة من الضحايا.
“فهل أنت زنديق، هارونلد؟”
كان وجهه شاحبًا، جسده ينتفض كما لو أن الشتاء اخترق نخاع عظامه، ولكن حتى وسط هذا الرعب، وسط هذا الانهيار البطيء الذي يبتلعه، كان لا يزال قادرًا على التمسك بآخر خيط من الكبرياء.
“ماذا سيحدث تاليًا برأيك، هارونلد؟”
شعرت بارتجاف جسده، بأنفاسه اللاهثة، بذلك الرعب الخام الذي بدأ يتغلغل في عموده الفقري.
“إن استطعت النجاح فيه، فاعتبر نفسك محظوظًا… ولن أقتلك.”
وابتسمت.
“لكن… المشكلة أن اختفاءه سيجلب العديد من المشاكل، لأنه ليس مجرد حشرة بلا قيمة.”
تجمد الهواء بيننا، كأن الزمن نفسه قد انكمش في تلك اللحظة، وأصبح ثقيلاً كالموت. نظرت إليه، إلى الطريقة التي تتسع بها حدقتاه كما لو كان يغرق، إلى شفتيه المرتعشتين بينما يحاول استجماع أنفاسه، إلى العرق البارد الذي انساب على جانب وجهه، متلألئًا تحت الضوء الخافت كدمعة معلقة بين الحياة والموت.
ثم، بصوت لم يكن مرتجفًا كصوته السابق، لكنه لم يكن قويًا أيضًا، نطق بالكلمات التي بدت وكأنها تخرج من أعماق يأسه.
سمعت تنفسه اللاهث وهو يحاول السيطرة على ارتجافه.
“لا، لست زنديقًا، يا ملكي…”
قالها بصوت مرتجف، لكنه أبى أن ينكسر تمامًا، وكأنه يحاول التشبث بوهم السلطة، بوهم أن كلماته قد تمنحه بعض السيطرة على مصيره.
ظللت أراقبه بصمت، أُبقي طرف الخنجر قريبًا بما يكفي ليشعر بثقل التهديد، لكنه لم يكن قريبًا كفاية ليقطع، ليس بعد.
ثم، وكأنه يدرك أن كلماته وحدها لن تكون كافية، استجمع شتات نفسه، ونطق مجددًا، بصوت كان يحاول أن يكون أكثر ثباتًا:
ثم، وكأنه يدرك أن كلماته وحدها لن تكون كافية، استجمع شتات نفسه، ونطق مجددًا، بصوت كان يحاول أن يكون أكثر ثباتًا:
كنت أستمتع.
“اعذر وقاحتي… لكنني مجرد شخص عادي.”
“أوه؟ إذًا… كم شخصًا عذبت في حياتك؟”
“هو شخص وغد لعين، مقرف.”
ضحكت داخليًا. عادي؟
“وأي الظروف… أجبرتك على هذا الطريق، هارونلد؟”
رأيته يبلع ريقه بصعوبة، كأنه أدرك حجم الكذبة التي خرجت من فمه. لكنه لم يتوقف، بل استمر، كمن يحاول يائسًا الإمساك بحبل يوشك أن ينقطع تحت وزنه.
اقتربت أكثر وهمست:
“لست مجنونًا، ولا متطرفًا. لا أنتمي إلى أي عصابة، ولا إلى أي من تلك الطوائف السرية التي تحاك حولها الأساطير…”
“هل أنت زنديق بالاسم فقط؟”
“هيا، أنا أمزح فقط.”
كان يتكلم بسرعة، كأنه يخشى أن أقاطعه، أن أُسكت صوته قبل أن يتمكن من شرح نفسه. لكن تلعثمه، ذلك التردد الطفيف في بعض كلماته، فضحه أكثر مما أنقذه.
كنت أراقبه كما يراقب القط فأرًا يركض في متاهة بلا مخرج.
“الأرض… الغبار تحت قدمي. هذا هو موضعك الحقيقي.”
“كما أنني…”
توقف للحظة، وكأن الفكرة التالية التي خطرت له كانت محفوفة بالمخاطر، ثم أكمل:
خفضت رأسي، حتى أصبحت شفاهي بجوار أذنه، حتى أصبح بإمكانه سماع نبضات الصمت الذي يسبق العاصفة.
“لست مثل كاسبر، شبه عضو في المكتب.”
توقفت مرة أخرى، متعمدًا ترك الجملة تتسلل إلى عقله المرتجف قبل أن أتابع:
هاه… كاسبر؟
ظللت صامتًا، أراقبه دون أن أحرك ساكنًا.
كأن ذكر الاسم جعله يعي أنه ربما قال أكثر مما ينبغي، لكنه كان قد بدأ بالفعل، ولم يكن بإمكانه التراجع الآن.
شعرت بارتجافه يتضاعف، كأنه فهم أخيرًا أن مصيره ليس بيده، بل بيدي أنا.
“لست مجنونًا أو مختلًا…”
رأيت كيف قبض على يديه، كيف حاول أن يخفي ارتجاف أصابعه، كيف كانت عروقه تنبض بسرعة مخيفة، كأنه قد استنزف كل ما لديه من رباطة جأش في هذا الجواب.
رأيت لمحة من الذعر تومض في عينيه، وسارع إلى الكلام.
توقفت مرة أخرى، متعمدًا ترك الجملة تتسلل إلى عقله المرتجف قبل أن أتابع:
“ملكي، أنا شخص عادي… أجبرتني الظروف على السير في طريق آخر.”
رمقته بنظرة باردة.
اقتربت أكثر وهمست:
صمت للحظة، وكأنه يجمع أنفاسه، ثم همس أخيرًا، بصوت بدا أقرب إلى الرجاء منه إلى التبرير:
ثم همست، ببطء، وكأنني ألقي عليه لعنة لا يمكن كسرها:
“لكن صدقني… لست زنديقًا.”
…
“ماذا سيحدث تاليًا برأيك، هارونلد؟”
مررت بأصابعي على مقبض الخنجر، أتحسس البرودة المعدنية للنصل بينما كنت أتأمل وجهه.
ظللت صامتًا، أراقبه دون أن أحرك ساكنًا.
“هذا هو الزنديق في نظري…”
رأيت في عينيه تلك الشرارة الأخيرة من الأمل، ذلك التوسل الخفي بأن أصدق، أن أمنحه فرصة، أن أسمح له بأن يكون أكثر من مجرد رقم آخر في قائمة طويلة من الضحايا.
“لكن… المشكلة أن اختفاءه سيجلب العديد من المشاكل، لأنه ليس مجرد حشرة بلا قيمة.”
شعرت بشيء ثقيل يتسلل إلى داخلي، شيء يشبه خيبة الأمل، لكن ليس تمامًا.
لكن المشكلة لم تكن فيما قاله.
“يا لك من وغد سمين لعين… لكنك ذكي، ها؟”
المشكلة كانت فيما لم يقله.
جلست القرفصاء أمامه، حتى صرت بمستواه، ثم مددت يدي وربتّ ببطء على شعره المتعرق، كما لو كنت أُهدّئ كلبًا مذعورًا.
اقتربت ببطء، حتى أصبحت على بعد أنفاس منه، حتى استطعت رؤية الانعكاس المشوه لصورتي في عينيه المرتجفتين.
ثم، بصوت لم يكن مرتجفًا كصوته السابق، لكنه لم يكن قويًا أيضًا، نطق بالكلمات التي بدت وكأنها تخرج من أعماق يأسه.
رفع رأسه قليلًا، وكأنما يبحث عن إجابة، ثم نطق بصوت هادئ، غير متوقع:
ثم، بصوت خافت، لكن مشبع بالقوة، همست:
“وأي الظروف… أجبرتك على هذا الطريق، هارونلد؟”
“الأرض… الغبار تحت قدمي. هذا هو موضعك الحقيقي.”
“الزنديق؟”
“إن استطعت النجاح فيه، فاعتبر نفسك محظوظًا… ولن أقتلك.”
رفعت حاجبًا وأنا أنظر إلى هذا الشيء الضخم المنبطح على الأرض، ضفدع مترهل في هيئة بشرية.
