زنديق
ظللت صامتًا، أراقبه دون أن أحرك ساكنًا.
رفعت حاجبًا وأنا أنظر إلى هذا الشيء الضخم المنبطح على الأرض، ضفدع مترهل في هيئة بشرية.
“في يوم من الأيام، قرر الملك…”
“أوه، انظروا ماذا لدينا هنا…”
رأيت في عينيه تلك الشرارة الأخيرة من الأمل، ذلك التوسل الخفي بأن أصدق، أن أمنحه فرصة، أن أسمح له بأن يكون أكثر من مجرد رقم آخر في قائمة طويلة من الضحايا.
جلست القرفصاء أمامه، حتى صرت بمستواه، ثم مددت يدي وربتّ ببطء على شعره المتعرق، كما لو كنت أُهدّئ كلبًا مذعورًا.
“كما أنني…”
لكن بدلاً من الاطمئنان، بدأ جسده يرتجف بعنف.
كنت أستمتع.
اختفت الشفقة كما لو لم تكن موجودة أصلًا.
كم هذا مثير للشفقة.
لكن في النهاية، ما الفرق الذي كان سيصنعه؟
“أوه، هارونلد يا صديقي، أنت تعرف مكانك بالفعل، أليس كذلك؟”
مررت أصابعي على رأسه، ملمس جلده الدهني جعلني أرفع يدي باستياء طفيف، ثم تابعت بنبرة ساخرة:
“الأرض… الغبار تحت قدمي. هذا هو موضعك الحقيقي.”
“لا، لست زنديقًا، يا ملكي…”
“الزنديق؟”
شعرت بارتجافه يتضاعف، كأنه فهم أخيرًا أن مصيره ليس بيده، بل بيدي أنا.
تذكرت أفعال الزنادقة التي قرأت عنها، عن طقوسهم الملتوية، عن القرى التي احترقت، عن الأطفال الذين اختفوا، عن الأهوال التي أطلقوها في العالم…
“دعني أعطيك اختبارًا بسيطًا.”
تحجّرت أنفاسه.
ميلت رأسي قليلًا، أراقبه كما يراقب المرء لغزًا مستعصيًا.
شعرت بأنه كاد يتنفس الصعداء، لكني لم أترك له تلك الفرصة.
“إن استطعت النجاح فيه، فاعتبر نفسك محظوظًا… ولن أقتلك.”
إذا لم يكن قاتلًا، لم يكن معذبًا، لم يكن سافك دماء، فلماذا يُعتبر زنديقًا؟
كان يتكلم بسرعة، كأنه يخشى أن أقاطعه، أن أُسكت صوته قبل أن يتمكن من شرح نفسه. لكن تلعثمه، ذلك التردد الطفيف في بعض كلماته، فضحه أكثر مما أنقذه.
كان هذا كافيًا ليجعله يحاول رفع رأسه، ربما كان يأمل برؤية تعبير وجهي، ربما كان يريد التأكد إن كنت جادًا.
مررت أصابعي على رأسه، ملمس جلده الدهني جعلني أرفع يدي باستياء طفيف، ثم تابعت بنبرة ساخرة:
لكنني لم أعطه هذه الفرصة.
“قتلت…؟”
“لا ترفع رأسك.”
“لماذا؟ لماذا فقط اخترت أن تكون زنديقًا؟”
كان عاقلًا.
ثم، بدون أي إنذار، ضربت رأسه بقوة جعلت جبهته تصطدم بالأرض المليئة بالغبار.
“زنديق؟ ملكي، من فضلك، اشرح لي معنى الزنديق بالنسبة لك.”
“…أنا، أن يقتل زنديقًا لعينًا في غرفته.”
“إن رفعت رأسك مجددًا… سأقطعه.”
“حاضر! حاضر، ثيودور! أقصد… م-ملكي!”
سمعت تنفسه اللاهث وهو يحاول السيطرة على ارتجافه.
خفضت رأسي، حتى أصبحت شفاهي بجوار أذنه، حتى أصبح بإمكانه سماع نبضات الصمت الذي يسبق العاصفة.
لكنني لم أهتم.
“هذا هو الزنديق في نظري…”
كنت أستمتع.
اختفت الشفقة كما لو لم تكن موجودة أصلًا.
“ملكي، أنا شخص عادي… أجبرتني الظروف على السير في طريق آخر.”
“أوه، لنرى…”
المشكلة كانت فيما لم يقله.
ابتسمت وأنا أضع الخنجر على ركبتي، أفكر للحظة قبل أن أبدأ بصوت هادئ كمن يروي قصة ما قبل النوم:
“في يوم من الأيام، قرر الملك…”
اقتربت ببطء، حتى أصبحت على بعد أنفاس منه، حتى استطعت رؤية الانعكاس المشوه لصورتي في عينيه المرتجفتين.
توقفت لوهلة، ثم أكملت:
“إن استطعت النجاح فيه، فاعتبر نفسك محظوظًا… ولن أقتلك.”
“…أنا، أن يقتل زنديقًا لعينًا في غرفته.”
توقفت مرة أخرى، متعمدًا ترك الجملة تتسلل إلى عقله المرتجف قبل أن أتابع:
“لكن… المشكلة أن اختفاءه سيجلب العديد من المشاكل، لأنه ليس مجرد حشرة بلا قيمة.”
اقتربت أكثر وهمست:
مرة أخرى، جاء التردد، لكنه لم يكن التردد الذي يسبق الكذب، بل التردد الذي يسبق الحقيقة غير المرغوبة.
“هل أنت زنديق بالاسم فقط؟”
“بل هو طالب جامعي، وعضو في منظمة شبه حكومية.”
رأيته يبلع ريقه بصعوبة، كأنه أدرك حجم الكذبة التي خرجت من فمه. لكنه لم يتوقف، بل استمر، كمن يحاول يائسًا الإمساك بحبل يوشك أن ينقطع تحت وزنه.
وضعت يدي على رأسه برفق، ثم ضغطت بأصابعي على جمجمته وكأني أفكر بصوت عالٍ:
“ماذا سيحدث تاليًا برأيك، هارونلد؟”
بل كانت ناعمة، بطيئة، كالنصل الذي يُجر ببطء على الجلد.
كان هذا كافيًا ليجعله يحاول رفع رأسه، ربما كان يأمل برؤية تعبير وجهي، ربما كان يريد التأكد إن كنت جادًا.
كانت أنفاسه غير مستقرة، واضحة، تكاد تكون مسموعة أكثر من اللازم في صمت الغرفة المشحون بالخوف.
شعرت للحظة بشيء أشبه بالشفقة، لكنه كان شعورًا فارغًا، هشًا، كظل عاطفة لم تكتمل.
“أخبرني، ماذا سيفعل الملك؟”
لم يكن هذا مجرد سؤال… بل كان مصيرًا معلقًا بين شفتيه المرتجفتين.
كان وجهه شاحبًا، جسده ينتفض كما لو أن الشتاء اخترق نخاع عظامه، ولكن حتى وسط هذا الرعب، وسط هذا الانهيار البطيء الذي يبتلعه، كان لا يزال قادرًا على التمسك بآخر خيط من الكبرياء.
شعرت بشيء ثقيل يتسلل إلى داخلي، شيء يشبه خيبة الأمل، لكن ليس تمامًا.
اقتربت ببطء، حتى أصبحت على بعد أنفاس منه، حتى استطعت رؤية الانعكاس المشوه لصورتي في عينيه المرتجفتين.
“الملك يفعل ما يريد، لا أحد يستطيع تحديد ما يفعله الملك.”
قالها بصوت مرتجف، لكنه أبى أن ينكسر تمامًا، وكأنه يحاول التشبث بوهم السلطة، بوهم أن كلماته قد تمنحه بعض السيطرة على مصيره.
شددت قبضتي على الخنجر.
ضحكت.
إذا لم يكن قاتلًا، لم يكن معذبًا، لم يكن سافك دماء، فلماذا يُعتبر زنديقًا؟
ضحكة صاخبة، مشبعة بالتهكم، لدرجة أن صدري اهتز قليلاً بينما كنت أرتجف فوقه.
“فقط لماذا تفعل ذلك؟”
“في يوم من الأيام، قرر الملك…”
“يا لك من وغد سمين لعين… لكنك ذكي، ها؟”
توقفت لوهلة، ثم أكملت:
رفعت رأسي لأنظر إليه، كانت عيناه المتسعتان تعكسان الظلام الذي يحيط بنا، لكنها لم تكن عيون رجل أعمته الخطيئة. لا، لم يكن يشبه غيره من الحثالة الذين واجهتهم من قبل، لم يكن كمجنون يهمهم بكلام فارغ عن نهاية العالم، لم يكن كطفل يتوسل للنجاة، ولم يكن وحشًا تتقطر الدماء من مخالبه…
كان عاقلًا.
رفعت حاجبًا وأنا أنظر إلى هذا الشيء الضخم المنبطح على الأرض، ضفدع مترهل في هيئة بشرية.
وهذا ما جعل الأمر أكثر إزعاجًا.
“أوه، انظروا ماذا لدينا هنا…”
اقتربت منه أكثر، وضعت كوعي على ركبتي، وأسندت رأسي على يدي كما لو كنت أراقب فأرًا وقع في فخ.
ثم ضحكت، لكن هذه المرة، لم تكن ضحكتي صاخبة.
…
“لماذا؟ لماذا فقط اخترت أن تكون زنديقًا؟”
مررت بأصابعي على مقبض الخنجر، أتحسس البرودة المعدنية للنصل بينما كنت أتأمل وجهه.
وهذا ما جعل الأمر أكثر إزعاجًا.
“طالب جامعي، عائلتك موجودة وهي في وضع جيد بالفعل… كان بإمكانك أن تعيش حياة طبيعية، حياة مريحة…”
ضحكت.
أغمضت عيني للحظة، ثم فتحتهما ببطء، متأملًا انعكاسي المشوه في بركة الدم الصغيرة التي بدأت تتجمع على الأرض تحته.
“هل أنت أحمق؟ يا لك من جريء… هل تطلب مني شيئًا الآن؟”
“فقط لماذا تفعل ذلك؟”
توقف للحظة، وكأن الفكرة التالية التي خطرت له كانت محفوفة بالمخاطر، ثم أكمل:
شعرت للحظة بشيء أشبه بالشفقة، لكنه كان شعورًا فارغًا، هشًا، كظل عاطفة لم تكتمل.
كان من المستحيل عليه الكذب علي، كنت أعلم ذلك، ومع ذلك…
حدقت في عينيه مجددًا، باحثًا عن إجابة لم أكن متأكدًا من أنني أرغب في سماعها.
لكنني لم أهتم.
رمقته بنظرة باردة.
لكن في النهاية، ما الفرق الذي كان سيصنعه؟
ثم ضحكت، لكن هذه المرة، لم تكن ضحكتي صاخبة.
تذكرت أفعال الزنادقة التي قرأت عنها، عن طقوسهم الملتوية، عن القرى التي احترقت، عن الأطفال الذين اختفوا، عن الأهوال التي أطلقوها في العالم…
هز رأسه ببطء، كأنما يحاول التأكد من كلماته.
اختفت الشفقة كما لو لم تكن موجودة أصلًا.
شددت قبضتي على الخنجر.
“لم أقتل أحدًا من قبل في حياتي، يا ملكي.”
“لست مثل كاسبر، شبه عضو في المكتب.”
“هارونلد، كم شخصًا قتلت؟”
“لا، لست زنديقًا، يا ملكي…”
كان من المستحيل عليه الكذب علي، كنت أعلم ذلك، ومع ذلك…
راقبت كيف تغيرت تعابيره، كيف اهتزت زاوية شفتيه للحظة قبل أن يتمالك نفسه، كيف ترددت أنفاسه في الهواء المشبع برائحة الحديد.
بل كانت ناعمة، بطيئة، كالنصل الذي يُجر ببطء على الجلد.
“قتلت…؟”
“حاضر! حاضر، ثيودور! أقصد… م-ملكي!”
هز رأسه ببطء، كأنما يحاول التأكد من كلماته.
ميلت رأسي قليلًا، أراقبه كما يراقب المرء لغزًا مستعصيًا.
“لم أقتل أحدًا من قبل في حياتي، يا ملكي.”
رأيت كيف قبض على يديه، كيف حاول أن يخفي ارتجاف أصابعه، كيف كانت عروقه تنبض بسرعة مخيفة، كأنه قد استنزف كل ما لديه من رباطة جأش في هذا الجواب.
رمقته بنظرة باردة.
رمقته بنظرة باردة.
“أوه؟ إذًا… كم شخصًا عذبت في حياتك؟”
رأيته يبلع ريقه بصعوبة، كأنه أدرك حجم الكذبة التي خرجت من فمه. لكنه لم يتوقف، بل استمر، كمن يحاول يائسًا الإمساك بحبل يوشك أن ينقطع تحت وزنه.
مرة أخرى، جاء التردد، لكنه لم يكن التردد الذي يسبق الكذب، بل التردد الذي يسبق الحقيقة غير المرغوبة.
“لم أعذب أي شخص من قبل… على حد علمي، يا سيدي.”
كنت أستمتع.
هاه؟
همست بصوت ناعم، بينما راقبت كيف تجمدت تعابيره تحت اللمسة المعدنية.
ميلت رأسي قليلًا، أراقبه كما يراقب المرء لغزًا مستعصيًا.
ثم همست، ببطء، وكأنني ألقي عليه لعنة لا يمكن كسرها:
راقبت كيف تغيرت تعابيره، كيف اهتزت زاوية شفتيه للحظة قبل أن يتمالك نفسه، كيف ترددت أنفاسه في الهواء المشبع برائحة الحديد.
“هل أنت زنديق بالاسم فقط؟”
اقتربت ببطء، حتى أصبحت على بعد أنفاس منه، حتى استطعت رؤية الانعكاس المشوه لصورتي في عينيه المرتجفتين.
شعرت بشيء ثقيل يتسلل إلى داخلي، شيء يشبه خيبة الأمل، لكن ليس تمامًا.
كان من المستحيل عليه الكذب علي، كنت أعلم ذلك، ومع ذلك…
أغمضت عيني للحظة، ثم فتحتهما ببطء، متأملًا انعكاسي المشوه في بركة الدم الصغيرة التي بدأت تتجمع على الأرض تحته.
لماذا هو هنا؟
إذا لم يكن قاتلًا، لم يكن معذبًا، لم يكن سافك دماء، فلماذا يُعتبر زنديقًا؟
“لست مجنونًا، ولا متطرفًا. لا أنتمي إلى أي عصابة، ولا إلى أي من تلك الطوائف السرية التي تحاك حولها الأساطير…”
رفع رأسه قليلًا، وكأنما يبحث عن إجابة، ثم نطق بصوت هادئ، غير متوقع:
“الملك يفعل ما يريد، لا أحد يستطيع تحديد ما يفعله الملك.”
رفعت حاجبًا وأنا أنظر إلى هذا الشيء الضخم المنبطح على الأرض، ضفدع مترهل في هيئة بشرية.
“زنديق؟ ملكي، من فضلك، اشرح لي معنى الزنديق بالنسبة لك.”
رفعت رأسي لأنظر إليه، كانت عيناه المتسعتان تعكسان الظلام الذي يحيط بنا، لكنها لم تكن عيون رجل أعمته الخطيئة. لا، لم يكن يشبه غيره من الحثالة الذين واجهتهم من قبل، لم يكن كمجنون يهمهم بكلام فارغ عن نهاية العالم، لم يكن كطفل يتوسل للنجاة، ولم يكن وحشًا تتقطر الدماء من مخالبه…
توقفت لحظة.
إذا لم يكن قاتلًا، لم يكن معذبًا، لم يكن سافك دماء، فلماذا يُعتبر زنديقًا؟
مررت بأصابعي على مقبض الخنجر، أتحسس البرودة المعدنية للنصل بينما كنت أتأمل وجهه.
ثم ضحكت، لكن هذه المرة، لم تكن ضحكتي صاخبة.
ضحكت داخليًا. عادي؟
بل كانت ناعمة، بطيئة، كالنصل الذي يُجر ببطء على الجلد.
رأيت في عينيه تلك الشرارة الأخيرة من الأمل، ذلك التوسل الخفي بأن أصدق، أن أمنحه فرصة، أن أسمح له بأن يكون أكثر من مجرد رقم آخر في قائمة طويلة من الضحايا.
“هل أنت أحمق؟ يا لك من جريء… هل تطلب مني شيئًا الآن؟”
رأيت لمحة من الذعر تومض في عينيه، وسارع إلى الكلام.
“بل هو طالب جامعي، وعضو في منظمة شبه حكومية.”
“أعتذر، سيدي! أعتذر!”
هاه؟
تركت الصمت يملأ الغرفة للحظة، ثم ابتسمت ابتسامة واسعة، كأنني أعطيه أملًا كاذبًا.
مرة أخرى، جاء التردد، لكنه لم يكن التردد الذي يسبق الكذب، بل التردد الذي يسبق الحقيقة غير المرغوبة.
“زنديق؟ ملكي، من فضلك، اشرح لي معنى الزنديق بالنسبة لك.”
“هيا، أنا أمزح فقط.”
توقفت مرة أخرى، متعمدًا ترك الجملة تتسلل إلى عقله المرتجف قبل أن أتابع:
كان هذا كافيًا ليجعله يحاول رفع رأسه، ربما كان يأمل برؤية تعبير وجهي، ربما كان يريد التأكد إن كنت جادًا.
شعرت بأنه كاد يتنفس الصعداء، لكني لم أترك له تلك الفرصة.
“ماذا سيحدث تاليًا برأيك، هارونلد؟”
تحركت ببطء، ومررت طرف الخنجر الحاد على طول خده، مجرد لمسة خفيفة، لم تقطع الجلد لكنها تركت أثرًا باردًا كقبلة الموت.
ضحكت داخليًا. عادي؟
“الزنديق؟”
قالها بصوت مرتجف، لكنه أبى أن ينكسر تمامًا، وكأنه يحاول التشبث بوهم السلطة، بوهم أن كلماته قد تمنحه بعض السيطرة على مصيره.
تجمد الهواء بيننا، كأن الزمن نفسه قد انكمش في تلك اللحظة، وأصبح ثقيلاً كالموت. نظرت إليه، إلى الطريقة التي تتسع بها حدقتاه كما لو كان يغرق، إلى شفتيه المرتعشتين بينما يحاول استجماع أنفاسه، إلى العرق البارد الذي انساب على جانب وجهه، متلألئًا تحت الضوء الخافت كدمعة معلقة بين الحياة والموت.
همست بصوت ناعم، بينما راقبت كيف تجمدت تعابيره تحت اللمسة المعدنية.
هاه؟
“هو شخص وغد لعين، مقرف.”
“ملكي، أنا شخص عادي… أجبرتني الظروف على السير في طريق آخر.”
توقفت عند عنقه، وضغطت قليلاً، ليس بما يكفي للجرح، لكن بما يكفي ليشعر بأنفاسي وهي تختلط بهلع أنفاسه.
بل كانت ناعمة، بطيئة، كالنصل الذي يُجر ببطء على الجلد.
“يقتل، يعذب، يسرق، يفعل ما يريد، يتبع عقائد وأفكارًا ملتوية.”
خفضت رأسي، حتى أصبحت شفاهي بجوار أذنه، حتى أصبح بإمكانه سماع نبضات الصمت الذي يسبق العاصفة.
رفعت حاجبًا وأنا أنظر إلى هذا الشيء الضخم المنبطح على الأرض، ضفدع مترهل في هيئة بشرية.
ضحكت.
“هذا هو الزنديق في نظري…”
ثم همست، ببطء، وكأنني ألقي عليه لعنة لا يمكن كسرها:
مررت أصابعي على رأسه، ملمس جلده الدهني جعلني أرفع يدي باستياء طفيف، ثم تابعت بنبرة ساخرة:
المشكلة كانت فيما لم يقله.
“فهل أنت زنديق، هارونلد؟”
اقتربت أكثر وهمست:
شعرت بارتجاف جسده، بأنفاسه اللاهثة، بذلك الرعب الخام الذي بدأ يتغلغل في عموده الفقري.
وابتسمت.
تجمد الهواء بيننا، كأن الزمن نفسه قد انكمش في تلك اللحظة، وأصبح ثقيلاً كالموت. نظرت إليه، إلى الطريقة التي تتسع بها حدقتاه كما لو كان يغرق، إلى شفتيه المرتعشتين بينما يحاول استجماع أنفاسه، إلى العرق البارد الذي انساب على جانب وجهه، متلألئًا تحت الضوء الخافت كدمعة معلقة بين الحياة والموت.
كأن ذكر الاسم جعله يعي أنه ربما قال أكثر مما ينبغي، لكنه كان قد بدأ بالفعل، ولم يكن بإمكانه التراجع الآن.
صمت للحظة، وكأنه يجمع أنفاسه، ثم همس أخيرًا، بصوت بدا أقرب إلى الرجاء منه إلى التبرير:
ثم، بصوت لم يكن مرتجفًا كصوته السابق، لكنه لم يكن قويًا أيضًا، نطق بالكلمات التي بدت وكأنها تخرج من أعماق يأسه.
“لا، لست زنديقًا، يا ملكي…”
لكنني لم أهتم.
ظللت أراقبه بصمت، أُبقي طرف الخنجر قريبًا بما يكفي ليشعر بثقل التهديد، لكنه لم يكن قريبًا كفاية ليقطع، ليس بعد.
ثم، وكأنه يدرك أن كلماته وحدها لن تكون كافية، استجمع شتات نفسه، ونطق مجددًا، بصوت كان يحاول أن يكون أكثر ثباتًا:
رمقته بنظرة باردة.
صمت للحظة، وكأنه يجمع أنفاسه، ثم همس أخيرًا، بصوت بدا أقرب إلى الرجاء منه إلى التبرير:
“اعذر وقاحتي… لكنني مجرد شخص عادي.”
ثم، بصوت خافت، لكن مشبع بالقوة، همست:
ضحكت داخليًا. عادي؟
“هل أنت زنديق بالاسم فقط؟”
رأيته يبلع ريقه بصعوبة، كأنه أدرك حجم الكذبة التي خرجت من فمه. لكنه لم يتوقف، بل استمر، كمن يحاول يائسًا الإمساك بحبل يوشك أن ينقطع تحت وزنه.
هاه… كاسبر؟
“لست مجنونًا، ولا متطرفًا. لا أنتمي إلى أي عصابة، ولا إلى أي من تلك الطوائف السرية التي تحاك حولها الأساطير…”
المشكلة كانت فيما لم يقله.
كان يتكلم بسرعة، كأنه يخشى أن أقاطعه، أن أُسكت صوته قبل أن يتمكن من شرح نفسه. لكن تلعثمه، ذلك التردد الطفيف في بعض كلماته، فضحه أكثر مما أنقذه.
“بل هو طالب جامعي، وعضو في منظمة شبه حكومية.”
كنت أراقبه كما يراقب القط فأرًا يركض في متاهة بلا مخرج.
“لست مجنونًا أو مختلًا…”
“كما أنني…”
“كما أنني…”
لماذا هو هنا؟
توقف للحظة، وكأن الفكرة التالية التي خطرت له كانت محفوفة بالمخاطر، ثم أكمل:
لكن في النهاية، ما الفرق الذي كان سيصنعه؟
“لست مثل كاسبر، شبه عضو في المكتب.”
ضحكت داخليًا. عادي؟
هاه… كاسبر؟
ثم، وكأنه يدرك أن كلماته وحدها لن تكون كافية، استجمع شتات نفسه، ونطق مجددًا، بصوت كان يحاول أن يكون أكثر ثباتًا:
كأن ذكر الاسم جعله يعي أنه ربما قال أكثر مما ينبغي، لكنه كان قد بدأ بالفعل، ولم يكن بإمكانه التراجع الآن.
“لست مجنونًا أو مختلًا…”
“يقتل، يعذب، يسرق، يفعل ما يريد، يتبع عقائد وأفكارًا ملتوية.”
رأيت كيف قبض على يديه، كيف حاول أن يخفي ارتجاف أصابعه، كيف كانت عروقه تنبض بسرعة مخيفة، كأنه قد استنزف كل ما لديه من رباطة جأش في هذا الجواب.
ظللت صامتًا، أراقبه دون أن أحرك ساكنًا.
“ملكي، أنا شخص عادي… أجبرتني الظروف على السير في طريق آخر.”
رأيت كيف قبض على يديه، كيف حاول أن يخفي ارتجاف أصابعه، كيف كانت عروقه تنبض بسرعة مخيفة، كأنه قد استنزف كل ما لديه من رباطة جأش في هذا الجواب.
صمت للحظة، وكأنه يجمع أنفاسه، ثم همس أخيرًا، بصوت بدا أقرب إلى الرجاء منه إلى التبرير:
كانت أنفاسه غير مستقرة، واضحة، تكاد تكون مسموعة أكثر من اللازم في صمت الغرفة المشحون بالخوف.
كان هذا كافيًا ليجعله يحاول رفع رأسه، ربما كان يأمل برؤية تعبير وجهي، ربما كان يريد التأكد إن كنت جادًا.
“لكن صدقني… لست زنديقًا.”
شعرت بارتجافه يتضاعف، كأنه فهم أخيرًا أن مصيره ليس بيده، بل بيدي أنا.
…
“الملك يفعل ما يريد، لا أحد يستطيع تحديد ما يفعله الملك.”
رأيت كيف قبض على يديه، كيف حاول أن يخفي ارتجاف أصابعه، كيف كانت عروقه تنبض بسرعة مخيفة، كأنه قد استنزف كل ما لديه من رباطة جأش في هذا الجواب.
ظللت صامتًا، أراقبه دون أن أحرك ساكنًا.
لكنني لم أهتم.
رأيت في عينيه تلك الشرارة الأخيرة من الأمل، ذلك التوسل الخفي بأن أصدق، أن أمنحه فرصة، أن أسمح له بأن يكون أكثر من مجرد رقم آخر في قائمة طويلة من الضحايا.
شعرت بارتجاف جسده، بأنفاسه اللاهثة، بذلك الرعب الخام الذي بدأ يتغلغل في عموده الفقري.
كنت أستمتع.
لكن المشكلة لم تكن فيما قاله.
لكن في النهاية، ما الفرق الذي كان سيصنعه؟
المشكلة كانت فيما لم يقله.
“لا، لست زنديقًا، يا ملكي…”
اقتربت ببطء، حتى أصبحت على بعد أنفاس منه، حتى استطعت رؤية الانعكاس المشوه لصورتي في عينيه المرتجفتين.
كان يتكلم بسرعة، كأنه يخشى أن أقاطعه، أن أُسكت صوته قبل أن يتمكن من شرح نفسه. لكن تلعثمه، ذلك التردد الطفيف في بعض كلماته، فضحه أكثر مما أنقذه.
ثم، بصوت خافت، لكن مشبع بالقوة، همست:
“هذا هو الزنديق في نظري…”
“لا ترفع رأسك.”
“وأي الظروف… أجبرتك على هذا الطريق، هارونلد؟”
ظللت صامتًا، أراقبه دون أن أحرك ساكنًا.
لكنني لم أعطه هذه الفرصة.
كان هذا كافيًا ليجعله يحاول رفع رأسه، ربما كان يأمل برؤية تعبير وجهي، ربما كان يريد التأكد إن كنت جادًا.
