الملك
“قم بكسر ذراعك اليسرى.”
“أنت هناك… تعال، تقدم إلي.”
لم يكن الأمر مجرد كلمات، بل كان قانونًا غير منطوق، قوةً تسللت عبر الهواء كيدٍ خفية، تقبض على أعصاب ذلك الشاب، تجبره على الطاعة رغمًا عن إرادته.
“هاهاها… إذن، هذا هو الشعور… هل هذا ما كان يشعر به رين؟”
لحظة واحدة مرت، كانت كافية لجعل عينيه تتسعان برعب، شفتيه ترتجفان دون قدرة على الاعتراض، أنفاسه تخون إيقاعها الطبيعي. حاول التراجع، خطوة واحدة فقط، لكنها لم تتحقق. قدماه تحركتا للأمام بدلًا من الخلف، وكأن قوة غير مرئية دفعته للمثول أمامي.
وقف هناك، جسده متصلب، أطرافه ترتعش، وعرقه يلمع تحت الضوء الخافت. كان بإمكاني سماع دقات قلبه، متسارعة، مضطربة، أشبه بصرخات مخلوق محاصر داخل قفص ضيق.
ابتلع ريقه بصعوبة، وفتح فمه ليجيب، لكن الكلمات خرجت منه كأنها تُجتثّ من أعماقه:
ببطء، ومن دون استعجال، نظرت إليه نظرة باردة، ثم سألت بصوت هادئ، لكنه محفوف بسلطة لا جدال فيها:
“قم بكسر ذراعك اليسرى.”
“إذن، هل تعلم من أنا الآن؟”
“أوه، أنت جيد بالفعل… ذكي…”
ابتلع ريقه بصعوبة، وفتح فمه ليجيب، لكن الكلمات خرجت منه كأنها تُجتثّ من أعماقه:
وفي اللحظة التي اشتد فيها توتره، في اللحظة التي بلغت فيها معاناته ذروتها، سمعت الطرطقة.
“نعم… نعم سيدي… أنت هو سيدي…”
قهقهت بصوت منخفض، أول الأمر، لكن الضحكة نمت، تضخمت، حتى أصبحت نغمة تملأ المكان، ترددت أصداؤها بين الجدران المتصدعة.
راقبت توتره للحظات، ثم وضعت يدي على ذقني، كما لو كنت أفكر في أمر عابر. جُزء مني كان يستمتع بهذه اللحظة، ولست متأكدًا إن كان هذا طبيعيًا أم لا، لكن ما أنا واثق منه هو أن شيئًا في داخلي تغيّر.
“أوه، أنت جيد بالفعل… ذكي…”
وفي اللحظة التي اشتد فيها توتره، في اللحظة التي بلغت فيها معاناته ذروتها، سمعت الطرطقة.
ابتسمت.
ثم توقفت، تعمدت ترك الصمت يلف المكان، الصمت الذي كان أثقل من أي تهديد. لاحظت كيف ازداد ارتعاشه، كيف تضاعف خوفه من مجرد انتظاره للكلمات التي ستلي.
ضحكت، لم أستطع منع نفسي. كان الأمر عبثيًا، غريبًا، لكنه في نفس الوقت… ممتع.
ببطء، تمتمت:
“أ-أرجوك! عزيزي ثيودور—لا، الأمير ثيودور! آسف، آسف! أقصد الملك ثيودور!”
“نادني بالأمير.”
“أوه، أنت جيد بالفعل… ذكي…”
لكنني لم أشعر بالرضا. تحركت عيناي في الفراغ، وكأنني أبحث عن لقب أكثر ملاءمة، لقب يحمل ثقلًا أكبر، سُلطة أوسع.
“همم… لا، لا… أفضل اسم الملك.”
ثم توقفت، تعمدت ترك الصمت يلف المكان، الصمت الذي كان أثقل من أي تهديد. لاحظت كيف ازداد ارتعاشه، كيف تضاعف خوفه من مجرد انتظاره للكلمات التي ستلي.
هذه المرة، لم يكن الأمر مجرد اختيار، بل كان إعلانًا، تأكيدًا على واقع لا يمكن تغييره.
صوته كان ضعيفًا، مبحوحًا، لكنه لم يرتجف، لم يكن هناك تردد، بل كان هناك استسلامٌ مطلق.
نظرت إلى البقية، وجوههم التي كانت تحمل خليطًا من الصدمة والخوف، ثم سألته مرة أخرى، بصوت هادئ، لكن كل حرف فيه كان يزن أكثر من صخرة ضخمة:
وفي تلك اللحظة، ضحكت.
“هل هذا واضح بالنسبة لكم جميعًا؟”
لم يكن الأمر مجرد كلمات، بل كان قانونًا غير منطوق، قوةً تسللت عبر الهواء كيدٍ خفية، تقبض على أعصاب ذلك الشاب، تجبره على الطاعة رغمًا عن إرادته.
لم أحتج إلى الانتظار. كما لو أن الأقدار نفسها فرضت قانونًا جديدًا، جثا الأربعة على ركبهم دفعة واحدة. لم يكن مجرد ركوع، بل انحناء خالص، استسلام كامل. كانت رؤوسهم مطأطئة، جباههم ملامسة للأرض، كأنهم يخشون مجرد رفع أعينهم نحوي.
نعم، تدحرج.
لكن… إرادتي كانت أقوى من إرادته.
ثم، بصوت متشابك، مليء بالخضوع، جاء الرد الذي كنت أنتظره:
“عاش الملك!”
لكن… إرادتي كانت أقوى من إرادته.
قهقهت بصوت منخفض، أول الأمر، لكن الضحكة نمت، تضخمت، حتى أصبحت نغمة تملأ المكان، ترددت أصداؤها بين الجدران المتصدعة.
“أوه، أنت جيد بالفعل… ذكي…”
حدّقت في وجهه، وفي تلك اللحظة، رأيت دموعه تنهمر، تتدحرج على وجنتيه في صمت، كأنها أمطار يائسة تسقط على أرض قاحلة. لم يكن يبكي بصوت عالٍ، لم يكن ينوح أو يتوسل، بل كان مجرد بكاء هادئ، مستسلم، بائس إلى حد الجنون.
“هاهاها… إذن، هذا هو الشعور… هل هذا ما كان يشعر به رين؟”
“اهعغ! تبًا، أنتم مزعجون! توقفوا!”
الطريق إلى العرش محفوف بالدماء
نظراتهم… تلك العيون المتسعة، الشفاه التي لم تستطع النطق، الجسد المتصلب وكأنه يحاول الانكماش داخل نفسه. هل يظنونني مجنونًا؟ هاهاها، ربما، لكن ما الفرق؟ العالم نفسه مجنون، فلماذا أعير اهتمامًا لنظرات حمقى لا يفهمون شيئًا؟
زفرت ببطء، نظرت حولي… الغرفة، ذلك المكان الذي كان قبل لحظات يعج بالفوضى، عاد إلى طبيعته وكأن شيئًا لم يكن. الجدران المتآكلة، الأضواء الخافتة التي بالكاد تكشف عن الأرضية القذرة، ورائحة الدماء التي لا تزال تعبق في الهواء، تذكر الجميع بأن شيئًا قد حدث هنا، شيئًا لن يُنسى بسهولة.
نظراتهم… تلك العيون المتسعة، الشفاه التي لم تستطع النطق، الجسد المتصلب وكأنه يحاول الانكماش داخل نفسه. هل يظنونني مجنونًا؟ هاهاها، ربما، لكن ما الفرق؟ العالم نفسه مجنون، فلماذا أعير اهتمامًا لنظرات حمقى لا يفهمون شيئًا؟
“فيليب.”
لكن نظري لم يستقر طويلًا في الفراغ، بل وقع على كتلة من اللحم الملقى على الأرض— هارونلد.
“هذا… هذا جنون، هاهاها!”
يا له من خنزير… لا يزال غارقًا في سباته، وكأن الفوضى من حوله لم تكن سوى نسمات هواء باردة تلاعبت بأحلامه الدنيئة. لم أزعجه، لم يكن يستحق ذلك حتى. إن كان بقاؤه على قيد الحياة مرهونًا بعدم إزعاجي، فلنضعه في خانة “المؤجلين” الآن.
هذه المرة، لم يكن الأمر مجرد اختيار، بل كان إعلانًا، تأكيدًا على واقع لا يمكن تغييره.
لم أحتج إلى الانتظار. كما لو أن الأقدار نفسها فرضت قانونًا جديدًا، جثا الأربعة على ركبهم دفعة واحدة. لم يكن مجرد ركوع، بل انحناء خالص، استسلام كامل. كانت رؤوسهم مطأطئة، جباههم ملامسة للأرض، كأنهم يخشون مجرد رفع أعينهم نحوي.
لكن كاسبر؟
“عاش الملك!”
تقدمت بينهم، كل خطوة كنت أخطوها كان صوتها يتردد في الغرفة وكأن الأرض نفسها تحبس أنفاسها. وصلت إلى ذلك الشاب، ذلك الذي أرغم جسده على الطاعة منذ البداية.
كاسبر لم يكن محظوظًا مثله.
زفرت ببطء، نظرت حولي… الغرفة، ذلك المكان الذي كان قبل لحظات يعج بالفوضى، عاد إلى طبيعته وكأن شيئًا لم يكن. الجدران المتآكلة، الأضواء الخافتة التي بالكاد تكشف عن الأرضية القذرة، ورائحة الدماء التي لا تزال تعبق في الهواء، تذكر الجميع بأن شيئًا قد حدث هنا، شيئًا لن يُنسى بسهولة.
لم يكن مجرد سؤال، بل كان محاكمة.
التفتت إلى جسده المتصلب، إلى ملامحه الجامدة، إلى النبض الذي عاد إلى طبيعته بشكل غريب. كان من الواضح أنه لا يزال حيًا، لكنه كان مجرد مسألة وقت. لم أنتظر. لم أكن بحاجة لذلك.
رأيت الرأس المقطوع يتدحرج قليلًا على الأرض، ركلته بلا مبالاة نحو الحائط، ثم تخطيت الجثة التي لم تتحرك أو تتفاعل بأي شكل غير طبيعي.
خطوت نحوه، انحنيت قليلًا، وأمسكت بالخنجر الغريب ذي اللون الأسود الذي كان يحمله. كان نصلًا قاتمًا، وكأنه قد شُحذ من ظلال الليل نفسه، ملمسه بارد كالجليد، لكن هناك شيء آخر… شيء ينبض فيه، كما لو كان يتنفس، كما لو كان واعيًا.
“دعنا نختبرك إذن.”
“هذا… هذا جنون، هاهاها!”
“نعم… نعم سيدي… أنت هو سيدي…”
وبحركة واحدة، بلا أي تردد، رفعت الخنجر وقطعت رأسه.
لحظة من الصمت، ثم— شعور غريب، غريب للغاية.
“عاش الملك!”
جسدي ارتجف، لكن ليس من الفرح، ليس من النشوة المعتادة عند رؤية الدم يسيل. لا، هذه المرة، كان الأمر مختلفًا. كان أشبه بخيبة أمل؟ كيف أصف ذلك؟ وكأن شيئًا داخلي توقّع أكثر، توقّع انفجارًا، أو صرخة ما، أو ربما… حدثًا أكبر.
“أوه، أنت جيد بالفعل… ذكي…”
ببطء، ومن دون استعجال، نظرت إليه نظرة باردة، ثم سألت بصوت هادئ، لكنه محفوف بسلطة لا جدال فيها:
شيء داخلي، شيء جديد، شيء لم أمتلكه من قبل، كان يخبرني أن هذا الفعل كان ناقصًا، غير مكتمل.
“هل كان من المفترض أن يحدث شيء عند قطع رأسه؟”
“اهعغ! تبًا، أنتم مزعجون! توقفوا!”
تساءلت، لكنني سرعان ما تجاهلت الفكرة، دفنتها في أعماقي كما أدفن أي مشاعر غير مرغوبة.
التفتت إلى جسده المتصلب، إلى ملامحه الجامدة، إلى النبض الذي عاد إلى طبيعته بشكل غريب. كان من الواضح أنه لا يزال حيًا، لكنه كان مجرد مسألة وقت. لم أنتظر. لم أكن بحاجة لذلك.
رأيت الرأس المقطوع يتدحرج قليلًا على الأرض، ركلته بلا مبالاة نحو الحائط، ثم تخطيت الجثة التي لم تتحرك أو تتفاعل بأي شكل غير طبيعي.
“فيليب بنبري، ملكي.”
لكن البقية؟
وفي تلك اللحظة، ضحكت.
رفعت حاجبي قليلًا، نظرت إلى وجهه، تأملته، وكأنني أحاول قراءة خطوط قدره المنحوتة على قسماته الشاحبة. فيليب؟ يا لها من مصادفة غريبة. كان لدي صديق يحمل هذا الاسم ذات يوم.
البقية كانوا هناك، جاثين، رؤوسهم ملتصقة بالأرض كما لو أن رفعها قد يجلب عليهم لعنة لا فرار منها.
كان جسده يرتعش، كلماته تخرج متشابكة، وكأن لسانه لا يستطيع اللحاق بذعره.
تقدمت بينهم، كل خطوة كنت أخطوها كان صوتها يتردد في الغرفة وكأن الأرض نفسها تحبس أنفاسها. وصلت إلى ذلك الشاب، ذلك الذي أرغم جسده على الطاعة منذ البداية.
لم يكن مجرد سؤال، بل كان محاكمة.
حدّقت في وجهه، وفي تلك اللحظة، رأيت دموعه تنهمر، تتدحرج على وجنتيه في صمت، كأنها أمطار يائسة تسقط على أرض قاحلة. لم يكن يبكي بصوت عالٍ، لم يكن ينوح أو يتوسل، بل كان مجرد بكاء هادئ، مستسلم، بائس إلى حد الجنون.
“قف.”
كلمة واحدة، لكنها كافية ليقفز إلى وضعية مستقيمة في لحظة واحدة، وكأن الكهرباء صعقته.
لكن… إرادتي كانت أقوى من إرادته.
رأيت كيف كانت يداه ترتجفان، كيف كان يحاول جاهدًا التحكم في أنفاسه، كيف لم يجرؤ حتى على النظر في عيني.
رفعت الخنجر، ثم نظرت إليه مجددًا.
رفعت الخنجر ببطء، ببطء شديد، نحو ذقنه، حتى لامس النصل البارد جلده، شعرت بالقشعريرة التي سرت في جسده بالكامل، بذلك التوتر الذي سيطر عليه حتى كاد يفقد وعيه.
لكن نظري لم يستقر طويلًا في الفراغ، بل وقع على كتلة من اللحم الملقى على الأرض— هارونلد.
“الإسم؟”
لحظة من الصمت، ثم— شعور غريب، غريب للغاية.
لم يكن مجرد سؤال، بل كان محاكمة.
رفعت حاجبي قليلًا، نظرت إلى وجهه، تأملته، وكأنني أحاول قراءة خطوط قدره المنحوتة على قسماته الشاحبة. فيليب؟ يا لها من مصادفة غريبة. كان لدي صديق يحمل هذا الاسم ذات يوم.
“فيليب بنبري، ملكي.”
“هاهاها… إذن، هذا هو الشعور… هل هذا ما كان يشعر به رين؟”
صوته كان ضعيفًا، مبحوحًا، لكنه لم يرتجف، لم يكن هناك تردد، بل كان هناك استسلامٌ مطلق.
كان واضحًا أنه لا يريد فعل ذلك، لا يريد حتى مجرد التفكير فيه. كان جسده يرتجف بعنف، أنفاسه أصبحت متقطعة، كان وجهه شاحبًا أكثر من أي وقت مضى.
بشكلٍ غريب، غير منطقي، وكأن جسده انتفض من تلقاء نفسه، وكأنه لم يكن يملك أي سيطرة عليه، تدحرج مباشرةً حتى توقف عند قدمي.
رفعت حاجبي قليلًا، نظرت إلى وجهه، تأملته، وكأنني أحاول قراءة خطوط قدره المنحوتة على قسماته الشاحبة. فيليب؟ يا لها من مصادفة غريبة. كان لدي صديق يحمل هذا الاسم ذات يوم.
البقية كانوا هناك، جاثين، رؤوسهم ملتصقة بالأرض كما لو أن رفعها قد يجلب عليهم لعنة لا فرار منها.
ضحكت، صوتي كان هادئًا، لكنه حمل في طياته شيئًا مخيفًا.
“فيليب، سأقتلك.”
لم يكن مجرد سؤال، بل كان محاكمة.
“فيليب، سأقتلك.”
لحظة من الصمت، ثم—
لكن كاسبر؟
“حاضر، ملكي.”
تجمدت، نظرت إليه بذهول للحظات، عقلي لم يستوعب ما سمعته للتو.
حاضر؟
كان واضحًا أنه لا يريد فعل ذلك، لا يريد حتى مجرد التفكير فيه. كان جسده يرتجف بعنف، أنفاسه أصبحت متقطعة، كان وجهه شاحبًا أكثر من أي وقت مضى.
“الإسم؟”
أية استجابة هذه؟!
لحظة من الصمت، ثم— شعور غريب، غريب للغاية.
حدّقت في وجهه، وفي تلك اللحظة، رأيت دموعه تنهمر، تتدحرج على وجنتيه في صمت، كأنها أمطار يائسة تسقط على أرض قاحلة. لم يكن يبكي بصوت عالٍ، لم يكن ينوح أو يتوسل، بل كان مجرد بكاء هادئ، مستسلم، بائس إلى حد الجنون.
بمجرد أن لفظت كلماتي، كان الأمر كما لو أن الهواء في الغرفة قد امتص أصواتهم. توقفت الأقدام عن الحركة، جفّت الحناجر في اللحظة نفسها، وتوقف الجميع كما لو أن الزمن قد تجمّد فجأة.
“هذا… هذا جنون، هاهاها!”
“قف.”
ضحكت، لم أستطع منع نفسي. كان الأمر عبثيًا، غريبًا، لكنه في نفس الوقت… ممتع.
رفعت الخنجر، ثم نظرت إليه مجددًا.
“فيليب.”
“نعم سيدي؟”
وقف هناك، جسده متصلب، أطرافه ترتعش، وعرقه يلمع تحت الضوء الخافت. كان بإمكاني سماع دقات قلبه، متسارعة، مضطربة، أشبه بصرخات مخلوق محاصر داخل قفص ضيق.
تساءلت، لكنني سرعان ما تجاهلت الفكرة، دفنتها في أعماقي كما أدفن أي مشاعر غير مرغوبة.
“قم بكسر ذراعك اليسرى.”
رأيت كيف تصلب جسده للحظات، كيف تجمد الهواء حوله، كيف حاول عقله أن يقاوم الأمر، كيف بدأت يده اليمنى ترتفع ببطء، وكأنها تنتمي لشخص آخر، وكأنها ليست جزءًا منه.
“دعنا نختبرك إذن.”
بشكلٍ غريب، غير منطقي، وكأن جسده انتفض من تلقاء نفسه، وكأنه لم يكن يملك أي سيطرة عليه، تدحرج مباشرةً حتى توقف عند قدمي.
كان واضحًا أنه لا يريد فعل ذلك، لا يريد حتى مجرد التفكير فيه. كان جسده يرتجف بعنف، أنفاسه أصبحت متقطعة، كان وجهه شاحبًا أكثر من أي وقت مضى.
لكن… إرادتي كانت أقوى من إرادته.
كيانه بالكامل أراد تنفيذ أمري، روحه انحنت قبل أن ينحني جسده، ولم يكن لديه أي خيار آخر سوى الطاعة.
لم يكن مجرد سؤال، بل كان محاكمة.
رفعت حاجبي قليلًا، نظرت إلى وجهه، تأملته، وكأنني أحاول قراءة خطوط قدره المنحوتة على قسماته الشاحبة. فيليب؟ يا لها من مصادفة غريبة. كان لدي صديق يحمل هذا الاسم ذات يوم.
وفي اللحظة التي اشتد فيها توتره، في اللحظة التي بلغت فيها معاناته ذروتها، سمعت الطرطقة.
كسرٌ واضح، حاد، خالٍ من الرحمة.
“أوه، أنت جيد بالفعل… ذكي…”
تردد الصوت في الغرفة، كان واضحًا كفاية ليجعل الجميع يقشعر، ليتسلل إلى أعماقهم مثل نصل بارد يُغرَس في نخاعهم.
انحنى جسده للحظة، اهتزت ركبته، لكنه لم يسقط، لم يصرخ، لم يتفوه بكلمة واحدة، فقط كان هناك صوت أنفاسه المضطربة، والصوت الرتيب لدموعه المتساقطة.
وفي تلك اللحظة، ضحكت.
ضحكت، صوتي كان هادئًا، لكنه حمل في طياته شيئًا مخيفًا.
ضحكت، ضحكة لم تكن عادية، بل كانت مزيجًا من النشوة، والسخرية، والجنون. كان الأمر ممتعًا بشكل لا يُصدق.
ضحكت، صوتي كان هادئًا، لكنه حمل في طياته شيئًا مخيفًا.
رفعت الخنجر، ثم نظرت إليه مجددًا.
هل أصبح الجميع هكذا؟
لحظة من الصمت، ثم—
نظرت حولي، إلى هؤلاء الأشخاص الذين كانوا قبل لحظاتٍ فقط أعداءً محتملين، مترددين، مرعوبين، أما الآن؟ كانوا مجرد دمى متحركة، مجرد أدوات تنتظر الأوامر.
“دعنا نختبرك إذن.”
رفعت يدي في الهواء، ثم صرخت:
“إرقصوا! غنوا! صفقوا! افرحوا!”
“فيليب، سأقتلك.”
ارتعش الجميع للحظة، ثم… بدأوا يفعلونها.
التفتت إلى جسده المتصلب، إلى ملامحه الجامدة، إلى النبض الذي عاد إلى طبيعته بشكل غريب. كان من الواضح أنه لا يزال حيًا، لكنه كان مجرد مسألة وقت. لم أنتظر. لم أكن بحاجة لذلك.
رؤوس تهتز، أقدام تضرب الأرض، أيدٍ تصفق في فوضى لا معنى لها، أصوات نشاز تصرخ بأغانٍ لم تكن أغانٍ أبدًا، مجرد صدى مجنون لأمر أكثر جنونًا.
“فيليب بنبري، ملكي.”
كانوا أشبه بفرقة من المهرجين القُدامى، مهرجين فقدوا عقولهم، أجسادهم تتحرك بلا انسجام، بلا منطق، بلا روح.
لكن سرعان ما شعرت بالضجر، الفوضى تحوّلت إلى ضوضاء خانقة.
ببطء، تمتمت:
“اهعغ! تبًا، أنتم مزعجون! توقفوا!”
أوه… هذا الشعور.
بمجرد أن لفظت كلماتي، كان الأمر كما لو أن الهواء في الغرفة قد امتص أصواتهم. توقفت الأقدام عن الحركة، جفّت الحناجر في اللحظة نفسها، وتوقف الجميع كما لو أن الزمن قد تجمّد فجأة.
رأيت وجهه، الشحوب الذي اجتاحه، العرق الذي انساب على جبينه، الخوف المتجسد في كل ذرة منه، وكأنه كان يعلم… وكأنه رأى نهايته أمامه بالفعل.
“أوه… رائع، هذا أفضل بكثير.”
لكن… إرادتي كانت أقوى من إرادته.
رفعت الخنجر، ثم نظرت إليه مجددًا.
ثم، وجهت نظري نحو الجثة الكبيرة الملقاة على الأرض… هارونلد.
تجمدت، نظرت إليه بذهول للحظات، عقلي لم يستوعب ما سمعته للتو.
“نعم… نعم سيدي… أنت هو سيدي…”
“خنزير لعين…” تمتمت بصوت منخفض، لكن في عقلي، كانت فكرة واحدة تتردد، فكرة وحيدة، قوية، واضحة:
هل يجب أن أقتله؟
زفرت ببطء، نظرت حولي… الغرفة، ذلك المكان الذي كان قبل لحظات يعج بالفوضى، عاد إلى طبيعته وكأن شيئًا لم يكن. الجدران المتآكلة، الأضواء الخافتة التي بالكاد تكشف عن الأرضية القذرة، ورائحة الدماء التي لا تزال تعبق في الهواء، تذكر الجميع بأن شيئًا قد حدث هنا، شيئًا لن يُنسى بسهولة.
قلت ذلك بصوت أعلى قليلًا، دون أن أنتظر إجابة من أحد، لكنني تفاجأت بشيء أغرب مما كنت أتخيله.
ثم نطق بصوت متحشرج، مختنق:
هارونلد، هذا الشيء الهائل، البدين، عديم الفائدة، بدأ يتدحرج.
“نعم… نعم سيدي… أنت هو سيدي…”
نعم، تدحرج.
لكنني لم أشعر بالرضا. تحركت عيناي في الفراغ، وكأنني أبحث عن لقب أكثر ملاءمة، لقب يحمل ثقلًا أكبر، سُلطة أوسع.
“الإسم؟”
بشكلٍ غريب، غير منطقي، وكأن جسده انتفض من تلقاء نفسه، وكأنه لم يكن يملك أي سيطرة عليه، تدحرج مباشرةً حتى توقف عند قدمي.
ابتسمت ابتسامة ملك، ملك وُلد للتو من رحم الجنون.
رأيت كيف تصلب جسده للحظات، كيف تجمد الهواء حوله، كيف حاول عقله أن يقاوم الأمر، كيف بدأت يده اليمنى ترتفع ببطء، وكأنها تنتمي لشخص آخر، وكأنها ليست جزءًا منه.
كان هذا مثيرًا للضحك لوهلة، لكن عندما رفعت قدمي، رأيته يرفع رأسه وينظر إلي بعينين مليئتين بالرعب، فمه يرتجف وهو يلهث وكأنه يحاول التقاط أنفاسه الأخيرة.
لكن… إرادتي كانت أقوى من إرادته.
ثم نطق بصوت متحشرج، مختنق:
“قف.”
“أ-أرجوك! عزيزي ثيودور—لا، الأمير ثيودور! آسف، آسف! أقصد الملك ثيودور!”
هذه المرة، لم يكن الأمر مجرد اختيار، بل كان إعلانًا، تأكيدًا على واقع لا يمكن تغييره.
“أنت هناك… تعال، تقدم إلي.”
كان جسده يرتعش، كلماته تخرج متشابكة، وكأن لسانه لا يستطيع اللحاق بذعره.
“فيليب، سأقتلك.”
“لا، ملكي، لا تقتلني!”
كانوا أشبه بفرقة من المهرجين القُدامى، مهرجين فقدوا عقولهم، أجسادهم تتحرك بلا انسجام، بلا منطق، بلا روح.
رأيت وجهه، الشحوب الذي اجتاحه، العرق الذي انساب على جبينه، الخوف المتجسد في كل ذرة منه، وكأنه كان يعلم… وكأنه رأى نهايته أمامه بالفعل.
أوه… هذا الشعور.
ابتسمت.
ابتسمت ابتسامة ملك، ملك وُلد للتو من رحم الجنون.
“حاضر، ملكي.”
كان جسده يرتعش، كلماته تخرج متشابكة، وكأن لسانه لا يستطيع اللحاق بذعره.
“أنت هناك… تعال، تقدم إلي.”
