زنديق
رفعت حاجبًا وأنا أنظر إلى هذا الشيء الضخم المنبطح على الأرض، ضفدع مترهل في هيئة بشرية.
“هيا، أنا أمزح فقط.”
“وأي الظروف… أجبرتك على هذا الطريق، هارونلد؟”
“أوه، انظروا ماذا لدينا هنا…”
جلست القرفصاء أمامه، حتى صرت بمستواه، ثم مددت يدي وربتّ ببطء على شعره المتعرق، كما لو كنت أُهدّئ كلبًا مذعورًا.
همست بصوت ناعم، بينما راقبت كيف تجمدت تعابيره تحت اللمسة المعدنية.
لكن بدلاً من الاطمئنان، بدأ جسده يرتجف بعنف.
“لم أقتل أحدًا من قبل في حياتي، يا ملكي.”
كم هذا مثير للشفقة.
تحجّرت أنفاسه.
كانت أنفاسه غير مستقرة، واضحة، تكاد تكون مسموعة أكثر من اللازم في صمت الغرفة المشحون بالخوف.
“أوه، هارونلد يا صديقي، أنت تعرف مكانك بالفعل، أليس كذلك؟”
لكنني لم أعطه هذه الفرصة.
مررت أصابعي على رأسه، ملمس جلده الدهني جعلني أرفع يدي باستياء طفيف، ثم تابعت بنبرة ساخرة:
“لماذا؟ لماذا فقط اخترت أن تكون زنديقًا؟”
“الأرض… الغبار تحت قدمي. هذا هو موضعك الحقيقي.”
المشكلة كانت فيما لم يقله.
شعرت بارتجافه يتضاعف، كأنه فهم أخيرًا أن مصيره ليس بيده، بل بيدي أنا.
“وأي الظروف… أجبرتك على هذا الطريق، هارونلد؟”
“دعني أعطيك اختبارًا بسيطًا.”
ثم، وكأنه يدرك أن كلماته وحدها لن تكون كافية، استجمع شتات نفسه، ونطق مجددًا، بصوت كان يحاول أن يكون أكثر ثباتًا:
تحجّرت أنفاسه.
ضحكت.
“إن استطعت النجاح فيه، فاعتبر نفسك محظوظًا… ولن أقتلك.”
اختفت الشفقة كما لو لم تكن موجودة أصلًا.
كان هذا كافيًا ليجعله يحاول رفع رأسه، ربما كان يأمل برؤية تعبير وجهي، ربما كان يريد التأكد إن كنت جادًا.
لكنني لم أعطه هذه الفرصة.
رأيت في عينيه تلك الشرارة الأخيرة من الأمل، ذلك التوسل الخفي بأن أصدق، أن أمنحه فرصة، أن أسمح له بأن يكون أكثر من مجرد رقم آخر في قائمة طويلة من الضحايا.
رأيته يبلع ريقه بصعوبة، كأنه أدرك حجم الكذبة التي خرجت من فمه. لكنه لم يتوقف، بل استمر، كمن يحاول يائسًا الإمساك بحبل يوشك أن ينقطع تحت وزنه.
“لا ترفع رأسك.”
تحركت ببطء، ومررت طرف الخنجر الحاد على طول خده، مجرد لمسة خفيفة، لم تقطع الجلد لكنها تركت أثرًا باردًا كقبلة الموت.
ثم، بدون أي إنذار، ضربت رأسه بقوة جعلت جبهته تصطدم بالأرض المليئة بالغبار.
رفعت رأسي لأنظر إليه، كانت عيناه المتسعتان تعكسان الظلام الذي يحيط بنا، لكنها لم تكن عيون رجل أعمته الخطيئة. لا، لم يكن يشبه غيره من الحثالة الذين واجهتهم من قبل، لم يكن كمجنون يهمهم بكلام فارغ عن نهاية العالم، لم يكن كطفل يتوسل للنجاة، ولم يكن وحشًا تتقطر الدماء من مخالبه…
“إن رفعت رأسك مجددًا… سأقطعه.”
اقتربت ببطء، حتى أصبحت على بعد أنفاس منه، حتى استطعت رؤية الانعكاس المشوه لصورتي في عينيه المرتجفتين.
“حاضر! حاضر، ثيودور! أقصد… م-ملكي!”
“الزنديق؟”
رفعت حاجبًا وأنا أنظر إلى هذا الشيء الضخم المنبطح على الأرض، ضفدع مترهل في هيئة بشرية.
سمعت تنفسه اللاهث وهو يحاول السيطرة على ارتجافه.
اقتربت منه أكثر، وضعت كوعي على ركبتي، وأسندت رأسي على يدي كما لو كنت أراقب فأرًا وقع في فخ.
حدقت في عينيه مجددًا، باحثًا عن إجابة لم أكن متأكدًا من أنني أرغب في سماعها.
لكنني لم أهتم.
كنت أستمتع.
“أوه، لنرى…”
تجمد الهواء بيننا، كأن الزمن نفسه قد انكمش في تلك اللحظة، وأصبح ثقيلاً كالموت. نظرت إليه، إلى الطريقة التي تتسع بها حدقتاه كما لو كان يغرق، إلى شفتيه المرتعشتين بينما يحاول استجماع أنفاسه، إلى العرق البارد الذي انساب على جانب وجهه، متلألئًا تحت الضوء الخافت كدمعة معلقة بين الحياة والموت.
“قتلت…؟”
ابتسمت وأنا أضع الخنجر على ركبتي، أفكر للحظة قبل أن أبدأ بصوت هادئ كمن يروي قصة ما قبل النوم:
“في يوم من الأيام، قرر الملك…”
“فهل أنت زنديق، هارونلد؟”
“لماذا؟ لماذا فقط اخترت أن تكون زنديقًا؟”
توقفت لوهلة، ثم أكملت:
“لم أقتل أحدًا من قبل في حياتي، يا ملكي.”
حدقت في عينيه مجددًا، باحثًا عن إجابة لم أكن متأكدًا من أنني أرغب في سماعها.
“…أنا، أن يقتل زنديقًا لعينًا في غرفته.”
“الزنديق؟”
توقفت لوهلة، ثم أكملت:
توقفت مرة أخرى، متعمدًا ترك الجملة تتسلل إلى عقله المرتجف قبل أن أتابع:
“لكن… المشكلة أن اختفاءه سيجلب العديد من المشاكل، لأنه ليس مجرد حشرة بلا قيمة.”
اقتربت أكثر وهمست:
“بل هو طالب جامعي، وعضو في منظمة شبه حكومية.”
وابتسمت.
وضعت يدي على رأسه برفق، ثم ضغطت بأصابعي على جمجمته وكأني أفكر بصوت عالٍ:
“ماذا سيحدث تاليًا برأيك، هارونلد؟”
كانت أنفاسه غير مستقرة، واضحة، تكاد تكون مسموعة أكثر من اللازم في صمت الغرفة المشحون بالخوف.
هاه… كاسبر؟
“أخبرني، ماذا سيفعل الملك؟”
“الزنديق؟”
لم يكن هذا مجرد سؤال… بل كان مصيرًا معلقًا بين شفتيه المرتجفتين.
كان من المستحيل عليه الكذب علي، كنت أعلم ذلك، ومع ذلك…
كان وجهه شاحبًا، جسده ينتفض كما لو أن الشتاء اخترق نخاع عظامه، ولكن حتى وسط هذا الرعب، وسط هذا الانهيار البطيء الذي يبتلعه، كان لا يزال قادرًا على التمسك بآخر خيط من الكبرياء.
“يقتل، يعذب، يسرق، يفعل ما يريد، يتبع عقائد وأفكارًا ملتوية.”
“الملك يفعل ما يريد، لا أحد يستطيع تحديد ما يفعله الملك.”
قالها بصوت مرتجف، لكنه أبى أن ينكسر تمامًا، وكأنه يحاول التشبث بوهم السلطة، بوهم أن كلماته قد تمنحه بعض السيطرة على مصيره.
ضحكت.
ضحكة صاخبة، مشبعة بالتهكم، لدرجة أن صدري اهتز قليلاً بينما كنت أرتجف فوقه.
“هل أنت زنديق بالاسم فقط؟”
ثم، بدون أي إنذار، ضربت رأسه بقوة جعلت جبهته تصطدم بالأرض المليئة بالغبار.
“يا لك من وغد سمين لعين… لكنك ذكي، ها؟”
رفعت رأسي لأنظر إليه، كانت عيناه المتسعتان تعكسان الظلام الذي يحيط بنا، لكنها لم تكن عيون رجل أعمته الخطيئة. لا، لم يكن يشبه غيره من الحثالة الذين واجهتهم من قبل، لم يكن كمجنون يهمهم بكلام فارغ عن نهاية العالم، لم يكن كطفل يتوسل للنجاة، ولم يكن وحشًا تتقطر الدماء من مخالبه…
توقفت مرة أخرى، متعمدًا ترك الجملة تتسلل إلى عقله المرتجف قبل أن أتابع:
كان عاقلًا.
وهذا ما جعل الأمر أكثر إزعاجًا.
“الملك يفعل ما يريد، لا أحد يستطيع تحديد ما يفعله الملك.”
اقتربت منه أكثر، وضعت كوعي على ركبتي، وأسندت رأسي على يدي كما لو كنت أراقب فأرًا وقع في فخ.
“لست مجنونًا، ولا متطرفًا. لا أنتمي إلى أي عصابة، ولا إلى أي من تلك الطوائف السرية التي تحاك حولها الأساطير…”
“لماذا؟ لماذا فقط اخترت أن تكون زنديقًا؟”
لكن بدلاً من الاطمئنان، بدأ جسده يرتجف بعنف.
مررت بأصابعي على مقبض الخنجر، أتحسس البرودة المعدنية للنصل بينما كنت أتأمل وجهه.
“الملك يفعل ما يريد، لا أحد يستطيع تحديد ما يفعله الملك.”
“طالب جامعي، عائلتك موجودة وهي في وضع جيد بالفعل… كان بإمكانك أن تعيش حياة طبيعية، حياة مريحة…”
أغمضت عيني للحظة، ثم فتحتهما ببطء، متأملًا انعكاسي المشوه في بركة الدم الصغيرة التي بدأت تتجمع على الأرض تحته.
“فقط لماذا تفعل ذلك؟”
“إن استطعت النجاح فيه، فاعتبر نفسك محظوظًا… ولن أقتلك.”
شعرت للحظة بشيء أشبه بالشفقة، لكنه كان شعورًا فارغًا، هشًا، كظل عاطفة لم تكتمل.
“يقتل، يعذب، يسرق، يفعل ما يريد، يتبع عقائد وأفكارًا ملتوية.”
ثم، وكأنه يدرك أن كلماته وحدها لن تكون كافية، استجمع شتات نفسه، ونطق مجددًا، بصوت كان يحاول أن يكون أكثر ثباتًا:
حدقت في عينيه مجددًا، باحثًا عن إجابة لم أكن متأكدًا من أنني أرغب في سماعها.
ضحكت داخليًا. عادي؟
“لست مجنونًا، ولا متطرفًا. لا أنتمي إلى أي عصابة، ولا إلى أي من تلك الطوائف السرية التي تحاك حولها الأساطير…”
لكن في النهاية، ما الفرق الذي كان سيصنعه؟
كانت أنفاسه غير مستقرة، واضحة، تكاد تكون مسموعة أكثر من اللازم في صمت الغرفة المشحون بالخوف.
تذكرت أفعال الزنادقة التي قرأت عنها، عن طقوسهم الملتوية، عن القرى التي احترقت، عن الأطفال الذين اختفوا، عن الأهوال التي أطلقوها في العالم…
اختفت الشفقة كما لو لم تكن موجودة أصلًا.
شددت قبضتي على الخنجر.
ضحكت.
تحركت ببطء، ومررت طرف الخنجر الحاد على طول خده، مجرد لمسة خفيفة، لم تقطع الجلد لكنها تركت أثرًا باردًا كقبلة الموت.
“هارونلد، كم شخصًا قتلت؟”
ميلت رأسي قليلًا، أراقبه كما يراقب المرء لغزًا مستعصيًا.
راقبت كيف تغيرت تعابيره، كيف اهتزت زاوية شفتيه للحظة قبل أن يتمالك نفسه، كيف ترددت أنفاسه في الهواء المشبع برائحة الحديد.
“قتلت…؟”
“هارونلد، كم شخصًا قتلت؟”
رفعت رأسي لأنظر إليه، كانت عيناه المتسعتان تعكسان الظلام الذي يحيط بنا، لكنها لم تكن عيون رجل أعمته الخطيئة. لا، لم يكن يشبه غيره من الحثالة الذين واجهتهم من قبل، لم يكن كمجنون يهمهم بكلام فارغ عن نهاية العالم، لم يكن كطفل يتوسل للنجاة، ولم يكن وحشًا تتقطر الدماء من مخالبه…
هز رأسه ببطء، كأنما يحاول التأكد من كلماته.
إذا لم يكن قاتلًا، لم يكن معذبًا، لم يكن سافك دماء، فلماذا يُعتبر زنديقًا؟
“اعذر وقاحتي… لكنني مجرد شخص عادي.”
“لم أقتل أحدًا من قبل في حياتي، يا ملكي.”
“زنديق؟ ملكي، من فضلك، اشرح لي معنى الزنديق بالنسبة لك.”
سمعت تنفسه اللاهث وهو يحاول السيطرة على ارتجافه.
رمقته بنظرة باردة.
“أوه؟ إذًا… كم شخصًا عذبت في حياتك؟”
“الملك يفعل ما يريد، لا أحد يستطيع تحديد ما يفعله الملك.”
مرة أخرى، جاء التردد، لكنه لم يكن التردد الذي يسبق الكذب، بل التردد الذي يسبق الحقيقة غير المرغوبة.
وابتسمت.
كان من المستحيل عليه الكذب علي، كنت أعلم ذلك، ومع ذلك…
“لم أعذب أي شخص من قبل… على حد علمي، يا سيدي.”
لم يكن هذا مجرد سؤال… بل كان مصيرًا معلقًا بين شفتيه المرتجفتين.
لكن بدلاً من الاطمئنان، بدأ جسده يرتجف بعنف.
هاه؟
تحجّرت أنفاسه.
“أوه؟ إذًا… كم شخصًا عذبت في حياتك؟”
ميلت رأسي قليلًا، أراقبه كما يراقب المرء لغزًا مستعصيًا.
“هل أنت زنديق بالاسم فقط؟”
شعرت بارتجافه يتضاعف، كأنه فهم أخيرًا أن مصيره ليس بيده، بل بيدي أنا.
شعرت بشيء ثقيل يتسلل إلى داخلي، شيء يشبه خيبة الأمل، لكن ليس تمامًا.
كان من المستحيل عليه الكذب علي، كنت أعلم ذلك، ومع ذلك…
إذا لم يكن قاتلًا، لم يكن معذبًا، لم يكن سافك دماء، فلماذا يُعتبر زنديقًا؟
لماذا هو هنا؟
ثم، بصوت خافت، لكن مشبع بالقوة، همست:
“لا ترفع رأسك.”
إذا لم يكن قاتلًا، لم يكن معذبًا، لم يكن سافك دماء، فلماذا يُعتبر زنديقًا؟
“إن رفعت رأسك مجددًا… سأقطعه.”
رفع رأسه قليلًا، وكأنما يبحث عن إجابة، ثم نطق بصوت هادئ، غير متوقع:
“الأرض… الغبار تحت قدمي. هذا هو موضعك الحقيقي.”
“فهل أنت زنديق، هارونلد؟”
“زنديق؟ ملكي، من فضلك، اشرح لي معنى الزنديق بالنسبة لك.”
كان يتكلم بسرعة، كأنه يخشى أن أقاطعه، أن أُسكت صوته قبل أن يتمكن من شرح نفسه. لكن تلعثمه، ذلك التردد الطفيف في بعض كلماته، فضحه أكثر مما أنقذه.
“اعذر وقاحتي… لكنني مجرد شخص عادي.”
توقفت لحظة.
“ماذا سيحدث تاليًا برأيك، هارونلد؟”
ثم ضحكت، لكن هذه المرة، لم تكن ضحكتي صاخبة.
شددت قبضتي على الخنجر.
بل كانت ناعمة، بطيئة، كالنصل الذي يُجر ببطء على الجلد.
ظللت صامتًا، أراقبه دون أن أحرك ساكنًا.
“هل أنت أحمق؟ يا لك من جريء… هل تطلب مني شيئًا الآن؟”
“كما أنني…”
“لم أعذب أي شخص من قبل… على حد علمي، يا سيدي.”
رأيت لمحة من الذعر تومض في عينيه، وسارع إلى الكلام.
ضحكت.
…
“أعتذر، سيدي! أعتذر!”
كنت أراقبه كما يراقب القط فأرًا يركض في متاهة بلا مخرج.
تركت الصمت يملأ الغرفة للحظة، ثم ابتسمت ابتسامة واسعة، كأنني أعطيه أملًا كاذبًا.
ثم، بدون أي إنذار، ضربت رأسه بقوة جعلت جبهته تصطدم بالأرض المليئة بالغبار.
راقبت كيف تغيرت تعابيره، كيف اهتزت زاوية شفتيه للحظة قبل أن يتمالك نفسه، كيف ترددت أنفاسه في الهواء المشبع برائحة الحديد.
“هيا، أنا أمزح فقط.”
ميلت رأسي قليلًا، أراقبه كما يراقب المرء لغزًا مستعصيًا.
شعرت بأنه كاد يتنفس الصعداء، لكني لم أترك له تلك الفرصة.
تحركت ببطء، ومررت طرف الخنجر الحاد على طول خده، مجرد لمسة خفيفة، لم تقطع الجلد لكنها تركت أثرًا باردًا كقبلة الموت.
“الزنديق؟”
“لكن… المشكلة أن اختفاءه سيجلب العديد من المشاكل، لأنه ليس مجرد حشرة بلا قيمة.”
همست بصوت ناعم، بينما راقبت كيف تجمدت تعابيره تحت اللمسة المعدنية.
“بل هو طالب جامعي، وعضو في منظمة شبه حكومية.”
“هو شخص وغد لعين، مقرف.”
توقفت عند عنقه، وضغطت قليلاً، ليس بما يكفي للجرح، لكن بما يكفي ليشعر بأنفاسي وهي تختلط بهلع أنفاسه.
“الملك يفعل ما يريد، لا أحد يستطيع تحديد ما يفعله الملك.”
شعرت بارتجافه يتضاعف، كأنه فهم أخيرًا أن مصيره ليس بيده، بل بيدي أنا.
“يقتل، يعذب، يسرق، يفعل ما يريد، يتبع عقائد وأفكارًا ملتوية.”
حدقت في عينيه مجددًا، باحثًا عن إجابة لم أكن متأكدًا من أنني أرغب في سماعها.
“هيا، أنا أمزح فقط.”
خفضت رأسي، حتى أصبحت شفاهي بجوار أذنه، حتى أصبح بإمكانه سماع نبضات الصمت الذي يسبق العاصفة.
توقفت لحظة.
“هذا هو الزنديق في نظري…”
“في يوم من الأيام، قرر الملك…”
ثم همست، ببطء، وكأنني ألقي عليه لعنة لا يمكن كسرها:
“فهل أنت زنديق، هارونلد؟”
المشكلة كانت فيما لم يقله.
اختفت الشفقة كما لو لم تكن موجودة أصلًا.
شعرت بارتجاف جسده، بأنفاسه اللاهثة، بذلك الرعب الخام الذي بدأ يتغلغل في عموده الفقري.
وابتسمت.
تجمد الهواء بيننا، كأن الزمن نفسه قد انكمش في تلك اللحظة، وأصبح ثقيلاً كالموت. نظرت إليه، إلى الطريقة التي تتسع بها حدقتاه كما لو كان يغرق، إلى شفتيه المرتعشتين بينما يحاول استجماع أنفاسه، إلى العرق البارد الذي انساب على جانب وجهه، متلألئًا تحت الضوء الخافت كدمعة معلقة بين الحياة والموت.
ثم، بصوت لم يكن مرتجفًا كصوته السابق، لكنه لم يكن قويًا أيضًا، نطق بالكلمات التي بدت وكأنها تخرج من أعماق يأسه.
“ماذا سيحدث تاليًا برأيك، هارونلد؟”
رأيت في عينيه تلك الشرارة الأخيرة من الأمل، ذلك التوسل الخفي بأن أصدق، أن أمنحه فرصة، أن أسمح له بأن يكون أكثر من مجرد رقم آخر في قائمة طويلة من الضحايا.
“لا، لست زنديقًا، يا ملكي…”
“هل أنت زنديق بالاسم فقط؟”
ظللت أراقبه بصمت، أُبقي طرف الخنجر قريبًا بما يكفي ليشعر بثقل التهديد، لكنه لم يكن قريبًا كفاية ليقطع، ليس بعد.
توقف للحظة، وكأن الفكرة التالية التي خطرت له كانت محفوفة بالمخاطر، ثم أكمل:
تحركت ببطء، ومررت طرف الخنجر الحاد على طول خده، مجرد لمسة خفيفة، لم تقطع الجلد لكنها تركت أثرًا باردًا كقبلة الموت.
ثم، وكأنه يدرك أن كلماته وحدها لن تكون كافية، استجمع شتات نفسه، ونطق مجددًا، بصوت كان يحاول أن يكون أكثر ثباتًا:
“ماذا سيحدث تاليًا برأيك، هارونلد؟”
“اعذر وقاحتي… لكنني مجرد شخص عادي.”
“لست مجنونًا أو مختلًا…”
ضحكت داخليًا. عادي؟
رأيته يبلع ريقه بصعوبة، كأنه أدرك حجم الكذبة التي خرجت من فمه. لكنه لم يتوقف، بل استمر، كمن يحاول يائسًا الإمساك بحبل يوشك أن ينقطع تحت وزنه.
خفضت رأسي، حتى أصبحت شفاهي بجوار أذنه، حتى أصبح بإمكانه سماع نبضات الصمت الذي يسبق العاصفة.
“لست مجنونًا، ولا متطرفًا. لا أنتمي إلى أي عصابة، ولا إلى أي من تلك الطوائف السرية التي تحاك حولها الأساطير…”
وضعت يدي على رأسه برفق، ثم ضغطت بأصابعي على جمجمته وكأني أفكر بصوت عالٍ:
كان يتكلم بسرعة، كأنه يخشى أن أقاطعه، أن أُسكت صوته قبل أن يتمكن من شرح نفسه. لكن تلعثمه، ذلك التردد الطفيف في بعض كلماته، فضحه أكثر مما أنقذه.
كنت أستمتع.
ثم ضحكت، لكن هذه المرة، لم تكن ضحكتي صاخبة.
كنت أراقبه كما يراقب القط فأرًا يركض في متاهة بلا مخرج.
“لم أقتل أحدًا من قبل في حياتي، يا ملكي.”
حدقت في عينيه مجددًا، باحثًا عن إجابة لم أكن متأكدًا من أنني أرغب في سماعها.
“كما أنني…”
“في يوم من الأيام، قرر الملك…”
توقف للحظة، وكأن الفكرة التالية التي خطرت له كانت محفوفة بالمخاطر، ثم أكمل:
“لست مثل كاسبر، شبه عضو في المكتب.”
هاه… كاسبر؟
كأن ذكر الاسم جعله يعي أنه ربما قال أكثر مما ينبغي، لكنه كان قد بدأ بالفعل، ولم يكن بإمكانه التراجع الآن.
كنت أراقبه كما يراقب القط فأرًا يركض في متاهة بلا مخرج.
“لست مجنونًا أو مختلًا…”
“اعذر وقاحتي… لكنني مجرد شخص عادي.”
رأيت كيف قبض على يديه، كيف حاول أن يخفي ارتجاف أصابعه، كيف كانت عروقه تنبض بسرعة مخيفة، كأنه قد استنزف كل ما لديه من رباطة جأش في هذا الجواب.
لماذا هو هنا؟
“ملكي، أنا شخص عادي… أجبرتني الظروف على السير في طريق آخر.”
لكن في النهاية، ما الفرق الذي كان سيصنعه؟
لكن في النهاية، ما الفرق الذي كان سيصنعه؟
صمت للحظة، وكأنه يجمع أنفاسه، ثم همس أخيرًا، بصوت بدا أقرب إلى الرجاء منه إلى التبرير:
“لكن صدقني… لست زنديقًا.”
مرة أخرى، جاء التردد، لكنه لم يكن التردد الذي يسبق الكذب، بل التردد الذي يسبق الحقيقة غير المرغوبة.
المشكلة كانت فيما لم يقله.
…
ضحكت داخليًا. عادي؟
ظللت صامتًا، أراقبه دون أن أحرك ساكنًا.
لكنني لم أعطه هذه الفرصة.
رأيت في عينيه تلك الشرارة الأخيرة من الأمل، ذلك التوسل الخفي بأن أصدق، أن أمنحه فرصة، أن أسمح له بأن يكون أكثر من مجرد رقم آخر في قائمة طويلة من الضحايا.
هاه… كاسبر؟
كان هذا كافيًا ليجعله يحاول رفع رأسه، ربما كان يأمل برؤية تعبير وجهي، ربما كان يريد التأكد إن كنت جادًا.
لكن المشكلة لم تكن فيما قاله.
رمقته بنظرة باردة.
المشكلة كانت فيما لم يقله.
رفع رأسه قليلًا، وكأنما يبحث عن إجابة، ثم نطق بصوت هادئ، غير متوقع:
اقتربت ببطء، حتى أصبحت على بعد أنفاس منه، حتى استطعت رؤية الانعكاس المشوه لصورتي في عينيه المرتجفتين.
رأيت كيف قبض على يديه، كيف حاول أن يخفي ارتجاف أصابعه، كيف كانت عروقه تنبض بسرعة مخيفة، كأنه قد استنزف كل ما لديه من رباطة جأش في هذا الجواب.
ثم، بصوت خافت، لكن مشبع بالقوة، همست:
“أوه، انظروا ماذا لدينا هنا…”
“وأي الظروف… أجبرتك على هذا الطريق، هارونلد؟”
كان يتكلم بسرعة، كأنه يخشى أن أقاطعه، أن أُسكت صوته قبل أن يتمكن من شرح نفسه. لكن تلعثمه، ذلك التردد الطفيف في بعض كلماته، فضحه أكثر مما أنقذه.
تحجّرت أنفاسه.
