النزل
استيقظت ببطء، أشعر بثقل في أطرافي وكأنني كنت غارقًا في مستنقع أحلام لزج. فتحت عيني ببطء، الضوء المتسلل من النافذة لم يكن مألوفًا، فقد كان أكثر حدة، أكثر دفئًا، وأكثر… غربة. رمشت عدة مرات، حتى تلاشت الرؤية الضبابية، ثم رفعت يدي في الهواء متكاسلًا، أراقب ارتجاف أصابعي تحت وهج الشمس.
ظل كما هو—ضخم الجسد، ممتلئ بشكل يجعله يبدو كأنه قطعة صلبة من اللحم المضغوط، يتحرك ببطء وكأنه محاصر داخل جسد لا يتناسب مع سرعته العقلية.
بين يديه، كان يحمل حقيبة جلدية سوداء.
الشمس؟
ليس واحدة، بل أربعة. أربعة شموس تتقاطع في السماء، تذيب الظلام وتفرض سطوتها على هذا العالم الغريب. كان هذا المشهد يطاردني كل صباح، يخبرني أنني ما زلت هنا، بعيدًا عن عالمي، بعيدًا عن كل شيء كان مألوفًا.
تأففت بضيق، ثم نهضت من السرير بتثاقل. شعرت بجسدي يشتكي مع كل حركة، كما لو أن عظامي قد صدأت من قلة الراحة. مررت يدي في شعري الفوضوي، ثم اتجهت نحو المغسلة.
الماء البارد كان صفعة قاسية، لكنه أيقظني كما يجب.
ثم مرة أخرى.
غسلت وجهي عدة مرات، أراقب القطرات تتساقط ببطء، تعكس نور الشموس الغريبة. استنشقت بعمق، محاولًا تبديد الثقل الذي كان يجثم على صدري. ثم نظرت في المرآة.
لكنه كان متوتراً.
عيناي كانتا مرهقتين، لكن خلف التعب كان هناك شيء آخر… شيء لا أريد الاعتراف به.
تركت المغسلة خلفي، واتجهت إلى الخزانة الصغيرة بجانب السرير. سحبت منها قميصًا خفيفًا وسروالًا داكنًا، وارتديتهما بلا اهتمام. أمسكت بمفاتيح الغرفة، قلبتها بين أصابعي للحظات، ثم أغلقت الباب خلفي بإحكام.
توقف فجأة، تجمّد في مكانه، كأنما يد خفية أمسكت به.
الدرج الخشبي كان صريره مزعجًا، كأنه يشتكي من كل خطوة أخطوها عليه.
كان على وشك الخروج…
في منتصف الطريق، لمحت العجوز المسؤولة عن التنظيف. كانت امرأة هزيلة، ظهرها محني كأنها تحمل أوزار هذا المكان، وعيناها شبه مطفأتين، لا تعكسان أي اهتمام بالعالم من حولها. كانت تمسح الأرضية بحركات بطيئة، كأنها عالقة في دورة لا تنتهي.
ألقيت عليها تحية مقتضبة، فردت بإيماءة بالكاد لاحظتها، ثم واصلت طريقي إلى الخارج.
تأففت بضيق، ثم نهضت من السرير بتثاقل. شعرت بجسدي يشتكي مع كل حركة، كما لو أن عظامي قد صدأت من قلة الراحة. مررت يدي في شعري الفوضوي، ثم اتجهت نحو المغسلة.
بمجرد أن فتحت الباب، استقبلني الهواء البارد بحدة مفاجئة.
ارتجفت للحظة، ثم أغمضت عيني، وأخذت نفسًا عميقًا. الهواء هنا كان مختلفًا… أكثر نقاءً، لكنه يحمل في طياته شيئًا غريبًا، كأنني أستنشق بقايا عالم لم يعد موجودًا.
بدأت الركض…
رفعتُ نظري عن الحقيبة، لألتقي بعيني هارونلد مباشرة، نظرة جامدة، خالية من أي انفعال.
كانت هذه عادتي الصباحية الوحيدة التي حافظت عليها منذ مغادرتي الجامعة. شعرت بعضلاتي تتمدد مع كل خطوة، قلبي ينبض بإيقاع ثابت، أنفاسي تتصاعد في الهواء البارد كأشباح تتلاشى.
الدرج الخشبي كان صريره مزعجًا، كأنه يشتكي من كل خطوة أخطوها عليه.
مرّ أسبوع كامل منذ أن تركت الجامعة وراء ظهري…
“افتح الحقيبة.”
هارونلد كان السبب الوحيد لكوني ما زلت خارج أسوارها دون مشاكل.
ساعدني في كتابة طلب إجازة، ولا أعرف ماذا كتب فيه بالضبط، لكنه نجح. كنت أعلم أن الغياب المفاجئ قد يثير تساؤلات، لكني لم أتصور أن مجرد اختفائي قد يدفعهم إلى التحقيق في الأمر.
أمامي شهر واحد فقط قبل أن أكون ملزمًا بالعودة…
أمامي شهر واحد فقط قبل أن أكون ملزمًا بالعودة…
توقفت أخيرًا أمام النزل، أنفاسي متلاحقة، قطرات العرق تتسلل على جبهتي رغم البرودة. وقفت للحظة، راقبته من الخارج، ذلك المبنى القديم الذي بدا وكأنه متشبث بالحياة رغم مرور الزمن.
لم أعره اهتمامًا، كنت على وشك التوجه مباشرة إلى الدرج عندما ناداني بصوته الأجش:
دخلت عبر المدخل الضيق، مررت بغرفة الاستقبال حيث يجلس صاحب النزل العجوز، رجل ضخم الجثة، بملامح قاسية وشارب كثيف يغطي جزءًا كبيرًا من وجهه. كان جالسًا على كرسيه الخشبي المعتاد، عاقدًا ذراعيه، وعيناه الصغيرتان تراقبان الداخلين والخارجين ببرود مريب، وكأنه صياد ينتظر الفريسة المناسبة.
ثم نطقت، بصوت خالٍ من أي انفعال:
لم أعره اهتمامًا، كنت على وشك التوجه مباشرة إلى الدرج عندما ناداني بصوته الأجش:
ثم، بدأ بالانسحاب. ببطء.
“النزيل رقم 45، تنتهي فترتك هنا غدًا، إما الدفع أو حمل أمتعتك والمغادرة صباحًا.”
عيناه الصغيرتان لم تهدأا، كانتا تمسحان الغرفة بسرعة، كأنهما تبحثان عن تهديد غير مرئي، عن شيء قد يقفز من العدم وينهي حياته في لحظة.
بين يديه، كان يحمل حقيبة جلدية سوداء.
شعرت برغبة مفاجئة في لكمه.
الدرج الخشبي كان صريره مزعجًا، كأنه يشتكي من كل خطوة أخطوها عليه.
توقفت للحظة، نظرت إليه ببرود، لم أكلف نفسي عناء الرد. كنت أعلم أنه يحاول الضغط عليّ، لكنه كان مجرد طفيلي آخر في هذا العالم.
أغلق الباب بحذر مبالغ فيه، كأنه يخشى أن يصدر صوتًا أكثر مما ينبغي، ثم… ركع.
واصلت طريقي نحو الدرج، خطواتي كانت ثقيلة لكن ثابتة.
نفس الطريقة.
لم يكن هناك داعٍ للكلام.
“ادخل.”
نهض ببطء… لكنه، بطريقة أغبى مما توقعت، لم يكتفِ بالوقوف.
دخلت غرفتي، أغلقت الباب خلفي، وأطلقت زفرة طويلة. كان الاستحمام أول ما خطر ببالي، الماء البارد سيكون أفضل طريقة لإنعاش جسدي وإزالة أي أفكار غير مرغوب فيها.
ثم، بعد ذلك، لن يكون أمامي سوى الانتظار…
صوتي كان حادًا كالسيف.
ثم، بعد ذلك، لن يكون أمامي سوى الانتظار…
الباب انفتح ببطء.
لم يكن مجرد شعور عابر، بل حقيقة مؤكدة: لقد أصبحت كسولًا.
أسبوعٌ كامل مرّ بنفس الإيقاع الرتيب—الاستيقاظ، الجري، الاستحمام، نزهة قصيرة، ثم العودة إلى هذا النزل البارد الذي لم يكن يحمل أي شيء يثير الحماس. يومٌ يعيد نفسه بلا هوادة، وكأنني عالقٌ داخل دوامة فارغة، تبتلع وقتي وعقلي على حد سواء، بينما يذبل شيءٌ داخلي مع كل لحظة تمر دون معنى.
لم أعره اهتمامًا، كنت على وشك التوجه مباشرة إلى الدرج عندما ناداني بصوته الأجش:
أغمضت عيني للحظة، استنشقت الهواء العابق برائحة الخشب المعتّق المنتشرة في الغرفة الصغيرة، ملأت رئتي بهدوء، ثم زفرت ببطء، كأنني أُسقط عن كاهلي طبقات من الجمود.
لكن اليوم… اليوم، سيتغير كل شيء.
ألقيت عليها تحية مقتضبة، فردت بإيماءة بالكاد لاحظتها، ثم واصلت طريقي إلى الخارج.
لم يكن هناك داعٍ للكلام.
اليوم ليس يومًا آخر من التكرار الأجوف. اليوم، سأخرج أخيرًا من قوقعتي، وسأبدأ رحلتي الميدانية للتحقيق في تلك الأمور الغامضة—تلك الأشياء التي لا تزال تتوارى في الظلال، تهمس بأسرارها المريبة، وتنتظر من يجرؤ على كشف حقيقتها.
لكنني لم أستطع تركه يذهب دون طرح هذا السؤال.
أغمضت عيني للحظة، استنشقت الهواء العابق برائحة الخشب المعتّق المنتشرة في الغرفة الصغيرة، ملأت رئتي بهدوء، ثم زفرت ببطء، كأنني أُسقط عن كاهلي طبقات من الجمود.
لكنه كان متوتراً.
كنت مستعدًا… أو على الأقل، أقنعت نفسي بذلك.
هل هو غبي لهذه الدرجة؟
ثم… جاء الصوت.
الشمس؟
“طَرق.”
لم يكن هذا غير متوقع، ومع ذلك… أزعجني.
ثم مرة أخرى.
من النظرة الأولى، كان واضحًا أنه ليس من النماذج المتقدمة. متين، لكنه ليس تحفة هندسية. فعال، لكنه لا يمنح الثقة الكاملة.
ثم… جاء الصوت.
توقفت للحظة، أرهفت السمع.
غسلت وجهي عدة مرات، أراقب القطرات تتساقط ببطء، تعكس نور الشموس الغريبة. استنشقت بعمق، محاولًا تبديد الثقل الذي كان يجثم على صدري. ثم نظرت في المرآة.
دخلت عبر المدخل الضيق، مررت بغرفة الاستقبال حيث يجلس صاحب النزل العجوز، رجل ضخم الجثة، بملامح قاسية وشارب كثيف يغطي جزءًا كبيرًا من وجهه. كان جالسًا على كرسيه الخشبي المعتاد، عاقدًا ذراعيه، وعيناه الصغيرتان تراقبان الداخلين والخارجين ببرود مريب، وكأنه صياد ينتظر الفريسة المناسبة.
انتظار… ثم طرقتان سريعتان.
لماذا يقف… ثم ينزل مجددًا؟
هذا هو.
حقيبة متينة، ثقيلة، مشدودة الأطراف كأنها تحمل داخلها سراً خطيراً، أو شيئًا لا ينبغي لأحد أن يراه.
إنه هنا.
ألقيت عليها تحية مقتضبة، فردت بإيماءة بالكاد لاحظتها، ثم واصلت طريقي إلى الخارج.
“افتح الحقيبة.”
دون استعجال، عدّلت جلستي على الكرسي، ظهري مستقيم، يداي متشابكتان، عيني باردة، كأنني انتقلت فجأة إلى حالة مختلفة.
ثم نطقت، بصوت خالٍ من أي انفعال:
الدرج الخشبي كان صريره مزعجًا، كأنه يشتكي من كل خطوة أخطوها عليه.
“ادخل.”
ارتجفت للحظة، ثم أغمضت عيني، وأخذت نفسًا عميقًا. الهواء هنا كان مختلفًا… أكثر نقاءً، لكنه يحمل في طياته شيئًا غريبًا، كأنني أستنشق بقايا عالم لم يعد موجودًا.
لكنه كان متوتراً.
الباب انفتح ببطء.
“هارونلد.”
لا بد أن ما طلبته في الداخل.
أول ما دخل هو ظله.
المسدس؟ ليس مثاليًا.
ثم تبعه جسده الضخم.
هارونلد.
ظل كما هو—ضخم الجسد، ممتلئ بشكل يجعله يبدو كأنه قطعة صلبة من اللحم المضغوط، يتحرك ببطء وكأنه محاصر داخل جسد لا يتناسب مع سرعته العقلية.
توقفت للحظة، نظرت إليه ببرود، لم أكلف نفسي عناء الرد. كنت أعلم أنه يحاول الضغط عليّ، لكنه كان مجرد طفيلي آخر في هذا العالم.
لكنه كان متوتراً.
يمكن لأي أحمق أن يرى ذلك.
عيناه الصغيرتان لم تهدأا، كانتا تمسحان الغرفة بسرعة، كأنهما تبحثان عن تهديد غير مرئي، عن شيء قد يقفز من العدم وينهي حياته في لحظة.
الشمس؟
بين يديه، كان يحمل حقيبة جلدية سوداء.
“إذا لم تنقص 50 كيلوغرامًا بحلول لقائنا القادم، فسأتأكد من قطع ذلك الوزن الزائد… بنفسي.”
ثم… جاء الصوت.
حقيبة متينة، ثقيلة، مشدودة الأطراف كأنها تحمل داخلها سراً خطيراً، أو شيئًا لا ينبغي لأحد أن يراه.
كنت مستعدًا… أو على الأقل، أقنعت نفسي بذلك.
لا بد أن ما طلبته في الداخل.
لم يتردد.
ثم… جاء الصوت.
أغلق الباب بحذر مبالغ فيه، كأنه يخشى أن يصدر صوتًا أكثر مما ينبغي، ثم… ركع.
ركع على ركبته اليمنى، واضعًا الحقيبة أمامه، ورأسه مائل قليلًا كأنما يخشى النظر في وجهي.
ثم تكلم، بصوت ارتجفت فيه نغمة خفيفة رغم محاولته إخفاءها:
إنه لم يخفِ الأمر جيدًا—جسده اهتز للحظة، كأنما أطلقتُ عليه رصاصة غير مرئية، وعيناه تجنبتا نظرتي فورًا.
“يحيي الملك.”
“إذا لم تنقص 50 كيلوغرامًا بحلول لقائنا القادم، فسأتأكد من قطع ذلك الوزن الزائد… بنفسي.”
ألقيت عليها تحية مقتضبة، فردت بإيماءة بالكاد لاحظتها، ثم واصلت طريقي إلى الخارج.
سخيف.
عندما فُتحت الحقيبة، انعكست إضاءة الغرفة الخافتة على سطحٍ معدني بارد، كاشفًا عن محتوياتها—إطار معدني لامع لمسدس متوسط الحجم، صفٌ منتظمٌ من الطلقات المرتبة بدقة، وفي الجانب الآخر، خنجر أسود حاد، بدا لوهلة كأنه قطعة من الظلام المتجسد، يشرب الضوء بدلاً من أن يعكسه.
لكنني لم أكن في وضع يسمح لي بالاختيار.
أشرت له بإيماءة صغيرة كي ينهض.
نهض ببطء… لكنه، بطريقة أغبى مما توقعت، لم يكتفِ بالوقوف.
بل بعد أن قطع بضع خطوات نحوي، ركع مجددًا.
ثم، بصوت منخفض، لكن ثقيل بالمعنى:
نفس الطريقة.
كنت أعلم ما بداخله دون الحاجة إلى فتحه—قطع ذهبية، أتعابه المعتادة.
نفس الوضعية.
لا بد أن ما طلبته في الداخل.
كأنه يتبع طقسًا مقدسًا لا أفهمه.
ركع على ركبته اليمنى، واضعًا الحقيبة أمامه، ورأسه مائل قليلًا كأنما يخشى النظر في وجهي.
حمل الحقيبة بين يديه كما لو كانت كنزًا مقدسًا، أو ربما كفنه الشخصي.
هل هو غبي لهذه الدرجة؟
لماذا يقف… ثم ينزل مجددًا؟
تركت المغسلة خلفي، واتجهت إلى الخزانة الصغيرة بجانب السرير. سحبت منها قميصًا خفيفًا وسروالًا داكنًا، وارتديتهما بلا اهتمام. أمسكت بمفاتيح الغرفة، قلبتها بين أصابعي للحظات، ثم أغلقت الباب خلفي بإحكام.
تأملته لثانية، ثم زفرت، بصوت خفيف يحمل ضيقًا كامنًا.
توقف فجأة، تجمّد في مكانه، كأنما يد خفية أمسكت به.
ظل كما هو—ضخم الجسد، ممتلئ بشكل يجعله يبدو كأنه قطعة صلبة من اللحم المضغوط، يتحرك ببطء وكأنه محاصر داخل جسد لا يتناسب مع سرعته العقلية.
ثم، ببرود كالمعتاد، قلت:
“افتح الحقيبة.”
ثم، بعد لحظة من التردد، نطق أخيرًا، بصوت خافت مليء بالتوتر:
عندما فُتحت الحقيبة، انعكست إضاءة الغرفة الخافتة على سطحٍ معدني بارد، كاشفًا عن محتوياتها—إطار معدني لامع لمسدس متوسط الحجم، صفٌ منتظمٌ من الطلقات المرتبة بدقة، وفي الجانب الآخر، خنجر أسود حاد، بدا لوهلة كأنه قطعة من الظلام المتجسد، يشرب الضوء بدلاً من أن يعكسه.
أسبوعٌ كامل مرّ بنفس الإيقاع الرتيب—الاستيقاظ، الجري، الاستحمام، نزهة قصيرة، ثم العودة إلى هذا النزل البارد الذي لم يكن يحمل أي شيء يثير الحماس. يومٌ يعيد نفسه بلا هوادة، وكأنني عالقٌ داخل دوامة فارغة، تبتلع وقتي وعقلي على حد سواء، بينما يذبل شيءٌ داخلي مع كل لحظة تمر دون معنى.
أخذتُ نظرة واحدة فقط، لكنها كانت كافية لتقييم موقفي.
بحسب كلام هارونلد، فإن الحصول على الأسلحة النارية في هذا المكان لم يكن أمرًا سهلًا على الإطلاق. البيروقراطية، القيود، السوق السوداء المتقلبة، والتجار المترددون جميعهم يشكلون عقبات لا نهاية لها.
المسدس؟ ليس مثاليًا.
من النظرة الأولى، كان واضحًا أنه ليس من النماذج المتقدمة. متين، لكنه ليس تحفة هندسية. فعال، لكنه لا يمنح الثقة الكاملة.
لم يتردد.
لكنني لم أكن في وضع يسمح لي بالاختيار.
ألقيت عليها تحية مقتضبة، فردت بإيماءة بالكاد لاحظتها، ثم واصلت طريقي إلى الخارج.
كانت هذه عادتي الصباحية الوحيدة التي حافظت عليها منذ مغادرتي الجامعة. شعرت بعضلاتي تتمدد مع كل خطوة، قلبي ينبض بإيقاع ثابت، أنفاسي تتصاعد في الهواء البارد كأشباح تتلاشى.
بحسب كلام هارونلد، فإن الحصول على الأسلحة النارية في هذا المكان لم يكن أمرًا سهلًا على الإطلاق. البيروقراطية، القيود، السوق السوداء المتقلبة، والتجار المترددون جميعهم يشكلون عقبات لا نهاية لها.
ببساطة، حتى لو كنت تملك المال، فأنت لا تشتري السلاح، بل تشتري الطريق للوصول إليه.
ظل كما هو—ضخم الجسد، ممتلئ بشكل يجعله يبدو كأنه قطعة صلبة من اللحم المضغوط، يتحرك ببطء وكأنه محاصر داخل جسد لا يتناسب مع سرعته العقلية.
وهذا النموذج أمامي؟
نهض ببطء… لكنه، بطريقة أغبى مما توقعت، لم يكتفِ بالوقوف.
هل هو غبي لهذه الدرجة؟
ربما كان نتيجة طريق طويل مليء بالعقبات، لكنه لم يكن أكثر من خطوة أولى فقط.
كان على وشك الخروج…
لم يتردد.
رفعتُ نظري عن الحقيبة، لألتقي بعيني هارونلد مباشرة، نظرة جامدة، خالية من أي انفعال.
ثم سألت، بصوت ثابت:
في اللحظة التي نطقت فيها تلك الجملة، اهتز جسده بالكامل.
“كيف يسير جمع تلك المكونات؟”
إنه هنا.
في اللحظة التي لفظت فيها تلك الكلمات، ارتجف هارونلد بعنف.
ارتجفت للحظة، ثم أغمضت عيني، وأخذت نفسًا عميقًا. الهواء هنا كان مختلفًا… أكثر نقاءً، لكنه يحمل في طياته شيئًا غريبًا، كأنني أستنشق بقايا عالم لم يعد موجودًا.
“النزيل رقم 45، تنتهي فترتك هنا غدًا، إما الدفع أو حمل أمتعتك والمغادرة صباحًا.”
إنه لم يخفِ الأمر جيدًا—جسده اهتز للحظة، كأنما أطلقتُ عليه رصاصة غير مرئية، وعيناه تجنبتا نظرتي فورًا.
ثم، بعد لحظة من التردد، نطق أخيرًا، بصوت خافت مليء بالتوتر:
تأملته لثانية، ثم زفرت، بصوت خفيف يحمل ضيقًا كامنًا.
“آسف، ملكي… لم نجد حتى الآن أي عنصر من تلك القائمة.”
في اللحظة التي سمع فيها كلماتي، ارتطم رأسه بالأرض بقوة.
لم يكن هذا غير متوقع، ومع ذلك… أزعجني.
أمامي شهر واحد فقط قبل أن أكون ملزمًا بالعودة…
رفعت يدي ببطء، ودلّكت جبهتي بهدوء.
هل هو غبي لهذه الدرجة؟
أخذتُ نفسًا عميقًا، ليس غضبًا، بل إحباطًا بارداً.
ثم… ببطء، استدار نحوي، وعيناه مليئتان بالقلق.
ثم… جاء الصوت.
“فقط من أين سأحصل على تلك الأشياء؟”
غسلت وجهي عدة مرات، أراقب القطرات تتساقط ببطء، تعكس نور الشموس الغريبة. استنشقت بعمق، محاولًا تبديد الثقل الذي كان يجثم على صدري. ثم نظرت في المرآة.
لم يكن لدي وقت لأضيعه، لكن الصراخ على هارونلد الآن لن يفيد.
من النظرة الأولى، كان واضحًا أنه ليس من النماذج المتقدمة. متين، لكنه ليس تحفة هندسية. فعال، لكنه لا يمنح الثقة الكاملة.
ليس واحدة، بل أربعة. أربعة شموس تتقاطع في السماء، تذيب الظلام وتفرض سطوتها على هذا العالم الغريب. كان هذا المشهد يطاردني كل صباح، يخبرني أنني ما زلت هنا، بعيدًا عن عالمي، بعيدًا عن كل شيء كان مألوفًا.
بعد ثوانٍ من الصمت، لوّحت له بيدي، دلالةً على انتهاء الاجتماع.
بدأت الركض…
“يمكنك المغادرة. عد بعد ثلاثة أسابيع، لا أحتاجك قبل ذلك.”
لم يكن هذا غير متوقع، ومع ذلك… أزعجني.
لم يتردد.
لم يكن لدي وقت لأضيعه، لكن الصراخ على هارونلد الآن لن يفيد.
“حاضر، ملكي.”
هارونلد.
بصعوبة، رفع جسده الضخم، ثم وضع الحقيبة فوق الطاولة المستديرة أمامي، وكأنها شيء مقدس. بعد ذلك، أخرج كيسًا صغيرًا مربوطًا من جيبه، ووضعه برفق بجانب الحقيبة.
واصلت طريقي نحو الدرج، خطواتي كانت ثقيلة لكن ثابتة.
كنت أعلم ما بداخله دون الحاجة إلى فتحه—قطع ذهبية، أتعابه المعتادة.
أغلق الباب بحذر مبالغ فيه، كأنه يخشى أن يصدر صوتًا أكثر مما ينبغي، ثم… ركع.
ثم، بدأ بالانسحاب. ببطء.
“حاضر، سيدي!”
حركاته ثقيلة، خطواته مدروسة، كأنه يخشى أن يثير أي ضوضاء غير ضرورية.
ثم، ببرود كالمعتاد، قلت:
كان على وشك الخروج…
لكنني لم أستطع تركه يذهب دون طرح هذا السؤال.
تبا.
“ادخل.”
“هارونلد.”
أخذتُ نفسًا عميقًا، ليس غضبًا، بل إحباطًا بارداً.
صوتي كان حادًا كالسيف.
شعرت برغبة مفاجئة في لكمه.
حركاته ثقيلة، خطواته مدروسة، كأنه يخشى أن يثير أي ضوضاء غير ضرورية.
توقف فجأة، تجمّد في مكانه، كأنما يد خفية أمسكت به.
الدرج الخشبي كان صريره مزعجًا، كأنه يشتكي من كل خطوة أخطوها عليه.
ثم… ببطء، استدار نحوي، وعيناه مليئتان بالقلق.
في اللحظة التي نطقت فيها تلك الجملة، اهتز جسده بالكامل.
“كم وزنك؟”
في اللحظة التي لفظت فيها تلك الكلمات، ارتجف هارونلد بعنف.
في اللحظة التي نطقت فيها تلك الجملة، اهتز جسده بالكامل.
الباب انفتح ببطء.
ليس واحدة، بل أربعة. أربعة شموس تتقاطع في السماء، تذيب الظلام وتفرض سطوتها على هذا العالم الغريب. كان هذا المشهد يطاردني كل صباح، يخبرني أنني ما زلت هنا، بعيدًا عن عالمي، بعيدًا عن كل شيء كان مألوفًا.
إنه يعلم أنني لا أسأل هذا السؤال من باب الفضول.
بل كتهديد.
ربما كان نتيجة طريق طويل مليء بالعقبات، لكنه لم يكن أكثر من خطوة أولى فقط.
بعد لحظة من التردد، بلع ريقه، ثم أجاب بصوت خافت:
“ادخل.”
“ملكي… أزن 213 كيلوغرامًا.”
هل هو غبي لهذه الدرجة؟
تبا.
مرّ أسبوع كامل منذ أن تركت الجامعة وراء ظهري…
إنه خنزرفيل حقيقي.
“فقط من أين سأحصل على تلك الأشياء؟”
أغمضت عيني للحظة، ثم تنهدت.
بين يديه، كان يحمل حقيبة جلدية سوداء.
ثم، بصوت منخفض، لكن ثقيل بالمعنى:
لماذا يقف… ثم ينزل مجددًا؟
“إذا لم تنقص 50 كيلوغرامًا بحلول لقائنا القادم، فسأتأكد من قطع ذلك الوزن الزائد… بنفسي.”
لم يكن مجرد شعور عابر، بل حقيقة مؤكدة: لقد أصبحت كسولًا.
في اللحظة التي سمع فيها كلماتي، ارتطم رأسه بالأرض بقوة.
توقفت أخيرًا أمام النزل، أنفاسي متلاحقة، قطرات العرق تتسلل على جبهتي رغم البرودة. وقفت للحظة، راقبته من الخارج، ذلك المبنى القديم الذي بدا وكأنه متشبث بالحياة رغم مرور الزمن.
“حاضر، سيدي!”
في اللحظة التي لفظت فيها تلك الكلمات، ارتجف هارونلد بعنف.
ارتجاف جسده لم يتوقف حتى غادر الغرفة.
لكنني لم أكن في وضع يسمح لي بالاختيار.
سخيف.
لم يكن هذا غير متوقع، ومع ذلك… أزعجني.
الدرج الخشبي كان صريره مزعجًا، كأنه يشتكي من كل خطوة أخطوها عليه.
