النزل
استيقظت ببطء، أشعر بثقل في أطرافي وكأنني كنت غارقًا في مستنقع أحلام لزج. فتحت عيني ببطء، الضوء المتسلل من النافذة لم يكن مألوفًا، فقد كان أكثر حدة، أكثر دفئًا، وأكثر… غربة. رمشت عدة مرات، حتى تلاشت الرؤية الضبابية، ثم رفعت يدي في الهواء متكاسلًا، أراقب ارتجاف أصابعي تحت وهج الشمس.
إنه خنزرفيل حقيقي.
الشمس؟
اليوم ليس يومًا آخر من التكرار الأجوف. اليوم، سأخرج أخيرًا من قوقعتي، وسأبدأ رحلتي الميدانية للتحقيق في تلك الأمور الغامضة—تلك الأشياء التي لا تزال تتوارى في الظلال، تهمس بأسرارها المريبة، وتنتظر من يجرؤ على كشف حقيقتها.
ليس واحدة، بل أربعة. أربعة شموس تتقاطع في السماء، تذيب الظلام وتفرض سطوتها على هذا العالم الغريب. كان هذا المشهد يطاردني كل صباح، يخبرني أنني ما زلت هنا، بعيدًا عن عالمي، بعيدًا عن كل شيء كان مألوفًا.
تأففت بضيق، ثم نهضت من السرير بتثاقل. شعرت بجسدي يشتكي مع كل حركة، كما لو أن عظامي قد صدأت من قلة الراحة. مررت يدي في شعري الفوضوي، ثم اتجهت نحو المغسلة.
الباب انفتح ببطء.
الماء البارد كان صفعة قاسية، لكنه أيقظني كما يجب.
ارتجفت للحظة، ثم أغمضت عيني، وأخذت نفسًا عميقًا. الهواء هنا كان مختلفًا… أكثر نقاءً، لكنه يحمل في طياته شيئًا غريبًا، كأنني أستنشق بقايا عالم لم يعد موجودًا.
أخذتُ نظرة واحدة فقط، لكنها كانت كافية لتقييم موقفي.
غسلت وجهي عدة مرات، أراقب القطرات تتساقط ببطء، تعكس نور الشموس الغريبة. استنشقت بعمق، محاولًا تبديد الثقل الذي كان يجثم على صدري. ثم نظرت في المرآة.
عيناي كانتا مرهقتين، لكن خلف التعب كان هناك شيء آخر… شيء لا أريد الاعتراف به.
أخذتُ نفسًا عميقًا، ليس غضبًا، بل إحباطًا بارداً.
تركت المغسلة خلفي، واتجهت إلى الخزانة الصغيرة بجانب السرير. سحبت منها قميصًا خفيفًا وسروالًا داكنًا، وارتديتهما بلا اهتمام. أمسكت بمفاتيح الغرفة، قلبتها بين أصابعي للحظات، ثم أغلقت الباب خلفي بإحكام.
هذا هو.
هارونلد كان السبب الوحيد لكوني ما زلت خارج أسوارها دون مشاكل.
الدرج الخشبي كان صريره مزعجًا، كأنه يشتكي من كل خطوة أخطوها عليه.
ثم مرة أخرى.
كانت هذه عادتي الصباحية الوحيدة التي حافظت عليها منذ مغادرتي الجامعة. شعرت بعضلاتي تتمدد مع كل خطوة، قلبي ينبض بإيقاع ثابت، أنفاسي تتصاعد في الهواء البارد كأشباح تتلاشى.
في منتصف الطريق، لمحت العجوز المسؤولة عن التنظيف. كانت امرأة هزيلة، ظهرها محني كأنها تحمل أوزار هذا المكان، وعيناها شبه مطفأتين، لا تعكسان أي اهتمام بالعالم من حولها. كانت تمسح الأرضية بحركات بطيئة، كأنها عالقة في دورة لا تنتهي.
كان على وشك الخروج…
ألقيت عليها تحية مقتضبة، فردت بإيماءة بالكاد لاحظتها، ثم واصلت طريقي إلى الخارج.
بمجرد أن فتحت الباب، استقبلني الهواء البارد بحدة مفاجئة.
بعد ثوانٍ من الصمت، لوّحت له بيدي، دلالةً على انتهاء الاجتماع.
ارتجفت للحظة، ثم أغمضت عيني، وأخذت نفسًا عميقًا. الهواء هنا كان مختلفًا… أكثر نقاءً، لكنه يحمل في طياته شيئًا غريبًا، كأنني أستنشق بقايا عالم لم يعد موجودًا.
يمكن لأي أحمق أن يرى ذلك.
وهذا النموذج أمامي؟
بدأت الركض…
نفس الطريقة.
كانت هذه عادتي الصباحية الوحيدة التي حافظت عليها منذ مغادرتي الجامعة. شعرت بعضلاتي تتمدد مع كل خطوة، قلبي ينبض بإيقاع ثابت، أنفاسي تتصاعد في الهواء البارد كأشباح تتلاشى.
مرّ أسبوع كامل منذ أن تركت الجامعة وراء ظهري…
اليوم ليس يومًا آخر من التكرار الأجوف. اليوم، سأخرج أخيرًا من قوقعتي، وسأبدأ رحلتي الميدانية للتحقيق في تلك الأمور الغامضة—تلك الأشياء التي لا تزال تتوارى في الظلال، تهمس بأسرارها المريبة، وتنتظر من يجرؤ على كشف حقيقتها.
هارونلد كان السبب الوحيد لكوني ما زلت خارج أسوارها دون مشاكل.
الشمس؟
ساعدني في كتابة طلب إجازة، ولا أعرف ماذا كتب فيه بالضبط، لكنه نجح. كنت أعلم أن الغياب المفاجئ قد يثير تساؤلات، لكني لم أتصور أن مجرد اختفائي قد يدفعهم إلى التحقيق في الأمر.
أمامي شهر واحد فقط قبل أن أكون ملزمًا بالعودة…
ارتجفت للحظة، ثم أغمضت عيني، وأخذت نفسًا عميقًا. الهواء هنا كان مختلفًا… أكثر نقاءً، لكنه يحمل في طياته شيئًا غريبًا، كأنني أستنشق بقايا عالم لم يعد موجودًا.
توقفت أخيرًا أمام النزل، أنفاسي متلاحقة، قطرات العرق تتسلل على جبهتي رغم البرودة. وقفت للحظة، راقبته من الخارج، ذلك المبنى القديم الذي بدا وكأنه متشبث بالحياة رغم مرور الزمن.
هارونلد.
دخلت عبر المدخل الضيق، مررت بغرفة الاستقبال حيث يجلس صاحب النزل العجوز، رجل ضخم الجثة، بملامح قاسية وشارب كثيف يغطي جزءًا كبيرًا من وجهه. كان جالسًا على كرسيه الخشبي المعتاد، عاقدًا ذراعيه، وعيناه الصغيرتان تراقبان الداخلين والخارجين ببرود مريب، وكأنه صياد ينتظر الفريسة المناسبة.
لم أعره اهتمامًا، كنت على وشك التوجه مباشرة إلى الدرج عندما ناداني بصوته الأجش:
مرّ أسبوع كامل منذ أن تركت الجامعة وراء ظهري…
“النزيل رقم 45، تنتهي فترتك هنا غدًا، إما الدفع أو حمل أمتعتك والمغادرة صباحًا.”
كنت مستعدًا… أو على الأقل، أقنعت نفسي بذلك.
شعرت برغبة مفاجئة في لكمه.
توقفت للحظة، نظرت إليه ببرود، لم أكلف نفسي عناء الرد. كنت أعلم أنه يحاول الضغط عليّ، لكنه كان مجرد طفيلي آخر في هذا العالم.
واصلت طريقي نحو الدرج، خطواتي كانت ثقيلة لكن ثابتة.
لكنه كان متوتراً.
لم يكن هناك داعٍ للكلام.
دخلت غرفتي، أغلقت الباب خلفي، وأطلقت زفرة طويلة. كان الاستحمام أول ما خطر ببالي، الماء البارد سيكون أفضل طريقة لإنعاش جسدي وإزالة أي أفكار غير مرغوب فيها.
رفعت يدي ببطء، ودلّكت جبهتي بهدوء.
ثم، بعد ذلك، لن يكون أمامي سوى الانتظار…
تأملته لثانية، ثم زفرت، بصوت خفيف يحمل ضيقًا كامنًا.
بصعوبة، رفع جسده الضخم، ثم وضع الحقيبة فوق الطاولة المستديرة أمامي، وكأنها شيء مقدس. بعد ذلك، أخرج كيسًا صغيرًا مربوطًا من جيبه، ووضعه برفق بجانب الحقيبة.
لم يكن مجرد شعور عابر، بل حقيقة مؤكدة: لقد أصبحت كسولًا.
أسبوعٌ كامل مرّ بنفس الإيقاع الرتيب—الاستيقاظ، الجري، الاستحمام، نزهة قصيرة، ثم العودة إلى هذا النزل البارد الذي لم يكن يحمل أي شيء يثير الحماس. يومٌ يعيد نفسه بلا هوادة، وكأنني عالقٌ داخل دوامة فارغة، تبتلع وقتي وعقلي على حد سواء، بينما يذبل شيءٌ داخلي مع كل لحظة تمر دون معنى.
“افتح الحقيبة.”
لكن اليوم… اليوم، سيتغير كل شيء.
“حاضر، سيدي!”
تأملته لثانية، ثم زفرت، بصوت خفيف يحمل ضيقًا كامنًا.
اليوم ليس يومًا آخر من التكرار الأجوف. اليوم، سأخرج أخيرًا من قوقعتي، وسأبدأ رحلتي الميدانية للتحقيق في تلك الأمور الغامضة—تلك الأشياء التي لا تزال تتوارى في الظلال، تهمس بأسرارها المريبة، وتنتظر من يجرؤ على كشف حقيقتها.
ثم سألت، بصوت ثابت:
أغمضت عيني للحظة، استنشقت الهواء العابق برائحة الخشب المعتّق المنتشرة في الغرفة الصغيرة، ملأت رئتي بهدوء، ثم زفرت ببطء، كأنني أُسقط عن كاهلي طبقات من الجمود.
ظل كما هو—ضخم الجسد، ممتلئ بشكل يجعله يبدو كأنه قطعة صلبة من اللحم المضغوط، يتحرك ببطء وكأنه محاصر داخل جسد لا يتناسب مع سرعته العقلية.
كنت مستعدًا… أو على الأقل، أقنعت نفسي بذلك.
ثم… جاء الصوت.
ليس واحدة، بل أربعة. أربعة شموس تتقاطع في السماء، تذيب الظلام وتفرض سطوتها على هذا العالم الغريب. كان هذا المشهد يطاردني كل صباح، يخبرني أنني ما زلت هنا، بعيدًا عن عالمي، بعيدًا عن كل شيء كان مألوفًا.
ثم، بعد لحظة من التردد، نطق أخيرًا، بصوت خافت مليء بالتوتر:
“طَرق.”
هذا هو.
ثم مرة أخرى.
أغلق الباب بحذر مبالغ فيه، كأنه يخشى أن يصدر صوتًا أكثر مما ينبغي، ثم… ركع.
توقفت للحظة، أرهفت السمع.
“هارونلد.”
انتظار… ثم طرقتان سريعتان.
لكنني لم أستطع تركه يذهب دون طرح هذا السؤال.
هذا هو.
لم يكن هناك داعٍ للكلام.
إنه هنا.
“إذا لم تنقص 50 كيلوغرامًا بحلول لقائنا القادم، فسأتأكد من قطع ذلك الوزن الزائد… بنفسي.”
دون استعجال، عدّلت جلستي على الكرسي، ظهري مستقيم، يداي متشابكتان، عيني باردة، كأنني انتقلت فجأة إلى حالة مختلفة.
هذا هو.
ثم نطقت، بصوت خالٍ من أي انفعال:
بل كتهديد.
“ادخل.”
الباب انفتح ببطء.
شعرت برغبة مفاجئة في لكمه.
أول ما دخل هو ظله.
في اللحظة التي لفظت فيها تلك الكلمات، ارتجف هارونلد بعنف.
ثم تبعه جسده الضخم.
ركع على ركبته اليمنى، واضعًا الحقيبة أمامه، ورأسه مائل قليلًا كأنما يخشى النظر في وجهي.
في اللحظة التي سمع فيها كلماتي، ارتطم رأسه بالأرض بقوة.
هارونلد.
“ادخل.”
ظل كما هو—ضخم الجسد، ممتلئ بشكل يجعله يبدو كأنه قطعة صلبة من اللحم المضغوط، يتحرك ببطء وكأنه محاصر داخل جسد لا يتناسب مع سرعته العقلية.
دون استعجال، عدّلت جلستي على الكرسي، ظهري مستقيم، يداي متشابكتان، عيني باردة، كأنني انتقلت فجأة إلى حالة مختلفة.
لكنه كان متوتراً.
يمكن لأي أحمق أن يرى ذلك.
ثم… ببطء، استدار نحوي، وعيناه مليئتان بالقلق.
عيناه الصغيرتان لم تهدأا، كانتا تمسحان الغرفة بسرعة، كأنهما تبحثان عن تهديد غير مرئي، عن شيء قد يقفز من العدم وينهي حياته في لحظة.
تبا.
ساعدني في كتابة طلب إجازة، ولا أعرف ماذا كتب فيه بالضبط، لكنه نجح. كنت أعلم أن الغياب المفاجئ قد يثير تساؤلات، لكني لم أتصور أن مجرد اختفائي قد يدفعهم إلى التحقيق في الأمر.
بين يديه، كان يحمل حقيبة جلدية سوداء.
تأففت بضيق، ثم نهضت من السرير بتثاقل. شعرت بجسدي يشتكي مع كل حركة، كما لو أن عظامي قد صدأت من قلة الراحة. مررت يدي في شعري الفوضوي، ثم اتجهت نحو المغسلة.
تأملته لثانية، ثم زفرت، بصوت خفيف يحمل ضيقًا كامنًا.
حقيبة متينة، ثقيلة، مشدودة الأطراف كأنها تحمل داخلها سراً خطيراً، أو شيئًا لا ينبغي لأحد أن يراه.
لا بد أن ما طلبته في الداخل.
توقفت للحظة، نظرت إليه ببرود، لم أكلف نفسي عناء الرد. كنت أعلم أنه يحاول الضغط عليّ، لكنه كان مجرد طفيلي آخر في هذا العالم.
أغلق الباب بحذر مبالغ فيه، كأنه يخشى أن يصدر صوتًا أكثر مما ينبغي، ثم… ركع.
ثم، بعد لحظة من التردد، نطق أخيرًا، بصوت خافت مليء بالتوتر:
ركع على ركبته اليمنى، واضعًا الحقيبة أمامه، ورأسه مائل قليلًا كأنما يخشى النظر في وجهي.
ثم تكلم، بصوت ارتجفت فيه نغمة خفيفة رغم محاولته إخفاءها:
سخيف.
“يحيي الملك.”
أول ما دخل هو ظله.
بمجرد أن فتحت الباب، استقبلني الهواء البارد بحدة مفاجئة.
سخيف.
لا بد أن ما طلبته في الداخل.
رفعتُ نظري عن الحقيبة، لألتقي بعيني هارونلد مباشرة، نظرة جامدة، خالية من أي انفعال.
أشرت له بإيماءة صغيرة كي ينهض.
ثم، بعد لحظة من التردد، نطق أخيرًا، بصوت خافت مليء بالتوتر:
ثم سألت، بصوت ثابت:
نهض ببطء… لكنه، بطريقة أغبى مما توقعت، لم يكتفِ بالوقوف.
بل بعد أن قطع بضع خطوات نحوي، ركع مجددًا.
تبا.
نفس الطريقة.
ثم تكلم، بصوت ارتجفت فيه نغمة خفيفة رغم محاولته إخفاءها:
نفس الوضعية.
أسبوعٌ كامل مرّ بنفس الإيقاع الرتيب—الاستيقاظ، الجري، الاستحمام، نزهة قصيرة، ثم العودة إلى هذا النزل البارد الذي لم يكن يحمل أي شيء يثير الحماس. يومٌ يعيد نفسه بلا هوادة، وكأنني عالقٌ داخل دوامة فارغة، تبتلع وقتي وعقلي على حد سواء، بينما يذبل شيءٌ داخلي مع كل لحظة تمر دون معنى.
كأنه يتبع طقسًا مقدسًا لا أفهمه.
حمل الحقيبة بين يديه كما لو كانت كنزًا مقدسًا، أو ربما كفنه الشخصي.
كانت هذه عادتي الصباحية الوحيدة التي حافظت عليها منذ مغادرتي الجامعة. شعرت بعضلاتي تتمدد مع كل خطوة، قلبي ينبض بإيقاع ثابت، أنفاسي تتصاعد في الهواء البارد كأشباح تتلاشى.
هل هو غبي لهذه الدرجة؟
“فقط من أين سأحصل على تلك الأشياء؟”
لماذا يقف… ثم ينزل مجددًا؟
تأملته لثانية، ثم زفرت، بصوت خفيف يحمل ضيقًا كامنًا.
كنت مستعدًا… أو على الأقل، أقنعت نفسي بذلك.
ثم، ببرود كالمعتاد، قلت:
هل هو غبي لهذه الدرجة؟
“افتح الحقيبة.”
توقف فجأة، تجمّد في مكانه، كأنما يد خفية أمسكت به.
حمل الحقيبة بين يديه كما لو كانت كنزًا مقدسًا، أو ربما كفنه الشخصي.
عندما فُتحت الحقيبة، انعكست إضاءة الغرفة الخافتة على سطحٍ معدني بارد، كاشفًا عن محتوياتها—إطار معدني لامع لمسدس متوسط الحجم، صفٌ منتظمٌ من الطلقات المرتبة بدقة، وفي الجانب الآخر، خنجر أسود حاد، بدا لوهلة كأنه قطعة من الظلام المتجسد، يشرب الضوء بدلاً من أن يعكسه.
استيقظت ببطء، أشعر بثقل في أطرافي وكأنني كنت غارقًا في مستنقع أحلام لزج. فتحت عيني ببطء، الضوء المتسلل من النافذة لم يكن مألوفًا، فقد كان أكثر حدة، أكثر دفئًا، وأكثر… غربة. رمشت عدة مرات، حتى تلاشت الرؤية الضبابية، ثم رفعت يدي في الهواء متكاسلًا، أراقب ارتجاف أصابعي تحت وهج الشمس.
أخذتُ نظرة واحدة فقط، لكنها كانت كافية لتقييم موقفي.
استيقظت ببطء، أشعر بثقل في أطرافي وكأنني كنت غارقًا في مستنقع أحلام لزج. فتحت عيني ببطء، الضوء المتسلل من النافذة لم يكن مألوفًا، فقد كان أكثر حدة، أكثر دفئًا، وأكثر… غربة. رمشت عدة مرات، حتى تلاشت الرؤية الضبابية، ثم رفعت يدي في الهواء متكاسلًا، أراقب ارتجاف أصابعي تحت وهج الشمس.
“آسف، ملكي… لم نجد حتى الآن أي عنصر من تلك القائمة.”
المسدس؟ ليس مثاليًا.
غسلت وجهي عدة مرات، أراقب القطرات تتساقط ببطء، تعكس نور الشموس الغريبة. استنشقت بعمق، محاولًا تبديد الثقل الذي كان يجثم على صدري. ثم نظرت في المرآة.
ليس واحدة، بل أربعة. أربعة شموس تتقاطع في السماء، تذيب الظلام وتفرض سطوتها على هذا العالم الغريب. كان هذا المشهد يطاردني كل صباح، يخبرني أنني ما زلت هنا، بعيدًا عن عالمي، بعيدًا عن كل شيء كان مألوفًا.
من النظرة الأولى، كان واضحًا أنه ليس من النماذج المتقدمة. متين، لكنه ليس تحفة هندسية. فعال، لكنه لا يمنح الثقة الكاملة.
لكنني لم أكن في وضع يسمح لي بالاختيار.
ساعدني في كتابة طلب إجازة، ولا أعرف ماذا كتب فيه بالضبط، لكنه نجح. كنت أعلم أن الغياب المفاجئ قد يثير تساؤلات، لكني لم أتصور أن مجرد اختفائي قد يدفعهم إلى التحقيق في الأمر.
رفعت يدي ببطء، ودلّكت جبهتي بهدوء.
بحسب كلام هارونلد، فإن الحصول على الأسلحة النارية في هذا المكان لم يكن أمرًا سهلًا على الإطلاق. البيروقراطية، القيود، السوق السوداء المتقلبة، والتجار المترددون جميعهم يشكلون عقبات لا نهاية لها.
ألقيت عليها تحية مقتضبة، فردت بإيماءة بالكاد لاحظتها، ثم واصلت طريقي إلى الخارج.
بدأت الركض…
ببساطة، حتى لو كنت تملك المال، فأنت لا تشتري السلاح، بل تشتري الطريق للوصول إليه.
وهذا النموذج أمامي؟
“كيف يسير جمع تلك المكونات؟”
ربما كان نتيجة طريق طويل مليء بالعقبات، لكنه لم يكن أكثر من خطوة أولى فقط.
ثم… جاء الصوت.
رفعتُ نظري عن الحقيبة، لألتقي بعيني هارونلد مباشرة، نظرة جامدة، خالية من أي انفعال.
بل بعد أن قطع بضع خطوات نحوي، ركع مجددًا.
ثم سألت، بصوت ثابت:
ثم تكلم، بصوت ارتجفت فيه نغمة خفيفة رغم محاولته إخفاءها:
“كيف يسير جمع تلك المكونات؟”
توقف فجأة، تجمّد في مكانه، كأنما يد خفية أمسكت به.
غسلت وجهي عدة مرات، أراقب القطرات تتساقط ببطء، تعكس نور الشموس الغريبة. استنشقت بعمق، محاولًا تبديد الثقل الذي كان يجثم على صدري. ثم نظرت في المرآة.
في اللحظة التي لفظت فيها تلك الكلمات، ارتجف هارونلد بعنف.
إنه لم يخفِ الأمر جيدًا—جسده اهتز للحظة، كأنما أطلقتُ عليه رصاصة غير مرئية، وعيناه تجنبتا نظرتي فورًا.
بدأت الركض…
إنه يعلم أنني لا أسأل هذا السؤال من باب الفضول.
ثم، بعد لحظة من التردد، نطق أخيرًا، بصوت خافت مليء بالتوتر:
“آسف، ملكي… لم نجد حتى الآن أي عنصر من تلك القائمة.”
لم يكن هذا غير متوقع، ومع ذلك… أزعجني.
أخذتُ نظرة واحدة فقط، لكنها كانت كافية لتقييم موقفي.
رفعت يدي ببطء، ودلّكت جبهتي بهدوء.
ثم سألت، بصوت ثابت:
أخذتُ نفسًا عميقًا، ليس غضبًا، بل إحباطًا بارداً.
“فقط من أين سأحصل على تلك الأشياء؟”
تأملته لثانية، ثم زفرت، بصوت خفيف يحمل ضيقًا كامنًا.
بمجرد أن فتحت الباب، استقبلني الهواء البارد بحدة مفاجئة.
لم يكن لدي وقت لأضيعه، لكن الصراخ على هارونلد الآن لن يفيد.
بعد ثوانٍ من الصمت، لوّحت له بيدي، دلالةً على انتهاء الاجتماع.
“يمكنك المغادرة. عد بعد ثلاثة أسابيع، لا أحتاجك قبل ذلك.”
ثم تكلم، بصوت ارتجفت فيه نغمة خفيفة رغم محاولته إخفاءها:
لم يتردد.
في اللحظة التي لفظت فيها تلك الكلمات، ارتجف هارونلد بعنف.
“حاضر، ملكي.”
من النظرة الأولى، كان واضحًا أنه ليس من النماذج المتقدمة. متين، لكنه ليس تحفة هندسية. فعال، لكنه لا يمنح الثقة الكاملة.
بصعوبة، رفع جسده الضخم، ثم وضع الحقيبة فوق الطاولة المستديرة أمامي، وكأنها شيء مقدس. بعد ذلك، أخرج كيسًا صغيرًا مربوطًا من جيبه، ووضعه برفق بجانب الحقيبة.
سخيف.
كنت أعلم ما بداخله دون الحاجة إلى فتحه—قطع ذهبية، أتعابه المعتادة.
لم يتردد.
لكن اليوم… اليوم، سيتغير كل شيء.
ثم، بدأ بالانسحاب. ببطء.
بصعوبة، رفع جسده الضخم، ثم وضع الحقيبة فوق الطاولة المستديرة أمامي، وكأنها شيء مقدس. بعد ذلك، أخرج كيسًا صغيرًا مربوطًا من جيبه، ووضعه برفق بجانب الحقيبة.
ساعدني في كتابة طلب إجازة، ولا أعرف ماذا كتب فيه بالضبط، لكنه نجح. كنت أعلم أن الغياب المفاجئ قد يثير تساؤلات، لكني لم أتصور أن مجرد اختفائي قد يدفعهم إلى التحقيق في الأمر.
حركاته ثقيلة، خطواته مدروسة، كأنه يخشى أن يثير أي ضوضاء غير ضرورية.
“حاضر، ملكي.”
كان على وشك الخروج…
لكنني لم أستطع تركه يذهب دون طرح هذا السؤال.
بل بعد أن قطع بضع خطوات نحوي، ركع مجددًا.
ثم… ببطء، استدار نحوي، وعيناه مليئتان بالقلق.
“هارونلد.”
ثم سألت، بصوت ثابت:
صوتي كان حادًا كالسيف.
لكنني لم أكن في وضع يسمح لي بالاختيار.
توقف فجأة، تجمّد في مكانه، كأنما يد خفية أمسكت به.
إنه هنا.
إنه هنا.
ثم… ببطء، استدار نحوي، وعيناه مليئتان بالقلق.
نفس الطريقة.
“كم وزنك؟”
أغمضت عيني للحظة، ثم تنهدت.
في اللحظة التي نطقت فيها تلك الجملة، اهتز جسده بالكامل.
بل بعد أن قطع بضع خطوات نحوي، ركع مجددًا.
إنه يعلم أنني لا أسأل هذا السؤال من باب الفضول.
“النزيل رقم 45، تنتهي فترتك هنا غدًا، إما الدفع أو حمل أمتعتك والمغادرة صباحًا.”
بل كتهديد.
كان على وشك الخروج…
بعد لحظة من التردد، بلع ريقه، ثم أجاب بصوت خافت:
“ملكي… أزن 213 كيلوغرامًا.”
تبا.
لكنني لم أستطع تركه يذهب دون طرح هذا السؤال.
لم يكن لدي وقت لأضيعه، لكن الصراخ على هارونلد الآن لن يفيد.
إنه خنزرفيل حقيقي.
الدرج الخشبي كان صريره مزعجًا، كأنه يشتكي من كل خطوة أخطوها عليه.
أخذتُ نظرة واحدة فقط، لكنها كانت كافية لتقييم موقفي.
أغمضت عيني للحظة، ثم تنهدت.
بصعوبة، رفع جسده الضخم، ثم وضع الحقيبة فوق الطاولة المستديرة أمامي، وكأنها شيء مقدس. بعد ذلك، أخرج كيسًا صغيرًا مربوطًا من جيبه، ووضعه برفق بجانب الحقيبة.
ثم، بصوت منخفض، لكن ثقيل بالمعنى:
“إذا لم تنقص 50 كيلوغرامًا بحلول لقائنا القادم، فسأتأكد من قطع ذلك الوزن الزائد… بنفسي.”
“ملكي… أزن 213 كيلوغرامًا.”
في اللحظة التي سمع فيها كلماتي، ارتطم رأسه بالأرض بقوة.
حقيبة متينة، ثقيلة، مشدودة الأطراف كأنها تحمل داخلها سراً خطيراً، أو شيئًا لا ينبغي لأحد أن يراه.
“حاضر، سيدي!”
ارتجاف جسده لم يتوقف حتى غادر الغرفة.
في اللحظة التي لفظت فيها تلك الكلمات، ارتجف هارونلد بعنف.
