استيقظت ببطء، أشعر بثقل في أطرافي وكأنني كنت غارقًا في مستنقع أحلام لزج. فتحت عيني ببطء، الضوء المتسلل من النافذة لم يكن مألوفًا، فقد كان أكثر حدة، أكثر دفئًا، وأكثر… غربة. رمشت عدة مرات، حتى تلاشت الرؤية الضبابية، ثم رفعت يدي في الهواء متكاسلًا، أراقب ارتجاف أصابعي تحت وهج الشمس.
الشمس؟
ليس واحدة، بل أربعة. أربعة شموس تتقاطع في السماء، تذيب الظلام وتفرض سطوتها على هذا العالم الغريب. كان هذا المشهد يطاردني كل صباح، يخبرني أنني ما زلت هنا، بعيدًا عن عالمي، بعيدًا عن كل شيء كان مألوفًا.
تأففت بضيق، ثم نهضت من السرير بتثاقل. شعرت بجسدي يشتكي مع كل حركة، كما لو أن عظامي قد صدأت من قلة الراحة. مررت يدي في شعري الفوضوي، ثم اتجهت نحو المغسلة.
الماء البارد كان صفعة قاسية، لكنه أيقظني كما يجب.
غسلت وجهي عدة مرات، أراقب القطرات تتساقط ببطء، تعكس نور الشموس الغريبة. استنشقت بعمق، محاولًا تبديد الثقل الذي كان يجثم على صدري. ثم نظرت في المرآة.
عيناي كانتا مرهقتين، لكن خلف التعب كان هناك شيء آخر… شيء لا أريد الاعتراف به.
تركت المغسلة خلفي، واتجهت إلى الخزانة الصغيرة بجانب السرير. سحبت منها قميصًا خفيفًا وسروالًا داكنًا، وارتديتهما بلا اهتمام. أمسكت بمفاتيح الغرفة، قلبتها بين أصابعي للحظات، ثم أغلقت الباب خلفي بإحكام.
الدرج الخشبي كان صريره مزعجًا، كأنه يشتكي من كل خطوة أخطوها عليه.
في منتصف الطريق، لمحت العجوز المسؤولة عن التنظيف. كانت امرأة هزيلة، ظهرها محني كأنها تحمل أوزار هذا المكان، وعيناها شبه مطفأتين، لا تعكسان أي اهتمام بالعالم من حولها. كانت تمسح الأرضية بحركات بطيئة، كأنها عالقة في دورة لا تنتهي.
ألقيت عليها تحية مقتضبة، فردت بإيماءة بالكاد لاحظتها، ثم واصلت طريقي إلى الخارج.
بمجرد أن فتحت الباب، استقبلني الهواء البارد بحدة مفاجئة.
ارتجفت للحظة، ثم أغمضت عيني، وأخذت نفسًا عميقًا. الهواء هنا كان مختلفًا… أكثر نقاءً، لكنه يحمل في طياته شيئًا غريبًا، كأنني أستنشق بقايا عالم لم يعد موجودًا.
بدأت الركض…
كانت هذه عادتي الصباحية الوحيدة التي حافظت عليها منذ مغادرتي الجامعة. شعرت بعضلاتي تتمدد مع كل خطوة، قلبي ينبض بإيقاع ثابت، أنفاسي تتصاعد في الهواء البارد كأشباح تتلاشى.
مرّ أسبوع كامل منذ أن تركت الجامعة وراء ظهري…
هارونلد كان السبب الوحيد لكوني ما زلت خارج أسوارها دون مشاكل.
ساعدني في كتابة طلب إجازة، ولا أعرف ماذا كتب فيه بالضبط، لكنه نجح. كنت أعلم أن الغياب المفاجئ قد يثير تساؤلات، لكني لم أتصور أن مجرد اختفائي قد يدفعهم إلى التحقيق في الأمر.
أمامي شهر واحد فقط قبل أن أكون ملزمًا بالعودة…
توقفت أخيرًا أمام النزل، أنفاسي متلاحقة، قطرات العرق تتسلل على جبهتي رغم البرودة. وقفت للحظة، راقبته من الخارج، ذلك المبنى القديم الذي بدا وكأنه متشبث بالحياة رغم مرور الزمن.
دخلت عبر المدخل الضيق، مررت بغرفة الاستقبال حيث يجلس صاحب النزل العجوز، رجل ضخم الجثة، بملامح قاسية وشارب كثيف يغطي جزءًا كبيرًا من وجهه. كان جالسًا على كرسيه الخشبي المعتاد، عاقدًا ذراعيه، وعيناه الصغيرتان تراقبان الداخلين والخارجين ببرود مريب، وكأنه صياد ينتظر الفريسة المناسبة.
لم أعره اهتمامًا، كنت على وشك التوجه مباشرة إلى الدرج عندما ناداني بصوته الأجش:
“النزيل رقم 45، تنتهي فترتك هنا غدًا، إما الدفع أو حمل أمتعتك والمغادرة صباحًا.”
شعرت برغبة مفاجئة في لكمه.
توقفت للحظة، نظرت إليه ببرود، لم أكلف نفسي عناء الرد. كنت أعلم أنه يحاول الضغط عليّ، لكنه كان مجرد طفيلي آخر في هذا العالم.
واصلت طريقي نحو الدرج، خطواتي كانت ثقيلة لكن ثابتة.
لم يكن هناك داعٍ للكلام.
دخلت غرفتي، أغلقت الباب خلفي، وأطلقت زفرة طويلة. كان الاستحمام أول ما خطر ببالي، الماء البارد سيكون أفضل طريقة لإنعاش جسدي وإزالة أي أفكار غير مرغوب فيها.
ثم، بعد ذلك، لن يكون أمامي سوى الانتظار…
لم يكن مجرد شعور عابر، بل حقيقة مؤكدة: لقد أصبحت كسولًا.
أسبوعٌ كامل مرّ بنفس الإيقاع الرتيب—الاستيقاظ، الجري، الاستحمام، نزهة قصيرة، ثم العودة إلى هذا النزل البارد الذي لم يكن يحمل أي شيء يثير الحماس. يومٌ يعيد نفسه بلا هوادة، وكأنني عالقٌ داخل دوامة فارغة، تبتلع وقتي وعقلي على حد سواء، بينما يذبل شيءٌ داخلي مع كل لحظة تمر دون معنى.
لكن اليوم… اليوم، سيتغير كل شيء.
اليوم ليس يومًا آخر من التكرار الأجوف. اليوم، سأخرج أخيرًا من قوقعتي، وسأبدأ رحلتي الميدانية للتحقيق في تلك الأمور الغامضة—تلك الأشياء التي لا تزال تتوارى في الظلال، تهمس بأسرارها المريبة، وتنتظر من يجرؤ على كشف حقيقتها.
أغمضت عيني للحظة، استنشقت الهواء العابق برائحة الخشب المعتّق المنتشرة في الغرفة الصغيرة، ملأت رئتي بهدوء، ثم زفرت ببطء، كأنني أُسقط عن كاهلي طبقات من الجمود.
كنت مستعدًا… أو على الأقل، أقنعت نفسي بذلك.
ثم… جاء الصوت.
“طَرق.”
ثم مرة أخرى.
توقفت للحظة، أرهفت السمع.
انتظار… ثم طرقتان سريعتان.
هذا هو.
إنه هنا.
دون استعجال، عدّلت جلستي على الكرسي، ظهري مستقيم، يداي متشابكتان، عيني باردة، كأنني انتقلت فجأة إلى حالة مختلفة.
ثم نطقت، بصوت خالٍ من أي انفعال:
“ادخل.”
الباب انفتح ببطء.
أول ما دخل هو ظله.
ثم تبعه جسده الضخم.
هارونلد.
ظل كما هو—ضخم الجسد، ممتلئ بشكل يجعله يبدو كأنه قطعة صلبة من اللحم المضغوط، يتحرك ببطء وكأنه محاصر داخل جسد لا يتناسب مع سرعته العقلية.
لكنه كان متوتراً.
يمكن لأي أحمق أن يرى ذلك.
عيناه الصغيرتان لم تهدأا، كانتا تمسحان الغرفة بسرعة، كأنهما تبحثان عن تهديد غير مرئي، عن شيء قد يقفز من العدم وينهي حياته في لحظة.
بين يديه، كان يحمل حقيبة جلدية سوداء.
حقيبة متينة، ثقيلة، مشدودة الأطراف كأنها تحمل داخلها سراً خطيراً، أو شيئًا لا ينبغي لأحد أن يراه.
لا بد أن ما طلبته في الداخل.
أغلق الباب بحذر مبالغ فيه، كأنه يخشى أن يصدر صوتًا أكثر مما ينبغي، ثم… ركع.
ركع على ركبته اليمنى، واضعًا الحقيبة أمامه، ورأسه مائل قليلًا كأنما يخشى النظر في وجهي.
ثم تكلم، بصوت ارتجفت فيه نغمة خفيفة رغم محاولته إخفاءها:
“يحيي الملك.”
سخيف.
أشرت له بإيماءة صغيرة كي ينهض.
نهض ببطء… لكنه، بطريقة أغبى مما توقعت، لم يكتفِ بالوقوف.
بل بعد أن قطع بضع خطوات نحوي، ركع مجددًا.
نفس الطريقة.
نفس الوضعية.
كأنه يتبع طقسًا مقدسًا لا أفهمه.
حمل الحقيبة بين يديه كما لو كانت كنزًا مقدسًا، أو ربما كفنه الشخصي.
هل هو غبي لهذه الدرجة؟
لماذا يقف… ثم ينزل مجددًا؟
تأملته لثانية، ثم زفرت، بصوت خفيف يحمل ضيقًا كامنًا.
ثم، ببرود كالمعتاد، قلت:
“افتح الحقيبة.”
عندما فُتحت الحقيبة، انعكست إضاءة الغرفة الخافتة على سطحٍ معدني بارد، كاشفًا عن محتوياتها—إطار معدني لامع لمسدس متوسط الحجم، صفٌ منتظمٌ من الطلقات المرتبة بدقة، وفي الجانب الآخر، خنجر أسود حاد، بدا لوهلة كأنه قطعة من الظلام المتجسد، يشرب الضوء بدلاً من أن يعكسه.
أخذتُ نظرة واحدة فقط، لكنها كانت كافية لتقييم موقفي.
المسدس؟ ليس مثاليًا.
من النظرة الأولى، كان واضحًا أنه ليس من النماذج المتقدمة. متين، لكنه ليس تحفة هندسية. فعال، لكنه لا يمنح الثقة الكاملة.
لكنني لم أكن في وضع يسمح لي بالاختيار.
بحسب كلام هارونلد، فإن الحصول على الأسلحة النارية في هذا المكان لم يكن أمرًا سهلًا على الإطلاق. البيروقراطية، القيود، السوق السوداء المتقلبة، والتجار المترددون جميعهم يشكلون عقبات لا نهاية لها.
ببساطة، حتى لو كنت تملك المال، فأنت لا تشتري السلاح، بل تشتري الطريق للوصول إليه.
وهذا النموذج أمامي؟
ربما كان نتيجة طريق طويل مليء بالعقبات، لكنه لم يكن أكثر من خطوة أولى فقط.
رفعتُ نظري عن الحقيبة، لألتقي بعيني هارونلد مباشرة، نظرة جامدة، خالية من أي انفعال.
ثم سألت، بصوت ثابت:
“كيف يسير جمع تلك المكونات؟”
في اللحظة التي لفظت فيها تلك الكلمات، ارتجف هارونلد بعنف.
إنه لم يخفِ الأمر جيدًا—جسده اهتز للحظة، كأنما أطلقتُ عليه رصاصة غير مرئية، وعيناه تجنبتا نظرتي فورًا.
ثم، بعد لحظة من التردد، نطق أخيرًا، بصوت خافت مليء بالتوتر:
“آسف، ملكي… لم نجد حتى الآن أي عنصر من تلك القائمة.”
لم يكن هذا غير متوقع، ومع ذلك… أزعجني.
رفعت يدي ببطء، ودلّكت جبهتي بهدوء.
أخذتُ نفسًا عميقًا، ليس غضبًا، بل إحباطًا بارداً.
“فقط من أين سأحصل على تلك الأشياء؟”
لم يكن لدي وقت لأضيعه، لكن الصراخ على هارونلد الآن لن يفيد.
بعد ثوانٍ من الصمت، لوّحت له بيدي، دلالةً على انتهاء الاجتماع.
“يمكنك المغادرة. عد بعد ثلاثة أسابيع، لا أحتاجك قبل ذلك.”
لم يتردد.
“حاضر، ملكي.”
بصعوبة، رفع جسده الضخم، ثم وضع الحقيبة فوق الطاولة المستديرة أمامي، وكأنها شيء مقدس. بعد ذلك، أخرج كيسًا صغيرًا مربوطًا من جيبه، ووضعه برفق بجانب الحقيبة.
كنت أعلم ما بداخله دون الحاجة إلى فتحه—قطع ذهبية، أتعابه المعتادة.
ثم، بدأ بالانسحاب. ببطء.
حركاته ثقيلة، خطواته مدروسة، كأنه يخشى أن يثير أي ضوضاء غير ضرورية.
كان على وشك الخروج…
لكنني لم أستطع تركه يذهب دون طرح هذا السؤال.
“هارونلد.”
صوتي كان حادًا كالسيف.
توقف فجأة، تجمّد في مكانه، كأنما يد خفية أمسكت به.
ثم… ببطء، استدار نحوي، وعيناه مليئتان بالقلق.
“كم وزنك؟”
في اللحظة التي نطقت فيها تلك الجملة، اهتز جسده بالكامل.
إنه يعلم أنني لا أسأل هذا السؤال من باب الفضول.
بل كتهديد.
بعد لحظة من التردد، بلع ريقه، ثم أجاب بصوت خافت:
“ملكي… أزن 213 كيلوغرامًا.”
تبا.
إنه خنزرفيل حقيقي.
أغمضت عيني للحظة، ثم تنهدت.
ثم، بصوت منخفض، لكن ثقيل بالمعنى:
“إذا لم تنقص 50 كيلوغرامًا بحلول لقائنا القادم، فسأتأكد من قطع ذلك الوزن الزائد… بنفسي.”
في اللحظة التي سمع فيها كلماتي، ارتطم رأسه بالأرض بقوة.
“حاضر، سيدي!”
ارتجاف جسده لم يتوقف حتى غادر الغرفة.
