أمر الإلتحاق
نفضت الغبار عن بدلتي السوداء ببطء، متجاهلًا الرائحة العتيقة التي تملأ المكان، ثم رفعت نظري إلى الأمام…
كأن حبلاً كان يشدّ ملامحي بقوة منذ بداية هذه المقابلة، والآن، انفلت بغتة. عضلات وجهي لم تعد ملكي، مشدودة في ارتعاشة غريبة، وكأنها تحررت من إرادتي. شفتاي تباعدتا، وجنتاي تشنجتا، وحلقي أطلق صوتًا لم أكن أريده.
وسط الليل، داخل الظلام، خارج الواقع، مع الجنون، أحمل نوري وأتوجه لك من أجل نقائي.”
الغرفة كانت فارغة، لكنها لم تكن خالية. الفراغ هنا لم يكن مجرد غياب للأشياء، بل كان له ثقل، كأنه ضغط خفي يتسلل إلى عظامي، يتشبث بجدران الحلق، ويجعل الهواء أثقل مما ينبغي. الجدران العارية، المكسوة بطبقات من الرطوبة والعفن، بدت وكأنها تراقب بصمت، تصغي إلى كل خطوة، كل نفس. كان السكون هنا مختلفًا، ليس ذلك الهدوء المريح، بل الصمت المعلّق بين الأنفاس، كأنما الغرفة نفسها تنتظر.
يد بشرية سوداء، لكنها ليست طبيعية. المخالب التي تنبت من أطراف أصابعها طويلة، ملتوية، ولونها قرمزي داكن، كأنها مغموسة في دم قديم جف منذ قرون. في قبضة هذه اليد، كانت هناك مقلة عين أرجوانية، مشدودة كأنها كنز مقدس. لم يكن مجرد شعار، بل رمز مشحون بطاقة خفية. للحظة، شعرت أن العين تنظر إليّ، ليس بعيني، بل بما هو أعمق—بروحي، بعقلي، بكياني ذاته.
وكان هو جالسًا هناك.
الباحثون عن الظلام، الساعون إلى تحرير… شيء. شيء لا أفهمه، ولا أظن أنني أريد أن أفهمه.
منتصف الغرفة، على أريكة فقدت منذ زمن لونها الأصلي، قماشها البالي مهترئ عند الحواف، مليء بتجاعيد الزمن وكأن أحدًا لم يجلس عليه منذ عقود… ومع ذلك، فقد كان يجلس هناك.
لكن في المستويات الأعلى…
يسّرنا انضمامك لنا، سيد زيرو… كانت كلماته تلتف حولي، مملوءة بتلك البرودة التي لا أستطيع تحديد مصدرها.
لكن لم يكن لديه وجه.
ولكن لا يهم. عليّ أن أعرف المزيد.
كان الفراغ نفسه هو ملامحه.
ضحكة مجنونة، متفجرة، مباغتة، كأنها انبثقت من أعمق زوايا عقلي، حيث يسكن شيء لم أكن أرغب في مواجهته.
حيث يجب أن تكون العيون، الأنف، الفم… لم يكن هناك شيء، مجرد سطح أملس، كأنما صُنع من الطين ثم تم تسويته بعناية، محو دقيق لكل ما قد يشير إلى هوية أو إنسانية. كان هذا المشهد خطأً في حد ذاته، تناقضًا بين هيئة بشرية وغياب أساسي لشيء يجعلها بشرية.
“ستجد التفاصيل هناك، وكذلك كيفية التواصل معنا بعد الانتهاء.”
الكلمات نُقشت بحبر داكن، عميق، كأنها لم تُكتب بل نُحتت نحتًا في الورقة. خط اليد كان أنيقًا، لكنه حمل في طياته شيئًا كريهًا… شيئًا لم أستطع وصفه، لكنه جعل أناملي تبرد رغم حرارة الشمس في الخارج.
لم يكن هذا شخصًا. كان أحدهم.
أحد أتباع النور الفاسد.
“رائع. لم تتأخر.”
الباحثون عن الظلام، الساعون إلى تحرير… شيء. شيء لا أفهمه، ولا أظن أنني أريد أن أفهمه.
حتى هارونلد، رغم معرفته الواسعة، لم يستطع أن يشرح لي تمامًا ما يسعون إليه. تحدث عنهم بحذر، بعقلانية، لكن في عينيه كانت هناك نبرة لم يعتد إظهارها: الخوف.
“تجاهل الوقت المحدد أو عدم اتباع التعليمات يؤدي إلى عواقب شديدة.”
أغلب هؤلاء الأتباع يغطون وجوههم بأغطية سوداء ضيقة، تلتصق بجلودهم حتى تبدو وكأنها جزء منهم، كأنها نُسجت مباشرة على رؤوسهم، تلتف حولهم كشرنقة لا يمكن نزعها. البعض يقول إنها مجرد أغطية، والبعض الآخر يهمس بأنها شيء آخر…
جلد؟ لعنة؟ تحوّل؟
أغلب هؤلاء الأتباع يغطون وجوههم بأغطية سوداء ضيقة، تلتصق بجلودهم حتى تبدو وكأنها جزء منهم، كأنها نُسجت مباشرة على رؤوسهم، تلتف حولهم كشرنقة لا يمكن نزعها. البعض يقول إنها مجرد أغطية، والبعض الآخر يهمس بأنها شيء آخر…
لكن في المستويات الأعلى…
الغرفة كانت فارغة، لكنها لم تكن خالية. الفراغ هنا لم يكن مجرد غياب للأشياء، بل كان له ثقل، كأنه ضغط خفي يتسلل إلى عظامي، يتشبث بجدران الحلق، ويجعل الهواء أثقل مما ينبغي. الجدران العارية، المكسوة بطبقات من الرطوبة والعفن، بدت وكأنها تراقب بصمت، تصغي إلى كل خطوة، كل نفس. كان السكون هنا مختلفًا، ليس ذلك الهدوء المريح، بل الصمت المعلّق بين الأنفاس، كأنما الغرفة نفسها تنتظر.
لم يعودوا بحاجة إلى أي غطاء.
“ستجد التفاصيل هناك، وكذلك كيفية التواصل معنا بعد الانتهاء.”
لم تكن هناك أقنعة، ولا أغطية، ولا حتى آثار لمحاولة إخفاء شيء. كان وجوههم مجرد غياب، كأنهم تطوروا إلى شيء لم يعد بحاجة إلى الملامح. لم أكن أعلم إن كان ذلك قوتهم… أم لعنتهم.
صوت بلا ملامح، بلا هوية، بلا طابع ذكوري أو أنثوي. صوت كأنه يتحدث من وراء حاجز، من بُعد آخر، صوت ليس مصنوعًا من الكلمات بقدر ما هو موجات تتسلل مباشرة إلى عقلي.
تقدمت خطوة، أراقبه دون أن أنطق بكلمة، متأملًا ذلك الفراغ المرسوم على ملامحه التي لم تكن موجودة.
أمسك بالظرف الذي قدمه لي، كان مغلفًا بإحكام، ذا لون بني قاتم يثير القلق بمجرد النظر إليه. كانت أطرافه متآكلة قليلاً، كما لو أن الزمن قد ترك عليه بصماته. ليس مجرد ظرف، بل كان رسالة من عالم آخر.
كنت هنا لأجد إجابة… أو لأطمس هذا الكيان من الوجود، كما طُمست ملامحه من قبل.
كلما اقترب، شعرت بذلك الضغط غير المرئي يتسلل إلى أعماقي. كان وكأن كل خطوة يخطوها تقلب شيئًا في داخلي، وكأن الهواء نفسه يثقل بوجوده، يعمق الظلال حولنا. وفي لحظة واحدة، أصبح بيننا فاصلة هائلة، لكنها كانت في الوقت نفسه ضيقة لدرجة أنني شعرت بكل نظرةٍ وكل حركة.
حرك رأسه نحوي ببطء، كما لو كان يحاول الشعور بوجودي بدلاً من رؤيتي.
لكنني كنت أعلم شيئًا واحدًا، وهو أن هذا الظرف ليس مجرد رسالة. هو اختبار، ولابد لي من الخوض فيه إن أردت الوصول لما وراء هذه الأبواب المغلقة.
تلك الحركة لم تكن طبيعية. لم تكن بشرية. كان الأمر أشبه بجسد يستجيب لإشارة غير مرئية، كأن رأسه انزلق دون أن تحركه عضلات، دون أن يكون هناك أي إرادة خلفه.
لا شيء.
استعدت توازني بعد ثوانٍ، رفعت نظري إليه مجددًا…
ثم جاء الصوت.
وكان هو جالسًا هناك.
صوت بلا ملامح، بلا هوية، بلا طابع ذكوري أو أنثوي. صوت كأنه يتحدث من وراء حاجز، من بُعد آخر، صوت ليس مصنوعًا من الكلمات بقدر ما هو موجات تتسلل مباشرة إلى عقلي.
أومأت برأسي بهدوء، متجنّبًا الرد بصوت عالٍ. لكن فجأة…
“أوه… أنت السيد زيرو، صحيح؟”
كان ملمسه غريبًا، وكأنه ليس ورقًا عاديًا، بل شيء أكثر صلابة، أكثر قدمًا. خشونة سطحه ذكرتني بجلد قديم جُفف في العراء. كنت أشعر بثقل غير مرئي داخله، كما لو أنه لا يحمل مجرد رسالة، بل مسؤولية، أو لعنة.
تردد صدى كلماته في الغرفة بطريقة غير طبيعية، كما لو أن الجدران امتصتها للحظة قبل أن تطلقها مجددًا.
أومأت برأسي بهدوء، متجنّبًا الرد بصوت عالٍ. لكن فجأة…
لا أحد.
حدث ذلك.
توقفت للحظة، أحدق في السطور.
كأن حبلاً كان يشدّ ملامحي بقوة منذ بداية هذه المقابلة، والآن، انفلت بغتة. عضلات وجهي لم تعد ملكي، مشدودة في ارتعاشة غريبة، وكأنها تحررت من إرادتي. شفتاي تباعدتا، وجنتاي تشنجتا، وحلقي أطلق صوتًا لم أكن أريده.
لكن الملاحظة الأخيرة أسفل الورقة هي ما جعل أنفاسي تتباطأ للحظة.
لم تكن جملة، بل كان حكمًا.
ضحكة.
في داخلي، كنت أعرف الإجابة بالفعل.
“في حديقة عامة، باستخدام لوح طباشيري ذي لون أحمر، ارسم دائرة في المنتصف، ثم شكلًا مرعبًا داخل معين لا يتجاوز 4 أمتار.”
ضحكة مجنونة، متفجرة، مباغتة، كأنها انبثقت من أعمق زوايا عقلي، حيث يسكن شيء لم أكن أرغب في مواجهته.
ضحكتُ.
منتصف الغرفة، على أريكة فقدت منذ زمن لونها الأصلي، قماشها البالي مهترئ عند الحواف، مليء بتجاعيد الزمن وكأن أحدًا لم يجلس عليه منذ عقود… ومع ذلك، فقد كان يجلس هناك.
ضحكتُ.
لكن الملاحظة الأخيرة أسفل الورقة هي ما جعل أنفاسي تتباطأ للحظة.
توقفت مجددًا، أحدق في الجملة.
ضحكتُ كما لو أن شيئًا ما داخلي كُسر.
ضحكتُ كما لو أنني أصبحت آلة للجنون للحظة واحدة.
“أمر الالتحاق”
ثم…
حسنًا، هذا منطقي حتى الآن. لكن الجزء الأخير هو ما جعل قلبي ينبض بإيقاع مختلف.
أجبرت نفسي على التوقف.
كان هذا نوعًا من الطقوس، وليس مجرد اختبار انضمام. من يطلب مثل هذه التفاصيل الدقيقة؟ ومن يملك هذا النوع من السلطة ليجعل الناس ينفذونها دون طرح أسئلة؟
كان هو قد اختفى… أو بالأحرى، لم يكن موجودًا هنا أصلاً.
حبست أنفاسي، أغمضت عيني، وشددت قبضتي، كأنني أضغط على كيان غير مرئي داخلي، أعيده إلى القفص الذي خرج منه.
“رائع. لم تتأخر.”
كان لا يزال في مكانه، لم يتحرك حتى شبرًا واحدًا، فقط قال كلمة واحدة، بصوته الغريب ذاك:
استعدت توازني بعد ثوانٍ، رفعت نظري إليه مجددًا…
صوت بلا ملامح، بلا هوية، بلا طابع ذكوري أو أنثوي. صوت كأنه يتحدث من وراء حاجز، من بُعد آخر، صوت ليس مصنوعًا من الكلمات بقدر ما هو موجات تتسلل مباشرة إلى عقلي.
بمجرد أن فردتها، وقعت عيناي على الشعار الذي يزين أعلاها.
كان لا يزال في مكانه، لم يتحرك حتى شبرًا واحدًا، فقط قال كلمة واحدة، بصوته الغريب ذاك:
ضحكتُ كما لو أنني أصبحت آلة للجنون للحظة واحدة.
“رائع. لم تتأخر.”
لكنني كنت أعلم شيئًا واحدًا، وهو أن هذا الظرف ليس مجرد رسالة. هو اختبار، ولابد لي من الخوض فيه إن أردت الوصول لما وراء هذه الأبواب المغلقة.
تقدمت خطوة، أراقبه دون أن أنطق بكلمة، متأملًا ذلك الفراغ المرسوم على ملامحه التي لم تكن موجودة.
لم تكن جملة، بل كان حكمًا.
ثم، وكأنه لم يكن سوى ظل بلا وزن، وقف من مقعده بحركة انسيابية، وكأن الهواء نفسه حمله للأعلى.
تقدم نحوي.
خطواته لم تكن تصدر صوتًا، كأنه لم يكن يطأ الأرض، بل كان ينزلق فوقها.
كلما اقترب، شعرت بذلك الضغط غير المرئي يتسلل إلى أعماقي. كان وكأن كل خطوة يخطوها تقلب شيئًا في داخلي، وكأن الهواء نفسه يثقل بوجوده، يعمق الظلال حولنا. وفي لحظة واحدة، أصبح بيننا فاصلة هائلة، لكنها كانت في الوقت نفسه ضيقة لدرجة أنني شعرت بكل نظرةٍ وكل حركة.
تردد صدى كلماته في الغرفة بطريقة غير طبيعية، كما لو أن الجدران امتصتها للحظة قبل أن تطلقها مجددًا.
يسّرنا انضمامك لنا، سيد زيرو… كانت كلماته تلتف حولي، مملوءة بتلك البرودة التي لا أستطيع تحديد مصدرها.
لم تكن جملة، بل كان حكمًا.
كان يحرك شفتيه ببطء، وكأن الوقت نفسه يسير حسب وتيرته، بينما يلتقط الهواء من حولنا. أنا الذي كنت محاطًا بالغموض، ها أنا الآن أمام شخص، أو شيء، يزداد بُعده أكثر كلما اقترب.
بعد منتصف الليل، ليوم الإثنين…
لكن كما تعرف، تابع وهو يمد يده بهدوء، “عليك اجتياز اختبارك الأول.”
لم يكن لدي الوقت لأسأل عن المزيد، فقد تم إغلاق الفجوة بيننا تمامًا. بلحظة واحدة، أحسست بشيء غير عادي يحدث، وكأن الزمن توقف. كانت يدي تتلمس حافة الظرف، ثم رفعتها نحو وجهي، أريد أن أقرأ ما بداخله، لكن… فجأة، الهواء صار خاليًا.
أمسك بالظرف الذي قدمه لي، كان مغلفًا بإحكام، ذا لون بني قاتم يثير القلق بمجرد النظر إليه. كانت أطرافه متآكلة قليلاً، كما لو أن الزمن قد ترك عليه بصماته. ليس مجرد ظرف، بل كان رسالة من عالم آخر.
أجبرت نفسي على التوقف.
“ستجد التفاصيل هناك، وكذلك كيفية التواصل معنا بعد الانتهاء.”
أغلب هؤلاء الأتباع يغطون وجوههم بأغطية سوداء ضيقة، تلتصق بجلودهم حتى تبدو وكأنها جزء منهم، كأنها نُسجت مباشرة على رؤوسهم، تلتف حولهم كشرنقة لا يمكن نزعها. البعض يقول إنها مجرد أغطية، والبعض الآخر يهمس بأنها شيء آخر…
لم يكن لدي الوقت لأسأل عن المزيد، فقد تم إغلاق الفجوة بيننا تمامًا. بلحظة واحدة، أحسست بشيء غير عادي يحدث، وكأن الزمن توقف. كانت يدي تتلمس حافة الظرف، ثم رفعتها نحو وجهي، أريد أن أقرأ ما بداخله، لكن… فجأة، الهواء صار خاليًا.
لم يكن لدي الوقت لأسأل عن المزيد، فقد تم إغلاق الفجوة بيننا تمامًا. بلحظة واحدة، أحسست بشيء غير عادي يحدث، وكأن الزمن توقف. كانت يدي تتلمس حافة الظرف، ثم رفعتها نحو وجهي، أريد أن أقرأ ما بداخله، لكن… فجأة، الهواء صار خاليًا.
تجمدت للحظة، أراقب العقارب المعدنية التي استمرت في المضي قدمًا بلا اكتراث. الوقت يمر، كما لو أنه غير مدرك لما يجري في العوالم الخفية التي تتقاطع مع هذا العالم العادي.
أجبرت نفسي على التوقف.
لا شيء.
شعرت بقشعريرة باردة تزحف على عمودي الفقري، رغم حرارة الجو من حولي.
لا أحد.
حسنًا، هذا منطقي حتى الآن. لكن الجزء الأخير هو ما جعل قلبي ينبض بإيقاع مختلف.
كان هو قد اختفى… أو بالأحرى، لم يكن موجودًا هنا أصلاً.
لم أستطع أن أصدق ما حدث. أغمضت عيني، وأعدت فتحها، لا شيء.
كان هذا نوعًا من الطقوس، وليس مجرد اختبار انضمام. من يطلب مثل هذه التفاصيل الدقيقة؟ ومن يملك هذا النوع من السلطة ليجعل الناس ينفذونها دون طرح أسئلة؟
كان المكان فارغًا تمامًا.
لم يكن هناك وقت للتردد. كان عليّ قراءة التفاصيل بسرعة.
تركت الظرف في يدي، شعرت بالارتباك يغزو عقلي. ما الذي حدث؟ كيف اختفى بهذا الشكل؟ هل كنت مجرد وهم؟ هل هو جزء من اختبارهم؟ لا أستطيع أن أتصور…
خطواته لم تكن تصدر صوتًا، كأنه لم يكن يطأ الأرض، بل كان ينزلق فوقها.
لكنني كنت أعلم شيئًا واحدًا، وهو أن هذا الظرف ليس مجرد رسالة. هو اختبار، ولابد لي من الخوض فيه إن أردت الوصول لما وراء هذه الأبواب المغلقة.
أخذت نفسًا عميقًا، ثم اندفعت مبتعدًا عن المكان، متأكدًا من أن خطواتي كانت هادئة، غير ملحوظة. اخترت طريقًا جانبياً، زقاقًا ضيقًا بين مبنيين قديمين، حيث الظلال تتكدس في الزوايا، رطبة كأنها تنتمي لعالم مختلف. هنا، وسط هذا الظلام، كنت بأمان من العيون المتطفلة.
“في حديقة عامة، باستخدام لوح طباشيري ذي لون أحمر، ارسم دائرة في المنتصف، ثم شكلًا مرعبًا داخل معين لا يتجاوز 4 أمتار.”
ستبدأ رحلتي الآن.
لكن لم يكن لديه وجه.
هذا العالم غريب بعد كل شيء… ماذا تنتظر؟
حدث ذلك.
رميت الأفكار المتشابكة في رأسي بعيدًا، وابتلعت أنفاسي العميقة في محاولة للتماسك. الأدرينالين لا يزال يتدفق في عروقي، يوقظ حواسي، يملأني بيقظة أشبه بتلك التي يشعر بها المرء وهو على وشك القفز من حافة هاوية مجهولة العمق.
رميت الأفكار المتشابكة في رأسي بعيدًا، وابتلعت أنفاسي العميقة في محاولة للتماسك. الأدرينالين لا يزال يتدفق في عروقي، يوقظ حواسي، يملأني بيقظة أشبه بتلك التي يشعر بها المرء وهو على وشك القفز من حافة هاوية مجهولة العمق.
أعدت البرميل إلى مكانه بعناية، متأكدًا من أن كل شيء بدا كما كان تمامًا قبل وصولي. لا أثر لحذائي على الأرض المتربة، لا بصمات أصابع على السطح المعدني البارد، لا دليل على أنني كنت هنا. كنت محترفًا في هذا النوع من التسلل—أو على الأقل، كنت أحاول أن أكون كذلك.
عندما خرجت أخيرًا من الحطام، التفتت غريزيًا نحو ساعتي.
الحادية عشرة صباحًا.
حتى هارونلد، رغم معرفته الواسعة، لم يستطع أن يشرح لي تمامًا ما يسعون إليه. تحدث عنهم بحذر، بعقلانية، لكن في عينيه كانت هناك نبرة لم يعتد إظهارها: الخوف.
تجمدت للحظة، أراقب العقارب المعدنية التي استمرت في المضي قدمًا بلا اكتراث. الوقت يمر، كما لو أنه غير مدرك لما يجري في العوالم الخفية التي تتقاطع مع هذا العالم العادي.
الغرفة كانت فارغة، لكنها لم تكن خالية. الفراغ هنا لم يكن مجرد غياب للأشياء، بل كان له ثقل، كأنه ضغط خفي يتسلل إلى عظامي، يتشبث بجدران الحلق، ويجعل الهواء أثقل مما ينبغي. الجدران العارية، المكسوة بطبقات من الرطوبة والعفن، بدت وكأنها تراقب بصمت، تصغي إلى كل خطوة، كل نفس. كان السكون هنا مختلفًا، ليس ذلك الهدوء المريح، بل الصمت المعلّق بين الأنفاس، كأنما الغرفة نفسها تنتظر.
كنت هنا لأجد إجابة… أو لأطمس هذا الكيان من الوجود، كما طُمست ملامحه من قبل.
“أوه، لقد اقترب وقت الحفل…”
تمتمت لنفسي، لكن الكلمات خرجت بصوت خافت، كما لو أنني لم أكن متأكدًا مما إذا كنت سعيدًا أم قلقًا.
تلك الحركة لم تكن طبيعية. لم تكن بشرية. كان الأمر أشبه بجسد يستجيب لإشارة غير مرئية، كأن رأسه انزلق دون أن تحركه عضلات، دون أن يكون هناك أي إرادة خلفه.
الحفل. الكلمة وحدها بدت كاذبة، وكأنها ستار رقيق يخفي وراءه شيئًا آخر… شيئًا أكثر ظلامًا، وأكثر صدقًا. لم يكن هذا تجمعًا للموسيقى والرقص، ولا حفلة صاخبة في قبو نادٍ سري. كان مقدمة لشيء آخر، شيء لم أكن متأكدًا مما إذا كنت مستعدًا له أم لا.
لا شيء.
“في حديقة عامة، باستخدام لوح طباشيري ذي لون أحمر، ارسم دائرة في المنتصف، ثم شكلًا مرعبًا داخل معين لا يتجاوز 4 أمتار.”
ولكن لا يهم. عليّ أن أعرف المزيد.
تمتمت لنفسي، لكن الكلمات خرجت بصوت خافت، كما لو أنني لم أكن متأكدًا مما إذا كنت سعيدًا أم قلقًا.
حرك رأسه نحوي ببطء، كما لو كان يحاول الشعور بوجودي بدلاً من رؤيتي.
أخذت نفسًا عميقًا، ثم اندفعت مبتعدًا عن المكان، متأكدًا من أن خطواتي كانت هادئة، غير ملحوظة. اخترت طريقًا جانبياً، زقاقًا ضيقًا بين مبنيين قديمين، حيث الظلال تتكدس في الزوايا، رطبة كأنها تنتمي لعالم مختلف. هنا، وسط هذا الظلام، كنت بأمان من العيون المتطفلة.
مددت يدي إلى جيب سترتي، وأخرجت الظرف.
كان ملمسه غريبًا، وكأنه ليس ورقًا عاديًا، بل شيء أكثر صلابة، أكثر قدمًا. خشونة سطحه ذكرتني بجلد قديم جُفف في العراء. كنت أشعر بثقل غير مرئي داخله، كما لو أنه لا يحمل مجرد رسالة، بل مسؤولية، أو لعنة.
مزقت الحافة العلوية ببطء، متجنبًا تمزيق الورقة بالداخل.
بمجرد أن فردتها، وقعت عيناي على الشعار الذي يزين أعلاها.
وكان هو جالسًا هناك.
شعار “اليد العلوية”.
الغرفة كانت فارغة، لكنها لم تكن خالية. الفراغ هنا لم يكن مجرد غياب للأشياء، بل كان له ثقل، كأنه ضغط خفي يتسلل إلى عظامي، يتشبث بجدران الحلق، ويجعل الهواء أثقل مما ينبغي. الجدران العارية، المكسوة بطبقات من الرطوبة والعفن، بدت وكأنها تراقب بصمت، تصغي إلى كل خطوة، كل نفس. كان السكون هنا مختلفًا، ليس ذلك الهدوء المريح، بل الصمت المعلّق بين الأنفاس، كأنما الغرفة نفسها تنتظر.
بعد منتصف الليل، ليوم الإثنين…
يد بشرية سوداء، لكنها ليست طبيعية. المخالب التي تنبت من أطراف أصابعها طويلة، ملتوية، ولونها قرمزي داكن، كأنها مغموسة في دم قديم جف منذ قرون. في قبضة هذه اليد، كانت هناك مقلة عين أرجوانية، مشدودة كأنها كنز مقدس. لم يكن مجرد شعار، بل رمز مشحون بطاقة خفية. للحظة، شعرت أن العين تنظر إليّ، ليس بعيني، بل بما هو أعمق—بروحي، بعقلي، بكياني ذاته.
الكلمات نُقشت بحبر داكن، عميق، كأنها لم تُكتب بل نُحتت نحتًا في الورقة. خط اليد كان أنيقًا، لكنه حمل في طياته شيئًا كريهًا… شيئًا لم أستطع وصفه، لكنه جعل أناملي تبرد رغم حرارة الشمس في الخارج.
أغمضت عيني للحظة، ثم زفرت ببطء. ليس الوقت مناسبًا للارتباك.
فتحت عيني وأكملت القراءة.
“أمر الالتحاق”
الكلمات نُقشت بحبر داكن، عميق، كأنها لم تُكتب بل نُحتت نحتًا في الورقة. خط اليد كان أنيقًا، لكنه حمل في طياته شيئًا كريهًا… شيئًا لم أستطع وصفه، لكنه جعل أناملي تبرد رغم حرارة الشمس في الخارج.
كأن حبلاً كان يشدّ ملامحي بقوة منذ بداية هذه المقابلة، والآن، انفلت بغتة. عضلات وجهي لم تعد ملكي، مشدودة في ارتعاشة غريبة، وكأنها تحررت من إرادتي. شفتاي تباعدتا، وجنتاي تشنجتا، وحلقي أطلق صوتًا لم أكن أريده.
بعد منتصف الليل، ليوم الإثنين…
كان بإمكاني اعتبارها مجرد تهديد فارغ، طريقة لجعل الأمور تبدو أكثر جدية مما هي عليه. لكن هناك شيء في طريقة كتابتها، في الإحساس الذي حملته، جعلني غير قادر على تجاهلها.
“أوه، إنه اليوم.”
أومأت برأسي بهدوء، متجنّبًا الرد بصوت عالٍ. لكن فجأة…
لم يكن هناك وقت للتردد. كان عليّ قراءة التفاصيل بسرعة.
“في حديقة عامة، باستخدام لوح طباشيري ذي لون أحمر، ارسم دائرة في المنتصف، ثم شكلًا مرعبًا داخل معين لا يتجاوز 4 أمتار.”
ولكن لا يهم. عليّ أن أعرف المزيد.
توقفت للحظة، أحدق في السطور.
جلد؟ لعنة؟ تحوّل؟
“حسنًا، هذا يبدو كتعويذة سحرية من طائفة مجنونة.”
كان هذا نوعًا من الطقوس، وليس مجرد اختبار انضمام. من يطلب مثل هذه التفاصيل الدقيقة؟ ومن يملك هذا النوع من السلطة ليجعل الناس ينفذونها دون طرح أسئلة؟
هذا العالم غريب بعد كل شيء… ماذا تنتظر؟
لكنني أكملت القراءة، غير متأكد مما إذا كنت أريد معرفة المزيد أم لا.
كان هو قد اختفى… أو بالأحرى، لم يكن موجودًا هنا أصلاً.
“ردد العبارة التالية:
وسط الليل، داخل الظلام، خارج الواقع، مع الجنون، أحمل نوري وأتوجه لك من أجل نقائي.”
أحد أتباع النور الفاسد.
كانت الكلمات ثقيلة، كما لو أنها تحمل وزنًا أكبر مما تبدو عليه.
منتصف الغرفة، على أريكة فقدت منذ زمن لونها الأصلي، قماشها البالي مهترئ عند الحواف، مليء بتجاعيد الزمن وكأن أحدًا لم يجلس عليه منذ عقود… ومع ذلك، فقد كان يجلس هناك.
ثم جاءت التفاصيل المالية:
“ضع 111 قطعة برونزية و11 قطعة فضية على توزاي المعين والمربع بالتساوي، وقطعة ذهبية واحدة في منتصف الدائرة.”
توقفت مجددًا، أحدق في الجملة.
“ماذا؟”
لكن لم يكن لديه وجه.
كان هذا نوعًا من الطقوس، وليس مجرد اختبار انضمام. من يطلب مثل هذه التفاصيل الدقيقة؟ ومن يملك هذا النوع من السلطة ليجعل الناس ينفذونها دون طرح أسئلة؟
أمسك بالظرف الذي قدمه لي، كان مغلفًا بإحكام، ذا لون بني قاتم يثير القلق بمجرد النظر إليه. كانت أطرافه متآكلة قليلاً، كما لو أن الزمن قد ترك عليه بصماته. ليس مجرد ظرف، بل كان رسالة من عالم آخر.
لكن الملاحظة الأخيرة أسفل الورقة هي ما جعل أنفاسي تتباطأ للحظة.
لم يعودوا بحاجة إلى أي غطاء.
“ضع الرسالة داخل صندوق البريد في شارع الورقة البيضاء، للمنزل رقم 1111.”
كان الفراغ نفسه هو ملامحه.
لم يكن لدي الوقت لأسأل عن المزيد، فقد تم إغلاق الفجوة بيننا تمامًا. بلحظة واحدة، أحسست بشيء غير عادي يحدث، وكأن الزمن توقف. كانت يدي تتلمس حافة الظرف، ثم رفعتها نحو وجهي، أريد أن أقرأ ما بداخله، لكن… فجأة، الهواء صار خاليًا.
حسنًا، هذا منطقي حتى الآن. لكن الجزء الأخير هو ما جعل قلبي ينبض بإيقاع مختلف.
لكن الملاحظة الأخيرة أسفل الورقة هي ما جعل أنفاسي تتباطأ للحظة.
“تجاهل الوقت المحدد أو عدم اتباع التعليمات يؤدي إلى عواقب شديدة.”
خطواته لم تكن تصدر صوتًا، كأنه لم يكن يطأ الأرض، بل كان ينزلق فوقها.
مزقت الحافة العلوية ببطء، متجنبًا تمزيق الورقة بالداخل.
شعرت بقشعريرة باردة تزحف على عمودي الفقري، رغم حرارة الجو من حولي.
*”عواقب شديدة؟”
“رائع. لم تتأخر.”
كان بإمكاني اعتبارها مجرد تهديد فارغ، طريقة لجعل الأمور تبدو أكثر جدية مما هي عليه. لكن هناك شيء في طريقة كتابتها، في الإحساس الذي حملته، جعلني غير قادر على تجاهلها.
حرك رأسه نحوي ببطء، كما لو كان يحاول الشعور بوجودي بدلاً من رؤيتي.
هل هذا مجرد تحذير؟ أم أنه يعني شيئًا أكثر؟
بعد منتصف الليل، ليوم الإثنين…
في داخلي، كنت أعرف الإجابة بالفعل.
“أوه، لقد اقترب وقت الحفل…”
لم يكن لدي خيار. كان عليّ أن أتخذ قرارًا، والوقت ينفد.
كأن حبلاً كان يشدّ ملامحي بقوة منذ بداية هذه المقابلة، والآن، انفلت بغتة. عضلات وجهي لم تعد ملكي، مشدودة في ارتعاشة غريبة، وكأنها تحررت من إرادتي. شفتاي تباعدتا، وجنتاي تشنجتا، وحلقي أطلق صوتًا لم أكن أريده.
