أمر الإلتحاق
نفضت الغبار عن بدلتي السوداء ببطء، متجاهلًا الرائحة العتيقة التي تملأ المكان، ثم رفعت نظري إلى الأمام…
“رائع. لم تتأخر.”
منتصف الغرفة، على أريكة فقدت منذ زمن لونها الأصلي، قماشها البالي مهترئ عند الحواف، مليء بتجاعيد الزمن وكأن أحدًا لم يجلس عليه منذ عقود… ومع ذلك، فقد كان يجلس هناك.
الغرفة كانت فارغة، لكنها لم تكن خالية. الفراغ هنا لم يكن مجرد غياب للأشياء، بل كان له ثقل، كأنه ضغط خفي يتسلل إلى عظامي، يتشبث بجدران الحلق، ويجعل الهواء أثقل مما ينبغي. الجدران العارية، المكسوة بطبقات من الرطوبة والعفن، بدت وكأنها تراقب بصمت، تصغي إلى كل خطوة، كل نفس. كان السكون هنا مختلفًا، ليس ذلك الهدوء المريح، بل الصمت المعلّق بين الأنفاس، كأنما الغرفة نفسها تنتظر.
وكان هو جالسًا هناك.
كانت الكلمات ثقيلة، كما لو أنها تحمل وزنًا أكبر مما تبدو عليه.
منتصف الغرفة، على أريكة فقدت منذ زمن لونها الأصلي، قماشها البالي مهترئ عند الحواف، مليء بتجاعيد الزمن وكأن أحدًا لم يجلس عليه منذ عقود… ومع ذلك، فقد كان يجلس هناك.
لكن لم يكن لديه وجه.
كان الفراغ نفسه هو ملامحه.
“أوه، إنه اليوم.”
حيث يجب أن تكون العيون، الأنف، الفم… لم يكن هناك شيء، مجرد سطح أملس، كأنما صُنع من الطين ثم تم تسويته بعناية، محو دقيق لكل ما قد يشير إلى هوية أو إنسانية. كان هذا المشهد خطأً في حد ذاته، تناقضًا بين هيئة بشرية وغياب أساسي لشيء يجعلها بشرية.
لم يكن هذا شخصًا. كان أحدهم.
لم يكن هذا شخصًا. كان أحدهم.
“أوه… أنت السيد زيرو، صحيح؟”
أحد أتباع النور الفاسد.
الحفل. الكلمة وحدها بدت كاذبة، وكأنها ستار رقيق يخفي وراءه شيئًا آخر… شيئًا أكثر ظلامًا، وأكثر صدقًا. لم يكن هذا تجمعًا للموسيقى والرقص، ولا حفلة صاخبة في قبو نادٍ سري. كان مقدمة لشيء آخر، شيء لم أكن متأكدًا مما إذا كنت مستعدًا له أم لا.
كان بإمكاني اعتبارها مجرد تهديد فارغ، طريقة لجعل الأمور تبدو أكثر جدية مما هي عليه. لكن هناك شيء في طريقة كتابتها، في الإحساس الذي حملته، جعلني غير قادر على تجاهلها.
الباحثون عن الظلام، الساعون إلى تحرير… شيء. شيء لا أفهمه، ولا أظن أنني أريد أن أفهمه.
“ستجد التفاصيل هناك، وكذلك كيفية التواصل معنا بعد الانتهاء.”
كان الفراغ نفسه هو ملامحه.
حتى هارونلد، رغم معرفته الواسعة، لم يستطع أن يشرح لي تمامًا ما يسعون إليه. تحدث عنهم بحذر، بعقلانية، لكن في عينيه كانت هناك نبرة لم يعتد إظهارها: الخوف.
أغلب هؤلاء الأتباع يغطون وجوههم بأغطية سوداء ضيقة، تلتصق بجلودهم حتى تبدو وكأنها جزء منهم، كأنها نُسجت مباشرة على رؤوسهم، تلتف حولهم كشرنقة لا يمكن نزعها. البعض يقول إنها مجرد أغطية، والبعض الآخر يهمس بأنها شيء آخر…
لكنني كنت أعلم شيئًا واحدًا، وهو أن هذا الظرف ليس مجرد رسالة. هو اختبار، ولابد لي من الخوض فيه إن أردت الوصول لما وراء هذه الأبواب المغلقة.
توقفت مجددًا، أحدق في الجملة.
جلد؟ لعنة؟ تحوّل؟
لكن في المستويات الأعلى…
أمسك بالظرف الذي قدمه لي، كان مغلفًا بإحكام، ذا لون بني قاتم يثير القلق بمجرد النظر إليه. كانت أطرافه متآكلة قليلاً، كما لو أن الزمن قد ترك عليه بصماته. ليس مجرد ظرف، بل كان رسالة من عالم آخر.
لم يعودوا بحاجة إلى أي غطاء.
كان الفراغ نفسه هو ملامحه.
أغلب هؤلاء الأتباع يغطون وجوههم بأغطية سوداء ضيقة، تلتصق بجلودهم حتى تبدو وكأنها جزء منهم، كأنها نُسجت مباشرة على رؤوسهم، تلتف حولهم كشرنقة لا يمكن نزعها. البعض يقول إنها مجرد أغطية، والبعض الآخر يهمس بأنها شيء آخر…
لم تكن هناك أقنعة، ولا أغطية، ولا حتى آثار لمحاولة إخفاء شيء. كان وجوههم مجرد غياب، كأنهم تطوروا إلى شيء لم يعد بحاجة إلى الملامح. لم أكن أعلم إن كان ذلك قوتهم… أم لعنتهم.
ضحكة.
تقدمت خطوة، أراقبه دون أن أنطق بكلمة، متأملًا ذلك الفراغ المرسوم على ملامحه التي لم تكن موجودة.
أخذت نفسًا عميقًا، ثم اندفعت مبتعدًا عن المكان، متأكدًا من أن خطواتي كانت هادئة، غير ملحوظة. اخترت طريقًا جانبياً، زقاقًا ضيقًا بين مبنيين قديمين، حيث الظلال تتكدس في الزوايا، رطبة كأنها تنتمي لعالم مختلف. هنا، وسط هذا الظلام، كنت بأمان من العيون المتطفلة.
لكن لم يكن لديه وجه.
كنت هنا لأجد إجابة… أو لأطمس هذا الكيان من الوجود، كما طُمست ملامحه من قبل.
كان بإمكاني اعتبارها مجرد تهديد فارغ، طريقة لجعل الأمور تبدو أكثر جدية مما هي عليه. لكن هناك شيء في طريقة كتابتها، في الإحساس الذي حملته، جعلني غير قادر على تجاهلها.
حرك رأسه نحوي ببطء، كما لو كان يحاول الشعور بوجودي بدلاً من رؤيتي.
تلك الحركة لم تكن طبيعية. لم تكن بشرية. كان الأمر أشبه بجسد يستجيب لإشارة غير مرئية، كأن رأسه انزلق دون أن تحركه عضلات، دون أن يكون هناك أي إرادة خلفه.
كان لا يزال في مكانه، لم يتحرك حتى شبرًا واحدًا، فقط قال كلمة واحدة، بصوته الغريب ذاك:
ثم جاء الصوت.
ضحكتُ كما لو أن شيئًا ما داخلي كُسر.
صوت بلا ملامح، بلا هوية، بلا طابع ذكوري أو أنثوي. صوت كأنه يتحدث من وراء حاجز، من بُعد آخر، صوت ليس مصنوعًا من الكلمات بقدر ما هو موجات تتسلل مباشرة إلى عقلي.
كان المكان فارغًا تمامًا.
أخذت نفسًا عميقًا، ثم اندفعت مبتعدًا عن المكان، متأكدًا من أن خطواتي كانت هادئة، غير ملحوظة. اخترت طريقًا جانبياً، زقاقًا ضيقًا بين مبنيين قديمين، حيث الظلال تتكدس في الزوايا، رطبة كأنها تنتمي لعالم مختلف. هنا، وسط هذا الظلام، كنت بأمان من العيون المتطفلة.
“أوه… أنت السيد زيرو، صحيح؟”
“أوه… أنت السيد زيرو، صحيح؟”
تردد صدى كلماته في الغرفة بطريقة غير طبيعية، كما لو أن الجدران امتصتها للحظة قبل أن تطلقها مجددًا.
حرك رأسه نحوي ببطء، كما لو كان يحاول الشعور بوجودي بدلاً من رؤيتي.
أومأت برأسي بهدوء، متجنّبًا الرد بصوت عالٍ. لكن فجأة…
لا أحد.
حدث ذلك.
تقدمت خطوة، أراقبه دون أن أنطق بكلمة، متأملًا ذلك الفراغ المرسوم على ملامحه التي لم تكن موجودة.
“ردد العبارة التالية:
كأن حبلاً كان يشدّ ملامحي بقوة منذ بداية هذه المقابلة، والآن، انفلت بغتة. عضلات وجهي لم تعد ملكي، مشدودة في ارتعاشة غريبة، وكأنها تحررت من إرادتي. شفتاي تباعدتا، وجنتاي تشنجتا، وحلقي أطلق صوتًا لم أكن أريده.
ضحكة.
ضحكة.
ضحكة مجنونة، متفجرة، مباغتة، كأنها انبثقت من أعمق زوايا عقلي، حيث يسكن شيء لم أكن أرغب في مواجهته.
ضحكتُ.
“ردد العبارة التالية:
ضحكتُ كما لو أن شيئًا ما داخلي كُسر.
نفضت الغبار عن بدلتي السوداء ببطء، متجاهلًا الرائحة العتيقة التي تملأ المكان، ثم رفعت نظري إلى الأمام…
حبست أنفاسي، أغمضت عيني، وشددت قبضتي، كأنني أضغط على كيان غير مرئي داخلي، أعيده إلى القفص الذي خرج منه.
ضحكتُ كما لو أنني أصبحت آلة للجنون للحظة واحدة.
ستبدأ رحلتي الآن.
ثم…
لكن لم يكن لديه وجه.
أجبرت نفسي على التوقف.
الباحثون عن الظلام، الساعون إلى تحرير… شيء. شيء لا أفهمه، ولا أظن أنني أريد أن أفهمه.
حبست أنفاسي، أغمضت عيني، وشددت قبضتي، كأنني أضغط على كيان غير مرئي داخلي، أعيده إلى القفص الذي خرج منه.
تقدمت خطوة، أراقبه دون أن أنطق بكلمة، متأملًا ذلك الفراغ المرسوم على ملامحه التي لم تكن موجودة.
“ضع 111 قطعة برونزية و11 قطعة فضية على توزاي المعين والمربع بالتساوي، وقطعة ذهبية واحدة في منتصف الدائرة.”
استعدت توازني بعد ثوانٍ، رفعت نظري إليه مجددًا…
لكن لم يكن لديه وجه.
تلك الحركة لم تكن طبيعية. لم تكن بشرية. كان الأمر أشبه بجسد يستجيب لإشارة غير مرئية، كأن رأسه انزلق دون أن تحركه عضلات، دون أن يكون هناك أي إرادة خلفه.
كان لا يزال في مكانه، لم يتحرك حتى شبرًا واحدًا، فقط قال كلمة واحدة، بصوته الغريب ذاك:
“أوه، إنه اليوم.”
“رائع. لم تتأخر.”
“حسنًا، هذا يبدو كتعويذة سحرية من طائفة مجنونة.”
تمتمت لنفسي، لكن الكلمات خرجت بصوت خافت، كما لو أنني لم أكن متأكدًا مما إذا كنت سعيدًا أم قلقًا.
لم تكن جملة، بل كان حكمًا.
“أوه، لقد اقترب وقت الحفل…”
ثم، وكأنه لم يكن سوى ظل بلا وزن، وقف من مقعده بحركة انسيابية، وكأن الهواء نفسه حمله للأعلى.
تقدم نحوي.
حدث ذلك.
خطواته لم تكن تصدر صوتًا، كأنه لم يكن يطأ الأرض، بل كان ينزلق فوقها.
“ستجد التفاصيل هناك، وكذلك كيفية التواصل معنا بعد الانتهاء.”
كان لا يزال في مكانه، لم يتحرك حتى شبرًا واحدًا، فقط قال كلمة واحدة، بصوته الغريب ذاك:
كلما اقترب، شعرت بذلك الضغط غير المرئي يتسلل إلى أعماقي. كان وكأن كل خطوة يخطوها تقلب شيئًا في داخلي، وكأن الهواء نفسه يثقل بوجوده، يعمق الظلال حولنا. وفي لحظة واحدة، أصبح بيننا فاصلة هائلة، لكنها كانت في الوقت نفسه ضيقة لدرجة أنني شعرت بكل نظرةٍ وكل حركة.
لم تكن جملة، بل كان حكمًا.
أمسك بالظرف الذي قدمه لي، كان مغلفًا بإحكام، ذا لون بني قاتم يثير القلق بمجرد النظر إليه. كانت أطرافه متآكلة قليلاً، كما لو أن الزمن قد ترك عليه بصماته. ليس مجرد ظرف، بل كان رسالة من عالم آخر.
يسّرنا انضمامك لنا، سيد زيرو… كانت كلماته تلتف حولي، مملوءة بتلك البرودة التي لا أستطيع تحديد مصدرها.
فتحت عيني وأكملت القراءة.
ضحكة مجنونة، متفجرة، مباغتة، كأنها انبثقت من أعمق زوايا عقلي، حيث يسكن شيء لم أكن أرغب في مواجهته.
كان يحرك شفتيه ببطء، وكأن الوقت نفسه يسير حسب وتيرته، بينما يلتقط الهواء من حولنا. أنا الذي كنت محاطًا بالغموض، ها أنا الآن أمام شخص، أو شيء، يزداد بُعده أكثر كلما اقترب.
لا شيء.
لكن كما تعرف، تابع وهو يمد يده بهدوء، “عليك اجتياز اختبارك الأول.”
أغمضت عيني للحظة، ثم زفرت ببطء. ليس الوقت مناسبًا للارتباك.
أمسك بالظرف الذي قدمه لي، كان مغلفًا بإحكام، ذا لون بني قاتم يثير القلق بمجرد النظر إليه. كانت أطرافه متآكلة قليلاً، كما لو أن الزمن قد ترك عليه بصماته. ليس مجرد ظرف، بل كان رسالة من عالم آخر.
“ستجد التفاصيل هناك، وكذلك كيفية التواصل معنا بعد الانتهاء.”
لكنني أكملت القراءة، غير متأكد مما إذا كنت أريد معرفة المزيد أم لا.
لم يكن لدي الوقت لأسأل عن المزيد، فقد تم إغلاق الفجوة بيننا تمامًا. بلحظة واحدة، أحسست بشيء غير عادي يحدث، وكأن الزمن توقف. كانت يدي تتلمس حافة الظرف، ثم رفعتها نحو وجهي، أريد أن أقرأ ما بداخله، لكن… فجأة، الهواء صار خاليًا.
لا شيء.
لم أستطع أن أصدق ما حدث. أغمضت عيني، وأعدت فتحها، لا شيء.
رميت الأفكار المتشابكة في رأسي بعيدًا، وابتلعت أنفاسي العميقة في محاولة للتماسك. الأدرينالين لا يزال يتدفق في عروقي، يوقظ حواسي، يملأني بيقظة أشبه بتلك التي يشعر بها المرء وهو على وشك القفز من حافة هاوية مجهولة العمق.
لا أحد.
أحد أتباع النور الفاسد.
لكن كما تعرف، تابع وهو يمد يده بهدوء، “عليك اجتياز اختبارك الأول.”
كان هو قد اختفى… أو بالأحرى، لم يكن موجودًا هنا أصلاً.
لم أستطع أن أصدق ما حدث. أغمضت عيني، وأعدت فتحها، لا شيء.
أجبرت نفسي على التوقف.
كان المكان فارغًا تمامًا.
لم أستطع أن أصدق ما حدث. أغمضت عيني، وأعدت فتحها، لا شيء.
لكن كما تعرف، تابع وهو يمد يده بهدوء، “عليك اجتياز اختبارك الأول.”
تركت الظرف في يدي، شعرت بالارتباك يغزو عقلي. ما الذي حدث؟ كيف اختفى بهذا الشكل؟ هل كنت مجرد وهم؟ هل هو جزء من اختبارهم؟ لا أستطيع أن أتصور…
لكنني كنت أعلم شيئًا واحدًا، وهو أن هذا الظرف ليس مجرد رسالة. هو اختبار، ولابد لي من الخوض فيه إن أردت الوصول لما وراء هذه الأبواب المغلقة.
ضحكة.
ستبدأ رحلتي الآن.
هذا العالم غريب بعد كل شيء… ماذا تنتظر؟
فتحت عيني وأكملت القراءة.
رميت الأفكار المتشابكة في رأسي بعيدًا، وابتلعت أنفاسي العميقة في محاولة للتماسك. الأدرينالين لا يزال يتدفق في عروقي، يوقظ حواسي، يملأني بيقظة أشبه بتلك التي يشعر بها المرء وهو على وشك القفز من حافة هاوية مجهولة العمق.
أومأت برأسي بهدوء، متجنّبًا الرد بصوت عالٍ. لكن فجأة…
أعدت البرميل إلى مكانه بعناية، متأكدًا من أن كل شيء بدا كما كان تمامًا قبل وصولي. لا أثر لحذائي على الأرض المتربة، لا بصمات أصابع على السطح المعدني البارد، لا دليل على أنني كنت هنا. كنت محترفًا في هذا النوع من التسلل—أو على الأقل، كنت أحاول أن أكون كذلك.
الحادية عشرة صباحًا.
كلما اقترب، شعرت بذلك الضغط غير المرئي يتسلل إلى أعماقي. كان وكأن كل خطوة يخطوها تقلب شيئًا في داخلي، وكأن الهواء نفسه يثقل بوجوده، يعمق الظلال حولنا. وفي لحظة واحدة، أصبح بيننا فاصلة هائلة، لكنها كانت في الوقت نفسه ضيقة لدرجة أنني شعرت بكل نظرةٍ وكل حركة.
عندما خرجت أخيرًا من الحطام، التفتت غريزيًا نحو ساعتي.
ضحكة.
الحادية عشرة صباحًا.
تركت الظرف في يدي، شعرت بالارتباك يغزو عقلي. ما الذي حدث؟ كيف اختفى بهذا الشكل؟ هل كنت مجرد وهم؟ هل هو جزء من اختبارهم؟ لا أستطيع أن أتصور…
تقدم نحوي.
تجمدت للحظة، أراقب العقارب المعدنية التي استمرت في المضي قدمًا بلا اكتراث. الوقت يمر، كما لو أنه غير مدرك لما يجري في العوالم الخفية التي تتقاطع مع هذا العالم العادي.
حتى هارونلد، رغم معرفته الواسعة، لم يستطع أن يشرح لي تمامًا ما يسعون إليه. تحدث عنهم بحذر، بعقلانية، لكن في عينيه كانت هناك نبرة لم يعتد إظهارها: الخوف.
“أوه، لقد اقترب وقت الحفل…”
ستبدأ رحلتي الآن.
تركت الظرف في يدي، شعرت بالارتباك يغزو عقلي. ما الذي حدث؟ كيف اختفى بهذا الشكل؟ هل كنت مجرد وهم؟ هل هو جزء من اختبارهم؟ لا أستطيع أن أتصور…
تمتمت لنفسي، لكن الكلمات خرجت بصوت خافت، كما لو أنني لم أكن متأكدًا مما إذا كنت سعيدًا أم قلقًا.
ضحكة.
“ماذا؟”
الحفل. الكلمة وحدها بدت كاذبة، وكأنها ستار رقيق يخفي وراءه شيئًا آخر… شيئًا أكثر ظلامًا، وأكثر صدقًا. لم يكن هذا تجمعًا للموسيقى والرقص، ولا حفلة صاخبة في قبو نادٍ سري. كان مقدمة لشيء آخر، شيء لم أكن متأكدًا مما إذا كنت مستعدًا له أم لا.
نفضت الغبار عن بدلتي السوداء ببطء، متجاهلًا الرائحة العتيقة التي تملأ المكان، ثم رفعت نظري إلى الأمام…
ولكن لا يهم. عليّ أن أعرف المزيد.
نفضت الغبار عن بدلتي السوداء ببطء، متجاهلًا الرائحة العتيقة التي تملأ المكان، ثم رفعت نظري إلى الأمام…
أخذت نفسًا عميقًا، ثم اندفعت مبتعدًا عن المكان، متأكدًا من أن خطواتي كانت هادئة، غير ملحوظة. اخترت طريقًا جانبياً، زقاقًا ضيقًا بين مبنيين قديمين، حيث الظلال تتكدس في الزوايا، رطبة كأنها تنتمي لعالم مختلف. هنا، وسط هذا الظلام، كنت بأمان من العيون المتطفلة.
مددت يدي إلى جيب سترتي، وأخرجت الظرف.
أمسك بالظرف الذي قدمه لي، كان مغلفًا بإحكام، ذا لون بني قاتم يثير القلق بمجرد النظر إليه. كانت أطرافه متآكلة قليلاً، كما لو أن الزمن قد ترك عليه بصماته. ليس مجرد ظرف، بل كان رسالة من عالم آخر.
كان ملمسه غريبًا، وكأنه ليس ورقًا عاديًا، بل شيء أكثر صلابة، أكثر قدمًا. خشونة سطحه ذكرتني بجلد قديم جُفف في العراء. كنت أشعر بثقل غير مرئي داخله، كما لو أنه لا يحمل مجرد رسالة، بل مسؤولية، أو لعنة.
فتحت عيني وأكملت القراءة.
مزقت الحافة العلوية ببطء، متجنبًا تمزيق الورقة بالداخل.
ضحكة مجنونة، متفجرة، مباغتة، كأنها انبثقت من أعمق زوايا عقلي، حيث يسكن شيء لم أكن أرغب في مواجهته.
بمجرد أن فردتها، وقعت عيناي على الشعار الذي يزين أعلاها.
صوت بلا ملامح، بلا هوية، بلا طابع ذكوري أو أنثوي. صوت كأنه يتحدث من وراء حاجز، من بُعد آخر، صوت ليس مصنوعًا من الكلمات بقدر ما هو موجات تتسلل مباشرة إلى عقلي.
تمتمت لنفسي، لكن الكلمات خرجت بصوت خافت، كما لو أنني لم أكن متأكدًا مما إذا كنت سعيدًا أم قلقًا.
شعار “اليد العلوية”.
ستبدأ رحلتي الآن.
يد بشرية سوداء، لكنها ليست طبيعية. المخالب التي تنبت من أطراف أصابعها طويلة، ملتوية، ولونها قرمزي داكن، كأنها مغموسة في دم قديم جف منذ قرون. في قبضة هذه اليد، كانت هناك مقلة عين أرجوانية، مشدودة كأنها كنز مقدس. لم يكن مجرد شعار، بل رمز مشحون بطاقة خفية. للحظة، شعرت أن العين تنظر إليّ، ليس بعيني، بل بما هو أعمق—بروحي، بعقلي، بكياني ذاته.
مزقت الحافة العلوية ببطء، متجنبًا تمزيق الورقة بالداخل.
أغمضت عيني للحظة، ثم زفرت ببطء. ليس الوقت مناسبًا للارتباك.
لم تكن جملة، بل كان حكمًا.
فتحت عيني وأكملت القراءة.
“أمر الالتحاق”
ستبدأ رحلتي الآن.
“رائع. لم تتأخر.”
الكلمات نُقشت بحبر داكن، عميق، كأنها لم تُكتب بل نُحتت نحتًا في الورقة. خط اليد كان أنيقًا، لكنه حمل في طياته شيئًا كريهًا… شيئًا لم أستطع وصفه، لكنه جعل أناملي تبرد رغم حرارة الشمس في الخارج.
أومأت برأسي بهدوء، متجنّبًا الرد بصوت عالٍ. لكن فجأة…
بعد منتصف الليل، ليوم الإثنين…
“أوه، إنه اليوم.”
لم يكن هناك وقت للتردد. كان عليّ قراءة التفاصيل بسرعة.
شعرت بقشعريرة باردة تزحف على عمودي الفقري، رغم حرارة الجو من حولي.
“في حديقة عامة، باستخدام لوح طباشيري ذي لون أحمر، ارسم دائرة في المنتصف، ثم شكلًا مرعبًا داخل معين لا يتجاوز 4 أمتار.”
توقفت للحظة، أحدق في السطور.
حرك رأسه نحوي ببطء، كما لو كان يحاول الشعور بوجودي بدلاً من رؤيتي.
“حسنًا، هذا يبدو كتعويذة سحرية من طائفة مجنونة.”
لكنني أكملت القراءة، غير متأكد مما إذا كنت أريد معرفة المزيد أم لا.
“ردد العبارة التالية:
هذا العالم غريب بعد كل شيء… ماذا تنتظر؟
وسط الليل، داخل الظلام، خارج الواقع، مع الجنون، أحمل نوري وأتوجه لك من أجل نقائي.”
كانت الكلمات ثقيلة، كما لو أنها تحمل وزنًا أكبر مما تبدو عليه.
لم تكن هناك أقنعة، ولا أغطية، ولا حتى آثار لمحاولة إخفاء شيء. كان وجوههم مجرد غياب، كأنهم تطوروا إلى شيء لم يعد بحاجة إلى الملامح. لم أكن أعلم إن كان ذلك قوتهم… أم لعنتهم.
ثم جاءت التفاصيل المالية:
“ضع 111 قطعة برونزية و11 قطعة فضية على توزاي المعين والمربع بالتساوي، وقطعة ذهبية واحدة في منتصف الدائرة.”
توقفت مجددًا، أحدق في الجملة.
كان يحرك شفتيه ببطء، وكأن الوقت نفسه يسير حسب وتيرته، بينما يلتقط الهواء من حولنا. أنا الذي كنت محاطًا بالغموض، ها أنا الآن أمام شخص، أو شيء، يزداد بُعده أكثر كلما اقترب.
حسنًا، هذا منطقي حتى الآن. لكن الجزء الأخير هو ما جعل قلبي ينبض بإيقاع مختلف.
“ماذا؟”
كنت هنا لأجد إجابة… أو لأطمس هذا الكيان من الوجود، كما طُمست ملامحه من قبل.
تقدم نحوي.
كان هذا نوعًا من الطقوس، وليس مجرد اختبار انضمام. من يطلب مثل هذه التفاصيل الدقيقة؟ ومن يملك هذا النوع من السلطة ليجعل الناس ينفذونها دون طرح أسئلة؟
كان هو قد اختفى… أو بالأحرى، لم يكن موجودًا هنا أصلاً.
لكن الملاحظة الأخيرة أسفل الورقة هي ما جعل أنفاسي تتباطأ للحظة.
لكنني كنت أعلم شيئًا واحدًا، وهو أن هذا الظرف ليس مجرد رسالة. هو اختبار، ولابد لي من الخوض فيه إن أردت الوصول لما وراء هذه الأبواب المغلقة.
“ضع الرسالة داخل صندوق البريد في شارع الورقة البيضاء، للمنزل رقم 1111.”
حدث ذلك.
يسّرنا انضمامك لنا، سيد زيرو… كانت كلماته تلتف حولي، مملوءة بتلك البرودة التي لا أستطيع تحديد مصدرها.
حسنًا، هذا منطقي حتى الآن. لكن الجزء الأخير هو ما جعل قلبي ينبض بإيقاع مختلف.
ضحكتُ كما لو أن شيئًا ما داخلي كُسر.
“تجاهل الوقت المحدد أو عدم اتباع التعليمات يؤدي إلى عواقب شديدة.”
شعرت بقشعريرة باردة تزحف على عمودي الفقري، رغم حرارة الجو من حولي.
*”عواقب شديدة؟”
الحادية عشرة صباحًا.
ثم جاء الصوت.
كان بإمكاني اعتبارها مجرد تهديد فارغ، طريقة لجعل الأمور تبدو أكثر جدية مما هي عليه. لكن هناك شيء في طريقة كتابتها، في الإحساس الذي حملته، جعلني غير قادر على تجاهلها.
هل هذا مجرد تحذير؟ أم أنه يعني شيئًا أكثر؟
الحادية عشرة صباحًا.
في داخلي، كنت أعرف الإجابة بالفعل.
لم تكن هناك أقنعة، ولا أغطية، ولا حتى آثار لمحاولة إخفاء شيء. كان وجوههم مجرد غياب، كأنهم تطوروا إلى شيء لم يعد بحاجة إلى الملامح. لم أكن أعلم إن كان ذلك قوتهم… أم لعنتهم.
لم يكن لدي خيار. كان عليّ أن أتخذ قرارًا، والوقت ينفد.
فتحت عيني وأكملت القراءة.
“حسنًا، هذا يبدو كتعويذة سحرية من طائفة مجنونة.”
“رائع. لم تتأخر.”
لم تكن هناك أقنعة، ولا أغطية، ولا حتى آثار لمحاولة إخفاء شيء. كان وجوههم مجرد غياب، كأنهم تطوروا إلى شيء لم يعد بحاجة إلى الملامح. لم أكن أعلم إن كان ذلك قوتهم… أم لعنتهم.
