وغد الحب
بعد دقائق، كنت قد أنهيت فطوري بالكامل. لم يكن سيئًا، بل كان جيدًا حقًا لكن طعمه لم يترك أثرًا في ذاكرتي. مجرد وقود للجسد، لا أكثر، لا متعة حقيقية فيه.
صرير خافت تردد في الفراغ، بينما انكشف ثقب خلفه، بالكاد يتسع لشخص واحد.
ارتشفت آخر قطرة من قهوتي، متلذذًا بالدفء الخفيف الذي تسرب إلى أصابعي عبر الفنجان، ثم وضعته جانبًا ببطء. حان وقت التفكير.
فهمت وضعهم العام بفضل هارونلد، رغم أنه لم يكن يعلم شيئًا عن “الجرذان الثلاثة الراقصة”.
الإمساك بالسيد هارف هو البداية.
مرّت لحظة من الصمت المشحون، قبل أن تهمس بصوت خافت لكنه مشحون بالعاطفة:
مرّت لحظة من الصمت المشحون، قبل أن تهمس بصوت خافت لكنه مشحون بالعاطفة:
ألقيت نظرة على ساعتي، كانت عقاربها تشير إلى التاسعة والنصف صباحًا. أمامي ساعتان ونصف حتى يبدأ الحفل، مما يمنحني مساحة كافية للتحضير، ولكن…
حفلة راقصة في الثانية عشرة ظهرًا؟
“غبي.”
شيء لا يبدو صحيحًا وكنت أعرف السبب.
إستمع إلي دون أن يرمش، دون أن يتردد. كأنه لم يسمع السخرية خلف كلماتي، كأنه مؤمن تمامًا بهذا المصير الموعود، كأنه… لم يكن يرى الواقع أبدًا.
لطالما ارتبطت الحفلات الراقصة بالمساء، بالموسيقى الناعمة المنسابة بين أضواء الشموع، بالظلال الطويلة التي تتراقص على الجدران. الليل هو الوقت المثالي لرقصة تحمل طابع الغموض والإثارة، حيث تمتزج الأقدام فوق الأرضية المصقولة بانسيابية، وكأنها جزء من سيمفونية سحرية لا يراها إلا من كان جزءًا منها.
حركت كوب القهوة ببطء بين أصابعي، مشاهدًا الدوائر التي تكونت على سطحها مع كل حركة، ثم رفعت بصري إليه وتحدثت، بنبرة محايدة، لكن مع لمحة خفيفة من السخرية الخفية:
أما في وضح النهار؟ في منتصف الظهيرة؟ تحت أشعة الشمس الحارقة؟ الفكرة تبدو… خاطئة أو لنقل مضللة.
شعرت بعضلات فكي تنقبض، حاولت إغلاق فمي بقوة، قاضمًا على شفتي، محاولًا كتمها. كانت كفاي ترتجفان، وكأن شيئًا ما يعبث بأعماقي، يحاول جري نحو الجنون، نحو هاوية لا قاع لها.
“إدوارد، أنا واثق أنك ستجتمع مع حبيبتك يومًا ما.”
حاولت العثور على بعض الهدوء، لكن أفكاري تحطمت فجأة بصوت الجرس الذي دوّى في أرجاء المقهى، كاسرًا السكون برنينه المعدني القاسي.
لقد سمعت الكثير من القصص الغبية في حياتي، لكن هذه؟
رفعت بصري نحو الباب، وهناك رأيته…
“سنلتقي لاحقًا، إدوارد. أنا مشغول.”
تبًا، إنه إدوارد.
وغد الحب اللعين.
زفرت ببطء، بينما كان ذلك الرجل يشق طريقه إلى الداخل. إدوارد… حالة خاصة من الغباء الإنساني.
“هيا، إدوارد، أنت تعرف… اليوم نفسه يعيد نفسه. لا شيء جديد، لكنني بخير.”
التقيت بالكثير من الأغبياء هذا الأسبوع، لكن إدوارد…؟
رفع يديه قليلًا قبل أن يسندهما على الطاولة، ثم تنهد بعمق كما لو كان يحمل عبئًا ثقيلًا على كاهله، عبئًا لا يمكن لأحد سواه فهمه.
إدوارد هو ذلك النوع من الأشخاص الذين يجعلك تشكك في قوانين الفيزياء والمنطق. شخص يعيش وكأنه في قصة رومانسية كتبها كاتب سيئ، يؤمن أن العواطف يمكنها التغلب على الواقع، وأن الكلمات المنمقة يمكنها حل كل شيء.
“أوه، شكرًا لسؤالك!”
شيء لا يبدو صحيحًا وكنت أعرف السبب.
وها هو الآن، يقف بثقته المبالغ بها أمام امرأة تجلس بجانب الحائط، ينظر إليها بنظرة حالمة، ثم يفتح فمه ليقول، بصوت مشحون بالمشاعر وكأنه يلقي خطبة في معبد الحب نفسه:
“قد أكون بعيدًا عنك، لا أراك متى ما أردت، لا ألمسك، ولا أستطيع معانقتك… لكني أحبك أكثر من الذين يرونك عن قرب. أحملك معي أينما ذهبت، وأشعر بك حتى وإن كان يفصلنا الكثير.”
جديًا؟
ألقيت نظرة على ساعتي، كانت عقاربها تشير إلى التاسعة والنصف صباحًا. أمامي ساعتان ونصف حتى يبدأ الحفل، مما يمنحني مساحة كافية للتحضير، ولكن…
شعرت برغبة عارمة في الضحك. كيف استطاع قول تلك الكلمات بذلك التعبير الجاد المثير للشفقة؟
تساءلت للحظة، هل قضى الليل كاملًا يتمرن أمام المرآة، يعيد هذه الجملة عشرات المرات حتى أتقن نطقها بنفس هذا القدر من التفاني؟ أم أنه أحد أولئك المغفلين الذين يعتقدون أن العاطفة الصادقة تكفي لجعلهم أبطالًا في أعين النساء؟
ظللت أراقبه للحظات، متأملًا كيف يمكن لإنسان أن يكون بهذه السذاجة، وكيف يمكن لشخص أن يتمسك بهذا النوع من الأمل اليائس. لم يكن يدرك، أو ربما كان يرفض الإدراك، أن ما يطارده مجرد وهم، حلمٌ لم يكن له يومًا أن يتحقق. لكنه، رغم ذلك، لم يتوقف.
القدر، وعمله الجاد كما يحب أن يقول.
أما بالنسبة لتلك الشابة، فقد كانت تجيد إخفاء تعابيرها جيدًا، لكني رأيت كيف شدت أصابعها على طرف فستانها، كيف ارتعشت زاوية شفتيها لثانية واحدة فقط، قبل أن تستعيد سيطرتها على نفسها.
كانت تقمع دموعها.
التقيت بالكثير من الأغبياء هذا الأسبوع، لكن إدوارد…؟
مرّت لحظة من الصمت المشحون، قبل أن تهمس بصوت خافت لكنه مشحون بالعاطفة:
تساءلت للحظة، هل قضى الليل كاملًا يتمرن أمام المرآة، يعيد هذه الجملة عشرات المرات حتى أتقن نطقها بنفس هذا القدر من التفاني؟ أم أنه أحد أولئك المغفلين الذين يعتقدون أن العاطفة الصادقة تكفي لجعلهم أبطالًا في أعين النساء؟
“إدوارد… احصل على تلك الورقة، وسنكون معًا.”
كانت مفاجئة، متفجرة، مميتة.
إستمع إلي دون أن يرمش، دون أن يتردد. كأنه لم يسمع السخرية خلف كلماتي، كأنه مؤمن تمامًا بهذا المصير الموعود، كأنه… لم يكن يرى الواقع أبدًا.
نهضت بعدها، دفعت حسابها بسرعة، ثم خرجت، تاركة وراءها رجلًا وقف هناك بلا حراك، كتمثال منحوت من الغباء العاطفي، يحدّق بالفراغ الذي تركته، وكأن روحه غادرت جسده للحاق بها.
تنفست ببطء، أعطيت نفسي لحظات لإعادة التركيز، ثم شددت قبضتي، متمسكًا ببقايا هدوئي. لابد أنها إحدى أعراض القناع، لعنة هذا الشيء، لكنه… فعال.
يا له من مشهد…
التفتُّ إلى قهوتي الباردة، ارتشفت آخر قطرة متبقية منها، قبل أن أضع الفنجان جانبًا وأتمتم لنفسي، بنبرة خالية من أي تعاطف:
“تلك الورقة النقدية.”
“إدوارد، أنا واثق أنك ستجتمع مع حبيبتك يومًا ما.”
“بعض الناس لا يتعلمون أبدًا.”
ما زلت أراقب إدوارد، الذي بدأ يجول بنظره في المكان ببطء، كما لو كان يبحث عن شيء محدد أو يتأكد من أن أحدًا لم يتنصّت على حديثه القادم.
تابعت المشي عبر الأزقة المتعرجة، متجاهلًا صخب المدينة الذي بدأ يخفت كلما تعمقت في الشوارع الخلفية. الجدران هنا كانت متسخة، رطبة، والمباني بدت كأنها تلفظ أنفاسها الأخيرة، متهالكة تحت وطأة الزمن والإهمال.
لم يمر وقت طويل قبل أن تلتقي أعيننا.
المبنى كان ميتًا.
عيني الباردة التي لم تتغير، تنظر إليه بلا تعبير، في حين أنه، كالعادة، يواجهها بتلك الابتسامة الغبية المرسومة على وجهه، والتي كانت، بطريقة ما، مزعجة أكثر مما ينبغي.
كانت مفاجئة، متفجرة، مميتة.
تمتمتُ في سري بكلمة واحدة:
خرجت من ظل المبنى المحترق، متوجهًا إلى الخلف، حيث كان باب القبو المهجور ينتظرني.
“غبي.”
لكني سرعان ما تداركت الموقف، ورسمت على شفتي ابتسامة خفيفة، قبل أن أشير له بالجلوس معي.
رفعت بصري نحو الباب، وهناك رأيته…
تبا…!
اقترب بخطوات واثقة، وسحب الكرسي أمامي، ثم جلس وهو يحييني بنبرة ودودة كعادته:
القدر، وعمله الجاد كما يحب أن يقول.
تحركت بحذر، متتبعًا الجدران الحجرية التي كانت باردة تحت أناملي، مغطاة بطبقة رطبة من العفن. رائحة المكان كانت خانقة—مزيج من الرطوبة والمياه الراكدة والهواء القديم الذي لم يتحرك منذ سنوات.
“أهلاً، سيد ثيودور. كيف حالك اليوم؟”
إدوارد يؤمن بأن هذه الورقة لا يمكن تزويرها، وأن القدر وحده هو من سيحدد إن كان سيعثر عليها أم لا.
نظرت إليه بابتسامة جانبية، قبل أن أضحك ضحكة قصيرة، خالية من أي حماسة حقيقية.
“هيا، إدوارد، أنت تعرف… اليوم نفسه يعيد نفسه. لا شيء جديد، لكنني بخير.”
استمررت بالتقدم.
“ماذا عنك؟”
“أوه، شكرًا لسؤالك!”
رفع يديه قليلًا قبل أن يسندهما على الطاولة، ثم تنهد بعمق كما لو كان يحمل عبئًا ثقيلًا على كاهله، عبئًا لا يمكن لأحد سواه فهمه.
إدوارد هو ذلك النوع من الأشخاص الذين يجعلك تشكك في قوانين الفيزياء والمنطق. شخص يعيش وكأنه في قصة رومانسية كتبها كاتب سيئ، يؤمن أن العواطف يمكنها التغلب على الواقع، وأن الكلمات المنمقة يمكنها حل كل شيء.
“أظنني نوعًا ما مثلك، ما زلت أبحث عن تلك الورقة النقدية هنا وهناك، لكن لا شيء جديد… كل يوم بدون فائدة.”
“أوه، شكرًا لسؤالك!”
“إدوارد، أنا واثق أنك ستجتمع مع حبيبتك يومًا ما.”
آه، بالطبع.
أما بالنسبة لتلك الشابة، فقد كانت تجيد إخفاء تعابيرها جيدًا، لكني رأيت كيف شدت أصابعها على طرف فستانها، كيف ارتعشت زاوية شفتيها لثانية واحدة فقط، قبل أن تستعيد سيطرتها على نفسها.
“تلك الورقة النقدية.”
هذا بالضبط ما جعلني أطلق عليه لقب “الغبي”.
لكن الأمر لا ينتهي عند هذا الحد، لا، بل يزيد جنونًا.
اقترب بخطوات واثقة، وسحب الكرسي أمامي، ثم جلس وهو يحييني بنبرة ودودة كعادته:
تخيل أن تكتب عهدًا رسميًا مع والد حبيبتك، ينص على أنك ستتزوجها فقط إذا وجدت ورقة نقدية محددة، مرسومة بعلامة شعار عائلتها!
رفع يديه قليلًا قبل أن يسندهما على الطاولة، ثم تنهد بعمق كما لو كان يحمل عبئًا ثقيلًا على كاهله، عبئًا لا يمكن لأحد سواه فهمه.
يالها من صفقة مثيرة للسخرية.
تخيل أن تكتب عهدًا رسميًا مع والد حبيبتك، ينص على أنك ستتزوجها فقط إذا وجدت ورقة نقدية محددة، مرسومة بعلامة شعار عائلتها!
زفرت بهدوء، ثم وقفت دون استعجال، ساحبا الكرسي قليلًا للخلف، ووضعت يدي في جيبي بينما ألقيت عليه نظرة خالية من الاهتمام.
لكن الأمر لا ينتهي عند هذا الحد، لا، بل يزيد جنونًا.
“تلك الورقة النقدية.”
إدوارد يؤمن بأن هذه الورقة لا يمكن تزويرها، وأن القدر وحده هو من سيحدد إن كان سيعثر عليها أم لا.
“غبي.”
نهضت بعدها، دفعت حسابها بسرعة، ثم خرجت، تاركة وراءها رجلًا وقف هناك بلا حراك، كتمثال منحوت من الغباء العاطفي، يحدّق بالفراغ الذي تركته، وكأن روحه غادرت جسده للحاق بها.
القدر، وعمله الجاد كما يحب أن يقول.
تابعت المشي عبر الأزقة المتعرجة، متجاهلًا صخب المدينة الذي بدأ يخفت كلما تعمقت في الشوارع الخلفية. الجدران هنا كانت متسخة، رطبة، والمباني بدت كأنها تلفظ أنفاسها الأخيرة، متهالكة تحت وطأة الزمن والإهمال.
لقد سمعت الكثير من القصص الغبية في حياتي، لكن هذه؟
أخذت نفسًا عميقًا، ثم وضعت القناع على وجهي.
هذه تصل إلى مستوى جديد من السذاجة.
لوّحت لها بيدي بلا مبالاة، ثم استدرت دون أن أنتظر ردها، متجهًا مباشرة نحو باب المقهى، تاركًا خلفي الدفء الخفيف ورائحة القهوة.
من الواضح أن والدها لم يكن يريد تزويجه بها ببساطة، لكن بدلاً من قول “لا” بطريقة مباشرة، قرر أن يعطيه هذا الشرط السخيف، ظانًا أنه سيستسلم.
القدر، وعمله الجاد كما يحب أن يقول.
رفع يديه قليلًا قبل أن يسندهما على الطاولة، ثم تنهد بعمق كما لو كان يحمل عبئًا ثقيلًا على كاهله، عبئًا لا يمكن لأحد سواه فهمه.
لكنه لم يفعل.
إدوارد ليس فقط غبيًا، بل عنيد أيضًا، وهذه أسوأ تركيبة ممكنة.
مرّت لحظة من الصمت المشحون، قبل أن تهمس بصوت خافت لكنه مشحون بالعاطفة:
بعد لحظة، وضعتها في يدها، ثم قلت بنبرة هادئة:
حركت كوب القهوة ببطء بين أصابعي، مشاهدًا الدوائر التي تكونت على سطحها مع كل حركة، ثم رفعت بصري إليه وتحدثت، بنبرة محايدة، لكن مع لمحة خفيفة من السخرية الخفية:
لكن الأمر لا ينتهي عند هذا الحد، لا، بل يزيد جنونًا.
“إدوارد، أنا واثق أنك ستجتمع مع حبيبتك يومًا ما.”
“قد أكون بعيدًا عنك، لا أراك متى ما أردت، لا ألمسك، ولا أستطيع معانقتك… لكني أحبك أكثر من الذين يرونك عن قرب. أحملك معي أينما ذهبت، وأشعر بك حتى وإن كان يفصلنا الكثير.”
هدفي؟ عصابة “اليد العلوية”.
إستمع إلي دون أن يرمش، دون أن يتردد. كأنه لم يسمع السخرية خلف كلماتي، كأنه مؤمن تمامًا بهذا المصير الموعود، كأنه… لم يكن يرى الواقع أبدًا.
لم أستطع سوى النظر إلى هذا الغبي.
ثم نظرت إلى الدفتر أمامها وأردفت بعد لحظة قصيرة:
كان مكسورًا، مخلوعًا نصفه، يكشف عن درج حجري غارق في الظلام.
ظللت أراقبه للحظات، متأملًا كيف يمكن لإنسان أن يكون بهذه السذاجة، وكيف يمكن لشخص أن يتمسك بهذا النوع من الأمل اليائس. لم يكن يدرك، أو ربما كان يرفض الإدراك، أن ما يطارده مجرد وهم، حلمٌ لم يكن له يومًا أن يتحقق. لكنه، رغم ذلك، لم يتوقف.
زفرت بهدوء، ثم وقفت دون استعجال، ساحبا الكرسي قليلًا للخلف، ووضعت يدي في جيبي بينما ألقيت عليه نظرة خالية من الاهتمام.
“سنلتقي لاحقًا، إدوارد. أنا مشغول.”
زفرت ببطء، بينما كان ذلك الرجل يشق طريقه إلى الداخل. إدوارد… حالة خاصة من الغباء الإنساني.
لم أضف أي شيء آخر، ولم أترك له فرصة للرد.
التقيت بالكثير من الأغبياء هذا الأسبوع، لكن إدوارد…؟
استمررت بالتقدم.
بخطوات ثابتة، دفعت الكرسي إلى مكانه، ثم استدرت متجهًا نحو زاوية المقهى، حيث كانت النادلة تقف خلف المنضدة، ترتب بعض الأكواب بعناية كأنها تؤدي طقسًا مقدسًا في عالم لا مبالٍ.
رفعت نظرها إليّ فور اقترابي، رسمت ابتسامة خفيفة على وجهها المألوف، وقالت بنبرة هادئة:
أخذت نفسًا عميقًا، ثم انحنيت، متسللًا عبره.
“أهلاً سيدي.”
ثم نظرت إلى الدفتر أمامها وأردفت بعد لحظة قصيرة:
“حسابك هو قطعة فضية واحدة.”
“حسابك هو قطعة فضية واحدة.”
الظلام في الداخل كان مختلفًا—ليس مجرد غياب للضوء، بل شيء آخر، أكثر عمقًا، أكثر… تهديدًا.
المبنى كان ميتًا.
لم أجب على الفور. بدلاً من ذلك، دست يدي في جيب معطفي، وأخرجت القطعة النقدية بأطراف أصابعي، قبل أن أديرها بين يدي ببطء، متلذذًا بصوت احتكاك المعدن البارد بأطراف أناملي. كانت حركة تلقائية، عادة قديمة ربما، لكنها كانت تمنحني لحظات إضافية من التفكير.
فهمت وضعهم العام بفضل هارونلد، رغم أنه لم يكن يعلم شيئًا عن “الجرذان الثلاثة الراقصة”.
بعد لحظة، وضعتها في يدها، ثم قلت بنبرة هادئة:
الرغبة في الضحك.
“شكرًا لك على الوجبة.”
“أوه، شكرًا لسؤالك!”
لوّحت لها بيدي بلا مبالاة، ثم استدرت دون أن أنتظر ردها، متجهًا مباشرة نحو باب المقهى، تاركًا خلفي الدفء الخفيف ورائحة القهوة.
إستمع إلي دون أن يرمش، دون أن يتردد. كأنه لم يسمع السخرية خلف كلماتي، كأنه مؤمن تمامًا بهذا المصير الموعود، كأنه… لم يكن يرى الواقع أبدًا.
ما إن خرجت حتى استقبلني الهواء البارد المنعش.
الرغبة في الضحك.
كانت السماء ملبدة بالغيوم الرمادية، تكسو المدينة بهالة كئيبة لكنها جميلة بطريقتها الخاصة. الشوارع، رغم الهدوء النسبي، لم تخلُ من الحركة رجال بأزياء رسمية يتجهون إلى أعمالهم، نساء يعبرن الأرصفة بحذر، أطفال يتراكضون بين الأزقة، والباعة ينادون على بضائعهم بعبارات مكررة حفظتها الآذان.
بعد لحظة، وضعتها في يدها، ثم قلت بنبرة هادئة:
كان الطقس لطيفًا، لكنه لم يكن مهمًا بالنسبة لي، لأن وجهتي التالية كانت كفيلة بجعل أي شعور بالراحة يتبخر كالدخان.
أو ربما… القناع كان يساعدني على الرؤية.
كانت تقمع دموعها.
تابعت المشي عبر الأزقة المتعرجة، متجاهلًا صخب المدينة الذي بدأ يخفت كلما تعمقت في الشوارع الخلفية. الجدران هنا كانت متسخة، رطبة، والمباني بدت كأنها تلفظ أنفاسها الأخيرة، متهالكة تحت وطأة الزمن والإهمال.
لم يمر وقت طويل قبل أن تلتقي أعيننا.
استمررت في المشي لفترة طويلة، حتى وصلت أخيرًا إلى ذلك المكان المهجور.
كانت تقمع دموعها.
“ماذا عنك؟”
المبنى كان ميتًا.
بقاياه المتفحمة وقفت كشاهد صامت على ماضٍ مأساوي، نوافذه المحطمة أشبه بأعين فارغة تحدق في العدم، وجدرانه السوداء تحكي قصة حريق لم يترك سوى الرماد. المكان كان هادئًا بشكل غير طبيعي، كأن المدينة بأكملها قررت تجاهله، كأن الزمن توقف عنده.
هذا بالضبط ما جعلني أطلق عليه لقب “الغبي”.
تقدمت ببطء، دخلت إلى ظلاله، وهناك، بعيدًا عن الأنظار، فتحت حقيبتي وأخرجت القناع.
بعد دقائق، كنت قد أنهيت فطوري بالكامل. لم يكن سيئًا، بل كان جيدًا حقًا لكن طعمه لم يترك أثرًا في ذاكرتي. مجرد وقود للجسد، لا أكثر، لا متعة حقيقية فيه.
ظللت أراقبه للحظات، متأملًا تفاصيله الغريبة. قناع المهرج قطعة خشبية مطلية، يغطيها الأبيض القاتم وتتخللها لمسات من الأحمر الصارخ، منحوتة بعناية لتشكل ابتسامة ملتوية غير طبيعية، عميقة كأنها صدع في جدار الواقع. العيون الجوفاء، سوداء كفراغ لا نهاية له، بدت وكأنها تحدق بي من داخل هاوية غير مرئية.
آه، بالطبع.
تساءلت للحظة، هل قضى الليل كاملًا يتمرن أمام المرآة، يعيد هذه الجملة عشرات المرات حتى أتقن نطقها بنفس هذا القدر من التفاني؟ أم أنه أحد أولئك المغفلين الذين يعتقدون أن العاطفة الصادقة تكفي لجعلهم أبطالًا في أعين النساء؟
بدا كأنه كيان مستقل، يحدق بي كما أحدق به، كأن بيننا فهماً غير منطوق.
أما بالنسبة لتلك الشابة، فقد كانت تجيد إخفاء تعابيرها جيدًا، لكني رأيت كيف شدت أصابعها على طرف فستانها، كيف ارتعشت زاوية شفتيها لثانية واحدة فقط، قبل أن تستعيد سيطرتها على نفسها.
أخذت نفسًا عميقًا، ثم وضعت القناع على وجهي.
وفي اللحظة التي التصق فيها بجلدي، شعرت بشيء غريب يتحرك بداخلي.
“شكرًا لك على الوجبة.”
وها هو الآن، يقف بثقته المبالغ بها أمام امرأة تجلس بجانب الحائط، ينظر إليها بنظرة حالمة، ثم يفتح فمه ليقول، بصوت مشحون بالمشاعر وكأنه يلقي خطبة في معبد الحب نفسه:
رعشة خفيفة تسللت إلى أطرافي، ثم انتشرت ببطء عبر جسدي، كتيار كهربائي بارد يوقظ شيئًا نائمًا في أعماقي.
زفرت بهدوء، ثم وقفت دون استعجال، ساحبا الكرسي قليلًا للخلف، ووضعت يدي في جيبي بينما ألقيت عليه نظرة خالية من الاهتمام.
ثم جاءت الرغبة.
الرغبة في الضحك.
كانت مفاجئة، متفجرة، مميتة.
شعرت بعضلات فكي تنقبض، حاولت إغلاق فمي بقوة، قاضمًا على شفتي، محاولًا كتمها. كانت كفاي ترتجفان، وكأن شيئًا ما يعبث بأعماقي، يحاول جري نحو الجنون، نحو هاوية لا قاع لها.
إدوارد يؤمن بأن هذه الورقة لا يمكن تزويرها، وأن القدر وحده هو من سيحدد إن كان سيعثر عليها أم لا.
تبا…!
تساءلت للحظة، هل قضى الليل كاملًا يتمرن أمام المرآة، يعيد هذه الجملة عشرات المرات حتى أتقن نطقها بنفس هذا القدر من التفاني؟ أم أنه أحد أولئك المغفلين الذين يعتقدون أن العاطفة الصادقة تكفي لجعلهم أبطالًا في أعين النساء؟
شعرت بعضلات فكي تنقبض، حاولت إغلاق فمي بقوة، قاضمًا على شفتي، محاولًا كتمها. كانت كفاي ترتجفان، وكأن شيئًا ما يعبث بأعماقي، يحاول جري نحو الجنون، نحو هاوية لا قاع لها.
ظللت أراقبه للحظات، متأملًا تفاصيله الغريبة. قناع المهرج قطعة خشبية مطلية، يغطيها الأبيض القاتم وتتخللها لمسات من الأحمر الصارخ، منحوتة بعناية لتشكل ابتسامة ملتوية غير طبيعية، عميقة كأنها صدع في جدار الواقع. العيون الجوفاء، سوداء كفراغ لا نهاية له، بدت وكأنها تحدق بي من داخل هاوية غير مرئية.
الإمساك بالسيد هارف هو البداية.
“ليس الآن… ليس الآن…”
شعرت برغبة عارمة في الضحك. كيف استطاع قول تلك الكلمات بذلك التعبير الجاد المثير للشفقة؟
تنفست ببطء، أعطيت نفسي لحظات لإعادة التركيز، ثم شددت قبضتي، متمسكًا ببقايا هدوئي. لابد أنها إحدى أعراض القناع، لعنة هذا الشيء، لكنه… فعال.
وقت العمل.
القدر، وعمله الجاد كما يحب أن يقول.
خرجت من ظل المبنى المحترق، متوجهًا إلى الخلف، حيث كان باب القبو المهجور ينتظرني.
“أهلاً، سيد ثيودور. كيف حالك اليوم؟”
كان مكسورًا، مخلوعًا نصفه، يكشف عن درج حجري غارق في الظلام.
إدوارد هو ذلك النوع من الأشخاص الذين يجعلك تشكك في قوانين الفيزياء والمنطق. شخص يعيش وكأنه في قصة رومانسية كتبها كاتب سيئ، يؤمن أن العواطف يمكنها التغلب على الواقع، وأن الكلمات المنمقة يمكنها حل كل شيء.
دفعته قليلًا، ثم دلفت إلى الداخل.
خرجت من ظل المبنى المحترق، متوجهًا إلى الخلف، حيث كان باب القبو المهجور ينتظرني.
رفعت بصري نحو الباب، وهناك رأيته…
الداخل كان مظلمًا، لكنه لم يكن حالك السواد.
كان الطقس لطيفًا، لكنه لم يكن مهمًا بالنسبة لي، لأن وجهتي التالية كانت كفيلة بجعل أي شعور بالراحة يتبخر كالدخان.
أو ربما… القناع كان يساعدني على الرؤية.
“بعض الناس لا يتعلمون أبدًا.”
تحركت بحذر، متتبعًا الجدران الحجرية التي كانت باردة تحت أناملي، مغطاة بطبقة رطبة من العفن. رائحة المكان كانت خانقة—مزيج من الرطوبة والمياه الراكدة والهواء القديم الذي لم يتحرك منذ سنوات.
إدوارد ليس فقط غبيًا، بل عنيد أيضًا، وهذه أسوأ تركيبة ممكنة.
“أوه، شكرًا لسؤالك!”
كل شيء هنا كان يوحي بالموت.
لكني لم أكن هنا للاستكشاف.
كان الطقس لطيفًا، لكنه لم يكن مهمًا بالنسبة لي، لأن وجهتي التالية كانت كفيلة بجعل أي شعور بالراحة يتبخر كالدخان.
هدفي؟ عصابة “اليد العلوية”.
شعرت برغبة عارمة في الضحك. كيف استطاع قول تلك الكلمات بذلك التعبير الجاد المثير للشفقة؟
أما في وضح النهار؟ في منتصف الظهيرة؟ تحت أشعة الشمس الحارقة؟ الفكرة تبدو… خاطئة أو لنقل مضللة.
ليس الآن بالطبع، لكن سيحين الوقت لتدميرهم لاحقًا.
فهمت وضعهم العام بفضل هارونلد، رغم أنه لم يكن يعلم شيئًا عن “الجرذان الثلاثة الراقصة”.
فهمت وضعهم العام بفضل هارونلد، رغم أنه لم يكن يعلم شيئًا عن “الجرذان الثلاثة الراقصة”.
استمررت بالتقدم.
وقت العمل.
في نهاية الممر، كان هناك برميل معدني ضخم، مطلي باللون الأحمر القاتم.
لم يكن سوى غطاء لممر سري.
صرير خافت تردد في الفراغ، بينما انكشف ثقب خلفه، بالكاد يتسع لشخص واحد.
“إدوارد… احصل على تلك الورقة، وسنكون معًا.”
تقدمت نحوه، وضعت يدي عليه، وسحبته ببطء.
صرير خافت تردد في الفراغ، بينما انكشف ثقب خلفه، بالكاد يتسع لشخص واحد.
الظلام في الداخل كان مختلفًا—ليس مجرد غياب للضوء، بل شيء آخر، أكثر عمقًا، أكثر… تهديدًا.
أخذت نفسًا عميقًا، ثم انحنيت، متسللًا عبره.
لقد سمعت الكثير من القصص الغبية في حياتي، لكن هذه؟
“قد أكون بعيدًا عنك، لا أراك متى ما أردت، لا ألمسك، ولا أستطيع معانقتك… لكني أحبك أكثر من الذين يرونك عن قرب. أحملك معي أينما ذهبت، وأشعر بك حتى وإن كان يفصلنا الكثير.”
شيء لا يبدو صحيحًا وكنت أعرف السبب.
“أظنني نوعًا ما مثلك، ما زلت أبحث عن تلك الورقة النقدية هنا وهناك، لكن لا شيء جديد… كل يوم بدون فائدة.”
إستمع إلي دون أن يرمش، دون أن يتردد. كأنه لم يسمع السخرية خلف كلماتي، كأنه مؤمن تمامًا بهذا المصير الموعود، كأنه… لم يكن يرى الواقع أبدًا.
