وغد الحب
بعد دقائق، كنت قد أنهيت فطوري بالكامل. لم يكن سيئًا، بل كان جيدًا حقًا لكن طعمه لم يترك أثرًا في ذاكرتي. مجرد وقود للجسد، لا أكثر، لا متعة حقيقية فيه.
“غبي.”
الرغبة في الضحك.
ارتشفت آخر قطرة من قهوتي، متلذذًا بالدفء الخفيف الذي تسرب إلى أصابعي عبر الفنجان، ثم وضعته جانبًا ببطء. حان وقت التفكير.
رفعت بصري نحو الباب، وهناك رأيته…
الإمساك بالسيد هارف هو البداية.
“ماذا عنك؟”
ألقيت نظرة على ساعتي، كانت عقاربها تشير إلى التاسعة والنصف صباحًا. أمامي ساعتان ونصف حتى يبدأ الحفل، مما يمنحني مساحة كافية للتحضير، ولكن…
“أهلاً سيدي.”
حفلة راقصة في الثانية عشرة ظهرًا؟
أخذت نفسًا عميقًا، ثم انحنيت، متسللًا عبره.
شيء لا يبدو صحيحًا وكنت أعرف السبب.
رفع يديه قليلًا قبل أن يسندهما على الطاولة، ثم تنهد بعمق كما لو كان يحمل عبئًا ثقيلًا على كاهله، عبئًا لا يمكن لأحد سواه فهمه.
لكني لم أكن هنا للاستكشاف.
لطالما ارتبطت الحفلات الراقصة بالمساء، بالموسيقى الناعمة المنسابة بين أضواء الشموع، بالظلال الطويلة التي تتراقص على الجدران. الليل هو الوقت المثالي لرقصة تحمل طابع الغموض والإثارة، حيث تمتزج الأقدام فوق الأرضية المصقولة بانسيابية، وكأنها جزء من سيمفونية سحرية لا يراها إلا من كان جزءًا منها.
أما في وضح النهار؟ في منتصف الظهيرة؟ تحت أشعة الشمس الحارقة؟ الفكرة تبدو… خاطئة أو لنقل مضللة.
لم أستطع سوى النظر إلى هذا الغبي.
رفعت بصري نحو الباب، وهناك رأيته…
حاولت العثور على بعض الهدوء، لكن أفكاري تحطمت فجأة بصوت الجرس الذي دوّى في أرجاء المقهى، كاسرًا السكون برنينه المعدني القاسي.
صرير خافت تردد في الفراغ، بينما انكشف ثقب خلفه، بالكاد يتسع لشخص واحد.
رفعت بصري نحو الباب، وهناك رأيته…
“قد أكون بعيدًا عنك، لا أراك متى ما أردت، لا ألمسك، ولا أستطيع معانقتك… لكني أحبك أكثر من الذين يرونك عن قرب. أحملك معي أينما ذهبت، وأشعر بك حتى وإن كان يفصلنا الكثير.”
تبًا، إنه إدوارد.
لكن الأمر لا ينتهي عند هذا الحد، لا، بل يزيد جنونًا.
كانت تقمع دموعها.
وغد الحب اللعين.
كانت تقمع دموعها.
زفرت ببطء، بينما كان ذلك الرجل يشق طريقه إلى الداخل. إدوارد… حالة خاصة من الغباء الإنساني.
يالها من صفقة مثيرة للسخرية.
التقيت بالكثير من الأغبياء هذا الأسبوع، لكن إدوارد…؟
لكني سرعان ما تداركت الموقف، ورسمت على شفتي ابتسامة خفيفة، قبل أن أشير له بالجلوس معي.
إدوارد هو ذلك النوع من الأشخاص الذين يجعلك تشكك في قوانين الفيزياء والمنطق. شخص يعيش وكأنه في قصة رومانسية كتبها كاتب سيئ، يؤمن أن العواطف يمكنها التغلب على الواقع، وأن الكلمات المنمقة يمكنها حل كل شيء.
استمررت بالتقدم.
وها هو الآن، يقف بثقته المبالغ بها أمام امرأة تجلس بجانب الحائط، ينظر إليها بنظرة حالمة، ثم يفتح فمه ليقول، بصوت مشحون بالمشاعر وكأنه يلقي خطبة في معبد الحب نفسه:
“أظنني نوعًا ما مثلك، ما زلت أبحث عن تلك الورقة النقدية هنا وهناك، لكن لا شيء جديد… كل يوم بدون فائدة.”
“قد أكون بعيدًا عنك، لا أراك متى ما أردت، لا ألمسك، ولا أستطيع معانقتك… لكني أحبك أكثر من الذين يرونك عن قرب. أحملك معي أينما ذهبت، وأشعر بك حتى وإن كان يفصلنا الكثير.”
كان مكسورًا، مخلوعًا نصفه، يكشف عن درج حجري غارق في الظلام.
جديًا؟
هدفي؟ عصابة “اليد العلوية”.
كانت مفاجئة، متفجرة، مميتة.
شعرت برغبة عارمة في الضحك. كيف استطاع قول تلك الكلمات بذلك التعبير الجاد المثير للشفقة؟
حركت كوب القهوة ببطء بين أصابعي، مشاهدًا الدوائر التي تكونت على سطحها مع كل حركة، ثم رفعت بصري إليه وتحدثت، بنبرة محايدة، لكن مع لمحة خفيفة من السخرية الخفية:
تساءلت للحظة، هل قضى الليل كاملًا يتمرن أمام المرآة، يعيد هذه الجملة عشرات المرات حتى أتقن نطقها بنفس هذا القدر من التفاني؟ أم أنه أحد أولئك المغفلين الذين يعتقدون أن العاطفة الصادقة تكفي لجعلهم أبطالًا في أعين النساء؟
تابعت المشي عبر الأزقة المتعرجة، متجاهلًا صخب المدينة الذي بدأ يخفت كلما تعمقت في الشوارع الخلفية. الجدران هنا كانت متسخة، رطبة، والمباني بدت كأنها تلفظ أنفاسها الأخيرة، متهالكة تحت وطأة الزمن والإهمال.
أما بالنسبة لتلك الشابة، فقد كانت تجيد إخفاء تعابيرها جيدًا، لكني رأيت كيف شدت أصابعها على طرف فستانها، كيف ارتعشت زاوية شفتيها لثانية واحدة فقط، قبل أن تستعيد سيطرتها على نفسها.
تبا…!
ما إن خرجت حتى استقبلني الهواء البارد المنعش.
كانت تقمع دموعها.
“أهلاً سيدي.”
مرّت لحظة من الصمت المشحون، قبل أن تهمس بصوت خافت لكنه مشحون بالعاطفة:
إدوارد ليس فقط غبيًا، بل عنيد أيضًا، وهذه أسوأ تركيبة ممكنة.
“إدوارد… احصل على تلك الورقة، وسنكون معًا.”
“ماذا عنك؟”
نهضت بعدها، دفعت حسابها بسرعة، ثم خرجت، تاركة وراءها رجلًا وقف هناك بلا حراك، كتمثال منحوت من الغباء العاطفي، يحدّق بالفراغ الذي تركته، وكأن روحه غادرت جسده للحاق بها.
هدفي؟ عصابة “اليد العلوية”.
يا له من مشهد…
إستمع إلي دون أن يرمش، دون أن يتردد. كأنه لم يسمع السخرية خلف كلماتي، كأنه مؤمن تمامًا بهذا المصير الموعود، كأنه… لم يكن يرى الواقع أبدًا.
“أهلاً، سيد ثيودور. كيف حالك اليوم؟”
التفتُّ إلى قهوتي الباردة، ارتشفت آخر قطرة متبقية منها، قبل أن أضع الفنجان جانبًا وأتمتم لنفسي، بنبرة خالية من أي تعاطف:
“بعض الناس لا يتعلمون أبدًا.”
ما زلت أراقب إدوارد، الذي بدأ يجول بنظره في المكان ببطء، كما لو كان يبحث عن شيء محدد أو يتأكد من أن أحدًا لم يتنصّت على حديثه القادم.
أو ربما… القناع كان يساعدني على الرؤية.
لم يمر وقت طويل قبل أن تلتقي أعيننا.
ألقيت نظرة على ساعتي، كانت عقاربها تشير إلى التاسعة والنصف صباحًا. أمامي ساعتان ونصف حتى يبدأ الحفل، مما يمنحني مساحة كافية للتحضير، ولكن…
عيني الباردة التي لم تتغير، تنظر إليه بلا تعبير، في حين أنه، كالعادة، يواجهها بتلك الابتسامة الغبية المرسومة على وجهه، والتي كانت، بطريقة ما، مزعجة أكثر مما ينبغي.
تمتمتُ في سري بكلمة واحدة:
شيء لا يبدو صحيحًا وكنت أعرف السبب.
“غبي.”
التفتُّ إلى قهوتي الباردة، ارتشفت آخر قطرة متبقية منها، قبل أن أضع الفنجان جانبًا وأتمتم لنفسي، بنبرة خالية من أي تعاطف:
لكني سرعان ما تداركت الموقف، ورسمت على شفتي ابتسامة خفيفة، قبل أن أشير له بالجلوس معي.
تابعت المشي عبر الأزقة المتعرجة، متجاهلًا صخب المدينة الذي بدأ يخفت كلما تعمقت في الشوارع الخلفية. الجدران هنا كانت متسخة، رطبة، والمباني بدت كأنها تلفظ أنفاسها الأخيرة، متهالكة تحت وطأة الزمن والإهمال.
اقترب بخطوات واثقة، وسحب الكرسي أمامي، ثم جلس وهو يحييني بنبرة ودودة كعادته:
تحركت بحذر، متتبعًا الجدران الحجرية التي كانت باردة تحت أناملي، مغطاة بطبقة رطبة من العفن. رائحة المكان كانت خانقة—مزيج من الرطوبة والمياه الراكدة والهواء القديم الذي لم يتحرك منذ سنوات.
“أهلاً، سيد ثيودور. كيف حالك اليوم؟”
“أهلاً سيدي.”
نظرت إليه بابتسامة جانبية، قبل أن أضحك ضحكة قصيرة، خالية من أي حماسة حقيقية.
“هيا، إدوارد، أنت تعرف… اليوم نفسه يعيد نفسه. لا شيء جديد، لكنني بخير.”
“هيا، إدوارد، أنت تعرف… اليوم نفسه يعيد نفسه. لا شيء جديد، لكنني بخير.”
وغد الحب اللعين.
“ماذا عنك؟”
استمررت بالتقدم.
ظللت أراقبه للحظات، متأملًا تفاصيله الغريبة. قناع المهرج قطعة خشبية مطلية، يغطيها الأبيض القاتم وتتخللها لمسات من الأحمر الصارخ، منحوتة بعناية لتشكل ابتسامة ملتوية غير طبيعية، عميقة كأنها صدع في جدار الواقع. العيون الجوفاء، سوداء كفراغ لا نهاية له، بدت وكأنها تحدق بي من داخل هاوية غير مرئية.
“أوه، شكرًا لسؤالك!”
لم أجب على الفور. بدلاً من ذلك، دست يدي في جيب معطفي، وأخرجت القطعة النقدية بأطراف أصابعي، قبل أن أديرها بين يدي ببطء، متلذذًا بصوت احتكاك المعدن البارد بأطراف أناملي. كانت حركة تلقائية، عادة قديمة ربما، لكنها كانت تمنحني لحظات إضافية من التفكير.
لوّحت لها بيدي بلا مبالاة، ثم استدرت دون أن أنتظر ردها، متجهًا مباشرة نحو باب المقهى، تاركًا خلفي الدفء الخفيف ورائحة القهوة.
رفع يديه قليلًا قبل أن يسندهما على الطاولة، ثم تنهد بعمق كما لو كان يحمل عبئًا ثقيلًا على كاهله، عبئًا لا يمكن لأحد سواه فهمه.
“أظنني نوعًا ما مثلك، ما زلت أبحث عن تلك الورقة النقدية هنا وهناك، لكن لا شيء جديد… كل يوم بدون فائدة.”
إدوارد ليس فقط غبيًا، بل عنيد أيضًا، وهذه أسوأ تركيبة ممكنة.
آه، بالطبع.
رفع يديه قليلًا قبل أن يسندهما على الطاولة، ثم تنهد بعمق كما لو كان يحمل عبئًا ثقيلًا على كاهله، عبئًا لا يمكن لأحد سواه فهمه.
تابعت المشي عبر الأزقة المتعرجة، متجاهلًا صخب المدينة الذي بدأ يخفت كلما تعمقت في الشوارع الخلفية. الجدران هنا كانت متسخة، رطبة، والمباني بدت كأنها تلفظ أنفاسها الأخيرة، متهالكة تحت وطأة الزمن والإهمال.
“تلك الورقة النقدية.”
دفعته قليلًا، ثم دلفت إلى الداخل.
هذا بالضبط ما جعلني أطلق عليه لقب “الغبي”.
“أهلاً سيدي.”
تخيل أن تكتب عهدًا رسميًا مع والد حبيبتك، ينص على أنك ستتزوجها فقط إذا وجدت ورقة نقدية محددة، مرسومة بعلامة شعار عائلتها!
تقدمت ببطء، دخلت إلى ظلاله، وهناك، بعيدًا عن الأنظار، فتحت حقيبتي وأخرجت القناع.
يالها من صفقة مثيرة للسخرية.
“قد أكون بعيدًا عنك، لا أراك متى ما أردت، لا ألمسك، ولا أستطيع معانقتك… لكني أحبك أكثر من الذين يرونك عن قرب. أحملك معي أينما ذهبت، وأشعر بك حتى وإن كان يفصلنا الكثير.”
لكن الأمر لا ينتهي عند هذا الحد، لا، بل يزيد جنونًا.
وها هو الآن، يقف بثقته المبالغ بها أمام امرأة تجلس بجانب الحائط، ينظر إليها بنظرة حالمة، ثم يفتح فمه ليقول، بصوت مشحون بالمشاعر وكأنه يلقي خطبة في معبد الحب نفسه:
“شكرًا لك على الوجبة.”
إدوارد يؤمن بأن هذه الورقة لا يمكن تزويرها، وأن القدر وحده هو من سيحدد إن كان سيعثر عليها أم لا.
القدر، وعمله الجاد كما يحب أن يقول.
لقد سمعت الكثير من القصص الغبية في حياتي، لكن هذه؟
هذه تصل إلى مستوى جديد من السذاجة.
شعرت برغبة عارمة في الضحك. كيف استطاع قول تلك الكلمات بذلك التعبير الجاد المثير للشفقة؟
من الواضح أن والدها لم يكن يريد تزويجه بها ببساطة، لكن بدلاً من قول “لا” بطريقة مباشرة، قرر أن يعطيه هذا الشرط السخيف، ظانًا أنه سيستسلم.
لكنه لم يفعل.
إدوارد ليس فقط غبيًا، بل عنيد أيضًا، وهذه أسوأ تركيبة ممكنة.
حركت كوب القهوة ببطء بين أصابعي، مشاهدًا الدوائر التي تكونت على سطحها مع كل حركة، ثم رفعت بصري إليه وتحدثت، بنبرة محايدة، لكن مع لمحة خفيفة من السخرية الخفية:
لكنه لم يفعل.
“إدوارد، أنا واثق أنك ستجتمع مع حبيبتك يومًا ما.”
التفتُّ إلى قهوتي الباردة، ارتشفت آخر قطرة متبقية منها، قبل أن أضع الفنجان جانبًا وأتمتم لنفسي، بنبرة خالية من أي تعاطف:
إستمع إلي دون أن يرمش، دون أن يتردد. كأنه لم يسمع السخرية خلف كلماتي، كأنه مؤمن تمامًا بهذا المصير الموعود، كأنه… لم يكن يرى الواقع أبدًا.
خرجت من ظل المبنى المحترق، متوجهًا إلى الخلف، حيث كان باب القبو المهجور ينتظرني.
لم أستطع سوى النظر إلى هذا الغبي.
“أظنني نوعًا ما مثلك، ما زلت أبحث عن تلك الورقة النقدية هنا وهناك، لكن لا شيء جديد… كل يوم بدون فائدة.”
ظللت أراقبه للحظات، متأملًا كيف يمكن لإنسان أن يكون بهذه السذاجة، وكيف يمكن لشخص أن يتمسك بهذا النوع من الأمل اليائس. لم يكن يدرك، أو ربما كان يرفض الإدراك، أن ما يطارده مجرد وهم، حلمٌ لم يكن له يومًا أن يتحقق. لكنه، رغم ذلك، لم يتوقف.
“إدوارد، أنا واثق أنك ستجتمع مع حبيبتك يومًا ما.”
زفرت بهدوء، ثم وقفت دون استعجال، ساحبا الكرسي قليلًا للخلف، ووضعت يدي في جيبي بينما ألقيت عليه نظرة خالية من الاهتمام.
“أهلاً، سيد ثيودور. كيف حالك اليوم؟”
“سنلتقي لاحقًا، إدوارد. أنا مشغول.”
“أهلاً، سيد ثيودور. كيف حالك اليوم؟”
لم أضف أي شيء آخر، ولم أترك له فرصة للرد.
زفرت بهدوء، ثم وقفت دون استعجال، ساحبا الكرسي قليلًا للخلف، ووضعت يدي في جيبي بينما ألقيت عليه نظرة خالية من الاهتمام.
بخطوات ثابتة، دفعت الكرسي إلى مكانه، ثم استدرت متجهًا نحو زاوية المقهى، حيث كانت النادلة تقف خلف المنضدة، ترتب بعض الأكواب بعناية كأنها تؤدي طقسًا مقدسًا في عالم لا مبالٍ.
ظللت أراقبه للحظات، متأملًا تفاصيله الغريبة. قناع المهرج قطعة خشبية مطلية، يغطيها الأبيض القاتم وتتخللها لمسات من الأحمر الصارخ، منحوتة بعناية لتشكل ابتسامة ملتوية غير طبيعية، عميقة كأنها صدع في جدار الواقع. العيون الجوفاء، سوداء كفراغ لا نهاية له، بدت وكأنها تحدق بي من داخل هاوية غير مرئية.
رفعت نظرها إليّ فور اقترابي، رسمت ابتسامة خفيفة على وجهها المألوف، وقالت بنبرة هادئة:
“أهلاً سيدي.”
لم يكن سوى غطاء لممر سري.
هدفي؟ عصابة “اليد العلوية”.
ثم نظرت إلى الدفتر أمامها وأردفت بعد لحظة قصيرة:
“هيا، إدوارد، أنت تعرف… اليوم نفسه يعيد نفسه. لا شيء جديد، لكنني بخير.”
“حسابك هو قطعة فضية واحدة.”
يا له من مشهد…
لم أجب على الفور. بدلاً من ذلك، دست يدي في جيب معطفي، وأخرجت القطعة النقدية بأطراف أصابعي، قبل أن أديرها بين يدي ببطء، متلذذًا بصوت احتكاك المعدن البارد بأطراف أناملي. كانت حركة تلقائية، عادة قديمة ربما، لكنها كانت تمنحني لحظات إضافية من التفكير.
هذا بالضبط ما جعلني أطلق عليه لقب “الغبي”.
بعد لحظة، وضعتها في يدها، ثم قلت بنبرة هادئة:
“إدوارد، أنا واثق أنك ستجتمع مع حبيبتك يومًا ما.”
“شكرًا لك على الوجبة.”
التفتُّ إلى قهوتي الباردة، ارتشفت آخر قطرة متبقية منها، قبل أن أضع الفنجان جانبًا وأتمتم لنفسي، بنبرة خالية من أي تعاطف:
لوّحت لها بيدي بلا مبالاة، ثم استدرت دون أن أنتظر ردها، متجهًا مباشرة نحو باب المقهى، تاركًا خلفي الدفء الخفيف ورائحة القهوة.
ما إن خرجت حتى استقبلني الهواء البارد المنعش.
كانت السماء ملبدة بالغيوم الرمادية، تكسو المدينة بهالة كئيبة لكنها جميلة بطريقتها الخاصة. الشوارع، رغم الهدوء النسبي، لم تخلُ من الحركة رجال بأزياء رسمية يتجهون إلى أعمالهم، نساء يعبرن الأرصفة بحذر، أطفال يتراكضون بين الأزقة، والباعة ينادون على بضائعهم بعبارات مكررة حفظتها الآذان.
كان الطقس لطيفًا، لكنه لم يكن مهمًا بالنسبة لي، لأن وجهتي التالية كانت كفيلة بجعل أي شعور بالراحة يتبخر كالدخان.
حفلة راقصة في الثانية عشرة ظهرًا؟
تابعت المشي عبر الأزقة المتعرجة، متجاهلًا صخب المدينة الذي بدأ يخفت كلما تعمقت في الشوارع الخلفية. الجدران هنا كانت متسخة، رطبة، والمباني بدت كأنها تلفظ أنفاسها الأخيرة، متهالكة تحت وطأة الزمن والإهمال.
اقترب بخطوات واثقة، وسحب الكرسي أمامي، ثم جلس وهو يحييني بنبرة ودودة كعادته:
استمررت في المشي لفترة طويلة، حتى وصلت أخيرًا إلى ذلك المكان المهجور.
المبنى كان ميتًا.
كانت السماء ملبدة بالغيوم الرمادية، تكسو المدينة بهالة كئيبة لكنها جميلة بطريقتها الخاصة. الشوارع، رغم الهدوء النسبي، لم تخلُ من الحركة رجال بأزياء رسمية يتجهون إلى أعمالهم، نساء يعبرن الأرصفة بحذر، أطفال يتراكضون بين الأزقة، والباعة ينادون على بضائعهم بعبارات مكررة حفظتها الآذان.
بقاياه المتفحمة وقفت كشاهد صامت على ماضٍ مأساوي، نوافذه المحطمة أشبه بأعين فارغة تحدق في العدم، وجدرانه السوداء تحكي قصة حريق لم يترك سوى الرماد. المكان كان هادئًا بشكل غير طبيعي، كأن المدينة بأكملها قررت تجاهله، كأن الزمن توقف عنده.
زفرت ببطء، بينما كان ذلك الرجل يشق طريقه إلى الداخل. إدوارد… حالة خاصة من الغباء الإنساني.
تقدمت ببطء، دخلت إلى ظلاله، وهناك، بعيدًا عن الأنظار، فتحت حقيبتي وأخرجت القناع.
ظللت أراقبه للحظات، متأملًا تفاصيله الغريبة. قناع المهرج قطعة خشبية مطلية، يغطيها الأبيض القاتم وتتخللها لمسات من الأحمر الصارخ، منحوتة بعناية لتشكل ابتسامة ملتوية غير طبيعية، عميقة كأنها صدع في جدار الواقع. العيون الجوفاء، سوداء كفراغ لا نهاية له، بدت وكأنها تحدق بي من داخل هاوية غير مرئية.
بدا كأنه كيان مستقل، يحدق بي كما أحدق به، كأن بيننا فهماً غير منطوق.
ما زلت أراقب إدوارد، الذي بدأ يجول بنظره في المكان ببطء، كما لو كان يبحث عن شيء محدد أو يتأكد من أن أحدًا لم يتنصّت على حديثه القادم.
أخذت نفسًا عميقًا، ثم وضعت القناع على وجهي.
نظرت إليه بابتسامة جانبية، قبل أن أضحك ضحكة قصيرة، خالية من أي حماسة حقيقية.
من الواضح أن والدها لم يكن يريد تزويجه بها ببساطة، لكن بدلاً من قول “لا” بطريقة مباشرة، قرر أن يعطيه هذا الشرط السخيف، ظانًا أنه سيستسلم.
وفي اللحظة التي التصق فيها بجلدي، شعرت بشيء غريب يتحرك بداخلي.
ثم جاءت الرغبة.
رعشة خفيفة تسللت إلى أطرافي، ثم انتشرت ببطء عبر جسدي، كتيار كهربائي بارد يوقظ شيئًا نائمًا في أعماقي.
ثم جاءت الرغبة.
يالها من صفقة مثيرة للسخرية.
بعد لحظة، وضعتها في يدها، ثم قلت بنبرة هادئة:
الرغبة في الضحك.
الإمساك بالسيد هارف هو البداية.
استمررت بالتقدم.
كانت مفاجئة، متفجرة، مميتة.
الظلام في الداخل كان مختلفًا—ليس مجرد غياب للضوء، بل شيء آخر، أكثر عمقًا، أكثر… تهديدًا.
تبا…!
الظلام في الداخل كان مختلفًا—ليس مجرد غياب للضوء، بل شيء آخر، أكثر عمقًا، أكثر… تهديدًا.
شعرت بعضلات فكي تنقبض، حاولت إغلاق فمي بقوة، قاضمًا على شفتي، محاولًا كتمها. كانت كفاي ترتجفان، وكأن شيئًا ما يعبث بأعماقي، يحاول جري نحو الجنون، نحو هاوية لا قاع لها.
“ليس الآن… ليس الآن…”
تنفست ببطء، أعطيت نفسي لحظات لإعادة التركيز، ثم شددت قبضتي، متمسكًا ببقايا هدوئي. لابد أنها إحدى أعراض القناع، لعنة هذا الشيء، لكنه… فعال.
لم يمر وقت طويل قبل أن تلتقي أعيننا.
وقت العمل.
الداخل كان مظلمًا، لكنه لم يكن حالك السواد.
خرجت من ظل المبنى المحترق، متوجهًا إلى الخلف، حيث كان باب القبو المهجور ينتظرني.
“أظنني نوعًا ما مثلك، ما زلت أبحث عن تلك الورقة النقدية هنا وهناك، لكن لا شيء جديد… كل يوم بدون فائدة.”
رفعت بصري نحو الباب، وهناك رأيته…
كان مكسورًا، مخلوعًا نصفه، يكشف عن درج حجري غارق في الظلام.
ارتشفت آخر قطرة من قهوتي، متلذذًا بالدفء الخفيف الذي تسرب إلى أصابعي عبر الفنجان، ثم وضعته جانبًا ببطء. حان وقت التفكير.
دفعته قليلًا، ثم دلفت إلى الداخل.
“أوه، شكرًا لسؤالك!”
كانت السماء ملبدة بالغيوم الرمادية، تكسو المدينة بهالة كئيبة لكنها جميلة بطريقتها الخاصة. الشوارع، رغم الهدوء النسبي، لم تخلُ من الحركة رجال بأزياء رسمية يتجهون إلى أعمالهم، نساء يعبرن الأرصفة بحذر، أطفال يتراكضون بين الأزقة، والباعة ينادون على بضائعهم بعبارات مكررة حفظتها الآذان.
الداخل كان مظلمًا، لكنه لم يكن حالك السواد.
شعرت برغبة عارمة في الضحك. كيف استطاع قول تلك الكلمات بذلك التعبير الجاد المثير للشفقة؟
لكنه لم يفعل.
أو ربما… القناع كان يساعدني على الرؤية.
تحركت بحذر، متتبعًا الجدران الحجرية التي كانت باردة تحت أناملي، مغطاة بطبقة رطبة من العفن. رائحة المكان كانت خانقة—مزيج من الرطوبة والمياه الراكدة والهواء القديم الذي لم يتحرك منذ سنوات.
بعد لحظة، وضعتها في يدها، ثم قلت بنبرة هادئة:
“إدوارد… احصل على تلك الورقة، وسنكون معًا.”
كل شيء هنا كان يوحي بالموت.
“شكرًا لك على الوجبة.”
لكني لم أكن هنا للاستكشاف.
هدفي؟ عصابة “اليد العلوية”.
ليس الآن بالطبع، لكن سيحين الوقت لتدميرهم لاحقًا.
فهمت وضعهم العام بفضل هارونلد، رغم أنه لم يكن يعلم شيئًا عن “الجرذان الثلاثة الراقصة”.
استمررت في المشي لفترة طويلة، حتى وصلت أخيرًا إلى ذلك المكان المهجور.
استمررت بالتقدم.
ليس الآن بالطبع، لكن سيحين الوقت لتدميرهم لاحقًا.
في نهاية الممر، كان هناك برميل معدني ضخم، مطلي باللون الأحمر القاتم.
رفع يديه قليلًا قبل أن يسندهما على الطاولة، ثم تنهد بعمق كما لو كان يحمل عبئًا ثقيلًا على كاهله، عبئًا لا يمكن لأحد سواه فهمه.
لم يكن سوى غطاء لممر سري.
تقدمت نحوه، وضعت يدي عليه، وسحبته ببطء.
صرير خافت تردد في الفراغ، بينما انكشف ثقب خلفه، بالكاد يتسع لشخص واحد.
تبًا، إنه إدوارد.
الظلام في الداخل كان مختلفًا—ليس مجرد غياب للضوء، بل شيء آخر، أكثر عمقًا، أكثر… تهديدًا.
ألقيت نظرة على ساعتي، كانت عقاربها تشير إلى التاسعة والنصف صباحًا. أمامي ساعتان ونصف حتى يبدأ الحفل، مما يمنحني مساحة كافية للتحضير، ولكن…
أخذت نفسًا عميقًا، ثم انحنيت، متسللًا عبره.
تنفست ببطء، أعطيت نفسي لحظات لإعادة التركيز، ثم شددت قبضتي، متمسكًا ببقايا هدوئي. لابد أنها إحدى أعراض القناع، لعنة هذا الشيء، لكنه… فعال.
زفرت ببطء، بينما كان ذلك الرجل يشق طريقه إلى الداخل. إدوارد… حالة خاصة من الغباء الإنساني.
