Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

سجلات الباحث 52

وغد الحب
PDF
ملوك الروايات

حمّل تطبيق ملوك الروايات الآن!

تابع أحدث الفصول براحة تامة، بدون إعلانات مزعجة، مع ميزة التحميل للقراءة أوفلاين.

تحميل التطبيق

وغد الحب

بعد دقائق، كنت قد أنهيت فطوري بالكامل. لم يكن سيئًا، بل كان جيدًا حقًا لكن طعمه لم يترك أثرًا في ذاكرتي. مجرد وقود للجسد، لا أكثر، لا متعة حقيقية فيه.

لكنه لم يفعل.

 

رفعت نظرها إليّ فور اقترابي، رسمت ابتسامة خفيفة على وجهها المألوف، وقالت بنبرة هادئة:

ارتشفت آخر قطرة من قهوتي، متلذذًا بالدفء الخفيف الذي تسرب إلى أصابعي عبر الفنجان، ثم وضعته جانبًا ببطء. حان وقت التفكير.

 

 

نظرت إليه بابتسامة جانبية، قبل أن أضحك ضحكة قصيرة، خالية من أي حماسة حقيقية.

الإمساك بالسيد هارف هو البداية.

هذه تصل إلى مستوى جديد من السذاجة.

 

بقاياه المتفحمة وقفت كشاهد صامت على ماضٍ مأساوي، نوافذه المحطمة أشبه بأعين فارغة تحدق في العدم، وجدرانه السوداء تحكي قصة حريق لم يترك سوى الرماد. المكان كان هادئًا بشكل غير طبيعي، كأن المدينة بأكملها قررت تجاهله، كأن الزمن توقف عنده.

ألقيت نظرة على ساعتي، كانت عقاربها تشير إلى التاسعة والنصف صباحًا. أمامي ساعتان ونصف حتى يبدأ الحفل، مما يمنحني مساحة كافية للتحضير، ولكن…

 

 

استمررت في المشي لفترة طويلة، حتى وصلت أخيرًا إلى ذلك المكان المهجور.

حفلة راقصة في الثانية عشرة ظهرًا؟

 

 

 

شيء لا يبدو صحيحًا وكنت أعرف السبب.

 

 

الرغبة في الضحك.

لطالما ارتبطت الحفلات الراقصة بالمساء، بالموسيقى الناعمة المنسابة بين أضواء الشموع، بالظلال الطويلة التي تتراقص على الجدران. الليل هو الوقت المثالي لرقصة تحمل طابع الغموض والإثارة، حيث تمتزج الأقدام فوق الأرضية المصقولة بانسيابية، وكأنها جزء من سيمفونية سحرية لا يراها إلا من كان جزءًا منها.

أخذت نفسًا عميقًا، ثم وضعت القناع على وجهي.

 

 

أما في وضح النهار؟ في منتصف الظهيرة؟ تحت أشعة الشمس الحارقة؟ الفكرة تبدو… خاطئة أو لنقل مضللة.

 

 

 

حاولت العثور على بعض الهدوء، لكن أفكاري تحطمت فجأة بصوت الجرس الذي دوّى في أرجاء المقهى، كاسرًا السكون برنينه المعدني القاسي.

 

 

 

رفعت بصري نحو الباب، وهناك رأيته…

“إدوارد… احصل على تلك الورقة، وسنكون معًا.”

 

 

تبًا، إنه إدوارد.

 

 

 

وغد الحب اللعين.

 

 

 

زفرت ببطء، بينما كان ذلك الرجل يشق طريقه إلى الداخل. إدوارد… حالة خاصة من الغباء الإنساني.

استمررت في المشي لفترة طويلة، حتى وصلت أخيرًا إلى ذلك المكان المهجور.

 

 

التقيت بالكثير من الأغبياء هذا الأسبوع، لكن إدوارد…؟

رفعت نظرها إليّ فور اقترابي، رسمت ابتسامة خفيفة على وجهها المألوف، وقالت بنبرة هادئة:

 

تخيل أن تكتب عهدًا رسميًا مع والد حبيبتك، ينص على أنك ستتزوجها فقط إذا وجدت ورقة نقدية محددة، مرسومة بعلامة شعار عائلتها!

إدوارد هو ذلك النوع من الأشخاص الذين يجعلك تشكك في قوانين الفيزياء والمنطق. شخص يعيش وكأنه في قصة رومانسية كتبها كاتب سيئ، يؤمن أن العواطف يمكنها التغلب على الواقع، وأن الكلمات المنمقة يمكنها حل كل شيء.

 

 

بعد دقائق، كنت قد أنهيت فطوري بالكامل. لم يكن سيئًا، بل كان جيدًا حقًا لكن طعمه لم يترك أثرًا في ذاكرتي. مجرد وقود للجسد، لا أكثر، لا متعة حقيقية فيه.

وها هو الآن، يقف بثقته المبالغ بها أمام امرأة تجلس بجانب الحائط، ينظر إليها بنظرة حالمة، ثم يفتح فمه ليقول، بصوت مشحون بالمشاعر وكأنه يلقي خطبة في معبد الحب نفسه:

بقاياه المتفحمة وقفت كشاهد صامت على ماضٍ مأساوي، نوافذه المحطمة أشبه بأعين فارغة تحدق في العدم، وجدرانه السوداء تحكي قصة حريق لم يترك سوى الرماد. المكان كان هادئًا بشكل غير طبيعي، كأن المدينة بأكملها قررت تجاهله، كأن الزمن توقف عنده.

 

 

“قد أكون بعيدًا عنك، لا أراك متى ما أردت، لا ألمسك، ولا أستطيع معانقتك… لكني أحبك أكثر من الذين يرونك عن قرب. أحملك معي أينما ذهبت، وأشعر بك حتى وإن كان يفصلنا الكثير.”

“بعض الناس لا يتعلمون أبدًا.”

 

 

جديًا؟

“ليس الآن… ليس الآن…”

 

 

شعرت برغبة عارمة في الضحك. كيف استطاع قول تلك الكلمات بذلك التعبير الجاد المثير للشفقة؟

نظرت إليه بابتسامة جانبية، قبل أن أضحك ضحكة قصيرة، خالية من أي حماسة حقيقية.

 

 

تساءلت للحظة، هل قضى الليل كاملًا يتمرن أمام المرآة، يعيد هذه الجملة عشرات المرات حتى أتقن نطقها بنفس هذا القدر من التفاني؟ أم أنه أحد أولئك المغفلين الذين يعتقدون أن العاطفة الصادقة تكفي لجعلهم أبطالًا في أعين النساء؟

ظللت أراقبه للحظات، متأملًا كيف يمكن لإنسان أن يكون بهذه السذاجة، وكيف يمكن لشخص أن يتمسك بهذا النوع من الأمل اليائس. لم يكن يدرك، أو ربما كان يرفض الإدراك، أن ما يطارده مجرد وهم، حلمٌ لم يكن له يومًا أن يتحقق. لكنه، رغم ذلك، لم يتوقف.

 

 

أما بالنسبة لتلك الشابة، فقد كانت تجيد إخفاء تعابيرها جيدًا، لكني رأيت كيف شدت أصابعها على طرف فستانها، كيف ارتعشت زاوية شفتيها لثانية واحدة فقط، قبل أن تستعيد سيطرتها على نفسها.

تحركت بحذر، متتبعًا الجدران الحجرية التي كانت باردة تحت أناملي، مغطاة بطبقة رطبة من العفن. رائحة المكان كانت خانقة—مزيج من الرطوبة والمياه الراكدة والهواء القديم الذي لم يتحرك منذ سنوات.

 

عيني الباردة التي لم تتغير، تنظر إليه بلا تعبير، في حين أنه، كالعادة، يواجهها بتلك الابتسامة الغبية المرسومة على وجهه، والتي كانت، بطريقة ما، مزعجة أكثر مما ينبغي.

كانت تقمع دموعها.

 

 

رفع يديه قليلًا قبل أن يسندهما على الطاولة، ثم تنهد بعمق كما لو كان يحمل عبئًا ثقيلًا على كاهله، عبئًا لا يمكن لأحد سواه فهمه.

مرّت لحظة من الصمت المشحون، قبل أن تهمس بصوت خافت لكنه مشحون بالعاطفة:

لم أجب على الفور. بدلاً من ذلك، دست يدي في جيب معطفي، وأخرجت القطعة النقدية بأطراف أصابعي، قبل أن أديرها بين يدي ببطء، متلذذًا بصوت احتكاك المعدن البارد بأطراف أناملي. كانت حركة تلقائية، عادة قديمة ربما، لكنها كانت تمنحني لحظات إضافية من التفكير.

 

 

“إدوارد… احصل على تلك الورقة، وسنكون معًا.”

 

 

 

نهضت بعدها، دفعت حسابها بسرعة، ثم خرجت، تاركة وراءها رجلًا وقف هناك بلا حراك، كتمثال منحوت من الغباء العاطفي، يحدّق بالفراغ الذي تركته، وكأن روحه غادرت جسده للحاق بها.

شيء لا يبدو صحيحًا وكنت أعرف السبب.

 

“هيا، إدوارد، أنت تعرف… اليوم نفسه يعيد نفسه. لا شيء جديد، لكنني بخير.”

يا له من مشهد…

 

 

“سنلتقي لاحقًا، إدوارد. أنا مشغول.”

التفتُّ إلى قهوتي الباردة، ارتشفت آخر قطرة متبقية منها، قبل أن أضع الفنجان جانبًا وأتمتم لنفسي، بنبرة خالية من أي تعاطف:

“غبي.”

 

 

“بعض الناس لا يتعلمون أبدًا.”

آه، بالطبع.

 

 

ما زلت أراقب إدوارد، الذي بدأ يجول بنظره في المكان ببطء، كما لو كان يبحث عن شيء محدد أو يتأكد من أن أحدًا لم يتنصّت على حديثه القادم.

“شكرًا لك على الوجبة.”

 

بدا كأنه كيان مستقل، يحدق بي كما أحدق به، كأن بيننا فهماً غير منطوق.

لم يمر وقت طويل قبل أن تلتقي أعيننا.

تقدمت ببطء، دخلت إلى ظلاله، وهناك، بعيدًا عن الأنظار، فتحت حقيبتي وأخرجت القناع.

 

“إدوارد، أنا واثق أنك ستجتمع مع حبيبتك يومًا ما.”

عيني الباردة التي لم تتغير، تنظر إليه بلا تعبير، في حين أنه، كالعادة، يواجهها بتلك الابتسامة الغبية المرسومة على وجهه، والتي كانت، بطريقة ما، مزعجة أكثر مما ينبغي.

 

 

رفعت بصري نحو الباب، وهناك رأيته…

تمتمتُ في سري بكلمة واحدة:

 

 

القدر، وعمله الجاد كما يحب أن يقول.

“غبي.”

“قد أكون بعيدًا عنك، لا أراك متى ما أردت، لا ألمسك، ولا أستطيع معانقتك… لكني أحبك أكثر من الذين يرونك عن قرب. أحملك معي أينما ذهبت، وأشعر بك حتى وإن كان يفصلنا الكثير.”

 

 

لكني سرعان ما تداركت الموقف، ورسمت على شفتي ابتسامة خفيفة، قبل أن أشير له بالجلوس معي.

زفرت ببطء، بينما كان ذلك الرجل يشق طريقه إلى الداخل. إدوارد… حالة خاصة من الغباء الإنساني.

 

القدر، وعمله الجاد كما يحب أن يقول.

اقترب بخطوات واثقة، وسحب الكرسي أمامي، ثم جلس وهو يحييني بنبرة ودودة كعادته:

بعد دقائق، كنت قد أنهيت فطوري بالكامل. لم يكن سيئًا، بل كان جيدًا حقًا لكن طعمه لم يترك أثرًا في ذاكرتي. مجرد وقود للجسد، لا أكثر، لا متعة حقيقية فيه.

 

 

“أهلاً، سيد ثيودور. كيف حالك اليوم؟”

حاولت العثور على بعض الهدوء، لكن أفكاري تحطمت فجأة بصوت الجرس الذي دوّى في أرجاء المقهى، كاسرًا السكون برنينه المعدني القاسي.

 

ثم نظرت إلى الدفتر أمامها وأردفت بعد لحظة قصيرة:

نظرت إليه بابتسامة جانبية، قبل أن أضحك ضحكة قصيرة، خالية من أي حماسة حقيقية.

 

 

 

“هيا، إدوارد، أنت تعرف… اليوم نفسه يعيد نفسه. لا شيء جديد، لكنني بخير.”

 

 

 

“ماذا عنك؟”

لم أضف أي شيء آخر، ولم أترك له فرصة للرد.

 

استمررت بالتقدم.

“أوه، شكرًا لسؤالك!”

 

 

 

رفع يديه قليلًا قبل أن يسندهما على الطاولة، ثم تنهد بعمق كما لو كان يحمل عبئًا ثقيلًا على كاهله، عبئًا لا يمكن لأحد سواه فهمه.

 

 

كانت تقمع دموعها.

“أظنني نوعًا ما مثلك، ما زلت أبحث عن تلك الورقة النقدية هنا وهناك، لكن لا شيء جديد… كل يوم بدون فائدة.”

 

 

 

آه، بالطبع.

 

 

لكنه لم يفعل.

“تلك الورقة النقدية.”

لم أجب على الفور. بدلاً من ذلك، دست يدي في جيب معطفي، وأخرجت القطعة النقدية بأطراف أصابعي، قبل أن أديرها بين يدي ببطء، متلذذًا بصوت احتكاك المعدن البارد بأطراف أناملي. كانت حركة تلقائية، عادة قديمة ربما، لكنها كانت تمنحني لحظات إضافية من التفكير.

 

 

هذا بالضبط ما جعلني أطلق عليه لقب “الغبي”.

لم أجب على الفور. بدلاً من ذلك، دست يدي في جيب معطفي، وأخرجت القطعة النقدية بأطراف أصابعي، قبل أن أديرها بين يدي ببطء، متلذذًا بصوت احتكاك المعدن البارد بأطراف أناملي. كانت حركة تلقائية، عادة قديمة ربما، لكنها كانت تمنحني لحظات إضافية من التفكير.

 

 

تخيل أن تكتب عهدًا رسميًا مع والد حبيبتك، ينص على أنك ستتزوجها فقط إذا وجدت ورقة نقدية محددة، مرسومة بعلامة شعار عائلتها!

لم يمر وقت طويل قبل أن تلتقي أعيننا.

 

نهضت بعدها، دفعت حسابها بسرعة، ثم خرجت، تاركة وراءها رجلًا وقف هناك بلا حراك، كتمثال منحوت من الغباء العاطفي، يحدّق بالفراغ الذي تركته، وكأن روحه غادرت جسده للحاق بها.

يالها من صفقة مثيرة للسخرية.

نظرت إليه بابتسامة جانبية، قبل أن أضحك ضحكة قصيرة، خالية من أي حماسة حقيقية.

 

في نهاية الممر، كان هناك برميل معدني ضخم، مطلي باللون الأحمر القاتم.

لكن الأمر لا ينتهي عند هذا الحد، لا، بل يزيد جنونًا.

القدر، وعمله الجاد كما يحب أن يقول.

 

 

إدوارد يؤمن بأن هذه الورقة لا يمكن تزويرها، وأن القدر وحده هو من سيحدد إن كان سيعثر عليها أم لا.

 

 

“إدوارد، أنا واثق أنك ستجتمع مع حبيبتك يومًا ما.”

القدر، وعمله الجاد كما يحب أن يقول.

جديًا؟

 

 

لقد سمعت الكثير من القصص الغبية في حياتي، لكن هذه؟

رعشة خفيفة تسللت إلى أطرافي، ثم انتشرت ببطء عبر جسدي، كتيار كهربائي بارد يوقظ شيئًا نائمًا في أعماقي.

 

جديًا؟

هذه تصل إلى مستوى جديد من السذاجة.

 

 

 

من الواضح أن والدها لم يكن يريد تزويجه بها ببساطة، لكن بدلاً من قول “لا” بطريقة مباشرة، قرر أن يعطيه هذا الشرط السخيف، ظانًا أنه سيستسلم.

كانت تقمع دموعها.

 

 

لكنه لم يفعل.

رفعت بصري نحو الباب، وهناك رأيته…

 

 

إدوارد ليس فقط غبيًا، بل عنيد أيضًا، وهذه أسوأ تركيبة ممكنة.

 

 

تبًا، إنه إدوارد.

حركت كوب القهوة ببطء بين أصابعي، مشاهدًا الدوائر التي تكونت على سطحها مع كل حركة، ثم رفعت بصري إليه وتحدثت، بنبرة محايدة، لكن مع لمحة خفيفة من السخرية الخفية:

حاولت العثور على بعض الهدوء، لكن أفكاري تحطمت فجأة بصوت الجرس الذي دوّى في أرجاء المقهى، كاسرًا السكون برنينه المعدني القاسي.

 

 

“إدوارد، أنا واثق أنك ستجتمع مع حبيبتك يومًا ما.”

ما إن خرجت حتى استقبلني الهواء البارد المنعش.

 

عيني الباردة التي لم تتغير، تنظر إليه بلا تعبير، في حين أنه، كالعادة، يواجهها بتلك الابتسامة الغبية المرسومة على وجهه، والتي كانت، بطريقة ما، مزعجة أكثر مما ينبغي.

إستمع إلي دون أن يرمش، دون أن يتردد. كأنه لم يسمع السخرية خلف كلماتي، كأنه مؤمن تمامًا بهذا المصير الموعود، كأنه… لم يكن يرى الواقع أبدًا.

 

 

 

لم أستطع سوى النظر إلى هذا الغبي.

ارتشفت آخر قطرة من قهوتي، متلذذًا بالدفء الخفيف الذي تسرب إلى أصابعي عبر الفنجان، ثم وضعته جانبًا ببطء. حان وقت التفكير.

 

 

ظللت أراقبه للحظات، متأملًا كيف يمكن لإنسان أن يكون بهذه السذاجة، وكيف يمكن لشخص أن يتمسك بهذا النوع من الأمل اليائس. لم يكن يدرك، أو ربما كان يرفض الإدراك، أن ما يطارده مجرد وهم، حلمٌ لم يكن له يومًا أن يتحقق. لكنه، رغم ذلك، لم يتوقف.

استمررت بالتقدم.

 

هدفي؟ عصابة “اليد العلوية”.

زفرت بهدوء، ثم وقفت دون استعجال، ساحبا الكرسي قليلًا للخلف، ووضعت يدي في جيبي بينما ألقيت عليه نظرة خالية من الاهتمام.

رعشة خفيفة تسللت إلى أطرافي، ثم انتشرت ببطء عبر جسدي، كتيار كهربائي بارد يوقظ شيئًا نائمًا في أعماقي.

 

 

“سنلتقي لاحقًا، إدوارد. أنا مشغول.”

 

 

زفرت بهدوء، ثم وقفت دون استعجال، ساحبا الكرسي قليلًا للخلف، ووضعت يدي في جيبي بينما ألقيت عليه نظرة خالية من الاهتمام.

لم أضف أي شيء آخر، ولم أترك له فرصة للرد.

 

 

 

بخطوات ثابتة، دفعت الكرسي إلى مكانه، ثم استدرت متجهًا نحو زاوية المقهى، حيث كانت النادلة تقف خلف المنضدة، ترتب بعض الأكواب بعناية كأنها تؤدي طقسًا مقدسًا في عالم لا مبالٍ.

ارتشفت آخر قطرة من قهوتي، متلذذًا بالدفء الخفيف الذي تسرب إلى أصابعي عبر الفنجان، ثم وضعته جانبًا ببطء. حان وقت التفكير.

 

 

رفعت نظرها إليّ فور اقترابي، رسمت ابتسامة خفيفة على وجهها المألوف، وقالت بنبرة هادئة:

تبًا، إنه إدوارد.

“أهلاً سيدي.”

كان مكسورًا، مخلوعًا نصفه، يكشف عن درج حجري غارق في الظلام.

 

ليس الآن بالطبع، لكن سيحين الوقت لتدميرهم لاحقًا.

ثم نظرت إلى الدفتر أمامها وأردفت بعد لحظة قصيرة:

 

“حسابك هو قطعة فضية واحدة.”

لطالما ارتبطت الحفلات الراقصة بالمساء، بالموسيقى الناعمة المنسابة بين أضواء الشموع، بالظلال الطويلة التي تتراقص على الجدران. الليل هو الوقت المثالي لرقصة تحمل طابع الغموض والإثارة، حيث تمتزج الأقدام فوق الأرضية المصقولة بانسيابية، وكأنها جزء من سيمفونية سحرية لا يراها إلا من كان جزءًا منها.

 

تنفست ببطء، أعطيت نفسي لحظات لإعادة التركيز، ثم شددت قبضتي، متمسكًا ببقايا هدوئي. لابد أنها إحدى أعراض القناع، لعنة هذا الشيء، لكنه… فعال.

لم أجب على الفور. بدلاً من ذلك، دست يدي في جيب معطفي، وأخرجت القطعة النقدية بأطراف أصابعي، قبل أن أديرها بين يدي ببطء، متلذذًا بصوت احتكاك المعدن البارد بأطراف أناملي. كانت حركة تلقائية، عادة قديمة ربما، لكنها كانت تمنحني لحظات إضافية من التفكير.

 

 

 

بعد لحظة، وضعتها في يدها، ثم قلت بنبرة هادئة:

“أظنني نوعًا ما مثلك، ما زلت أبحث عن تلك الورقة النقدية هنا وهناك، لكن لا شيء جديد… كل يوم بدون فائدة.”

“شكرًا لك على الوجبة.”

شعرت بعضلات فكي تنقبض، حاولت إغلاق فمي بقوة، قاضمًا على شفتي، محاولًا كتمها. كانت كفاي ترتجفان، وكأن شيئًا ما يعبث بأعماقي، يحاول جري نحو الجنون، نحو هاوية لا قاع لها.

 

“ليس الآن… ليس الآن…”

لوّحت لها بيدي بلا مبالاة، ثم استدرت دون أن أنتظر ردها، متجهًا مباشرة نحو باب المقهى، تاركًا خلفي الدفء الخفيف ورائحة القهوة.

تقدمت نحوه، وضعت يدي عليه، وسحبته ببطء.

 

 

 

 

ما إن خرجت حتى استقبلني الهواء البارد المنعش.

 

 

 

كانت السماء ملبدة بالغيوم الرمادية، تكسو المدينة بهالة كئيبة لكنها جميلة بطريقتها الخاصة. الشوارع، رغم الهدوء النسبي، لم تخلُ من الحركة رجال بأزياء رسمية يتجهون إلى أعمالهم، نساء يعبرن الأرصفة بحذر، أطفال يتراكضون بين الأزقة، والباعة ينادون على بضائعهم بعبارات مكررة حفظتها الآذان.

يا له من مشهد…

 

 

كان الطقس لطيفًا، لكنه لم يكن مهمًا بالنسبة لي، لأن وجهتي التالية كانت كفيلة بجعل أي شعور بالراحة يتبخر كالدخان.

من الواضح أن والدها لم يكن يريد تزويجه بها ببساطة، لكن بدلاً من قول “لا” بطريقة مباشرة، قرر أن يعطيه هذا الشرط السخيف، ظانًا أنه سيستسلم.

 

 

 

 

 

تبا…!

تابعت المشي عبر الأزقة المتعرجة، متجاهلًا صخب المدينة الذي بدأ يخفت كلما تعمقت في الشوارع الخلفية. الجدران هنا كانت متسخة، رطبة، والمباني بدت كأنها تلفظ أنفاسها الأخيرة، متهالكة تحت وطأة الزمن والإهمال.

 

 

 

استمررت في المشي لفترة طويلة، حتى وصلت أخيرًا إلى ذلك المكان المهجور.

“شكرًا لك على الوجبة.”

 

تبا…!

المبنى كان ميتًا.

كل شيء هنا كان يوحي بالموت.

 

حاولت العثور على بعض الهدوء، لكن أفكاري تحطمت فجأة بصوت الجرس الذي دوّى في أرجاء المقهى، كاسرًا السكون برنينه المعدني القاسي.

بقاياه المتفحمة وقفت كشاهد صامت على ماضٍ مأساوي، نوافذه المحطمة أشبه بأعين فارغة تحدق في العدم، وجدرانه السوداء تحكي قصة حريق لم يترك سوى الرماد. المكان كان هادئًا بشكل غير طبيعي، كأن المدينة بأكملها قررت تجاهله، كأن الزمن توقف عنده.

“قد أكون بعيدًا عنك، لا أراك متى ما أردت، لا ألمسك، ولا أستطيع معانقتك… لكني أحبك أكثر من الذين يرونك عن قرب. أحملك معي أينما ذهبت، وأشعر بك حتى وإن كان يفصلنا الكثير.”

 

 

تقدمت ببطء، دخلت إلى ظلاله، وهناك، بعيدًا عن الأنظار، فتحت حقيبتي وأخرجت القناع.

زفرت بهدوء، ثم وقفت دون استعجال، ساحبا الكرسي قليلًا للخلف، ووضعت يدي في جيبي بينما ألقيت عليه نظرة خالية من الاهتمام.

 

 

ظللت أراقبه للحظات، متأملًا تفاصيله الغريبة. قناع المهرج قطعة خشبية مطلية، يغطيها الأبيض القاتم وتتخللها لمسات من الأحمر الصارخ، منحوتة بعناية لتشكل ابتسامة ملتوية غير طبيعية، عميقة كأنها صدع في جدار الواقع. العيون الجوفاء، سوداء كفراغ لا نهاية له، بدت وكأنها تحدق بي من داخل هاوية غير مرئية.

رفعت بصري نحو الباب، وهناك رأيته…

 

أخذت نفسًا عميقًا، ثم وضعت القناع على وجهي.

بدا كأنه كيان مستقل، يحدق بي كما أحدق به، كأن بيننا فهماً غير منطوق.

إدوارد هو ذلك النوع من الأشخاص الذين يجعلك تشكك في قوانين الفيزياء والمنطق. شخص يعيش وكأنه في قصة رومانسية كتبها كاتب سيئ، يؤمن أن العواطف يمكنها التغلب على الواقع، وأن الكلمات المنمقة يمكنها حل كل شيء.

 

رفع يديه قليلًا قبل أن يسندهما على الطاولة، ثم تنهد بعمق كما لو كان يحمل عبئًا ثقيلًا على كاهله، عبئًا لا يمكن لأحد سواه فهمه.

أخذت نفسًا عميقًا، ثم وضعت القناع على وجهي.

لم أضف أي شيء آخر، ولم أترك له فرصة للرد.

 

 

وفي اللحظة التي التصق فيها بجلدي، شعرت بشيء غريب يتحرك بداخلي.

 

 

 

رعشة خفيفة تسللت إلى أطرافي، ثم انتشرت ببطء عبر جسدي، كتيار كهربائي بارد يوقظ شيئًا نائمًا في أعماقي.

 

 

بخطوات ثابتة، دفعت الكرسي إلى مكانه، ثم استدرت متجهًا نحو زاوية المقهى، حيث كانت النادلة تقف خلف المنضدة، ترتب بعض الأكواب بعناية كأنها تؤدي طقسًا مقدسًا في عالم لا مبالٍ.

ثم جاءت الرغبة.

تساءلت للحظة، هل قضى الليل كاملًا يتمرن أمام المرآة، يعيد هذه الجملة عشرات المرات حتى أتقن نطقها بنفس هذا القدر من التفاني؟ أم أنه أحد أولئك المغفلين الذين يعتقدون أن العاطفة الصادقة تكفي لجعلهم أبطالًا في أعين النساء؟

 

الإمساك بالسيد هارف هو البداية.

الرغبة في الضحك.

 

 

 

كانت مفاجئة، متفجرة، مميتة.

“سنلتقي لاحقًا، إدوارد. أنا مشغول.”

 

هدفي؟ عصابة “اليد العلوية”.

تبا…!

“أهلاً، سيد ثيودور. كيف حالك اليوم؟”

 

بعد لحظة، وضعتها في يدها، ثم قلت بنبرة هادئة:

شعرت بعضلات فكي تنقبض، حاولت إغلاق فمي بقوة، قاضمًا على شفتي، محاولًا كتمها. كانت كفاي ترتجفان، وكأن شيئًا ما يعبث بأعماقي، يحاول جري نحو الجنون، نحو هاوية لا قاع لها.

لم أضف أي شيء آخر، ولم أترك له فرصة للرد.

 

 

“ليس الآن… ليس الآن…”

 

 

لكني لم أكن هنا للاستكشاف.

تنفست ببطء، أعطيت نفسي لحظات لإعادة التركيز، ثم شددت قبضتي، متمسكًا ببقايا هدوئي. لابد أنها إحدى أعراض القناع، لعنة هذا الشيء، لكنه… فعال.

 

 

 

وقت العمل.

رفع يديه قليلًا قبل أن يسندهما على الطاولة، ثم تنهد بعمق كما لو كان يحمل عبئًا ثقيلًا على كاهله، عبئًا لا يمكن لأحد سواه فهمه.

 

يالها من صفقة مثيرة للسخرية.

خرجت من ظل المبنى المحترق، متوجهًا إلى الخلف، حيث كان باب القبو المهجور ينتظرني.

 

 

 

كان مكسورًا، مخلوعًا نصفه، يكشف عن درج حجري غارق في الظلام.

تمتمتُ في سري بكلمة واحدة:

 

نظرت إليه بابتسامة جانبية، قبل أن أضحك ضحكة قصيرة، خالية من أي حماسة حقيقية.

دفعته قليلًا، ثم دلفت إلى الداخل.

الداخل كان مظلمًا، لكنه لم يكن حالك السواد.

 

 

الداخل كان مظلمًا، لكنه لم يكن حالك السواد.

 

 

تخيل أن تكتب عهدًا رسميًا مع والد حبيبتك، ينص على أنك ستتزوجها فقط إذا وجدت ورقة نقدية محددة، مرسومة بعلامة شعار عائلتها!

أو ربما… القناع كان يساعدني على الرؤية.

 

 

 

تحركت بحذر، متتبعًا الجدران الحجرية التي كانت باردة تحت أناملي، مغطاة بطبقة رطبة من العفن. رائحة المكان كانت خانقة—مزيج من الرطوبة والمياه الراكدة والهواء القديم الذي لم يتحرك منذ سنوات.

عيني الباردة التي لم تتغير، تنظر إليه بلا تعبير، في حين أنه، كالعادة، يواجهها بتلك الابتسامة الغبية المرسومة على وجهه، والتي كانت، بطريقة ما، مزعجة أكثر مما ينبغي.

 

 

كل شيء هنا كان يوحي بالموت.

 

 

إستمع إلي دون أن يرمش، دون أن يتردد. كأنه لم يسمع السخرية خلف كلماتي، كأنه مؤمن تمامًا بهذا المصير الموعود، كأنه… لم يكن يرى الواقع أبدًا.

لكني لم أكن هنا للاستكشاف.

الإمساك بالسيد هارف هو البداية.

 

تقدمت نحوه، وضعت يدي عليه، وسحبته ببطء.

هدفي؟ عصابة “اليد العلوية”.

 

 

 

ليس الآن بالطبع، لكن سيحين الوقت لتدميرهم لاحقًا.

 

 

الرغبة في الضحك.

فهمت وضعهم العام بفضل هارونلد، رغم أنه لم يكن يعلم شيئًا عن “الجرذان الثلاثة الراقصة”.

لكني سرعان ما تداركت الموقف، ورسمت على شفتي ابتسامة خفيفة، قبل أن أشير له بالجلوس معي.

 

 

استمررت بالتقدم.

 

 

بقاياه المتفحمة وقفت كشاهد صامت على ماضٍ مأساوي، نوافذه المحطمة أشبه بأعين فارغة تحدق في العدم، وجدرانه السوداء تحكي قصة حريق لم يترك سوى الرماد. المكان كان هادئًا بشكل غير طبيعي، كأن المدينة بأكملها قررت تجاهله، كأن الزمن توقف عنده.

في نهاية الممر، كان هناك برميل معدني ضخم، مطلي باللون الأحمر القاتم.

إدوارد يؤمن بأن هذه الورقة لا يمكن تزويرها، وأن القدر وحده هو من سيحدد إن كان سيعثر عليها أم لا.

 

“حسابك هو قطعة فضية واحدة.”

لم يكن سوى غطاء لممر سري.

“حسابك هو قطعة فضية واحدة.”

 

أخذت نفسًا عميقًا، ثم وضعت القناع على وجهي.

تقدمت نحوه، وضعت يدي عليه، وسحبته ببطء.

رعشة خفيفة تسللت إلى أطرافي، ثم انتشرت ببطء عبر جسدي، كتيار كهربائي بارد يوقظ شيئًا نائمًا في أعماقي.

 

إستمع إلي دون أن يرمش، دون أن يتردد. كأنه لم يسمع السخرية خلف كلماتي، كأنه مؤمن تمامًا بهذا المصير الموعود، كأنه… لم يكن يرى الواقع أبدًا.

صرير خافت تردد في الفراغ، بينما انكشف ثقب خلفه، بالكاد يتسع لشخص واحد.

كل شيء هنا كان يوحي بالموت.

 

 

الظلام في الداخل كان مختلفًا—ليس مجرد غياب للضوء، بل شيء آخر، أكثر عمقًا، أكثر… تهديدًا.

“إدوارد… احصل على تلك الورقة، وسنكون معًا.”

 

 

أخذت نفسًا عميقًا، ثم انحنيت، متسللًا عبره.

 

 

رفعت بصري نحو الباب، وهناك رأيته…

 

 

 

إستمع إلي دون أن يرمش، دون أن يتردد. كأنه لم يسمع السخرية خلف كلماتي، كأنه مؤمن تمامًا بهذا المصير الموعود، كأنه… لم يكن يرى الواقع أبدًا.

 

 

تابعت المشي عبر الأزقة المتعرجة، متجاهلًا صخب المدينة الذي بدأ يخفت كلما تعمقت في الشوارع الخلفية. الجدران هنا كانت متسخة، رطبة، والمباني بدت كأنها تلفظ أنفاسها الأخيرة، متهالكة تحت وطأة الزمن والإهمال.

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط