الفضاء المطوي
الفصل 511: الفضاء المطوي
تريّثتُ للحظات، أقلب الردّ في فمي قبل أن أنطق به أخيرًا.
تناثرت شظايا القوس كأنها هالة تطفو في الهواء، محيطةً بمركزه الفارغ. وفي داخل تلك الهالة، كان الفضاء ذاته ممزقًا، متشوّهًا، ينفتح على الجرح الهائل في السماء. كان التمزّق يتلألأ بطيفٍ زيتيّ من الألوان، كأنه انعكاس على سطح فقاعة صابونية. كان تأثير الشفق هنا أشد وضوحًا، يلطّخ السماء حول الشقّ كأنها جرحٌ ينزف دمًا.
آرثر ليوين
“لقد كنّا جميعًا عميانًا عن الغاية الحقيقية من تمرّد أغرونا.” قال راي، بنبرة هادئة مهدئة. “لكنّ أعيننا قد انفتحت الآن.”
أدار كيزيس ظهره للجرح العظيم في السماء، وعيناه تتوهجان كالبرق وهو يحدق في بقيّة السادة العظام ثم إليّ. “تعالوا.” لم يقل أكثر من ذلك قبل أن يبدأ الأثير بالتفاف حولنا جميعًا.
استدار راديكس نحوها بسرعة فهدٍ فضيّ، وصوته العميق يرتجّ فوق صوتها دون عناء.
جاء صوت ريجيس، الذي كان صامتًا ومنسحبًا بسبب ‘مناورة الملك’، مترددًا في ذهني.
شعرتُ بجسدي يُسحب بعيدًا، فنظرتُ إلى الأسفل نحو إيلي. قسوتُ على أسناني وأنا أقاوم شدّ كيزيس. “ماذا تفعل؟”
توقّف لوهلة—تردّدٌ خافت، بالكاد يُدرك—ثم قال:
الآن، شعرتُ بالارتباط. بالاتساع.
قطّب حاجبيه بينما كان الأثير ينبض حولنا، مشوهًا الهواء بشكل مرئي. “لا وقت لدينا، آرثر.”
التقت عيناي بعينيه للحظة واحدة. عندها، تحركت مير، واضعةً يدها على كتف كيزيس. السادة العظام الآخرون استداروا جميعًا نحوي—راديكس متجهمًا، موروينا تعبس، في حين بدت ملامح كل من راي ونوڤيس شاحبة ومتوعكة.
الفصل 511: الفضاء المطوي
قفز ريجيس إلى داخلي، بينما سحبت سيلفي إيلي خطوة إلى الخلف وأومأت.
لكن خلال كل هذه الحوارات، تسرّبت منه بعض التفاصيل التي باتت الآن تحمل دلالاتٍ واضحة…
أرخيتُ مقاومتي، فانطوى الفضاء من حولي.
لم يستطع منع نفسه من التحديق إلى الأعلى، مشدودًا بجاذبية السماء الممزّقة كما لو كان أفيتوس نفسه على وشك الانجراف داخلها.
كان الثقل خلف عينَي لا يُطاق، وكل ما أردته هو العودة إلى عائلتي، أن أكذب عليهم وأقول إن كل شيء سيكون على ما يرام، ثم أغمض عينَي لبضع ساعات.
—
وجدنا أنفسنا في فناء تحيط به جدران منخفضة منحوتة من الحجر الأبيض. ارتفعت أعمدة ملتفة بأغصان اللبلاب من الأرض، تزداد طولًا تدريجيًا كلما اقتربت من قوسٍ حجريّ ضخم.
لكن الآن…
استدار راديكس نحوها بسرعة فهدٍ فضيّ، وصوته العميق يرتجّ فوق صوتها دون عناء.
تناثرت شظايا القوس كأنها هالة تطفو في الهواء، محيطةً بمركزه الفارغ. وفي داخل تلك الهالة، كان الفضاء ذاته ممزقًا، متشوّهًا، ينفتح على الجرح الهائل في السماء. كان التمزّق يتلألأ بطيفٍ زيتيّ من الألوان، كأنه انعكاس على سطح فقاعة صابونية. كان تأثير الشفق هنا أشد وضوحًا، يلطّخ السماء حول الشقّ كأنها جرحٌ ينزف دمًا.
ما كنتُ أشهده لم يكن دمارًا فحسب… بل تصحيحًا أيضًا.
كان السادة العظام الآخرون قد بدأوا بالتحرك بالفعل.
في تلك اللحظة، لم يكن ريجيس وأنا متناغمَين تمامًا.
اصطفّت عشرات من الأزوراس—معظمهم من التنانين—في نصف دائرة حول القاعدتين المتبقيتين للقوس المحطّم. وسرعان ما وجد الجميع موضعًا لهم داخل الدائرة، ومع تفعُّل نطاق القلب، لم أعد أشعر فقط بتدفّق المانا حولهم، بل استطعت رؤيتها وهي تتراقص في الهواء، مكوّنةً تعاويذهم التي تحيط بالتمزّق.
—
شعرتُ بجسدي يُسحب بعيدًا، فنظرتُ إلى الأسفل نحو إيلي. قسوتُ على أسناني وأنا أقاوم شدّ كيزيس. “ماذا تفعل؟”
كانوا يحاولون إبقاءه متماسكًا.
“لم يمنحنا أيٌّ من الحدثَين صورةً واضحة عمّا فعله أغرونا، أو كيف فعله. وفي كلتا المرتين، كنّا مُجبرين على الانسحاب من عالمك.”
بعض التنانين كانت تعمل على نسيج الأثير بالتوازي مع تعاويذ المانا التي يستخدمها إخوتهم، وكانت فنون الفضاء لديهم تلعب دورًا أكثر فاعلية في السيطرة على الفضاء الممزّق.
وبمجرّد أن انضمّ السادة العظام، توقّف النموّ التدريجي للجرح فجأة، لكنّ الشقّ ذاته ظلّ يرتجف في السماء، كأنه ندبة كارثية تمتدّ عبر أفيتوس من طرفها إلى طرفها.
استطعتُ الإحساس بالفضاء من حولي، كيف جرى تشكيله وتوسيعه.
انسلّ ريجيس خارج جسدي على هيئة خيوط دخانية، وانجرف مقتربًا من الجرح. شعرتُ باللحظة التي التقطه الفراغ وحاول سحبه إلى الداخل.
“أدماء الفريترا تختلف حقًّا عن دماء الكوثان؟”
أفيتوس لم يكن مجرد عالمٍ عادي، مقيدٍ ضمن حدودٍ فيزيائية كما هو الحال في ديكاثين أو ألاكريا—أو حتى عالمي القديم، الأرض.
‘إنهم بالكاد يسيطرون عليه.’ أرسل لي، وجسده يتذبذب كضوء مصباح غازي في مهبّ الريح. ‘الضغط هائل. يكفي لابتلاع أفيتوس بأكملها.’
بجهدٍ واضح، غير مساره وعاد إلى جانبي، متجسدًا مجددًا في هيئته الذئبية ذات العرف المتأجج بالنيران الأرجوانية.
لم أستطع تذكّر وقتٍ كان فيه أكثر صراحةً وانفتاحًا معي كما كان الآن.
ومن خلال ريجيس، شعرتُ بشيء ما.
كِدتُ أن أبتسم.
لكنني كنتُ قد توقّعتُ ذلك مسبقًا، لذا حرّرتُ الأثير الذي كنتُ قد ربطته مسبقًا لمحاكاة تعويذته، بعد أن كنتُ قد كسرتُها بنفسي بالفعل.
لم يكن الفضاء الممزّق جزءًا من أفيتوس، لكنه كذلك لم يكن جزءًا من ديكاثين أو ألاكريا—لم يكن ينتمي إلى الفضاء الحقيقي للعالم.
لم أبذل أي جهدٍ لتلطيف حدة صوتي.
بل كان الحاجز الذي يفصل بين العالم الفيزيائي… وكل شيء آخر.
“ثم، بعد قرون، حين أوكلتُ إلى ألدير اغتيال أغرونا لإنهاء الحرب بين قارتيكم فورًا، اختفى نصف فريقه في غمضة عين.”
العالم الأثيري، الفضاء غير المادي، أو أي شيء آخر هناك—البُعد الذي ظلّ أفيتوس محاطًا فيه بأمان، لا ينتمي بالكامل إلى هذا العالم، ولا ينفصل عنه تمامًا كما نعرفه.
ارتفع حاجباي قليلًا، وارتسمت على وجهي دهشة مشوبة بخيبة الأمل.
“القوة أشبه بالمنارة، آرثر.”
لقد كان حدًّا فاصلاً، حاجزًا، ونقطة انتقال في آنٍ واحد.
“نعم، نعم. لا يمكننا السماح لهذا الشرخ بيني وبين أدمير بأن يستمر. أنا واثقٌ من أنه، حتى وهو عنيدٌ كما هو، سيكون مستعدًا لتنحية غضبه جانبًا للحظة، بالنظر إلى ما يواجهنا.”
ومع تمزّقه على مصراعيه، كان أفيتوس سيندفع إلى العالم الفيزيائي مجددًا، مما سيؤدي إلى كوارث على كلا العالمين.
عقد كيزيس ذراعيه وربّت بإصبعه على ذقنه.
تكاثفت طبقات من الفهم في ذهني، متراكبةً فوق بعضها.
ثم، قال وهو يرفع يده، مبعدًا الهواء كما لو كان يُزحزح ستارًا غير مرئي:
ما كنتُ أشهده لم يكن دمارًا فحسب… بل تصحيحًا أيضًا.
كان في لغة جسده شيءٌ واضح—توقّعٌ مني أن أتبع خطاه، كما فعل السادة العظام الآخرون.
عندما يُطرد أفيتوس بالكامل، وتنهار الفقاعة التي تحتضنه، سينغلق الجرح مجددًا، وكأنه لم يوجد قط—تمامًا كما كان “القدر” يتوقع للعالم الأثيري.
كنتُ أشعر بالفعل بتوتر الإرهاق خلف عينَي، كأنه صداعٌ يتكوّن ببطء.
تقدمتُ خطوةً إلى الأمام، مارًّا عبر نصف الدائرة التي شكّلها الأزوراس، حتى وقفتُ أمام بقايا القوس المحطم.
“لا بأس. هيا، آرثر. رغم كل التحديات التي تنتظرنا، أعتقد أن هذه، بالنسبة لي ولك، بدايةٌ جديدة.”
وكلما اقتربت، تغيّر تأثير الجاذبية حتى تساوت القوة الضاغطة عليّ مع القوة التي تشدّني نحو الجرح. خطوةٌ أخرى فقط، وكان الصدع سيبدأ بسحبي إلى داخله.
سمعتُ اسمي يتردد من الخلف—صوت كيزيس—لكن مناورة الملك كانت تنحسر، وتركيزي يتصدّع، والأفكار العديدة التي كنتُ أحتفظ بها آنًا واحدًا تتشظى، تتساقط كأغصان مثقلة بثلجٍ مبلّل كثيف.
حلّق مبتعدًا بسرعة مذهلة، متجاوزًا الأفق في غضون ثوانٍ معدودة.
لم يتبقَّ سوى فكرةٍ واحدة، مشرقة كضوءٍ في الضباب، تدفع إرهاق التشويش إلى الخلف.
اصطفّت عشرات من الأزوراس—معظمهم من التنانين—في نصف دائرة حول القاعدتين المتبقيتين للقوس المحطّم. وسرعان ما وجد الجميع موضعًا لهم داخل الدائرة، ومع تفعُّل نطاق القلب، لم أعد أشعر فقط بتدفّق المانا حولهم، بل استطعت رؤيتها وهي تتراقص في الهواء، مكوّنةً تعاويذهم التي تحيط بالتمزّق.
نواة، قنوات الأثير، والقوة الجسدية الخالصة لهيئتي الشبه-أزوراسنية، كلها عملت بتناغم تلقائي؛ جداولٌ ساطعة من الجزيئات البنفسجية الأثيرية تدفّقت عبر جسدي، نزولًا على امتداد عمودي الفقري؛ ثم تألقت رونية الحاكم الجديدة خاصتي—بصيرةٌ نقيّة، مقطرة، بدت حديثة تمامًا، ومع ذلك مألوفة حدّ البداهة—مشتعلة على ظهري.
انحنت بجمودٍ نحو كيزيس، ثم استدارت ومشت داخل الشجرة، التي انفتحت لتبتلعها.
تبدّل شكل العالم من خلال عدسة إدراكي.
ليس بنفس الطريقة التي ركّز بها نطاق القلب رؤيتي كي أرى جزيئات المانا، ولا كما كشفت خطوة الحاكم المسارات الأثيرية، أو حتى كما فتحت مناورة الملك ذهني على احتمالاتٍ لا حصر لها.
لكنني، بعد زفرةٍ ثقيلة، بدأتُ في السير خلفهم.
مقارنةً بهذه الأشياء… كانت تلك ضئيلةً جدًا، محدودةً جدًا.
الآن، شعرتُ بالارتباط. بالاتساع.
ليس بنفس الطريقة التي ركّز بها نطاق القلب رؤيتي كي أرى جزيئات المانا، ولا كما كشفت خطوة الحاكم المسارات الأثيرية، أو حتى كما فتحت مناورة الملك ذهني على احتمالاتٍ لا حصر لها.
استطعتُ الإحساس بالفضاء من حولي، كيف جرى تشكيله وتوسيعه.
عندما يُطرد أفيتوس بالكامل، وتنهار الفقاعة التي تحتضنه، سينغلق الجرح مجددًا، وكأنه لم يوجد قط—تمامًا كما كان “القدر” يتوقع للعالم الأثيري.
استدرتُ لأقابل نظرات كيزيس، عيناه تتوهجان كحجرَي عقيقٍ ملطخَين بالدم، تعكسان وهج الشفق القرمزي.
أفيتوس لم يكن مجرد عالمٍ عادي، مقيدٍ ضمن حدودٍ فيزيائية كما هو الحال في ديكاثين أو ألاكريا—أو حتى عالمي القديم، الأرض.
ومع كل كلمة، بدا وكأن جسد اللورد الجبّار ينمو بضع بوصات إضافية.
عندما يُطرد أفيتوس بالكامل، وتنهار الفقاعة التي تحتضنه، سينغلق الجرح مجددًا، وكأنه لم يوجد قط—تمامًا كما كان “القدر” يتوقع للعالم الأثيري.
على امتداد دهوره الطويلة، استمرّ أفيتوس في النموّ، موسّعًا حدوده ليُفسح المجال لازدهار الحضارة الأزوراسنية.
ومع ذلك، لم يكن أفيتوس هو ما استحوذ على انتباهي بالكامل.
الجرح في الفضاء… كان ساطعًا، جليًّا، مريعًا حين رأيته من منظوري الجديد.
لبرهة، لم يتحرّك أحد.
لم تغيّر رونية الحاكم بصري الفيزيائي؛ لم ينحرف الضوء بطريقة مختلفة، ولم يُكشف لي بُعدٌ جديد ضمن الأبعاد الثلاثة للفضاء.
“ماذا فعلتَ للتو؟”
بل كان الأمر أشبه بالإحساس السادس الذي منحتني إياه نواتي بخصوص الأثير.
‘حتى حقائقه يستخدمها كوسيلةٍ للتلاعب.’
وكلما اقتربت، تغيّر تأثير الجاذبية حتى تساوت القوة الضاغطة عليّ مع القوة التي تشدّني نحو الجرح. خطوةٌ أخرى فقط، وكان الصدع سيبدأ بسحبي إلى داخله.
شعرتُ بكيفية انطواء الفضاء من حولي، وأدركتُ—لأنني كنتُ مجبرًا على الإدراك، لأن البصيرة التي مكّنتني من استيعاب رونية الحاكم قد ضمّت بين ثناياها المعرفة بها—أنني أستطيع لمس الفضاء، وأنني أستطيع تشكيله.
شعرتُ بكيفية انطواء الفضاء من حولي، وأدركتُ—لأنني كنتُ مجبرًا على الإدراك، لأن البصيرة التي مكّنتني من استيعاب رونية الحاكم قد ضمّت بين ثناياها المعرفة بها—أنني أستطيع لمس الفضاء، وأنني أستطيع تشكيله.
————————
ارتفعت يداي، أقرب إلى طقسٍ شعائريّ منه إلى ضرورةٍ فيزيائية، وبدأتُ أحسّ بحواف التمزّق بأصابعي الذهنية.
بينما كان السادة العظام يصغون إلى كيزيس، تفرّق نظرهم في اتجاهاتٍ متباينة.
تموجت التشوّهات الضوئية التي جعلت الشقّ مرئيًا للعين المجرّدة بينما كان الفضاء ذاته يعيد تشكيل نفسه.
التجاعيد أمسكَت بالصَّدع نفسه، أبقته في مكانه كأنها دبابيس تُثبّت ورقة ممزقة.
تبدّل شكل العالم من خلال عدسة إدراكي.
ببطء، ومع ازدياد ثقتي، شرعتُ في شدّ الحواف إلى الداخل، أمَلّسها، وأفرض إرادتي على الحاجز الفضائي ليغلق نفسه.
قهقهتُ ساخرًا ولوّحتُ بيديّ في الهواء. “حتى الآن؟”
من بعيد، ورغم أنني لم أتمكن من استيعاب معاني كلماتهم، بدأتُ أسمع أصوات الأزوراس—شهقات، توسلات، كلمات مبهمة بنبرات مشجعة.
“انزعي اللحاء عن عينيك، يا سيّدة مابيليا.”
العالم الأثيري، الفضاء غير المادي، أو أي شيء آخر هناك—البُعد الذي ظلّ أفيتوس محاطًا فيه بأمان، لا ينتمي بالكامل إلى هذا العالم، ولا ينفصل عنه تمامًا كما نعرفه.
ثم…
وكلما اقتربت، تغيّر تأثير الجاذبية حتى تساوت القوة الضاغطة عليّ مع القوة التي تشدّني نحو الجرح. خطوةٌ أخرى فقط، وكان الصدع سيبدأ بسحبي إلى داخله.
ثم ابتلع ريقه، وكأن التعب الذي رأيته قد تلاشى تمامًا، ووجدتُ نفسي للحظةٍ أتساءل إن كنتُ قد تخيّلته من الأساس.
تعثّر الفضاء.
كان الضغط الناجم عن الجرح—تلك القوة التي تجذب أفيتوس إلى عالمي—أعظم من أن أتمكن من شدّ حواف الصدع معًا بالكامل.
رسمتُ ابتسامةً على وجهي، وانزلقتُ من فوق الجدار الحجري.
غيرتُ تكتيكي، وبدأتُ في طيّ الفضاء على طول الحواف الممزقة للجرح.
“تفضّل، أنِرني.”
التجاعيد أمسكَت بالصَّدع نفسه، أبقته في مكانه كأنها دبابيس تُثبّت ورقة ممزقة.
قهقهتُ ساخرًا ولوّحتُ بيديّ في الهواء. “حتى الآن؟”
“الهجوم كان من المفترض أن يكون قاطعًا. أرسلتُ عددًا من الجنود الأزوراس المخلصين أكثر مما كان من الحكمة أن أفعل…”
اهتزّ الفضاء من حول الشقّ، لكن الضغط بدأ يتلاشى عن الأزوراس الذين كانوا يكافحون لمنع توسعه المستمرّ.
“كنتَ تُخفي عني أشياءً.”
على الأقل في الوقت الراهن.
هززتُ رأسي، والركن الأيسر من شفتي ينعطف في ابتسامة جافة، مخذولة.
وبمجرّد أن أتممتُ ذلك، بدأتُ أفقد قبضتي على السمة الإلهية.
ارتفعت يداي، أقرب إلى طقسٍ شعائريّ منه إلى ضرورةٍ فيزيائية، وبدأتُ أحسّ بحواف التمزّق بأصابعي الذهنية.
تخيّل الفضاء بهذه الطريقة كان غريبًا عن عقلي، والإبقاء على هذه الرؤى المتناقضة في آنٍ واحد كان مستنزفًا.
وجدنا أنفسنا في فناء تحيط به جدران منخفضة منحوتة من الحجر الأبيض. ارتفعت أعمدة ملتفة بأغصان اللبلاب من الأرض، تزداد طولًا تدريجيًا كلما اقتربت من قوسٍ حجريّ ضخم.
كنتُ أشعر بالفعل بتوتر الإرهاق خلف عينَي، كأنه صداعٌ يتكوّن ببطء.
قطّب كيزيس حاجبيه، بمقدارٍ ضئيل لا يُكاد يُلاحظ، حين كرّرتُ كلماته، لكنه لم يُبدِ أي ردّ فعل آخر.
ارتخى كتفي قليلًا بينما خفت بريق السمة الإلهية.
‘إن كنتُ صريحًا، يبدو أن أغرونا قد ربح هذه الجولة.’
لم أبذل أي جهدٍ لتلطيف حدة صوتي.
ومن خلفي، جاء صوتٌ صارم:
في تلك اللحظة، لم يكن ريجيس وأنا متناغمَين تمامًا.
“ماذا فعلتَ للتو؟”
“أعلم أنك لم تتمكن تمامًا من الوثوق في نواياي، لكنك استطعت أن تتجاوز… خلافاتنا، وتعمل إلى جانبي.”
استدرتُ لأقابل نظرات كيزيس، عيناه تتوهجان كحجرَي عقيقٍ ملطخَين بالدم، تعكسان وهج الشفق القرمزي.
“كسبتُ لنا بعض الوقت، لكن… لا أعلم إلى متى سيصمد ذلك.”
نواة، قنوات الأثير، والقوة الجسدية الخالصة لهيئتي الشبه-أزوراسنية، كلها عملت بتناغم تلقائي؛ جداولٌ ساطعة من الجزيئات البنفسجية الأثيرية تدفّقت عبر جسدي، نزولًا على امتداد عمودي الفقري؛ ثم تألقت رونية الحاكم الجديدة خاصتي—بصيرةٌ نقيّة، مقطرة، بدت حديثة تمامًا، ومع ذلك مألوفة حدّ البداهة—مشتعلة على ظهري.
وكلما اقتربت، تغيّر تأثير الجاذبية حتى تساوت القوة الضاغطة عليّ مع القوة التي تشدّني نحو الجرح. خطوةٌ أخرى فقط، وكان الصدع سيبدأ بسحبي إلى داخله.
“كلا، آرثر.”
ارتجفت جفونه، وبهتت شفتاه بينما كان يضغطهما في خطٍ رفيع.
انحنى بانضباط، ثم استدار وأخذ خطوةً إلى الأمام.
تقدّم كيزيس خطوةً إلى الأمام، وكأنّ عالم أفيتوس بأسره تحرّك معه، ينكمش باتجاهي. “ماذا فعلتَ للتو؟ كيف…؟”
بجهدٍ واضح، غير مساره وعاد إلى جانبي، متجسدًا مجددًا في هيئته الذئبية ذات العرف المتأجج بالنيران الأرجوانية.
فكّرتُ في ذكريات “ساي-آريوم”، وسقوط “الجن”، والغضب العارم الذي شعر به الإسقاط الثاني للجن تجاه التنانين، وصور حضاراتٍ تتهاوى الواحدة تلو الأخرى.
لم يستطع منع نفسه من التحديق إلى الأعلى، مشدودًا بجاذبية السماء الممزّقة كما لو كان أفيتوس نفسه على وشك الانجراف داخلها.
حلّق مبتعدًا بسرعة مذهلة، متجاوزًا الأفق في غضون ثوانٍ معدودة.
“كنتَ تُخفي عني أشياءً.”
ما كنتُ أشهده لم يكن دمارًا فحسب… بل تصحيحًا أيضًا.
ارتفع حاجباي قليلًا، وارتسمت على وجهي دهشة مشوبة بخيبة الأمل.
“يجب أن ننطلق كلانا.”
“عالمك ينهار أمام ناظريك، وهذا أول ما يخطر ببالك؟”
تحرّكت شفتيّ بصمت بينما كنتُ أفرز عشرات الردود بحثًا عن الأنسب.
هززتُ رأسي، والركن الأيسر من شفتي ينعطف في ابتسامة جافة، مخذولة.
ارتخى كتفي قليلًا بينما خفت بريق السمة الإلهية.
“لم يمضِ سوى وقتٍ يسير على حصولي على بصيرة جديدة، تلك التي صنعت رونية حاكم خلال ‘صيدنا العظيم’. أستطيع استشعار الفضاء، وفي بعض النواحي، التلاعب به مباشرة. لم أمتلك حتى الآن ما يكفي من الوقت لاختبار حدودي مع هذه القدرة، ولا يمكنني إغلاق الصدع بالكامل. في نهاية المطاف، ستتحرر تلك الطيّات في الفضاء، وسيبدأ الثقب في التوسّع مجددًا.”
لكنني كنتُ قد توقّعتُ ذلك مسبقًا، لذا حرّرتُ الأثير الذي كنتُ قد ربطته مسبقًا لمحاكاة تعويذته، بعد أن كنتُ قد كسرتُها بنفسي بالفعل.
لم أبذل أي جهدٍ لتلطيف حدة صوتي.
ارتفعت يداي، أقرب إلى طقسٍ شعائريّ منه إلى ضرورةٍ فيزيائية، وبدأتُ أحسّ بحواف التمزّق بأصابعي الذهنية.
لكن كيزيس، وعلى غير توقّعي، لم يُظهر أي ردة فعل.
عندما يُطرد أفيتوس بالكامل، وتنهار الفقاعة التي تحتضنه، سينغلق الجرح مجددًا، وكأنه لم يوجد قط—تمامًا كما كان “القدر” يتوقع للعالم الأثيري.
بدلًا من ذلك، استدار نحو الآخرين.
“اجمع أفضل محاربيك. سندمّر أغرونا معًا.”
أدار عينَيه بسخرية.
“ركّزوا جهودكم حول تلك النقاط في الفضاء، حيث تبدو حواف الصدع وكأنها قد تقلّصت وانكمشت معًا. ادعموا هذه النقاط، ولعلّنا نُطيل لأنفسنا الوقت الذي اشتراه لنا اللورد آرثر.”
“ألا يجدر بنا التركيز على شعبك أولًا؟ علينا أن نبدأ بإخلاء أفيتوس—”
وبعد أن أنهى أوامره، استدار وبدأ في الابتعاد.
عندما يُطرد أفيتوس بالكامل، وتنهار الفقاعة التي تحتضنه، سينغلق الجرح مجددًا، وكأنه لم يوجد قط—تمامًا كما كان “القدر” يتوقع للعالم الأثيري.
“بالطبع.” قال، بنبرةٍ على غير العادة متعبة. “المعركة مزّقت القارّة، كادت تشقّها إلى نصفين، وأدّت إلى نشوء بحرٍ وسلسلةٍ جبلية جديدة. الهجوم كان من المفترض أن يكون قاطعًا. أرسلتُ عددًا من الجنود الأزوراس المخلصين أكثر مما كان من الحكمة أن أفعل…”
كان في لغة جسده شيءٌ واضح—توقّعٌ مني أن أتبع خطاه، كما فعل السادة العظام الآخرون.
رمضان كريم وكل عام وانتم بخير 🌹
تملّكني لوهلةٍ خاطرٌ بعدم اللحاق بهم.
“آرثر، شكرًا لك. ما فعلته سابقًا ضد خارنيس، وجهودك هنا مع هذا الجرح…”
هززتُ رأسي، والركن الأيسر من شفتي ينعطف في ابتسامة جافة، مخذولة.
كان الثقل خلف عينَي لا يُطاق، وكل ما أردته هو العودة إلى عائلتي، أن أكذب عليهم وأقول إن كل شيء سيكون على ما يرام، ثم أغمض عينَي لبضع ساعات.
لكنني، بعد زفرةٍ ثقيلة، بدأتُ في السير خلفهم.
توقف للحظة، ثم قال:
‘التنين العجوز يبدو كأنه تلقّى لكمةً قوية،’ علّق ريجيس بينما كان يسير بمحاذاتي.
عقد كيزيس ذراعيه وربّت بإصبعه على ذقنه.
‘إن كنتُ صريحًا، يبدو أن أغرونا قد ربح هذه الجولة.’
‘لنأمل ألّا يكون الأمر كذلك.’ أجبته، رغم أنني لم أكن أكثر قدرةً على خداع ريجيس مما كنتُ قادرًا على خداع نفسي في تلك اللحظة.
—
لقد نسج أكاذيبه بخيوط الحقيقة، وأخفى كليهما داخل سردٍ أسطوريّ محبوك.
تنحنح قبل أن يقول: “لن يقف أيّ باسيليسك على قيد الحياة في صفّ أغرونا. إنه لا يمثّلنا، يا لورد إندراث. يمكنك أن تكون على يقينٍ من ذلك.”
وما إن ابتعدنا عن الأزوراس الذين كانوا يكدحون لتثبيت الصدع، حتى توقّف كيزيس.
ومع ذلك، لم يكن أفيتوس هو ما استحوذ على انتباهي بالكامل.
وعندما تكلّم، تردّد صوته عبر الهواء وكأنه ارتدادٌ عن قمم الجبال البعيدة، قادمًا من العدم ومن كل مكان في آنٍ واحد، حرارةٌ لاهبة تتصاعد من الحجارة البيضاء الباردة التي تغطّي فناء القصر الواسع.
لقد كان حدًّا فاصلاً، حاجزًا، ونقطة انتقال في آنٍ واحد.
“اللورد ليوين، عليك العودة إلى ألاكريا فورًا.”
تقدمتُ خطوةً إلى الأمام، مارًّا عبر نصف الدائرة التي شكّلها الأزوراس، حتى وقفتُ أمام بقايا القوس المحطم.
“ماذا فعلتَ للتو؟”
توقّف لوهلة—تردّدٌ خافت، بالكاد يُدرك—ثم قال:
لكن الآن…
“أُوكِل إليك القضاء على أغرونا فريترا.”
—
“أفهمك، كيزيس.” قلتُ أخيرًا. “أشكرك على صراحتك معي.”
خيطٌ من وعيي التقط تعبيره الغريب.
بينما كان السادة العظام يصغون إلى كيزيس، تفرّق نظرهم في اتجاهاتٍ متباينة.
عندما يُطرد أفيتوس بالكامل، وتنهار الفقاعة التي تحتضنه، سينغلق الجرح مجددًا، وكأنه لم يوجد قط—تمامًا كما كان “القدر” يتوقع للعالم الأثيري.
موروينا كانت تحدّق إليّ، بينما حدّق راديكس بعيون صلبة كالصوّان في كيزيس.
راي كوثان ألقى ببصره إلى السماء، مُحدقًا في الصدع وكأنه يستطيع أن يرى مباشرةً إلى قلب ‘تايغرين كايلم’، حيث لا شك أن أغرونا كان يغلي فرحًا بنجاحه.
أما نوڤيس، فقد أعرض عن الجرح تمامًا، موليًا وجهه نحو الأفق، وجسده يتوهّج بالمانا.
وما إن اختفت حتى بدأت الأوراق الذهبية بالتساقط، وانسلخ اللحاء الفضيّ ليكشف عن خشبٍ متعفّن ينهار بسرعة.
على الأقل في الوقت الراهن.
تريّثتُ للحظات، أقلب الردّ في فمي قبل أن أنطق به أخيرًا.
—
“ألا يجدر بنا التركيز على شعبك أولًا؟ علينا أن نبدأ بإخلاء أفيتوس—”
“الهجوم كان من المفترض أن يكون قاطعًا. أرسلتُ عددًا من الجنود الأزوراس المخلصين أكثر مما كان من الحكمة أن أفعل…”
“هراء!” قاطعتني موروينا، منخرها يرتجف بصوت أشبه بحفيف الأوراق. “لن نسمح أبدًا لباسيليسك مارق بأن يتسبّب في انهيار عالمنا بأسره—”
استدار راديكس نحوها بسرعة فهدٍ فضيّ، وصوته العميق يرتجّ فوق صوتها دون عناء.
انسلّ ريجيس خارج جسدي على هيئة خيوط دخانية، وانجرف مقتربًا من الجرح. شعرتُ باللحظة التي التقطه الفراغ وحاول سحبه إلى الداخل.
كان الضغط الناجم عن الجرح—تلك القوة التي تجذب أفيتوس إلى عالمي—أعظم من أن أتمكن من شدّ حواف الصدع معًا بالكامل.
“ومع ذلك، يبدو أنه قد فعل ذلك بالفعل!”
رفعتُ حاجبًا، وبدأتُ أعبث بإحدى كروم اللبلاب.
“ومع ذلك، يبدو أنه قد فعل ذلك بالفعل!”
ومع كل كلمة، بدا وكأن جسد اللورد الجبّار ينمو بضع بوصات إضافية.
“انزعي اللحاء عن عينيك، يا سيّدة مابيليا.”
استدار راديكس نحوها بسرعة فهدٍ فضيّ، وصوته العميق يرتجّ فوق صوتها دون عناء.
“لقد كنّا جميعًا عميانًا عن الغاية الحقيقية من تمرّد أغرونا.” قال راي، بنبرة هادئة مهدئة. “لكنّ أعيننا قد انفتحت الآن.”
ارتجف نوڤيس قليلًا، وراحت ألسنة اللهب تتراقص على جلده وثيابه.
‘لنأمل ألّا يكون الأمر كذلك.’ أجبته، رغم أنني لم أكن أكثر قدرةً على خداع ريجيس مما كنتُ قادرًا على خداع نفسي في تلك اللحظة.
الجرح في الفضاء… كان ساطعًا، جليًّا، مريعًا حين رأيته من منظوري الجديد.
“أحقًّا؟” استدار، مشيرًا بإصبعه نحو الصدع. “وما الذي يمكن أن يكونه مقصده، بحقّ جحيم النيران المتأججة، بهذا؟”
—
“أعتقد أنه قد حان الوقت لتخبرني بالحقيقة… لماذا تخشى مغادرة أفيتوس؟”
تقدّمتُ خطوةً إلى الأمام، واقفًا في وسط السادة الأزوراس، كلٌّ منهم بالكاد يكبح قوته الهائلة.
ارتخى كتفي قليلًا بينما خفت بريق السمة الإلهية.
“الأمر واضح تمامًا.”
تحوّلت أنظار السادة العظام الخمسة نحوي مجددًا، وعلى وجوههم جميعًا طبقات متفاوتة من الذهول.
لبرهة، لم يتحرّك أحد.
وحده كيزيس بدا وكأنه قد فهم إلى أين كنتُ أريد الوصول.
“أحقًّا؟” استدار، مشيرًا بإصبعه نحو الصدع. “وما الذي يمكن أن يكونه مقصده، بحقّ جحيم النيران المتأججة، بهذا؟”
“لا وقت لدينا لهذا.” قال كيزيس، قاطعًا أي جدال محتمل. “أيها السادة، لن نسمح لشعبنا بأن يفقدوا الأمل في أفيتوس، أو إيمانهم بنا. اجمعوا أولئك الذين تثقون بهم أكثر من عشائركم ومجتمعاتكم، وعودوا إلى قصري خلال ساعة. سأصدر بيانًا.”
“كلا.”
عندما يُطرد أفيتوس بالكامل، وتنهار الفقاعة التي تحتضنه، سينغلق الجرح مجددًا، وكأنه لم يوجد قط—تمامًا كما كان “القدر” يتوقع للعالم الأثيري.
لبرهة، لم يتحرّك أحد.
تملّكني لوهلةٍ خاطرٌ بعدم اللحاق بهم.
شعرتُ بكيفية انطواء الفضاء من حولي، وأدركتُ—لأنني كنتُ مجبرًا على الإدراك، لأن البصيرة التي مكّنتني من استيعاب رونية الحاكم قد ضمّت بين ثناياها المعرفة بها—أنني أستطيع لمس الفضاء، وأنني أستطيع تشكيله.
“اذهبوا!” صرخ، حادًّا كالسيف.
قفزت موروينا كما لو أنها صُفِعت.
تشقق الحجر تحت قدميها، وبدأت شجرةٌ في الاندفاع من الأرض، جذعها الفضيّ يرتفع فوق رؤوسنا، ثم تتفرّع منه أوراقٌ ذهبية متلألئة.
كيزيس كان دقيقًا حين شرح لي سابقًا ما يريده أغرونا، حين واجهته بعد معركتي مع الأطياف من أجل أولوداري.
قفزت عيناه، اللتان استقرّ لونهما الآن في أرجوانيٍّ قاتم كالكدمات، إلى السماء خلفي.
انحنت بجمودٍ نحو كيزيس، ثم استدارت ومشت داخل الشجرة، التي انفتحت لتبتلعها.
في تلك اللحظة، لم يكن ريجيس وأنا متناغمَين تمامًا.
وما إن اختفت حتى بدأت الأوراق الذهبية بالتساقط، وانسلخ اللحاء الفضيّ ليكشف عن خشبٍ متعفّن ينهار بسرعة.
اهتزّ الفضاء من حول الشقّ، لكن الضغط بدأ يتلاشى عن الأزوراس الذين كانوا يكافحون لمنع توسعه المستمرّ.
تبدّل شكل العالم من خلال عدسة إدراكي.
وفي غضون لحظات، لم يتبقَّ سوى بساطٍ من الأوراق عند أقدامنا، واختفت الشجرة كأنها لم تكن.
“ماذا فعلتَ للتو؟”
“هناك شيء يخيفك أكثر من أغرونا.”
في الوقت ذاته، غاص راديكس في الأرض، واختفى تمامًا، وإن كان بطريقة أقل درامية.
“كلا، آرثر.”
أما نوڤيس، فقد قفز في الهواء، وبدأ جسده بالتحوّل، منتفخًا حتى صار هيئةً عملاقة، طائرًا مغطى بريشٍ متوهّج بلون اللهب والرماد.
حلّق مبتعدًا بسرعة مذهلة، متجاوزًا الأفق في غضون ثوانٍ معدودة.
—
“كما قلتُ لك من قبل، كل ما فعلته كان للحفاظ على هذا العالم، لأن هناك أمورًا أسوأ بكثير من الفريترا كامنة في الظلام.”
وحده راي، لورد العشيرة العظمى كوثان، بقي واقفًا.
تنحنح قبل أن يقول: “لن يقف أيّ باسيليسك على قيد الحياة في صفّ أغرونا. إنه لا يمثّلنا، يا لورد إندراث. يمكنك أن تكون على يقينٍ من ذلك.”
زمجر كيزيس ساخرًا.
“أدماء الفريترا تختلف حقًّا عن دماء الكوثان؟”
ارتجفت تعابير راي، لكنّ تفسير حالته كان أمرًا صعبًا.
وفي غضون لحظات، لم يتبقَّ سوى بساطٍ من الأوراق عند أقدامنا، واختفت الشجرة كأنها لم تكن.
انحنى بانضباط، ثم استدار وأخذ خطوةً إلى الأمام.
عندها، انبثق إعصارٌ أسودٌ من الحجارة، اجتاحه بالكامل، ثم تلاشى.
فكّرتُ في تفسير “القدر” حول العالم الأثيري، وكيف أنه “مُقيّدٌ على نحوٍ غير طبيعي.”
وكان لورد الباسيليسك قد اختفى.
“اذهبوا!” صرخ، حادًّا كالسيف.
—
عقد كيزيس ذراعيه وربّت بإصبعه على ذقنه.
“ماذا فعلتَ للتو؟”
“يجب أن ننطلق كلانا.”
“اللورد ليوين، عليك العودة إلى ألاكريا فورًا.”
لم يكن متململًا، ولم يُظهر أي قلق. لم يكن هناك تسارعٌ في نبضه، ولا ارتباكٌ في نظراته.
قلت، مُحدّقًا إلى آخر الأوراق الذهبية وهي تتطاير في دوّامة الريح الخافتة.
ومع ذلك، لم تخطر ببالي قط.
“اجمع أفضل محاربيك. سندمّر أغرونا معًا.”
ارتجفت جفونه، وبهتت شفتاه بينما كان يضغطهما في خطٍ رفيع.
استدرتُ لأقابل نظرات كيزيس، عيناه تتوهجان كحجرَي عقيقٍ ملطخَين بالدم، تعكسان وهج الشفق القرمزي.
“كلا.”
إن وُجدت أخطاء نحوية، إملائية، لغوية، فأخبروني في التعليقات. لا تبخلوا بتعليق جميل تحت.
كلمةٌ واحدة، دون تفكير، بلا أدنى تردد. لا مجال للنقاش.
لكن الآن…
قهقهتُ ساخرًا ولوّحتُ بيديّ في الهواء. “حتى الآن؟”
أدار كيزيس ظهره لي، وسار مبتعدًا عن الأزوراس الذين لا يزالون يكافحون للحؤول دون توسّع الجرح. ضغطتُ راحتيّ على عينَي، كأنني أستطيع أن أُخمد الضغط المتصاعد في جمجمتي، ثم لحقتُ به على مضض.
آرثر ليوين
تدفّق الأثير إلى رونية مناورة الملك، وسرعان ما شعرتُ بوعيي يتمدّد، متشعّبًا في عشرات المسارات، والخيوط، والطبقات المتراكبة.
وما إن ابتعدنا عن الأزوراس الذين كانوا يكدحون لتثبيت الصدع، حتى توقّف كيزيس.
اللهم يا واحد يا أحد، يا ملك يا مبين، ارزقنا القوة في ديننا، والصبر على بلائنا، والثبات على توحيدك. ارزقنا من فضلك ما يقوّي إيماننا ويُصلح أحوالنا. ارحم شهداءنا، وألحقهم بالصالحين، واجعلهم في جنات النعيم. انصر المستضعفين، واكشف الغمّة، وفرّج الكرب، يا أرحم الراحمين. آمين.
“جيد.” قال كيزيس بتهكّمٍ خافت. “لعلّك، مع تفعُّل فنّك الأثيري، تصبح قادرًا على استيعاب ما سأخبرك به.”
شعرتُ بجسدي يُسحب بعيدًا، فنظرتُ إلى الأسفل نحو إيلي. قسوتُ على أسناني وأنا أقاوم شدّ كيزيس. “ماذا تفعل؟”
لم أجد داعيًا لكبت أي ردٍّ لاذع، إذ أن المنطق البارد لعقلي المتشعّب حال دون أن أنزعج من سخريته.
لم يكن يعيش زخم أفكاري، إذ أن لا هو ولا سيلفي يستطيعان استيعاب التعقيد المتداخل للعمليات الذهنية التي يولّدها ‘مناورة الملك’.
الآن، شعرتُ بالارتباط. بالاتساع.
“تفضّل، أنِرني.”
“ركّزوا جهودكم حول تلك النقاط في الفضاء، حيث تبدو حواف الصدع وكأنها قد تقلّصت وانكمشت معًا. ادعموا هذه النقاط، ولعلّنا نُطيل لأنفسنا الوقت الذي اشتراه لنا اللورد آرثر.”
شعرتُ بجسدي يُسحب بعيدًا، فنظرتُ إلى الأسفل نحو إيلي. قسوتُ على أسناني وأنا أقاوم شدّ كيزيس. “ماذا تفعل؟”
لم يتوقف كيزيس عن السير، ولم يلتفت ليتحدّث إليّ.
راح ينسلّ بين جدرانٍ نصفية تزداد كثافتها، تكسوها أغصان اللبلاب، مارًّا بجوار نوافير صغيرة متدفقة، ثم أسفل أقواسٍ متشابكة من الأحجار البيضاء والكروم المعقودة.
ثم ضحك، ضحكةً خفيفة، بالكاد مسموعة.
“مرتين، حاولتُ القضاء على أغرونا بشكلٍ مباشر. المحاولة الأولى كانت بعد فراره مباشرةً من أفيتوس. عندما لحقت به ابنتي…” زفرَ كيزيس نفسًا حادًّا، كتفاه تنتفضان في حركةٍ متشنجة.
حتى خلال فترة مراقبة التنانين القصيرة في ديكاثين، كان كيزيس قد أرسل عددًا ضئيلًا جدًا من الجنود، ومعظمهم كانوا صغارًا وضعيفي القوة…
“تبعته عشيرة الفريترا بأكملها، إضافةً إلى أعضاءٍ من عشائر الباسيليسك الأخرى، بل وحتى بعض الأزوراس من غير الباسيليسك.”
“إنها تتوهّج بعيدًا وواسعًا، فتجذب انتباه أولئك الذين قد يسعون إلى تحدّيها، أو الركوع لها، أو التملّق والتوسّل والتذرّع عند أعتابها… أو حتى أولئك الذين قد يحاولون انتزاعها بالقوة.”
“لقد شرحتَ لي هذا من قبل.” عقّبتُ، متسائلًا إن كان يحاول تشتيتي.
استطعتُ الإحساس بالفضاء من حولي، كيف جرى تشكيله وتوسيعه.
راح ينسلّ بين جدرانٍ نصفية تزداد كثافتها، تكسوها أغصان اللبلاب، مارًّا بجوار نوافير صغيرة متدفقة، ثم أسفل أقواسٍ متشابكة من الأحجار البيضاء والكروم المعقودة.
“بالطبع.” قال، بنبرةٍ على غير العادة متعبة. “المعركة مزّقت القارّة، كادت تشقّها إلى نصفين، وأدّت إلى نشوء بحرٍ وسلسلةٍ جبلية جديدة. الهجوم كان من المفترض أن يكون قاطعًا. أرسلتُ عددًا من الجنود الأزوراس المخلصين أكثر مما كان من الحكمة أن أفعل…”
خيطٌ من وعيي التقط تعبيره الغريب.
“أكثر مما كان من الحكمة؟ ماذا يعني بذلك؟”
كان في لغة جسده شيءٌ واضح—توقّعٌ مني أن أتبع خطاه، كما فعل السادة العظام الآخرون.
“على الرغم من أنني قتلتُ العديد من أتباعه—بل وأكثر من ذلك من الألاكريين—إلا أن القوات التي وصلت إلى حصنه، ‘تايغرين كايلم’، ببساطة… اختفت.”
“ثم، بعد قرون، حين أوكلتُ إلى ألدير اغتيال أغرونا لإنهاء الحرب بين قارتيكم فورًا، اختفى نصف فريقه في غمضة عين.”
“لم يمنحنا أيٌّ من الحدثَين صورةً واضحة عمّا فعله أغرونا، أو كيف فعله. وفي كلتا المرتين، كنّا مُجبرين على الانسحاب من عالمك.”
فكّرتُ في ذكريات “ساي-آريوم”، وسقوط “الجن”، والغضب العارم الذي شعر به الإسقاط الثاني للجن تجاه التنانين، وصور حضاراتٍ تتهاوى الواحدة تلو الأخرى.
الجزء من عقلي الذي كان يستمع إلى كلماته ويفككها تحطّم إلى عدّة مسارات تفكير متزامنة ومتعارضة.
“لقد كنّا جميعًا عميانًا عن الغاية الحقيقية من تمرّد أغرونا.” قال راي، بنبرة هادئة مهدئة. “لكنّ أعيننا قد انفتحت الآن.”
توقّفتُ عن المشي وجلستُ على أحد الجدران النصفية، عاقدًا ذراعيّ.
قلت، مُحدّقًا إلى آخر الأوراق الذهبية وهي تتطاير في دوّامة الريح الخافتة.
تابع كيزيس تقدّمه لعشرة أقدامٍ إضافية، قبل أن يتوقف أخيرًا، ملتفتًا نحوي.
“قبل أن نعود…”
لم تغيّر رونية الحاكم بصري الفيزيائي؛ لم ينحرف الضوء بطريقة مختلفة، ولم يُكشف لي بُعدٌ جديد ضمن الأبعاد الثلاثة للفضاء.
—
في تلك اللحظة، لم يكن ريجيس وأنا متناغمَين تمامًا.
ثم، قال وهو يرفع يده، مبعدًا الهواء كما لو كان يُزحزح ستارًا غير مرئي:
كيزيس كان دقيقًا حين شرح لي سابقًا ما يريده أغرونا، حين واجهته بعد معركتي مع الأطياف من أجل أولوداري.
لقد نسج أكاذيبه بخيوط الحقيقة، وأخفى كليهما داخل سردٍ أسطوريّ محبوك.
لم أستطع تذكّر وقتٍ كان فيه أكثر صراحةً وانفتاحًا معي كما كان الآن.
لكن خلال كل هذه الحوارات، تسرّبت منه بعض التفاصيل التي باتت الآن تحمل دلالاتٍ واضحة…
—
“بدلًا من خوض حربٍ كارثية، بغض النظر عن قدرتنا على الانتصار فيها، أرسلتُ قتَلة، بأكبر عددٍ وأعظم قوةٍ استطعتُ المجازفة بها.”
“كلا.”
“الهجوم كان من المفترض أن يكون قاطعًا. أرسلتُ عددًا من الجنود الأزوراس المخلصين أكثر مما كان من الحكمة أن أفعل…”
حتى خلال فترة مراقبة التنانين القصيرة في ديكاثين، كان كيزيس قد أرسل عددًا ضئيلًا جدًا من الجنود، ومعظمهم كانوا صغارًا وضعيفي القوة…
لم أجد داعيًا لكبت أي ردٍّ لاذع، إذ أن المنطق البارد لعقلي المتشعّب حال دون أن أنزعج من سخريته.
“هناك شيء يخيفك أكثر من أغرونا.”
أما نوڤيس، فقد أعرض عن الجرح تمامًا، موليًا وجهه نحو الأفق، وجسده يتوهّج بالمانا.
لم أستطع تذكّر وقتٍ كان فيه أكثر صراحةً وانفتاحًا معي كما كان الآن.
خرجت الكلمات باردة، جملةٌ تقريرية لا أكثر.
اصطفّت عشرات من الأزوراس—معظمهم من التنانين—في نصف دائرة حول القاعدتين المتبقيتين للقوس المحطّم. وسرعان ما وجد الجميع موضعًا لهم داخل الدائرة، ومع تفعُّل نطاق القلب، لم أعد أشعر فقط بتدفّق المانا حولهم، بل استطعت رؤيتها وهي تتراقص في الهواء، مكوّنةً تعاويذهم التي تحيط بالتمزّق.
“أعتقد أنه قد حان الوقت لتخبرني بالحقيقة… لماذا تخشى مغادرة أفيتوس؟”
تشنّجت عضلةٌ في وجه كيزيس، وللحظة—لأول مرة منذ أن عرفته—بدا عجوزًا.
وكان لورد الباسيليسك قد اختفى.
لم تنتشر التجاعيد على وجهه فجأة مثل طين صحراءٍ متشقّق، لكنه بدا وكأن روحه نفسها قد وهنت، كعدّاءٍ يصل إلى نهاية تحمّله.
“اذهبوا!” صرخ، حادًّا كالسيف.
انكمشت قوته إلى داخله.
تقدّمتُ خطوةً إلى الأمام، واقفًا في وسط السادة الأزوراس، كلٌّ منهم بالكاد يكبح قوته الهائلة.
ارتجفت جفونه، وبهتت شفتاه بينما كان يضغطهما في خطٍ رفيع.
“هل أغادر على الفور، أم ترغب في أن أبقى لحضور إعلانك؟ في كلتا الحالتين، أحتاج إلى جمع عشيرتي.”
كان الأمر سريعًا وخافتًا للغاية، ولولا ‘مناورة الملك’، لما لاحظته على الأرجح.
ثم ابتلع ريقه، وكأن التعب الذي رأيته قد تلاشى تمامًا، ووجدتُ نفسي للحظةٍ أتساءل إن كنتُ قد تخيّلته من الأساس.
“القوة أشبه بالمنارة، آرثر.”
“تفضّل، أنِرني.”
“إنها تتوهّج بعيدًا وواسعًا، فتجذب انتباه أولئك الذين قد يسعون إلى تحدّيها، أو الركوع لها، أو التملّق والتوسّل والتذرّع عند أعتابها… أو حتى أولئك الذين قد يحاولون انتزاعها بالقوة.”
توقف للحظة، ثم قال:
اعتدل في وقفته، ورفع ذقنه.
“أنت نفسك جئت من عالمَين مختلفَين. أنت تعلم أن هناك أنواعًا أخرى من السحر، غير المانا والأثير.”
ارتجفت تعابير راي، لكنّ تفسير حالته كان أمرًا صعبًا.
أدار كيزيس ظهره للجرح العظيم في السماء، وعيناه تتوهجان كالبرق وهو يحدق في بقيّة السادة العظام ثم إليّ. “تعالوا.” لم يقل أكثر من ذلك قبل أن يبدأ الأثير بالتفاف حولنا جميعًا.
“كما قلتُ لك من قبل، كل ما فعلته كان للحفاظ على هذا العالم، لأن هناك أمورًا أسوأ بكثير من الفريترا كامنة في الظلام.”
على الأقل في الوقت الراهن.
وحين نطق بكلماته الأخيرة، انزاحت نظرته إلى الجرح.
تبعتها نظرتي، فوقفنا معًا، نحدّق في العتمة التي تحيط بسطح عالمي الأزرق والأخضر والبني.
لكنني، بصوتٍ مسموع، قلتُ فقط:
“تبعته عشيرة الفريترا بأكملها، إضافةً إلى أعضاءٍ من عشائر الباسيليسك الأخرى، بل وحتى بعض الأزوراس من غير الباسيليسك.”
ثم، وكأن صاعقة قد ضربت وعيي، اجتمعت جميع الخيوط المتفرّقة من إدراكي المتشعّب في نقطةٍ واحدة.
تابع كيزيس تقدّمه لعشرة أقدامٍ إضافية، قبل أن يتوقف أخيرًا، ملتفتًا نحوي.
لم يكن لديّ سببٌ على الإطلاق لأفكر في عوالم أخرى غير الأرض وموطني الجديد.
شعرتُ بجسدي يُسحب بعيدًا، فنظرتُ إلى الأسفل نحو إيلي. قسوتُ على أسناني وأنا أقاوم شدّ كيزيس. “ماذا تفعل؟”
لكن حقيقة وجود كواكب أخرى، مأهولة بكائناتٍ تستخدم أشكالًا من السحر غير المانا أو الأثير أو الـ”كي”، كانت تبدو الآن بديهية أمام تصريح كيزيس…
تسارع عقلي المعزّز بـ‘مناورة الملك’ إلى عشرات الاستنتاجات المتزامنة.
استدار راديكس نحوها بسرعة فهدٍ فضيّ، وصوته العميق يرتجّ فوق صوتها دون عناء.
ومع ذلك، لم تخطر ببالي قط.
ومع تمزّقه على مصراعيه، كان أفيتوس سيندفع إلى العالم الفيزيائي مجددًا، مما سيؤدي إلى كوارث على كلا العالمين.
تسارع عقلي المعزّز بـ‘مناورة الملك’ إلى عشرات الاستنتاجات المتزامنة.
فتحتُ فمي لأطرح عشرات الأسئلة دفعةً واحدة، ثم قطعتُ نفسي.
“هل أغادر على الفور، أم ترغب في أن أبقى لحضور إعلانك؟ في كلتا الحالتين، أحتاج إلى جمع عشيرتي.”
استغلّ كيزيس الفرصة ليواصل الحديث.
“كنتَ تُخفي عني أشياءً.”
“استمع إليّ، آرثر. هذا الجزء—أمن الجنس الأزوراسني بأكمله—هو العبء الذي يقع على عاتقي. أفيتوس، العالم، موقعه داخل اتساع الكون، كل ما تلومني عليه. إنه عبئي، أتفهم ذلك؟ في هذه اللحظة، بغض النظر عن أي أفكارٍ تتصارع داخل عقلك، يجب أن تركّز على حقيقةٍ واحدةٍ جوهرية: إيجاد أغرونا فريترا والقضاء عليه… هي مهمتك. لا أفهم السبب بالكامل، لكنني أؤمن بأنك قد أصبحتَ ما أنت عليه اليوم تحديدًا لكي تتمكن من هزيمة أغرونا الآن. أيا كانت القوة التي أجهضت محاولات الأزوراس الذين ذهبوا لمواجهته، فربما تكون أنت القادر على مواجهتها.”
ارتفعت يداي، أقرب إلى طقسٍ شعائريّ منه إلى ضرورةٍ فيزيائية، وبدأتُ أحسّ بحواف التمزّق بأصابعي الذهنية.
قطّب كيزيس حاجبيه، بمقدارٍ ضئيل لا يُكاد يُلاحظ، حين كرّرتُ كلماته، لكنه لم يُبدِ أي ردّ فعل آخر.
تحرّكت شفتيّ بصمت بينما كنتُ أفرز عشرات الردود بحثًا عن الأنسب.
ارتفعت يداي، أقرب إلى طقسٍ شعائريّ منه إلى ضرورةٍ فيزيائية، وبدأتُ أحسّ بحواف التمزّق بأصابعي الذهنية.
فكّرتُ في ذكريات “ساي-آريوم”، وسقوط “الجن”، والغضب العارم الذي شعر به الإسقاط الثاني للجن تجاه التنانين، وصور حضاراتٍ تتهاوى الواحدة تلو الأخرى.
“اجمع أفضل محاربيك. سندمّر أغرونا معًا.”
راي كوثان ألقى ببصره إلى السماء، مُحدقًا في الصدع وكأنه يستطيع أن يرى مباشرةً إلى قلب ‘تايغرين كايلم’، حيث لا شك أن أغرونا كان يغلي فرحًا بنجاحه.
فكّرتُ في تفسير “القدر” حول العالم الأثيري، وكيف أنه “مُقيّدٌ على نحوٍ غير طبيعي.”
شعرتُ بكيفية انطواء الفضاء من حولي، وأدركتُ—لأنني كنتُ مجبرًا على الإدراك، لأن البصيرة التي مكّنتني من استيعاب رونية الحاكم قد ضمّت بين ثناياها المعرفة بها—أنني أستطيع لمس الفضاء، وأنني أستطيع تشكيله.
كلمةٌ واحدة، دون تفكير، بلا أدنى تردد. لا مجال للنقاش.
كلٌّ من هذه الأحداث انفتح أمامي كما لو أنني أقلب صفحات كتاب،
دروسها وموضوعاتها تتقاطع مع ذهني، وأنا أُقحمها في هذا التفسير الجديد الذي قدّمه لي كيزيس.
لم أرَ أي علامة تدلّ على أنه يكذب.
“تفضّل، أنِرني.”
قفز ريجيس إلى داخلي، بينما سحبت سيلفي إيلي خطوة إلى الخلف وأومأت.
لم يكن متململًا، ولم يُظهر أي قلق. لم يكن هناك تسارعٌ في نبضه، ولا ارتباكٌ في نظراته.
دروسها وموضوعاتها تتقاطع مع ذهني، وأنا أُقحمها في هذا التفسير الجديد الذي قدّمه لي كيزيس.
وكان لورد الباسيليسك قد اختفى.
لكنّه كان أزوراس ديموم، وقد شهدتُ بعينيّ كيف يتصرّف حين يكون مسيطرًا، وكيف يبدو حين تتزلزل تلك السيطرة.
ومع ذلك، لم تخطر ببالي قط.
لم أستطع تذكّر وقتٍ كان فيه أكثر صراحةً وانفتاحًا معي كما كان الآن.
ومع كل كلمة، بدا وكأن جسد اللورد الجبّار ينمو بضع بوصات إضافية.
‘يمكنك أن تعترف بكلماته، لكن فكّر بعقلك، أيتها الأميرة.’
“القوة أشبه بالمنارة، آرثر.”
دروسها وموضوعاتها تتقاطع مع ذهني، وأنا أُقحمها في هذا التفسير الجديد الذي قدّمه لي كيزيس.
جاء صوت ريجيس، الذي كان صامتًا ومنسحبًا بسبب ‘مناورة الملك’، مترددًا في ذهني.
كنتُ أشعر بالفعل بتوتر الإرهاق خلف عينَي، كأنه صداعٌ يتكوّن ببطء.
“أُوكِل إليك القضاء على أغرونا فريترا.”
‘حتى حقائقه يستخدمها كوسيلةٍ للتلاعب.’
وحين نطق بكلماته الأخيرة، انزاحت نظرته إلى الجرح.
كِدتُ أن أبتسم.
“بدلًا من خوض حربٍ كارثية، بغض النظر عن قدرتنا على الانتصار فيها، أرسلتُ قتَلة، بأكبر عددٍ وأعظم قوةٍ استطعتُ المجازفة بها.”
في تلك اللحظة، لم يكن ريجيس وأنا متناغمَين تمامًا.
كان في لغة جسده شيءٌ واضح—توقّعٌ مني أن أتبع خطاه، كما فعل السادة العظام الآخرون.
لم يكن يعيش زخم أفكاري، إذ أن لا هو ولا سيلفي يستطيعان استيعاب التعقيد المتداخل للعمليات الذهنية التي يولّدها ‘مناورة الملك’.
وما إن ابتعدنا عن الأزوراس الذين كانوا يكدحون لتثبيت الصدع، حتى توقّف كيزيس.
كِدتُ أن أبتسم، لأنني أدركتُ ما يجب أن يحدث.
انكمشت قوته إلى داخله.
يمكن أن تُغتفر أشياء كثيرة، خاصةً إذا كان المخطئ نادمًا ومستعدًا للتغيير.
“أفهمك، كيزيس.” قلتُ أخيرًا. “أشكرك على صراحتك معي.”
قطّب كيزيس حاجبيه، بمقدارٍ ضئيل لا يُكاد يُلاحظ، حين كرّرتُ كلماته، لكنه لم يُبدِ أي ردّ فعل آخر.
تكاثفت طبقات من الفهم في ذهني، متراكبةً فوق بعضها.
تموجت التشوّهات الضوئية التي جعلت الشقّ مرئيًا للعين المجرّدة بينما كان الفضاء ذاته يعيد تشكيل نفسه.
“سأجد أغرونا، وسأنهيه إلى الأبد.”
نظرتُ إلى الجرح، مفكرًا، ثم سيتعيّن عليّ إيجاد طريقةٍ للتعامل مع هذا.
لكنني، بصوتٍ مسموع، قلتُ فقط:
الآن، شعرتُ بالارتباط. بالاتساع.
“هل أغادر على الفور، أم ترغب في أن أبقى لحضور إعلانك؟ في كلتا الحالتين، أحتاج إلى جمع عشيرتي.”
عقد كيزيس ذراعيه وربّت بإصبعه على ذقنه.
وفي اللحظات الأخيرة قبل أن يطويني السحر، سمحتُ لتعبيري بالسقوط، ونظرتُ إليه ببرود، بحدةٍ، مصوّبًا عينيّ إلى ظهره.
“سيكون من الجيّد أن تكون هناك.ومن غير المرجّح أن تؤثّر ساعة أو ساعتان في مصير أيٍّ من العالمَين، لكنّ اجتماع السادة العظام التسعة جميعًا سيُطمئن شعبنا بأن الاستقرار لا يزال قائمًا.”
تخيّل الفضاء بهذه الطريقة كان غريبًا عن عقلي، والإبقاء على هذه الرؤى المتناقضة في آنٍ واحد كان مستنزفًا.
على الأقل في الوقت الراهن.
رفعتُ حاجبًا، وبدأتُ أعبث بإحدى كروم اللبلاب.
“جميعنا؟”
لقد نسج أكاذيبه بخيوط الحقيقة، وأخفى كليهما داخل سردٍ أسطوريّ محبوك.
ألقى عليّ كيزيس نظرةً ساخرة.
“آرثر، شكرًا لك. ما فعلته سابقًا ضد خارنيس، وجهودك هنا مع هذا الجرح…”
“نعم، نعم. لا يمكننا السماح لهذا الشرخ بيني وبين أدمير بأن يستمر. أنا واثقٌ من أنه، حتى وهو عنيدٌ كما هو، سيكون مستعدًا لتنحية غضبه جانبًا للحظة، بالنظر إلى ما يواجهنا.”
رسمتُ ابتسامةً على وجهي، وانزلقتُ من فوق الجدار الحجري.
“مرتين، حاولتُ القضاء على أغرونا بشكلٍ مباشر. المحاولة الأولى كانت بعد فراره مباشرةً من أفيتوس. عندما لحقت به ابنتي…” زفرَ كيزيس نفسًا حادًّا، كتفاه تنتفضان في حركةٍ متشنجة.
الجزء من عقلي الذي كان يستمع إلى كلماته ويفككها تحطّم إلى عدّة مسارات تفكير متزامنة ومتعارضة.
“فلننطلق إذًا. إلا إذا كان هناك شيءٌ آخر؟”
تعثّر الفضاء.
تشنّجت عضلةٌ في وجه كيزيس، وللحظة—لأول مرة منذ أن عرفته—بدا عجوزًا.
تردّد كيزيس لوهلة.
“قبل أن نعود…”
“أعلم أنك لم تتمكن تمامًا من الوثوق في نواياي، لكنك استطعت أن تتجاوز… خلافاتنا، وتعمل إلى جانبي.”
ثم ضحك، ضحكةً خفيفة، بالكاد مسموعة.
وجدنا أنفسنا في فناء تحيط به جدران منخفضة منحوتة من الحجر الأبيض. ارتفعت أعمدة ملتفة بأغصان اللبلاب من الأرض، تزداد طولًا تدريجيًا كلما اقتربت من قوسٍ حجريّ ضخم.
ألقى عليّ كيزيس نظرةً ساخرة.
“آرثر، شكرًا لك. ما فعلته سابقًا ضد خارنيس، وجهودك هنا مع هذا الجرح…”
إن وُجدت أخطاء نحوية، إملائية، لغوية، فأخبروني في التعليقات. لا تبخلوا بتعليق جميل تحت.
قفزت عيناه، اللتان استقرّ لونهما الآن في أرجوانيٍّ قاتم كالكدمات، إلى السماء خلفي.
“ماذا فعلتَ للتو؟”
“أعلم أنك لم تتمكن تمامًا من الوثوق في نواياي، لكنك استطعت أن تتجاوز… خلافاتنا، وتعمل إلى جانبي.”
“كما قلتُ لك من قبل، كل ما فعلته كان للحفاظ على هذا العالم، لأن هناك أمورًا أسوأ بكثير من الفريترا كامنة في الظلام.”
اعتدل في وقفته، ورفع ذقنه.
“لستُ أعمى عن حقيقة أنني مدينٌ لك. ثق بأنني سأردّ لك هذا الجميل يومًا ما. قد يكون هناك أمورٌ تعمّدتُ إخفاءها عنك طوال هذه السنوات، لكنّ ما فعله أغرونا بتمزيق الحاجز بين العوالم قد يكون قد أفسد جهودًا استمرت آلاف السنين لضمان بقاء عالمَينا معًا. كل شيءٍ سيتّضح في وقته.”
على الأقل في الوقت الراهن.
ثم، قال وهو يرفع يده، مبعدًا الهواء كما لو كان يُزحزح ستارًا غير مرئي:
اهتزّ الفضاء من حول الشقّ، لكن الضغط بدأ يتلاشى عن الأزوراس الذين كانوا يكافحون لمنع توسعه المستمرّ.
“إذاً، لننطلق.”
فكّرتُ في تفسير “القدر” حول العالم الأثيري، وكيف أنه “مُقيّدٌ على نحوٍ غير طبيعي.”
حتى خلال فترة مراقبة التنانين القصيرة في ديكاثين، كان كيزيس قد أرسل عددًا ضئيلًا جدًا من الجنود، ومعظمهم كانوا صغارًا وضعيفي القوة…
شعرتُ بقوّته تتدفّق من خلالي، وأدركتُ أنه كان يحاول كسر الرابطة التي وضعها عليّ لإجبارنا على تبادل المعلومات مقابل حماية ديكاثين.
لكنني كنتُ قد توقّعتُ ذلك مسبقًا، لذا حرّرتُ الأثير الذي كنتُ قد ربطته مسبقًا لمحاكاة تعويذته، بعد أن كنتُ قد كسرتُها بنفسي بالفعل.
رمش كيزيس، مدهوشًا للحظة، ثم انفجر في ضحكةٍ واحدة، صادقة.
لكنّه كان أزوراس ديموم، وقد شهدتُ بعينيّ كيف يتصرّف حين يكون مسيطرًا، وكيف يبدو حين تتزلزل تلك السيطرة.
“بالطبع فعلتَ ذلك.”
أدار عينَيه بسخرية.
كان السادة العظام الآخرون قد بدأوا بالتحرك بالفعل.
“لا بأس. هيا، آرثر. رغم كل التحديات التي تنتظرنا، أعتقد أن هذه، بالنسبة لي ولك، بدايةٌ جديدة.”
كلٌّ من هذه الأحداث انفتح أمامي كما لو أنني أقلب صفحات كتاب،
“لستُ أعمى عن حقيقة أنني مدينٌ لك. ثق بأنني سأردّ لك هذا الجميل يومًا ما. قد يكون هناك أمورٌ تعمّدتُ إخفاءها عنك طوال هذه السنوات، لكنّ ما فعله أغرونا بتمزيق الحاجز بين العوالم قد يكون قد أفسد جهودًا استمرت آلاف السنين لضمان بقاء عالمَينا معًا. كل شيءٍ سيتّضح في وقته.”
ثم استدار، وبدأ الفضاء ينطوي أمامه، بينما كانت قدرته على الانتقال الآني تعيدنا إلى قلعة إندراث.
وفي اللحظات الأخيرة قبل أن يطويني السحر، سمحتُ لتعبيري بالسقوط، ونظرتُ إليه ببرود، بحدةٍ، مصوّبًا عينيّ إلى ظهره.
“أعلم أنك لم تتمكن تمامًا من الوثوق في نواياي، لكنك استطعت أن تتجاوز… خلافاتنا، وتعمل إلى جانبي.”
“بدلًا من خوض حربٍ كارثية، بغض النظر عن قدرتنا على الانتصار فيها، أرسلتُ قتَلة، بأكبر عددٍ وأعظم قوةٍ استطعتُ المجازفة بها.”
————————
رمضان كريم وكل عام وانتم بخير 🌹
“لستُ أعمى عن حقيقة أنني مدينٌ لك. ثق بأنني سأردّ لك هذا الجميل يومًا ما. قد يكون هناك أمورٌ تعمّدتُ إخفاءها عنك طوال هذه السنوات، لكنّ ما فعله أغرونا بتمزيق الحاجز بين العوالم قد يكون قد أفسد جهودًا استمرت آلاف السنين لضمان بقاء عالمَينا معًا. كل شيءٍ سيتّضح في وقته.”
نظرتُ إلى الجرح، مفكرًا، ثم سيتعيّن عليّ إيجاد طريقةٍ للتعامل مع هذا.
اللهم يا واحد يا أحد، يا ملك يا مبين، ارزقنا القوة في ديننا، والصبر على بلائنا، والثبات على توحيدك. ارزقنا من فضلك ما يقوّي إيماننا ويُصلح أحوالنا. ارحم شهداءنا، وألحقهم بالصالحين، واجعلهم في جنات النعيم. انصر المستضعفين، واكشف الغمّة، وفرّج الكرب، يا أرحم الراحمين. آمين.
“لستُ أعمى عن حقيقة أنني مدينٌ لك. ثق بأنني سأردّ لك هذا الجميل يومًا ما. قد يكون هناك أمورٌ تعمّدتُ إخفاءها عنك طوال هذه السنوات، لكنّ ما فعله أغرونا بتمزيق الحاجز بين العوالم قد يكون قد أفسد جهودًا استمرت آلاف السنين لضمان بقاء عالمَينا معًا. كل شيءٍ سيتّضح في وقته.”
إن وُجدت أخطاء نحوية، إملائية، لغوية، فأخبروني في التعليقات. لا تبخلوا بتعليق جميل تحت.
تبدّل شكل العالم من خلال عدسة إدراكي.
