1 - البداية دائمًا مع ضيف
《١》
«أفهم الآن. بالتأكيد كانت هناك أحاديث عن فارس آخر يستخدم الأرواح، على ما أظن. إذا كان هذا الشخص هو أخوك الأكبر، أقدم لك تعازيَّ.»
“في اللحظة التي طار فيها سوبارو ناتسكي فوق الحدود البيضاء، انقلب عالمه رأسًا على عقب.”
كان مستغرقًا في أفكاره لدرجة أنه كاد أن يسحق يد بياتريس الصغيرة دون قصد.
«ما—؟! واه! غاااه!»
«تعرف أننا لا يمكننا ذلك. روزوال مشغول بجمع النبلاء الغربيين لعقد اجتماع، وقد تقرر بالفعل أن تذهب بيترا معه كجزء من تعليمها… مع أنها لم تكن سعيدة بذلك إطلاقًا.»
كانت هذه النتيجة الطبيعية لمَن يركض بأقصى سرعة. سواء أكان يسير على قدميه أم يقود مركبة، لا أحد يمكنه التوقف فورًا بمجرد أن يرغب بذلك.
«لست متأكدًا في حالتك. أعتقد أن فريدريكا سرقت منك بعضًا من ذلك.»
اندفع سوبارو إلى الأمام متجاوزًا قدميه، وسقط على وجهه بين الأعشاب. على الفور، ألقى يديه أمامه وبدأ يتدحرج ليخفف من أثر الاصطدام الذي بدا حتميًا، واستمر بالتقلب حتى وجد نفسه ممددًا على الأرض.
«حسنًا، صحيح أن أوتو كان مرتبكًا بعض الشيء، لكنني أتفق مع قرارك، إميليا-تان. ما يقلقني فقط هو فكرة أن نذهب إلى أرض شخص آخر دون أن نكون مستعدين على نحوٍ كافٍ.»
كانت أنفاسه متقطعة، وتذبذبت رؤيته نتيجة نقص الأكسجين. شعر بملمس الأعشاب تحت ظهره، وبين فراغات الأشجار لمح لمحات من ال
سماء البعيدة. استنشق سوبارو أكبر قدر من الهواء النقي، مالئًا رئتيه بنهم.
اللون الذي عكسه الكريستال السحري على حائط الممر في القصر أشار إلى اقتراب منتصف الليل. لقد تأخر أكثر من المعتاد بعدما استغرق وقتًا أطول من اللازم.
ثم رفع يده نحو السماء، وقبض كفه بإحكام.
«…»
«أوووووه!! يا لها من رحلة شاقة! لقد كان الوضع سيئًا للغاية! لكن الأمر انتهى! لقد نجحنا! وصلنا إلى الهــــــدف!»
كانت الصداقة التي تجمع الثلاثة، بحكم تقارب أعمارهم، تحمل طابعًا خاصًا جعلهم يقضون وقتًا طويلًا معًا في القصر. بمرور الأيام، تحولت مناكفاتهم وتبادلهم للضحكات إلى طقس مألوف يتقنونه بأسلوب يبعث على الألفة.
رغم غمره بالعرق، أشرق وجهه بفرحة الانتصار التي دفعته للصياح بفخر.
《٣》
كانت عزيمته قد كادت تتحطم مرارًا، لكن في كل مرة رفض الاستسلام، مستجمعًا قواه حتى يصل إلى غايته. ومع تكرار الفشل، أصبح النجاح في النهاية أكثر حلاوة.
تجاهل سوبارو شكوى أوتو بكلمة ”أجل، أجل.“، ثم جلس بسلاسة بجانب إميليا. وعندما جلس، وضع بياتريس في حضنه، يداه تحيطان بجانب بطنها لدعمها.
أخيرًا، صار بإمكانه أن يقف بفخر أمام معلمه الذي علَّمه الكثير.
كان يعلم أنه لن يتلقى أي رد، لكن هل يعني ذلك أن عليه أن يتخلى عن الأمل؟
«لقد أبلَيتَ بلاءً حسنًا هذه المرة يا سوبارو، على ما أظن.»
في تلك الليلة، وبينما كان سوبارو يزور أوتو سوين في غرفته بعد حديثه مع إميليا وتناولهما العشاء، وجد نفسه أمام مستشار المعسكر الغارق في كأس النبيذ ومجموعة من الشكاوى التي بدا عازمًا على البوح بها حتى آخرها.
بينما كان سوبارو مستغرقًا في لحظات انتصاره، ظهرت فتاة في مجال رؤيته. والغريب أنها كانت مقلوبة.
«لقد أبلَيتَ بلاءً حسنًا هذه المرة يا سوبارو، على ما أظن.»
بدت رائعة بجمال شعرها الطويل المتلألئ الذي التفَّ في تجاعيد مبهرة، وفستانها المزخرف البديع. مشهد تلك الفتاة الصغيرة، بعينيها المزخرفتين بنقوش فريدة من اللون الأزرق الفاتح، رسم ابتسامة مشرقة على وجه سوبارو.
«هل تكره أن تعترف بأنه ساعدك إلى هذا الحد؟!»
«أوه، إنها أنتِ يا بيكو.»
«لا تقلق، أيها السيد. جوليوس ليس هنا اليوم. وأيضًا، هيتارو وتي بي والقائد والسيدة ليسوا هنا أيضًا! ميمي وحدها تقوم بالمهمة!»
«طبعًا. أليس من واجبي كشريكة أن أثني على اجتهادك يومًا بعد يوم، يا ترى؟ إلى جانب ذلك، أصرت بيترا بشدة على أن أحضر لك منشفة.»
«نعم، أخي الأكبر رجل عظيم. في سن الثانية والعشرين، يُعترف به كأحد أعظم الفرسان في المملكة، وهو فعليًا نائب قائد الحرس الملكي. على الرغم من أنه حاليًا لا يؤدي هذا الواجب ليخدم السيدة أنستاسيا على نحو أفضل، لا شك أن أخي الأكبر سيصبح قائد الحرس الملكي عندما تصعد إلى العرش. حتى السير راينهارد، القديس السيف في هذه الحقبة، لا يمكن مقارنته بأخي الأكبر من حيث الفضائل الفروسية. حقًا، أخي الأكبر هو الفارس بين الفرسان! سيكون من السخافة حتى أن نذكر اسميكما معًا في نفس الجملة.»
«آه، شكرًا. إنها باردة ومنعشة. أشعر أنني عدتُ للحياة مجددًا.»
أمال سوبارو رأسه في حيرة، فليس لديه أدنى فكرة عن هويتهم. بجانبه، قامت بياتريس بنفس الحركة وهي تتساءل بصوت عالٍ.
«لماذا لا تشكر بيترا مباشرةً، يا ترى؟ تلك الفتاة ستقفز من الفرح على الأرجح.»
هكذا، تحوّل حديثهم الذي كان جادًا في البداية إلى نقاشات خفيفة، مما أضفى جوًا من المرح بينما كانت الليلة تمضي وتزداد عمقًا.
بينما وضع سوبارو المنشفة الباردة على رأسه، تحدثت بياتريس بوجه خالٍ من التعبيرات. لكنه لاحظ ابتسامة خفيفة تزين شفتيها، فلم يستطع إلا أن يبادلها ابتسامة صغيرة.
«إذًا، هذا هو…؟»
رغم أنه قضي كل لحظة من يومه مع بياتريس، إلا أنه ما زال يدهشه كيف لم يمل أبدًا من هذه اللحظات اليومية الصغيرة. بل إن علاقتهما تعمقت أكثر مع مرور كل يوم.
رفع غارفيل قلمه مشيرًا إلى الجزء الذي ذكر فيه أوتو، ما جعل الأخير يعقد حاجبيه بانزعاج، ثم وجه حديثه لسوبارو.
«… من الصعب تصديق أن عامًا كاملًا قد مرَّ منذ أن عقدتُ وبيكو العهد، هاه.»
رغم كل شيء، كان الأمل معقودًا أن تكمل ريوزو مهمتها يومًا ما، لتعود وتعيش مع غارفيل وفريدريكا كعائلة واحدة. لكن الظروف الحالية جعلت تحقيق هذا الحلم مؤجلًا.
«—؟ ما الذي جعلك تقول هذا فجأة، يا ترى؟»
أظهر غارفيل أنيابه وهو يستعد للعب الشطرنج، عاقدًا العزم على توجيه غضبه نحو اللعبة. بينما كان سوبارو يراقبه بابتسامة صغيرة وهو يُرتب القطع في صفوف منظمة.
«ناه لا شيء، فكرت فقط في أن الوقت يمر بسرعة كبيرة. وأيضًا في مدى جمالك اليوم.»
كان سوبارو يجلس مقابلها، مرتسمًا على وجهه ابتسامة مشفقة.
«أنتَ تقول هذا دائمًا، سوبارو. لكن أليس من الطبيعي أن يكون جمال بيتي أمرًا مسلمًا به، يا ترى؟»
«معك حق. إرسال قريب بالدم لفارسهم يعادل الاعتراف بنا كأنداد. لطالما تساءلت لماذا لم يتعرض الرسل المهمون للأذى في درامات التايغا التي كنت أشاهدها، ومَن كان يظن أنني سأفهم الأمر من خلال تجربتي الخاصة؟»
حقيقة أنها تقبلت الإطراء بكل فخر كانت دليلًا لا شك فيه على أن سوبارو قد أثر فيها كثيرًا.
«أما أنتما، فلم تتغيرا منذ لقائي بكما، وكأنكما ماء بارد يصب في وجهي!»
عامٌ كامل. هذا هو الزمن الذي مضى منذ سلسلة الحوادث المرتبطة بالملجأ.
أعاد جوشوا وضعيته بعد أن أعاد عدسته المفقودة إلى مكانها، ثم خفض صوته قليلًا ردًا على شرح سوبارو. التغيير في نبرة صوته والانفعالات المعقدة التي ملأت تلك الاستجابة جعلت سوبارو يعبس وجهه.
مر عام كامل بدا طويلًا وقصيرًا في آن واحد، وكأن الزمن يمضي بخطوات متباينة. تغيَّرت بعض الأشياء خلاله، بينما بقيت أشياء أخرى على حالها. وإن كانت أقوى الثوابت هي العلاقة التي جمعت بين سوبارو وأصدقائه، فإن أبرز التطورات بلا شك كانت—
«اهدأ يا أخي. سوف تسكب مشروبك. والقائد، لا تزعجه أكثر من اللازم، حسنًا؟ آخر مرة، اتفقنا على عشرة أوتوز يوميًا.»
«—كم أصبحتُ أقوى هذا العام. لا يمكن لأحد أن يتعرف عليَّ الآن مقارنةً بما كنت عليه في الماضي.»
«تعرف أننا لا يمكننا ذلك. روزوال مشغول بجمع النبلاء الغربيين لعقد اجتماع، وقد تقرر بالفعل أن تذهب بيترا معه كجزء من تعليمها… مع أنها لم تكن سعيدة بذلك إطلاقًا.»
«بففففف… يا-يا له من تعليق رائع… مزحة لا تقدر بثمن.»
رغم ذلك، كانت ريوزو مسرورة باستلام الرسائل من حفيديها. على ما يبدو، كانت تحتفظ بكل رسالة تصلها كما لو كانت كنزًا ثمينًا.
«كنتُ جادًا، يا فتاة!»
«اجتهد أكثر، أرجوك!!»
وضعت بياتريس يدها على فمها وهي تضحك دون القدرة على السيطرة على نفسها. أما سوبارو، فاكتفى بهز كتفيه بإظهار خيبة أمل مصطنعة.
«صحيح، عملي وأنيق! رغم أنني لا أفهم معنى هذا.»
«حسنًا، ربما بالغت قليلًا، لكنكِ لستِ مضطرة للضحك بهذا الشكل. انظري إلى عضلاتي هذه يا بيكو! إنها كالصخر الصلب!»
نفخت بيترا وجنتيها ورفعت إصبعها مؤنبةً الثنائي المستهتر، ثم أمسكت بيد سوبارو وسحبته ليقف.
«حسنًا، حسنًا، على ما أظن. بيتي ستدعمك حتى وإن لم يفعل أحد غيري.»
«حسنًا، بوجود السيدة إميليا وبياتريس، سيكون الوضع بخير، قائد. وأعتقد أن هذا يعني أنني يجب أن أحمي أخونا. فقط كن حذرًا، حسنًا؟»
«هذا ليس تأكيدًا على ثقتك بي! لقد كنتُ أبذل جهدًا مضنيًا كل يوم أيضًا!»
“في اللحظة التي طار فيها سوبارو ناتسكي فوق الحدود البيضاء، انقلب عالمه رأسًا على عقب.”
جلس سوبارو على الأرض متربعًا، ولف المنشفة الباردة حول عنقه، ثم أشار بذقنه نحو المنطقة خلفه. تابعت بياتريس اتجاه إشارته، قبل أن تغلق إحدى عينيها قائلة: «صحيح.»
بالنسبة لسوبارو، كان التفكير في التطور الذي حدث منذ لقائهم الأول وحتى الآن أمرًا مؤثرًا جدًا.
خلفهما كانت هناك مساحة فارغة، حيث قُطعت الأشجار لتكشف عن أرضٍ خالية. هذه البقعة التي أُعدَّت بعناية كانت أحد المشاريع التي تصدى لها سوبارو بعزيمة لا تلين— مكان خاص به للتدريب السري.
«الآن، عذرًا على التأخير. هل يمكننا متابعة الحديـ؟»
مدفوعًا برغبة الحصول على مساحة يطلق عليها ملاذه الخاص، قام بتخصيص قطعة لا بأس بها من الغابة لهذا الغرض. ومن خلال استخدام أخشاب الأشجار التي قطعها، أنشأ مجموعة من التحديات، بما في ذلك حواجز للقفز فوقها وعوائق للتسلق، ليحوِّل المكان إلى مضمار مليء بالعقبات.
هكذا، تحوّل حديثهم الذي كان جادًا في البداية إلى نقاشات خفيفة، مما أضفى جوًا من المرح بينما كانت الليلة تمضي وتزداد عمقًا.
«قد يبدو هذا المكان ممتعًا، لكن بمجرد أن يحاول أحدهم تجاوز جميع الحواجز ضمن المهلة المحددة، فإن تصميمه القاسي سيجعل حتى الكبار يبكون… لقد صنعت شيئًا وحشيًا.»
«هناك الكثير لأخبركِ به اليوم. ضيف غير متوقع ألقى بمشكلة كبيرة على عاتقنا. أولًا، هذا الصباح، قمت بالأمور المعتادة—»
«أليس هذا مبالغة، يا ترى؟ علاوة على ذلك، أنتَ وغارفيل فقط منَ تسميان هذا المكان قاعدة سرية. هل تتوقع أن يأتي أطفال الحي للعب هنا، يا ترى؟»
«سيكون من المؤسف أن تغادروا بهذه السرعة»، قالت إميليا محاولة إقناع جوشوا ورفاقه بالبقاء لليلة، لكنه رفض عرضها بأدب وغادر القصر بصحبة ميمي بعد ذلك بفترة قصيرة.
«تقصدين أن الأطفال قد يعاملونه كحديقة ألعاب؟ حسنًا، طالما أنهم لا يصابون بأي أذى، يمكنهم اللعب كما يحلو لهم. بالإضافة إلى ذلك، أعتقد أن صانع المخططات الأصلية سيكون سعيدًا بذلك.»
فهم سوبارو الآن أن المسألة تتعلق بالسمعة. أي شخص يُعرف بعدم الموثوقية سيجد نفسه محاطًا بالأعداء بسرعة. وكان ذلك أسوأ طريقة لإدارة الأمور، سواء كنت أحد زعماء الساموراي في عصر الولايات المتحاربة، أو مرشحًا للاختيار الملكي. كان على أصحاب النفوذ توخي الحذر عند اللجوء إلى الحيل والخداع.
بالتعامل مع التحديات بجدية، تحول المكان إلى نوع من التدريب القاسي، لكنه أيضًا أصبح مكانًا للتسلية لمَن ينظر إليه بعين المرح. حمل هذا المزيج في طياته إمكانيات كبيرة، وتحوله إلى وجهة محببة للأطفال كان خطأً سعيدًا ليس مقصودًا.
لم يكن سوبارو عنيدًا إلى هذا الحد، بل كان يواجه صعوبة في التوفيق بين مشاعره عندما تذكر المعركة التي خاضها جنبًا إلى جنب مع جوليوس، بالإضافة إلى الألم الناتج عن الإصابات التي تعرض لها بعد ضرباته في ساحة التدريب، ناهيك عن مجموعة من الإزعاجات الأخرى.
«في الواقع، مع معرفتي بمعلمي، قد يكون الهدف منذ البداية الجمع بين المرح والتدريب في آن واحد…»
«أتسائل ما الذي كان هدف العدو هذه المرة. حتى الآن، لم تكن هناك أي مواجهات مع المرشحات الأخريات، فلماذا افتعال قتال علني فجأة؟»
«لا شك أنه رجل يصعب فهمه. لكنه يعرف أصول التعامل، على ما أظن. يستحق الثناء على احترامه للروح العظيمة.»
«ماذا؟! هذا أمر جلل، على ما أظن. أستطيع أن أفهم سبب استدعائك لنا بهذه العجلة.»
«أظن أن هذا ليس السبب تمامًا.»
بعد مسيرة قصيرة استغرقت عشر دقائق من الغابة، فتح سوبارو والآخرون الأبواب المزدوجة ودخلوا قاعة الاستقبال بالقصر. افترض سوبارو أن الضيوف الذين سمعوا عنهم لا بد أنهم أُخذوا إلى إحدى غرف الاستقبال.
اعترض سوبارو على سوء فهمها، قبل أن يأخذ لحظة للتفكير.
«لا تقلق. كتبتُ أن أخونا كان مضحكًا جدًا اليوم. آه، بالمناسبة، أيها القائد، هناك شيء أردت سؤالك عنه.»
معلمه— كليند، كبير الخدم البارع الذي خدم عائلة ماذرز لسنوات طويلة. كان له فضل كبير على سوبارو خلال العام الماضي، إذ علَّمه الكثير، بما في ذلك كيفية تطوير لياقته البدنية. كان اللقب الذي أطلقه عليه يحمل جدية أكثر مما يبدو عليه.
على الرغم من غياب جوليوس، لم يستطع سوبارو التخلص تمامًا من شعوره بالحذر. فمن الواضح أن أنستاسيا، كونها تاجرة بارزة، لن ترسل أي شخص عشوائي كمبعوث إلى إميليا؛ المنافسة في الاختيار الملكي. كانت أنستاسيا تدير شركة هوشين، وهي منظمة ضخمة مقرها مدينة كارارجي الواقعة في الغرب، وتمتع أتباعها بقدرات لا يُستهان بها سواء من حيث الكم أو النوعية.
رغم كفاءته وشخصيته الجديرة بالإعجاب، إلا أن سوبارو كان لديه تحفظ واضح—
«نعم! ميمي تستمتع بكل لحظة! وأيضًا، ميمي أصبحت أطول! أنا الآن تقريبًا ناضجة!»
«لماذا يصر سوبارو على منع بيتي من الاقتراب من كليند، يا ترى؟»
أخيرًا، صار بإمكانه أن يقف بفخر أمام معلمه الذي علَّمه الكثير.
«الأمر ليس مقتصرًا عليكِ. الأمر نفسه ينطبق على بيترا، وأحيانًا على إميليا تان أيضًا.»
رغم تصرفاتها الطفولية وشخصيتها الودودة، كانت ميمي إحدى القائدات في وحدة المرتزقة من البشر الوحشيين المعروفة باسم الأنياب الحديدية ومحاربة قوية تفوق قوتها قوة سوبارو عدة مرات. كانت قد خاضت معركة إلى جانب سوبارو خلال صيد الحوت الأبيض، ثم في معركة لاحقة ضد طائفة الساحرة، حيث قررت ميمي أنها وسوبارو رفقاء في الحرب.
بالمناسبة، ليس هناك ما يدعو للقلق عندما يتعلق الأمر برام وفريدريكا. وبطبيعة الحال، لم يشكل كليند تهديدًا لسوبارو، أوتو، أو غارفيل، لأسباب واضحة.
«تبًا لكِ، أيتها الأخت!»
«على أي حال، لا بأس إن بقي هذا المضمار مجرد قاعدة سرية بالاسم فقط. يبدو رائعًا على أي حال.»
خلفهما كانت هناك مساحة فارغة، حيث قُطعت الأشجار لتكشف عن أرضٍ خالية. هذه البقعة التي أُعدَّت بعناية كانت أحد المشاريع التي تصدى لها سوبارو بعزيمة لا تلين— مكان خاص به للتدريب السري.
«لقد تفاجأت. بمجرد أن وصفتَه هكذا، بدأ غارفيل في مساعدتك بقطع الأشجار بعينين تلمعان بالحماسة… من المستحيل فهم السبب الذي يجعلكما تجدانه بهذه الجاذبية، على ما أظن.»
كانت أنفاسه متقطعة، وتذبذبت رؤيته نتيجة نقص الأكسجين. شعر بملمس الأعشاب تحت ظهره، وبين فراغات الأشجار لمح لمحات من ال سماء البعيدة. استنشق سوبارو أكبر قدر من الهواء النقي، مالئًا رئتيه بنهم.
«إنه أمر يجذب كل الرجال. مهلًا، لكن ماذا عن أوتو؟»
أثارت هذه الإشادة العلنية ضحكة خفيفة ”هيي هيي هيي“ من بيترا التي احمرَّ وجهها بشدة قبل أن تتذكر شيئًا مهمًا.
استعاد سوبارو وبياتريس في ذهنَيهما رد فعل أوتو الفاتر تمامًا تجاه هذه الفكرة.
«لماذا يصر سوبارو على منع بيتي من الاقتراب من كليند، يا ترى؟»
على أي حال، فإن نمو سوبارو الملحوظ كان بفضل قاعدة التدريب السرية في الغابة. لم تبعد سوى عشر دقائق سيرًا على الأقدام من القصر، ولم يزورها أحدٌ سوى سكان القصر. العيب الوحيد في هذا المكان كان كثرة زياراتهم التي تُعيق تدريباته.
«مدينة البوابة المائية بريستيلا؟ ولماذا تطلب منا الذهاب إلى هناك؟»
«ما هذا العبث الذي تسميه عرقلة؟ ألا تؤدي بيتي واجبها كشريكة لسوبارو، يا ترى؟ ويا له من عمل روتيني، حقًا.»
لم تختلف عن باقي غرف القصر في ترتيبها، ولم تحتوي إلا على أكثر الأثاث بساطة. السرير في وسط الغرفة، الستائر تغطي النوافذ، وطاولة بسيطة عليها مزهرية زهور؛ هذه كانت كل محتوياتها تقريبًا.
«لقد تجاوزتِ الحد الآن. هذا ما يحدث للفتيات الصغيرات عندما يمتلئن غرورًا!»
«حسنًا، ربما بالغت قليلًا، لكنكِ لستِ مضطرة للضحك بهذا الشكل. انظري إلى عضلاتي هذه يا بيكو! إنها كالصخر الصلب!»
«ماذا تفعل، يا ترى؟!»
فضلًا عن ذلك، فإن قدرتها القتالية سترتفع أيضًا، وإن كان ذلك مجرد تفصيل إضافي.
بما أنها كانت تتصرف بتلك الجرأة الممزوجة باللطافة، استخدم سوبارو كل قوته المكتسبة حديثًا ليرفع بياتريس ويضعها على ركبتيه، ثم أخذ يربت على رأسها كما يحلو له.
رغم كفاءته وشخصيته الجديرة بالإعجاب، إلا أن سوبارو كان لديه تحفظ واضح—
«أنتَ فظيع! أليس هذا إساءة للروح، يا ترى؟ يا له من متعاقد شرير!»
نظرت إميليا إليه بملامح ماكرة وقالت: «يا لك من عنيد، سوبارو. هل ما زلت تحمل ضغينة بسبب شجارك مع جوليوس في القلعة؟»
«مواهاهاها. حسنًا، أنتِ الحمقاء التي أبرمتِ عقدًا مع شخص مثلي دون الإتفاق على أي شيء.»
«مهلًا، سيد سوبارو. يبدو أن بياتريس قلقة حقًا.»
ضحك سوبارو بينما عبست بياتريس وهي ترتب شعرها المشعث.
«ا-انتظر لحظة، أرجوك! مَن هذه الفتاة؟!»
عندما أبرما عقدهما لأول مرة، ظن أنه أحبها بقدر ما يمكن أن يحبها إنسان، لكنه ظل يراجع هذا الافتراض يومًا بعد يوم. ما يُعرف بمذكرات تطوير بيكو -وهي سجل للأيام التي قضاها مع بياتريس- وصل بالفعل إلى جزئه الخامس. كان سوبارو متحمسًا لمعرفة إلى أين ستقودهما علاقتهما.
«سوبارو، توقف عن صنع هذا الوجه الغريب. سيظن الناس أن هناك خطبًا بك… ولماذا تمسك بيدي بهذه القوة، يا ترى؟ انتظر، هذا مؤلم! آه، كفى! أووو!!»
ففي النهاية، كان ألبوم الذكريات الثمينة أفضل بكثير من كتاب مليء بالصفحات الفارغة. وإذا كان هذا ألبومًا، فإن كثرة الصور وكثرة الأشخاص المسجلين فيه تجعل الألبوم أكثر ثراءً. ولهذا، أراد سوبارو أن يملأ قلب بياتريس بأكبر قدر ممكن.
«إذًا، مع وجود غارفيل، أصبح موقفنا آمنًا من حيث القوة القتالية… لكن هل ستأتي معنا، أوتو؟»
«بعبارة أخرى، بيكو، مضايقتي لكِ ليست سوى طريقة أخرى للتعبير عن حبي.»
فبعد أن استنفد باك كل طاقته السحرية وسقط في سبات عميق، أصبحت الحاجة إلى بلورة سحرية قوية أمرًا لا بد منه لإيقاظه. وعلى مدار عام كامل، بحثت إميليا بلا كلل عن واحدة مناسبة، ولكن دون جدوى.
«هل قلتَ مضايقة للتو، يا ترى؟ لن أترك هذا يمر!»
ففي النهاية، كان ألبوم الذكريات الثمينة أفضل بكثير من كتاب مليء بالصفحات الفارغة. وإذا كان هذا ألبومًا، فإن كثرة الصور وكثرة الأشخاص المسجلين فيه تجعل الألبوم أكثر ثراءً. ولهذا، أراد سوبارو أن يملأ قلب بياتريس بأكبر قدر ممكن.
«أفضل لو أنكِ لم تتجاهلي جزء الحب بتلك السهولة.»
وبينما عاد جوشوا إلى أداء دور المبعوث، عادت إميليا بسلاسة إلى وضعها كمرشحة للاختيار الملكي. على الفور، أصبح الجو في الغرفة أكثر توترًا قليلًا. بدا وكأن إميليا شخص آخر تمامًا.
«لا أعتقد أن هناك ما يدعو للقلق بهذا الشأن، على ما أظن. لديَّ ثقة كبيرة بأنني محبوبة.»
كانت ريوزو جدة غارفيل وممثلة الملجأ. في الوقت الحالي، لم تكن مقيمة في هذا القصر، بل كانت تعيش في قرية إيرلهام القريبة من القصر القديم. فقد اختارت تحمل مسؤولية منح ”حياة يومية“ للأربعة والعشرين نسخة الذين وُلدوا مثلها؛ نسخ من ريوزو ماير، بأجساد مكونة من المانا مثلها تمامًا.
حينما تباهت بياتريس بهذه العبارة وعلى وجهها نظرة مفعمة بالثقة، اكتفى سوبارو بالرد بابتسامة.
«هذا يجعلني أشعر وكأنني العنصر الأكثر مدعاة للقلق… ولا أرتاح لذلك إطلاقًا.»
ليس لديه كلمات تعبر عن السعادة التي شعر بها وهو يراها واثقةً من نفسها ومليئة بالحيوية كل يوم. كان هناك فقط دفء عميق وغير قابل للوصف ينبعث من صدره.
حقيقة أنها تقبلت الإطراء بكل فخر كانت دليلًا لا شك فيه على أن سوبارو قد أثر فيها كثيرًا.
«سيد سوبارو! بياتريس—!»
«لقد أبلَيتَ بلاءً حسنًا هذه المرة يا سوبارو، على ما أظن.»
توقف الاثنان عن مشاغباتهما عندما سمعا صوتًا حادًا يناديهما. وعندما نظرا، لوحت فتاة بيدها وهي تركض نحوهما. كان الصوت المألوف والوجه ينتميان إلى خادمة صغيرة لطيفة تجسد معنى البراءة.
في الواقع، يُعتبر هذا القصر المقر الرئيسي، وقد تم بناؤه حديثًا مقارنةً بالقصر الذي فُقد في الحريق. ولذلك، كان أكثر فخامة واتساعًا من القصر الريفي، مما جعل الحفاظ عليه تحديًا أكبر للخدم مثل بيترا.
«يسعدني أن أرى أنكما تستمتعان. من الجيد أنكما تتفقان هكذا.»
«أ-أعتذر جدًا. أنا أفقد توازني عندما يتعلق الأمر بعائلتي…»
كانت بيترا، وقد وضعت يدها على صدرها وابتسمت براحة.
«سوبارو، توقف عن صنع هذا الوجه الغريب. سيظن الناس أن هناك خطبًا بك… ولماذا تمسك بيدي بهذه القوة، يا ترى؟ انتظر، هذا مؤلم! آه، كفى! أووو!!»
رغم الحادثة الكبرى التي وقعت قبل عام، عملت بيترا حاليًا في قصر روزوال الجديد. وكما هو متوقع من فتاة في طور النمو، أصبحت أطول قليلًا، وبرأي سوبارو، ازدادت جمالًا قليلًا منذ ذلك الحين. ومع ذلك، بقيت في نظره كالأخت الصغرى التي لا تتغير.
رسمت نبرة صوتها ونظرتها المُحبطة ابتسامة ساخرة على وجه سوبارو. حينها تذكر المنشفة الملفوفة حول عنقه.
«مهلًا، أشعر بالإهانة لأنكِ تصفين الأمر باللعب. لقد بذلت قصارى جهدي في التدريب وكل شيء.»
«وفي النهاية، ما زلنا لا نملك أدنى فكرة عن سبب دعوة أنستاسيا لنا إلى مكان كهذا… من الصعب تصديق أنها دعوة اجتماعية بحتة.»
«حسنًا، في الوقت الحالي، تبدو وكأنك تربت على رأس بياتريس وهي جالسة في حضنك؛ لذا…»
«أنتَ فظيع! أليس هذا إساءة للروح، يا ترى؟ يا له من متعاقد شرير!»
«واه، الأمر ليس مجرد رغبة في مداعبة رأس بيكو. أولًا، عليك إخراجها من قصر يحترق، ثم بناء علاقتك معها تدريجيًا. غير ذلك، الأمر مستحيل.»
«…»
«أيعني هذا أن لا أحد غير السيد سوبارو يستطيع…؟»
«حسنًا، أعتقد أنني سأخلد أخيرًا للنوم. ماذا عنك، غارفيل؟»
رسمت نبرة صوتها ونظرتها المُحبطة ابتسامة ساخرة على وجه سوبارو. حينها تذكر المنشفة الملفوفة حول عنقه.
بالطبع، حتى لو شاهدها سوبارو تفعل ذلك، فإنه كان سيتظاهر بعدم رؤية شيء، حفاظًا على مشاعرها.
«بالضبط، مجرد وهم. على أي حال، منافسنا تاجر عظيم وذكي جدًا. أعتمد عليك، أوتو. غارفيل للقوة القتالية، أوتو للمسائل الثقافية، وأنا للحفاظ على الأجواء.»

«… صـ-صحيح.»
«همم، ولكن، ألا يمكننا أن نصدق أنها ربما تريد فعلًا بناء علاقة جيدة؟»
«أوه، صحيح. شكرًا يا بيترا على المنشفة. فكرة ذكية تبريدها بهذه الطريقة.»
«ولكن هل يمكن أن تفعل السيدة أنستاسيا أي شيء مريب بعد أن أرسلت شقيق جوليوس الأصغر كرسول؟ أعتقد أن ذلك سيكون خطوة خطيرة جدًا من جانبهم.»
«حقًا؟ يسعدني أنها أفادتك. في الواقع، فكرت في تبريدها باستخدام الثلج، لكن لم يكن هناك وقت، لذا طلبت المساعدة من الأخت الكبرى إميليا.»
في الماضي، سخر سوبارو من كل هذه الطقوس المسرحية الخاصة بالفرسان، لكن بمجرد أن جربها بنفسه، وجد نفسه مأخوذًا بسحرها.
«أحب فيكِ هذا الجزء العملي، يا بيترا.»
كانت أنفاسه متقطعة، وتذبذبت رؤيته نتيجة نقص الأكسجين. شعر بملمس الأعشاب تحت ظهره، وبين فراغات الأشجار لمح لمحات من ال سماء البعيدة. استنشق سوبارو أكبر قدر من الهواء النقي، مالئًا رئتيه بنهم.
أُعجب سوبارو ببيترا، التي رغم كونها خادمة، لم تجد حرجًا في طلب المساعدة من سيدة المنزل.
«لم أتخلَّ! اسمعني جيدًا، إن كنت تظن أنني سأبقى مستشارك المنزلي إلى الأبد، فأنت مخطئ تمامًا! حلمي أن أكون تاجرًا عظيمًا أمتلك متجري الخاص! وجودي هنا ليس سوى محطة مؤقتة!»
أثارت هذه الإشادة العلنية ضحكة خفيفة ”هيي هيي هيي“ من بيترا التي احمرَّ وجهها بشدة قبل أن تتذكر شيئًا مهمًا.
كان قرار سوبارو يستند إلى مبدأ وضع الشخص المناسب في المكان المناسب. حتى لو بذل سوبارو أقصى جهده حتى الموت، فلن يصل أبدًا إلى مستوى قوة غارفيل، وحتى لو تخلى عن نومه ليلاً، لن يبلغ أبدًا كفاءة أوتو كمسؤول.
«آه، صحيح. في الواقع، جئت إلى هنا لأعيدك أنتَ وبياتريس إلى القصر.»
«أوه، لا داعي للاعتذار. لقد قدم لي جوليوس مساعدة كبيرة أيضًا. إذا أردت، سيكون من دواعي سروري أن أسمع المزيد عنك وعن جوليوس…»
«ما الأمر؟ هل أعددتِ فطائر شهية جدًا أو ما شابه؟»
ــ الأرنب العظيم، أحد الوحوش الشيطانية الثلاثة العظمى التي تم القضاء عليها في الملجأ.
«ماذا؟! هذا أمر جلل، على ما أظن. أستطيع أن أفهم سبب استدعائك لنا بهذه العجلة.»
«أوه، هيا، بالطبع هذا ليس السبب. ليس الوقت مناسبًا للمزاح الآن.»
اندفع سوبارو إلى الأمام متجاوزًا قدميه، وسقط على وجهه بين الأعشاب. على الفور، ألقى يديه أمامه وبدأ يتدحرج ليخفف من أثر الاصطدام الذي بدا حتميًا، واستمر بالتقلب حتى وجد نفسه ممددًا على الأرض.
نفخت بيترا وجنتيها ورفعت إصبعها مؤنبةً الثنائي المستهتر، ثم أمسكت بيد سوبارو وسحبته ليقف.
هذه النسخ التي تم تحريرها من الملجأ وإطلاقها في العالم كانت كالأطفال الأبرياء. وباعتبارها مَن حملت واجب تعليمهم عن الحياة، ابتعدت ريوزو عن حفيديها.
«سيكون هناك وقت للفطائر لاحقًا! الأهم الآن أن الأخت الكبرى إميليا تطلبك يا سيد سوبارو. وصل ضيوف… وهي تريدك أن تكون حاضرًا عند استقبالهم.»
اللون الذي عكسه الكريستال السحري على حائط الممر في القصر أشار إلى اقتراب منتصف الليل. لقد تأخر أكثر من المعتاد بعدما استغرق وقتًا أطول من اللازم.
«ضيوف؟»
«لا تقلق، أيها السيد. جوليوس ليس هنا اليوم. وأيضًا، هيتارو وتي بي والقائد والسيدة ليسوا هنا أيضًا! ميمي وحدها تقوم بالمهمة!»
أمال سوبارو رأسه في حيرة، فليس لديه أدنى فكرة عن هويتهم. بجانبه، قامت بياتريس بنفس الحركة وهي تتساءل بصوت عالٍ.
على الرغم من نبرته الساخرة، كان سوبارو فارس إميليا الوفي، وكان يتمنى بصدق أن تتحقق أمنيتها.
«ضيوف غير متوقعين، واللطيفة إميليا تان تستدعيني… ألا يبدو أن شيئًا ما على وشك الحدوث؟»
«في الواقع، مع معرفتي بمعلمي، قد يكون الهدف منذ البداية الجمع بين المرح والتدريب في آن واحد…»
«إنه النمط المعتاد الذي يقود إلى المشاكل، على ما أظن. بيترا، أخبرينا عن نوع الضيوف الذين وصلوا.»
«أفهم الآن. بالتأكيد كانت هناك أحاديث عن فارس آخر يستخدم الأرواح، على ما أظن. إذا كان هذا الشخص هو أخوك الأكبر، أقدم لك تعازيَّ.»
«إررر…» ترددت بيترا وهي تميل رأسها بنفس زاوية الاثنين الآخرين.
«لا يوجد ما يضمن أنك ستجد مكانا تقضي فيه بقية حياتك بعد هذه المحطة.»
«أحدهم رجل يبدو أنه في عجلة شديدة. يكاد يتحرك بتوتر وكأنه خائف.»
بعد النجاة من هذه الضربة الكلامية، غمز سوبارو نحو بيترا. فقد كان واضحًا من حديثها حتى الآن أنها ما زالت تملك المزيد لتقوله.
«متوتر وقلق، هاه. بعبارة أخرى، يبدو… لا، انتظري. لا يجب أن نحكم على الناس بناءً على مظهرهم.»
كان غارفيل، الذي تولى مرافقة الضيوف إلى الخارج مع مراقبتهم بعين حذرة، يبدو متيقظًا، وكأن شيئًا ما يثير قلقه. ربما كان يشك في وجود دوافع خفية وراء هذه الدعوة.
«لقد تعلمت درسي سابقًا، لذا لا أفعل ذلك أنا أيضًا.»
كانت تلك الذكرى الجميلة دائمًا ما تبعث القوة في قلبه الهش والمتقلب.
«أووه، أحسنتِ يا بيترا. لست متأكدًا مما حدث من قبل، لكن هذا تصرف لطيف منك.»
احتفل غارفيل بعيد ميلاده الخامس عشر مؤخرًا، مما جعله مؤهلًا قانونيًا لشرب الكحول وفق قوانين المملكة. إلا أن ضعفه أمام المشروبات الكحولية كان أمرًا مفاجئًا. فمنذ أن أغواه أوتو لتجربة النبيذ ذات مرة وأثقل رأسه حتى الثمالة -وهو ما جعله يتلقى نظرات غاضبة من رام- أصبح منظر زجاجة النبيذ كافيًا ليجعله يقطب جبينه.
«العام الماضي، جاء غريب بوجه قاسٍ إلى القرية. ظننت أنه شخص غريب، لكنني كنت مخطئة تمامًا، لذا…»
رأى وجنتيها البيضاوين، وشفتاها الورديتين، وشعرها الأزرق. كانت هيئتها الجميلة مغطاة بثوب نوم رقيق. صدر الأميرة النائمة بالنسبة لسوبارو كان يرتفع وينخفض بإيقاع هادئ.
«هجوم مرتد غير متوقع!! علينا الحديث عن الانطباع الأول في وقت لاحق…»
قال أوتو وهو يضرب كأس النبيذ على الطاولة بانفعال.
بعد النجاة من هذه الضربة الكلامية، غمز سوبارو نحو بيترا. فقد كان واضحًا من حديثها حتى الآن أنها ما زالت تملك المزيد لتقوله.
«ماذا؟! هذا أمر جلل، على ما أظن. أستطيع أن أفهم سبب استدعائك لنا بهذه العجلة.»
«على أي حال، هناك ضيوف آخرون أيضًا، صحيح؟ أصدقاء الرجل القلق المتوتر؟»
أظهر غارفيل أنيابه وهو يستعد للعب الشطرنج، عاقدًا العزم على توجيه غضبه نحو اللعبة. بينما كان سوبارو يراقبه بابتسامة صغيرة وهو يُرتب القطع في صفوف منظمة.
احمرَّت وجنتا بيترا أكثر بينما ارتسمت على وجهها لمحة من السعادة.
«مدينة البوابة المائية بريستيلا؟ ولماذا تطلب منا الذهاب إلى هناك؟»
«—لقد جاء بصحبة قطة صغيرة لطيفة.»
حتى وإن بدا الأمر وكأنهم يعودون للحوار على نحو طبيعي، فإن تصريح جوشوا المفاجئ والمتعالي أعاد توتر الجو مرة أخرى.
《٢》
لكن كلمات سوبارو لم تجد صدى لدى أوتو، الذي ازداد غضبه وهو يتمتم بكلمات غير واضحة: «النتيجة ليست كل شيء! العملية نفسها مهمة للغاية. أن نقرر نتيجة النقاش قبل خوضه… هذا هراء محض! ولهذا كنت دائمًا أصر على ألا نتخلى عن زمام المبادرة تحت أي ظرف… ولكننا وقعنا تمامًا في فخ خصمنا! كان ذلك أسوأ ما يمكن فعله!»
من الخارج، بدا قصر روزوال الجديد وكأنه قصر على الطراز الأوروبي، يشبه إلى حد كبير القصر القديم الذي احترق.
كانت الفتاة ذات الشعر الفضي المتألق والجمال الرقيق الذي يعكس روحها النقية هي إميليا، التي بدت وكأنها تزداد سحرًا مع مرور الأيام.
في الواقع، يُعتبر هذا القصر المقر الرئيسي، وقد تم بناؤه حديثًا مقارنةً بالقصر الذي فُقد في الحريق. ولذلك، كان أكثر فخامة واتساعًا من القصر الريفي، مما جعل الحفاظ عليه تحديًا أكبر للخدم مثل بيترا.
«وها نحن هنا، عدنا إلى هذا القصر الفخم.»
«لا تبدئي المشاكل فجأة! علاوة على ذلك، قوتي لا يمكن مقارنتها مع قوة جوليوس. ليس لديَّ أدنى فرصة ضده في معركة متكافئة. مَن يذهب لتحدي أساتذة الألغاز في لعبة ألغاز؟ بالتأكيد التحدي يجب أن يكون في لعبة سحق الإخوة، هذا هو السبيل للفوز.»
بعد مسيرة قصيرة استغرقت عشر دقائق من الغابة، فتح سوبارو والآخرون الأبواب المزدوجة ودخلوا قاعة الاستقبال بالقصر. افترض سوبارو أن الضيوف الذين سمعوا عنهم لا بد أنهم أُخذوا إلى إحدى غرف الاستقبال.
تبادلا سوبارو وغارفيل الابتسامات الماكرة، وكأنهما طفلان يخططان لمقلب. ثم فتح غارفيل الباب على مصراعيه، ملوحًا بيده نحو الداخل بابتسامة ساخرة.
«لنبدأ بإلقاء نظرة على…»
«ولكن هل يمكن أن تفعل السيدة أنستاسيا أي شيء مريب بعد أن أرسلت شقيق جوليوس الأصغر كرسول؟ أعتقد أن ذلك سيكون خطوة خطيرة جدًا من جانبهم.»
«أوه، مرحبًا! أليس هذا السيد! كيف حالك؟»
«أنتَ فظيع! أليس هذا إساءة للروح، يا ترى؟ يا له من متعاقد شرير!»
«ماذا—؟ واه؟!»
«كنت أفكر فقط في كم أنا محظوظ بوجودك معنا. لقد أصبحت فعلاً شخصًا يُعتمد عليه، غارفيل.»
أوقفت التحية حماسية، وصدمته المفاجئة أي أفكار أخرى.
تحول سوبارو إلى الجدية، في حين بدا غارفيل وكأنه يتعامل مع الأمر وكأنه مكلف بمهمة رعاية، بينما تذمر أوتو وهو يحتسي المزيد من النبيذ شيئًا فشيئًا.
كان الصوت عالي النبرة، وشيء ما اصطدم به على مستوى صدره. مدَّ سوبارو يديه بسرعة ليمسك بشيء خفيف. سرعان ما أدرك مَن كان، فانتقلت تعبيراته من الصدمة إلى التعرف.
«آه، شكرًا. إنها باردة ومنعشة. أشعر أنني عدتُ للحياة مجددًا.»
تذكر الفرو الناعم جدًا وتلك الابتسامة العريضة المدهشة.
«لا، شكرًا لك. اسم جميل، جوشوا… جوكوليوس؟»
«كنت أشك في الأمر بعدما سمعت من بيترا… ولكن هذا حقًا أنتِ، ميمي!»
«لا شك أنه رجل يصعب فهمه. لكنه يعرف أصول التعامل، على ما أظن. يستحق الثناء على احترامه للروح العظيمة.»
«إيهيهيهيهيهي… مضى وقت طويل، أيها السيد؟ كم كان؟ تقريبًا سنة كاملة!»
«إلى اللقاء، غارف! سأكون في انتظارك؛ لذا تأكد من المجيء، حسنًا؟»
كانت النصف إنسانة التي بين ذراعي سوبارو ذات فرو برتقالي لامع وترتدي رداءً أبيض. هي نصف بشرية ونصف حيوان بالتحديد نصف قطة كانت قامة ميمي أقصر من بيترا وبياتريس، ولم تكن مجرد كائن لطيف، بل كانت مليئة بالحيوية مثل جرو صغير.
«لا، أنا آسف حقًا. رد فعلك مفهوم تمامًا. إن كان هناك أي شيء، فهذا المكان هو حيث تموت الفطرة السليمة.»
«نعم، مضت سنة كاملة. يبدو أنكِ تستمتعين حقًا. أنا سعيد من أجلكِ.»
استدعى سوبارو في مخيلته صور المدن المائية في عالمه، ولم يكن أمامه سوى أن يتذكر البندقية، تلك المدينة التي تشق قنواتها الماء وسط شوارع مرصوفة بالحجارة، مما جعلها مكانًا ساحرًا يستحق الزيارة. لكن، ما خطرت في باله هذه الصورة حتى أفسدتها الحقائق.
«نعم! ميمي تستمتع بكل لحظة! وأيضًا، ميمي أصبحت أطول! أنا الآن تقريبًا ناضجة!»
«هذا لأن كره بيترا لروزوال متجذر فيها. رام لا تقول شيئًا لأن روزوال يجد الأمر مضحكًا، لكن قلبي دائمًا يرتجف عندما أشاهد تفاعلاتهم.»
«ما نوع النضوج الذي يجعل المرأة تقفز على رأس أحدهم بمجرد لقائه؟!»
«هناك الكثير لأخبركِ به اليوم. ضيف غير متوقع ألقى بمشكلة كبيرة على عاتقنا. أولًا، هذا الصباح، قمت بالأمور المعتادة—»
وقفت ميمي على الأرض وهي ترفرف بذيلها الطويل وتنفخ صدرها.
«…»
رغم تصرفاتها الطفولية وشخصيتها الودودة، كانت ميمي إحدى القائدات في وحدة المرتزقة من البشر الوحشيين المعروفة باسم الأنياب الحديدية ومحاربة قوية تفوق قوتها قوة سوبارو عدة مرات. كانت قد خاضت معركة إلى جانب سوبارو خلال صيد الحوت الأبيض، ثم في معركة لاحقة ضد طائفة الساحرة، حيث قررت ميمي أنها وسوبارو رفقاء في الحرب.
«ما الذي تعدونه بالضبط؟ ولماذا عشرة في اليوم؟!»
«حسنًا، لقد قطعتِ مسافة طويلة لتصلِ إلى هنا. أوه بالمناسبة، دعيني أعرفك بالجميع. هذه الخادمة اللطيفة هي بيترا، وهذه الطفلة المحرجة المختبئة وراء ظهري هي بياتريس.»
كان الأمر مشابهًا مع إميليا، ولكن نظرة الثقة التي وجهها غارفيل نحو سوبارو كانت عبئًا معنويًا عليه، وشعر أنه يجب أن يبذل قصارى جهده ليكون عند حسن ظنهم.
«أوووه، فهمت! إذًا هي بيترا الخادمة، وهذه هي طفلتك!»
«أحب فيكِ هذا الجزء العملي، يا بيترا.»
«هل يمكنكِ تذكري بطريقة أقل إزعاجًا، يا ترى؟!»
لم تبدو ميمي من النوع الذي يعتمد على الحيل أو التخطيط الخفي. وبالنسبة لرفيقها، جوشوا، فلم يكن مناسبًا للشر على الإطلاق، وهو أمر إيجابي بالطبع.
ردت بيترا على استنتاج ميمي المشكوك فيه بحركة انحناء أنيقة، بينما أطلقت بياتريس نظرة حادة اخترقت الحرج الذي استمتع به سوبارو. حينها، نظرت ميمي إلى بياتريس بدهشة وقالت: «أوه! يا له من شعر مذهل! كيف تجعلينه بهذا الشكل الملتوي؟ إنه رائع!»
«… لا بأس. هناك الكثير مما يجب أن تخبر به ريوزو بعد ما حدث اليوم؛ لذا لن تواجه أي مشاكل في كتابة رسالتك. المشكلة الحقيقية تكمن في عدم وجود شيء لتكتب عنه. حينها، لن يكون لديك خيار سوى محاولة اختلاق شيء مضحك.»
«كان ذلك بفضل فكرة والدتي. هذه هي ذروة تصفيف الشعر— عملي وأنيق في آن واحد.»
«رجاءً، كفَّ عن تفسير كل شيء بناءً على ما تعتبره فضيلة في عقلك. تذكر هذا جيدًا يا باروسو؛ في عالم رام، لا يهم سوى وجهة نظر رام.»
«ها، بجانب الأناقة، لا أعتقد أنه عملي على الإطلاق. كم مرة علق شعرك في أماكن مختلفة؟ أظن أنكِ عانيتِ من ذلك طوال العام الماضي.»
«أتسائل حقًا… لو كنتِ مستيقظة، ريم، لا أعتقد أنكِ كنتِ ستغيرين الأمور كثيرًا. ربما لأنني فاشل في هذا الأمر برمَّته، أو لأنكِ دائمًا ما تضعينني في المقام الأول.»
سواء داخل القصر أو في الخارج، أو حتى بين ذراعي سوبارو، كان شعر بياتريس دائمًا يتسبب في إزعاج. وبالنسبة لسوبارو، فقد أصبح مهارته في فك تشابك الشعر لا تضاهى، وربما يستحق لقب ”مشذب شعر بياتريس“.
احتفل غارفيل بعيد ميلاده الخامس عشر مؤخرًا، مما جعله مؤهلًا قانونيًا لشرب الكحول وفق قوانين المملكة. إلا أن ضعفه أمام المشروبات الكحولية كان أمرًا مفاجئًا. فمنذ أن أغواه أوتو لتجربة النبيذ ذات مرة وأثقل رأسه حتى الثمالة -وهو ما جعله يتلقى نظرات غاضبة من رام- أصبح منظر زجاجة النبيذ كافيًا ليجعله يقطب جبينه.
«صحيح، عملي وأنيق! رغم أنني لا أفهم معنى هذا.»
«لا تقلق. كتبتُ أن أخونا كان مضحكًا جدًا اليوم. آه، بالمناسبة، أيها القائد، هناك شيء أردت سؤالك عنه.»
«نظرتك أشبه بنظرة مَن لا يفهم شـ… مهلًا، هل يمكنكِ التوقف عن سحب شعري، يا ترى؟!»
كانت ميمي، التي أبدت فضولًا كبيرًا، تراقب تجاعيد شعر بياتريس بتركيز كبير. تحركاتها كانت سريعة كقطة تطارد فأرًا. نظرت بياتريس إلى سوبارو بتوسل طلبًا للنجدة.
حاول سوبارو إخفاء إحراجه، فوضع إصبعه على أنفه كأنه يمزح.
ولكن، في لحظة التفكير في أن بياتريس قد تجد صديقة جديدة، قرر سوبارو تركهما لبعض الوقت.
«نعم، لم تتغير إطلاقًا، وهذا ما يجعل الأمر مملًا، أخي.»
«مهلًا، سيد سوبارو. يبدو أن بياتريس قلقة حقًا.»
«شكرًا لأنكِ أوصلتنا، بيترا. هل سترافقيننا؟»
«الصراع مع عيوبنا هو ما يجعلنا ننمو. بياتريس تميل إلى الاستسلام دون المحاولة؛ لذا هذه فرصتها. لنبقى هادئين ونراقبها كأب وأم صالحين.»
«قد يبدو هذا المكان ممتعًا، لكن بمجرد أن يحاول أحدهم تجاوز جميع الحواجز ضمن المهلة المحددة، فإن تصميمه القاسي سيجعل حتى الكبار يبكون… لقد صنعت شيئًا وحشيًا.»
«أ-أم…؟ حـ-حسنًا…»
عندما قاطع سوبارو الحديث، وغيَّر الموضوع على نحو قسري وطلب المساعدة، كانت ردود فعل أوتو وغارفيل واضحة تمامًا، فكأنهما يفكران: ”لا تجرنا إلى هذا!“ ومع ذلك، لم يتردد الاثنان في الإيماء بالموافقة لسوبارو. وعلى الرغم من أن عيني جوشوا لمعتا للحظة، بدا أنه استعاد توازنه حيث نظف حنجرته.
صمتت بيترا بخجل وقد احمرَّ وجهها، بينما تظاهر سوبارو بتمرير يده على ذقنه غير الموجودة. وقف الاثنان معًا يراقبان تلك اللحظة الدافئة التي جمعت بين بياتريس وميمي.
«لست متأكدًا في حالتك. أعتقد أن فريدريكا سرقت منك بعضًا من ذلك.»
«على كل حال، بما أن ميمي اتضح أنها القطة التي تحدثت عنها بيترا… فهذا يعني أن الرجل الذي بدا متوترًا ومضطربًا والذي جاء معها هو جوليوس، أليس كذلك؟»
«—كم أصبحتُ أقوى هذا العام. لا يمكن لأحد أن يتعرف عليَّ الآن مقارنةً بما كنت عليه في الماضي.»
عقد سوبارو ذراعيه، مستشعرًا أن حدسه في هذا الأمر كان في محله.
كانت هذه النتيجة الطبيعية لمَن يركض بأقصى سرعة. سواء أكان يسير على قدميه أم يقود مركبة، لا أحد يمكنه التوقف فورًا بمجرد أن يرغب بذلك.
كان واضحًا أن سوبارو يحمل مشاعر طيبة تجاه ميمي على نحو شخصي. ولكن في الوقت ذاته، كانت ميمي جزءًا من الفصيل الذي يعمل تحت إمرة أنستاسيا هوشين، إحدى المنافسات السياسيَّات لإميليا في الاختيار الملكي.
بالطبع، بالنسبة لسوبارو، كان وجود أوتو برفقتهم أشبه بتحقيق أمنية. وبغض النظر عما يُقال بصوت عالٍ، لم تكن المفاوضات أو المعسكر نفسه لتتحرك للأمام بدونه. كان الجميع في المجموعة يدركون ذلك.
ومن بين أعضاء هذا الفصيل كان جوليوس جوكوليوس، الفارس الذي كانت علاقته بسوبارو معقدة للغاية. على أقل تقدير، لم تكن العلاقة بينهما على نحو يجعل سوبارو سعيدًا تمامًا برؤيته.
«أوه، مرحبًا! أليس هذا السيد! كيف حالك؟»
لهذا السبب، فضل سوبارو تجنب مقابلة جوليوس قدر الإمكان، على الأقل حتى يأخذ وقتًا كافيًا ليُهيئ نفسه نفسيًا.
وبما أن أوتو كان مدركًا لقيمته، فقد استمر في تحمل هذه الأعباء الثقيلة على كاهله.
«لا تقلق، أيها السيد. جوليوس ليس هنا اليوم. وأيضًا، هيتارو وتي بي والقائد والسيدة ليسوا هنا أيضًا! ميمي وحدها تقوم بالمهمة!»
«قتال… لديك طريقة بسيطة جدًا في النظر إلى الأمور.»
«فيوه، هذا يبعث على الارتياح. لكن يا للعجب، يبدو أن طاقم أنستاسيا يمتلك مجموعة قوية حقًا.»
عندما انحنى جوشوا للأمام بعنف لدرجة أن عدسته المكبرة سقطت، اعتذر أوتو بنظرة تعاطف في عينيه. بدا أن جوشوا لم يكن بنفس درجة الهدوء الذي يتمتع به شقيقه الأكبر.
على الرغم من غياب جوليوس، لم يستطع سوبارو التخلص تمامًا من شعوره بالحذر. فمن الواضح أن أنستاسيا، كونها تاجرة بارزة، لن ترسل أي شخص عشوائي كمبعوث إلى إميليا؛ المنافسة في الاختيار الملكي. كانت أنستاسيا تدير شركة هوشين، وهي منظمة ضخمة مقرها مدينة كارارجي الواقعة في الغرب، وتمتع أتباعها بقدرات لا يُستهان بها سواء من حيث الكم أو النوعية.
بالمناسبة، ليس هناك ما يدعو للقلق عندما يتعلق الأمر برام وفريدريكا. وبطبيعة الحال، لم يشكل كليند تهديدًا لسوبارو، أوتو، أو غارفيل، لأسباب واضحة.
قرر سوبارو أن أفضل خيار هو التحدث مع هذا المبعوث والتعرف عليه عن كثب في أقرب وقت ممكن.
«حسنًا، هذه المرة سنتوجه حقًا إلى غرفة الاستقبال… أليس كذلك؟»
«حسنًا، هذه المرة سنتوجه حقًا إلى غرفة الاستقبال… أليس كذلك؟»
«يا رجل، هل فقدت الوزن منذ آخر مرة رأيتك فيها؟»
«نعم. هناك تركت الضيف. الأخت الكبيرة إميليا والبقية موجودون بالفعل.»
«يعني أن الضيف الآن مع إميليا تان، وأوتو، وغارفيل، وربما رام…؟ الأفضل أن أسرع لإنقاذ أوتو قبل أن يُصاب بقرحة معدية.»
تسبب هذا الرد في ابتسامة متوترة على وجه سوبارو، فرفع جوشوا حاجبه، غير قادر على تفسير رد فعله.
«هل هناك مَن هو أكثر بؤسًا منه، يا ترى؟ لقد نفد حظه منذ اللحظة التي أمسكته فيها، يا سوبارو.»
بالطبع، لم يكن سوبارو وغارفيل يتسلَّيان بإزعاج أوتو عبثًا. بل كانت هذه طريقتهم المعتادة لمساعدته على التنفيس عن الضغوط التي كان يتحملها من كثرة العمل.
«مهلًا، كفي عن الحديث وكأنني خطفته ولم أتركه يرحل.»
«—!»
ارتسمت على وجه بياتريس نظرة استياء بينما كانت ميمي، في مزاج رائع لا يُصدق، تمسك بيدها اليمنى بإحكام. وقادتهم بيترا باتجاه غرفة الاستقبال في الطابق الثاني، حيث تبعها سوبارو.
«نعم، مضت سنة كاملة. يبدو أنكِ تستمتعين حقًا. أنا سعيد من أجلكِ.»
عندما وصل الأربعة إلى وجهتهم، وجدوا فتاة وحيدة واقفة في الممر.
«هذا ليس تأكيدًا على ثقتك بي! لقد كنتُ أبذل جهدًا مضنيًا كل يوم أيضًا!»
«رام؟ لماذا أنتِ هنا؟»
«لا يوجد أي ضمان بأن تجد مكانًا تقضي فيه بقية حياتك بعد هذه المحطة.»
«أخيرًا أتيتَ، باروسو. لقد تأخرتَ كثيرًا، أليس كذلك…؟»
أمال سوبارو رأسه في حيرة، فليس لديه أدنى فكرة عن هويتهم. بجانبه، قامت بياتريس بنفس الحركة وهي تتساءل بصوت عالٍ.
كانت رام خادمة جميلة المظهر، ولكن خلف هذا الجمال لسان حاد كالشفرة. استقبلت المجموعة ببرود، كما لو كانت تخاطب مَن هم أقل شأنًا منها، لكنها توقفت فجأة وأخذت تضيق عينيها الورديتين. ثم زفرت بعمق.
«رام؟ لماذا أنتِ هنا؟»
«غير لائق.»
بالطبع، لم يكن سوبارو وغارفيل يتسلَّيان بإزعاج أوتو عبثًا. بل كانت هذه طريقتهم المعتادة لمساعدته على التنفيس عن الضغوط التي كان يتحملها من كثرة العمل.
«أنتِ الغريبة هنا إذا كنتِ ترين هذا المشهد غير لائق! كيف يمكن أن يُعتبر هذا المشهد سوى أنه مفعم بالدفء؟!»
«إررر، ما هي مكانة السيدة بياتريس الحقيقية…؟»
«رجاءً، كفَّ عن تفسير كل شيء بناءً على ما تعتبره فضيلة في عقلك. تذكر هذا جيدًا يا باروسو؛ في عالم رام، لا يهم سوى وجهة نظر رام.»
«مهلًا، ماذا؟!»
«أليس هناك تناقض كبير بين بداية ما قلتِه ونهايته؟!»
ومع ذلك، فإن عودة باك ستكون بمثابة دفعة معنوية لا تُقدر بثمن لإميليا.
كان نقد رام للذاتية باستخدام ذاتيتها نفسها أنانيًا للغاية، لدرجة أن سوبارو وقف عاجزًا عن الرد. متجاهلةً ردود فعل سوبارو، عقدت رام ذراعيها ووجهت نظرتها نحو ميمي.
«على أي حال، شقيق جوليوس الأصغر، أليس كذلك؟ الآن بعد أن ذكرت ذلك… إر، تلك النظرة الحادة في عينيك، والسخرية… أه، أسلوبك الراقي في الحديث، ولون شعرك الرائع… كله متشابه، هاه؟»
«أيها الضيف العزيز، إن طال غيابك أكثر من ذلك، سيزداد قلق مرافقك عليك.»
«لقد أبلَيتَ بلاءً حسنًا هذه المرة يا سوبارو، على ما أظن.»
«آااه… أظن أنه حان الوقت للعودة، هاه؟ ووبس—!»
احتفل غارفيل بعيد ميلاده الخامس عشر مؤخرًا، مما جعله مؤهلًا قانونيًا لشرب الكحول وفق قوانين المملكة. إلا أن ضعفه أمام المشروبات الكحولية كان أمرًا مفاجئًا. فمنذ أن أغواه أوتو لتجربة النبيذ ذات مرة وأثقل رأسه حتى الثمالة -وهو ما جعله يتلقى نظرات غاضبة من رام- أصبح منظر زجاجة النبيذ كافيًا ليجعله يقطب جبينه.
«نعم، من فضلكِ افعلي ذلك. وإلا، فالأمر سيصبح مزعجًا جدًا، خاصةً أن غيابك أجبر رام على مغادرة الغرفة بحثًا عنك.»
بمجرد أن ردَّت إميليا على الطعم، جاء رد فعل أوتو فوريًا. كان واضحًا أنه يفكر: ”لقد وقعنا في الفخ!“، وسرعان ما فهم سوبارو السبب؛ فإجابة إميليا أفقدتهم الفرصة لمناقشة الأمر فيما بينهم أولًا.
من خلال سير المحادثة، بدا أن ميمي قد جابت أرجاء القصر دون إذن من سيدته أو من مرافقها.
«أنا؟ سأبقى مع أخانا لفترة أطول. انتهيت من كتابة الرسالة، لكن أرى فرصتي الآن للفوز في الشطرنجي. بما أنه شرب كثيرًا، يجب أن يكون الأمر سهلاً هذه المرة.»
ومع ذلك، لم يكن من المستغرب أن تكون ميمي، بشخصيتها الطفولية، بعيدة كل البعد عن عدم إثارة المتاعب حتى لو لم تُترك وحدها. ثم التفت سوبارو نحو رام، وقد خطرت له فكرة.
«لكنَّك تخلَّيت عن كونك تاجرًا منذ زمن بعيد، فلماذا تهتم الآن؟»
«هل لي أن أسأل؟ أنتِ لم تبحثي عنها فعلًا، أليس كذلك؟ فقط وقفتِ هنا وذراعاك معقودتان أمام الغرفة.»
«لا يوجد ما يضمن أنك ستجد مكانا تقضي فيه بقية حياتك بعد هذه المحطة.»
«مجرد حجة واهية. الجو داخل الغرفة لا يُطاق. وإذا لم تُسرع بالدخول، فسيموت أوتو من شدة القلق.»
طرق سوبارو دائمًا الباب قبل دخوله.
«حقًا، أعترف بقدرتك على التخلص من أي شعور بالذنب، مهما كان صغيرًا.»
ورغم أنه لم يولد في هذا الدور، فإن العادات والمواقف الفارسية قادت سوبارو ناتسوكي تدريجيًا نحو تجسيد معاني الفروسية الحقيقية.
كان لا بد من الإشادة بلامبالاتها الكاملة تجاه كونها في حضرة الضيوف، رغم أنها من المفترض أن تكون خادمة مثالية.
لكون رام قد وصفت الأجواء داخل الغرفة بغير المريحة، كان ذلك أمرًا مخيفًا بحد ذاته. ومع ذلك، شدَّ سوبارو عزمه؛ لأنه وجد فكرة البقاء خارجًا أكثر إثارة للقلق.
«ألا يمكنك أن تطلب منها أن تكون أكثر لطفًا بدلًا من ذلك؟!»
«شكرًا لأنكِ أوصلتنا، بيترا. هل سترافقيننا؟»
كانت ريوزو جدة غارفيل وممثلة الملجأ. في الوقت الحالي، لم تكن مقيمة في هذا القصر، بل كانت تعيش في قرية إيرلهام القريبة من القصر القديم. فقد اختارت تحمل مسؤولية منح ”حياة يومية“ للأربعة والعشرين نسخة الذين وُلدوا مثلها؛ نسخ من ريوزو ماير، بأجساد مكونة من المانا مثلها تمامًا.
«آه، لديَّ ما يشغلني بخَبز بعض الفطائر الشهية؛ لذا أتمنى لكم حظًا موفقًا، أيها الأب.»
هكذا، تحوّل حديثهم الذي كان جادًا في البداية إلى نقاشات خفيفة، مما أضفى جوًا من المرح بينما كانت الليلة تمضي وتزداد عمقًا.
«آغه… بما أن الأم قد قالت ذلك، فلا مجال للتراجع!»
«… هل أنت متأكد؟ أعترف بأن ميمي قوية جدًا، ومن الصحيح أنها تتحدث وكأنها عاشقة للقتال، لكن، امم…».
جاء دور بيترا لتمازح سوبارو وكأنهما والدا بياتريس. بالطبع، كانت بيترا لديها عملها الخاص لتقوم به، وليس من المنصف أن يتوقع منها سوبارو أن تبقى معه على هواه.
«العام الماضي، جاء غريب بوجه قاسٍ إلى القرية. ظننت أنه شخص غريب، لكنني كنت مخطئة تمامًا، لذا…»
‹إنها لا تتخلى عني، صحيح؟› على الأقل، هذا ما أود أن أصدقه. ربما… أو قد يكون كذلك.
قال أوتو وهو يضرب كأس النبيذ على الطاولة بانفعال.
«حسنًا، لنمضي إذًا. لا يمكن الإمساك بشبل النمر إلا بالدخول إلى عرينه.»
«لكنَّك تخلَّيت عن كونك تاجرًا منذ زمن بعيد، فلماذا تهتم الآن؟»
[قال سوبارو هنا the tiger’s hole؛ لذا قالت ميمي أنه يقصد مؤخرة النمر.]
كان أوتو، مثل سوبارو، واحدًا من أولئك الذين لا يعرفون متى يتوقفون.
«أتعني مؤخرته؟»
بينما كانت تجلس وحدها مع سوبارو في غرفتها، قالت إميليا هذه الكلمات بعينين منخفضتين تحملان مسحة من الندم.
«كم أنتِ فظة.»
«ماذا؟! هذا أمر جلل، على ما أظن. أستطيع أن أفهم سبب استدعائك لنا بهذه العجلة.»
«لم أقصد هذا! هيا بنا فحسب!»
«لا.» أجاب جوشوا، وهو يهز رأسه باختصار. «لقد سمعت الشائعات، لكن فاجأتني حقيقة أن السيد ناتسوكي هو فارس روح حقيقي. وأعتقد أنك على دراية بأن أخي الأكبر كان أيضًا فارس روح… وكان في السابق الوحيد في المملكة.»
متجاهلًا حيرة ميمي وانتقاد رام، قرع سوبارو باب غرفة الاستقبال. فُتح الباب فورًا، وبرز منه رأس بشعر أشقر قصير.
قال سوبارو، وهو يخفض عينيه قليلًا بتعاطف خفيف: «هذا يجعل ريوزو مثيرة للإعجاب حقًا، لكنه ليس أمرًا تفتخر به أنت.»
«يو، تأخرت كثيرًا يا، أليس كذلك أيها القائد؟ أخونا على وشك أن يُصاب بثقب في معدته في أي لحظة.»
كانت رام خادمة جميلة المظهر، ولكن خلف هذا الجمال لسان حاد كالشفرة. استقبلت المجموعة ببرود، كما لو كانت تخاطب مَن هم أقل شأنًا منها، لكنها توقفت فجأة وأخذت تضيق عينيها الورديتين. ثم زفرت بعمق.
«أعلم، أُدرك ذلك. بصراحة، إنها مسألة وقت فقط، لكنني أود أن أحافظ عليه سالمًا لأطول مدة ممكنة.»
«أوووه، فهمت! إذًا هي بيترا الخادمة، وهذه هي طفلتك!»
«حقًا! هذا أشبه بثورة بحيرة أركل!»
كلمات إميليا وهي تقدمه كفارسها جعلت قلب سوبارو يرتجف من التأثر. ففي كل مرة يسمعها تناديه بهذا اللقب، يتذكر اللحظة التي منحته فيها هذا الشرف.
تبادلا سوبارو وغارفيل الابتسامات الماكرة، وكأنهما طفلان يخططان لمقلب. ثم فتح غارفيل الباب على مصراعيه، ملوحًا بيده نحو الداخل بابتسامة ساخرة.
«أفضل لو أنكِ لم تتجاهلي جزء الحب بتلك السهولة.»
«تفضل بالدخول. لا شيء سيحدث دون وجود القائد، وهذا سيزعج الضيف أيضًا. رؤية أوتو والسيدة إميليا يرحبان بالزائر ليست سوى عرض كوميدي!»
«لا داعي للقلق. أخي رجلٌ عادلٌ للغاية.»
«الآن، هذا عرض يستحق المشاهدة… غاه!»
«أظن أن احتمالية أن تنقلب هذه الطريقة ضدكم مرتفعة للغاية!!»
«كف عن قول الحماقات وادخل. أنت تعيق الطريق.»
فاصطف كل من إميليا، سوبارو (مع بياتريس)، وأوتو على أريكة غرفة الاستقبال.
دفعت رام سوبارو بحركة سريعة بقدمها، مما جعله يتعثر ويدخل الغرفة على مضض. وبمجرد دخوله، تحولت الأنظار نحوه.
«حقًا، أعترف بقدرتك على التخلص من أي شعور بالذنب، مهما كان صغيرًا.»
«…»
«ما الذي تعدونه بالضبط؟ ولماذا عشرة في اليوم؟!»
مشاعر متنوعة ارتسمت على الوجوه: ارتياح، استياء، وشكوك.
وكما توقع، التفت بعيدًا عن الوجوه المألوفة ليركز انتباهه على الشخص الذي ينظر إليه بشك.
«ما—؟! واه! غاااه!»
كان الزائر شابًا وسيمًا، ذا ملامح رقيقة وجمال أخَّاذ. جسده النحيل كان مكسوًا بثياب احتفالية فاخرة، وشعره الذي بدا أطول قليلًا من المعتاد كان مجمعًا في شكل ذيل حصان. بدا في عمر مقارب لعمر سوبارو، إلا أن ملامحه المشدودة والنظارة الأحادية التي ارتداها على عينه اليمنى أضفتا عليه مظهرًا أكثر صرامة.
«أعتذر عن الانتظار. هذا هو فارسي، سوبارو ناتسوكي.»
«إذًا، هذا هو…؟»
«حـ-حسنًا، سأروي لكم قصص مجد أخي الأكبر في مناسبة أخرى. لكن إحم… يجب أن نسرع في إنهاء هذا الموضوع، وإرجاعه إلى السيدة أنستاسيا بأسرع وقت.»
طرح الضيف سؤاله بصوتٍ جاف ونبرة صارمة، فأومأت الفتاة الجميلة الجالسة مقابله برأسها.
لكن قبل أن يلتقط أحدهم أنفاسه ليتدخل، ابتسمت إميليا في وجه جوشوا. كانت غير متأثرة بتاتًا بتصرفاته الحادة.
«نعم، هذا صحيح.»
«إذًا، هذا هو…؟»
كانت الفتاة ذات الشعر الفضي المتألق والجمال الرقيق الذي يعكس روحها النقية هي إميليا، التي بدت وكأنها تزداد سحرًا مع مرور الأيام.
«لا يوجد ما يضمن أنك ستجد مكانا تقضي فيه بقية حياتك بعد هذه المحطة.»
ابتسمت ابتسامة خفيفة، وأشارت إلى سوبارو بإيماءة رقيقة من إصبعها.
حتى وإن بدا الأمر وكأنهم يعودون للحوار على نحو طبيعي، فإن تصريح جوشوا المفاجئ والمتعالي أعاد توتر الجو مرة أخرى.
«أعتذر عن الانتظار. هذا هو فارسي، سوبارو ناتسوكي.»
«مهلًا، ماذا؟… هل أنا الشخص الوحيد الذي يجد هذا غريبًا؟»
كلمات إميليا وهي تقدمه كفارسها جعلت قلب سوبارو يرتجف من التأثر. ففي كل مرة يسمعها تناديه بهذا اللقب، يتذكر اللحظة التي منحته فيها هذا الشرف.
حقيقة أنها تقبلت الإطراء بكل فخر كانت دليلًا لا شك فيه على أن سوبارو قد أثر فيها كثيرًا.
كانت تلك الذكرى الجميلة دائمًا ما تبعث القوة في قلبه الهش والمتقلب.
«وما الذي يمكن أن يكون؟»
«يـ-يبدو وكأنه سعيد للغاية لسبب ما…»
تحول سوبارو إلى الجدية، في حين بدا غارفيل وكأنه يتعامل مع الأمر وكأنه مكلف بمهمة رعاية، بينما تذمر أوتو وهو يحتسي المزيد من النبيذ شيئًا فشيئًا.
«سوبارو، توقف عن صنع هذا الوجه الغريب. سيظن الناس أن هناك خطبًا بك… ولماذا تمسك بيدي بهذه القوة، يا ترى؟ انتظر، هذا مؤلم! آه، كفى! أووو!!»
عندما أبرما عقدهما لأول مرة، ظن أنه أحبها بقدر ما يمكن أن يحبها إنسان، لكنه ظل يراجع هذا الافتراض يومًا بعد يوم. ما يُعرف بمذكرات تطوير بيكو -وهي سجل للأيام التي قضاها مع بياتريس- وصل بالفعل إلى جزئه الخامس. كان سوبارو متحمسًا لمعرفة إلى أين ستقودهما علاقتهما.
«—واه!! آسف، لقد شردت قليلًا دون أن أدرك ذلك.»
كانت تلك البلورة مهدًا لروح باك العظيم النائمة.
كان مستغرقًا في أفكاره لدرجة أنه كاد أن يسحق يد بياتريس الصغيرة دون قصد.
فاصطف كل من إميليا، سوبارو (مع بياتريس)، وأوتو على أريكة غرفة الاستقبال.
وفي كل الأحوال، كانت بياتريس على حق؛ فقد كان الضيف يحدق به بشكٍ واضح. قرر سوبارو أن الوضع يحتاج إلى معالجة سريعة قبل أن يسوء أكثر، فتنحنح ليعيد ترتيب أفكاره، ثم وقف منتصبًا وقام بالتحية الرسمية التي تُميز الفرسان.
«هذا يجعلني أشعر وكأنني العنصر الأكثر مدعاة للقلق… ولا أرتاح لذلك إطلاقًا.»
بعد أن استقام وصحح تعابير وجهه، وضع يده اليمنى على صدره، محاولًا تهدئة دقات قلبه المتسارعة.
كانت تلك الذكرى الجميلة دائمًا ما تبعث القوة في قلبه الهش والمتقلب.
«أعتذر عن سوء تصرفي. اسمحوا لي أن أُعرِّف بنفسي. أنا فارس السيدة إميليا، سوبارو ناتسوكي.»
«أعلم، أُدرك ذلك. بصراحة، إنها مسألة وقت فقط، لكنني أود أن أحافظ عليه سالمًا لأطول مدة ممكنة.»
«…»
كان لا بد من الإشادة بلامبالاتها الكاملة تجاه كونها في حضرة الضيوف، رغم أنها من المفترض أن تكون خادمة مثالية.
بالرغم من أن ارتداءه لسترة رياضية ربما قلل من هيبته، إلا أن تحيته كانت متقنة للغاية، إذ دربُّه عليها خادم ماهر حتى حاز على رضاه.
《٣》
في الماضي، سخر سوبارو من كل هذه الطقوس المسرحية الخاصة بالفرسان، لكن بمجرد أن جربها بنفسه، وجد نفسه مأخوذًا بسحرها.
ومع ذلك، لم يكن من المستغرب أن تكون ميمي، بشخصيتها الطفولية، بعيدة كل البعد عن عدم إثارة المتاعب حتى لو لم تُترك وحدها. ثم التفت سوبارو نحو رام، وقد خطرت له فكرة.
ورغم أنه لم يولد في هذا الدور، فإن العادات والمواقف الفارسية قادت سوبارو ناتسوكي تدريجيًا نحو تجسيد معاني الفروسية الحقيقية.
«لا.» أجاب جوشوا، وهو يهز رأسه باختصار. «لقد سمعت الشائعات، لكن فاجأتني حقيقة أن السيد ناتسوكي هو فارس روح حقيقي. وأعتقد أنك على دراية بأن أخي الأكبر كان أيضًا فارس روح… وكان في السابق الوحيد في المملكة.»
لقد كانت تحية سوبارو مؤثرة بالنسبة للجميع في الغرفة، باستثناء الضيف. أما ابتسامة إميليا الفخورة، فقد كانت كافية لتعزيز معنوياته إلى حدٍ كبير.
فاصطف كل من إميليا، سوبارو (مع بياتريس)، وأوتو على أريكة غرفة الاستقبال.
محاطًا بهذه الوجوه، ومع صمته الذي بدا أنه طال أكثر مما ينبغي، نهض الضيف أخيرًا وانحنى برأسه تحيةً.
«إذًا، مع وجود غارفيل، أصبح موقفنا آمنًا من حيث القوة القتالية… لكن هل ستأتي معنا، أوتو؟»
«… أشكركم على لطفكم. لقد جئت إلى هنا… أنا هنا ممثلًا عن السيدة أناستاسيا هوشين. اسمي جوشوا جوكوليوس.»
رغم أنه قضي كل لحظة من يومه مع بياتريس، إلا أنه ما زال يدهشه كيف لم يمل أبدًا من هذه اللحظات اليومية الصغيرة. بل إن علاقتهما تعمقت أكثر مع مرور كل يوم.
«لا، شكرًا لك. اسم جميل، جوشوا… جوكوليوس؟»
كان الزائر شابًا وسيمًا، ذا ملامح رقيقة وجمال أخَّاذ. جسده النحيل كان مكسوًا بثياب احتفالية فاخرة، وشعره الذي بدا أطول قليلًا من المعتاد كان مجمعًا في شكل ذيل حصان. بدا في عمر مقارب لعمر سوبارو، إلا أن ملامحه المشدودة والنظارة الأحادية التي ارتداها على عينه اليمنى أضفتا عليه مظهرًا أكثر صرامة.
في خضم تبادل التحيات الرسمية، توقف سوبارو فجأة عندما سمع الاسم العائلي المألوف.
«نعم، بريستيلا تقع وسط بحيرة؛ لذا تغمرها المياه عند سقوط الأمطار. ولهذا السبب، بنيت جدران عالية لحمايتها، وأقيمت عدة بوابات مائية للتحكم في مستوى المياه. هذه البوابات هي ما يجعل المدينة تحمل هذا الاسم.»
رأت إميليا رد فعله، فوضعت يديها على صدرها وقالت:
«أنا؟ سأبقى مع أخانا لفترة أطول. انتهيت من كتابة الرسالة، لكن أرى فرصتي الآن للفوز في الشطرنجي. بما أنه شرب كثيرًا، يجب أن يكون الأمر سهلاً هذه المرة.»
«آه، يبدو أنك تفاجأت أيضًا، سوبارو. هذا صحيح، جوشوا هو شقيق جوليوس الأصغر. أليس من الرائع أن الشقيقين يعملان معًا لمساعدة السيدة أناستاسيا؟»
«أعتذر، لم تتح لي الفرصة لتحذيرك. هذه المرة الثانية التي ينفجر فيها هكذا.»
ارتعشت زاوية فم سوبارو بينما كان يستمع إلى تفسير إميليا، وعيناها البنفسجيتان تلمعان بالإعجاب. تمامًا كما قالت ميمي، جوليوس لم يأت بنفسه، لكن—
«لست متأكدًا في حالتك. أعتقد أن فريدريكا سرقت منك بعضًا من ذلك.»
«السيد ناتسوكي، أليس كذلك؟ سمعت عنك من أخي الأكبر، وكذلك من… لنقل، بعض الإشاعات المختلفة.»
بدا أن جوشوا استغل ارتباك سوبارو ليواصل حديثه بنبرة يعلوها بعض التسلية. كانت النظرة الحادة في عينيه، إلى جانب أسلوبه المصقول الذي لا يخلو من اللذع، دليلًا كافيًا لسوبارو على أنه بلا شك شقيق جوليوس.
«… أشكركم على لطفكم. لقد جئت إلى هنا… أنا هنا ممثلًا عن السيدة أناستاسيا هوشين. اسمي جوشوا جوكوليوس.»
فرك سوبارو جبينه بقلق قبل أن يرفع نظره مجددًا.
«تيي هيي، شكرًا لك.»
«أخشى أن أكتشف ما الذي قد يكون قاله عني لعائلته.»
بينما كان يتحدث، سحب سوبارو كرسيًا وجلس بجانب السرير.
«لا داعي للقلق. أخي رجلٌ عادلٌ للغاية.»
«أعلم، أُدرك ذلك. بصراحة، إنها مسألة وقت فقط، لكنني أود أن أحافظ عليه سالمًا لأطول مدة ممكنة.»
تسبب هذا الرد في ابتسامة متوترة على وجه سوبارو، فرفع جوشوا حاجبه، غير قادر على تفسير رد فعله.
فهم سوبارو الآن أن المسألة تتعلق بالسمعة. أي شخص يُعرف بعدم الموثوقية سيجد نفسه محاطًا بالأعداء بسرعة. وكان ذلك أسوأ طريقة لإدارة الأمور، سواء كنت أحد زعماء الساموراي في عصر الولايات المتحاربة، أو مرشحًا للاختيار الملكي. كان على أصحاب النفوذ توخي الحذر عند اللجوء إلى الحيل والخداع.
هذا هو بالضبط ما كان سوبارو يرغب في الرد عليه، لكنه أمسك لسانه.
«—أتفق معك تمامًا.»
«على أي حال، شقيق جوليوس الأصغر، أليس كذلك؟ الآن بعد أن ذكرت ذلك… إر، تلك النظرة الحادة في عينيك، والسخرية… أه، أسلوبك الراقي في الحديث، ولون شعرك الرائع… كله متشابه، هاه؟»
«هلَّا توقفت عن الشفقة عليَّ بالفعل؟!»
«هل يمكنك التوقف عن إطرائك الزائد؟ من الواضح تمامًا مدى سوءك فيه.»
«الآن، هذا عرض يستحق المشاهدة… غاه!»
أخذ أوتو، المستشار المنزلي الرئيسي لفرقة إميليا، يديه إلى جبهته محاولًا إخفاء عرقه البارد وهو يطلب من سوبارو أن يكبح محاولاته المتعثرة في الثناء.
«على أي حال، إذا كنا سنتجاوب مع هذه الدعوة، فمن الأفضل أن نبقى على حذر. هذا يعني أنه ممنوع على القائد والسيدة إميليا التحرك بمفردهما. أما بالنسبة لأوتو، فربما يكون استثناءً، لكن إذا حدث شيء للقائد أو للسيدة، فكل شيء سينهار.»
«يا رجل، هل فقدت الوزن منذ آخر مرة رأيتك فيها؟»
«—؟ ما الذي جعلك تقول هذا فجأة، يا ترى؟»
«لم يمر وقت طويل منذ تلك اللحظة، لكن كل يوم هو معركة جديدة! يومًا ما، بلا شك، سأستسلم للبرد وألم المعدة! أيضًا، سمعت حديثك مع غارفييل في وقتٍ سابق!»
«هذا مثير. وصفك يجعلني أرغب في طباعة منشور دعائي عنها. ولكن مدينة تطفو فوق الماء، هاه؟ تذكرني بمدينة البندقية. لا شك أن هذا يجعلها مكانًا مذهلًا.»
«حسنًا، لم أكن أخفيه على نحوٍ خاص. لا أنوي إخفاء شيء عنك إذا استطعت.»
«حسنًا، صحيح أن أوتو كان مرتبكًا بعض الشيء، لكنني أتفق مع قرارك، إميليا-تان. ما يقلقني فقط هو فكرة أن نذهب إلى أرض شخص آخر دون أن نكون مستعدين على نحوٍ كافٍ.»
«هل يمكنك أن تحاول إخفاء بعض الأمور؟!»
انتقلت إلى الموضوع التالي قبل أن يتمكن من المتابعة. كان تصرفها كاشفًا لرغبتها في تجنب الحديث عن الأمر، مما أثار في نفسه شعورًا بعدم الارتياح. غير أن معرفته العميقة بقلبها علمته أن الضغط عليها في مثل هذه اللحظات لن يؤدي إلا إلى نتائج عكسية.
تجاهل سوبارو شكوى أوتو بكلمة ”أجل، أجل.“، ثم جلس بسلاسة بجانب إميليا. وعندما جلس، وضع بياتريس في حضنه، يداه تحيطان بجانب بطنها لدعمها.
توقف الاثنان عن مشاغباتهما عندما سمعا صوتًا حادًا يناديهما. وعندما نظرا، لوحت فتاة بيدها وهي تركض نحوهما. كان الصوت المألوف والوجه ينتميان إلى خادمة صغيرة لطيفة تجسد معنى البراءة.
فاصطف كل من إميليا، سوبارو (مع بياتريس)، وأوتو على أريكة غرفة الاستقبال.
فهم سوبارو الآن أن المسألة تتعلق بالسمعة. أي شخص يُعرف بعدم الموثوقية سيجد نفسه محاطًا بالأعداء بسرعة. وكان ذلك أسوأ طريقة لإدارة الأمور، سواء كنت أحد زعماء الساموراي في عصر الولايات المتحاربة، أو مرشحًا للاختيار الملكي. كان على أصحاب النفوذ توخي الحذر عند اللجوء إلى الحيل والخداع.
«الآن، عذرًا على التأخير. هل يمكننا متابعة الحديـ؟»
«مهلًا، ماذا؟… هل أنا الشخص الوحيد الذي يجد هذا غريبًا؟»
«ا-انتظر لحظة، أرجوك! مَن هذه الفتاة؟!»
«أخيرًا أتيتَ، باروسو. لقد تأخرتَ كثيرًا، أليس كذلك…؟»
«—؟ هل هناك شيء غريب بشأن بيتي، يا ترى؟»
«لا داعي للقلق، سوبارو. فالقصر لا يزال فيه—»
أشار جوشوا إليها، بينما حركت بياتريس رأسها بفضول.
«هل قلتَ مضايقة للتو، يا ترى؟ لن أترك هذا يمر!»
«مهلًا، ماذا؟… هل أنا الشخص الوحيد الذي يجد هذا غريبًا؟»
ــ الأرنب العظيم، أحد الوحوش الشيطانية الثلاثة العظمى التي تم القضاء عليها في الملجأ.
«لا، أنا آسف حقًا. رد فعلك مفهوم تمامًا. إن كان هناك أي شيء، فهذا المكان هو حيث تموت الفطرة السليمة.»
أشار غارفيل برأس قلمه الريشي نحو أوتو الذي بدا وكأنه استسلم فجأة: «مهلًا، مهلًا، لا تستمر في الجدال، يا أخي. إذا بقيت على هذا الحال، فلن أحرز أي تقدم في كتابة هذه الرسالة. الجدة طلبت مني ذلك.»
عندما انحنى جوشوا للأمام بعنف لدرجة أن عدسته المكبرة سقطت، اعتذر أوتو بنظرة تعاطف في عينيه. بدا أن جوشوا لم يكن بنفس درجة الهدوء الذي يتمتع به شقيقه الأكبر.
«وما معنى تلك النظرة المشفقة في عينيك؟»
اعتذر سوبارو أيضًا بينما كان يفكر في نفسه أن هذا يجعل جوشوا الأخ الأسهل للتعامل معه.
«يا ضيفنا الكريم، هل لديك مشكلة يا في أن يأتي القائد بروح عظيمة معه؟»
«لقد أصبح وجود بيكو في حضني أمرًا طبيعيًا بالنسبة لي لدرجة أنني فعلت ذلك دون تفكير.»
هكذا، تحوّل حديثهم الذي كان جادًا في البداية إلى نقاشات خفيفة، مما أضفى جوًا من المرح بينما كانت الليلة تمضي وتزداد عمقًا.
«أصبح الأمر طبيعيًا لدرجة أن حتى أوتو لم يعلق عليه. أنا مذهول أيضًا.»
فبعد أن استنفد باك كل طاقته السحرية وسقط في سبات عميق، أصبحت الحاجة إلى بلورة سحرية قوية أمرًا لا بد منه لإيقاظه. وعلى مدار عام كامل، بحثت إميليا بلا كلل عن واحدة مناسبة، ولكن دون جدوى.
«لا أحد يقول مذهول بعد الآن…»
عندما انحنى جوشوا للأمام بعنف لدرجة أن عدسته المكبرة سقطت، اعتذر أوتو بنظرة تعاطف في عينيه. بدا أن جوشوا لم يكن بنفس درجة الهدوء الذي يتمتع به شقيقه الأكبر.
أضافت إميليا كلمة قديمة أخرى إلى المحادثة ببراعة، ولكن سوبارو وافق على الرسالة على أي حال. فقد أصبحت علاقته ببياتريس طبيعية إلى حد أن هذا لم يعد يثير تعليقًا فكاهيًا من أوتو.
لكنها توقفت فجأة وخفضت عينيها البنفسجيتين. عرف سوبارو جيدًا الكلمات التي حاولت قولها. ليس هناك شك في أن رام لن تتهاون في أداء واجباتها، فلديها أسباب كافية لتجنب ذلك.
«عجبًا، جوشوا بطيء جـــــدًا—»
ومع ذلك، لم يستطع سوبارو استيعاب الأمر تمامًا بعد. وبسبب تأخرهم في التفاعل، فقدوا كل المبادرة في الحوار.
قَطَعَت ميمي حديثهم وهي تقفز وتجلس بجانب جوشوا، تساعد نفسها في تناول الحلوى الموجودة على الطاولة بينما كانت تدفع خده بذيلها الطويل.
«نعم. هناك تركت الضيف. الأخت الكبيرة إميليا والبقية موجودون بالفعل.»
«هذه بيكو! طفلة السيد والسيدة—!»
«آه، صحيح. في الواقع، جئت إلى هنا لأعيدك أنتَ وبياتريس إلى القصر.»
«ماذا؟!»
اعتذر سوبارو أيضًا بينما كان يفكر في نفسه أن هذا يجعل جوشوا الأخ الأسهل للتعامل معه.
«صحيح، صحيح. هذه هي طفلتنا اللطيفة، بياتريس، أنا وإميليا تان.»
«تبًا لكِ، أيتها الأخت!»
استغل سوبارو دهشة جوشوا ليضربه على كتفه في ذات اللحظة.
«كما تأمرين، سيدتي. الحكمة دائمًا على لسانك.»
«عجبًا. بالطبع لا. انظر ما فعلت. لقد أفزعت جوشوا. ربما قبلتك، يا سوبارو، لكن الأطفال لا يولدون من قبلة. تعلمت هذا على الأقل.»
«أظن أن الأمر سيكون على ما يرام. من المؤكد أن إميليا-تان ستذهب، وطبعًا سأرافقك كفارس لك، مع بيكو كشريكتي. بعد ذلك، سيأتي غارفيل كعضلاتنا، وأوتو كمستشارنا… وبصراحة، بدافع الشفقة أيضًا. في الحقيقة، كنت أود أن نأخذ بيترا وفريدريكا معنا كإجراء احترازي، لكن…»
«آه، آسف، إميليا تان. الأمر حقًا محرج؛ لذا هل يمكنك التوقف عن الكشف عن تفاصيل كهذه، امم، بتلك الصراحة؟ سأتوقف عن المزاح وسأقدمها على نحو صحيح.»
«—كم أصبحتُ أقوى هذا العام. لا يمكن لأحد أن يتعرف عليَّ الآن مقارنةً بما كنت عليه في الماضي.»
تسبب انفتاح إميليا البريء على نحو مدهش في إجبار سوبارو على الخضوع سريعًا.
«أظن أن الأمر سيكون على ما يرام. من المؤكد أن إميليا-تان ستذهب، وطبعًا سأرافقك كفارس لك، مع بيكو كشريكتي. بعد ذلك، سيأتي غارفيل كعضلاتنا، وأوتو كمستشارنا… وبصراحة، بدافع الشفقة أيضًا. في الحقيقة، كنت أود أن نأخذ بيترا وفريدريكا معنا كإجراء احترازي، لكن…»
بالطبع، لم تكن معرفة إميليا بمسائل الإنجاب قد تقدمت إلى ما هو أبعد من ”القبلات لا تصنع أطفالًا“. مناقشة أي شيء يتجاوز ذلك كانت عقبة كبيرة بالنسبة لسوبارو، وعمومًا كان الجميع يتفقون على توافق غامض مفاده ”سنشعر بالقلق عندما تكبر“. في النهاية، كان الجميع ببساطة أكثر من حريصين.
«أصبح الأمر طبيعيًا لدرجة أن حتى أوتو لم يعلق عليه. أنا مذهول أيضًا.»
«أنظر، هكذا تكون الأمور عندما تستخدم بيتي كموضوع مزاح. هل تعلمت درسك الآن، يا ترى؟»
«مم، هذا صحيح. وأيضًا، أحتاج للاعتذار لأوتو لأنني تجاوزت النقاش دون إشراكه.»
«نعم، فكرت طويلًا فيما فعلته خطأ. من الآن فصاعدًا، سأفكر في مزاح أفضل.»
«أما أنتما، فلم تتغيرا منذ لقائي بكما، وكأنكما ماء بارد يصب في وجهي!»
«إررر، ما هي مكانة السيدة بياتريس الحقيقية…؟»
أشار جوشوا إليها، بينما حركت بياتريس رأسها بفضول.
«أوووه، عذرًا، خرجت عن الموضوع مرة أخرى. بياتريس هي روح متعاقدة معي.»
كان نقد رام للذاتية باستخدام ذاتيتها نفسها أنانيًا للغاية، لدرجة أن سوبارو وقف عاجزًا عن الرد. متجاهلةً ردود فعل سوبارو، عقدت رام ذراعيها ووجهت نظرتها نحو ميمي.
«روح… متعاقدة…»
كانت أنفاسه متقطعة، وتذبذبت رؤيته نتيجة نقص الأكسجين. شعر بملمس الأعشاب تحت ظهره، وبين فراغات الأشجار لمح لمحات من ال سماء البعيدة. استنشق سوبارو أكبر قدر من الهواء النقي، مالئًا رئتيه بنهم.
أعاد جوشوا وضعيته بعد أن أعاد عدسته المفقودة إلى مكانها، ثم خفض صوته قليلًا ردًا على شرح سوبارو. التغيير في نبرة صوته والانفعالات المعقدة التي ملأت تلك الاستجابة جعلت سوبارو يعبس وجهه.
«آغه… بما أن الأم قد قالت ذلك، فلا مجال للتراجع!»
«يا ضيفنا الكريم، هل لديك مشكلة يا في أن يأتي القائد بروح عظيمة معه؟»
«كان ذلك بفضل فكرة والدتي. هذه هي ذروة تصفيف الشعر— عملي وأنيق في آن واحد.»
ركز غارفيل على انزعاج الشاب دون تردد.
«حسنًا، أعتقد أنني سأخلد أخيرًا للنوم. ماذا عنك، غارفيل؟»
«أوه، هيا، بالطبع هذا ليس السبب. ليس الوقت مناسبًا للمزاح الآن.»

«أعلم، أُدرك ذلك. بصراحة، إنها مسألة وقت فقط، لكنني أود أن أحافظ عليه سالمًا لأطول مدة ممكنة.»
«لتعلم أنني دائمًا أحاول القيام بما هو في صالح الجميع!»
«لا.» أجاب جوشوا، وهو يهز رأسه باختصار. «لقد سمعت الشائعات، لكن فاجأتني حقيقة أن السيد ناتسوكي هو فارس روح حقيقي. وأعتقد أنك على دراية بأن أخي الأكبر كان أيضًا فارس روح… وكان في السابق الوحيد في المملكة.»
«رجاءً، كفَّ عن تفسير كل شيء بناءً على ما تعتبره فضيلة في عقلك. تذكر هذا جيدًا يا باروسو؛ في عالم رام، لا يهم سوى وجهة نظر رام.»
«آااه، بالطبع نعلم ذلك. لقد كان مسـ… إنههه… مساعدة كبيرة لنا…»
«آه، آسف، إميليا تان. الأمر حقًا محرج؛ لذا هل يمكنك التوقف عن الكشف عن تفاصيل كهذه، امم، بتلك الصراحة؟ سأتوقف عن المزاح وسأقدمها على نحو صحيح.»
«هل تكره أن تعترف بأنه ساعدك إلى هذا الحد؟!»
«لا.» أجاب جوشوا، وهو يهز رأسه باختصار. «لقد سمعت الشائعات، لكن فاجأتني حقيقة أن السيد ناتسوكي هو فارس روح حقيقي. وأعتقد أنك على دراية بأن أخي الأكبر كان أيضًا فارس روح… وكان في السابق الوحيد في المملكة.»
لم يكن سوبارو عنيدًا إلى هذا الحد، بل كان يواجه صعوبة في التوفيق بين مشاعره عندما تذكر المعركة التي خاضها جنبًا إلى جنب مع جوليوس، بالإضافة إلى الألم الناتج عن الإصابات التي تعرض لها بعد ضرباته في ساحة التدريب، ناهيك عن مجموعة من الإزعاجات الأخرى.
«هل هناك مَن هو أكثر بؤسًا منه، يا ترى؟ لقد نفد حظه منذ اللحظة التي أمسكته فيها، يا سوبارو.»
«أفهم الآن. بالتأكيد كانت هناك أحاديث عن فارس آخر يستخدم الأرواح، على ما أظن. إذا كان هذا الشخص هو أخوك الأكبر، أقدم لك تعازيَّ.»
ومع ذلك، لم يكن من المستغرب أن تكون ميمي، بشخصيتها الطفولية، بعيدة كل البعد عن عدم إثارة المتاعب حتى لو لم تُترك وحدها. ثم التفت سوبارو نحو رام، وقد خطرت له فكرة.
«تعازيَّ؟ ماذا تعني بذلك؟»
«بالفعل، غارفيل يكتب كل يوم، مما يعني أن لدينا جبلًا من الرسائل.»
«أليس من الواضح، يا ترى؟ سقوطه أمر حتمي. إنه فقط مسألة وقت. على الأقل، يمكنه أن يكون حجر أساس لانطلاق سوبارو وبيتي في مغامراتهما الرائعة… غااه!»
«من الوقاحة أن أكون هنا وأتحدث عن إميليا والبقية دائمًا. لو سمعت بيترا أو أي شخص آخر ذلك، لكانوا وبخوني بشدة.»
«لا تبدئي المشاكل فجأة! علاوة على ذلك، قوتي لا يمكن مقارنتها مع قوة جوليوس. ليس لديَّ أدنى فرصة ضده في معركة متكافئة. مَن يذهب لتحدي أساتذة الألغاز في لعبة ألغاز؟ بالتأكيد التحدي يجب أن يكون في لعبة سحق الإخوة، هذا هو السبيل للفوز.»
«لقد تعلمت درسي سابقًا، لذا لا أفعل ذلك أنا أيضًا.»
بعد أن فرك سوبارو شعر بياتريس بسبب تعليقاتها الاستفزازية، انحنى في اعتذار لجوشوا. ومع رأسها الذي أصبح في حالة فوضى كاملة، فعلت بياتريس الشيء نفسه.
«الآن، عذرًا على التأخير. هل يمكننا متابعة الحديـ؟»
«آسف. ليس لدينا نية لإهانة أخيك الأكبر. وبالمناسبة، أنا أدرك تمامًا أن قدراتي أدنى من قدراته. فلتغفر لنا يا سيدي، على غرار فتاة صغيرة غارقة في الكبرياء.»
«حسنًا، يبدو أنك تستمتع بالتحديات الشاقة، لكنني سأدع هذا الشعور جانبًا الآن.»
«نعم، بالطبع. من الطبيعي أن تكون متواضعًا عند مقارنة نفسك بأخي الأكبر.»
لم تُجب الفتاة بشيء. ومع ذلك، استمرت هذه اللقاءات الليلية.
«هاه؟»
«أيضًا، ترتبط بريستيلا ارتباطًا وثيقًا بهوشين السهول المقفرة. وبالنسبة للتجار، هو شخصية أسطورية؛ لذلك كنت دائمًا أرغب في زيارتها يومًا ما.»
حتى وإن بدا الأمر وكأنهم يعودون للحوار على نحو طبيعي، فإن تصريح جوشوا المفاجئ والمتعالي أعاد توتر الجو مرة أخرى.
《١》
لم يلاحظ جوشوا الدهشة التي سادت المكان، وكان من الواضح أن عدسته المعظمة قد أضاءت ببريق مثير للقلق.
«لا يوجد ما يضمن أنك ستجد مكانا تقضي فيه بقية حياتك بعد هذه المحطة.»
«نعم، أخي الأكبر رجل عظيم. في سن الثانية والعشرين، يُعترف به كأحد أعظم الفرسان في المملكة، وهو فعليًا نائب قائد الحرس الملكي. على الرغم من أنه حاليًا لا يؤدي هذا الواجب ليخدم السيدة أنستاسيا على نحو أفضل، لا شك أن أخي الأكبر سيصبح قائد الحرس الملكي عندما تصعد إلى العرش. حتى السير راينهارد، القديس السيف في هذه الحقبة، لا يمكن مقارنته بأخي الأكبر من حيث الفضائل الفروسية. حقًا، أخي الأكبر هو الفارس بين الفرسان! سيكون من السخافة حتى أن نذكر اسميكما معًا في نفس الجملة.»
«كل مَن في القصر رأى باك، وهم يعرفون أنني ساحرة أرواح. حاولنا إبقاء أمر البلورة سرًا، ولكن يبدو أنه كان من المستحيل إخفاؤه تمامًا.»
«… صـ-صحيح.»
مدفوعًا برغبة الحصول على مساحة يطلق عليها ملاذه الخاص، قام بتخصيص قطعة لا بأس بها من الغابة لهذا الغرض. ومن خلال استخدام أخشاب الأشجار التي قطعها، أنشأ مجموعة من التحديات، بما في ذلك حواجز للقفز فوقها وعوائق للتسلق، ليحوِّل المكان إلى مضمار مليء بالعقبات.
كانت قوة وسرعة الكلام قد أثقلت على سوبارو، بل حتى بياتريس بدت متفاجئة.
«حسنًا، حسنًا. عجبًا، سوبارو، أنت حقًا عنيد وغبي بطريقة ظريفة. ولكنك لا تستطيع التورط في شجارات مع جوليوس في بريستيلا. لقد أصبحت فارسًا نبيلًا يا سوبارو، والفارس لا يلجأ إلى قوته عبثًا.»
«أعتذر، لم تتح لي الفرصة لتحذيرك. هذه المرة الثانية التي ينفجر فيها هكذا.»
وهكذا، باتت الخطوات التالية محسومة بالفعل.
أمسك أوتو برأسه وهمس بأسى في أذن سوبارو. وعندما نظر سوبارو حوله، أدرك أن غارفيل كان غاضبًا بوضوح، بينما وضعت رام على وجهها تعبيرًا يحمل معناه: ”ألم أخبركم؟“.
طرح الضيف سؤاله بصوتٍ جاف ونبرة صارمة، فأومأت الفتاة الجميلة الجالسة مقابله برأسها.
فهم أخيرًا السبب الذي جعل رام تفر من الغرفة. كانت غفلة جوشوا هنا توازي الحادثة الشهيرة لسوبارو في اجتماع مرشحي الاختيار الملكي. وبما أن حليف جوشوا الوحيد، ميمي، انشغلت بتناول الحلويات ولم تكترث بما يجري، كان واضحًا أنه يجب على شخص آخر أن يلقنه درسًا…
رغم أنه قضي كل لحظة من يومه مع بياتريس، إلا أنه ما زال يدهشه كيف لم يمل أبدًا من هذه اللحظات اليومية الصغيرة. بل إن علاقتهما تعمقت أكثر مع مرور كل يوم.
«هيي هيي. جوشوا فعلًا يحب أخوه الكبير، جوليوس، أليس كذلك؟»
باختصار، حتى بعد مرور عام كامل منذ بدء الاختيار الملكي، بقي بقية المرشحين لغزًا غامضًا. ولم يكن من الممكن كشف المزيد عنهم إلا من خلال التفاعل المباشر. وهذا كان أحد الأسباب لقبول دعوة أنستاسيا.
لكن قبل أن يلتقط أحدهم أنفاسه ليتدخل، ابتسمت إميليا في وجه جوشوا. كانت غير متأثرة بتاتًا بتصرفاته الحادة.
وبعد تلك الملاحظة التي أعادته إلى وعيه، احمر وجه جوشوا وأمسك بذيل شعره في خجل.
أخذ سوبارو يستعرض في ذهنه المرشحين الملكيين جميعهم، مع فرسانهم، ثم خلص إلى استنتاج بسيط: كل واحد منهم يمكن اعتباره غريب الأطوار بحق.
«أ-أعتذر جدًا. أنا أفقد توازني عندما يتعلق الأمر بعائلتي…»
تصرفات سوبارو المليئة بالمشاعر كانت تُراقب بصمت من قِبَل بقية ساكني القصر.
«أوه، لا داعي للاعتذار. لقد قدم لي جوليوس مساعدة كبيرة أيضًا. إذا أردت، سيكون من دواعي سروري أن أسمع المزيد عنك وعن جوليوس…»
«آااه، بالطبع نعلم ذلك. لقد كان مسـ… إنههه… مساعدة كبيرة لنا…»
«مهلًا لحظة! لنؤجل ذلك إلى وقت آخر. الآن يجب أن نركز على الأمور المهمة! أليس كذلك، أوتو، غارفيل؟!»
«هل هناك مَن هو أكثر بؤسًا منه، يا ترى؟ لقد نفد حظه منذ اللحظة التي أمسكته فيها، يا سوبارو.»
«—إيه؟!»
ومن بين أعضاء هذا الفصيل كان جوليوس جوكوليوس، الفارس الذي كانت علاقته بسوبارو معقدة للغاية. على أقل تقدير، لم تكن العلاقة بينهما على نحو يجعل سوبارو سعيدًا تمامًا برؤيته.
عندما قاطع سوبارو الحديث، وغيَّر الموضوع على نحو قسري وطلب المساعدة، كانت ردود فعل أوتو وغارفيل واضحة تمامًا، فكأنهما يفكران: ”لا تجرنا إلى هذا!“ ومع ذلك، لم يتردد الاثنان في الإيماء بالموافقة لسوبارو. وعلى الرغم من أن عيني جوشوا لمعتا للحظة، بدا أنه استعاد توازنه حيث نظف حنجرته.
أضافت إميليا كلمة قديمة أخرى إلى المحادثة ببراعة، ولكن سوبارو وافق على الرسالة على أي حال. فقد أصبحت علاقته ببياتريس طبيعية إلى حد أن هذا لم يعد يثير تعليقًا فكاهيًا من أوتو.
«حـ-حسنًا، سأروي لكم قصص مجد أخي الأكبر في مناسبة أخرى. لكن إحم… يجب أن نسرع في إنهاء هذا الموضوع، وإرجاعه إلى السيدة أنستاسيا بأسرع وقت.»
«تودُّ السيدة أنستاسيا دعوة السيدة إميليا إلى مدينة بريستيلا، مدينة البوابة المائية.»
«نعم، أتطلع لذلك… الآن، لقد أجلنا هذا لفترة طويلة، لكن لننتقل إلى القضية الأساسية…»
«مهلًا، كفي عن الحديث وكأنني خطفته ولم أتركه يرحل.»
وبينما عاد جوشوا إلى أداء دور المبعوث، عادت إميليا بسلاسة إلى وضعها كمرشحة للاختيار الملكي. على الفور، أصبح الجو في الغرفة أكثر توترًا قليلًا. بدا وكأن إميليا شخص آخر تمامًا.
قال سوبارو، وهو يخفض عينيه قليلًا بتعاطف خفيف: «هذا يجعل ريوزو مثيرة للإعجاب حقًا، لكنه ليس أمرًا تفتخر به أنت.»
لم يكن سوبارو وبياتريس الوحيدان اللذان قد نما في العام الماضي. كانت إميليا قد قضت ذلك الوقت في صقل نفسها في جميع المجالات التي يُتوقع من مرشحة للاختيار الملكي أن تتقنها.
«أفهم الآن. بالتأكيد كانت هناك أحاديث عن فارس آخر يستخدم الأرواح، على ما أظن. إذا كان هذا الشخص هو أخوك الأكبر، أقدم لك تعازيَّ.»
«— مُمثلًا عن السيدة أنستاسيا هوشين، سأقوم الآن بنقل كلمات سيدتي إليكِ، السيدة إميليا.»
«أعتذر، لم تتح لي الفرصة لتحذيرك. هذه المرة الثانية التي ينفجر فيها هكذا.»
أدى التغير الملحوظ في الأجواء إلى توتر تعبير جوشوا وهو يخرج رسالة من جيبه. نشرها على الطاولة، كاشفًا عن محتوياتها التي كُتبت بحبر أسود.
أدى التغير الملحوظ في الأجواء إلى توتر تعبير جوشوا وهو يخرج رسالة من جيبه. نشرها على الطاولة، كاشفًا عن محتوياتها التي كُتبت بحبر أسود.
«تودُّ السيدة أنستاسيا دعوة السيدة إميليا إلى مدينة بريستيلا، مدينة البوابة المائية.»
أخيرًا، صار بإمكانه أن يقف بفخر أمام معلمه الذي علَّمه الكثير.
«بريستيلا…»
—كي لا ينسى أبدًا حرارة اللهيب الذي لا يزال يحترق في صدره بلا انطفاء.
ترددت إميليا قليلًا، وظهر في عينيها ارتباك وهي تنطق اسم المدينة ببطء. لم يختلف حال سوبارو عن حالها.
مع تردد زعيمتهم في الرد، بادر أوتو بالتدخل لاستقصاء الإجابة. كان في عيني جوشوا الذهبيتين بريق من التسلية، وارتسمت على وجهه ابتسامة خفيفة.
ما الذي تخفيه هذه الدعوة المفاجئة من نوايا؟
«سيد سوبارو! بياتريس—!»
«مدينة البوابة المائية بريستيلا؟ ولماذا تطلب منا الذهاب إلى هناك؟»
قرر سوبارو أن أفضل خيار هو التحدث مع هذا المبعوث والتعرف عليه عن كثب في أقرب وقت ممكن.
مع تردد زعيمتهم في الرد، بادر أوتو بالتدخل لاستقصاء الإجابة. كان في عيني جوشوا الذهبيتين بريق من التسلية، وارتسمت على وجهه ابتسامة خفيفة.
«أتسائل حقًا… لو كنتِ مستيقظة، ريم، لا أعتقد أنكِ كنتِ ستغيرين الأمور كثيرًا. ربما لأنني فاشل في هذا الأمر برمَّته، أو لأنكِ دائمًا ما تضعينني في المقام الأول.»
في تلك اللحظة، بدا شكله وطريقة تعبيره نسخة طبق الأصل عن أخيه جوليوس، ما أثار في نفس سوبارو شعورًا سيئًا بما قد يأتي بعد ذلك.
«نعم، مضت سنة كاملة. يبدو أنكِ تستمتعين حقًا. أنا سعيد من أجلكِ.»
«يبدو أن سيدتي ترغب في دعوتكم إلى حفلة. السيدة أنستاسيا تريد دعوة السيدة إميليا بدافع حسن النية، وأيضًا لتخبركم بأنها قد عثرت على الشيء الذي تبحث عنه السيدة إميليا.»
«أفضل لو أنكِ لم تتجاهلي جزء الحب بتلك السهولة.»
«وما الذي يمكن أن يكون؟»
«سيكون هناك وقت للفطائر لاحقًا! الأهم الآن أن الأخت الكبرى إميليا تطلبك يا سيد سوبارو. وصل ضيوف… وهي تريدك أن تكون حاضرًا عند استقبالهم.»
«—!»
أضافت إميليا كلمة قديمة أخرى إلى المحادثة ببراعة، ولكن سوبارو وافق على الرسالة على أي حال. فقد أصبحت علاقته ببياتريس طبيعية إلى حد أن هذا لم يعد يثير تعليقًا فكاهيًا من أوتو.
بمجرد أن ردَّت إميليا على الطعم، جاء رد فعل أوتو فوريًا. كان واضحًا أنه يفكر: ”لقد وقعنا في الفخ!“، وسرعان ما فهم سوبارو السبب؛ فإجابة إميليا أفقدتهم الفرصة لمناقشة الأمر فيما بينهم أولًا.
«أما أنتما، فلم تتغيرا منذ لقائي بكما، وكأنكما ماء بارد يصب في وجهي!»
ومع ذلك، لم يستطع سوبارو استيعاب الأمر تمامًا بعد. وبسبب تأخرهم في التفاعل، فقدوا كل المبادرة في الحوار.
«أظن أن الأمر سيكون على ما يرام. من المؤكد أن إميليا-تان ستذهب، وطبعًا سأرافقك كفارس لك، مع بيكو كشريكتي. بعد ذلك، سيأتي غارفيل كعضلاتنا، وأوتو كمستشارنا… وبصراحة، بدافع الشفقة أيضًا. في الحقيقة، كنت أود أن نأخذ بيترا وفريدريكا معنا كإجراء احترازي، لكن…»
«—هناك تاجر متخصص في بريستيلا يملك نوعًا من البلورات السحرية عالية الجودة التي تبحث عنها السيدة إميليا. أنتم تسعون الآن للعثور على محفز لاستدعاء روح عظيمة، أليس كذلك؟»
راقب سوبارو ارتعاشة خفيفة في عينيها المغلقتين، ثم حك رأسه بصمت. لم يكن بوسعه سوى فهمٍ ضبابي لما تشعر به إميليا، مع إدراكه التام لعجزه عن تخفيف ما يثقل صدرها.
وهكذا، باتت الخطوات التالية محسومة بالفعل.
«مهلًا، سيد سوبارو. يبدو أن بياتريس قلقة حقًا.»
《٣》
«لست متأكدًا في حالتك. أعتقد أن فريدريكا سرقت منك بعضًا من ذلك.»
«أشعر بالذنب من أجل أوتو؛ لأنني قررت كل هذا بمفردي.»
أو ربما كان عدم نسيان هذا الفعل مجرد وسيلة للتأكد من عدم وجود رد—
بينما كانت تجلس وحدها مع سوبارو في غرفتها، قالت إميليا هذه الكلمات بعينين منخفضتين تحملان مسحة من الندم.
ضحك سوبارو بينما عبست بياتريس وهي ترتب شعرها المشعث.
كان سوبارو يجلس مقابلها، مرتسمًا على وجهه ابتسامة مشفقة.
كلمات إميليا وهي تقدمه كفارسها جعلت قلب سوبارو يرتجف من التأثر. ففي كل مرة يسمعها تناديه بهذا اللقب، يتذكر اللحظة التي منحته فيها هذا الشرف.
«حسنًا، صحيح أن أوتو كان مرتبكًا بعض الشيء، لكنني أتفق مع قرارك، إميليا-تان. ما يقلقني فقط هو فكرة أن نذهب إلى أرض شخص آخر دون أن نكون مستعدين على نحوٍ كافٍ.»
على الرغم من غياب جوليوس، لم يستطع سوبارو التخلص تمامًا من شعوره بالحذر. فمن الواضح أن أنستاسيا، كونها تاجرة بارزة، لن ترسل أي شخص عشوائي كمبعوث إلى إميليا؛ المنافسة في الاختيار الملكي. كانت أنستاسيا تدير شركة هوشين، وهي منظمة ضخمة مقرها مدينة كارارجي الواقعة في الغرب، وتمتع أتباعها بقدرات لا يُستهان بها سواء من حيث الكم أو النوعية.
«ولكن هل يمكن أن تفعل السيدة أنستاسيا أي شيء مريب بعد أن أرسلت شقيق جوليوس الأصغر كرسول؟ أعتقد أن ذلك سيكون خطوة خطيرة جدًا من جانبهم.»
«—هناك تاجر متخصص في بريستيلا يملك نوعًا من البلورات السحرية عالية الجودة التي تبحث عنها السيدة إميليا. أنتم تسعون الآن للعثور على محفز لاستدعاء روح عظيمة، أليس كذلك؟»
«معك حق. إرسال قريب بالدم لفارسهم يعادل الاعتراف بنا كأنداد. لطالما تساءلت لماذا لم يتعرض الرسل المهمون للأذى في درامات التايغا التي كنت أشاهدها، ومَن كان يظن أنني سأفهم الأمر من خلال تجربتي الخاصة؟»
أما سوبارو، فقد تمسك بالقوانين التي نشأ عليها في عالمه الأصلي، حيث كان شرب الكحول محظورًا في سنه. وأرجع انخراطه في تلك المرة الوحيدة التي شرب فيها في القصر إلى اندفاع شبابي غير محسوب.
فهم سوبارو الآن أن المسألة تتعلق بالسمعة. أي شخص يُعرف بعدم الموثوقية سيجد نفسه محاطًا بالأعداء بسرعة. وكان ذلك أسوأ طريقة لإدارة الأمور، سواء كنت أحد زعماء الساموراي في عصر الولايات المتحاربة، أو مرشحًا للاختيار الملكي. كان على أصحاب النفوذ توخي الحذر عند اللجوء إلى الحيل والخداع.
«هل لي أن أسأل؟ أنتِ لم تبحثي عنها فعلًا، أليس كذلك؟ فقط وقفتِ هنا وذراعاك معقودتان أمام الغرفة.»
على أي حال، كان اللقاء مع المبعوث جوشوا جوكوليوس قد انتهى بالفعل، وحلَّ المساء على قصر روزوال الجديد.
«—؟ ما الذي جعلك تقول هذا فجأة، يا ترى؟»
«سيكون من المؤسف أن تغادروا بهذه السرعة»، قالت إميليا محاولة إقناع جوشوا ورفاقه بالبقاء لليلة، لكنه رفض عرضها بأدب وغادر القصر بصحبة ميمي بعد ذلك بفترة قصيرة.
«كنتُ جادًا، يا فتاة!»
حصل على الرد الذي كان يرجوه؛ لذا لم يعد هناك ما يفعله هنا.
ابتسمت برفق وهي تراقب سوبارو يلوح بقبضته في الهواء. ثم لمست بلطف القلادة ذات البلورة السحرية الزرقاء التي استقرت على بشرتها الناعمة، متألقة بضوءها الأزرق الباهر.
«إذًا، عندما تصلون إلى بريستيلا، أرجو أن تزوروا مقر رايمنت المائي. هذا مكان… احم عفوًا، أقصد، سيكون هناك حيث تنتظركم حفلة السيدة أنستاسيا.»
في تلك اللحظة، بدا شكله وطريقة تعبيره نسخة طبق الأصل عن أخيه جوليوس، ما أثار في نفس سوبارو شعورًا سيئًا بما قد يأتي بعد ذلك.
«إلى اللقاء، غارف! سأكون في انتظارك؛ لذا تأكد من المجيء، حسنًا؟»
بما أنها كانت تتصرف بتلك الجرأة الممزوجة باللطافة، استخدم سوبارو كل قوته المكتسبة حديثًا ليرفع بياتريس ويضعها على ركبتيه، ثم أخذ يربت على رأسها كما يحلو له.
أثناء وداعهم، لم يستطع سوبارو تجاهل تعبير الارتياح الواضح على وجه جوشوا. في الوقت نفسه، كانت ميمي في مزاج رائع وهي تخاطب غارفيل على وجه الخصوص.
«هناك الكثير لأخبركِ به اليوم. ضيف غير متوقع ألقى بمشكلة كبيرة على عاتقنا. أولًا، هذا الصباح، قمت بالأمور المعتادة—»
كان غارفيل، الذي تولى مرافقة الضيوف إلى الخارج مع مراقبتهم بعين حذرة، يبدو متيقظًا، وكأن شيئًا ما يثير قلقه. ربما كان يشك في وجود دوافع خفية وراء هذه الدعوة.
رغم أن غارفيل وصفها بالطفلة، إلا أن ميمي كانت تقارب عمره. ورغم ذلك، لم يقاطع سوبارو حديثه بمزحة ساخرة؛ لأنه رأى الجدية في عيني غارفيل.
«لا يمكن أن تكون ميمي تخطط لشيء سيئ، ربما فقط تعجب بغارفيل.»
«لقد أصبح وجود بيكو في حضني أمرًا طبيعيًا بالنسبة لي لدرجة أنني فعلت ذلك دون تفكير.»
«ميمي تبدو معجبة جدًا بغارفيل… لدرجة أنني أشعر بشيء من الغيرة.»
بينما كان سوبارو يتحدث بجدية، بدا غارفيل وكأنه يتولى مسؤولية الرعاية، في حين أبدى أوتو تذمره وهو يرتشف النبيذ شيئًا فشيئًا.
«نعم، لا شك أنها تتصدر قائمة الكائنات الظريفة. لم أتحدث مع جوشوا طويلًا، لكنني أشعر أنه قد يكون أيسر في التعامل مقارنةً بأخيه الأكبر.»
«مدينة البوابة المائية بريستيلا؟ ولماذا تطلب منا الذهاب إلى هناك؟»
نظرت إميليا إليه بملامح ماكرة وقالت: «يا لك من عنيد، سوبارو. هل ما زلت تحمل ضغينة بسبب شجارك مع جوليوس في القلعة؟»
كان أوتو، مثل سوبارو، واحدًا من أولئك الذين لا يعرفون متى يتوقفون.
ارتعش وجه سوبارو حين عادت الذكرى السيئة إلى ذهنه، وردَّ قائلًا: «لن أنكر أنني لم أصل بعد إلى مرحلة أستطيع فيها الضحك على ذلك. كنت صغيرًا وقتها، وأعرف الآن ما هو أفضل… لكنني ما زلت أعتقد أنه تجاوز الحدود!»
«سوبارو، توقف عن صنع هذا الوجه الغريب. سيظن الناس أن هناك خطبًا بك… ولماذا تمسك بيدي بهذه القوة، يا ترى؟ انتظر، هذا مؤلم! آه، كفى! أووو!!»
«التمسك بالماضي بهذا الشكل ليس شيئًا رائعًا، خاصة وأنكما تصالحتما بالفعل.»
بالتعامل مع التحديات بجدية، تحول المكان إلى نوع من التدريب القاسي، لكنه أيضًا أصبح مكانًا للتسلية لمَن ينظر إليه بعين المرح. حمل هذا المزيج في طياته إمكانيات كبيرة، وتحوله إلى وجهة محببة للأطفال كان خطأً سعيدًا ليس مقصودًا.
«نغهههه… لكنني مجرد إنسان!»
«أوه، لا داعي للاعتذار. لقد قدم لي جوليوس مساعدة كبيرة أيضًا. إذا أردت، سيكون من دواعي سروري أن أسمع المزيد عنك وعن جوليوس…»
أدار سوبارو رأسه بعناد مبتعدًا، بينما ظلت إميليا تحدق به بوجهها البريء. لم تلبث طويلًا حتى خارت قواها وانفجرت ضاحكة.
مدفوعًا برغبة الحصول على مساحة يطلق عليها ملاذه الخاص، قام بتخصيص قطعة لا بأس بها من الغابة لهذا الغرض. ومن خلال استخدام أخشاب الأشجار التي قطعها، أنشأ مجموعة من التحديات، بما في ذلك حواجز للقفز فوقها وعوائق للتسلق، ليحوِّل المكان إلى مضمار مليء بالعقبات.
«حسنًا، حسنًا. عجبًا، سوبارو، أنت حقًا عنيد وغبي بطريقة ظريفة. ولكنك لا تستطيع التورط في شجارات مع جوليوس في بريستيلا. لقد أصبحت فارسًا نبيلًا يا سوبارو، والفارس لا يلجأ إلى قوته عبثًا.»
«ميمي تبدو معجبة جدًا بغارفيل… لدرجة أنني أشعر بشيء من الغيرة.»
«كما تأمرين، سيدتي. الحكمة دائمًا على لسانك.»
قال ذلك ثم رفع كوبه من الحليب وشربه دفعة واحدة، ضاحكًا بينما كان الحليب يلطخ شفتيه.
حاول سوبارو إخفاء إحراجه، فوضع إصبعه على أنفه كأنه يمزح.
لكن كلمات سوبارو لم تجد صدى لدى أوتو، الذي ازداد غضبه وهو يتمتم بكلمات غير واضحة: «النتيجة ليست كل شيء! العملية نفسها مهمة للغاية. أن نقرر نتيجة النقاش قبل خوضه… هذا هراء محض! ولهذا كنت دائمًا أصر على ألا نتخلى عن زمام المبادرة تحت أي ظرف… ولكننا وقعنا تمامًا في فخ خصمنا! كان ذلك أسوأ ما يمكن فعله!»
«على أي حال، لا أعرف الكثير عن بريستيلا، لكنها مدينة مشهورة، أليس كذلك؟»
وثق سوبارو بكروش لسماتها الشخصية المتميزة. ومع ذلك، بعد فقدانها للذاكرة بسبب مواجهتها مع الشراهة، لم يتبق له سوى الاعتماد على جوهر شخصيتها وخصالها الفطرية. أما فيريس، فقد كان خطرًا بطبيعته؛ لأنه على استعداد لفعل أي شيء من أجل كروش. ولم تكن مشكلات ويلهيلم المتعلقة بزوجته الراحلة أقل تعقيدًا، إذ جعلت منه عنصرًا غير مضمون.
«يبدو أنك لم تدرس جيدًا. بريستيلا واحدة من المدن الكبرى الخمس في لوغونيكا، وتقع على حدود المملكة مع المدينة- دولة كاراراجي. إنها مدينة رائعة الجمال، مليئة بالقنوات المائية.»
«للأسف، سواء كان ذلك للأفضل أو الأسوأ، فإن لكل مرشح في الاختيار الملكي صفاته الفريدة التي تجعل من الصعب الوثوق بهم تمامًا. بصراحة، ليس هناك مرشح واحد، سواء كان سيدًا أو خادمًا، يمكن الوثوق به بنسبة مئة بالمئة، حتى في أفضل الظروف.»
«هذا مثير. وصفك يجعلني أرغب في طباعة منشور دعائي عنها. ولكن مدينة تطفو فوق الماء، هاه؟ تذكرني بمدينة البندقية. لا شك أن هذا يجعلها مكانًا مذهلًا.»
«طبعًا. أليس من واجبي كشريكة أن أثني على اجتهادك يومًا بعد يوم، يا ترى؟ إلى جانب ذلك، أصرت بيترا بشدة على أن أحضر لك منشفة.»
استدعى سوبارو في مخيلته صور المدن المائية في عالمه، ولم يكن أمامه سوى أن يتذكر البندقية، تلك المدينة التي تشق قنواتها الماء وسط شوارع مرصوفة بالحجارة، مما جعلها مكانًا ساحرًا يستحق الزيارة. لكن، ما خطرت في باله هذه الصورة حتى أفسدتها الحقائق.
«ناه، سوبارو، الأمر ليس كما تتخيل. بريستيلا ليست مدينة تطفو على الماء. تُعرف عادة باسم مدينة بوابة المياه.»
بعد أن استقام وصحح تعابير وجهه، وضع يده اليمنى على صدره، محاولًا تهدئة دقات قلبه المتسارعة.
«مهلًا، ماذا؟!»
«السيد ناتسوكي، أليس كذلك؟ سمعت عنك من أخي الأكبر، وكذلك من… لنقل، بعض الإشاعات المختلفة.»
«نعم، بريستيلا تقع وسط بحيرة؛ لذا تغمرها المياه عند سقوط الأمطار. ولهذا السبب، بنيت جدران عالية لحمايتها، وأقيمت عدة بوابات مائية للتحكم في مستوى المياه. هذه البوابات هي ما يجعل المدينة تحمل هذا الاسم.»
محاطًا بهذه الوجوه، ومع صمته الذي بدا أنه طال أكثر مما ينبغي، نهض الضيف أخيرًا وانحنى برأسه تحيةً.
«بطريقة ما، تغيرت صورة المدينة في ذهني فورًا، من مدينة ساحرة وسط الماء إلى ما يشبه سجنًا مائيًا.»
قال سوبارو، وهو يخفض عينيه قليلًا بتعاطف خفيف: «هذا يجعل ريوزو مثيرة للإعجاب حقًا، لكنه ليس أمرًا تفتخر به أنت.»
لقد تحطمت صورته الذهنية عن المدينة الساحرة عندما علم بالأسوار العالية. تساءل في نفسه لماذا قد يختار أي شخص بناء مدينة على أرض تتطلب كل هذه الاحتياطات الجذرية.
«على أي حال، إذا كنا سنتجاوب مع هذه الدعوة، فمن الأفضل أن نبقى على حذر. هذا يعني أنه ممنوع على القائد والسيدة إميليا التحرك بمفردهما. أما بالنسبة لأوتو، فربما يكون استثناءً، لكن إذا حدث شيء للقائد أو للسيدة، فكل شيء سينهار.»
«وفي النهاية، ما زلنا لا نملك أدنى فكرة عن سبب دعوة أنستاسيا لنا إلى مكان كهذا… من الصعب تصديق أنها دعوة اجتماعية بحتة.»
«لا يوجد أي ضمان بأن تجد مكانًا تقضي فيه بقية حياتك بعد هذه المحطة.»
«همم، ولكن، ألا يمكننا أن نصدق أنها ربما تريد فعلًا بناء علاقة جيدة؟»
«اهدأ يا أخي. سوف تسكب مشروبك. والقائد، لا تزعجه أكثر من اللازم، حسنًا؟ آخر مرة، اتفقنا على عشرة أوتوز يوميًا.»
«للأسف، سواء كان ذلك للأفضل أو الأسوأ، فإن لكل مرشح في الاختيار الملكي صفاته الفريدة التي تجعل من الصعب الوثوق بهم تمامًا. بصراحة، ليس هناك مرشح واحد، سواء كان سيدًا أو خادمًا، يمكن الوثوق به بنسبة مئة بالمئة، حتى في أفضل الظروف.»
ليس لديه كلمات تعبر عن السعادة التي شعر بها وهو يراها واثقةً من نفسها ومليئة بالحيوية كل يوم. كان هناك فقط دفء عميق وغير قابل للوصف ينبعث من صدره.
أخذ سوبارو يستعرض في ذهنه المرشحين الملكيين جميعهم، مع فرسانهم، ثم خلص إلى استنتاج بسيط: كل واحد منهم يمكن اعتباره غريب الأطوار بحق.
«يـ-يبدو وكأنه سعيد للغاية لسبب ما…»
وثق سوبارو بكروش لسماتها الشخصية المتميزة. ومع ذلك، بعد فقدانها للذاكرة بسبب مواجهتها مع الشراهة، لم يتبق له سوى الاعتماد على جوهر شخصيتها وخصالها الفطرية. أما فيريس، فقد كان خطرًا بطبيعته؛ لأنه على استعداد لفعل أي شيء من أجل كروش. ولم تكن مشكلات ويلهيلم المتعلقة بزوجته الراحلة أقل تعقيدًا، إذ جعلت منه عنصرًا غير مضمون.
أشار جوشوا إليها، بينما حركت بياتريس رأسها بفضول.
أما أنستاسيا، فقد بقيت أفكارها غامضة بالنسبة له، ولم يكن قادرًا على فك شفرة دوافعها، بما في ذلك الدعوة التي كانوا ينظرون فيها آنذاك. وعلى الرغم من أن سوبارو، على مضض شديد، بدأ يثق بجوليوس، إلا أن ذلك لم يغير حقيقة أن زعيمة الفصيل كانت أنستاسيا نفسها. كما أن جيشها الخاص، الأنياب الحديدية، كان قوة لا يمكن الاستهانة بها.
كان سوبارو يجلس مقابلها، مرتسمًا على وجهه ابتسامة مشفقة.
في معسكر فيلت، كان وجود راينهارد والعجوز روم يمنح شعورًا معينًا بالثقة، لكن ذلك لم يكن كافيًا، إذ ظل سوبارو عاجزًا عن فهم شخصية فيلت. وإن لم يكن هناك شيء آخر، فإن التزامها الكامل بالمشاركة في الاختيار الملكي جعل الحذر عند التعامل معها أمرًا لا مفر منه. تلك الفتاة المفعمة بالحيوية والمكر تتطلب يقظة دائمة، وإذا أقامت رابطة وثيقة مع راينهارد، فإن احتمالات التفوق عليها ستصبح ضئيلة للغاية.
«هل لي أن أسأل؟ أنتِ لم تبحثي عنها فعلًا، أليس كذلك؟ فقط وقفتِ هنا وذراعاك معقودتان أمام الغرفة.»
أما معسكر بريسيلا، فكان الأكثر صعوبة على الإطلاق في التنبؤ بتصرفاته.
«قد يبدو هذا المكان ممتعًا، لكن بمجرد أن يحاول أحدهم تجاوز جميع الحواجز ضمن المهلة المحددة، فإن تصميمه القاسي سيجعل حتى الكبار يبكون… لقد صنعت شيئًا وحشيًا.»
لم يكن هناك مجال للحديث عن الثقة أو الإيمان بين سيدة المعسكر وخادمها. على الرغم من أن آل، فارس بريسيلا، ينتمي إلى نفس موطن سوبارو، إلا أن ولاءه القوي لها جعله بعيدًا عن تقديم أي معاملة خاصة لسوبارو. أما بريسيلا نفسها، بشخصيتها المتقلبة وغير العقلانية، فقد كانت أشبه بكارثة طبيعية لا يمكن توقعها.
«لا تبدئي المشاكل فجأة! علاوة على ذلك، قوتي لا يمكن مقارنتها مع قوة جوليوس. ليس لديَّ أدنى فرصة ضده في معركة متكافئة. مَن يذهب لتحدي أساتذة الألغاز في لعبة ألغاز؟ بالتأكيد التحدي يجب أن يكون في لعبة سحق الإخوة، هذا هو السبيل للفوز.»
باختصار، حتى بعد مرور عام كامل منذ بدء الاختيار الملكي، بقي بقية المرشحين لغزًا غامضًا. ولم يكن من الممكن كشف المزيد عنهم إلا من خلال التفاعل المباشر. وهذا كان أحد الأسباب لقبول دعوة أنستاسيا.
عندما حاول سوبارو تهدئة أوتو قائلًا: «لا تكن شديد الحساسية حيال الأمر. إميليا تشعر بالندم على ما حدث. أنا آسف لأننا تقدمنا دون استشارتك مسبقًا. على أي حال، أعتقد أن النتيجة كانت ستظل كما هي حتى لو تحدثت إليك.»
قال سوبارو متذمرًا بشفتين مائلة: «لا أخفي خوفي من فكرة أن نصبح مدينين لأنستاسيا. كيف عرفوا ما تحتاجه إميليا-تان؟»
تدخل سوبارو وهو يراقب الكتابة قائلًا بابتسامة ساخرة: «واو، خطك رهيب للغاية. هل ستتمكن ريوزو حقًا من قراءة هذه الرسالة؟»
كان يشير بذلك إلى البلورة السحرية التي ذكرها جوشوا كوسيلة للمساومة. تلك البلورة النقية كانت بمثابة الحافز الذي احتاجته إميليا لتشكيل عهد جديد مع باك.
«مجرد حجة واهية. الجو داخل الغرفة لا يُطاق. وإذا لم تُسرع بالدخول، فسيموت أوتو من شدة القلق.»
فبعد أن استنفد باك كل طاقته السحرية وسقط في سبات عميق، أصبحت الحاجة إلى بلورة سحرية قوية أمرًا لا بد منه لإيقاظه. وعلى مدار عام كامل، بحثت إميليا بلا كلل عن واحدة مناسبة، ولكن دون جدوى.
استعاد سوبارو وبياتريس في ذهنَيهما رد فعل أوتو الفاتر تمامًا تجاه هذه الفكرة.
«كل مَن في القصر رأى باك، وهم يعرفون أنني ساحرة أرواح. حاولنا إبقاء أمر البلورة سرًا، ولكن يبدو أنه كان من المستحيل إخفاؤه تمامًا.»
«لم يمر وقت طويل منذ تلك اللحظة، لكن كل يوم هو معركة جديدة! يومًا ما، بلا شك، سأستسلم للبرد وألم المعدة! أيضًا، سمعت حديثك مع غارفييل في وقتٍ سابق!»
«هذا يعني أن الناس لم يحتفظوا بالأمر لأنفسهم. وعلى أي حال، حتى لو نجحنا في إعادة باك، فإن ذلك بالنسبة للآخرين سيعني أننا عدنا إلى نقطة البداية. بالنسبة لهم، إنها فرصة جيدة لجعلنا مدينين لهم.»
«مستحيل. ليلة سعيدة.»
ومع ذلك، فإن عودة باك ستكون بمثابة دفعة معنوية لا تُقدر بثمن لإميليا.
كان قرار سوبارو يستند إلى مبدأ وضع الشخص المناسب في المكان المناسب. حتى لو بذل سوبارو أقصى جهده حتى الموت، فلن يصل أبدًا إلى مستوى قوة غارفيل، وحتى لو تخلى عن نومه ليلاً، لن يبلغ أبدًا كفاءة أوتو كمسؤول.
فضلًا عن ذلك، فإن قدرتها القتالية سترتفع أيضًا، وإن كان ذلك مجرد تفصيل إضافي.
لم تبدو ميمي من النوع الذي يعتمد على الحيل أو التخطيط الخفي. وبالنسبة لرفيقها، جوشوا، فلم يكن مناسبًا للشر على الإطلاق، وهو أمر إيجابي بالطبع.
أداؤها الفردي في المعارك لن يكون له تأثير كبير على نتيجة الاختيار الملكي، ولكن عودة باك ستضفي مصداقية أكبر على ادعاءات معسكرها بالتغلب على الأرنب العظيم، ذلك الكائن الذي يعتبر في نظر الكثيرين مجرد أسطورة مرعبة.
«هل هناك مَن هو أكثر بؤسًا منه، يا ترى؟ لقد نفد حظه منذ اللحظة التي أمسكته فيها، يا سوبارو.»
ــ الأرنب العظيم، أحد الوحوش الشيطانية الثلاثة العظمى التي تم القضاء عليها في الملجأ.
«طبعًا. أليس من واجبي كشريكة أن أثني على اجتهادك يومًا بعد يوم، يا ترى؟ إلى جانب ذلك، أصرت بيترا بشدة على أن أحضر لك منشفة.»
على عكس مطاردة الحوت الأبيض ومعركة الكسل، لم تعترف العامة بمواجهتهم للأرنب العظيم. إذ لم يكن هناك أي شهود محايدين، وتم نفي الأرنب العظيم إلى بُعد آخر، دون أن يترك أي أثر وراءه.
كانت تلك الذكرى الجميلة دائمًا ما تبعث القوة في قلبه الهش والمتقلب.
أيقن سوبارو ومن معه منذ وقت طويل أن كلماتهم لن تلقى التصديق، مهما بذلوا من جهد لإقناع العامة. وإذا لم يظهر الأرنب العظيم لعدة سنوات بعد ذلك، فقد يعزز تقرير رسمي مصداقية ادعائهم، لكن احتمال انتهاء الاختيار الملكي قبل تحقق ذلك كان قائمًا وبشدة.
«حقًا؟ يسعدني أنها أفادتك. في الواقع، فكرت في تبريدها باستخدام الثلج، لكن لم يكن هناك وقت، لذا طلبت المساعدة من الأخت الكبرى إميليا.»
«حسنًا، من الصعب أن يصدق أحد أننا واجهنا اثنين من الوحوش الشيطانية العظمى في فترة قصيرة، فضلًا عن أننا قضينا عليهما. على الأقل، يمكننا أن ندعو ألا يظهر الثالث أيضًا.»
«حسنًا، لم أكن أخفيه على نحوٍ خاص. لا أنوي إخفاء شيء عنك إذا استطعت.»
«—أتفق معك تمامًا.»
كانت تلك الذكرى الجميلة دائمًا ما تبعث القوة في قلبه الهش والمتقلب.
كان الوحش الأسطوري الثالث يُعرف باسم الأفعى السوداء. ورغم إيمانه بقوة الكلمات، تمنى سوبارو بكل ما أوتي من عزم ألا يواجه هذا المخلوق على الإطلاق. إلا أن إجابة إميليا حملت ترددًا غريبًا.
«هذا يعني أن الناس لم يحتفظوا بالأمر لأنفسهم. وعلى أي حال، حتى لو نجحنا في إعادة باك، فإن ذلك بالنسبة للآخرين سيعني أننا عدنا إلى نقطة البداية. بالنسبة لهم، إنها فرصة جيدة لجعلنا مدينين لهم.»
لو لم يكن يعرفها جيدًا، لظن أنها تخفي شيئًا يتعلق بهذه الأفعى السوداء…
«للتذكير فقط، بدوني، كل شيء سيتوقف تمامًا، هل فهمت؟! يا للعجب، أتمنى لو تفهم هذا وتقدِّرني أكثر!»
«على كل حال، بخصوص بريستيلا…»
في الماضي، سخر سوبارو من كل هذه الطقوس المسرحية الخاصة بالفرسان، لكن بمجرد أن جربها بنفسه، وجد نفسه مأخوذًا بسحرها.
انتقلت إلى الموضوع التالي قبل أن يتمكن من المتابعة. كان تصرفها كاشفًا لرغبتها في تجنب الحديث عن الأمر، مما أثار في نفسه شعورًا بعدم الارتياح. غير أن معرفته العميقة بقلبها علمته أن الضغط عليها في مثل هذه اللحظات لن يؤدي إلا إلى نتائج عكسية.
رغم كفاءته وشخصيته الجديرة بالإعجاب، إلا أن سوبارو كان لديه تحفظ واضح—
«هل تعتقد أنه من المناسب أن نقبل الدعوة ونذهب معًا كما ناقشنا من قبل؟»
«نعم، هذا صحيح.»
«أظن أن الأمر سيكون على ما يرام. من المؤكد أن إميليا-تان ستذهب، وطبعًا سأرافقك كفارس لك، مع بيكو كشريكتي. بعد ذلك، سيأتي غارفيل كعضلاتنا، وأوتو كمستشارنا… وبصراحة، بدافع الشفقة أيضًا. في الحقيقة، كنت أود أن نأخذ بيترا وفريدريكا معنا كإجراء احترازي، لكن…»
تسبب انفتاح إميليا البريء على نحو مدهش في إجبار سوبارو على الخضوع سريعًا.
«تعرف أننا لا يمكننا ذلك. روزوال مشغول بجمع النبلاء الغربيين لعقد اجتماع، وقد تقرر بالفعل أن تذهب بيترا معه كجزء من تعليمها… مع أنها لم تكن سعيدة بذلك إطلاقًا.»
كان مستغرقًا في أفكاره لدرجة أنه كاد أن يسحق يد بياتريس الصغيرة دون قصد.
«هذا لأن كره بيترا لروزوال متجذر فيها. رام لا تقول شيئًا لأن روزوال يجد الأمر مضحكًا، لكن قلبي دائمًا يرتجف عندما أشاهد تفاعلاتهم.»
«أظن أن احتمالية أن تنقلب هذه الطريقة ضدكم مرتفعة للغاية!!»
كانت مشاعر عدم الثقة التي تكنها بيترا لروزوال قد ترسخت فيها بعد سلسلة الأحداث التي وقعت في الملجأ. وبلغت هذه المشاعر حدًا يمكن معه تخيل أنها قد تعصر منشفة مبللة فوق الشاي الذي تقدمه له.
«لا يوجد ما يضمن أنك ستجد مكانا تقضي فيه بقية حياتك بعد هذه المحطة.»
بالطبع، حتى لو شاهدها سوبارو تفعل ذلك، فإنه كان سيتظاهر بعدم رؤية شيء، حفاظًا على مشاعرها.
«مهلًا، سيد سوبارو. يبدو أن بياتريس قلقة حقًا.»
«ثم لأننا نحتاج إلى أن تحضر فريدريكا أيضًا لمراقبتها، ستبقى رام وحدها في القصر… وهـــذا يجعلني قلقًا الآن.»
«لا داعي للقلق، سوبارو. فالقصر لا يزال فيه—»
كان لا بد من الإشادة بلامبالاتها الكاملة تجاه كونها في حضرة الضيوف، رغم أنها من المفترض أن تكون خادمة مثالية.
لكنها توقفت فجأة وخفضت عينيها البنفسجيتين. عرف سوبارو جيدًا الكلمات التي حاولت قولها. ليس هناك شك في أن رام لن تتهاون في أداء واجباتها، فلديها أسباب كافية لتجنب ذلك.
«بففففف… يا-يا له من تعليق رائع… مزحة لا تقدر بثمن.»
«حسنًا، لنقلل من قلقنا بشأن القصر ونركز على ما أمامنا… أليس كذلك، إميليا-تان؟»
لكن الموقع الذي يقف فيه سوبارو ناتسوكي لم يكن بمثل هذا التهاون الذي يسمح له بالاستسلام بسهولة.
«مم، هذا صحيح. وأيضًا، أحتاج للاعتذار لأوتو لأنني تجاوزت النقاش دون إشراكه.»
هكذا، تحوّل حديثهم الذي كان جادًا في البداية إلى نقاشات خفيفة، مما أضفى جوًا من المرح بينما كانت الليلة تمضي وتزداد عمقًا.
«أوتو ليس من النوع الذي يأخذ الأمور على محمل شخصي، لكنه بالتأكيد من النوع الذي يطيل النقاش. دعيني أتحدث معه. سأخبره أنني وبختك حتى أجهشت بالبكاء.»
أُعجب سوبارو ببيترا، التي رغم كونها خادمة، لم تجد حرجًا في طلب المساعدة من سيدة المنزل.
«تيي هيي، شكرًا لك.»
«مدينة البوابة المائية بريستيلا؟ ولماذا تطلب منا الذهاب إلى هناك؟»
ابتسمت برفق وهي تراقب سوبارو يلوح بقبضته في الهواء. ثم لمست بلطف القلادة ذات البلورة السحرية الزرقاء التي استقرت على بشرتها الناعمة، متألقة بضوءها الأزرق الباهر.
«حسنًا، بوجود السيدة إميليا وبياتريش، ستكون الأمور على ما يرام يا جنرال. وأعتقد أن ذلك يعني أنني يجب أن أحمي أخانا. فقط كن حذرًا، حسنًا؟»
كانت تلك البلورة مهدًا لروح باك العظيم النائمة.
إنها صلتها بذلك الفرد من عائلتها الذي لا تزال تعرف يقينًا بوجوده، لكنها في الوقت الحاضر عاجزة عن التواصل معه. مررت إميليا إصبعها الرشيق برفق على سطح البلورة، كأنما تتمنى لو أن بإمكانها الحديث إليه مجددًا.
إنها صلتها بذلك الفرد من عائلتها الذي لا تزال تعرف يقينًا بوجوده، لكنها في الوقت الحاضر عاجزة عن التواصل معه. مررت إميليا إصبعها الرشيق برفق على سطح البلورة، كأنما تتمنى لو أن بإمكانها الحديث إليه مجددًا.
«صحيح، عملي وأنيق! رغم أنني لا أفهم معنى هذا.»
«أريد التحدث إلى باك… هناك الكثير مما أود أن أسأله عنه. ولهذا السبب…»
عندما أبرما عقدهما لأول مرة، ظن أنه أحبها بقدر ما يمكن أن يحبها إنسان، لكنه ظل يراجع هذا الافتراض يومًا بعد يوم. ما يُعرف بمذكرات تطوير بيكو -وهي سجل للأيام التي قضاها مع بياتريس- وصل بالفعل إلى جزئه الخامس. كان سوبارو متحمسًا لمعرفة إلى أين ستقودهما علاقتهما.
لكنها صمتت فجأة، مغمضةً عينيها الطويلتي الرموش، تاركةً بقية أفكارها حبيسة صدرها.
وهكذا، باتت الخطوات التالية محسومة بالفعل.
راقب سوبارو ارتعاشة خفيفة في عينيها المغلقتين، ثم حك رأسه بصمت. لم يكن بوسعه سوى فهمٍ ضبابي لما تشعر به إميليا، مع إدراكه التام لعجزه عن تخفيف ما يثقل صدرها.
«—أتفق معك تمامًا.»
«عُد سريعًا، أيها الروح القط المشاكس. لديَّ جبل من الشكاوى باسمه.»
رسمت نبرة صوتها ونظرتها المُحبطة ابتسامة ساخرة على وجه سوبارو. حينها تذكر المنشفة الملفوفة حول عنقه.
على الرغم من نبرته الساخرة، كان سوبارو فارس إميليا الوفي، وكان يتمنى بصدق أن تتحقق أمنيتها.
«مم، هذا صحيح. وأيضًا، أحتاج للاعتذار لأوتو لأنني تجاوزت النقاش دون إشراكه.»
《٤》
لم يكن هناك مجال للحديث عن الثقة أو الإيمان بين سيدة المعسكر وخادمها. على الرغم من أن آل، فارس بريسيلا، ينتمي إلى نفس موطن سوبارو، إلا أن ولاءه القوي لها جعله بعيدًا عن تقديم أي معاملة خاصة لسوبارو. أما بريسيلا نفسها، بشخصيتها المتقلبة وغير العقلانية، فقد كانت أشبه بكارثة طبيعية لا يمكن توقعها.
«لتعلم أنني دائمًا أحاول القيام بما هو في صالح الجميع!»
«لقد أصبح وجود بيكو في حضني أمرًا طبيعيًا بالنسبة لي لدرجة أنني فعلت ذلك دون تفكير.»
قال أوتو وهو يضرب كأس النبيذ على الطاولة بانفعال.
«… هل أنت متأكد؟ أعترف بأن ميمي قوية جدًا، ومن الصحيح أنها تتحدث وكأنها عاشقة للقتال، لكن، امم…».
في تلك الليلة، وبينما كان سوبارو يزور أوتو سوين في غرفته بعد حديثه مع إميليا وتناولهما العشاء، وجد نفسه أمام مستشار المعسكر الغارق في كأس النبيذ ومجموعة من الشكاوى التي بدا عازمًا على البوح بها حتى آخرها.
لقد كانت تحية سوبارو مؤثرة بالنسبة للجميع في الغرفة، باستثناء الضيف. أما ابتسامة إميليا الفخورة، فقد كانت كافية لتعزيز معنوياته إلى حدٍ كبير.
«لقد استمر في الثرثرة طوال الوقت. حتى أذناي بدأتا تؤلمانني.»
«عندما قابلتها لأول مرة، ظلت تنظر إليَّ نظرة طويلة جدًا. استمرت في ذلك طوال الوقت الذي كنا نتحدث فيه. لا شك في أنها كانت تحاول معرفة أفضل لحظة لتشتبك معي.»
على الجانب الآخر من الغرفة، جلس غارفيل عند مكتب العمل الخاص بأوتو، ممسكًا قلمًا بريشة ومظهرًا تعبيرًا مشوبًا بالإرهاق، بينما يحتسي الحليب ببطء من كأسه.
«هل يمكنكِ تذكري بطريقة أقل إزعاجًا، يا ترى؟!»
رغم غمره بالعرق، أشرق وجهه بفرحة الانتصار التي دفعته للصياح بفخر.
احتفل غارفيل بعيد ميلاده الخامس عشر مؤخرًا، مما جعله مؤهلًا قانونيًا لشرب الكحول وفق قوانين المملكة. إلا أن ضعفه أمام المشروبات الكحولية كان أمرًا مفاجئًا. فمنذ أن أغواه أوتو لتجربة النبيذ ذات مرة وأثقل رأسه حتى الثمالة -وهو ما جعله يتلقى نظرات غاضبة من رام- أصبح منظر زجاجة النبيذ كافيًا ليجعله يقطب جبينه.
«ولا تكثر من الشرب، أوتو. إن كنت تعتقد أن البقاء بلا فائدة مع صداع الكحول سيمر مرور الكرام، فستكتشف أن بيترا قد تصبح مخيفة للغاية.»
أما سوبارو، فقد تمسك بالقوانين التي نشأ عليها في عالمه الأصلي، حيث كان شرب الكحول محظورًا في سنه. وأرجع انخراطه في تلك المرة الوحيدة التي شرب فيها في القصر إلى اندفاع شبابي غير محسوب.
عقد سوبارو ذراعيه، مستشعرًا أن حدسه في هذا الأمر كان في محله.
عندما حاول سوبارو تهدئة أوتو قائلًا: «لا تكن شديد الحساسية حيال الأمر. إميليا تشعر بالندم على ما حدث. أنا آسف لأننا تقدمنا دون استشارتك مسبقًا. على أي حال، أعتقد أن النتيجة كانت ستظل كما هي حتى لو تحدثت إليك.»
«العام الماضي، جاء غريب بوجه قاسٍ إلى القرية. ظننت أنه شخص غريب، لكنني كنت مخطئة تمامًا، لذا…»
لكن كلمات سوبارو لم تجد صدى لدى أوتو، الذي ازداد غضبه وهو يتمتم بكلمات غير واضحة: «النتيجة ليست كل شيء! العملية نفسها مهمة للغاية. أن نقرر نتيجة النقاش قبل خوضه… هذا هراء محض! ولهذا كنت دائمًا أصر على ألا نتخلى عن زمام المبادرة تحت أي ظرف… ولكننا وقعنا تمامًا في فخ خصمنا! كان ذلك أسوأ ما يمكن فعله!»
«ضيوف غير متوقعين، واللطيفة إميليا تان تستدعيني… ألا يبدو أن شيئًا ما على وشك الحدوث؟»
على الرغم من سُكره، كانت حجة أوتو متماسكة على نحو مدهش، ما أثار إعجاب سوبارو رغم انزعاجه من الانفعال.
«أوتو ليس من النوع الذي يأخذ الأمور على محمل شخصي، لكنه بالتأكيد من النوع الذي يطيل النقاش. دعيني أتحدث معه. سأخبره أنني وبختك حتى أجهشت بالبكاء.»
قال سوبارو وهو يبتسم: «لقد أصبحت مستشارًا ماهرًا تمامًا. إنكارك لذلك في كل مرة صار مزحة مألوفة الآن.»
قال سوبارو، وهو يخفض عينيه قليلًا بتعاطف خفيف: «هذا يجعل ريوزو مثيرة للإعجاب حقًا، لكنه ليس أمرًا تفتخر به أنت.»
«نعم، لم تتغير إطلاقًا، وهذا ما يجعل الأمر مملًا، أخي.»
«لا أعتقد أن هناك ما يدعو للقلق بهذا الشأن، على ما أظن. لديَّ ثقة كبيرة بأنني محبوبة.»
«أما أنتما، فلم تتغيرا منذ لقائي بكما، وكأنكما ماء بارد يصب في وجهي!»
رفع غارفيل قلمه مشيرًا إلى الجزء الذي ذكر فيه أوتو، ما جعل الأخير يعقد حاجبيه بانزعاج، ثم وجه حديثه لسوبارو.
ضحك سوبارو وغارفيل عاليًا وهما يتبادلان صفعةً ودية على كفيهما.
«تعرف أننا لا يمكننا ذلك. روزوال مشغول بجمع النبلاء الغربيين لعقد اجتماع، وقد تقرر بالفعل أن تذهب بيترا معه كجزء من تعليمها… مع أنها لم تكن سعيدة بذلك إطلاقًا.»
كانت الصداقة التي تجمع الثلاثة، بحكم تقارب أعمارهم، تحمل طابعًا خاصًا جعلهم يقضون وقتًا طويلًا معًا في القصر. بمرور الأيام، تحولت مناكفاتهم وتبادلهم للضحكات إلى طقس مألوف يتقنونه بأسلوب يبعث على الألفة.
«تعرف أننا لا يمكننا ذلك. روزوال مشغول بجمع النبلاء الغربيين لعقد اجتماع، وقد تقرر بالفعل أن تذهب بيترا معه كجزء من تعليمها… مع أنها لم تكن سعيدة بذلك إطلاقًا.»
أما أوتو، فكان يقضي أيامه مستشارًا رئيسيًا في معسكر إميليا. بفضل تعليمه الرسمي الذي تلقاه كابن لعائلة تجارية، وخبراته العملية كتاجر متنقل، كان إضافة لا تقدر بثمن للفريق. وكانت معجزةً أنهم صادفوه قبل أن يتعرض لخداع أو يُلقى به مهملًا على جانب الطريق، أو حتى يُباع عبدًا.
«نعم، بريستيلا تقع وسط بحيرة؛ لذا تغمرها المياه عند سقوط الأمطار. ولهذا السبب، بنيت جدران عالية لحمايتها، وأقيمت عدة بوابات مائية للتحكم في مستوى المياه. هذه البوابات هي ما يجعل المدينة تحمل هذا الاسم.»
ومع ذلك، وعلى الرغم من تأديته لدوره كأمين سر بكفاءة، كان أوتو يهمس أحيانًا لنفسه قائلًا: «لم يكن من المفترض أن تكون الأمور هكذا…»
«نعم، هذا صحيح.»
كان أوتو، مثل سوبارو، واحدًا من أولئك الذين لا يعرفون متى يتوقفون.
ردَّ غارفيل بينما كان سوبارو ينهض من مكانه، مشيرًا إلى لوحة اللعبة الموجودة على الطاولة. كانت الشطرنج لعبة مشابهة للشطرنج الغربي أو الشوجي الياباني. كان أوتو ماهرًا في هذه اللعبة، وحماس غارفيل لتحديه في حالته الضعيفة يشير إلى أنه كان في سلسلة هزائم طويلة.
«وما معنى تلك النظرة المشفقة في عينيك؟»
قال سوبارو متذمرًا بشفتين مائلة: «لا أخفي خوفي من فكرة أن نصبح مدينين لأنستاسيا. كيف عرفوا ما تحتاجه إميليا-تان؟»
«حسنًا، كما تعلم، لا يمكنك التراجع الآن بعدما عرفت كل هذه المعلومات الحساسة… لذا كنت أفكر في سوء حظك بشكل عام.»
«ما هذا العبث الذي تسميه عرقلة؟ ألا تؤدي بيتي واجبها كشريكة لسوبارو، يا ترى؟ ويا له من عمل روتيني، حقًا.»
«هلَّا توقفت عن الشفقة عليَّ بالفعل؟!»
«آااه، بالطبع نعلم ذلك. لقد كان مسـ… إنههه… مساعدة كبيرة لنا…»
«اهدأ يا أخي. سوف تسكب مشروبك. والقائد، لا تزعجه أكثر من اللازم، حسنًا؟ آخر مرة، اتفقنا على عشرة أوتوز يوميًا.»
«بالطبع سأفعل! إذا لم أكن هناك، فلن أستطيع النوم وأنا أتسائل عن نوع المحادثات الطائشة التي قد تجريها السيدة إميليا مع السيد ناتسوكي!»
«ما الذي تعدونه بالضبط؟ ولماذا عشرة في اليوم؟!»
«تودُّ السيدة أنستاسيا دعوة السيدة إميليا إلى مدينة بريستيلا، مدينة البوابة المائية.»
وهكذا، انتهت الجولة الأولى من انفعالات أوتو لهذا اليوم.
«تبًا لكِ، أيتها الأخت!»
بالطبع، لم يكن سوبارو وغارفيل يتسلَّيان بإزعاج أوتو عبثًا. بل كانت هذه طريقتهم المعتادة لمساعدته على التنفيس عن الضغوط التي كان يتحملها من كثرة العمل.
أداؤها الفردي في المعارك لن يكون له تأثير كبير على نتيجة الاختيار الملكي، ولكن عودة باك ستضفي مصداقية أكبر على ادعاءات معسكرها بالتغلب على الأرنب العظيم، ذلك الكائن الذي يعتبر في نظر الكثيرين مجرد أسطورة مرعبة.
«لو لم نفعل هذا، لما استطعت الأكل أو النوم. فقط اترك لنا تخفيف التوتر عنك!»
«آه، صحيح. في الواقع، جئت إلى هنا لأعيدك أنتَ وبياتريس إلى القصر.»
«أظن أن احتمالية أن تنقلب هذه الطريقة ضدكم مرتفعة للغاية!!»
«… صـ-صحيح.»
أشار غارفيل برأس قلمه الريشي نحو أوتو الذي بدا وكأنه استسلم فجأة: «مهلًا، مهلًا، لا تستمر في الجدال، يا أخي. إذا بقيت على هذا الحال، فلن أحرز أي تقدم في كتابة هذه الرسالة. الجدة طلبت مني ذلك.»
كان الوحش الأسطوري الثالث يُعرف باسم الأفعى السوداء. ورغم إيمانه بقوة الكلمات، تمنى سوبارو بكل ما أوتي من عزم ألا يواجه هذا المخلوق على الإطلاق. إلا أن إجابة إميليا حملت ترددًا غريبًا.
كان غارفيل جالسًا على كرسيه، يخط رسالة بخط يد سيئ. وعلى الرغم من سنه الصغير، بدا الأمر وكأنه يأخذ المهمة على محمل الجد.
«إيهيهيهيهيهي… مضى وقت طويل، أيها السيد؟ كم كان؟ تقريبًا سنة كاملة!»
تدخل سوبارو وهو يراقب الكتابة قائلًا بابتسامة ساخرة: «واو، خطك رهيب للغاية. هل ستتمكن ريوزو حقًا من قراءة هذه الرسالة؟»
«روح… متعاقدة…»
«ها! لا تجعلني أضحك، أيها القائد. كم تعتقد أنني والجدة قضينا من الوقت معًا؟ الجدة تستطيع قراءة خطي حتى لو كتبته بيدي اليسرى.»
وجه الفتاة النائمة كان مكشوفًا بالكاد بما يكفي لتجعل أشعة القمر المتسللة من بين فتحات الستائر ملامحها تتألق في الظلام.
قال سوبارو، وهو يخفض عينيه قليلًا بتعاطف خفيف: «هذا يجعل ريوزو مثيرة للإعجاب حقًا، لكنه ليس أمرًا تفتخر به أنت.»
«تقصدين أن الأطفال قد يعاملونه كحديقة ألعاب؟ حسنًا، طالما أنهم لا يصابون بأي أذى، يمكنهم اللعب كما يحلو لهم. بالإضافة إلى ذلك، أعتقد أن صانع المخططات الأصلية سيكون سعيدًا بذلك.»
كانت ريوزو جدة غارفيل وممثلة الملجأ. في الوقت الحالي، لم تكن مقيمة في هذا القصر، بل كانت تعيش في قرية إيرلهام القريبة من القصر القديم. فقد اختارت تحمل مسؤولية منح ”حياة يومية“ للأربعة والعشرين نسخة الذين وُلدوا مثلها؛ نسخ من ريوزو ماير، بأجساد مكونة من المانا مثلها تمامًا.
هذه النسخ التي تم تحريرها من الملجأ وإطلاقها في العالم كانت كالأطفال الأبرياء. وباعتبارها مَن حملت واجب تعليمهم عن الحياة، ابتعدت ريوزو عن حفيديها.
كان الزائر شابًا وسيمًا، ذا ملامح رقيقة وجمال أخَّاذ. جسده النحيل كان مكسوًا بثياب احتفالية فاخرة، وشعره الذي بدا أطول قليلًا من المعتاد كان مجمعًا في شكل ذيل حصان. بدا في عمر مقارب لعمر سوبارو، إلا أن ملامحه المشدودة والنظارة الأحادية التي ارتداها على عينه اليمنى أضفتا عليه مظهرًا أكثر صرامة.
رغم كل شيء، كان الأمل معقودًا أن تكمل ريوزو مهمتها يومًا ما، لتعود وتعيش مع غارفيل وفريدريكا كعائلة واحدة. لكن الظروف الحالية جعلت تحقيق هذا الحلم مؤجلًا.
«إنه النمط المعتاد الذي يقود إلى المشاكل، على ما أظن. بيترا، أخبرينا عن نوع الضيوف الذين وصلوا.»
أما الرسالة التي كان غارفيل يكتبها، فكانت موجَّهة إلى تلك الجدة المحبوبة. كان غارفيل كاتبًا غزير الإنتاج على نحو غير متوقع، وكانت مشاعره تجاه جدته عميقة جدًا؛ لدرجة أنه كان يكتب لها رسائل يومية تقريبًا.
لم يلاحظ جوشوا الدهشة التي سادت المكان، وكان من الواضح أن عدسته المعظمة قد أضاءت ببريق مثير للقلق.
«ذكرت هذا من قبل، لكن الآنسة فريدريكا ترسل رسائل أيضًا، رغم أنني أعتقد أنها لا تكتب بنفس الكثرة التي يفعلها غارفيل.»
قرر سوبارو أن أفضل خيار هو التحدث مع هذا المبعوث والتعرف عليه عن كثب في أقرب وقت ممكن.
«بالفعل، غارفيل يكتب كل يوم، مما يعني أن لدينا جبلًا من الرسائل.»
«هلَّا توقفت عن الشفقة عليَّ بالفعل؟!»
رغم ذلك، كانت ريوزو مسرورة باستلام الرسائل من حفيديها. على ما يبدو، كانت تحتفظ بكل رسالة تصلها كما لو كانت كنزًا ثمينًا.
أشار غارفيل برأس قلمه الريشي نحو أوتو الذي بدا وكأنه استسلم فجأة: «مهلًا، مهلًا، لا تستمر في الجدال، يا أخي. إذا بقيت على هذا الحال، فلن أحرز أي تقدم في كتابة هذه الرسالة. الجدة طلبت مني ذلك.»
«أعتقد أنه يمكننا القول إنني أستغل طريقة تفكير ريوزو، أليس كذلك…؟»
صمتت بيترا بخجل وقد احمرَّ وجهها، بينما تظاهر سوبارو بتمرير يده على ذقنه غير الموجودة. وقف الاثنان معًا يراقبان تلك اللحظة الدافئة التي جمعت بين بياتريس وميمي.
كان سوبارو أول مَن وافق على رغبة ريوزو في توجيه النسخ الأخرى. ربما كانت كلماته تلك غير موفقة، لكنه ببساطة لم يرغب أن تبقى تلك النسخ مجرد ”دمى“.
كانت تلك البلورة مهدًا لروح باك العظيم النائمة.
أو ربما كان ذلك إحساسًا بأنانيته الخاصة، أو شعوره بالذنب لاستخدام تلك الفتيات كقرابين مرة في دورة سابقة.
‹إنها لا تتخلى عني، صحيح؟› على الأقل، هذا ما أود أن أصدقه. ربما… أو قد يكون كذلك.
«قائد؟»
«أريد التحدث إلى باك… هناك الكثير مما أود أن أسأله عنه. ولهذا السبب…»
«… لا بأس. هناك الكثير مما يجب أن تخبر به ريوزو بعد ما حدث اليوم؛ لذا لن تواجه أي مشاكل في كتابة رسالتك. المشكلة الحقيقية تكمن في عدم وجود شيء لتكتب عنه. حينها، لن يكون لديك خيار سوى محاولة اختلاق شيء مضحك.»
«نعم! ميمي تستمتع بكل لحظة! وأيضًا، ميمي أصبحت أطول! أنا الآن تقريبًا ناضجة!»
«آه، سيكون ذلك مؤلمًا جدًا. وإذا حدث وكتبت في الرسالة أن أخونا ممل، فسأضطر إلى ضربك تعويضًا عن ذلك.»
«ألا يمكنك بذل المزيد من الجهد؟!!»
«لا تقلق. كتبتُ أن أخونا كان مضحكًا جدًا اليوم. آه، بالمناسبة، أيها القائد، هناك شيء أردت سؤالك عنه.»
«أتسائل ما الذي كان هدف العدو هذه المرة. حتى الآن، لم تكن هناك أي مواجهات مع المرشحات الأخريات، فلماذا افتعال قتال علني فجأة؟»
رفع غارفيل قلمه مشيرًا إلى الجزء الذي ذكر فيه أوتو، ما جعل الأخير يعقد حاجبيه بانزعاج، ثم وجه حديثه لسوبارو.
عندما انحنى جوشوا للأمام بعنف لدرجة أن عدسته المكبرة سقطت، اعتذر أوتو بنظرة تعاطف في عينيه. بدا أن جوشوا لم يكن بنفس درجة الهدوء الذي يتمتع به شقيقه الأكبر.
«أتسائل ما الذي كان هدف العدو هذه المرة. حتى الآن، لم تكن هناك أي مواجهات مع المرشحات الأخريات، فلماذا افتعال قتال علني فجأة؟»
كانت أنفاسه متقطعة، وتذبذبت رؤيته نتيجة نقص الأكسجين. شعر بملمس الأعشاب تحت ظهره، وبين فراغات الأشجار لمح لمحات من ال سماء البعيدة. استنشق سوبارو أكبر قدر من الهواء النقي، مالئًا رئتيه بنهم.
«قتال… لديك طريقة بسيطة جدًا في النظر إلى الأمور.»
«بالطبع سأفعل! إذا لم أكن هناك، فلن أستطيع النوم وأنا أتسائل عن نوع المحادثات الطائشة التي قد تجريها السيدة إميليا مع السيد ناتسوكي!»
«ليس هناك حاجة لمنطق معقد في القتال. الأمر كله يعتمد على ما يريده الطرف الآخر. وبصرف النظر عن ذلك الرجل الشاحب الآن… القطة الصغيرة التي جاءت معه، رغم مظهرها، تبدو قوية جدًا.»
كان قرار سوبارو قائمًا على وضع الرجل المناسب في المكان المناسب. حتى لو بذل سوبارو نفسه أقصى جهده حتى الموت، فلن يكون أبدًا بقوة غارفيل، وحتى لو فقد النوم ليلًا، فلن يكون أبدًا بنفس كفاءة أوتو كمسؤول.
رغم أن غارفيل وصفها بالطفلة، إلا أن ميمي كانت تقارب عمره. ورغم ذلك، لم يقاطع سوبارو حديثه بمزحة ساخرة؛ لأنه رأى الجدية في عيني غارفيل.
قرر سوبارو أن أفضل خيار هو التحدث مع هذا المبعوث والتعرف عليه عن كثب في أقرب وقت ممكن.
«عندما قابلتها لأول مرة، ظلت تنظر إليَّ نظرة طويلة جدًا. استمرت في ذلك طوال الوقت الذي كنا نتحدث فيه. لا شك في أنها كانت تحاول معرفة أفضل لحظة لتشتبك معي.»
«أوه، إنها أنتِ يا بيكو.»
«… هل أنت متأكد؟ أعترف بأن ميمي قوية جدًا، ومن الصحيح أنها تتحدث وكأنها عاشقة للقتال، لكن، امم…».
بما أنها كانت تتصرف بتلك الجرأة الممزوجة باللطافة، استخدم سوبارو كل قوته المكتسبة حديثًا ليرفع بياتريس ويضعها على ركبتيه، ثم أخذ يربت على رأسها كما يحلو له.
لم تبدو ميمي من النوع الذي يعتمد على الحيل أو التخطيط الخفي. وبالنسبة لرفيقها، جوشوا، فلم يكن مناسبًا للشر على الإطلاق، وهو أمر إيجابي بالطبع.
كان الأمر مشابهًا مع إميليا، ولكن نظرة الثقة التي وجهها غارفيل نحو سوبارو كانت عبئًا معنويًا عليه، وشعر أنه يجب أن يبذل قصارى جهده ليكون عند حسن ظنهم.
«على أي حال، إذا كنا سنتجاوب مع هذه الدعوة، فمن الأفضل أن نبقى على حذر. هذا يعني أنه ممنوع على القائد والسيدة إميليا التحرك بمفردهما. أما بالنسبة لأوتو، فربما يكون استثناءً، لكن إذا حدث شيء للقائد أو للسيدة، فكل شيء سينهار.»
مر عام كامل بدا طويلًا وقصيرًا في آن واحد، وكأن الزمن يمضي بخطوات متباينة. تغيَّرت بعض الأشياء خلاله، بينما بقيت أشياء أخرى على حالها. وإن كانت أقوى الثوابت هي العلاقة التي جمعت بين سوبارو وأصدقائه، فإن أبرز التطورات بلا شك كانت—
«للتذكير فقط، بدوني، كل شيء سيتوقف تمامًا، هل فهمت؟! يا للعجب، أتمنى لو تفهم هذا وتقدِّرني أكثر!»
رغم الحادثة الكبرى التي وقعت قبل عام، عملت بيترا حاليًا في قصر روزوال الجديد. وكما هو متوقع من فتاة في طور النمو، أصبحت أطول قليلًا، وبرأي سوبارو، ازدادت جمالًا قليلًا منذ ذلك الحين. ومع ذلك، بقيت في نظره كالأخت الصغرى التي لا تتغير.
رغم تذمر أوتو، لم يكن غارفيل يقلل من شأنه أبدًا. في الواقع، ورغم أنه لم يكن يميل إلى التعبير عن ذلك بوضوح، كان غارفيل يكن احترامًا كبيرًا لأوتو. وبالنظر إلى طبيعة غارفيل، فإنه لم يكن ليخاطب أحدًا بمثل هذه الألفة ما لم يحمل له تقديرًا خاصًا.
«طبعًا. أليس من واجبي كشريكة أن أثني على اجتهادك يومًا بعد يوم، يا ترى؟ إلى جانب ذلك، أصرت بيترا بشدة على أن أحضر لك منشفة.»
بالنسبة لسوبارو، كان التفكير في التطور الذي حدث منذ لقائهم الأول وحتى الآن أمرًا مؤثرًا جدًا.
عندما أبرما عقدهما لأول مرة، ظن أنه أحبها بقدر ما يمكن أن يحبها إنسان، لكنه ظل يراجع هذا الافتراض يومًا بعد يوم. ما يُعرف بمذكرات تطوير بيكو -وهي سجل للأيام التي قضاها مع بياتريس- وصل بالفعل إلى جزئه الخامس. كان سوبارو متحمسًا لمعرفة إلى أين ستقودهما علاقتهما.
«ماذ—؟ ما الأمر مع تلك النظرة الغريبة، أيها القائد؟»
«نعم، أخي الأكبر رجل عظيم. في سن الثانية والعشرين، يُعترف به كأحد أعظم الفرسان في المملكة، وهو فعليًا نائب قائد الحرس الملكي. على الرغم من أنه حاليًا لا يؤدي هذا الواجب ليخدم السيدة أنستاسيا على نحو أفضل، لا شك أن أخي الأكبر سيصبح قائد الحرس الملكي عندما تصعد إلى العرش. حتى السير راينهارد، القديس السيف في هذه الحقبة، لا يمكن مقارنته بأخي الأكبر من حيث الفضائل الفروسية. حقًا، أخي الأكبر هو الفارس بين الفرسان! سيكون من السخافة حتى أن نذكر اسميكما معًا في نفس الجملة.»
«كنت أفكر فقط في كم أنا محظوظ بوجودك معنا. لقد أصبحت فعلاً شخصًا يُعتمد عليه، غارفيل.»
«الآن، عذرًا على التأخير. هل يمكننا متابعة الحديـ؟»
«هه، اترك الأمر لي. أنا لست جيدًا في التفكير العميق، لكن يمكنني شراء الوقت لك لتفكر. أعتمد عليك في الباقي، أيها القائد.»
ومع ذلك، فإن عودة باك ستكون بمثابة دفعة معنوية لا تُقدر بثمن لإميليا.
قال ذلك ثم رفع كوبه من الحليب وشربه دفعة واحدة، ضاحكًا بينما كان الحليب يلطخ شفتيه.
«وما معنى تلك النظرة المشفقة في عينيك؟»
كان الأمر مشابهًا مع إميليا، ولكن نظرة الثقة التي وجهها غارفيل نحو سوبارو كانت عبئًا معنويًا عليه، وشعر أنه يجب أن يبذل قصارى جهده ليكون عند حسن ظنهم.
«أنا؟ سأبقى مع أخانا لفترة أطول. انتهيت من كتابة الرسالة، لكن أرى فرصتي الآن للفوز في الشطرنجي. بما أنه شرب كثيرًا، يجب أن يكون الأمر سهلاً هذه المرة.»
«إذًا، مع وجود غارفيل، أصبح موقفنا آمنًا من حيث القوة القتالية… لكن هل ستأتي معنا، أوتو؟»
كانت رام خادمة جميلة المظهر، ولكن خلف هذا الجمال لسان حاد كالشفرة. استقبلت المجموعة ببرود، كما لو كانت تخاطب مَن هم أقل شأنًا منها، لكنها توقفت فجأة وأخذت تضيق عينيها الورديتين. ثم زفرت بعمق.
«بالطبع سأفعل! إذا لم أكن هناك، فلن أستطيع النوم وأنا أتسائل عن نوع المحادثات الطائشة التي قد تجريها السيدة إميليا مع السيد ناتسوكي!»
«أخيرًا أتيتَ، باروسو. لقد تأخرتَ كثيرًا، أليس كذلك…؟»
كانت قدرات التفاوض لدى سوبارو وإميليا دائمًا موضع شك. إميليا كانت صريحة ومتعاونة بقدر ما تبدو عليه، أما سوبارو، رغم شخصيته العنيدة، فلم يكن متمرسًا في أمور العالم. من وجهة نظر أوتو، بدا الاثنان وكأنهما بطة برية تصطحب معها بصلة خضراء؛ هدف سهل سواء كانا معًا أو منفصلين.
عندما انحنى جوشوا للأمام بعنف لدرجة أن عدسته المكبرة سقطت، اعتذر أوتو بنظرة تعاطف في عينيه. بدا أن جوشوا لم يكن بنفس درجة الهدوء الذي يتمتع به شقيقه الأكبر.
«أيضًا، ترتبط بريستيلا ارتباطًا وثيقًا بهوشين السهول المقفرة. وبالنسبة للتجار، هو شخصية أسطورية؛ لذلك كنت دائمًا أرغب في زيارتها يومًا ما.»
«يبدو أنك لم تدرس جيدًا. بريستيلا واحدة من المدن الكبرى الخمس في لوغونيكا، وتقع على حدود المملكة مع المدينة- دولة كاراراجي. إنها مدينة رائعة الجمال، مليئة بالقنوات المائية.»
«لكنَّك تخلَّيت عن كونك تاجرًا منذ زمن بعيد، فلماذا تهتم الآن؟»
«أنتِ الغريبة هنا إذا كنتِ ترين هذا المشهد غير لائق! كيف يمكن أن يُعتبر هذا المشهد سوى أنه مفعم بالدفء؟!»
«لم أتخلَّ عن ذلك! اسمعني جيدًا، إذا كنت تعتقد أنني سأبقى مستشارك المحلي إلى الأبد، فأنت مخطئ تمامًا! حلمي هو أن أصبح تاجرًا عظيمًا أمتلك متجري الخاص! وجودي هنا ليس سوى محطة مؤقتة!»
«… أشكركم على لطفكم. لقد جئت إلى هنا… أنا هنا ممثلًا عن السيدة أناستاسيا هوشين. اسمي جوشوا جوكوليوس.»
«لا يوجد ما يضمن أنك ستجد مكانا تقضي فيه بقية حياتك بعد هذه المحطة.»
ابتسمت ابتسامة خفيفة، وأشارت إلى سوبارو بإيماءة رقيقة من إصبعها.
عندما تدخل غارفيل مازحًا ليغيظه، عبس أوتو لكنه لم يُعلق.
بدت رائعة بجمال شعرها الطويل المتلألئ الذي التفَّ في تجاعيد مبهرة، وفستانها المزخرف البديع. مشهد تلك الفتاة الصغيرة، بعينيها المزخرفتين بنقوش فريدة من اللون الأزرق الفاتح، رسم ابتسامة مشرقة على وجه سوبارو.
بالطبع، بالنسبة لسوبارو، كان وجود أوتو برفقتهم أشبه بتحقيق أمنية. وبغض النظر عما يُقال بصوت عالٍ، لم تكن المفاوضات أو المعسكر نفسه لتتحرك للأمام بدونه. كان الجميع في المجموعة يدركون ذلك.
«يـ-يبدو وكأنه سعيد للغاية لسبب ما…»
لأن أوتو نفسه كان واعيًا لقيمته، فقد استمر في حمل مثل هذه الأعباء الثقيلة على عاتقه.
جلس سوبارو على الأرض متربعًا، ولف المنشفة الباردة حول عنقه، ثم أشار بذقنه نحو المنطقة خلفه. تابعت بياتريس اتجاه إشارته، قبل أن تغلق إحدى عينيها قائلة: «صحيح.»
«حسنًا، يبدو أيضًا أنك مازوشي بعض الشيء، لكنني سأضع هذا الشعور جانبًا.»
«لقد تعلمت درسي سابقًا، لذا لا أفعل ذلك أنا أيضًا.»
«أشعر أن هذه طريقة أكثر وقاحة للتعبير عن قبولك، لكن ربما هو مجرد وهم منِّي؟»
«هناك الكثير لأخبركِ به اليوم. ضيف غير متوقع ألقى بمشكلة كبيرة على عاتقنا. أولًا، هذا الصباح، قمت بالأمور المعتادة—»
«بالضبط، مجرد وهم. على أي حال، منافسنا تاجر عظيم وذكي جدًا. أعتمد عليك، أوتو. غارفيل للقوة القتالية، أوتو للمسائل الثقافية، وأنا للحفاظ على الأجواء.»
«لا يوجد ما يضمن أنك ستجد مكانا تقضي فيه بقية حياتك بعد هذه المحطة.»
«اجتهد أكثر، أرجوك!!»
صمتت بيترا بخجل وقد احمرَّ وجهها، بينما تظاهر سوبارو بتمرير يده على ذقنه غير الموجودة. وقف الاثنان معًا يراقبان تلك اللحظة الدافئة التي جمعت بين بياتريس وميمي.
كان قرار سوبارو قائمًا على وضع الرجل المناسب في المكان المناسب. حتى لو بذل سوبارو نفسه أقصى جهده حتى الموت، فلن يكون أبدًا بقوة غارفيل، وحتى لو فقد النوم ليلًا، فلن يكون أبدًا بنفس كفاءة أوتو كمسؤول.
«نعم، هذا صحيح.»
لكن الموقع الذي يقف فيه سوبارو ناتسوكي لم يكن بمثل هذا التهاون الذي يسمح له بالاستسلام بسهولة.
مر عام كامل بدا طويلًا وقصيرًا في آن واحد، وكأن الزمن يمضي بخطوات متباينة. تغيَّرت بعض الأشياء خلاله، بينما بقيت أشياء أخرى على حالها. وإن كانت أقوى الثوابت هي العلاقة التي جمعت بين سوبارو وأصدقائه، فإن أبرز التطورات بلا شك كانت—
«سأفعل كل ما أستطيع فعله. هذه هي الطريقة المتطلعة للأمام التي قررت أنا وبياتريس اتباعها بعد أن تحدثنا بالأمر.»
رغم كل شيء، كان الأمل معقودًا أن تكمل ريوزو مهمتها يومًا ما، لتعود وتعيش مع غارفيل وفريدريكا كعائلة واحدة. لكن الظروف الحالية جعلت تحقيق هذا الحلم مؤجلًا.
«حسنًا، بوجود السيدة إميليا وبياتريس، سيكون الوضع بخير، قائد. وأعتقد أن هذا يعني أنني يجب أن أحمي أخونا. فقط كن حذرًا، حسنًا؟»
«أ-أعتذر جدًا. أنا أفقد توازني عندما يتعلق الأمر بعائلتي…»
«هذا يجعلني أشعر وكأنني العنصر الأكثر إثارة للقلق… ولا يروق لي هذا الشعور أبدًا.»
«لم أتخلَّ عن ذلك! اسمعني جيدًا، إذا كنت تعتقد أنني سأبقى مستشارك المحلي إلى الأبد، فأنت مخطئ تمامًا! حلمي هو أن أصبح تاجرًا عظيمًا أمتلك متجري الخاص! وجودي هنا ليس سوى محطة مؤقتة!»
تحول سوبارو إلى الجدية، في حين بدا غارفيل وكأنه يتعامل مع الأمر وكأنه مكلف بمهمة رعاية، بينما تذمر أوتو وهو يحتسي المزيد من النبيذ شيئًا فشيئًا.
كانت تلك الذكرى الجميلة دائمًا ما تبعث القوة في قلبه الهش والمتقلب.
بهذه الطريقة، تحوَّل حديثهم الثقيل إلى موضوعات تافهة، مضيفًا قليلًا من المرح بينما كانت الليلة تزداد عمقًا.
كانت هذه النتيجة الطبيعية لمَن يركض بأقصى سرعة. سواء أكان يسير على قدميه أم يقود مركبة، لا أحد يمكنه التوقف فورًا بمجرد أن يرغب بذلك.
«حسنًا، أعتقد أنني سأخلد أخيرًا للنوم. ماذا عنك، غارفيل؟»
«لم أتخلَّ عن ذلك! اسمعني جيدًا، إذا كنت تعتقد أنني سأبقى مستشارك المحلي إلى الأبد، فأنت مخطئ تمامًا! حلمي هو أن أصبح تاجرًا عظيمًا أمتلك متجري الخاص! وجودي هنا ليس سوى محطة مؤقتة!»
«أنا؟ سأبقى مع أخونا لفترة أطول قليلًا. انتهيت من كتابة الرسالة، لكني أرى فرصتي أخيرًا للفوز في الشطرنج. الآن وقد شرب أوتو، يجب أن يكون الأمر سهلًا.»
«رجاءً، كفَّ عن تفسير كل شيء بناءً على ما تعتبره فضيلة في عقلك. تذكر هذا جيدًا يا باروسو؛ في عالم رام، لا يهم سوى وجهة نظر رام.»
ردَّ غارفيل بينما كان سوبارو ينهض من مكانه، مشيرًا إلى لوحة اللعبة الموجودة على الطاولة. كانت الشطرنج لعبة مشابهة للشطرنج الغربي أو الشوجي الياباني. كان أوتو ماهرًا في هذه اللعبة، وحماس غارفيل لتحديه في حالته الضعيفة يشير إلى أنه كان في سلسلة هزائم طويلة.
«حسنًا، بوجود السيدة إميليا وبياتريش، ستكون الأمور على ما يرام يا جنرال. وأعتقد أن ذلك يعني أنني يجب أن أحمي أخانا. فقط كن حذرًا، حسنًا؟»
وبالمناسبة، كان سوبارو جيدًا في لعبة «أوثيلو»، لكنه كان سيئًا جدًا في الشطرنج.
لم تُجب الفتاة بشيء. ومع ذلك، استمرت هذه اللقاءات الليلية.
«حسنًا، حظًا موفقًا. لكن لا تسهر طويلًا، فلن تنمو أطول بهذه الطريقة.»
توقف الاثنان عن مشاغباتهما عندما سمعا صوتًا حادًا يناديهما. وعندما نظرا، لوحت فتاة بيدها وهي تركض نحوهما. كان الصوت المألوف والوجه ينتميان إلى خادمة صغيرة لطيفة تجسد معنى البراءة.
«مهلاً، هل هذا صحيح؟ كنت أصدق ذلك وأخلد للنوم مبكرًا دائمًا، لكن لا أعتقد أن الأمر يجدي نفعًا مع عمري هذا.»
في معسكر فيلت، كان وجود راينهارد والعجوز روم يمنح شعورًا معينًا بالثقة، لكن ذلك لم يكن كافيًا، إذ ظل سوبارو عاجزًا عن فهم شخصية فيلت. وإن لم يكن هناك شيء آخر، فإن التزامها الكامل بالمشاركة في الاختيار الملكي جعل الحذر عند التعامل معها أمرًا لا مفر منه. تلك الفتاة المفعمة بالحيوية والمكر تتطلب يقظة دائمة، وإذا أقامت رابطة وثيقة مع راينهارد، فإن احتمالات التفوق عليها ستصبح ضئيلة للغاية.
«لست متأكدًا في حالتك. أعتقد أن فريدريكا سرقت منك بعضًا من ذلك.»
«مهلًا، كفي عن الحديث وكأنني خطفته ولم أتركه يرحل.»
«لعنة عليكِ، أختي!»
كان غارفيل جالسًا على كرسيه، يخط رسالة بخط يد سيئ. وعلى الرغم من سنه الصغير، بدا الأمر وكأنه يأخذ المهمة على محمل الجد.
أظهر غارفيل أنيابه وهو يستعد للعب الشطرنج، عاقدًا العزم على توجيه غضبه نحو اللعبة. بينما كان سوبارو يراقبه بابتسامة صغيرة وهو يُرتب القطع في صفوف منظمة.
«نعم، هذا صحيح.»
«قتال… لديك طريقة بسيطة جدًا في النظر إلى الأمور.»
«أيضًا، بريستيلا مكان يرتبط ارتباطًا وثيقًا بهوشين السهول المقفرة، تلك الشخصية الأسطورية في نظر جميع التجار. لطالما رغبت في زيارتها يومًا ما.»
«لكنك قد تخليت عن كونك تاجرًا منذ زمن بعيد، فلماذا تهتم الآن؟»
ضحك سوبارو وغارفيل عاليًا وهما يتبادلان صفعةً ودية على كفيهما.
«لم أتخلَّ! اسمعني جيدًا، إن كنت تظن أنني سأبقى مستشارك المنزلي إلى الأبد، فأنت مخطئ تمامًا! حلمي أن أكون تاجرًا عظيمًا أمتلك متجري الخاص! وجودي هنا ليس سوى محطة مؤقتة!»
لم يكن سوبارو عنيدًا إلى هذا الحد، بل كان يواجه صعوبة في التوفيق بين مشاعره عندما تذكر المعركة التي خاضها جنبًا إلى جنب مع جوليوس، بالإضافة إلى الألم الناتج عن الإصابات التي تعرض لها بعد ضرباته في ساحة التدريب، ناهيك عن مجموعة من الإزعاجات الأخرى.
«لا يوجد أي ضمان بأن تجد مكانًا تقضي فيه بقية حياتك بعد هذه المحطة.»
أما الرسالة التي كان غارفيل يكتبها، فكانت موجَّهة إلى تلك الجدة المحبوبة. كان غارفيل كاتبًا غزير الإنتاج على نحو غير متوقع، وكانت مشاعره تجاه جدته عميقة جدًا؛ لدرجة أنه كان يكتب لها رسائل يومية تقريبًا.
حينما تدخل غارفيل بلهجة ساخرة لإغاظته، عبس أوتو ولم يُعلق بشيء.
«لا تبدئي المشاكل فجأة! علاوة على ذلك، قوتي لا يمكن مقارنتها مع قوة جوليوس. ليس لديَّ أدنى فرصة ضده في معركة متكافئة. مَن يذهب لتحدي أساتذة الألغاز في لعبة ألغاز؟ بالتأكيد التحدي يجب أن يكون في لعبة سحق الإخوة، هذا هو السبيل للفوز.»
بالطبع، كان وجود أوتو برفقة سوبارو أشبه بتحقيق أمنية. وبغض النظر عمّا قد يُقال صراحةً، لم يكن بالإمكان للمفاوضات أو للمعسكر نفسه أن يمضي قُدمًا دونه. كان الجميع يدركون هذا جيدًا.
أخذ أوتو، المستشار المنزلي الرئيسي لفرقة إميليا، يديه إلى جبهته محاولًا إخفاء عرقه البارد وهو يطلب من سوبارو أن يكبح محاولاته المتعثرة في الثناء.
وبما أن أوتو كان مدركًا لقيمته، فقد استمر في تحمل هذه الأعباء الثقيلة على كاهله.
على أي حال، كان اللقاء مع المبعوث جوشوا جوكوليوس قد انتهى بالفعل، وحلَّ المساء على قصر روزوال الجديد.
«حسنًا، يبدو أنك تستمتع بالتحديات الشاقة، لكنني سأدع هذا الشعور جانبًا الآن.»
كانت هذه النتيجة الطبيعية لمَن يركض بأقصى سرعة. سواء أكان يسير على قدميه أم يقود مركبة، لا أحد يمكنه التوقف فورًا بمجرد أن يرغب بذلك.
«أشعر أن هذه طريقة أشد قسوة للتعبير عن قبولك، ولكن ربما هو مجرد وهم مني؟»
فهم سوبارو الآن أن المسألة تتعلق بالسمعة. أي شخص يُعرف بعدم الموثوقية سيجد نفسه محاطًا بالأعداء بسرعة. وكان ذلك أسوأ طريقة لإدارة الأمور، سواء كنت أحد زعماء الساموراي في عصر الولايات المتحاربة، أو مرشحًا للاختيار الملكي. كان على أصحاب النفوذ توخي الحذر عند اللجوء إلى الحيل والخداع.
«بالضبط، مجرد وهم. على أي حال، منافسنا تاجر بارع وذكي للغاية. أعتمد عليك يا أوتو. غارفيل للقوة القتالية، أوتو للشؤون الثقافية، وأنا للحفاظ على الأجواء.»
ترددت إميليا قليلًا، وظهر في عينيها ارتباك وهي تنطق اسم المدينة ببطء. لم يختلف حال سوبارو عن حالها.
«ألا يمكنك بذل المزيد من الجهد؟!!»
رغم أنه قضي كل لحظة من يومه مع بياتريس، إلا أنه ما زال يدهشه كيف لم يمل أبدًا من هذه اللحظات اليومية الصغيرة. بل إن علاقتهما تعمقت أكثر مع مرور كل يوم.
كان قرار سوبارو يستند إلى مبدأ وضع الشخص المناسب في المكان المناسب. حتى لو بذل سوبارو أقصى جهده حتى الموت، فلن يصل أبدًا إلى مستوى قوة غارفيل، وحتى لو تخلى عن نومه ليلاً، لن يبلغ أبدًا كفاءة أوتو كمسؤول.
كان مستغرقًا في أفكاره لدرجة أنه كاد أن يسحق يد بياتريس الصغيرة دون قصد.
لكن الموقع الذي يقف فيه ناتسوكي سوبارو لم يكن ليناً بما يكفي ليترك له مجالاً للتهاون أو الخمول.
«هل تكره أن تعترف بأنه ساعدك إلى هذا الحد؟!»
«سأفعل كل ما أستطيع فعله. هذه هي الطريقة المتطلعة للأمام التي قررنا، أنا وبياتريش، السير عليها بعد أن تحدثنا في الأمر.»
«حسنًا، من الصعب أن يصدق أحد أننا واجهنا اثنين من الوحوش الشيطانية العظمى في فترة قصيرة، فضلًا عن أننا قضينا عليهما. على الأقل، يمكننا أن ندعو ألا يظهر الثالث أيضًا.»
«حسنًا، بوجود السيدة إميليا وبياتريش، ستكون الأمور على ما يرام يا جنرال. وأعتقد أن ذلك يعني أنني يجب أن أحمي أخانا. فقط كن حذرًا، حسنًا؟»
ومن بين أعضاء هذا الفصيل كان جوليوس جوكوليوس، الفارس الذي كانت علاقته بسوبارو معقدة للغاية. على أقل تقدير، لم تكن العلاقة بينهما على نحو يجعل سوبارو سعيدًا تمامًا برؤيته.
«هذا يجعلني أشعر وكأنني العنصر الأكثر مدعاة للقلق… ولا أرتاح لذلك إطلاقًا.»
«بالضبط، مجرد وهم. على أي حال، منافسنا تاجر بارع وذكي للغاية. أعتمد عليك يا أوتو. غارفيل للقوة القتالية، أوتو للشؤون الثقافية، وأنا للحفاظ على الأجواء.»
بينما كان سوبارو يتحدث بجدية، بدا غارفيل وكأنه يتولى مسؤولية الرعاية، في حين أبدى أوتو تذمره وهو يرتشف النبيذ شيئًا فشيئًا.
«للتذكير فقط، بدوني، كل شيء سيتوقف تمامًا، هل فهمت؟! يا للعجب، أتمنى لو تفهم هذا وتقدِّرني أكثر!»
هكذا، تحوّل حديثهم الذي كان جادًا في البداية إلى نقاشات خفيفة، مما أضفى جوًا من المرح بينما كانت الليلة تمضي وتزداد عمقًا.
ربما في الواقع، لم يكن هناك في معسكر إميليا شخص أكثر اجتماعية من بيترا. السمة المميزة لسوبارو ورفاقه كانت أن كل واحد منهم يعاني في العلاقات الاجتماعية. حقيقة أن فتاة لم تبلغ الثالثة عشرة من عمرها تتفوق عليهم جميعًا كانت حكاية محبطة بالفعل.
«حسنًا، أعتقد أنني سأخلد أخيرًا للنوم. ماذا عنك، غارفيل؟»
«يا رجل، هل فقدت الوزن منذ آخر مرة رأيتك فيها؟»
«أنا؟ سأبقى مع أخانا لفترة أطول. انتهيت من كتابة الرسالة، لكن أرى فرصتي الآن للفوز في الشطرنجي. بما أنه شرب كثيرًا، يجب أن يكون الأمر سهلاً هذه المرة.»
روى قصصه بأسلوب مرح، ونبرة صوته كانت رقيقة للغاية. تحدَّث بعناية فائقة، وكأنه يتحدث مع طفل صغير يأخذ قيلولة، وروى الأحداث بروح من الفكاهة.
ردّ غارفيل بينما كان سوبارو ينهض من مكانه، مشيرًا إلى لوحة اللعبة على الطاولة. كانت الشطرنجي لعبة شبيهة بالشطرنج الغربي أو الشوجي الياباني. كان أوتو ماهرًا للغاية في هذه اللعبة، وتحفز غارفيل لتحديه في حالته الضعيفة يشير إلى أنه كان في سلسلة من الهزائم المتتالية.
ضحك سوبارو وغارفيل عاليًا وهما يتبادلان صفعةً ودية على كفيهما.
وعلى الهامش، كان سوبارو جيدًا في لعبة أوثيلو، لكنه كان في أسوأ المستويات في الشطرنجي.
«حسنًا، أعتقد أنني سأخلد أخيرًا للنوم. ماذا عنك، غارفيل؟»
«حسنًا، حظًا موفقًا. لكن لا تسهر طويلًا، فهذا لن يساعدك على النمو أطول.»
قال سوبارو، وهو يخفض عينيه قليلًا بتعاطف خفيف: «هذا يجعل ريوزو مثيرة للإعجاب حقًا، لكنه ليس أمرًا تفتخر به أنت.»
«مهلًا، هل هذا صحيح؟ كنت سأصدق ذلك وأخلد للنوم مبكرًا دائمًا، لكن لا أظن أن الأمر يجدي الآن في عمري هذا.»
«آه، لديَّ ما يشغلني بخَبز بعض الفطائر الشهية؛ لذا أتمنى لكم حظًا موفقًا، أيها الأب.»
«لست متأكدًا في حالتك. أعتقد أن فريدريكا سرقت منك بعضًا من ذلك.»
«ما—؟! واه! غاااه!»
«تبًا لكِ، أيتها الأخت!»
«أحب فيكِ هذا الجزء العملي، يا بيترا.»
أظهر غارفيل أنيابه وهو يستعد للعب الشطرنجي، عازمًا على توجيه غضبه نحو اللعبة. بينما تابع سوبارو المشهد بابتسامة صغيرة، وهو يراقب غارفيل يُرتب القطع في صفوف منظمة.
لكنها صمتت فجأة، مغمضةً عينيها الطويلتي الرموش، تاركةً بقية أفكارها حبيسة صدرها.
«ولا تكثر من الشرب، أوتو. إن كنت تعتقد أن البقاء بلا فائدة مع صداع الكحول سيمر مرور الكرام، فستكتشف أن بيترا قد تصبح مخيفة للغاية.»
«روح… متعاقدة…»
«أشعر أن تلك الفتاة أصبحت أكثر صرامة معي مؤخرًا. ألا يمكنك أن تقول لها شيئًا، يا سيد ناتسوكي؟»
بالطبع، بالنسبة لسوبارو، كان وجود أوتو برفقتهم أشبه بتحقيق أمنية. وبغض النظر عما يُقال بصوت عالٍ، لم تكن المفاوضات أو المعسكر نفسه لتتحرك للأمام بدونه. كان الجميع في المجموعة يدركون ذلك.
«مثل ماذا؟ أن تكون أشد حزمًا؟»
عندما وصل الأربعة إلى وجهتهم، وجدوا فتاة وحيدة واقفة في الممر.
«ألا يمكنك أن تطلب منها أن تكون أكثر لطفًا بدلًا من ذلك؟!»
ولوَّح سوبارو بيده وهو يغادر الغرفة، تاركًا أوتو وغارفيل مجتمعين حول لوحة اللعبة بينهما.
«مستحيل. ليلة سعيدة.»
«إررر، ما هي مكانة السيدة بياتريس الحقيقية…؟»
ولوَّح سوبارو بيده وهو يغادر الغرفة، تاركًا أوتو وغارفيل مجتمعين حول لوحة اللعبة بينهما.
كان قرار سوبارو قائمًا على وضع الرجل المناسب في المكان المناسب. حتى لو بذل سوبارو نفسه أقصى جهده حتى الموت، فلن يكون أبدًا بقوة غارفيل، وحتى لو فقد النوم ليلًا، فلن يكون أبدًا بنفس كفاءة أوتو كمسؤول.
اللون الذي عكسه الكريستال السحري على حائط الممر في القصر أشار إلى اقتراب منتصف الليل. لقد تأخر أكثر من المعتاد بعدما استغرق وقتًا أطول من اللازم.
مشاعر متنوعة ارتسمت على الوجوه: ارتياح، استياء، وشكوك. وكما توقع، التفت بعيدًا عن الوجوه المألوفة ليركز انتباهه على الشخص الذي ينظر إليه بشك.
«كانت مجرد جلسة حديث بين الرجال. عليك التغاضي عن أمور كهذه أحيانًا.»
تمتم بهذه الكلمات وكأنها عذر وهو يتجه، ليس إلى غرفته، بل نحو الجناح الغربي حيث تقع غرف النساء.
تمتم بهذه الكلمات وكأنها عذر وهو يتجه، ليس إلى غرفته، بل نحو الجناح الغربي حيث تقع غرف النساء.
«ماذا—؟ واه؟!»
ومن ثم—
«—إيه؟!»
«—اعذريني على الإزعاج.»
إنه لأمر سيئ أن تكون طامعًا وأنت تفتقر إلى الكثير. تُرى، هل يمكن أن يكون سوبارو سوى متهور ومندفع؟ لهذا السبب، الآن وقد أصبح له مَن يدعمه، سنسمح له بهذا الطمع.
طرق سوبارو دائمًا الباب قبل دخوله.
«متوتر وقلق، هاه. بعبارة أخرى، يبدو… لا، انتظري. لا يجب أن نحكم على الناس بناءً على مظهرهم.»
كان يعلم أنه لن يتلقى أي رد، لكن هل يعني ذلك أن عليه أن يتخلى عن الأمل؟
«بطريقة ما، تغيرت صورة المدينة في ذهني فورًا، من مدينة ساحرة وسط الماء إلى ما يشبه سجنًا مائيًا.»
أو ربما كان عدم نسيان هذا الفعل مجرد وسيلة للتأكد من عدم وجود رد—
«لقد أصبح وجود بيكو في حضني أمرًا طبيعيًا بالنسبة لي لدرجة أنني فعلت ذلك دون تفكير.»
—كي لا ينسى أبدًا حرارة اللهيب الذي لا يزال يحترق في صدره بلا انطفاء.
«نظرتك أشبه بنظرة مَن لا يفهم شـ… مهلًا، هل يمكنكِ التوقف عن سحب شعري، يا ترى؟!»
كانت تلك الغرفة التي لا تجيب غرفة نوم بسيطة خالية من الزخارف.
«أفهم الآن. بالتأكيد كانت هناك أحاديث عن فارس آخر يستخدم الأرواح، على ما أظن. إذا كان هذا الشخص هو أخوك الأكبر، أقدم لك تعازيَّ.»
لم تختلف عن باقي غرف القصر في ترتيبها، ولم تحتوي إلا على أكثر الأثاث بساطة. السرير في وسط الغرفة، الستائر تغطي النوافذ، وطاولة بسيطة عليها مزهرية زهور؛ هذه كانت كل محتوياتها تقريبًا.
////
استبدلت الزهور في المزهرية بانتظام، وجُدد ماءها يوميًا. ومع أنه علم أن جمال الزهور وعطرها لن يخففا من الألم، إلا أن ذلك أصبح عادة يومية لا يتخلى عنها.
«—كم أصبحتُ أقوى هذا العام. لا يمكن لأحد أن يتعرف عليَّ الآن مقارنةً بما كنت عليه في الماضي.»
تصرفات سوبارو المليئة بالمشاعر كانت تُراقب بصمت من قِبَل بقية ساكني القصر.
«لم أتخلَّ عن ذلك! اسمعني جيدًا، إذا كنت تعتقد أنني سأبقى مستشارك المحلي إلى الأبد، فأنت مخطئ تمامًا! حلمي هو أن أصبح تاجرًا عظيمًا أمتلك متجري الخاص! وجودي هنا ليس سوى محطة مؤقتة!»
—أعتقد أنه لو كان بإمكانه تجاوز الأمور بسهولة والمضي قدمًا، لما كنت لأتفاهم معه مهما تناقشنا. لهذا السبب، أحب سوبارو كما هو.
كانت تلك البلورة مهدًا لروح باك العظيم النائمة.
إنه لأمر سيئ أن تكون طامعًا وأنت تفتقر إلى الكثير. تُرى، هل يمكن أن يكون سوبارو سوى متهور ومندفع؟ لهذا السبب، الآن وقد أصبح له مَن يدعمه، سنسمح له بهذا الطمع.
«يـ-يبدو وكأنه سعيد للغاية لسبب ما…»
هكذا فكرت الفتاتان الأقرب إلى سوبارو في تصرفاته.
أضافت إميليا كلمة قديمة أخرى إلى المحادثة ببراعة، ولكن سوبارو وافق على الرسالة على أي حال. فقد أصبحت علاقته ببياتريس طبيعية إلى حد أن هذا لم يعد يثير تعليقًا فكاهيًا من أوتو.
«إنهما لطيفتان للغاية. أيضًا، تعليقات إميليا تثيرني على نحو كبير أحيانًا.»
حسابنا بتويتر @ReZeroAR
تمنى لو أنها تتجنب استخدام كلمات مثل الإعجاب والروعة بهذه البساطة.
«أوه، إنها أنتِ يا بيكو.»
الكلمات كانت تعبِّر عن مشاعرها بوضوح، ومع ذلك لم تكن هناك تطورات عاطفية بين سوبارو وإميليا. ببساطة، لم تكن إميليا مستعدة لتقبل اعترافٍ عاطفي، وقلب سوبارو نفسه لم يكن مستعدًا لذلك على الإطلاق. قد يستغرق الأمر عامين، وربما ثلاثة— لا، وفي أسوأ الحالات، قد يستغرق أكثر من ذلك.
«إررر…» ترددت بيترا وهي تميل رأسها بنفس زاوية الاثنين الآخرين.
«من الوقاحة أن أكون هنا وأتحدث عن إميليا والبقية دائمًا. لو سمعت بيترا أو أي شخص آخر ذلك، لكانوا وبخوني بشدة.»
كان يعلم أنه لن يتلقى أي رد، لكن هل يعني ذلك أن عليه أن يتخلى عن الأمل؟
ربما في الواقع، لم يكن هناك في معسكر إميليا شخص أكثر اجتماعية من بيترا. السمة المميزة لسوبارو ورفاقه كانت أن كل واحد منهم يعاني في العلاقات الاجتماعية. حقيقة أن فتاة لم تبلغ الثالثة عشرة من عمرها تتفوق عليهم جميعًا كانت حكاية محبطة بالفعل.
ومع ذلك، وعلى الرغم من تأديته لدوره كأمين سر بكفاءة، كان أوتو يهمس أحيانًا لنفسه قائلًا: «لم يكن من المفترض أن تكون الأمور هكذا…»
«أتسائل حقًا… لو كنتِ مستيقظة، ريم، لا أعتقد أنكِ كنتِ ستغيرين الأمور كثيرًا. ربما لأنني فاشل في هذا الأمر برمَّته، أو لأنكِ دائمًا ما تضعينني في المقام الأول.»
أشار جوشوا إليها، بينما حركت بياتريس رأسها بفضول.
بينما كان يتحدث، سحب سوبارو كرسيًا وجلس بجانب السرير.
تدخل سوبارو وهو يراقب الكتابة قائلًا بابتسامة ساخرة: «واو، خطك رهيب للغاية. هل ستتمكن ريوزو حقًا من قراءة هذه الرسالة؟»
وجه الفتاة النائمة كان مكشوفًا بالكاد بما يكفي لتجعل أشعة القمر المتسللة من بين فتحات الستائر ملامحها تتألق في الظلام.
في تلك اللحظة، بدا شكله وطريقة تعبيره نسخة طبق الأصل عن أخيه جوليوس، ما أثار في نفس سوبارو شعورًا سيئًا بما قد يأتي بعد ذلك.
رأى وجنتيها البيضاوين، وشفتاها الورديتين، وشعرها الأزرق. كانت هيئتها الجميلة مغطاة بثوب نوم رقيق. صدر الأميرة النائمة بالنسبة لسوبارو كان يرتفع وينخفض بإيقاع هادئ.
«ما—؟! واه! غاااه!»
—هكذا استمرت هذه الفتاة الثمينة، ريم، في النوم لأكثر من عام.
«… لا بأس. هناك الكثير مما يجب أن تخبر به ريوزو بعد ما حدث اليوم؛ لذا لن تواجه أي مشاكل في كتابة رسالتك. المشكلة الحقيقية تكمن في عدم وجود شيء لتكتب عنه. حينها، لن يكون لديك خيار سوى محاولة اختلاق شيء مضحك.»
«هناك الكثير لأخبركِ به اليوم. ضيف غير متوقع ألقى بمشكلة كبيرة على عاتقنا. أولًا، هذا الصباح، قمت بالأمور المعتادة—»
نظرت إميليا إليه بملامح ماكرة وقالت: «يا لك من عنيد، سوبارو. هل ما زلت تحمل ضغينة بسبب شجارك مع جوليوس في القلعة؟»
حملت ملامح سوبارو طابعًا من الحنان وهو يروي لريم النائمة أحداث يومه.
«ما هذا العبث الذي تسميه عرقلة؟ ألا تؤدي بيتي واجبها كشريكة لسوبارو، يا ترى؟ ويا له من عمل روتيني، حقًا.»
روى قصصه بأسلوب مرح، ونبرة صوته كانت رقيقة للغاية. تحدَّث بعناية فائقة، وكأنه يتحدث مع طفل صغير يأخذ قيلولة، وروى الأحداث بروح من الفكاهة.
هذه النسخ التي تم تحريرها من الملجأ وإطلاقها في العالم كانت كالأطفال الأبرياء. وباعتبارها مَن حملت واجب تعليمهم عن الحياة، ابتعدت ريوزو عن حفيديها.
لم تُجب الفتاة بشيء. ومع ذلك، استمرت هذه اللقاءات الليلية.
قال سوبارو متذمرًا بشفتين مائلة: «لا أخفي خوفي من فكرة أن نصبح مدينين لأنستاسيا. كيف عرفوا ما تحتاجه إميليا-تان؟»
في الليالي التي كانت الأخبار فيها كثيرة، كان سوبارو غالبًا ما يُصرُّ على همس حكاياته الحالمة إلى الأميرة النائمة حتى تقطع الليلة شوطها الأكبر.
«مهلًا، أشعر بالإهانة لأنكِ تصفين الأمر باللعب. لقد بذلت قصارى جهدي في التدريب وكل شيء.»
بالطبع، حتى لو شاهدها سوبارو تفعل ذلك، فإنه كان سيتظاهر بعدم رؤية شيء، حفاظًا على مشاعرها.
////
روى قصصه بأسلوب مرح، ونبرة صوته كانت رقيقة للغاية. تحدَّث بعناية فائقة، وكأنه يتحدث مع طفل صغير يأخذ قيلولة، وروى الأحداث بروح من الفكاهة.
حسابنا بتويتر @ReZeroAR
فبعد أن استنفد باك كل طاقته السحرية وسقط في سبات عميق، أصبحت الحاجة إلى بلورة سحرية قوية أمرًا لا بد منه لإيقاظه. وعلى مدار عام كامل، بحثت إميليا بلا كلل عن واحدة مناسبة، ولكن دون جدوى.
«السيد ناتسوكي، أليس كذلك؟ سمعت عنك من أخي الأكبر، وكذلك من… لنقل، بعض الإشاعات المختلفة.»
