3 - مجد المحارب.
《١》
ولهذا السبب، لم يستطع غارفيل منع نفسه من الشعور بإحساس طفولي وساذج من الحزن والضعف.
كان كورغان ذو الأذرع الثمانية شخصية أسطورية في إمبراطورية ڤولاكيا، التي اشتهرت بنظامها القائم على الجدارة مقارنة بالدول الأخرى، كان للقبائل نصف البشرية مكانة مستقرة نسبيًا داخل حدودها، بخلاف مملكة لوغونيكا، التي كانت معروفة بتعصبها العرقي ضد نصف البشر، أو المملكة المقدسة غوستيكو، التي رفضت جميع الغرباء، أو دولة مدينة كاراراجي، التي لم يمضِ وقت طويل على نشأتها كأمة.
على عكس معظم البشر، تمتعت قبائل نصف البشر بقدرة فطرية أعلى على التعامل مع المانا. ولهذا السبب، كانت العديد من قبائل نصف البشر تستخدم السحر في حياتها اليومية، لكن قبيلة الأذرع المتعددة كانت استثناءً. لم يُمنح أفراد هذه القبيلة القدرة على التحكم بالمانا.
كان أبرز ما يميز هذه القبيلة، كما يوحي اسمها، امتلاك أفرادها ثلاثة أذرع أو أكثر. كان من السهل التعرف عليهم بفضل بنيتهم غير الطبيعية، ومع ذلك، افتقرو بشدة إلى القدرات السحرية مقارنة بغيرهم من نصف البشر. لهذا السبب، عُوملت القبيلة لسنوات طويلة كعرقٍ أدنى.
مبارزة بين المحاربين تبدأ بالتعارف.
لكن مَن غيَّر كل ذلك على نحو جذري كان كورغان نفسه.
«أهذا كل شيء، أيها النمر البديع؟»
منذ ولادته، كان كورغان مختلفًا عن بقية أفراد قبيلته. كان عدد الأذرع لدى أفراد القبيلة يتفاوت من شخص لآخر، مع وجود غالبية تمتلك أربع أو خمس أذرع. لكن كورغان ولد بثمانية أذرع، مما جعله شخصية فريدة لُوحظ تميُّزها منذ البداية.
إلا أن ما جعله استثنائيًا ليس مجرد عدد أذرعه. فقد عاشت قبيلته، التي عانت طويلًا من معاملتها كعرقٍ أدنى، حياة مسالمة وتجنبت الصراعات. لكن كورغان حمل في قلبه روحًا قتالية لا تهدأ، واشتاق دومًا لخوض المعارك.
لكن الأمر مختلف الآن. وهو يقف مُشهرًا درعيه، أصبح غارفيل الآن محاربًا حقيقيًا.
عندما بلغ العشرين من عمره، وجد كورغان متنفسًا لروحه القتالية.
كانت قبيلة الأذرع المتعددة بلا وطن، وعاشت حياة الترحال الدائم. يُقال إن السبب وراء ذلك كان فقدانهم لوطنهم في معركة دارت في زمن بعيد، لكن الماضي لم يكن يهم كورغان.
سقط غارفيل على الأرض بلا حول ولا قوة، وبصق قطعة اللحم التي انتزعها. شعر بالغثيان وهو ينظر خلفه، ليرى ظهر كورغان بينما تدفق سيل من الدماء من عنقه.
ما كان يعنيه هو الحاضر. وعندما نشب خلاف بين القبيلة وأحد اللوردات في الأرض التي استقروا بها حديثًا، تدخل كورغان ليضع حدًا للأمر.
لم يظهر أي تعبير بالدهشة على وجه كورغان. ولم يبدُ عليه أي شعور بالألم.
توقف الثلاثة ليعرفوا ما حدث. وعندما نظروا، رأوا امرأة قانية تتهادى ببطء من السماء—
رأى اللورد في القبيلة عرقًا قبيحًا ودونيًا يجب طرده من أرضه، فأرسل جنوده المخلصين لمواجهتهم. لكن كورغان، مستخدمًا أذرعه الثمانية، قتلهم جميعًا، ثم أخذ المعركة إلى قصر اللورد نفسه.
عندما رأى اللورد انتقام القبيلة البربرية، شحب وجهه رعبًا، لكن كورغان خفض أذرعه الثمانية.
قطب غارفيل حاجبيه. الصوت صدر من صبي صغير وسط الملجأ—صبي بعيون دامعة، ووجه أحمر وهو يمسك بحافة ملابسه بإحكام.
بفخرٍ أعلن أنه أثبت قوة شعبه، ونال لنفسه مكانة كقائد لحرس اللورد. ومنذ ذلك الحين، راكم كورغان الأوسمة والشرف في ساحات المعارك التي لا تُحصى، محولًا اسم ”ذو الأذرع الثمانية“ إلى أسطورة.
ما إن سمع غارفيل ذلك الصوت، حتى تزعزع تركيزه بشدة.
وكدليل على تفوق القوة العسكرية التي تبنتها الإمبراطورية، أصبح كورغان بطلها الذي لا يُضاهى.
«اهربوا، اهربوا، اهربوا، اهربوا!»
«آه…»
تصاعد صوت دوي هائل عندما اصطدم أحد السواطير الشيطانية بدرع غارفيل، فأطاح به بعيدًا.
شعر غارفيل بالموجة الصادمة تعصف بجسده بينما ارتكز على أطرافه الأربعة، شاعرًا بقوة الحياة تتوهج داخله. ومع تحكمه القسري في انزلاقه، ركز نظره إلى الأمام.
لهذا السبب، لم يدرك كورغان تمامًا تأثير الضربة على ذراعه اليمنى.
هناك، رأى حافة أحد السواطير تقترب منه بسرعة مذهلة.
—اتخذ قراره على الفور، وتحرك بسرعة البرق، ليظهر أثر قراره في اللحظة التالية.
النيران طهَّرت كل شيء.
كان شقيقه وشقيقته الأصغر يراقبانه.
«ررررررررررررااااااااااه!»
مد ذراعيه المغروزتين في الأرض، ليقتلع أجزاءً من الأرضية ويرفعها أمامه. اخترق الساطور الجدار المرتجل بسهولة، ولم يؤخره أكثر من ثانية قبل أن يقترب من وجه غارفيل.
لهذا السبب، لم يدرك كورغان تمامًا تأثير الضربة على ذراعه اليمنى.
بصرخة مدوية، فتح فمه على مصراعيه وانقض على عنق أسطورة الحرب الواقف أمامه.
صدر صرير عنيف عندما تلقى غارفيل الضربة مباشرة، دافعًا إياه إلى الخلف. تمزقت الأرض تحت قدميه، وارتطم نابان مكسوران بالأرض المرصوفة.
عندما هبط على الأرض، ارتجف غارفيل من حسمه وجرأته.
كانت الحماسة قد اشتعلت في قلوبهم جميعًا، لهيبًا لا يمكن إطفاؤه. كانت الحكمة تقول إنه لا سبب منطقيًا لبقائهم في هذا المكان. تصرفهم كان عنادًا أعمى وإيمانًا قد يقودهم إلى الموت بلا جدوى.
«لا تستخف بي!»
مع كل اشتباك بينهما، مقابل كل ضربة يمكن أن يوجهها غارفيل، كان خصمه يرد بثمانٍ. تلك الفجوة الساحقة في القوة، التفاوت المهول في القدرات، والفارق الكبير في المهارات أشعلت نيران التحدي في قلب غارفيل—
عوى غارفيل بصوت جهوري، وعضَّ بأسنانه بشدة، حيث كانت أنيابه الشيء الوحيد الذي صدَّ هجوم الساطور الشيطاني.
«—»
تحطمت أنيابه، وانهمرت الدماء من فمه الممزق، لكنه لم يتردد للحظة.
انخفضت الشفرة القاتلة باتجاه غارفيل ببطء غريب.
انفجرت عضلات رقبته وفكه وهو يقاوم بقوة جسده بالكامل. أمسك كورغان بمقبض الساطور بإحدى ذراعيه الأخرى، محاولًا تحريره من بين فكَّي غارفيل. لكن السلاح ظل عالقًا.
انتفخ جسد غارفيل العلوي بينما بدأ نصف تحوله، محطمًا النصل الأسطوري بين فكيه.
كان أبرز ما يميز هذه القبيلة، كما يوحي اسمها، امتلاك أفرادها ثلاثة أذرع أو أكثر. كان من السهل التعرف عليهم بفضل بنيتهم غير الطبيعية، ومع ذلك، افتقرو بشدة إلى القدرات السحرية مقارنة بغيرهم من نصف البشر. لهذا السبب، عُوملت القبيلة لسنوات طويلة كعرقٍ أدنى.
«—حسنًا، بما أنني رحيمة، سأمنحكم طلبكم.»
ارتجف جسد كورغان الهائل عند تحطم النصل—وكانت تلك الفرصة المثالية.
سقط غارفيل على الأرض بلا حول ولا قوة، وبصق قطعة اللحم التي انتزعها. شعر بالغثيان وهو ينظر خلفه، ليرى ظهر كورغان بينما تدفق سيل من الدماء من عنقه.
كان قرار غارفيل سريعًا، وحركته فورية، والنتيجة ظهرت في اللحظة التالية كما هي عادته.
على عكس معظم البشر، تمتعت قبائل نصف البشر بقدرة فطرية أعلى على التعامل مع المانا. ولهذا السبب، كانت العديد من قبائل نصف البشر تستخدم السحر في حياتها اليومية، لكن قبيلة الأذرع المتعددة كانت استثناءً. لم يُمنح أفراد هذه القبيلة القدرة على التحكم بالمانا.
«—»
لكن مَن غيَّر كل ذلك على نحو جذري كان كورغان نفسه.
كان ذلك كافيًا.
بمخالبٍ امتدت نحو كورغان، استغلَّ غارفيل بركته ليدفع بجسده الهائل من الأسفل. بعد أن تحول إلى نمر حرب، اصطدم غارفيل بأسطورة الحرب وسقطا معًا في المجرى المائي خلف كورغان.
«النمر البديع!»
انطلقت رشة ماء ضخمة، وتحول لون المياه إلى الأحمر بفعل دمائهما، بينما استمرا في ضرب بعضهما البعض تحت السطح.
«—»
انطلقت رشة ماء ضخمة، وتحول لون المياه إلى الأحمر بفعل دمائهما، بينما استمرا في ضرب بعضهما البعض تحت السطح.
رغم مقاومة الماء وغرقهما فجأة في الظلام، كانت غريزتهما تحركهما. ضربات متواصلة وعنيفة توالت بلا رحمة.
«النمر البديع!»
«—رائع.»
قبضة حديدية عملاقة حطمت الأعضاء الداخلية وأخرجت الهواء من الرئتين المشتعلتين. الألم كان أشد، والمعاناة كانت أقسى، لكن المعركة الوحشية تحت الماء استمرت.
الوحوش نصف البشرية التي لامستها ومضات اللهب المتسعة ابتلعتها النيران العارمة، لتتحول إلى رماد. كان ذلك رحمة حقيقية، وفي الوقت ذاته رثاءً.
—بجهد شاق، وصل دعاء غارفيل إلى الليل المظلم في بريستيلا.
«—غغ.»
ذراعاه كانتا محطمتين، وحلقه مبحوح من الصراخ. كورغان وقف أمامه، بعد أن استخدم كل أذرعه الثمانية في الهجوم.
غارفيل لم يكن لديه ما يكفي من الهواء. لم يستطع التنفس. عقله بدأ يتوقف عن العمل دون الأكسجين الكافي.
الكائنات الحية تحتاج الأكسجين، لكن الجثث لا تحتاج. ذلك الفرق بات واضحًا، والخط بين الاثنين كان لا يرحم.
لم يمتلك غارفيل الوقت أو الأكسجين ليحاول فهم مغزى تلك الضربة.
«لا تقلق بشأننا فقط—»
لم يتمكن غارفيل من رفع رأسه فوق سطح الماء. كان التيار قويًا للغاية. وبدأ يجرفه بعيدًا.
—كانوا فقط يقاتلون، يقتلون، ويهربون للبقاء على قيد الحياة.
بهذه الوتيرة، سينتهي—
«—»
غارفيل لم يكن لديه ما يكفي من الهواء. لم يستطع التنفس. عقله بدأ يتوقف عن العمل دون الأكسجين الكافي.
«—»
صوت ثقيل وعميق اخترق المياه، وارتد صداه في أذنيه.
كانت قبيلة الأذرع المتعددة بلا وطن، وعاشت حياة الترحال الدائم. يُقال إن السبب وراء ذلك كان فقدانهم لوطنهم في معركة دارت في زمن بعيد، لكن الماضي لم يكن يهم كورغان.
ولهذا السبب—
جذب الصوت وعيه الآخذ في التلاشي، ونظر غارفيل بعناية وسط الماء المظلم المعكر.
كانت السواطير الشيطانية قد حفرت الجدران وأرضية المجرى المائي. ضربة واحدة من أسطورة الحرب شقت ثقبًا مميتًا في شريان المدينة الحيوي.
لذا كان عليهم أن يركزوا على حماية أنفسهم و—
عندما أرعبه راينهارد وأدرك مدى اتساع العالم، لم يستطع إلا أن يتساءل عما إذا كان قد أصبح أضعف مما كان عليه قبل مغادرته الملجأ.
لم يمتلك غارفيل الوقت أو الأكسجين ليحاول فهم مغزى تلك الضربة.
شعرها، الذي يشبه لون الغروب، انساب على ظهرها الأبيض وهي تقف هناك.
في اللحظة التالية، اصطدمت قوة هائلة بجسده، وسحبته التيارات دون أي وسيلة للمقاومة. ومع تركه لجسده ينساب مع التيار، جرت المياه به سريعًا، حتى فجأةً، وجد نفسه يتحرر من تحت سطح الماء.
«بوهااا!غيهو! غاها!»
عندما سمع ذلك، انفجر أخوه بالبكاء، واحمر وجه أخته خجلًا.
خرج غارفيل من سجنه المائي، وسعل كل ما تسرب إلى رئتيه. تدفقت المياه من عينيه وأنفه وأذنيه ومن كل مسام في وجهه.
هناك، رأى حافة أحد السواطير تقترب منه بسرعة مذهلة.
هز رأسه محاولًا أن يجفف نفسه قدر الإمكان. وعندما رفع بصره ليرى ما حدث، بدأ يتلفت حوله، حتى—
«—»
«النمر البديع؟»
«غرااااااااااااه!!!»
وسط خرير المياه الجارية تحت الأرض، سمع صوتًا مرتعشًا يناديه.
كان هذا هو لقب النمر الذهبي. النمر الأقوى. النمر الذي كان غارفيل تينزل يقتدي به.
عوت الوحوش نصف البشرية، بعدما فقدت حتى غريزة الخوف من الموت أو تجنب الألم. لم تتردد تلك الكائنات في التضحية بحياتها بلا معنى، فيما تضخمت ألسنة اللهب، لتحرق المدينة بأسرها وتُحيل الجميع إلى رماد دفعة واحدة.
《٢》
خلال معركة الملجإ، أدرك غارفيل ضعفه الشخصي.
ما إن سمع غارفيل ذلك الصوت، حتى تزعزع تركيزه بشدة.
مع تباطؤ عالمه على نحو محبط، ليس أمام غارفيل سوى أن يصر على أسنانه.
وهو يسعل بشدة ليُخرج الكمية الهائلة من الماء التي استنشقها، أجبر دماغه المحروم من الأكسجين على العمل مجددًا.
////
كان في مكان مظلم وبارد تحت الأرض. الأرضية الصلبة مغطاة بحجارةٍ ملساء، والمياه المتدفقة بغزارة بدأت تغمرها. كان الحائط خلفه قد تعرض لخرق كبير، حيث اندفع السيل الموحل منه، ليُغرق الغرفة ويخلق جوًا خانقًا.
وهو يسعل بشدة ليُخرج الكمية الهائلة من الماء التي استنشقها، أجبر دماغه المحروم من الأكسجين على العمل مجددًا.
شعر بأنظار متوجهة نحوه— نظرات مليئة بالقلق، الحذر، الخوف، والتمرد.
«أووووووووووه—!!!»
ومن هذا الفهم أدرك أنه في أحد ملاجئ المدينة. المجرى المائي الذي سقط منه كان قريبًا من هذا الملجأ، والمياه تدفقت إلى داخله عبر الجدار المكسور.
صاح بهذا الاسم وكأنه لا يعرف طريقة أخرى للتعبير عن مشاعره.
«—»
عند وصوله إلى هذا الاستنتاج، هزَّ غارفيل نفسه، محاولًا استعادة تركيزه من حالة الذهول التي ألمَّت به.
كان من الصعب تصديق ادعاءها الساخر بأنها انتهت لليوم، لكن الثلاثة لم يكن لديهم وقت للتحقق من ذلك.
بحث بعينيه في كل مكان عن العملاق الذي كان يواجهه قبل لحظات؛ ذلك الجسد الجبار الذي بذل كل طاقته لمجابهته-
رافعًا الشفرة فوق رأسه استعدادًا لضربة قاضية. كانت هذه الضربة المطلقة ذاتها التي استخدمها لصد غارفيل فوق الأرض.
«لا أطلب مديحًا واهيًا— فقط نادوا اسمي.»
«—آه.»
وهذا منطقي. كان بإمكان أي شخص أن يرى أن حالة غارفيل ليست جيدة.
وفجأة، وقعت عيناه على فتى صغير بشعر أشقر وعينين خضراوين مبللتين.
ليس لديه أدنى فكرة عما جعله يفكر بتلك الحركة، لكن أقل من ثانية فصلت بين الفكرة وتنفيذها. احترق عقله. اشتعل قلبه. وانفجرت روحه بالحماسة.
كان وجهًا يعرفه. وجهًا أعاد إلى ذاكرته ذكرياتٍ تمزق قلبه.
«—نغه.»
الفتى الذي كان مع أم غارفيل، والذي لم يتعرف عليه عندما وجدها أخيرًا.
وبينما قالت ذلك، لوَّحت بسيفها، مطلقة ألسنة اللهب التي اجتاحت أرجاء المدينة.
لا يمكن وصف مقدار ما يعنيه ذلك لغارفيل. ولا مدى الشرف الذي يشعر به كمحارب، حين يرى كورغان ذو الأذرع الثمانية يُشهر أسلحته أمامه.
الأخ الأصغر الذي شغل المكان الذي لطالما تمنى غارفيل أن يكون فيه، متلقيًا حب والدته غير المشروط—
«—نغغ؟!»
وفي اللحظة التي استسلم فيها قلبه لتلك المشاعر غير المطلوبة مجددًا، دوى صوت رشة ماء هائلة.
كان الرجل ذو الأذرع الثمانية قد وقف هناك، والضجيج الناتج عن الماء الضحل يتفجر من حوله. ومع بقاء غارفيل متوقفًا كفزاعة عاجزة، أطلق كورغان وابلًا لا يرحم من الضربات بكل قوته.
واجهًا وقفة أسطورة الحرب الصامتة ونظرته المليئة بروح القتال، تلقى غارفيل إجابة كانت أبلغ من أي كلمات.
أقل لحظة تأخير في الرد كانت قاتلة. غفلة واحدة قدمت للعدو فرصة ذهبية.
واستغل كورغان، ذو الأذرع الثمانية، تلك الفرصة لتسديد ثماني ضربات متتالية على غارفيل.
الهجمات الخامسة والسادسة والسابعة والثامنة كانت أسرع من أن تُرى.
حتى لو تمكن غارفيل من صد الضربة الأولى والثانية، لم يستطع صد الست الباقيات.
رُمي وجهه جانبًا، وضربتان أخريان قذفتاه في الهواء، تبعتها لكمة قوية أسقطته أرضًا، وعندما ارتطم بالأرض، تلقت رأسه لكمة أخرى كادت تسحقها تمامًا.
«مـ-ماذا يجب أن أقول؟»
تحطم أنفه وأنيابه بقوة عند ارتطامه بقاع المجرى المائي تحت الماء، وتحول لون المياه إلى قرمزي بفعل سيل الدماء.
رفع ساقه، ودار بجسده بحيث تمر رأسه بالكاد عبر الفجوة بين القبضتين، عابرًا وادي الموت.
«بغغغغ… رآاااااااه!»
الصيحات لم تتوقف.
نهض غارفيل وصرخ بأعلى صوته. تاركًا وراءه أثرًا من الدماء، أطلق صرخة مزقت الهواء داخل الملجأ، وقفز، مسددًا قبضته نحو أسطورة الحرب.
وأي خبير لن يستطيع إلا أن يقول إن بقائه على قيد الحياة كان معجزة بحد ذاته.
التقت قبضتاهما في الهواء. مال برأسه لتجنب اللكمة الهابطة، بينما غرس أنيابه في كورغان من معصمه إلى مرفقه، وفي ذات الوقت ضرب صدر كورغان بمخلبه الأيمن.
تحطمت أنيابه، وانهمرت الدماء من فمه الممزق، لكنه لم يتردد للحظة.
اندفعت الدماء من الجروح الحادة، مخلفةً جرحًا عميقًا في جسد أسطورة الحرب.
كان من الصعب تصديق ادعاءها الساخر بأنها انتهت لليوم، لكن الثلاثة لم يكن لديهم وقت للتحقق من ذلك.
اندفعت الدماء من الجروح الحادة، مخلفةً جرحًا عميقًا في جسد أسطورة الحرب.
لكن كورغان، ذو الأذرع الثمانية، كان لديه سبع هجمات أخرى في جعبته. وكان على غارفيل استخدام كامل جسده لتفاديها جميعًا.
رأى سوبارو. ورأى رام. كما رأى ميمي وفريدريكا. كانت ريوزو هناك، وكذلك إميليا. ظهر أوتو، وحتى ذلك الوغد روزوال.
لم تكن تلك كلماتها، بل كلمات شاعر سجل أبياته لتُخلد في الزمان. ومع ذلك، ظلت المشاعر المتدفقة فيها كما هي، تتخطى حواجز الزمن لتواسي تلك الكائنات المسكينة.
مع كل اشتباك بينهما، مقابل كل ضربة يمكن أن يوجهها غارفيل، كان خصمه يرد بثمانٍ. تلك الفجوة الساحقة في القوة، التفاوت المهول في القدرات، والفارق الكبير في المهارات أشعلت نيران التحدي في قلب غارفيل—
«ررررررررررررااااااااااه!»
«آوووووووووووووووووه!»
هجوم، هجوم، هجوم، هجوم، هجوم، هجوم، هجوم—
إلا أن ما جعله استثنائيًا ليس مجرد عدد أذرعه. فقد عاشت قبيلته، التي عانت طويلًا من معاملتها كعرقٍ أدنى، حياة مسالمة وتجنبت الصراعات. لكن كورغان حمل في قلبه روحًا قتالية لا تهدأ، واشتاق دومًا لخوض المعارك.
رفعت المرأة القرمزية سيفها عاليًا في الهواء، ثم هوت به على الوحوش نصف البشرية، وكأنها تشطر القمر إلى نصفين.
صد، مراوغة، تفادٍ، صد آخر، انحناء، تحويل، مواجهة—
أحس غارفيل بشيء من السخرية يعتريه، فابتسم ابتسامة عريضة، متجاهلًا ألمه. ارتعشت أنيابه المتشققة.
لذا كان عليهم أن يركزوا على حماية أنفسهم و—
ارتطمت قبضتاهما ببعضهما، مُحدثتين موجة صادمة أزاحت المياه من حول أقدامهما. دوى انفجارٌ هائل لا يشبه صوت لحم يصطدم بلحم، بينما ارتد كل منهما إلى الخلف.
عندما بلغ العشرين من عمره، وجد كورغان متنفسًا لروحه القتالية.
—لا، كان لديه الوقت للغرق في ذكرياته.
تناثرت قطرات الماء في كل مكان بينما تقهقر النمر الضاري وأسطورة الحرب بحركاتٍ بهلوانية.
لم يتمكن غارفيل من رفع رأسه فوق سطح الماء. كان التيار قويًا للغاية. وبدأ يجرفه بعيدًا.
«—»
لكن أعينهما ظلت مركزة على بعضهما دون أن تنحرف لحظة. استند كورغان على الحائط، بينما أبقى غارفيل فمه عند مستوى المياه، ولكن لم يسمح أي منهما لنفسه بخفض حذره، مركزين كل ذرة من تركيزهما على المعركة القائمة.
جذب الصوت وعيه الآخذ في التلاشي، ونظر غارفيل بعناية وسط الماء المظلم المعكر.
رأى شقيقه أن غارفيل بالكاد يستطيع الحركة، فمد يده إلى جيبه المشبع بالدماء والرطوبة ليخرج منه ما كان يبحث عنه— مرآة التواصل.
تحت الماء، فعَّل غارفيل بركته، رافعًا قطعة مربعة من الأرض خلفه. بدأ الماء المتدفق إلى المساحة تحت الأرض يتسرب عبر الفتحة.
تحركاته لصدها بدت هي الأخرى كأنها تتحرك في حركة بطيئة.
سرعان ما انخفض مستوى الماء، لكن السيل لا يزال يتدفق عبر الثقب في الجدار—
«—»
رفع ساقه، ودار بجسده بحيث تمر رأسه بالكاد عبر الفجوة بين القبضتين، عابرًا وادي الموت.
سدَّ كورغان الثقب الكبير بضربة واحدة من شفراته الثلاث. ملأت الأنقاض الناتجة عن السقف المتهدم الفتحة، لتوقف اندفاع المياه بالقوة.
«اقتلوا كل واحد منهم! امنحوهم موتًا كريمًا!»
رغم ذلك، لم يكن غارفيل في موضع يسمح له بالتحدث عن الحد الفاصل بين النصر والهزيمة—
مع انسداد الفتحة وتصريف الماء المتبقي، اختفت المياه التي كانت تصل إلى الكاحل والتي أعاقت حركتهما.
«—»
«أوي أيها الصغير… ماذا…؟»
«—»
تمامًا كما حدث مع ذراعه اليمنى، تكسر معصمه ومرفقه وكتفه بضربة واحدة. تحولت رؤيته إلى اللون الأحمر من الألم المروع، واحترق عقله بحرارة شديدة كأنها نار ملتهبة. فتح فمه ليطلق صرخة.
بصمت، ثبت كلا المحاربين قدميهما على الأرض، وعادا إلى موقعيهما الأول، مواجهين بعضهما بأسلحتهما المميزة. درعان فضيان مثبتان على المعصمين، وثلاثة سيوف شيطانية مشرعة.
وكدليل على تفوق القوة العسكرية التي تبنتها الإمبراطورية، أصبح كورغان بطلها الذي لا يُضاهى.
لم يصدر أي منهما إشارة خاصة، ولكنها كانت مبارزة. مبارزة بين بطل ڤولاكيا، كورغان ذو الأذرع الثمانية، والمحارب الوحيد غارفيل.
—رغم غرابة الموقف، شعر غارفيل برضا غريب يغمره.
أمسكت شقيقته المرآة اللامعة بتوتر قرب وجهه. وبالنظر إليها، انتظر غارفيل استجابة من الطرف الآخر، مصليًا أن يكون رفاقه بخير.
التراجع أمام راينهارد، اكتشاف أن ذكريات أمه عنه قد طُمست، ضياع فرصته في الانتقام للفتاة الطيبة التي حمتْه، الوقوع في مخططات العدو، وتعريض حليف للخطر.
كان قد أمضى وقتًا طويلًا يراقب الأحداث وهي تمر من أمامه، فيما سرق شعور العجز والخسارة منه كل شيء.
«—وهكذا تنتهي المسرحية الهزلية بتصفيقٍ مدوٍ!»
خلال اليومين الماضيين، تعرض قلب غارفيل للتعرية، وأُجبر على تجرع مرارة ضعفه مرة تلو الأخرى.
«ررررررررررررااااااااااه!»
سرعان ما انخفض مستوى الماء، لكن السيل لا يزال يتدفق عبر الثقب في الجدار—
—كان كورغان هو مَن أعاد إشعال روحه التي ذبلت ووهنت.
بالطبع لا—لم يكن من الممكن أن يشعر محارب حقيقي بالشفقة على خصمه إلا بعد أن يموت تمامًا.
وفي اللحظة ذاتها اصطدمت الضربة بذراعيه، لتنفجر وعيه شظايا من الألعاب النارية المتلألئة.
بطل ڤولاكيا، أسطورة الحرب، ذو الأذرع الثمانية. عُرف بالكثير من الألقاب.
وها هو أقوى خصم يواجه غارفيل بأسلحته المشرعة.
غارفيل لم يكن لديه ما يكفي من الهواء. لم يستطع التنفس. عقله بدأ يتوقف عن العمل دون الأكسجين الكافي.
لا يمكن وصف مقدار ما يعنيه ذلك لغارفيل. ولا مدى الشرف الذي يشعر به كمحارب، حين يرى كورغان ذو الأذرع الثمانية يُشهر أسلحته أمامه.
لم يكن الأمر جيدًا. ضعفت ذراعه للغاية، ولم يستطع حتى القيام بذلك.
ما كان يعنيه هو الحاضر. وعندما نشب خلاف بين القبيلة وأحد اللوردات في الأرض التي استقروا بها حديثًا، تدخل كورغان ليضع حدًا للأمر.
خلال المعركة، عندما سقطا في المجرى المائي، بدأت وعي غارفيل يتلاشى. كان كورغان جثة أُعيدت إلى الحياة بفنون محرمة، ولم يكن بحاجة إلى التنفس. لو أراد إنهاء القتال ببساطة، كان بإمكانه الوقوف ومراقبة غارفيل يغرق.
رأى بياتريس وبيترا وكل سكان الملجأ. ورأى والدته ليشا، وأخته وأخاه اللذين اكتشفهما حديثًا.
لكنه لم يفعل. أسطورة الحرب حطم جدار المجرى المائي، فاتحًا طريقًا إلى الملجأ، مانحًا غارفيل فرصة للنجاة.
لماذا فعل ذلك؟
«… ظننتُ في البداية أنه كان شفقة.»
في البداية، عندما كان عزم غارفيل متزعزعًا، لم يعترف به كورغان كمحارب. دفع طفلًا يهاجم بقبضات مرتفعة، وركل خصمًا يبكي—لم تكن تلك أفعال محارب. كان غارفيل قد سمح لنفسه بفقدان السيطرة بدافع الإحباط، ولذلك أبقاه كورغان على مسافة.
خلال اليومين الماضيين، تعرض قلب غارفيل للتعرية، وأُجبر على تجرع مرارة ضعفه مرة تلو الأخرى.
لكن الأمر مختلف الآن. وهو يقف مُشهرًا درعيه، أصبح غارفيل الآن محاربًا حقيقيًا.
وهناك كان كورغان، ذو الأذرع الثمانية، يمسك بشفراته الشيطانية الأسطورية، وجسده كله مشبع بروح القتال. هل كان ذلك يبدو كرحمة أو شفقة؟ بالتأكيد لا.
كانت الحماسة قد اشتعلت في قلوبهم جميعًا، لهيبًا لا يمكن إطفاؤه. كانت الحكمة تقول إنه لا سبب منطقيًا لبقائهم في هذا المكان. تصرفهم كان عنادًا أعمى وإيمانًا قد يقودهم إلى الموت بلا جدوى.
كورغان أراد المبارزة. أراد أن يقاتل غارفيل كمحاربين متكافئين.
«—»
صد، مراوغة، تفادٍ، صد آخر، انحناء، تحويل، مواجهة—
والطريقة الوحيدة لحسم معركة بين المحاربين كانت عبر صدام واحد وحاسم.
وأخيرًا، ببطء، استدار كورغان نحو غارفيل.
واجهًا وقفة أسطورة الحرب الصامتة ونظرته المليئة بروح القتال، تلقى غارفيل إجابة كانت أبلغ من أي كلمات.
«أيها الحمقى… إلى متى ستستمرون بالتحديق؟»
لم تكن الشهوة في برج القيادة— فإلى أين ذهبت؟
وجه غارفيل كلامه إلى الأشخاص الذين كانوا يراقبون المعركة من بعيد، أولئك الذين تعطلت ملاذاتهم بسبب دخول غارفيل وكورغان العنيف.
لم يصدر صوت من كورغان ردًا على غارفيل. اكتفى أسطورة الحرب بضغط شفراته معًا، عارضًا قمة روح القتال أمام خصمه.
«—»
لم يكن هناك أي احتمال لأن يتمكن أي منهم من القتال ضد كورغان إذا انهزم غارفيل. قد يكون من الصعب تخيل أسطورة الحرب وهو يفتك بمَن لا يستطيعون حتى القتال، لكنهم لم يكونوا ليعرفوا ذلك.
لذا كان عليهم أن يركزوا على حماية أنفسهم و—
تمتم غارفيل بدهشة أمام اختفاء أسطورة الحرب، الذي تحول إلى كومة من الرماد.
«النمر البديع!»
رأى شقيقه أن غارفيل بالكاد يستطيع الحركة، فمد يده إلى جيبه المشبع بالدماء والرطوبة ليخرج منه ما كان يبحث عنه— مرآة التواصل.
وها هو أقوى خصم يواجه غارفيل بأسلحته المشرعة.
«هاه…؟»
كان ينوي أن يفهموا الإشارة ويهربوا، لكن صوتًا حادًا جاء برد فعل غير متوقع.
《٢》
كان ينوي أن يفهموا الإشارة ويهربوا، لكن صوتًا حادًا جاء برد فعل غير متوقع.
لكن الطريقة التي وقف بها كورغان شامخًا هناك، ذلك الوقوف الشجاع الذي لم يتأثر حتى بجراح قاتلة في العنق— كانت نبيلة وقوية للغاية لدرجة جعلت غارفيل يرتجف. بطل حقيقي بين الأبطال.
قطب غارفيل حاجبيه. الصوت صدر من صبي صغير وسط الملجأ—صبي بعيون دامعة، ووجه أحمر وهو يمسك بحافة ملابسه بإحكام.
الكائنات الحية تحتاج الأكسجين، لكن الجثث لا تحتاج. ذلك الفرق بات واضحًا، والخط بين الاثنين كان لا يرحم.
التقت عيناه الخضراوان بنظرات غارفيل المتطابقة.
كانت هناك فتاة بشعر أشقر مماثل تحتضن الصبي الصارخ من الخلف. كانت شقيقته الكبرى. أحاطته بذراعيها لتحميه، حتى وهي تحدق في غارفيل بعينين خضراوين مرتعشتين.
«النمر البديع!»
كان في مكان مظلم وبارد تحت الأرض. الأرضية الصلبة مغطاة بحجارةٍ ملساء، والمياه المتدفقة بغزارة بدأت تغمرها. كان الحائط خلفه قد تعرض لخرق كبير، حيث اندفع السيل الموحل منه، ليُغرق الغرفة ويخلق جوًا خانقًا.
«أوي أيها الصغير… ماذا…؟»
كان قرار غارفيل سريعًا، وحركته فورية، والنتيجة ظهرت في اللحظة التالية كما هي عادته.
الفارق في عدد الأذرع كان يعني أن كورغان هدف إلى قمة بعيدة جدًا عنه.
«الـ-النمر البديع!»
—تجاوز الهجوم السابع مباشرةً ليصل إلى الضربة الأخيرة.
«مـ-ماذا يجب أن أقول؟»
صاح الصبي بصوت مرتعش، رغم دهشة غارفيل.
بطل ڤولاكيا، أسطورة الحرب، ذو الأذرع الثمانية. عُرف بالكثير من الألقاب.
صاح بهذا الاسم وكأنه لا يعرف طريقة أخرى للتعبير عن مشاعره.
—النمر البديع.
في اللحظة التي أطلق فيها كورغان ضربته القاضية، انفصل غارفيل تمامًا عن العالم.
انتفخ جسد غارفيل العلوي بينما بدأ نصف تحوله، محطمًا النصل الأسطوري بين فكيه.
كان هذا هو لقب النمر الذهبي. النمر الأقوى. النمر الذي كان غارفيل تينزل يقتدي به.
«—»
لماذا صاح بهذا الاسم الآن؟ ماذا حاول أن يقول؟
—عادوا إلى رماد دون أن يتركوا وراءهم أي أثر. كان ذلك فعلًا حقيقيًا من الرحمة.
انهمرت دموع ساخنة على وجه الصبي الأحمر.
الأخ الأصغر الذي شغل المكان الذي لطالما تمنى غارفيل أن يكون فيه، متلقيًا حب والدته غير المشروط—
وسط خرير المياه الجارية تحت الأرض، سمع صوتًا مرتعشًا يناديه.
سمع الجميع في الملجأ صوته. وهكذا انتقلت الدوامة العاطفية التي لم يستطع التعبير عنها بالكلمات إلى جميع مَن حوله، وانتشرت بينهم.
التقت عيناه الخضراوان بنظرات غارفيل المتطابقة.
وهناك كان كورغان، ذو الأذرع الثمانية، يمسك بشفراته الشيطانية الأسطورية، وجسده كله مشبع بروح القتال. هل كان ذلك يبدو كرحمة أو شفقة؟ بالتأكيد لا.
«يا أقول لكم اهربوا بالفعـ—»
وسط خرير المياه الجارية تحت الأرض، سمع صوتًا مرتعشًا يناديه.
«النمر البديع!»
«لا تستخف بي!»
قُطع صوت غارفيل بصيحات اسم النمر الذهبي.
كل شيء من مرفقه حتى أطراف أصابعه سحق، وطار الدرع المثبت على معصمه بعيدًا. لكنُّه نجح في كبح زخم الضربة الساحقة. خفض رأسه، ليواجه القبضة بجبينه، متصديًا للضربة الرابعة بنطحة رأس.
كانت هناك فتاة بشعر أشقر مماثل تحتضن الصبي الصارخ من الخلف. كانت شقيقته الكبرى. أحاطته بذراعيها لتحميه، حتى وهي تحدق في غارفيل بعينين خضراوين مرتعشتين.
قبل أن يدرك ذلك، تحولت الحماسة التي بدأت بصوت الصبي الوحيد إلى موجة اجتاحت كل مَن في الملجأ، ولم يهرب أي منهم من مبارزة غارفيل وكورغان.
ارتجفت شفتاها بينما نطقت اسم النمر الذهبي في صرخة صامتة.
«انتصر!»
مع تباطؤ عالمه على نحو محبط، ليس أمام غارفيل سوى أن يصر على أسنانه.
لم يكن الصبي ولا الفتاة، وليس غارفيل بالطبع. كان رجلًا آخر يصرخ بصوت مرتفع وقبضته مشدودة.
«لا تقلق بشأننا فقط—»
دون تردد، خطا خطوة للأمام بقدمه اليمنى.
انهمرت دموع ساخنة على وجه الصبي الأحمر.
«قاتل وانتصر!»
«لا تخسر!»
«لا-لا يمكننا فعل شيء سوى المشاهدة… ولكن مع ذلك!»
وهذا كل ما يحتاجه.
ذُهل غارفيل.
عوى غارفيل بصوت جهوري، وعضَّ بأسنانه بشدة، حيث كانت أنيابه الشيء الوحيد الذي صدَّ هجوم الساطور الشيطاني.
أصواته المطالبة لهم بالهرب غمرتها الأصوات الجديدة.
لذا كان عليهم أن يركزوا على حماية أنفسهم و—
قبل أن يدرك ذلك، تحولت الحماسة التي بدأت بصوت الصبي الوحيد إلى موجة اجتاحت كل مَن في الملجأ، ولم يهرب أي منهم من مبارزة غارفيل وكورغان.
في البداية، عندما كان عزم غارفيل متزعزعًا، لم يعترف به كورغان كمحارب. دفع طفلًا يهاجم بقبضات مرتفعة، وركل خصمًا يبكي—لم تكن تلك أفعال محارب. كان غارفيل قد سمح لنفسه بفقدان السيطرة بدافع الإحباط، ولذلك أبقاه كورغان على مسافة.
كانت الحماسة قد اشتعلت في قلوبهم جميعًا، لهيبًا لا يمكن إطفاؤه. كانت الحكمة تقول إنه لا سبب منطقيًا لبقائهم في هذا المكان. تصرفهم كان عنادًا أعمى وإيمانًا قد يقودهم إلى الموت بلا جدوى.
بكلمة واحدة، بصوت عميق ومهيب، أشاد بخصمه.
وهذا كل ما يحتاجه.
«يبدو أن عرضك قد نجح أكثر مما كنت تتوقع، أيها القائد.»
تذكر غارفيل كلمات ناتسكي سوبارو التي تردد صداها في أنحاء المدينة، وأرخى كتفيه قليلًا.
وفي تلك اللحظة، اصطدمت ضربة الشفرة بدرع ذراعه اليسرى، مخترقة جسده كصاعقة برق.
تذكر غارفيل كلمات ناتسكي سوبارو التي تردد صداها في أنحاء المدينة، وأرخى كتفيه قليلًا.
قوة ضعف سوبارو قد رفعت معنويات أهل المدينة، ورأى الآن أمام عينيه ثمار ذلك.
بصمت، ثبت كلا المحاربين قدميهما على الأرض، وعادا إلى موقعيهما الأول، مواجهين بعضهما بأسلحتهما المميزة. درعان فضيان مثبتان على المعصمين، وثلاثة سيوف شيطانية مشرعة.
جمرة صغيرة مشتعلة في قلب أحدهم قد تتحول إلى لهيب عظيم إن وُجدت الفرصة المناسبة.
حركتهم كانت بطيئة، وليست سوى مسألة وقت قبل أن تلحق بهم الوحوش.
أمسكت شقيقته المرآة اللامعة بتوتر قرب وجهه. وبالنظر إليها، انتظر غارفيل استجابة من الطرف الآخر، مصليًا أن يكون رفاقه بخير.
وهذه اللحظة كانت الفرصة التي انتظرها أهل الملجأ.
تمامًا كما كانت اللحظة ذاتها لغارفيل.
الفارق في عدد الأذرع كان يعني أن كورغان هدف إلى قمة بعيدة جدًا عنه.
«النمر البديع!»
تحركاته لصدها بدت هي الأخرى كأنها تتحرك في حركة بطيئة.
الصيحات لم تتوقف.
رفعت المرأة القرمزية سيفها عاليًا في الهواء، ثم هوت به على الوحوش نصف البشرية، وكأنها تشطر القمر إلى نصفين.
وكان أول مَن بادر بها وأشعلها هو شقيق غارفيل الأصغر، الذي وُلد دون أن يعلم عنه شيئًا.
جمرة صغيرة مشتعلة في قلب أحدهم قد تتحول إلى لهيب عظيم إن وُجدت الفرصة المناسبة.
الفتى الذي كان مع أم غارفيل، والذي لم يتعرف عليه عندما وجدها أخيرًا.
وشقيقته التي احتضنته من الخلف، هي الأخرى وُلدت دون أن يعرف بوجودها.
كان شقيقه وشقيقته الأصغر يراقبانه.
—عادوا إلى رماد دون أن يتركوا وراءهم أي أثر. كان ذلك فعلًا حقيقيًا من الرحمة.
خرج غارفيل من سجنه المائي، وسعل كل ما تسرب إلى رئتيه. تدفقت المياه من عينيه وأنفه وأذنيه ومن كل مسام في وجهه.
وكانت المدينة التي احتضنت والدته -التي فقدت ذكرياتها- وأهلها جميعًا يراقبونه.
خلال المعركة، عندما سقطا في المجرى المائي، بدأت وعي غارفيل يتلاشى. كان كورغان جثة أُعيدت إلى الحياة بفنون محرمة، ولم يكن بحاجة إلى التنفس. لو أراد إنهاء القتال ببساطة، كان بإمكانه الوقوف ومراقبة غارفيل يغرق.
هز غارفيل رأسه بينما أظهرت أخته الصغيرة مزيجًا من القلق والعناد وهي ترفض الاعتراف بدموعها. وجهه لا يزال مغطى بالدماء، حاول أن يصل إلى جيب في حزام خصره.
«صخب كهذا لا يناسب مبارزة.»
«—»
«أعتذر عن كل هذا الإزعاج الذي تسببت فيه. بالأخص، اثنان هما الأكثر إزعاجًا: أخي الصغير وأختي. سأحرص على تأديبهما جيدًا بعد انتهاء هذا الأمر.»
ما أوقفه كان صوتًا مليئًا بالدموع.
تحركاته لصدها بدت هي الأخرى كأنها تتحرك في حركة بطيئة.
«—»
سقط غارفيل على الأرض بلا حول ولا قوة، وبصق قطعة اللحم التي انتزعها. شعر بالغثيان وهو ينظر خلفه، ليرى ظهر كورغان بينما تدفق سيل من الدماء من عنقه.
واجهًا وقفة أسطورة الحرب الصامتة ونظرته المليئة بروح القتال، تلقى غارفيل إجابة كانت أبلغ من أي كلمات.
وشقيقته التي احتضنته من الخلف، هي الأخرى وُلدت دون أن يعرف بوجودها.
كانت السواطير الشيطانية قد حفرت الجدران وأرضية المجرى المائي. ضربة واحدة من أسطورة الحرب شقت ثقبًا مميتًا في شريان المدينة الحيوي.
قبض يديه بقوة، وضرب درعيه ببعضهما، وهو يبتسم ابتسامة واسعة تكشف عن أنيابه.
«—آااه، هذا مريح للغاية.»
«أنا الدرع الأعظم… لا، بل…»
جذب الصوت وعيه الآخذ في التلاشي، ونظر غارفيل بعناية وسط الماء المظلم المعكر.
أقل لحظة تأخير في الرد كانت قاتلة. غفلة واحدة قدمت للعدو فرصة ذهبية.
«—»
«أنا غارفيل تينزل، النمر البديع.»
مبارزة بين المحاربين تبدأ بالتعارف.
لم يصدر صوت من كورغان ردًا على غارفيل. اكتفى أسطورة الحرب بضغط شفراته معًا، عارضًا قمة روح القتال أمام خصمه.
وهذا طبيعي تمامًا. لقد كان بالفعل جثة هامدة. الألم حكر على الأحياء، خيط يربطهم بشعلتهم الحية ويحميها. أما الأموات، فلا حاجة لهم به.
بدا عليهما أنهما يبكيان— لا، كانا يبكيان بالفعل.
كان ذلك كافيًا.
لكن في هذه اللحظة، ليس كمحارب بل كـ—
«أمسكيها… هنا… سأفعل…»
«غرااااااااااااه!!!»
«لا أطلب مديحًا واهيًا— فقط نادوا اسمي.»
الفتى الذي كان مع أم غارفيل، والذي لم يتعرف عليه عندما وجدها أخيرًا.
تقدما خطوة واحدة، فانفجرت الأرض تحت أقدامهما، واختفى الفراغ بينهما في غمضة عين.
وفي اللحظة التي دخلا فيها نطاق المواجهة، شعر غارفيل بحدة النصل الذي يشق الهواء باتجاهه.
شعر غارفيل بقشعريرة تسري في فرائه.
لم يصدر صوت من كورغان ردًا على غارفيل. اكتفى أسطورة الحرب بضغط شفراته معًا، عارضًا قمة روح القتال أمام خصمه.
—ثماني ضربات مدمجة في هجوم واحد. ضربة واحدة مقابل ثمانٍ.
سدَّ كورغان الثقب الكبير بضربة واحدة من شفراته الثلاث. ملأت الأنقاض الناتجة عن السقف المتهدم الفتحة، لتوقف اندفاع المياه بالقوة.
الفارق في عدد الأذرع كان يعني أن كورغان هدف إلى قمة بعيدة جدًا عنه.
تمامًا كما كانت اللحظة ذاتها لغارفيل.
لكن غارفيل لم يكن ليصل إليها دون أن يمد ذراعه ويحاول الآن بكل ما أوتي من قوة.
رافعًا الشفرة فوق رأسه استعدادًا لضربة قاضية. كانت هذه الضربة المطلقة ذاتها التي استخدمها لصد غارفيل فوق الأرض.
«—»
أتته ضربة أفقية باتجاه جذعه، فرفع قدمه وداس على النصل ليوقفه. كعب قدمه ضغط على سطح الشفرة المسطح، فانغرست الشفرة السميكة في الأرضية الحجرية، محدثة دويًا هائلًا تردد صداه في أنحاء المدينة.
تحطمت دفاعات ذراعه اليسرى فورًا تحت وطأة ضربة الشفرة.
كانت هذه الضربة الأولى، لكنه لم يملك فرصة لالتقاط أنفاسه.
«صخب كهذا لا يناسب مبارزة.»
في اللحظة نفسها التي استقرت فيها الشفرة الأولى على الأرض، صنعت الثانية قوسًا قاتلًا من الجهة اليسرى لكورغان. سماع صوت النصل وهو يقطع الهواء بأذنه اليمنى، جعل غارفيل يرفع ذراعيه، محتميًا بالدرعين عن رأسه.
خرج غارفيل من سجنه المائي، وسعل كل ما تسرب إلى رئتيه. تدفقت المياه من عينيه وأنفه وأذنيه ومن كل مسام في وجهه.
وفي اللحظة ذاتها اصطدمت الضربة بذراعيه، لتنفجر وعيه شظايا من الألعاب النارية المتلألئة.
«قاتل وانتصر!»
تحطمت ذراعه اليمنى تحت وطأة الضربة التي أصابت مرفقه، فكُسر كتفه ومعصمه. صر على أسنانه حتى تشققت، لكنه صمد. كانت تلك الثانية.
أمسكت شقيقته المرآة اللامعة بتوتر قرب وجهه. وبالنظر إليها، انتظر غارفيل استجابة من الطرف الآخر، مصليًا أن يكون رفاقه بخير.
《٢》
الهجوم الثالث والرابع كانا بيدين مجردتين، وأتيا في الوقت ذاته. انطلقت الضربات بقوة أشبه بقذائف المدفعية، مستهدفة غارفيل بينما كان تركيزه مشوشًا بسبب الصدمة التي أصابت رأسه. صدره وعنقه—كلاهما كان يمكن أن يكون مميتًا إذا أصابت الضربات هدفها.
وفي اللحظة التي دخلا فيها نطاق المواجهة، شعر غارفيل بحدة النصل الذي يشق الهواء باتجاهه.
لكمة صوبت نحو جذعه جعلت عضلات بطنه تشتعل بالألم. التوى بجسده رغم شعوره وكأن معدته تحترق، ليقلل الأضرار إلى مجرد تمزيق الطبقة الخارجية من جلده. كانت تلك الثالثة.
لهذا السبب، لم يدرك كورغان تمامًا تأثير الضربة على ذراعه اليمنى.
هجوم، هجوم، هجوم، هجوم، هجوم، هجوم، هجوم—
دافع بأقصى سرعة ممكنة، رافعًا ذراعه اليمنى ليتلقى الضربة المتجهة إلى وجهه. ذراعه اليمنى المكسورة المهشمة واجهت الضربة الثقيلة مباشرة، فتفتت تمامًا، متلاشية إلى حد فقدان أي أثر لشكلها الأصلي.
نهض غارفيل وصرخ بأعلى صوته. تاركًا وراءه أثرًا من الدماء، أطلق صرخة مزقت الهواء داخل الملجأ، وقفز، مسددًا قبضته نحو أسطورة الحرب.
ارتطمت قبضتاهما ببعضهما، مُحدثتين موجة صادمة أزاحت المياه من حول أقدامهما. دوى انفجارٌ هائل لا يشبه صوت لحم يصطدم بلحم، بينما ارتد كل منهما إلى الخلف.
كل شيء من مرفقه حتى أطراف أصابعه سحق، وطار الدرع المثبت على معصمه بعيدًا. لكنُّه نجح في كبح زخم الضربة الساحقة. خفض رأسه، ليواجه القبضة بجبينه، متصديًا للضربة الرابعة بنطحة رأس.
وهناك كان كورغان، ذو الأذرع الثمانية، يمسك بشفراته الشيطانية الأسطورية، وجسده كله مشبع بروح القتال. هل كان ذلك يبدو كرحمة أو شفقة؟ بالتأكيد لا.
الهجمات الخامسة والسادسة والسابعة والثامنة كانت أسرع من أن تُرى.
«أوي أيها الصغير… ماذا…؟»
أحس غارفيل بشيء من السخرية يعتريه، فابتسم ابتسامة عريضة، متجاهلًا ألمه. ارتعشت أنيابه المتشققة.
«أووووووووووه—!!!»
الضربتان الخامسة والسادسة كانتا أيضًا بيدين مجردتين، أما آخر شفرة فكانت محفوظة للضربة الحاسمة.
أما الرجل ذو الخوذة السوداء، فقد انهار على الأرض، يراقب المرأة في الكيمونو وهي تلهث محاولة التقاط أنفاسها.
هاجم كورغان بذراعيه اليسريين الممتدين من كتفه ومن جانبه. ذراع غارفيل اليمنى، التي احتاجها للدفاع، أصبحت عديمة الفائدة، وذراعه اليسرى لم تكن لتتحرك في الوقت المناسب.
دون تردد، خطا خطوة للأمام بقدمه اليمنى.
عندما بلغ العشرين من عمره، وجد كورغان متنفسًا لروحه القتالية.
اندفعت إرادته نحو الأرض تحت قدميه، فارتفع السطح قليلًا تحت قدم كورغان. كان ذلك بفضل البركة التي استدعيها أحيانًا. لكن أسطورة الحرب سحقت تلك التشويشات دون أي لحظة تردد أو ارتباك.
سقط غارفيل على الأرض بلا حول ولا قوة، وبصق قطعة اللحم التي انتزعها. شعر بالغثيان وهو ينظر خلفه، ليرى ظهر كورغان بينما تدفق سيل من الدماء من عنقه.
لم يكن في حركاته أي أثر للحيرة أو التردد. مع ذلك، وللحظة خاطفة للغاية، تسبب ذلك في ثغرة صغيرة في تركيزه، واستغل غارفيل تلك الفرصة إلى أقصى حد.
رفع ساقه، ودار بجسده بحيث تمر رأسه بالكاد عبر الفجوة بين القبضتين، عابرًا وادي الموت.
عندما هبط على الأرض، ارتجف غارفيل من حسمه وجرأته.
ذراعاه كانتا محطمتين، وحلقه مبحوح من الصراخ. كورغان وقف أمامه، بعد أن استخدم كل أذرعه الثمانية في الهجوم.
ليس لديه أدنى فكرة عما جعله يفكر بتلك الحركة، لكن أقل من ثانية فصلت بين الفكرة وتنفيذها. احترق عقله. اشتعل قلبه. وانفجرت روحه بالحماسة.
رُمي وجهه جانبًا، وضربتان أخريان قذفتاه في الهواء، تبعتها لكمة قوية أسقطته أرضًا، وعندما ارتطم بالأرض، تلقت رأسه لكمة أخرى كادت تسحقها تمامًا.
كانت الخامسة والسادسة قد انتهت، أما السابعة والثامنة—
«—»
تلاشت الأصوات، وانطفأت الألوان، واختفت كل الأمور غير الضرورية من مجال رؤيته. بلغ حالة من التركيز المطلق، ولم يبقَ في وعيه سوى كورغان.
شعر غارفيل بقشعريرة تسري في فرائه.
مع تجنبه للخامسة والسادسة، استعد كورغان لتوجيه الضربة النهائية.
الأخ الأصغر الذي شغل المكان الذي لطالما تمنى غارفيل أن يكون فيه، متلقيًا حب والدته غير المشروط—
«لا-لا يمكننا فعل شيء سوى المشاهدة… ولكن مع ذلك!»
—تجاوز الهجوم السابع مباشرةً ليصل إلى الضربة الأخيرة.
مستنزفًا الكثير من دمه، استلقى غارفيل على الأرض وزفر ببطء.
ماذا دار في ذهن أسطورة الحرب في تلك اللحظة؟ هل شعر بالرحمة أو الشفقة تجاه المحارب الذي أوشكت حياته على النهاية؟
ممسكًا بمقبض الشفرة الشيطانية الأخيرة بإحدى يديه اليمنى، جمع كورغان آخر ذرة من قوته في الذراع البارزة من كتفه الأيمن.
ماذا دار في ذهن أسطورة الحرب في تلك اللحظة؟ هل شعر بالرحمة أو الشفقة تجاه المحارب الذي أوشكت حياته على النهاية؟
رافعًا الشفرة فوق رأسه استعدادًا لضربة قاضية. كانت هذه الضربة المطلقة ذاتها التي استخدمها لصد غارفيل فوق الأرض.
«لا-لا يمكننا فعل شيء سوى المشاهدة… ولكن مع ذلك!»
بعد أن وضع حياته على المحك للدفاع ضد الضربات الست السابقة، رأى غارفيل هلوسة حية فيما الضربة الأخيرة تقترب منه.
لم يكن بالإمكان تفاديها. محاولة صدها ستكون جنونًا. الخيار الوحيد كان الدفاع الخالص.
شعر بأنظار متوجهة نحوه— نظرات مليئة بالقلق، الحذر، الخوف، والتمرد.
«النمر البديع!»
في تلك اللحظة القصيرة، كانت الأصوات لا تزال تتردد في أذنيه. صيحات أخيه وأخته وبقية المتفرجين ملأت المكان.
سقط غارفيل على الأرض بلا حول ولا قوة، وبصق قطعة اللحم التي انتزعها. شعر بالغثيان وهو ينظر خلفه، ليرى ظهر كورغان بينما تدفق سيل من الدماء من عنقه.
«لا تخسر!»
—كان قراره فوريًا، وحركته مباشرة، ونتيجته جاءت في لمح البصر.
ممسكًا بمقبض الشفرة الشيطانية الأخيرة بإحدى يديه اليمنى، جمع كورغان آخر ذرة من قوته في الذراع البارزة من كتفه الأيمن.
«صخب كهذا لا يناسب مبارزة.»
في اللحظة التي أطلق فيها كورغان ضربته القاضية، انفصل غارفيل تمامًا عن العالم.
تلاشت الأصوات، وانطفأت الألوان، واختفت كل الأمور غير الضرورية من مجال رؤيته. بلغ حالة من التركيز المطلق، ولم يبقَ في وعيه سوى كورغان.
بعد أن تهشمت ذراعه اليسرى، استمرت قوة الشفرة في التقدم، متجهة نحو عنق غارفيل. لا تزال تمتلك القوة الكافية لسحقه وتحويل جسده بالكامل إلى أشلاء متناثرة.
انخفضت الشفرة القاتلة باتجاه غارفيل ببطء غريب.
تحركاته لصدها بدت هي الأخرى كأنها تتحرك في حركة بطيئة.
أحس غارفيل بشيء من السخرية يعتريه، فابتسم ابتسامة عريضة، متجاهلًا ألمه. ارتعشت أنيابه المتشققة.
«آوووووووووووووووووه!»
مع تباطؤ عالمه على نحو محبط، ليس أمام غارفيل سوى أن يصر على أسنانه.
«آاه… سحقًا… أعتقد أنني حقًا… سأموت…»
كانت السواطير الشيطانية قد حفرت الجدران وأرضية المجرى المائي. ضربة واحدة من أسطورة الحرب شقت ثقبًا مميتًا في شريان المدينة الحيوي.
—لا، كان لديه الوقت للغرق في ذكرياته.
«—»
«—»
«—آااه، هذا مريح للغاية.»
رأى سوبارو. ورأى رام. كما رأى ميمي وفريدريكا. كانت ريوزو هناك، وكذلك إميليا. ظهر أوتو، وحتى ذلك الوغد روزوال.
بطل ڤولاكيا، أسطورة الحرب، ذو الأذرع الثمانية. عُرف بالكثير من الألقاب.
شعر بأنظار متوجهة نحوه— نظرات مليئة بالقلق، الحذر، الخوف، والتمرد.
رأى بياتريس وبيترا وكل سكان الملجأ. ورأى والدته ليشا، وأخته وأخاه اللذين اكتشفهما حديثًا.
لم تكن الشهوة في برج القيادة— فإلى أين ذهبت؟
«—غغ.»
خلال معركة الملجإ، أدرك غارفيل ضعفه الشخصي.
عندما أرعبه راينهارد وأدرك مدى اتساع العالم، لم يستطع إلا أن يتساءل عما إذا كان قد أصبح أضعف مما كان عليه قبل مغادرته الملجأ.
تمامًا كما حدث مع ذراعه اليمنى، تكسر معصمه ومرفقه وكتفه بضربة واحدة. تحولت رؤيته إلى اللون الأحمر من الألم المروع، واحترق عقله بحرارة شديدة كأنها نار ملتهبة. فتح فمه ليطلق صرخة.
هل أدى سعيه للتمسك بالمزيد إلى أن يصبح أضعف مما كان عليه؟
الضربتان الخامسة والسادسة كانتا أيضًا بيدين مجردتين، أما آخر شفرة فكانت محفوظة للضربة الحاسمة.
—لكن ذلك لم يكن صحيحًا على الإطلاق.
كانت هذه الضربة الأولى، لكنه لم يملك فرصة لالتقاط أنفاسه.
كان ينوي أن يفهموا الإشارة ويهربوا، لكن صوتًا حادًا جاء برد فعل غير متوقع.
إذا كان التمسك بالمزيد يجعله أضعف، فما جدوى حياته إذًا؟
أومأت برأسها ردًا على الفارس الذي يمتلك أذني قط أشقر، والذي صرخ متألمًا.
لم يكن الأمر كذلك. وجب عليه فقط أن يصبح أقوى ليحمي كل ما أصبح عزيزًا عليه.
بصمت، ثبت كلا المحاربين قدميهما على الأرض، وعادا إلى موقعيهما الأول، مواجهين بعضهما بأسلحتهما المميزة. درعان فضيان مثبتان على المعصمين، وثلاثة سيوف شيطانية مشرعة.
وهذا كل ما يحتاجه.
هاجم كورغان بذراعيه اليسريين الممتدين من كتفه ومن جانبه. ذراع غارفيل اليمنى، التي احتاجها للدفاع، أصبحت عديمة الفائدة، وذراعه اليسرى لم تكن لتتحرك في الوقت المناسب.
«—آااه، هذا مريح للغاية.»
كان كورغان ذو الأذرع الثمانية شخصية أسطورية في إمبراطورية ڤولاكيا، التي اشتهرت بنظامها القائم على الجدارة مقارنة بالدول الأخرى، كان للقبائل نصف البشرية مكانة مستقرة نسبيًا داخل حدودها، بخلاف مملكة لوغونيكا، التي كانت معروفة بتعصبها العرقي ضد نصف البشر، أو المملكة المقدسة غوستيكو، التي رفضت جميع الغرباء، أو دولة مدينة كاراراجي، التي لم يمضِ وقت طويل على نشأتها كأمة.
تلاشى جذر قلقه فجأة.
وفي تلك اللحظة، اصطدمت ضربة الشفرة بدرع ذراعه اليسرى، مخترقة جسده كصاعقة برق.
لكمة صوبت نحو جذعه جعلت عضلات بطنه تشتعل بالألم. التوى بجسده رغم شعوره وكأن معدته تحترق، ليقلل الأضرار إلى مجرد تمزيق الطبقة الخارجية من جلده. كانت تلك الثالثة.
«نغههههه—!!!»
تحطمت دفاعات ذراعه اليسرى فورًا تحت وطأة ضربة الشفرة.
تمامًا كما حدث مع ذراعه اليمنى، تكسر معصمه ومرفقه وكتفه بضربة واحدة. تحولت رؤيته إلى اللون الأحمر من الألم المروع، واحترق عقله بحرارة شديدة كأنها نار ملتهبة. فتح فمه ليطلق صرخة.
كان ينوي أن يفهموا الإشارة ويهربوا، لكن صوتًا حادًا جاء برد فعل غير متوقع.
كادت الصرخة أن تكون أشبه بعويل محتضر، إذ رفضت زخم الشفرة التوقف.
الهجوم الثالث والرابع كانا بيدين مجردتين، وأتيا في الوقت ذاته. انطلقت الضربات بقوة أشبه بقذائف المدفعية، مستهدفة غارفيل بينما كان تركيزه مشوشًا بسبب الصدمة التي أصابت رأسه. صدره وعنقه—كلاهما كان يمكن أن يكون مميتًا إذا أصابت الضربات هدفها.
بعد أن تهشمت ذراعه اليسرى، استمرت قوة الشفرة في التقدم، متجهة نحو عنق غارفيل. لا تزال تمتلك القوة الكافية لسحقه وتحويل جسده بالكامل إلى أشلاء متناثرة.
ماذا دار في ذهن أسطورة الحرب في تلك اللحظة؟ هل شعر بالرحمة أو الشفقة تجاه المحارب الذي أوشكت حياته على النهاية؟
صد، مراوغة، تفادٍ، صد آخر، انحناء، تحويل، مواجهة—
وفي تلك اللحظة، اصطدمت ضربة الشفرة بدرع ذراعه اليسرى، مخترقة جسده كصاعقة برق.
بالطبع لا—لم يكن من الممكن أن يشعر محارب حقيقي بالشفقة على خصمه إلا بعد أن يموت تمامًا.
ولهذا السبب—
«—»
اندفعت إرادته نحو الأرض تحت قدميه، فارتفع السطح قليلًا تحت قدم كورغان. كان ذلك بفضل البركة التي استدعيها أحيانًا. لكن أسطورة الحرب سحقت تلك التشويشات دون أي لحظة تردد أو ارتباك.
«—»
تلاشى جذر قلقه فجأة.
فجأة، انفجرت الدماء. لكنها لم تكن دماء غارفيل. إحدى أذرع كورغان اليمنى، الذراع التي حملت الشفرة الشيطانية الأخيرة، انفجرت.
شعرها، الذي يشبه لون الغروب، انساب على ظهرها الأبيض وهي تقف هناك.
كانت الذراع التي مزقها غارفيل بأنيابه في المواجهة السابقة. كان جرحًا عميقًا يكشف العظم يمتد من المعصم إلى المرفق. ومع هذه الضربة الأخيرة، انفتح ذلك الجرح بقوة.
«أنا الدرع الأعظم… لا، بل…»
لم يظهر أي تعبير بالدهشة على وجه كورغان. ولم يبدُ عليه أي شعور بالألم.
عندما أرعبه راينهارد وأدرك مدى اتساع العالم، لم يستطع إلا أن يتساءل عما إذا كان قد أصبح أضعف مما كان عليه قبل مغادرته الملجأ.
وهذا طبيعي تمامًا. لقد كان بالفعل جثة هامدة. الألم حكر على الأحياء، خيط يربطهم بشعلتهم الحية ويحميها. أما الأموات، فلا حاجة لهم به.
ليس لديه متسع من الانتباه للطريق الذي سلكوه. كان منشغلًا بصد أسراب الوحوش التي كانت تهاجمه. وبينما كان يحمي مؤخرة المجموعة، تقدم الآخران بصعوبة عبر التضاريس الوعرة.
«—»
لهذا السبب، لم يدرك كورغان تمامًا تأثير الضربة على ذراعه اليمنى.
وفي اللحظة التي استسلم فيها قلبه لتلك المشاعر غير المطلوبة مجددًا، دوى صوت رشة ماء هائلة.
لو كان في كامل قوته، لكان عليه استخدام ذراعه اليسرى السليمة لتوجيه تلك الضربة الأخيرة.
رغم ذلك، لم يكن غارفيل في موضع يسمح له بالتحدث عن الحد الفاصل بين النصر والهزيمة—
رأى سوبارو. ورأى رام. كما رأى ميمي وفريدريكا. كانت ريوزو هناك، وكذلك إميليا. ظهر أوتو، وحتى ذلك الوغد روزوال.
الأخ الأصغر الذي شغل المكان الذي لطالما تمنى غارفيل أن يكون فيه، متلقيًا حب والدته غير المشروط—
«آه—»
«انتصر!»
دافع بأقصى سرعة ممكنة، رافعًا ذراعه اليمنى ليتلقى الضربة المتجهة إلى وجهه. ذراعه اليمنى المكسورة المهشمة واجهت الضربة الثقيلة مباشرة، فتفتت تمامًا، متلاشية إلى حد فقدان أي أثر لشكلها الأصلي.
بعدما تحمل جميع هجمات الأذرع الثمانية، أطلق غارفيل زفيرًا عميقًا، ووجهه مغطى بالدماء.
ذراعاه كانتا محطمتين، وحلقه مبحوح من الصراخ. كورغان وقف أمامه، بعد أن استخدم كل أذرعه الثمانية في الهجوم.
كان عليه أن يجد شيئًا. أي شيء يمكنه فعله. لم تقدر ذراعاه على الحركة، وعقله عجَّ بالأفكار المتسارعة.
《١》
لم يستطع غارفيل استخدام ذراعيه أو مخالبه. لذلك لم يبقَ له سوى—
«آااااه، غااااه!!!»
بصرخة مدوية، فتح فمه على مصراعيه وانقض على عنق أسطورة الحرب الواقف أمامه.
«لا تستخف بي!»
أنغرست أنيابه في الجلد القاسي السميك، ممزقة الشرايين الحاسمة للحفاظ على الحياة. ومع أنيابه المغروسة عميقًا في عنق كورغان، استدار غارفيل بجسده، مستخدمًا هذا الزخم لتمزيق العضلات، فكه الوحشي انتزع نصف عنق كورغان.
«نغخ… آه…»
—كانوا فقط يقاتلون، يقتلون، ويهربون للبقاء على قيد الحياة.
سقط غارفيل على الأرض بلا حول ولا قوة، وبصق قطعة اللحم التي انتزعها. شعر بالغثيان وهو ينظر خلفه، ليرى ظهر كورغان بينما تدفق سيل من الدماء من عنقه.
«—رائع.»
تحطمت ذراعا غارفيل، وقد فقد الكثير من أسنانه، وكان على حافة الموت بسبب النزيف الحاد.
صوت ثقيل وعميق اخترق المياه، وارتد صداه في أذنيه.
لكن الطريقة التي وقف بها كورغان شامخًا هناك، ذلك الوقوف الشجاع الذي لم يتأثر حتى بجراح قاتلة في العنق— كانت نبيلة وقوية للغاية لدرجة جعلت غارفيل يرتجف. بطل حقيقي بين الأبطال.
«—»
«—»
وأخيرًا، ببطء، استدار كورغان نحو غارفيل.
أسطورة الحرب بصمت، شبك أذرعه الثمانية أمام المحارب المستلقي على الأرض ينظر إليه.
«—»
مع تباطؤ عالمه على نحو محبط، ليس أمام غارفيل سوى أن يصر على أسنانه.
«—رائع.»
اندفعت الدماء من الجروح الحادة، مخلفةً جرحًا عميقًا في جسد أسطورة الحرب.

التقت قبضتاهما في الهواء. مال برأسه لتجنب اللكمة الهابطة، بينما غرس أنيابه في كورغان من معصمه إلى مرفقه، وفي ذات الوقت ضرب صدر كورغان بمخلبه الأيمن.
كان وجهًا يعرفه. وجهًا أعاد إلى ذاكرته ذكرياتٍ تمزق قلبه.
بكلمة واحدة، بصوت عميق ومهيب، أشاد بخصمه.
الفتى الذي كان مع أم غارفيل، والذي لم يتعرف عليه عندما وجدها أخيرًا.
«آه…»
لم يكن لديه حتى الوقت للرد.
ركض ثلاثة أشخاص في الظلام، يهربون في سباق يائس.
تذكر غارفيل كلمات ناتسكي سوبارو التي تردد صداها في أنحاء المدينة، وأرخى كتفيه قليلًا.
مع اتساع عيني غارفيل، انهار جسد كورغان فجأة.
تفتت جسده كالرمال، وتحول البطل إلى كومة من الرماد.
قطب غارفيل حاجبيه. الصوت صدر من صبي صغير وسط الملجأ—صبي بعيون دامعة، ووجه أحمر وهو يمسك بحافة ملابسه بإحكام.
سرعان ما انخفض مستوى الماء، لكن السيل لا يزال يتدفق عبر الثقب في الجدار—
بنهاية مفاجئة للغاية، عاد المحارب الميت إلى الموت. كانت خاتمة قاسية لا رحمة فيها.
وسط خرير المياه الجارية تحت الأرض، سمع صوتًا مرتعشًا يناديه.
«—»
«… البطولة لا تكفي لوصفه…»
مبارزة بين المحاربين تبدأ بالتعارف.
رغم مقاومة الماء وغرقهما فجأة في الظلام، كانت غريزتهما تحركهما. ضربات متواصلة وعنيفة توالت بلا رحمة.
تمتم غارفيل بدهشة أمام اختفاء أسطورة الحرب، الذي تحول إلى كومة من الرماد.
أقل لحظة تأخير في الرد كانت قاتلة. غفلة واحدة قدمت للعدو فرصة ذهبية.
بعد أن تهشمت ذراعه اليسرى، استمرت قوة الشفرة في التقدم، متجهة نحو عنق غارفيل. لا تزال تمتلك القوة الكافية لسحقه وتحويل جسده بالكامل إلى أشلاء متناثرة.
لم يتمسك كورغان بحياة مذلة. كان من الطبيعي أن تنتهي نتيجة معركة موت كهذه بهذه الطريقة غير المرضية.
«—»
كان أبرز ما يميز هذه القبيلة، كما يوحي اسمها، امتلاك أفرادها ثلاثة أذرع أو أكثر. كان من السهل التعرف عليهم بفضل بنيتهم غير الطبيعية، ومع ذلك، افتقرو بشدة إلى القدرات السحرية مقارنة بغيرهم من نصف البشر. لهذا السبب، عُوملت القبيلة لسنوات طويلة كعرقٍ أدنى.
ولهذا السبب، لم يستطع غارفيل منع نفسه من الشعور بإحساس طفولي وساذج من الحزن والضعف.
الصيحات لم تتوقف.
بعدما تحمل جميع هجمات الأذرع الثمانية، أطلق غارفيل زفيرًا عميقًا، ووجهه مغطى بالدماء.
«آاه… سحقًا… أعتقد أنني حقًا… سأموت…»
هجوم، هجوم، هجوم، هجوم، هجوم، هجوم، هجوم—
واستمرت الوحوش نصف البشرية في مطاردتهم بينما ركض الثلاثة بكل ما لديهم للهروب من الموت الوشيك—
مستنزفًا الكثير من دمه، استلقى غارفيل على الأرض وزفر ببطء.
ليس لديه متسع من الانتباه للطريق الذي سلكوه. كان منشغلًا بصد أسراب الوحوش التي كانت تهاجمه. وبينما كان يحمي مؤخرة المجموعة، تقدم الآخران بصعوبة عبر التضاريس الوعرة.
امتص القوة من الأرض بفضل بركته، محاولًا جمع أكبر قدر ممكن من المانا لشفاء جروحه. كانت معركة من شأنها أن تقتل شخصًا عاديًا مئات المرات على الأقل.
«اقتلوا كل واحد منهم! امنحوهم موتًا كريمًا!»
غرائزه أخبرته أنه إذا فقد وعيه، فسيموت.
لماذا فعل ذلك؟
ومع ذلك، بينما يحاول شفاء نفسه، بدأت أفكاره تنجرف ببطء نحو فراغ أبيض—
الضربتان الخامسة والسادسة كانتا أيضًا بيدين مجردتين، أما آخر شفرة فكانت محفوظة للضربة الحاسمة.
«النمر البديع!»
حسابنا بتويتر @ReZeroAR
ما أوقفه كان صوتًا مليئًا بالدموع.
تمامًا كما كانت اللحظة ذاتها لغارفيل.
ارتجف جسد كورغان الهائل عند تحطم النصل—وكانت تلك الفرصة المثالية.
أخوه وأخته يركضان نحوه عبر البرك. كان هناك أشخاص آخرون يبدو أنهم يركضون نحوه أيضًا، لكن كل ما استطاع رؤيته كان الأخوين فقط.
«انتصر!»
بدا عليهما أنهما يبكيان— لا، كانا يبكيان بالفعل.
«ررررررررررررااااااااااه!»
وهذا منطقي. كان بإمكان أي شخص أن يرى أن حالة غارفيل ليست جيدة.
سقط غارفيل على الأرض بلا حول ولا قوة، وبصق قطعة اللحم التي انتزعها. شعر بالغثيان وهو ينظر خلفه، ليرى ظهر كورغان بينما تدفق سيل من الدماء من عنقه.
نهض غارفيل وصرخ بأعلى صوته. تاركًا وراءه أثرًا من الدماء، أطلق صرخة مزقت الهواء داخل الملجأ، وقفز، مسددًا قبضته نحو أسطورة الحرب.
وأي خبير لن يستطيع إلا أن يقول إن بقائه على قيد الحياة كان معجزة بحد ذاته.
«بالطبع.»
«—»
بلا شك، سار غارفيل على الخط الفاصل بين الحياة والموت لفترة طويلة.
هل أدى سعيه للتمسك بالمزيد إلى أن يصبح أضعف مما كان عليه؟
لكن في هذه اللحظة، ليس كمحارب بل كـ—
خرج غارفيل من سجنه المائي، وسعل كل ما تسرب إلى رئتيه. تدفقت المياه من عينيه وأنفه وأذنيه ومن كل مسام في وجهه.
«… لا تبكيا بسببي.»
دون أن يدرك، ابتسم كأخ أكبر لإخوته الصغار الذين لم يعرفوا الحقيقة.
لم يتمكن غارفيل من رفع رأسه فوق سطح الماء. كان التيار قويًا للغاية. وبدأ يجرفه بعيدًا.
هز غارفيل رأسه بينما أظهرت أخته الصغيرة مزيجًا من القلق والعناد وهي ترفض الاعتراف بدموعها. وجهه لا يزال مغطى بالدماء، حاول أن يصل إلى جيب في حزام خصره.
عندما سمع ذلك، انفجر أخوه بالبكاء، واحمر وجه أخته خجلًا.
«غـ-غبي! أنا لست أبكي! فقط ارتح قليلًا! سنـ… سنبحث عن معالج لك… غخ…»
«عليَّ… أن أفعل شيئًا… أولًا…»
لكن في هذه اللحظة، ليس كمحارب بل كـ—
هز غارفيل رأسه بينما أظهرت أخته الصغيرة مزيجًا من القلق والعناد وهي ترفض الاعتراف بدموعها. وجهه لا يزال مغطى بالدماء، حاول أن يصل إلى جيب في حزام خصره.
مع تجنبه للخامسة والسادسة، استعد كورغان لتوجيه الضربة النهائية.
تحطمت دفاعات ذراعه اليسرى فورًا تحت وطأة ضربة الشفرة.
لم يكن الأمر جيدًا. ضعفت ذراعه للغاية، ولم يستطع حتى القيام بذلك.
«أهذا كل شيء، أيها النمر البديع؟»
رافعًا الشفرة فوق رأسه استعدادًا لضربة قاضية. كانت هذه الضربة المطلقة ذاتها التي استخدمها لصد غارفيل فوق الأرض.
رأى شقيقه أن غارفيل بالكاد يستطيع الحركة، فمد يده إلى جيبه المشبع بالدماء والرطوبة ليخرج منه ما كان يبحث عنه— مرآة التواصل.
الميتيا التي تم توزيعها قبل مغادرتهم، تحسبًا للمعركة الصعبة التي تنتظرهم.
«—رائع.»
كان من الصعب تصديق ادعاءها الساخر بأنها انتهت لليوم، لكن الثلاثة لم يكن لديهم وقت للتحقق من ذلك.
لم تكن الشهوة في برج القيادة— فإلى أين ذهبت؟
قوة ضعف سوبارو قد رفعت معنويات أهل المدينة، ورأى الآن أمام عينيه ثمار ذلك.
وهذا طبيعي تمامًا. لقد كان بالفعل جثة هامدة. الألم حكر على الأحياء، خيط يربطهم بشعلتهم الحية ويحميها. أما الأموات، فلا حاجة لهم به.
«عليَّ أن أخبرهم…»
عندما أرعبه راينهارد وأدرك مدى اتساع العالم، لم يستطع إلا أن يتساءل عما إذا كان قد أصبح أضعف مما كان عليه قبل مغادرته الملجأ.
«سـ-سأفعل ذلك عنك.»
وفي تلك اللحظة، اصطدمت ضربة الشفرة بدرع ذراعه اليسرى، مخترقة جسده كصاعقة برق.
عندما سمع كلمات غارفيل اللاهثة، أخذت شقيقته المرآة من يد أخيهما الصغير وقامت بتفعيلها. ظهر ضوء خافت في المرآة بينما اتصلت بمرآة أخرى.
الضربتان الخامسة والسادسة كانتا أيضًا بيدين مجردتين، أما آخر شفرة فكانت محفوظة للضربة الحاسمة.
«مـ-ماذا يجب أن أقول؟»
حتى لو تمكن غارفيل من صد الضربة الأولى والثانية، لم يستطع صد الست الباقيات.
«أمسكيها… هنا… سأفعل…»
لكن أعينهما ظلت مركزة على بعضهما دون أن تنحرف لحظة. استند كورغان على الحائط، بينما أبقى غارفيل فمه عند مستوى المياه، ولكن لم يسمح أي منهما لنفسه بخفض حذره، مركزين كل ذرة من تركيزهما على المعركة القائمة.
أمسكت شقيقته المرآة اللامعة بتوتر قرب وجهه. وبالنظر إليها، انتظر غارفيل استجابة من الطرف الآخر، مصليًا أن يكون رفاقه بخير.
«النمر البديع؟»
ابتسمت وهي تحمل في يدها سيفًا أحمر متوهجًا، وفي يدها الأخرى مرآة تشع بضوء أبيض.
أومضت المرآة لنقل الرسالة التي وجب عليه إرسالها—
لم يظهر أي تعبير بالدهشة على وجه كورغان. ولم يبدُ عليه أي شعور بالألم.
《٣》
تمامًا كما حدث مع ذراعه اليمنى، تكسر معصمه ومرفقه وكتفه بضربة واحدة. تحولت رؤيته إلى اللون الأحمر من الألم المروع، واحترق عقله بحرارة شديدة كأنها نار ملتهبة. فتح فمه ليطلق صرخة.
التقت قبضتاهما في الهواء. مال برأسه لتجنب اللكمة الهابطة، بينما غرس أنيابه في كورغان من معصمه إلى مرفقه، وفي ذات الوقت ضرب صدر كورغان بمخلبه الأيمن.
—بجهد شاق، وصل دعاء غارفيل إلى الليل المظلم في بريستيلا.
«نغخ… آه…»
«اهربوا، اهربوا، اهربوا، اهربوا!»
لم يصدر صوت من كورغان ردًا على غارفيل. اكتفى أسطورة الحرب بضغط شفراته معًا، عارضًا قمة روح القتال أمام خصمه.
ركض ثلاثة أشخاص في الظلام، يهربون في سباق يائس.
بعد أن تعرضوا لهجوم من رئيسة أساقفة الشهوة، التي غادرت برجها، اندفعوا في الظلمة، وقد تركوا مقرهم المنهار خلفهم.
بعدما تحمل جميع هجمات الأذرع الثمانية، أطلق غارفيل زفيرًا عميقًا، ووجهه مغطى بالدماء.
«—نغه.»
بضربة سيفه، شق آل طريقه عبر سرب الوحوش نصف البشرية، وقد غطته طبقة من الدم الأسود بينما كان يركض.
الصيحات لم تتوقف.
ليس لديه متسع من الانتباه للطريق الذي سلكوه. كان منشغلًا بصد أسراب الوحوش التي كانت تهاجمه. وبينما كان يحمي مؤخرة المجموعة، تقدم الآخران بصعوبة عبر التضاريس الوعرة.
بعدما تحمل جميع هجمات الأذرع الثمانية، أطلق غارفيل زفيرًا عميقًا، ووجهه مغطى بالدماء.
حركتهم كانت بطيئة، وليست سوى مسألة وقت قبل أن تلحق بهم الوحوش.
شعر غارفيل بقشعريرة تسري في فرائه.
«—»
وأي خبير لن يستطيع إلا أن يقول إن بقائه على قيد الحياة كان معجزة بحد ذاته.
بعد أن أطلقت الشهوة أنصاف الوحوش في أثرهم، غادرت بسرعة ولم تظهر مرة أخرى.
الكائنات الحية تحتاج الأكسجين، لكن الجثث لا تحتاج. ذلك الفرق بات واضحًا، والخط بين الاثنين كان لا يرحم.
كان ينوي أن يفهموا الإشارة ويهربوا، لكن صوتًا حادًا جاء برد فعل غير متوقع.
كان من الصعب تصديق ادعاءها الساخر بأنها انتهت لليوم، لكن الثلاثة لم يكن لديهم وقت للتحقق من ذلك.
تحطمت أنيابه، وانهمرت الدماء من فمه الممزق، لكنه لم يتردد للحظة.
—كانوا فقط يقاتلون، يقتلون، ويهربون للبقاء على قيد الحياة.
في النهاية، هذا كل ما يعنيه البقاء. حرارة الدم، الجروح الباكية، الدعوات التي لا تسمع، والأحلام التي لم تتحقق؛ كلها اجتمعت تحت السماء الليلية.
على عكس معظم البشر، تمتعت قبائل نصف البشر بقدرة فطرية أعلى على التعامل مع المانا. ولهذا السبب، كانت العديد من قبائل نصف البشر تستخدم السحر في حياتها اليومية، لكن قبيلة الأذرع المتعددة كانت استثناءً. لم يُمنح أفراد هذه القبيلة القدرة على التحكم بالمانا.
«النمر البديع!»
واستمرت الوحوش نصف البشرية في مطاردتهم بينما ركض الثلاثة بكل ما لديهم للهروب من الموت الوشيك—
«—حسنًا، بما أنني رحيمة، سأمنحكم طلبكم.»
في تلك اللحظة، أضاءت شعلة السماء الليلية، مترافقة مع أنات الوحوش نصف البشرية المحتضرة.
امتص القوة من الأرض بفضل بركته، محاولًا جمع أكبر قدر ممكن من المانا لشفاء جروحه. كانت معركة من شأنها أن تقتل شخصًا عاديًا مئات المرات على الأقل.
توقف الثلاثة ليعرفوا ما حدث. وعندما نظروا، رأوا امرأة قانية تتهادى ببطء من السماء—
إلا أن ما جعله استثنائيًا ليس مجرد عدد أذرعه. فقد عاشت قبيلته، التي عانت طويلًا من معاملتها كعرقٍ أدنى، حياة مسالمة وتجنبت الصراعات. لكن كورغان حمل في قلبه روحًا قتالية لا تهدأ، واشتاق دومًا لخوض المعارك.
«النمر البديع!»
«—أيها الحشد الضائع الغارق في الأحلام الأبدية.»
تحطمت أنيابه، وانهمرت الدماء من فمه الممزق، لكنه لم يتردد للحظة.
عبرت شفاهها الوردية أبيات شعرية معينة.
كان صوتها جميلًا، أشبه بصوت كائن خيالي هبط من السماء.
شعرها، الذي يشبه لون الغروب، انساب على ظهرها الأبيض وهي تقف هناك.
ارتجفت شفتاها بينما نطقت اسم النمر الذهبي في صرخة صامتة.
ابتسمت وهي تحمل في يدها سيفًا أحمر متوهجًا، وفي يدها الأخرى مرآة تشع بضوء أبيض.
«—»
«—يا أناسًا بائسين يرغبون في اليأس، ويخلطون بين الدعوات والرغبات.»
«لا أطلب مديحًا واهيًا— فقط نادوا اسمي.»
كورغان أراد المبارزة. أراد أن يقاتل غارفيل كمحاربين متكافئين.
وبينما قالت ذلك، لوَّحت بسيفها، مطلقة ألسنة اللهب التي اجتاحت أرجاء المدينة.
«—»
فجأة، انفجرت الدماء. لكنها لم تكن دماء غارفيل. إحدى أذرع كورغان اليمنى، الذراع التي حملت الشفرة الشيطانية الأخيرة، انفجرت.
الوحوش نصف البشرية التي لامستها ومضات اللهب المتسعة ابتلعتها النيران العارمة، لتتحول إلى رماد. كان ذلك رحمة حقيقية، وفي الوقت ذاته رثاءً.
لأولئك الوحوش، الذين كانوا ضحايا استُخدمت أجسادهم بصورة غير طبيعية، حُرفت حياتهم على نحو لا يُعقل، وُرِثت أرواحهم بطرق عبثية.
«اقتلوا كل واحد منهم! امنحوهم موتًا كريمًا!»
صاح بهذا الاسم وكأنه لا يعرف طريقة أخرى للتعبير عن مشاعره.
«بالطبع.»
—عادوا إلى رماد دون أن يتركوا وراءهم أي أثر. كان ذلك فعلًا حقيقيًا من الرحمة.
أومأت برأسها ردًا على الفارس الذي يمتلك أذني قط أشقر، والذي صرخ متألمًا.
—النمر البديع.
لم يكن الصبي ولا الفتاة، وليس غارفيل بالطبع. كان رجلًا آخر يصرخ بصوت مرتفع وقبضته مشدودة.
أما الرجل ذو الخوذة السوداء، فقد انهار على الأرض، يراقب المرأة في الكيمونو وهي تلهث محاولة التقاط أنفاسها.
دون تردد، خطا خطوة للأمام بقدمه اليمنى.
رفعت المرأة القرمزية سيفها عاليًا في الهواء، ثم هوت به على الوحوش نصف البشرية، وكأنها تشطر القمر إلى نصفين.
سقطت النصل على الكائنات التي عُبث بحياتها، وانتُزعت من الموت، وقُطعت أجسادها عن راحة السكون، لتُلقى في مصائر مؤلمة وملتوية.
ركض ثلاثة أشخاص في الظلام، يهربون في سباق يائس.
«مثل هذه الحياة الممسوخة لا تستحق إلا أن تُمحى—لذلك سأقضي عليكم جميعًا.»
«—راااااااااه!»
عوت الوحوش نصف البشرية، بعدما فقدت حتى غريزة الخوف من الموت أو تجنب الألم. لم تتردد تلك الكائنات في التضحية بحياتها بلا معنى، فيما تضخمت ألسنة اللهب، لتحرق المدينة بأسرها وتُحيل الجميع إلى رماد دفعة واحدة.
«—وهكذا تنتهي المسرحية الهزلية بتصفيقٍ مدوٍ!»
«—يا أناسًا بائسين يرغبون في اليأس، ويخلطون بين الدعوات والرغبات.»
تحطمت ذراعه اليمنى تحت وطأة الضربة التي أصابت مرفقه، فكُسر كتفه ومعصمه. صر على أسنانه حتى تشققت، لكنه صمد. كانت تلك الثانية.
تردد صوت الفتاة مرة أخرى، وهي تنشد مقطعًا شعريًا بينما تتمايل بسيفها القرمزي وكأنها ترقص.
سقط غارفيل على الأرض بلا حول ولا قوة، وبصق قطعة اللحم التي انتزعها. شعر بالغثيان وهو ينظر خلفه، ليرى ظهر كورغان بينما تدفق سيل من الدماء من عنقه.
لم تكن تلك كلماتها، بل كلمات شاعر سجل أبياته لتُخلد في الزمان. ومع ذلك، ظلت المشاعر المتدفقة فيها كما هي، تتخطى حواجز الزمن لتواسي تلك الكائنات المسكينة.
«—وهكذا تنتهي المسرحية الهزلية بتصفيقٍ مدوٍ!»
مع انسداد الفتحة وتصريف الماء المتبقي، اختفت المياه التي كانت تصل إلى الكاحل والتي أعاقت حركتهما.
النيران طهَّرت كل شيء.
«—»
«أعتذر عن كل هذا الإزعاج الذي تسببت فيه. بالأخص، اثنان هما الأكثر إزعاجًا: أخي الصغير وأختي. سأحرص على تأديبهما جيدًا بعد انتهاء هذا الأمر.»
«—تصفيق وداع!»
—عادوا إلى رماد دون أن يتركوا وراءهم أي أثر. كان ذلك فعلًا حقيقيًا من الرحمة.
«لا أطلب مديحًا واهيًا— فقط نادوا اسمي.»
«آه…»
////
حسابنا بتويتر @ReZeroAR
