《١》
هجوم حاد، شرارات متطايرة، رجل ذو شعر أبيض وامرأة بشعر أحمر يرقصان تحت ضوء القمر.
أداؤهما كان ضربًا من القدر، عرضًا خارقًا لفن المبارزة يتجلى كمعجزة في ليلة مقمرة.
«——»
بإيقاف ضربة السيف الفاتنة والحلوة من تيريشيا الشابة مباشرة، شدَّ ويلهيلم فكه، شاعرًا بارتداد الفولاذ في يده تحت وطأة ضربتها.
كم من الوقت مر منذ بداية المعركة؟
ثوانٍ، دقائق، ساعات؟ غارفيل، الذي انطلق معه لإنقاذ المدينة، لم يعد له أي أثر.
شعر ويلهيلم بأن غارفيل لا يزال منخرطًا في معركة موت مع الجندي الجثة كورغان ذو الأذرع الثمانية. ومن بعيد، على حافة بصره، لمحت عينه برج التحكم، الهدف الذي سعوا إليه، يختفي في الأفق وهو ينهار.
ذلك الشاب قد أنجز المهمة بلا شك، رغم فشل شيطان السيف هذا.
إذا كان الأمر كذلك، فقد كان ذلك ضربًا من الحظ السعيد، وليس بمقدوره أن يعبر عن امتنانه بما يكفي.
لأنه بفضله، سيتمكن ويلهيلم فان أستريا من تحدي حدوده مرة أخرى.
«رااااااه!»
موعد مع السيف، لقاء مستحيل، تدنيس للزمن المليء بالمحبة الذي قضاه مع زوجته.
زأر ويلهيلم، عازمًا على تدمير هذا الفردوس الزائف لإنهاء تلك اللحظة. وهوت تيريشيا بسيفها الذي لا يُضاهى لمواجهة شيطان السيف وجهًا لوجه.
—ظلت ملامحها جامدة بلا تعبير.
كانت دائمًا سريعة الابتسام، سريعة الانزعاج، سريعة العبوس.
عندما تصمت، تبدو جميلة كالسيف، لكنها نادرًا ما صمتت.
كانت امرأة كحقل أزهار يزهر تحت شمس دافئة.
—إلا أن الآن، كان هناك حزن، حزن ولا شيء غيره.
«حتى عندما يملأ القلق والشك عقلك قبل أن ترفع السيف، ينتهي الأمر بمجرد أن تشهره. لطالما فهمتِ ذلك أفضل مني بكثير.»
لكي يهزم تيريشيا، وجب عليه أن يصل إلى مستوى من المبارزة يفوق مستواها.
كان ذلك هو استنتاج ويلهيلم في ذلك الوقت، وبالفعل، استطاع شيطان السيف تحقيق ذلك من خلال تدريب صارم، تخلَّى فيه عن كل شيء حتى لم يبقَ منه سوى سيف واحد.
وبعد أن اختبر ذلك، استطاع أن يقول بثقة:
—مبارزتك رائعة، لكن هناك غموضًا في قوة سيفك.
«هل تتذكرين عندما افترقنا؟ قبل الحملة، عندما تحررتِ مني حين حاولتُ منعك؟ عندما تركتِ لي هذا الجرح الذي لا يندمل في كتفي؟ —لم أنسَ أبدًا ما حدث بيننا في ذلك اليوم.»
لم يكن هناك رد. ولم يتوقع واحدًا.
كانت مجرد طقوس يستخدمها ويلهيلم للتأمل في ذلك اليوم. كان يتذكر اليوم الذي نُقش فيه جرح مؤلم لا يشفى في كتفه، محفورًا إلى الأبد في ذاكرته.
الكلمات التي قالتها تيريشيا بعد أن دفعت ويلهيلم بعيدًا لتنطلق في تلك الحملة المشؤومة.
— عندما أعود، دعني أخيرًا أسمع إجابتك.
«لقد أتيت لأفي بوعدي—!»
صاح سيفاه بينما صدَّا سيف تيريشيا الطويل تمامًا.
استطاع قراءته، عرف المسارات التي سيسلكها، عرف بدقة أين ستوجه ضرباتها كما لو حفظها عن ظهر قلب.
عرف، بتفاصيل محبة، كيف يلمع سيفها وكيف يندفع للأمام.
«رررررغغغ!»
عاداتها بقيت كما هي، تقنياتها كما كانت.
اليأس الذي دفعه للوصول إلى مستواها، والحافز المحترق الذي ألهب روحه عندما أقسم أن يهزمها وينتزع السيف من يديها.
كانت نفس تقنيات السيف التي رآها في أحلامه، سيف المرأة التي أحبها بكل كيانه.
«——»
بوجهها الجميل، ظلت تعابيرها غير متأثرة برجاء ويلهيلم. صامتة وخالية من المشاعر، تابعت هجومها بلا تردد. أما شيطان السيف، فقطعا سيفاه كل ضربة تصدر عنها.
كانت حب حياته، الشخص الوحيد الذي يستطيع أن يتصور ملامحها حتى بعينين مغمضتين. لهذا السبب أحبها دون أن يحاول غض الطرف عنها.
«—هنغه!»
من الأعلى، ضربة قاطعة، طعنة، التواء، ضربتان متقاطعتان على الكتفين—
صدَّ هجومًا استهدف رأسه، حرَّف الضربة المعاكسة، تفادى الطعنة التي تلتها، دار بجسده مع الالتواء العائد، وتعاركت سيوفه مع الضربة الأولى ثم الثانية المتقاطعة قبل أن يشن هجومًا مضادًا.
كانت هناك لمحة من المشاعر في عيني تيريشيا بينما كانت تراقب شيطان السيف— لكن لا، ليس إلا وهمًا. ليس سوى بقايا ضعف أثارتها المشاهد التي تعيد نفسها.
نعم، هذا السيناريو تكرر من قبل. وفي تلك الحالة، ستكون النتيجة هي نفسها أيضًا—
«تيريشيــــااااا!!!»
وفي اللحظة التي التقت فيها سيوفهما عن قرب، استطاعا أن يريا انعكاس ملامحهما في عيني الآخر.
أوجد ويلهيلم فرصته الأعظم للنصر في هذا اللقاء المستحيل.
وأطلق هجومًا بكل قوته ليُسدل الستار على تلك المواجهة—
—أو على الأقل حاول أن ينهيها.
«نغه.»
انحبس سيل المشاعر في حلقه عندما رأى تعابيرها المعتادة. دموعها، غضبها، عبوسها، ابتسامتها— كل ذلك وأكثر، كانت دائمًا تظهر على ذلك الوجه الجميل ذاته.
متجاهلًا كل ذلك، دفع ويلهيلم بسيفه مباشرة نحو عنقها وصدرها—
«——»
في تلك اللحظة، ظهر ظل في زاوية عينه.
مع تركيزه الشديد، كان من المستحيل عادةً أن يتسلل أي فكر عابر إلى ذهنه. كان مبارزًا في خضم صراع حياة أو موت. كان هذا ما يجب أن يكون عليه شيطان السيف.
كان هذا ما ينبغي أن يكون عليه. كان ينبغي عليه أن يتمكن من فعل ذلك.
—لو أن ذلك الشخص كان غريبًا.
«—أبي؟»
كانت هناك مسافة تفصل بينهما.
ذلك النداء المتردد لم يكن من المفترض أن يسمعه ويلهيلم. ومع ذلك، بدا وكأنه همسة في أذنه.
كان الرجل ذو الشعر الأحمر والعينين الزرقاوين ينظر إليه.
—هاينكل أستريا راقب اللحظة التي كان كل شيء فيها معلقًا بخيط رفيع.
شاهد، مذهولًا، والده، ويلهيلم، وهو يحاول قتل أمه، تيريشيا.
«——»
وفي تلك اللحظة، تردد هجوم ويلهيلم.
كان قد أطلق ضربةً حاسمة، صب فيها كل قوته.
ضربة كان من المفترض أن تُنهي هذا القتال وتضع حدًا لهذا الكابوس.
ولكن صوت احتكاك الفولاذ بالفولاذ دوى في المكان، إذ تحولت تلك الضربة القاتلة إلى حركة عشوائية غير متقنة. فشل انسجام العقل والجسد والتقنية في تحقيق النهاية المنشودة.
—لماذا لاحظ وجوده؟
لا، لماذا لم يستطع أن يتجاهله؟
لو أنه لم يلحظ وجود هاينكل، أو لو أنه استطاع تجاهله، لو أنه بقي صامدًا في حبه لتيريشيا وحدها، لما سمح بوقوع هذا الخطأ المخجل.
لقد أقسمت أن أنتزع تيريشيا من اله السيف، حتى لو كلفني ذلك حياتي كلها… ومع ذلك أتعثر بهذه الطريقة؟
«—نغه.»
انكسر تركيزه، وأصبح شيء ما مفقودًا في مبارزتهما المستمرة. تسربت شوائب إلى سيفه. لم يعد شيطان السيف، الذي صقل نفسه ليصبح كالفولاذ النقي، موجودًا.
كل ما تبقى كان مبارزًا مسنًا يقاتل زوجته المحبوبة أمام أعين ابنه الوحيد—
ولهذا، ما حدث بعد ذلك كان أمرًا طبيعيًا.
«—نغه؟!»
بعد أن تصدى لقوة سيفها الطويل، تراجع ويلهيلم نصف خطوة إلى الخلف بفعل الصدمة. وفي اللحظة التي حاول فيها صدها مجددًا، التوت قامتها النحيلة أمام عينيه، لتخلق فجوة مؤقتة.
تأرجح جسده العلوي، مما فتح ثغرة.
وفي لحظة واحدة، رأى السيف الطويل يخترق ساقه اليمنى.
«——»
اخترق السيف فخذ المبارز العجوز دون أن يتلطخ إلا بأقل قدر من الدماء. لم يكن هناك أي ضرر إضافي غير ضروري؛ بل مر السيف عبر العضلات والشبكة العصبية، في استعراض مذهل للمهارة، مما أفقد ساقه وظيفتها دون التسبب في أذى أكبر.
ارتعد ويلهيلم عندما شعر بتلك المهارة تتجلى في ساقه. لم يستطع تحديد إن كان ارتعاشه نابعًا من الإحباط، أو التوق، أو الحنين، أو الحب، أو مزيج من كل ذلك معًا.
لم يعلم. لكنه عرف حقيقة واحدة فقط: أنه قد هُزم.
«آه… أغه…»
انزلق السيف من ساقه بصمت، كما دخلها. شعر بالألم ونزف الدماء، بينما هوى المبارز العجوز على ركبته.
طالما أن بركة اله الموت ما زالت نشطة، فإن الجروح في جسده لن تلتئم أبدًا. الجرح في معدته، وهذه الفجوة في ساقه. سيظل ينزف حتى يموت.
«… كم هو مذل…»
ألم خافت أحرق دماغه بينما لفظ جملةً وحيدة ملؤها الحزن قبل أن يتمكن صرخه من الانطلاق.
لهيب شديد البياض بدا وكأنه يلتهم جسده، لكنه استطاع تجاهل الألم.
كان بإمكانه تحمل ذلك. لكن اليأس الذي شعر به، بسبب عجزه وحماقته، كان شيئًا لا يستطيع التغلب عليه.
—مَن يمكنه الهروب من جحيم اسمه الخاص؟
«——»
أسقط إحدى سيوفه، وضغط بيده على الجرح.
انساب دمه الحيوي. الجرح لن يلتئم أبدًا، وفي الوقت المناسب، سيتحول الرجل المدعو ويلهيلم إلى جثة ذابلة ومأساوية.
كان ذلك قدرًا لا مفر منه.
لكن—
«لن أذهب وحدي…»
— بيدٍ تضغط على جرحه، وبإصرار لا يعرف حدودًا، عدَّل قبضته على سيفه الآخر.
لقد هُزم، ولم يعد بمقدوره تغيير ذلك. ولكن، أن يموت وهو يترك تيريشيا على هذه الحال… لم يكن هذا خيارًا.
«تيريشيا، أنا…»
كانت تيريشيا، وهي تمسك بسيفها الطويل، تنظر إلى ويلهيلم الجاثي وسط بركة من دمه.
وكما كان متوقعًا، لم يظهر في عينيها أي تعبير. حتى النهاية، لم تتذكر شيئًا، ولم تفكر في شيء—المبارزة الجميلة التي أتت فقط لتحصد حياة ويلهيلم.
كان عليه أن يوقف زوجته. إذا لم يستطع فعل ذلك، وإذا وجهت سيفها نحو كروش وسوبارو، أولئك الذين يدين لهم بالكثير—
إذا لم يكفي احتراق ما تبقى من حياتي، فلتُحطم روحي في الموت أيضًا.
حتى لو قُطع رأسه في اللحظة التي هاجم فيها، فسوف يوقف تيريشيا.
وهكذا اشتعلت الشعلة الأخيرة في عيني ويلهيلم، مع ترسخ هذا القرار في قلبه—
«—تيريشيا؟»
—لكن ذلك العزم لم يتحقق.
في صمت اللحظة، شعر ويلهيلم بالخوف من عيني تيريشيا الخاليتين. وشيطان السيف، الذي كان قد قبل بواجبه الأخير كسيفٍ مبارز وكزوج، تعرض لصدمة غريزية مرعبة.
ليست هناك حاجة لإنهاء الفريسة التي تلقت جرحًا مميتًا.
كان ذلك قرارًا باردًا وعقلانيًا منها، وليس كبرياء امرأة عاشت بالسيف.
«انتـ…ظري… انتظري، تيريشيا!»
صرخ ويلهيلم دون أن يدرك، صوت خوفه يتسلل إلى نبرته.
ناسيًا ألم جراحه، حاول أن يمسك بتيريشيا، لكنها تراجعت نصف خطوة إلى الخلف، متجنبةً يده. كانت قد أصبحت خارج متناوله. أدارت ظهرها، وضفيرة شعرها الحمراء تتأرجح بخفة وهي تبتعد عنه ببطء، وكأن صرخات ويلهيلم خلفها لم تكن ذات أهمية.
—اتجهت خطواتها نحو هاينكل، الذي وقف متسمِّرًا في مكانه.
«إيب.»
بعد أن هزمت العدو الذي كان أمامها، استعد سيفها الشيطاني لاستقبال ضحية جديدة. بعد أن قضت على الرجل الذي لم تتعرف عليه كزوجها، ستتجه الآن للقضاء على الرجل الذي لم تدرك أنه ابنها. وثم—
«توقفي، تيريشيا! أ… أتظنين أنني سأسمح بهذا؟! قاتليني! انظري إليَّ… انظري إليَّ! انظري إليَّ، تيريشيــاااا!!!»
زأر باسمها، مثل حيوان يائس، وحشد كل قوته في ساقه المصابة، متجاهلًا المزيد من فقدان الدماء وهو يصرخ خلفها.
لم يكن صوت الحب الذي كان دائمًا يملأ نبرته عندما ينادي اسمها، بل صوت الغضب الذي احتل مكانه.
لكنها لم تلتفت.
كانت تستخدم تقنيةً تستغل قوة اله الموت بالكامل، تتقدم نحو هاينكل بخطوات ثابتة. وبينما كانت تقترب، ابتلع هاينكل ريقه في رهبة، وسحب سيفه المرتجف من غمده.
«مستحيل.» هز رأسه مثل طفل ينكر الحقيقة. «أنتَ تكذب، صحيح؟ تيريشيا؟ هذا مستحيل… لا يمكن أن تكون أمي…»
«——»
«لا! حتى لو لم تكن أمي… فـ… فلا يمكن أن يخسر أبي… تبًا! ما هذا؟! ماذا يحدث بحق؟!»
كانت تيريشيا الشابة تقترب أكثر.
لم يتطابقا هيئتها والصورة التي بداخل هاينكل. وهو يحاول إنكار المشهد الذي أمامه باعتباره مجرد كابوس، تركته الصدمة ينطق بكلمات بلا معنى.
ارتجفت ركبتاه، ولم يستطع التركيز وهو يمسك بسيفه الفارس بقبضة ضعيفة. لم يكن بوسعه مواجهة قديسة السيف السابقة ولو حتى لمواجهة واحدة.
إذا استمر الوضع كما هو، فإن هاينكل سيُقطع بلا شك على يد تيريشيا.
لم يستطع ويلهيلم السماح بذلك.
«تيريشيا! هنا! أنا ما زلت حيًا! إن كنتِ ستقتلين، فابدئي بي أولًا!
هاينكل! لا يمكنك مواجهتها! اهرب الآن!»
غرس ويلهيلم سيفه في الأرض، مستندًا عليه لينهض بصعوبة.
ازداد النزيف سوءًا، ورأسه يكاد ينفجر من شدة الألم، لكنه تقدم رغم ذلك، تاركًا خلفه أثرًا قرمزيًا في كل خطوة يخطوها.
بعيد… كانت بعيدة جدًا.
بطيء… كان بطيئًا للغاية.
لن يتمكن ويلهيلم من اللحاق بها مجددًا. تمامًا كما حدث في الماضي.
«آغه، غغغغاههه!»
في اللحظة التي اهتزت فيها حافة شفرة تيريشيا، كانت قد أطاحت بسيف هاينكل من يده.
السيف الذي ارتطم بالحجارة محدثًا صوتًا مدويًا يحمل اسم أستريا.
ويا لسخرية القدر، فقد كان السيف ذاته الذي ورَّثه ويلهيلم لهاينكل بنفسه.
«تـ… توقفي، أ-أمي…»
بعد أن فقد سيفه، سقط هاينكل على الأرض، جسده يرتجف خوفًا.
حاول أن يتراجع زحفًا، يائسًا من الهروب من الكابوس الذي يتجسد أمامه، لكن عيني والدته، التي طالما عرفها في صغره، كبَّلته في مكانه. جمَّدت أصابعه المرتجفة، وشلت قلبه، ومنعته من الفرار.
—ارتفعت شفرة اله الموت نحو السماء، كما لو أنها على وشك شطر القمر.
وفي تلك اللحظة الحاسمة، لم يسع ويلهيلم فعل شيء سوى المشاهدة، عاجزًا عن منع زوجته من قتل ابنهما.
ناداها، لكن صوته لم يصل. مدَّ يده، لكن دون جدوى.
لم يستطع الوصول إليها.
«تيريشيــــااااا.»
شيطان السيف، الذي قدَّم كل شيء من أجل السيف، لم يبق له من قوة إلا أن يصرخ.
هبطت الشفرة بلا مشاعر، متجهة نحو حياة هاينكل لتقضي عليها—
«كفى.»
فجأة، وتميزت تلك الكلمة عن سواها، اخترقت بصوتها الواضح جدار اليأس الذي لا يُخترق.
ليس في نبرة الصوت أدنى تردد، ولا لمحة من رحمة. حمل في طياته سيطرة مطلقة، فاخترق كل شيء، مُفرضًا هيبة لا تُقاوم على كل مَن سمعه.
ابتلع الصوت كلًا من ويلهيلم، هاينكل، وتيريشيا، كما لو كانوا لا شيء. وفي اللحظة التالية، هبط رجل من السماء، سابِقًا الموت بخطوة، ليقف بشموخ أمام الحاصد.
«——»
شعره الأحمر مثل لهب قاني، وعيناه زرقاوان كأفقٍ شاسع. كانت ثيابه البيضاء قد تلونت بالدماء. كان البطل، وليس هناك من وصف سوى ”بطولي“ يليق به. ببطء، استقام قائلًا بعد هبوطه.
إنه قديس السيف، السيف الأعظم -سيف التنين ريد- الذي يتلألأ في يده.
—سمع شيطان السيف ضحكة ازدراء اله السيف تتردد في أذنه.
《٢》
كان سيف التنين ريد سيفًا يكتنفه الغموض.
كان إرثًا عظيمًا تتوارثه أجيال عائلة أستريا، التي أنجبت كل قديس سيف، لكن الطريقة التي حصل بها أول قديس سيف على هذا السيف كانت مجهولة.
بالإضافة إلى أصله المجهول، كان السيف سلاحًا مقدسًا لا يُمكن سحبه إلا من قِبل قديس السيف. وحتى قديس السيف ذاته لا يمكنه سحبه إلا في اللحظات التي يراها ضرورية.
وكان هناك من أبطال السيف مَن لم يروا حدَّه العاري قط.
كان هذا السيف من الأساطير، ويقال إنه قتل الساحرات والتنانين وملوك الشياطين. لا حصر للقصص التي ارتبطت به، لكن الشيء الوحيد الذي يمكن الجزم به هو أنه—
—بمجرد أن يُسحب سيف التنين، لم يُشهر قط دون أن يقطع شيئًا أولًا.
«—راينهارد.»
وقف هناك، يحمل الغمد في يده اليسرى، وسيف التنين في يده اليمنى.
ليس سوى راينهارد ڤان أستريا، القديس المبارز الحالي، الذي حدَّق في المشهد أمامه بعبوس، وشعره الأحمر يرفرف مع الرياح.
وقفته المهيبة، ونظرته المتجهمة، جعلت حتى ويلهيلم يشعر بالرهبة.
ذلك الذي وقف هناك كان حفيده؛ الرجل الذي ورث بركة قديس السيف، وتقلد دور سيف المملكة كفارس في الحرس الملكي.
في الواقع، كانت هذه المرة الأولى التي يرى فيها ويلهيلم حفيده على أرض المعركة.
بعد أن فقد تيريشيا في الحملة، غادر ويلهيلم منزل أستريا ليكرس نفسه للانتقام. وعلى مدار خمسة عشر عامًا، ظل الخلاف بينه وبين ابنه وحفيده بلا حل.
بسبب ذلك، لم يواجه ويلهيلم عائلته يومًا مواجهة حقيقية منذ رحيله.
لم يسمح لنفسه أبدًا برؤية فساد ابنه، ولا نمو حفيده وإحساسه بالمسؤولية.
—ولهذا، شعر بالرهبة من وجود راينهارد.
ذلك الذي وقف هناك كان التجسيد الحي لقديس السيف.
الرجل الذي مُنح شرف انتزاع أعظم سيف صُنع على الإطلاق، والذي غُمر بمحبة اله السيف، الشخص الذي بلغ القمة التي يحلم بها كل مبارز— كان هو قديس السيف.
—وبرؤية راينهارد، استعاد ويلهيلم ذكرى بعيدة.
نسي الألم منذ زمن. ما عاد إلى ذهنه كان شيئًا أبعد من ذلك بكثير.
ذلك الإحساس الذي شعر به عندما شاهد لأول مرة رقصة سيف تيريشيا، قديسة السيف.
في تلك اللحظة، أدرك ويلهيلم المسافة الشاسعة التي تفصله عن ذروة فن السيف. رثى موهبته المحدودة، وعجزه عن بلوغ ذلك الأفق البعيد.
لكن، رغم ذلك، لم يسمح لنفسه بالانهيار. واصل تأرجح سيفه، مرارًا وتكرارًا، حتى استطاع أخيرًا أن يلامس بأطراف أصابعه تلك القمة البعيدة. أثبت أنه لا توجد مسافة لا يمكن تجاوزها.
—يا لِضيق عالمه وصِغره.
الجودة كانت مختلفة. الارتفاع كان مختلفًا. الهيبة كانت مختلفة.
كان مختلفًا في كل شيء، حدَّ الاستحالة.
ليس شيئًا يمكن الوصول إليه، ولا حتى من بعيد.
كان وجودًا يعيش حرفيًا في عالم آخر، منفصلًا عن كل شيء وكل شخص.
«——»
تيريشيا رفعت سيفها، متخذة وضعية قتالية، بعد أن ابتعدت قليلًا عن قديس السيف. قبل لحظات، كانت على وشك قتل هاينكل، لكنها الآن وجَّهت نصلها نحو العدو الجديد الذي ظهر أمامها.
الجسد المتحرك بلا روح، الذي كان تيريشيا ڤان أستريا، قد فقد بالفعل كل فخره وشرفه، ولهذا، لم تدرك—
لم تدرك ما الذي كانت تواجهه.
«انتظري! تيريشيا! انظري إليَّ! تيريشيــــاااا!»
بدأ ويلهيلم يتحرك مجددًا، يجرُّ ساقه خلفه، تاركًا أثرًا داميًا في طريقه.
لكن تيريشيا، كأنها لم تسمع صراخه، لم تلتفت إليه حتى. المواجهة التي سعيا إليها يومًا بشغف، وكأنها لم تحدث قط.
تجاهل ويلهيلم الإذلال والحزن. لم يكن بإمكانه أن يسمح لنفسه بالتراجع.
إن لم ينادِها الآن، إن لم يوقفها الآن—
«مـ-ما الذي يجري…؟ لماذا…؟ مـ-ماذا فعلتُ…؟»
تمامًا خلف راينهارد، قبض هاينكل على رأسه، يندب جنون هذا العالم.
غرق هاينكل في دوامة نفسه، غير مدرك لما يفعله ابنه.
لم يستطع أن يستوعب أن ابنه واجه والدته في سبيل حمايته. عقله تخطى حدود قدرته على استيعاب ما حدث قبل لحظات من وصول راينهارد.
لم يكن لديه أي أمل في حل هذه الفوضى. لم يملك ذلك منذ البداية.
هاينكل لم يكن شخصًا يمكن الاعتماد عليه.
ولذلك، ليس أمام ويلهيلم سوى أن يصرخ:
«راينـ—»
«—الأموات لا يمكنهم التحرك. لا مكان لهم في هذا العالم. لا يمكنني أن أسمح بهذه المهزلة.»
قاطع صوته نبرة راينهارد الحازمة، فأخرسته تمامًا. ليس للرجاء العاطفي أي وزن أمام واحدة من المهام الجليلة التي يحملها قديس السيف على عاتقه.
صمت ويلهيلم، بينما استل راينهارد سيف التنين، مصوبًا إياه نحو خصمه.
ومن محض الصدفة، كانت وضعيته انعكاسًا مطابقًا لوضعية تيريشيا.
«——»
—بريق نصل سيف التنين النقي تألق بضوء أخاذ.
كان ذلك تمجيدًا للسيف. أعظم نصل مقدس يشع ببركة لا صوت لها، فرحة بأن يُستل من غمده، وابتهاج بفرصة مواجهة مَن كانت تحمله يومًا.
تجمد الهواء، وعمَّ المكان صمت ثقيل، يرزح تحت وطأة التوتر القاتل.
جسد ويلهيلم أصبح أثقل، وكأن كل حركة تتطلب جهدًا مضاعفًا، بينما كافح ليلتقط أنفاسه وسط هذا الضغط الساحق.
فتح فمه، مترددًا، غير متأكد مما يجب أن يقوله، لكنه شعر بحرقة تُلزمه بأن ينطق، بأي شيء، بأي كلمة—
—لكن، ولسخرية القدر، كان ذلك وحده كافيًا ليكون الإشارة التي انتظرها المبارزان.
«توقفوووا!»
صوته لم يصل إليهما.
حتى صرخته تخلَّفت عنهما، فيما اصطدما—
«——»
صوت نصل تيريشيا شقَّ الهواء، وهي تندفع نحو راينهارد، مُسددةً ضربة مثالية.
ربما كانت تلك أعظم ضربة رأى تيريشيا تؤديها على الإطلاق. قوة الخصم يمكنها أن تستثير القدرات الكامنة داخل المبارز.
ولربما شعر ويلهيلم بالغيرة لأنه ليس الشخص الذي نجح في استنفاد كامل قوة تيريشيا الخفية.
لولا أن هذه اللحظة الوحيدة التي حدث فيها ذلك.
انفجار من المشاعر فاض من صدره، اندفع عبر شفتيه، رغمًا عنه—
«لا تقتلها…»
—العواطف التي كبحها لسنوات، المشاعر الجياشة التي وأدها، الحب الذي لم يسمح لنفسه حتى بأن يتمناه، تحطم سدوده أخيرًا، واندفع بلا قيد.
كانت هناك، أمامه تمامًا—
المرأة التي جعلت قلبه يخفق، التي جعلته يرى العالم خارج حدود السيف؛ المرأة الوحيدة التي كان مستعدًا للتخلي عن كل شيء من أجلها.
—المرأة التي أحبها أكثر من أي شيء آخر، وقفت أمامه الآن. المرأة التي لم يخبرها أبدًا بحبه لها—
«إنها تيريشيــــاااا.»
قال شيئًا ما كان ينبغي أن يُنطَق أبدًا.
تقديم عواطفه الشخصية على ساحة المعركة، حيث لا تحتمل لحظة من التشتت، أمرًا لا يُغتفر.
كانت تلك خطوة تدنس كل شيء، فتلطخ فخر المبارز، وشرف المحارب، والطريقة السامية التي ينبغي أن تُخاض بها المعركة.
كان ذلك مجرد صوت رجل واحد.
رجل كان يائسًا، يريد بكل جوارحه أن لا تُؤخذ المرأة التي أحبها منه.
وكان صراخه اليائس هو—
«— جدتي ماتت قبل خمسة عشر عامًا بسببي.»
اندفعت ضربة تيريشيا نحو راينهارد. في تلك اللحظة، لم يتحرك سيف التنين بعد. انفجر سيف تيريشيا الطويل في ضوء ساطع.
«هذا مجرد مزيف.»
—سار سيف التنين ريد في قوسٍ رائع.
////
حسابنا بتويتر @ReZeroAR
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.