Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

ري زيرو: بدء الحياة في عالم أخر من الصفر 5

5 -  تيريشيا ڤان أستريا.
PDF
ملوك الروايات

حمّل تطبيق ملوك الروايات الآن!

تابع أحدث الفصول براحة تامة، بدون إعلانات مزعجة، مع ميزة التحميل للقراءة أوفلاين.

تحميل التطبيق

5 -  تيريشيا ڤان أستريا.

١

 

 

 

إلى أي مدى ستتفاجأ لو أخبرتك أنني وقعت في حبك منذ اللحظة التي تلاقت فيها أعيننا لأول مرة؟

 

 

لم تعرف ما الذي حدث. ولا ما الذي سيحدث بعدها.

٢

 

 

لماذا لم يمنح بركته لمَن أحبه بصدق؟

«—أخي، القديسة القادمة للسيف هي ابنتك، تيريشيا.»

«——»

 

شقيقها الأكبر، ثامس، الطيب الحنون الذي حقق كل طلباتها مهما بلغت صعوبتها.

بهذه الكلمات، كشف قديس السيف السابق بلا رحمة عن الخدعة التي أخفتها ابنة أخيه.

 

 

 

—في ذلك اليوم، حين كانت تيريشيا لم تتجاوز الثانية عشرة، نالت بركة قديس السيف.

للمرة الثانية، طلب ويلهيلم منه أن يضع حدًّا لكل هذا.

 

 

—وفي ذلك اليوم، انهار عالمها بالكامل.

 

 

«الآن… لا يمكنك ملاحقتي. إن فعلت… فلن يلتئم هذا الجرح أبدًا.»

عُرِفَت عائلة أستريا عبر الأجيال بأنها مهد قديسي السيف، أولئك الذين وُهِبُوا هذا اللقب منذ قرون تكريمًا لإنجازات أول قديس للسيف، ريد أستريا. ومنذ ذلك الحين، حملت العائلة شرف أن تكون سيف مملكة لوغونيكا.

 

 

 

لهذا، سواء كانوا رجالًا أو نساءً، ليس لأحد من أفراد آل أستريا أن يعيش بعيدًا عن السيف.

 

 

 

وتيريشيا ليست استثناءً. ولهذا السبب بالتحديد، مقتت جدَّها الأكبر، ريد أستريا، بل كرهته.

«العدو الذي رأيناه كان مجرد جثة تحركها قوة شريرة. لا يمكن أن تكون تلك قديسة السيف السابقة… لا يمكن أن تكون جدتي. ربما أسأت الفهم؟»

 

سقطت وكأنها تهوي من السماء، أو تغرق في أعماق بحرٍ بلا قرار.

كانت تيريشيا تخشى البركة التي وُلِدَت بها—بركة الحاصد.

لقد نُقِشت الندبة على كتفه الأيسر عندما كانت تيريشيا على قيد الحياة، أما ساقه اليمنى، فحملت ندبة تلقتها منه بعد مماتها. غير أن كلا الجُرحين، وقد كانا محفورين ببركتها، فقدا تأثيرهما الآن.

 

ظنَّت أنها لا تملك الحق في الشكوى. ظنت أنه لا يحق لها أن تقول هذا لمَن سحقته في ذلك اليوم.

الجروح التي تسببت بها لم تلتئم، بل نزفت إلى الأبد. وعندما أدركت هذه الحقيقة، ارتعدت خوفًا من نفسها.

فالعاصمة كانت غارقةً في فوضى غير مسبوقة— ابنة شقيق الملك قد اختُطِفت، والحرس الملكي استنفر كل قوته للبحث عن الجاني وإنقاذ الطفلة.

 

 

لذا، حتى لا يكتشف أحد بركتها، قررت أن تُغلِق على نفسها قوتها.

 

 

 

—لكن العيش دون أن تؤذي أحدًا، ولو عن غير قصد، ليس بهذه السهولة.

«لحمايتكِ.»

 

 

حتى لو لم تتعمد إلحاق الضرر بالآخرين، تربص الخطر بها في كل لحظة من حياتها اليومية. بركتها لم تميز، وخطأ بسيط أو حركة غير محسوبة كفيلان بكشف ما حاولت إخفاءه.

 

 

 

كان عليها أن تبقي الأمر سرًا، ولهذا كرهت تدريب السيف الإجباري في العائلة.

كانت تيريشيا تخشى البركة التي وُلِدَت بها—بركة الحاصد.

 

انتهكت خصوصية ملاذها الصباحي بقدوم شخصٍ ذي هالةٍ تنذر بالخطر.

—لا يجب أن ألمس السيف. لأنني جالبة الموت.

 

 

—لم يكن في أسلوبه أي شائبة.

بإرادة حديدية وخوف متجذر، حاولت أن تبتعد عنه. تحججت بكل عذر ممكن لتجنب التدريب، حتى استسلمت العائلة وتوقفت عن إجبارها.

احملي سيفك، تيريشيا.

 

 

وأخيرًا، وجدت راحة البال. تخلَّت عن السيف، وعاشت كفتاة عادية، تقضي أيامها في تأمل الأزهار والاعتناء بها.

«لا تلمسني!»

 

 

—حتى جاء اليوم الذي انتقلت إليها بركة قديس السيف بينما كانت تعتني بحديقتها.

 

 

«—ويلهيلم.»

«أمسكي بالسيف، تيريشيا.»

بقي السيف مرفوعًا، بينما سقط الجسد بلا حياة، خاليًا من رأسه. وفي اللحظة التالية، تحوَّلت أنظار الأعداء من حولها إليها، لتتوجه نحوها موجةٌ من العداء القاتل.

 

 

حين حبست نفسها في غرفتها محاولةً إنكار ما جرى، اقتحم عمها عزلتها بلا رحمة، وجذبها خارجًا رغمًا عنها.

 

 

لا زال بوسعهم اختيار طريق آخر، العيش كما يريدون، والمضي في الحياة كما يحلو لهم.

كان شعرها مبعثرًا، وملابسها غير مرتبة، وعيناها مغرورقتان بالدموع، لكنه لم يُعر ذلك اهتمامًا، بل قادها إلى الحديقة وأعاد أمره مجددًا:

 

 

كانت سعيدةً بما قاله شقيقها… ولذا استغلَّت لطفه. وضعت كل آمالها عليه.

«أمسكي بالسيف، تيريشيا.»

«لا داعي لأن تقلق عليَّ… فقط اعتنِ بسلامتك. هذا أكثر من كافٍ…»

 

كان صوته مبحوحًا، كأنَّه يهمس بتلك الكلمات لتكون عزاءً أو ربما قناعًا يخفي به ألمه، ثم واصل المضيَّ قدمًا، محكمًا قبضته على رماد زوجته، الذي لفه في معطفه. ظل يسير بخطًى ثقيلة، يتهادى بعيدًا، حتى تلاشى ظهره عن الأنظار.

رفضت بعناد، هزَّت رأسها مرارًا وتكرارًا، لكنها في النهاية استسلمت وأمسكت بالسيف الخشبي بقبضة واهنة. حينها، أمسك عمها برأسها وأجبرها على النظر أمامها.

زفرةٌ خفيفة تسللت من بين شفتيها، وذابت في الهواء الصباحي النقي والبارد، بينما تشق طريقها نحو فسحةٍ مفتوحة بين تلك الأبنية المهجورة. لم يستحق المكان حتى أن يُسمَّى ساحة. جلست على إحدى الدرجات الحجرية، محدقةً بالجدار المتداعي أمامها.

 

وفي لمح البصر، اختفى قديس السيف عن الأنظار. تأمل هاينكل تلك القوة الخارقة للحظة، قبل أن يبصق على الأرض بامتعاض عندما لم يعد راينهارد في مدى بصره. ثم اندفع ليلحق بوالده، الذي كان يسير متثاقلًا، يجرُّ ساقه المصابة خلفه.

كان شقيقها الأكبر واقفًا هناك. كان لطيفًا، بملامح تشع طيبة، لطالما دللها، ولطالما أحبَّته.

«أنا أعارض هذا بشدة! ماذا تفكرين بحق؟!»

 

بدلًا من ذلك، ازدادت الأحاديث، وتغيَّرت المواضيع، وازداد عدد الابتسامات بينهما شيئًا فشيئًا.

لكن لمَّا نظرت إليه، لمعت في عقلها فكرة واحدة صادمة:

 

 

 

—كم هو مليء بالثغرات.

 

 

 

ارتعبت من نفسها. كيف راودها مثل هذا الخاطر؟

 

 

 

إلا أن عمها لم يكترث، بل التفت نحو شقيقها الأكبر وأصدر أمرًا قاطعًا، أمره بأن يسحق أخته الصغيرة بالسيف الخشبي، ليبرهن على موهبته.

 

 

 

«لا يمكنني فعل ذلك!» صرخ مستنكرًا.

 

 

«ويلهيلم…»

«جبان!» صاح عمها موبخًا.

 

 

 

التواء الألم في ملامح شقيقها الأكبر كان شديدًا، وكأن صوته اخترق قلبه. لطالما نظر بإعجاب إلى قديس السيف، وحين سمع هذا التوبيخ منه، لم يستطع سوى أن يتألم بصمت. كان شقيقاها الآخران، اللذان أُحضرا ليشهدا الأمر، يحملان التعبير ذاته على وجهيهما.

«الأوضاع خطرة في الخارج، نائب القائد. من الأفضل أن تتوجه إلى أحد الملاجئ… مع السيد ويلهيلم.»

 

«سأتولى أنا السبب الذي يجعلك تمسكين بالسيف. يمكنكِ ببساطة أن تكوني أنتِ السبب الذي يجعلني ألوِّح بسيفي.»

ورغم الجرح الذي تركته الكلمات في نفسه، لمع الإصرار في عيني شقيقها الأكبر، وإن كان إصرارًا حزينًا.

《٦》

 

كانت لتنفجر استنكارًا عند سماع ذلك، لكنها لم تملك حيلة؛ لأن الفكرة التالية التي تبادرت إلى ذهنها هي: ولكن لأنه هكذا لأنه يشبه السيف تمامًا، ولهذا…

تمكنت من الشعور بنيته، كان سيهوي بالسيف الخشبي بطريقة لا تؤذيها. أدركت ذلك من وقفته، ومن نظراته، ومن الهواء الذي أحاط به.

 

 

 

بمهارت أخي، لن يكون الأمر صعبًا عليه. إن كان هو، فبوسعه إنهاء هذه المهزلة.

 

 

«أنا أحبك، ويلهيلم.»

«— يكفي.»

 

 

كم مرةً يا ترى…؟

استفاقت تيريشيا من شرودها على مشهد السيف الخشبي وهو يهوي بعيدًا، مغروسًا في الأرض. في صوت عمها، انبهارٌ جليٌّ أكد أن النزال قد حُسم. كيف لا، وسيف تيريشيا كان موجهًا مباشرة إلى حنجرة شقيقها الأكبر، الذي حدَّق بها مذهولًا؟

لكنها لم تستطع كبح نفسها. تمسكت به، وانهارت في البكاء. اعترفت، بصوت مختنق، بأنها خائفة. بأنها لا تريد القتال. بأنها آسفة.

 

 

«قديس السيف القادم هو تيريشيا. لا مجال للشك في ذلك.»

نظر هاينكل إلى والده، وغص بالكلمات، وقضم لسانه بغيظٍ مرير.

 

صوت مألوف اخترق عزلتها. لقد كان شقيقها الأكبر، الذي أُرسل لمرافقتها في معركتها الأولى.

صوت عمها، ونظرات شقيقها التي التقت بعينيها، مزقا قلبها.

رأت ذلك النصف بشري يرفع سيفه الضخم نحو ويلهيلم، يهم بإنهاء الأمر. وفي تلك اللحظة، تحركت شفتا ويلهيلم، وخرج صوته المبحوح الهامس:

 

 

هزَّت رأسها، ثم أطلقت صرخة وهي تلقي السيف جانبًا، تضغط على رأسها بيديها. كحيوان جريح، صاحت بجنون، مزقت شعرها القرمزي، وانهارت في نحيبٍ مرير.

—إن كان سيفًا، فإن قديسة السيف يجب أن تفهمه.

 

من البداية وحتى النهاية، كانت بلا شك حياة مباركة.

صرخت كأنما فقدت عقلها، تنتحب بندمٍ مستميت، تتمنى لو أن الزمن عاد بها إلى الوراء.

 

 

 

—وفي ذلك اليوم، أصبحت تيريشيا قديس السيف.

خفق قلب تيريشيا بقوة. في كل مرة تتقاطع سيوفهما، يُمزَّق الخط الأبيض. في كل مرة تلتقي عيونهما، تتدفقت مشاعرها أكثر.

 

«محميّةً بسيفك؟»

٣

لم يكن سوى وهمٍ في خيالها، لكنها شعرت وكأنه كان يغازلها بسيفه.

 

 

السنوات التي أفناها إخوتها في صقل مهاراتهم بالسيف… سُحِقَت بلا رحمة أمام موهبة تيريشيا الخارقة.

 

 

 

لم يكن للوقت والجهد أي قيمة حين يواجهان عبقرية فطرية طاغية. رأت إخوتها مثيرين للشفقة، رغم أن الفارق بين قدراتهم وقدرتها كان هائلًا، إلا أنهم لم يتمكنوا من التخلي عن السيف.

عندها… انهارت تيريشيا.

 

 

لماذا ما زالوا يلوحون بسيوفهم، وهم يدركون أنهم لن يتمكنوا من اللحاق بها مهما قضوا أعمارهم في ذلك؟

احملي سيفكِ، تيريشيا.

 

 

لماذا، بينما أمكنهم فعل أي شيء آخر؟ لماذا لم يتركوه وراءهم ببساطة؟

 

 

توسَّعت عينا ويلهيلم وهو يحدِّق في الجرح السطحي الذي خلفته أصابعها على كتفه.

لا زال بوسعهم اختيار طريق آخر، العيش كما يريدون، والمضي في الحياة كما يحلو لهم.

 

 

«تبًّا، تبًّا، تبًّا! ليذهب الجميع إلى الجحيم! تبًا!»

أما تيريشيا… فقد سُلب منها هذا الخيار إلى الأبد.

 

 

 

«أمسكي بالسيف، تيريشيا.»

 

 

كلَّ ما لديه، كلَّ شغفه، صبَّه فيه. لم يكن هناك شيءٌ يحبه سوى السيف. لم يكن شخصًا يستطيع أن يحبَّ أي شيءٍ آخر. كان كالنصل، قطعةً صلبةً من الفولاذ، لا تعرف سوى طريقها الحاد.

منذ ذلك اليوم، حين هزمت شقيقها الأكبر، لم يختفِ ذلك الصوت من أذنيها.

«——»

 

 

ورغم ذلك، لم تمسك بسيفٍ منذ ذلك الحين. تحدت ذلك الصوت، وبذلت جهدها لتبتعد عن السيف. لكن السيف لم يسمح لها بالهرب.

 

 

 

لقد كان الجحيم. جحيمًا لا مفر منه، داخل عقلها.

 

 

 

لكن حتى ذلك الجحيم ليس شيئًا مقارنة بالجحيم الحقيقي الذي انتظرها.

 

 

يالها من هيئةٍ غير لائقة، أمام ابنه وحفيده أيضًا! أين ذهب ذلك الوقار الصلب الذي عرفته عنه دائمًا؟

بدأت أكبر وأعنف حرب أهلية شهدتها المملكة—حرب أنصاف البشر.

—ثم فجأة، ودون أي مقدمات، جاءها الجواب.

 

 

بدأت كحادثة بسيطة، لكنها تصاعدت بسرعة، تزداد حدة كل يوم.

 

 

لأنها لم تقاتل، مات الكثيرون.

لطالما حملت المملكة ازدراءً عميقًا لأنصاف البشر، وكأن الشرارة التي أشعلت نار هذه الحرب لم تكن سوى فتيلًا ينتظر الانفجار.

 

 

 

وفي غضون أيام، انتشرت ألسنة اللهب في أنحاء المملكة، والتهمت كل شيء.

بلا تردد، أومأ ويلهيلم موافقًا بكل احترام. رغم مزاجه المتجهم دائمًا، كان هناك لحظات نادرة يستجيب فيها بمثل هذا الصدق الطفولي.

 

 

وبعد عامٍ كامل من محاولات فاشلة لإخمادها، أدركت المملكة فداحة الأمر، واتخذت قرارها بإرسال أقوى أسلحتها—قديس السيف.

فمَن تبقى لتلومه إذًا؟ لم يعد هناك أحدٌ تلقي عليه اللوم… سوى نفسها.

 

في اللحظة التالية، داعب أذنيها صوتٌ ساحرٌ خافت، وجذب وعيها إلى العتمة.

—وفي ليلة نشرها إلى ساحة القتال لأول مرة، كانت تيريشيا منطوية على نفسها في خيمتها، تضغط على ركبتيها وترتجف وحدها.

 

 

صوت مألوف اخترق عزلتها. لقد كان شقيقها الأكبر، الذي أُرسل لمرافقتها في معركتها الأولى.

لأنها كانت أول مرة ترسل فيها، كان الجيش الذي رافقها هائلًا. تطوع كثير من الجنود للقتال، متحمسين للقتال إلى جانب قديس السيف الحالي في أول معركة لها.

 

 

وتيريشيا ليست استثناءً. ولهذا السبب بالتحديد، مقتت جدَّها الأكبر، ريد أستريا، بل كرهته.

تلك الثقة العمياء التي وضعوها فيها… كانت تطحن قلبها بلا رحمة.

 

 

 

لم تستطع مشاركة مخاوفها مع أحد—

«لماذا تلوِّح بسيفك؟».

 

 

«—تيريشيا، هل أنتِ خائفة؟»

 

 

«كفى يا هاينكل… فقط… كفى…»

صوت مألوف اخترق عزلتها. لقد كان شقيقها الأكبر، الذي أُرسل لمرافقتها في معركتها الأولى.

—لا يجب أن ألمس السيف. لأنني جالبة الموت.

 

 

منذ ذلك اليوم، تعمدت تيريشيا تجنبه—لا، ليس هو فقط. لقد وضعت جدارًا بينها وبين جميع إخوتها، ووالديها، وعمها، وكل مَن حولها.

 

 

«أنا-أنا لطالما كنتُ ضعيفًا في التعبير عن مشاعري، وأرهقتكِ بذلك… طوال عشرين عامًا، لم أقوَ يومًا على أن…»

مضى عامان منذ أن تحدثت إلى شقيقها الطيب، الذي لطالما أحبته بصدق.

 

 

صرخت كأنما فقدت عقلها، تنتحب بندمٍ مستميت، تتمنى لو أن الزمن عاد بها إلى الوراء.

خفضت رأسها، غير قادرة على التفوُّه بكلمة. أما هو، فاكتفى بالجلوس بجانبها، ولفَّ ذراعه حول كتفها، وربَّت على رأسها برفق.

لم تلوِّح تيريشيا بسيفها ولو لمرة واحدة… لم تستطع.

 

كرهت تيريشيا نفسها لأنها لم تبح بذلك مباشرةً، وكأنها تترك لنفسها بابًا للهرب.

عندها… انهارت تيريشيا.

 

 

 

ظنَّت أنها لا تملك الحق في الشكوى. ظنت أنه لا يحق لها أن تقول هذا لمَن سحقته في ذلك اليوم.

لأنني الأقوى… لأن قديسة السيف هي الأقوى.

 

《٣》

لكنها لم تستطع كبح نفسها. تمسكت به، وانهارت في البكاء. اعترفت، بصوت مختنق، بأنها خائفة. بأنها لا تريد القتال. بأنها آسفة.

لهذا، سواء كانوا رجالًا أو نساءً، ليس لأحد من أفراد آل أستريا أن يعيش بعيدًا عن السيف.

 

حتى من باب المجاملة، لم يكن من الممكن وصف أسلوبه بالمصقول أو المتقن.

«أنتِ أختي الصغيرة الغالية. إن لم تردِ فعل شيء، إن خفتِ… فسأحميكِ. لأنني شقيقك الأكبر.»

 

 

أحبت قديسة السيف شيطان السيف… في كل مرة تتصادم فيها نصالهما.

«——»

 

 

 

«أعترف أنني شعرت بالخيبة حين هُزِمتُ أمامكِ. لكنني أدركت بعدها أنني حقًا أحب السيف. أنا ممتن لكوني وُلدت في هذه العائلة، ممتن لإخوتي الصغار، وممتن لكِ، أختي الصغيرة… ممتن للسيف على كل ذلك.»

«——»

 

 

عندما سمعت تيريشيا شقيقها يقول ذلك بثقة، مبتسمًا، لعنت غباءها.

 

 

«لأنني قديسة السيف… لم أكن أعلم السبب من قبل، لكنني أدركته أخيرًا.»

ظنَّت أن إخوتها حمقى لاستمرارهم في التلويح بسيوفهم رغم هزيمتهم أمامها. نظرت إليهم باستعلاء، مقتنعة بأنهم يتشبثون بالسيف لمجرد أنهم لم يجدوا شيئًا آخر يتمسكون به.

—لكن العيش دون أن تؤذي أحدًا، ولو عن غير قصد، ليس بهذه السهولة.

 

«سأتولى أنا السبب الذي يجعلك تمسكين بالسيف. يمكنكِ ببساطة أن تكوني أنتِ السبب الذي يجعلني ألوِّح بسيفي.»

حتى شقيقها الأكبر، الذي أحبَّته وكان جديرًا باحترامها، ازدرتها عينُها فقط لأنها وُهبت موهبة فطرية بالسيف.

 

 

لم تهجرها حين أدارت ظهرها لدورها كقديسة السيف، ولم تتركها عندما فرت من ساحة القتال في معركتها الأولى، ولم تتخلَّ عنها حتى بعدما فقدت تيريشيا إيمانها بنفسها.

فمَن كان الأحمق الحقيقي؟ لقد كانت هي… كانت دومًا هي. أما اله السيف، فكان الأحمق الأكبر بينهم جميعًا.

لماذا لم يمنح بركته لمَن أحبه بصدق؟

 

 

لماذا لم يمنح بركته لمَن أحبه بصدق؟

 

 

ذلك السيف، ذلك الفولاذ— ذلك الرجل ملكٌ لها وحدها.

لماذا أنعم بها على تيريشيا، التي ظلت تهرب من السيف؟

هزَّت رأسها، ثم أطلقت صرخة وهي تلقي السيف جانبًا، تضغط على رأسها بيديها. كحيوان جريح، صاحت بجنون، مزقت شعرها القرمزي، وانهارت في نحيبٍ مرير.

 

شعرت بوجود شخصين آخرين قريبين… لا بد أنهما هاينكل وراينهارد.

«ليس عليكِ أن تقاتلي… فأنتِ فتاة طيبة، لا تقدر حتى على إيذاء ذبابة.»

كلَّ ما لديه، كلَّ شغفه، صبَّه فيه. لم يكن هناك شيءٌ يحبه سوى السيف. لم يكن شخصًا يستطيع أن يحبَّ أي شيءٍ آخر. كان كالنصل، قطعةً صلبةً من الفولاذ، لا تعرف سوى طريقها الحاد.

 

 

كانت سعيدةً بما قاله شقيقها… ولذا استغلَّت لطفه. وضعت كل آمالها عليه.

 

 

 

وفي معركتها الأولى، مات شقيقها الأكبر وهو يحمي المعسكر الرئيسي حيث كانت تيريشيا.

أحبت شيطان السيف… ذلك الذي وقف أمام عينيها الآن.

 

«أنا واثق أنك ستختلق أعذارًا لتحتفظ باللقب، وقد أفلت من كل شيء حتى الآن، لكن ذلك لن ينفع بعد الآن. قديس سيف قتل جدته؟ سيف المملكة؟ ها! لا تضحكني! أنت مجرد قاتل!»

لم تلوِّح تيريشيا بسيفها ولو لمرة واحدة… لم تستطع.

«—نعم، سيدي.»

 

فأن يُمنح شخصٌ من العامة لقب فارسٍ لمجرد براعته في ساحة القتال، كان أمرًا نادر الحدوث.

احملي سيفكِ، تيريشيا.

 

 

كان عليها أن تبقي الأمر سرًا، ولهذا كرهت تدريب السيف الإجباري في العائلة.

لكنها عصت ذلك الصوت الذي لم يكفَّ عن ملاحقتها… فلم ترفع سيفها.

صرخة هاينكل المغموسة بالدماء دوَّت في الساحة المهجورة، حيث تُرِك وحيدًا تمامًا.

 

كم من مرةٍ تخيلت نفسها تقف على ساحة المعركة، تحمل على عاتقها آمال الجميع، وتؤدي دورها كقديسة السيف ببراعة؟

ومضت سنواتٌ أخرى، دون أن تمسَّ السيف مرةً واحدة.

لم يكن هناك إعلانٌ عن بدء النزال.

 

وأخيرًا، وجدت راحة البال. تخلَّت عن السيف، وعاشت كفتاة عادية، تقضي أيامها في تأمل الأزهار والاعتناء بها.

٤

 

 

بدأت الدموع تنساب ببطء على خديها، بينما تلمع عيناها الزرقاوان وهي تبتسم.

انتهت أول معركة خاضتها تيريشيا بهزيمة نكراء.

لقد نذر ويلهيلم كل شيء لتيريشيا.

 

تردد صوت صفعة خفيفة عندما وضعت يدها على فمه.

ودُفن ذلك العار تحت ركام الأكاذيب والتستر. فوجود قديسة السيف كان رمزًا لصمود المملكة، وآخر ما أرادته أن يتسرب للعامة هو الحقيقة.

 

 

وقعت تيريشيا في حب ويلهيلم إلى درجة أنها باتت مستعدةً لغفران أنانيته.

ولذا، لم تتعرض تيريشيا لأي لومٍ رغم فرارها من وجه العدو، وظلت مختبئةً داخل قوقعتها.

 

 

لهذا، سواء كانوا رجالًا أو نساءً، ليس لأحد من أفراد آل أستريا أن يعيش بعيدًا عن السيف.

شقيقها الأكبر، ثامس، الطيب الحنون الذي حقق كل طلباتها مهما بلغت صعوبتها.

لم يكن سوى وهمٍ في خيالها، لكنها شعرت وكأنه كان يغازلها بسيفه.

 

 

شقيقها الأوسط، كارلان، الحاد الطباع، لكنه أول مَن يبادر بالاعتذار حين يحين وقت التصالح.

 

 

في مرحلةٍ ما، صار هذا الحوار جزءًا ثابتًا من صباحاتهما. تُرى، أي إجابة انتظرت عندما ظلت تكرر الأسئلة ذاتها؟

شقيقها الأصغر، كاجيريس، الصغير الجبان الذي تشبث بها باكيًا كلما شعر بالخوف.

لو لم تفعل، لربما احمرَّت وجنتاها لا إراديًا، ولهذا، استنفدت كل قواها بصفتها قديسة السيف للحفاظ على رباطة جأشها، ولم تترك سوى ابتسامةٍ هادئة تعلو وجهها.

 

«أبي…»

جميعهم حملوا سيوفهم وخاضوا ساحات القتال بدلًا عنها… وجميعهم لقوا حتفهم.

 

 

«—أنتِ تعلمين الجواب بالفعل.»

لطالما كنتُ عبئًا عليكم… آسف، تيريشيا.

 

 

 

حتى عمَّها، الذي استعان بمكانته كقديس السيف السابق لرفع معنويات الجيش، قُتل هو الآخر.

 

 

لم يكن هناك إعلانٌ عن بدء النزال.

رغبت في أن تكرهه، في أن تلقي اللوم عليه. فلولاه، ربما استطاعت أن تُبقي على حقيقة امتلاكها لبركة قديسة السيف طيَّ الكتمان.

 

 

 

ولو حدث ذلك، لما اضطر إخوتها إلى خوض القتال لحمايتها… ولربما بقي الجميع على قيد الحياة.

قفزت ذاكرتها إلى الأمام.

 

 

كان من الأسهل أن تقتنع بذلك. لكنها أدركت أن الحقيقة ليست كذلك.

 

 

تمكنت من الوصول إليه بالكاد.

فهم عمَّها يفهم عبء اللقب أكثر من أي شخصٍ آخر.

 

 

«… هل ارتحت الآن؟»

كان قد اختبر المعاناة ذاتها التي عاشتها تيريشيا. ولهذا، ترك لها تلك الكلمات الأخيرة… كلمات الاعتذار. لقد أدرك تمامًا ما فرضته المملكة على تيريشيا، ومدى قسوة ذلك المصير.

السيف ليس سوى قطعةٍ من الفولاذ صُقلت بحرارةٍ مهولةٍ لتزداد قوة.

 

على الأقل حتى ولو كان حلمًا— فلن يتدخل أحد في موعدها مع شيطان السيف.

ولأنها فهمت ذلك، لم يعد بإمكانها أن تحقد عليه بعد الآن.

لقد نُقِشت الندبة على كتفه الأيسر عندما كانت تيريشيا على قيد الحياة، أما ساقه اليمنى، فحملت ندبة تلقتها منه بعد مماتها. غير أن كلا الجُرحين، وقد كانا محفورين ببركتها، فقدا تأثيرهما الآن.

 

ورغم الجرح الذي تركته الكلمات في نفسه، لمع الإصرار في عيني شقيقها الأكبر، وإن كان إصرارًا حزينًا.

فمَن تبقى لتلومه إذًا؟ لم يعد هناك أحدٌ تلقي عليه اللوم… سوى نفسها.

 

 

 

نفسها الحمقاء، العاجزة عن فعل شيء سوى البكاء، رغم أنها كانت قديسة السيف.

تمكنت من الوصول إليه بالكاد.

 

 

احملي سيفكِ، تيريشيا.

 

 

تيبَّس جسد تيريشيا عند سماع تلك النبرة الحادَّة… تلك الهالة الحاسمة التي باغتتها عن قرب.

ما زالت تسمع ذلك الصوت… حتى بعد موت عمَّها الذي قاله لها.

 

 

 

محاولةً الهروب من ذلك الصوت، غادرت تيريشيا القصر وتسللت إلى الخارج، تائهةً بلا وجهة.

«——»

 

 

— بعد خمس سنواتٍ من اندلاع حرب أنصاف البشر، بلغت تيريشيا التاسعة عشرة من عمرها.

 

 

لكنها لن تسمح بذلك هذه المرة.

كانت العاصمة قد فقدت بريقها وغرقت في الكآبة جراء الحرب الأهلية المستعرة، وساد الشوارع جوٌّ من الكآبة الثقيلة. تجنبت تيريشيا التجوُّل في تلك الطرقات المعتمة، وبدلًا من ذلك، قادتها قدماها إلى أطراف العاصمة، حيث حيٌّ من المباني المتهالكة.

 

 

اصطبغت شفتيها باللون القرمزي… للمرة الأولى، تذوقت دم زوجها.

توقفت أعمال البناء بسبب الحرب، فبقيت المباني نصف مكتملة، مهجورة بلا هدف. وباعتبارها قديسة السيف التي أخفقت في أداء دورها، شعرت تيريشيا بنوعٍ من الألفة مع تلك الهياكل التي لم تؤدِّ وظيفتها كبيوتٍ كما ينبغي.

«جبان!» صاح عمها موبخًا.

 

لم يكن ذنب هاينكل، الذي كان مخلصًا، وبذل قصارى جهده في دراسة فن السيف، رغم أنه لم يُجْزَ عن ذلك.

زفرةٌ خفيفة تسللت من بين شفتيها، وذابت في الهواء الصباحي النقي والبارد، بينما تشق طريقها نحو فسحةٍ مفتوحة بين تلك الأبنية المهجورة. لم يستحق المكان حتى أن يُسمَّى ساحة. جلست على إحدى الدرجات الحجرية، محدقةً بالجدار المتداعي أمامها.

«——»

 

 

كان هناك حقلٌ صغير من الأزهار الصفراء الزاهية، نَمَت بحرية، دون أن يرعاها أحد.

هل ظن أنه يخفيها؟

 

 

مكانٌ سري، لم يعلم أحدٌ بوجوده. استغلت تيريشيا ذلك، ونثرت هناك بعض بذور الأزهار. لم تملك العزيمة الكافية للعناية بالحدائق الباهتة في القصر، لكنها أتت هنا فقط لتراقب ثمار ما زرعته ذات يومٍ على حين غرة. لهذا وجدت نفسها مجدَّدًا في هذا المكان.

 

 

للمرة الأولى منذ عقود، استدعاها البلاط الملكي، ليس بصفتها مجرد لقبٍ زائف، بل بصفتها قديسة السيف الحقيقية. لقد طلبوا منها الانضمام إلى الحملة المرسلة لاصطياد الحوت الأبيض، أحد الوحوش الشيطانية الثلاثة العظمى التي تهدد سلام العالم.

«… كيف نَمَوتِ بهذا الجمال رغم أنني لم أسقِكِ حتى؟ أنتنَّ رائعات حقًا».

في مرحلةٍ ما، صار هذا الحوار جزءًا ثابتًا من صباحاتهما. تُرى، أي إجابة انتظرت عندما ظلت تكرر الأسئلة ذاتها؟

 

«توقفتُ عن كرهها.»

كانت الأزهار قوية. بينما كانت تيريشيا تمضي وقتها في الندم على ضعفها، واجهت تلك الأزهار السماء ونثرت بتلاتها، مزهرةً بكل شموخ.

 

 

 

ذلك الوجود الصامد، النبيل… كاد أن يدفعها للبكاء.

«——»

 

صرخة هاينكل المغموسة بالدماء دوَّت في الساحة المهجورة، حيث تُرِك وحيدًا تمامًا.

— عندها شعرت بحضورٍ حادٍّ يقترب.

انفجر الصليل الأول، وأُزيح الستار عن المبارزة.

 

 

«آه، عذرًا».

وهكذا، غدا مشهد وجودهما معًا في تلك الساحة المخفية أمرًا مألوفًا.

 

أما تيريشيا… فقد سُلب منها هذا الخيار إلى الأبد.

انتهكت خصوصية ملاذها الصباحي بقدوم شخصٍ ذي هالةٍ تنذر بالخطر.

 

 

 

كادت دموعها أن تُكشف، لكنها أجبرت نفسها على التظاهر بالهدوء، متصنعةً الراحة وهي تتحدث، ثم استدارت لمواجهة ذاك المتطفل.

 

 

نفسها الحمقاء، العاجزة عن فعل شيء سوى البكاء، رغم أنها كانت قديسة السيف.

وحين التقت عيناها به… صُعقت.

 

 

 

«——»

لكنني أؤمن أنكم جميعًا ستكونون بخير.

 

 

شعرٌ بنيٌّ طويلٌ مربوطٌ للخلف، ملامح متناسقة لكنها تنطق بالحدة، جسدٌ ممشوقٌ معتادٌ على التمرين، وهالةٌ شرسة تنبعث منه بكل وضوح.

لقد كان الجحيم. جحيمًا لا مفر منه، داخل عقلها.

 

 

لم يقتصر الأمر على جديته القاتمة، بل كان هناك ما هو أشد وقعًا على تيريشيا.

«—مم-همم.»

 

انتهكت خصوصية ملاذها الصباحي بقدوم شخصٍ ذي هالةٍ تنذر بالخطر.

— لقد بدا في عينيها كسيفٍ مسلول.

 

 

كان ببساطة يصرِّح بحقيقة باردة قاسية.

كأنما هناك نصلٌ ساخن، مشحوذٌ بدقة، يحدق إليها مباشرةً.

«——»

 

مدَّت يدها ولمست أصابعه المرتعشة. وفجأة، حين شعرت بحرارةٍ لا تصدَّق، أدركت الحقيقة—

ذلك المشهد جعل قلبها ينبض بعنف. للحظةٍ قصيرة، تملكها ارتباكٌ لم تفهم سببه. لكن، وقد شعرت بالخجل من فكرة أن يلحظ هو ذلك، فتحت فمها محاولةً التظاهر بالثبات.

 

 

في النهاية، لم يُجب ويلهيلم مرةً واحدة بجوابٍ صريح.

«مَن كان يظن أن أحدًا قد يأتي إلى هنا في هذا الوقت المبكر؟ ما الذي—».

 

 

تمكنت من الوصول إليه بالكاد.

«——»

«—أحمق.»

 

زفرت أنفاسها ببطء.

كان ذلك استقباله.

رأت ذلك النصف بشري يرفع سيفه الضخم نحو ويلهيلم، يهم بإنهاء الأمر. وفي تلك اللحظة، تحركت شفتا ويلهيلم، وخرج صوته المبحوح الهامس:

 

 

حاولت تيريشيا أن تبادره بنبرةٍ ودِّية، لكنه لم يرد سوى بصمته القاسي.

 

 

كانت تيريشيا تخشى البركة التي وُلِدَت بها—بركة الحاصد.

ليس سوى عداءٍ محض موجهٍ نحوها.

كانت قديسة السيف تتعثر بسبب وجود نصلٍ لا تستطيع التحكم به كما تشاء. في ذلك الوقت، لم تدرك أنه كان ينقذها أيضًا.

 

«ماذا تعني بقولك ”ارتحت“؟»

سرعان ما فقدت اهتمامها. إن كان سيعامِلها بهذه الفظاظة، فلن تكلف نفسها عناء التظاهر بالمجاملة.

 

 

سمعت صوت صرخة، ثم صرخةً أخرى… ثم عويلًا مريرًا.

فلنرَ كيف سيتصرف حين يدرك أن هالته المخيفة هذه لا تؤثر بي.

— أشعر بأن ذلك اليوم لن يأتي قريبًا.

 

 

«… ما الأمر؟ لمَ هذا الوجه المتجهم؟»

 

 

 

عند سماعه لكلماتها، بدا وكأنه أصيب بخيبة أملٍ طفيفة.

ورغم ذلك، لم تمسك بسيفٍ منذ ذلك الحين. تحدت ذلك الصوت، وبذلت جهدها لتبتعد عن السيف. لكن السيف لم يسمح لها بالهرب.

 

 

على ما يبدو، كان قد صنَّفها فورًا كشخصٍ لا علاقة له بالقتال، لدرجة أنها لم تلحظ هالته على الإطلاق.

… إحساسٌ جارف.

 

للمرة الثانية، طلب ويلهيلم منه أن يضع حدًّا لكل هذا.

ولم يكن ذلك بعيدًا عن الحقيقة. فتيريشيا، في نهاية المطاف، لم تخض معركةً حقيقية من قبل، ولم تمضِ وقتًا يُذكر في التلويح بسيفها.

لكنها كانت محبةً مغلوطة، مشَوّهة، وأكبر مما يجب. ولم يكن لذلك سوى أثرٍ واحد…

 

«أنا واثق أن هناك أماكن أخرى تحتاج إلى قوتك في أنحاء المدينة. أشعر بقلق خاص على السيد غارفيل، فقد انفصل عني أثناء القتال. إن سمحت لي، قديس السيف راينهارد.»

لو كانت قادرةً على القتال، لفاقت الجميع قوةً، لكنها، في الواقع، ليست سوى فتاةٍ لا تملك أدنى خبرة في المعارك.

 

 

«لا بد أنني أقلقتكِ طوال تلك السنوات، لكنني—»

«ما الذي تفعله امرأةٌ في مكانٍ كهذا في هذا الوقت المبكر؟».

 

 

 

ألقى كلماته بخشونة، بلا أي تصنعٍ أو تلطيف.

 

 

 

كان هذا أول ما تسمعه منه، وقد بدا منزعجًا، غير أن صوته كان واضحًا، يسهل تمييزه وسط الصمت.

الصوت الذي لم تسمعه منذ زمنٍ طويل. منذ التقت بويلهيلم، منذ بدأت مشاعرها تجاهه تتبلور، بدا وكأن ذلك الصوت قد ابتعد عن تيريشيا شيئًا فشيئًا.

 

 

— تيريشيا شعرت بنبضةٍ أخرى تخفق في قلبها.

«كلا، أكرهها.»

 

 

٥

«لا أريد أن أموت…»

 

 

بعد ذلك، بات لقاؤهما أمرًا متكررًا.

«… أجل… بالطبع.»

 

سببُه في حمل السيف كان الحماية.

ليس لأنهما تعهَّدا بذلك، ولا لأن أحدهما أراد لقاء الآخر على وجه التحديد.

وبعد عامٍ كامل من محاولات فاشلة لإخمادها، أدركت المملكة فداحة الأمر، واتخذت قرارها بإرسال أقوى أسلحتها—قديس السيف.

 

هل أملت أن تحصل على نفس الجواب كل مرة، أم أنها تاقت سرًا لأن يتغير؟ أم أن الإجابة لم تهمها بقدر ما رغبت فقط في الحديث معه؟

كانت تيريشيا تجلس على الدرجة الحجرية، تحدِّق بصمتٍ إلى الأزهار، بينما كرس هو نفسه للتدريب، متفرغًا تمامًا للتلويح بسيفه المصقول.

«أبي، لا ينبغي لك…»

 

احمرَّ وجهها وهي تنظر إلى حبيبها الواقف أمامها.

وهكذا، غدا مشهد وجودهما معًا في تلك الساحة المخفية أمرًا مألوفًا.

 

 

 

«——»

بمهارت أخي، لن يكون الأمر صعبًا عليه. إن كان هو، فبوسعه إنهاء هذه المهزلة.

 

«كيف يمكنكِ ذلك؟! مَن أخبركِ بهذا أصلًا…؟!»

متظاهرةً بعدم الاكتراث، راقبت تيريشيا أسلوبه بالسيف خلسةً، ولم تستطع إخفاء دهشتها.

زفرت أنفاسها ببطء.

 

لم يسبق لها أن اعتبرت ذلك الصوت خيرًا. ولكن هذه المرة، كان على حق. الصوت الذي توسَّل إليها أن ترفع سيفها، لم يكن سوى الحقيقة المجردة.

حتى من باب المجاملة، لم يكن من الممكن وصف أسلوبه بالمصقول أو المتقن.

 

 

لطالما حملت المملكة ازدراءً عميقًا لأنصاف البشر، وكأن الشرارة التي أشعلت نار هذه الحرب لم تكن سوى فتيلًا ينتظر الانفجار.

بالنسبة لتيريشيا، التي حظيت ببركة قديسة السيف، كانت أخطاؤه جلية، لا يمكن التغاضي عنها. لطالما كان انتقادها لعيوب الآخرين في فن القتال عادةً سيئة لديها، لكن، رغم ما يعتري أسلوبه من قصور، فقد عوَّض ذلك بشيء آخر تمامًا…

كان أقل ما يمكنه فعله أن يصطحبها معه، ليضعها في مرقدٍ يليق بها، بين عائلتها التي أحبتها بكل قلبها.

 

كان شقيقها الأكبر واقفًا هناك. كان لطيفًا، بملامح تشع طيبة، لطالما دللها، ولطالما أحبَّته.

… إحساسٌ جارف.

 

 

رفضت بعناد، هزَّت رأسها مرارًا وتكرارًا، لكنها في النهاية استسلمت وأمسكت بالسيف الخشبي بقبضة واهنة. حينها، أمسك عمها برأسها وأجبرها على النظر أمامها.

«… أحمق…».

وبعد ذلك، توقَّف تبادلهما المعتاد لهذا السؤال.

 

فهم عمَّها يفهم عبء اللقب أكثر من أي شخصٍ آخر.

—لم يكن في أسلوبه أي شائبة.

منذ ذلك اليوم، تعمدت تيريشيا تجنبه—لا، ليس هو فقط. لقد وضعت جدارًا بينها وبين جميع إخوتها، ووالديها، وعمها، وكل مَن حولها.

 

—لكن العيش دون أن تؤذي أحدًا، ولو عن غير قصد، ليس بهذه السهولة.

كرَّس كلَّ كيانه للسيف. تبدو هذه العبارة بسيطةً في ظاهرها، وقد اعتقدت تيريشيا سابقًا أن إخوتها فعلوا الشيء نفسه. لكنها أدركت الآن أن الأمر أعمق من ذلك بكثير.

 

 

— لطالما خشيت تيريشيا اليوم الذي قد يتغير فيه جواب ويلهيلم.

لم يكن في حياته شيءٌ سوى السيف.

من عناد تيريشيا، أدرك ويلهيلم أن أحدًا ما قد همس في أذنها بهذا الأمر. وفي اللحظة التالية، صار وجه شيطان السيف قناعًا من الغضب، وسرعان ما بدأ جو الغرفة يشتعل من هالة المعركة التي لم يعد قادرًا على كبحها.

 

 

كلَّ ما لديه، كلَّ شغفه، صبَّه فيه. لم يكن هناك شيءٌ يحبه سوى السيف. لم يكن شخصًا يستطيع أن يحبَّ أي شيءٍ آخر. كان كالنصل، قطعةً صلبةً من الفولاذ، لا تعرف سوى طريقها الحاد.

 

 

 

«… أحمق…».

الرعب.

 

 

بينما تراقب حركات سيفه بطرف عينها، شعرت بحرارةٍ تتسلل إلى وجنتيها.

 

 

 

تيريشيا كانت قديسة السيف، الشخصية التي تجسِّد الذروة المطلقة لفن المبارزة، المحبوبة من اله السيف، حتى وإن لم ترغب في ذلك.

—كأنما يسخر من ابنته العزيزة، التي تزعزع قلبها بأملٍ ضئيل.

 

 

الهدف الذي يركض خلفه بجنون… القمة التي يسعى لبلوغها بكل شغف… كانت هي.

«لا يمكنني فعل ذلك!» صرخ مستنكرًا.

 

— بعد خمس سنواتٍ من اندلاع حرب أنصاف البشر، بلغت تيريشيا التاسعة عشرة من عمرها.

لم يكن سوى وهمٍ في خيالها، لكنها شعرت وكأنه كان يغازلها بسيفه.

 

 

كلما راودها ذلك الشعور، كان ويلهيلم، وكأنه يشعر به، يحتضنها. كان يمزِّق الستار الذي تحاول الاختباء خلفه، يُجبرها على مواجهة مخاوفها الدفينة، ويتدخل رغمًا عنها.

«—أحمقٌ حقيقي…».

 

 

 

قديسة السيف تيريشيا تستطيع أن تفهم كلَّ شيءٍ عن السيف بمجرد النظر إليه.

 

 

«—أحمق.»

يمكنها تمييز جوهر أي نصلٍ عريق، سواء كان سيفًا مقدسًا أو سيفًا شيطانيًا، حتى سيف التنين الأسطوري ذاته. ويمكنها استخدام أيٍّ منها بسهولةٍ مطلقة. لم يكن هناك نصلٌ يستطيع أن يخبئ عنها جوهره الحقيقي.

منذ ذلك اليوم، تعمدت تيريشيا تجنبه—لا، ليس هو فقط. لقد وضعت جدارًا بينها وبين جميع إخوتها، ووالديها، وعمها، وكل مَن حولها.

 

«تبدين بحالةٍ مزرية…»

إلا هو. كان النصل الوحيد الذي لم تستطع التلويح به كما تشاء.

 

 

 

وربما كان ذلك السبب الذي دفعها إلى الاهتمام به.

لم تستطع تيريشيا تصديق ما تراه. كان مستحيلًا. لا بد أنه كابوس، أو وهمٌ خلقه حبُّ اله السيف الملتوي.

 

 

«أنا ويلهيلم ترياس».

 

 

 

مرَّت ثلاثة أشهرٍ منذ لقائهما الأول قبل أن يعرِّفا بنفسيهما أخيرًا.

 

 

 

رغم كثرة المرات التي التقيا فيها، أصرَّ ويلهيلم بعنادٍ على عدم السؤال عن اسمها. ولم يكن ليحدث ذلك إلا لأن تيريشيا ضاقت ذرعًا، وقررت أن تأخذ المبادرة بنفسها.

لكن هذا النضج جعله مثقلًا بالكثير من المسؤوليات، حتى إنه لم يعد قادرًا على التخلي عن كل شيء ببساطةٍ كما فعل في الماضي.

 

 

«كنتُ أناديكِ في رأسي باسم ”فتاة الأزهار“ حتى الآن».

 

 

كانت سعيدةً بما قاله شقيقها… ولذا استغلَّت لطفه. وضعت كل آمالها عليه.

—ياللوقاحة.

 

 

قفزت نحو مستقبل حفيدها، وقلب ابنها، والمرأة التي تربط بينهما.

لم يكن في كلامه أدنى لمحةٍ من اللطف أو اللباقة. لم يكن معنيًا بشيءٍ سوى نفسه، مكتفيًا بأبسط حديثٍ ممكن، ثم ينصرف وكأن شيئًا لم يكن.

 

 

«——»

بينما كان قلب تيريشيا يتأرجح.

«لأن السيف هو كل ما أملكه… لأنني لا أجد وسيلةً أخرى لحماية الأشياء.»

 

نعم، لأنه لا يملك سوى السيف.

«هل تحب الزهور؟»

شقيقها الأصغر، كاجيريس، الصغير الجبان الذي تشبث بها باكيًا كلما شعر بالخوف.

 

 

«لا، أنا أكرهها.»

 

 

صرخ هاينكل محاولًا الإمساك براينهارد، لكن الأخير أفلت من قبضته بسهولة وأمسك بوالده قبل أن يتعثر ويسقط.

حتى عندما أظهرت له حديقتها الخاصة، كان هذا كل الرد الذي تلقته.

لا زال بوسعهم اختيار طريق آخر، العيش كما يريدون، والمضي في الحياة كما يحلو لهم.

 

 

لم يكن هناك شك في أنه كان غير قادر جسديًا على أن يكون لطيفًا مع أي شخص أو يقول شيئًا عمدًا لإسعاده.

 

 

«لا تتصنَّع البراءة أيها الوغد!»

كانت لتنفجر استنكارًا عند سماع ذلك، لكنها لم تملك حيلة؛ لأن الفكرة التالية التي تبادرت إلى ذهنها هي: ولكن لأنه هكذا لأنه يشبه السيف تمامًا، ولهذا…

«—راينهارد!»

 

لم يقل ويلهيلم شيئًا، بل اكتفى بالتحديق فيها، منتظرًا أن تتكلم.

كانت قديسة السيف تتعثر بسبب وجود نصلٍ لا تستطيع التحكم به كما تشاء. في ذلك الوقت، لم تدرك أنه كان ينقذها أيضًا.

 

 

 

«هل بدأت تحب الزهور؟»

كرَّس كلَّ كيانه للسيف. تبدو هذه العبارة بسيطةً في ظاهرها، وقد اعتقدت تيريشيا سابقًا أن إخوتها فعلوا الشيء نفسه. لكنها أدركت الآن أن الأمر أعمق من ذلك بكثير.

 

لم يكن هناك شيء في هذا العالم… سوى ويلهيلم.

«كلا، أكرهها.»

 

 

 

«لماذا تلوِّح بسيفك؟»

وفي الحقيقة، أوفى بوعده. عاشت حياةً هانئة، تحيط نفسها بالزهور، في ظل حمايته. لكن حان الوقت لتوديع تلك الحياة.

 

 

«لأنه كل ما أملك.»

كان سيقتنص قديسة السيف بقوته الخاصة، بإصراره وحده، بكل ما كسبه بعدما أفنى كل شيء من أجل السيف.

 

على ما يبدو، كان قد صنَّفها فورًا كشخصٍ لا علاقة له بالقتال، لدرجة أنها لم تلحظ هالته على الإطلاق.

في مرحلةٍ ما، صار هذا الحوار جزءًا ثابتًا من صباحاتهما. تُرى، أي إجابة انتظرت عندما ظلت تكرر الأسئلة ذاتها؟

 

 

لكنه كان دائمًا يُعبّر عن مشاعره بأفعاله، حتى وإن عجز عن قولها بالكلمات.

هل أملت أن تحصل على نفس الجواب كل مرة، أم أنها تاقت سرًا لأن يتغير؟ أم أن الإجابة لم تهمها بقدر ما رغبت فقط في الحديث معه؟

لقد بلغت الحد.

 

 

غير قادرة على تغيير ذاتها، أي إجابة كانت تبحث عنها في ويلهيلم؟

 

 

— عندها شعرت بحضورٍ حادٍّ يقترب.

—ثم فجأة، ودون أي مقدمات، جاءها الجواب.

«ذلك الأحمق! وجب عليه أن يشعر ببعض الخجل…!»

 

 

في ذلك اليوم، وصلت تيريشيا أولًا.

ندمت على ما آل إليه مصير ابنهما بقدر ما ندم ويلهيلم. ولهذا تحديدًا، لم ترد أن يُلقي باللوم على هاينكل. أدرك ويلهيلم مغزى كلماتها، فقبض على أسنانه وحاول تهدئة غضبه. كانت تلك علامةً على أنه نضج ولو قليلًا.

 

 

كانت الرياح تداعب الأزهار بينما تنتظر قدومه بفارغ الصبر. وبحلول تلك اللحظة، كانت قد أدركت السبب الحقيقي لمجيئها إلى تلك الساحة الصغيرة.

«إنه…»

 

 

«—ويلهيلم.»

 

 

 

استدارت تيريشيا حين شعرت بوجوده، وقد تملكتها مشاعر خافتة لم تعهدها من قبل.

 

 

«——»

وحين رأته عند مدخل الساحة، ارتسمت على شفتيها ابتسامة، وامتلأ قلبها بدفء لم تختبره من قبل.

 

 

 

«——»

 

 

 

—في تلك اللحظة، انهارت السدود التي احتجزت مشاعر ويلهيلم طويلًا.

 

 

 

اتسعت عيناه، وارتعشت شفتاه، ثم رفع يده ليخفي وجهه. تفاجأت بردة فعله العنيفة، وكادت تندفع نحوه، لكنها توقفت.

استشعرت وجودًا طاغيًا يقترب من خلفها، فاستدارت تيريشيا تلقائيًا.

 

 

لطالما قطعت تيريشيا روابطها بالناس خشية أن تؤذيهم، ولهذا لم تكن تعرف كيف تتصرف عندما تجرح قلب أحدهم.

 

 

 

تيريشيا قديسة السيف ليست سوى آلة مصممة للإيذاء والقتل. لم تملك القدرة على إنقاذ أحد.

—في ذلك اليوم، حين كانت تيريشيا لم تتجاوز الثانية عشرة، نالت بركة قديس السيف.

 

 

«ويلهيلم…»

لكنني أؤمن أنكم جميعًا ستكونون بخير.

 

وهكذا، بما أن شيطان السيف لم يكن قادرًا على المشاركة، فقد طلبوا من تيريشيا أن تنضم بدلًا منه… بصفتها الشخص الوحيد الذي لا يزال يحمل بركة قديسة السيف ولقبها، رغم مرور سنوات طويلة منذ آخر مرة أمسكت فيها بسيف.

دفعت خوفها جانبًا، فوجدت نفسها واقفة أمامه مباشرة. كانت خائفة من أن تؤذيه، لكن فكرة فقدانه أرعبتها أكثر بكثير.

 

 

«——»

مدَّت يدها ولمست أصابعه المرتعشة. وفجأة، حين شعرت بحرارةٍ لا تصدَّق، أدركت الحقيقة—

«——»

 

 

السيف ليس سوى قطعةٍ من الفولاذ صُقلت بحرارةٍ مهولةٍ لتزداد قوة.

 

 

احملي سيفكِ، تيريشيا.

وويلهيلم كان سيفًا. لكنه كان سيفًا غير مكتمل.

 

 

— سيكون بخير. كل شيء سيكون بخير.

والآن، وسط هذه النيران، كان يخضع لعملية إعادة تشكيل، كان يُصقل من جديد.

«نعم.»

 

 

—إن كان سيفًا، فإن قديسة السيف يجب أن تفهمه.

مالت للأمام، رافضةً السماح له بالإفلات من ذلك بسهولة.

 

 

إن كان هو، إن كان هذا السيف، فعليَّ أن أرغب في فهمه.

 

 

«——»

«هل… بدأت تحب الزهور؟»

 

 

قديسة السيف المتألقة، المغلفة بالجمال والقداسة، هُزمت على يد شيطان السيف، ذلك الذي صُقِل في لهيب الهوس.

وكما راودها ذلك التفكير، وجدت سؤالها المعتاد يشق طريقه إلى شفتيها.

كان صوته مبحوحًا، كأنَّه يهمس بتلك الكلمات لتكون عزاءً أو ربما قناعًا يخفي به ألمه، ثم واصل المضيَّ قدمًا، محكمًا قبضته على رماد زوجته، الذي لفه في معطفه. ظل يسير بخطًى ثقيلة، يتهادى بعيدًا، حتى تلاشى ظهره عن الأنظار.

 

هزَّت رأسها، ثم أطلقت صرخة وهي تلقي السيف جانبًا، تضغط على رأسها بيديها. كحيوان جريح، صاحت بجنون، مزقت شعرها القرمزي، وانهارت في نحيبٍ مرير.

لو سمعهما أحدٌ من الخارج، لربما بدا سؤالهما خارج السياق تمامًا. لكنه كان كافيًا لهما وحدهما.

 

 

 

«… أنا… لا أكرههم.»

 

 

 

لكن هذه المرة، جاءها ردٌّ جديد على سؤالها المعتاد.

تيريشيا أحرقت آخر ما تبقى من حياتها وعادت إلى التراب. ألقى ويلهيلم نظرةً صامتة على ما تبقى منها، مطأطئ الرأس.

 

 

— لطالما خشيت تيريشيا اليوم الذي قد يتغير فيه جواب ويلهيلم.

 

 

تيريشيا وويلهيلم أنجبا ابنًا واحدًا، هاينكل.

كما لو كانت تخشى أن تُترك خلف الجميع، بينما يواصلون التقدم.

 

 

«أنا أعارض هذا بشدة! ماذا تفكرين بحق؟!»

خائفةً من أن تعيش رعب أن يُترك أحدهم خلفه، حين يتغير الآخرون.

حاولت تيريشيا أن تبادره بنبرةٍ ودِّية، لكنه لم يرد سوى بصمته القاسي.

 

 

لكن ذلك لم يحدث. لم يكن تغيُّره إلا ليجعله أكثر قيمةً في نظرها.

 

 

بمهارت أخي، لن يكون الأمر صعبًا عليه. إن كان هو، فبوسعه إنهاء هذه المهزلة.

تلك القطعة الفولاذية الصلبة، ذلك النصل الذي لا يعرف سوى حده، لم يكن تغيُّره إلا ليزداد قوة، وليغدو أقرب إلى قلبها.

لم يكن هناك شيء في هذا العالم… سوى ويلهيلم.

 

على عكس صوته المرتجف، جاء صوت راينهارد مهيبًا، ثابتًا لا تشوبه ذرة اضطراب.

«لماذا تلوِّح بسيفك؟».

لم يكن ذنب لويانا، التي أصابها داءُ الأميرة النائمة، فحكمت على زوجها وابنها بعزلةٍ لم يتمنَّياها يومًا.

 

 

كان من المؤكد أن يكون لهذا السؤال إجابةٌ مختلفة الآن.

رأت تيريشيا ذلك… وضحكت. لا بأس… كما هو الحال دائمًا، عليها أن تكون هي مَن يسأل أولًا.

 

«هل تحب الزهور؟»

وربما تكون تلك الإجابة هي الخلاص الذي بحثت تيريشيا عنه—

أطرافٌ بُترت، رؤوسٌ أُطيح بها، بطونٌ شُقَّت، أرواحٌ حُصدت.

 

تألقت عيناه بالكراهية وهو يحدِّق براينهارد، الذي راقب المشهد من جانبه. التفت راينهارد إليه وأخذ نفسًا خافتًا.

«لأن السيف هو كل ما أملكه… لأنني لا أجد وسيلةً أخرى لحماية الأشياء.»

—لم يكن في أسلوبه أي شائبة.

 

وأخيرًا، وجدت راحة البال. تخلَّت عن السيف، وعاشت كفتاة عادية، تقضي أيامها في تأمل الأزهار والاعتناء بها.

نعم، لأنه لا يملك سوى السيف.

«——»

 

 

سيكون بخير، لأنه ذلك النوع من الأشخاص.

لم يكن هناك شيء في هذا العالم… سوى ويلهيلم.

 

 

وبعد ذلك، توقَّف تبادلهما المعتاد لهذا السؤال.

ليس سوى عداءٍ محض موجهٍ نحوها.

 

«——»

بدلًا من ذلك، ازدادت الأحاديث، وتغيَّرت المواضيع، وازداد عدد الابتسامات بينهما شيئًا فشيئًا.

تذكَّرت تيريشيا وعد ويلهيلم… وعدها بأنه لن يدعها تحمل السيف مجددًا.

 

 

دفع ويلهيلم نفسه للتحدث رغم افتقاره للباقة، بينما كانت مشاعرها تجاهه تنمو أكثر فأكثر.

 

 

 

«لقد حصلتُ على وسام الشرف، وتمت ترقيتي إلى فارس».

«أنتِ أختي الصغيرة الغالية. إن لم تردِ فعل شيء، إن خفتِ… فسأحميكِ. لأنني شقيقك الأكبر.»

 

 

لن تنسى تيريشيا أبدًا الطريقة التي زفَّ بها الخبر في ذلك اليوم، ولا النظرة الغريبة التي ارتسمت على وجهه.

 

 

كان من المؤكد أن يكون لهذا السؤال إجابةٌ مختلفة الآن.

لطالما وجدت تيريشيا صعوبةً في التعامل مع الآخرين، واعتادت تجنُّبهم لفترةٍ طويلة، لكنها لم تكن غافلةً إلى الحد الذي يجعلها تجهل المعنى الحقيقي وراء اعترافه بذلك.

 

 

سقطت وكأنها تهوي من السماء، أو تغرق في أعماق بحرٍ بلا قرار.

فأن يُمنح شخصٌ من العامة لقب فارسٍ لمجرد براعته في ساحة القتال، كان أمرًا نادر الحدوث.

ألقى كلماته بخشونة، بلا أي تصنعٍ أو تلطيف.

 

 

إذًا، ما الذي أمل ويلهيلم أن يحدث حين ألقى بهذه الكلمات أمامها؟

انطلق زئير ويلهيلم كسوطٍ مفاجئ، قبل أن تلامس أصابع راينهارد جسده.

 

لكنها لم تستطع. لم يكن ذلك مسموحًا. وما منعها لم يكن اله السيف، بل شيطان السيف نفسه.

«أرى ذلك. مباركٌ لك. هذه خطوةٌ أخرى نحو حلمك، أليس كذلك؟».

«——»

 

 

كانت تدرك تمامًا لماذا جاء ليخبرها بذلك؛ لذا تعمدت أن تجيبه ببرود.

 

 

وبوصفه قائد الحرس الملكي، كان على ويلهيلم تكريس كل وقته وجهده لهذا الأمر.

لو لم تفعل، لربما احمرَّت وجنتاها لا إراديًا، ولهذا، استنفدت كل قواها بصفتها قديسة السيف للحفاظ على رباطة جأشها، ولم تترك سوى ابتسامةٍ هادئة تعلو وجهها.

 

 

دفعَت كل الأصوات بعيدًا، ولم تسمح لشيءٍ بالتسلل إلى عالمها سوى صوت ويلهيلم—

«حلمي؟»

ساد الاضطراب في المكان، وتحطمت الهالة المهيبة التي سادت الحاضرين في المراسم. دون أن يكترث لأي نداءٍ بالتوقف، ظهر رجل -لا، مبارز- داخل المراسم.

 

 

«أنت تحمل سيفك لحماية الناس، صحيح؟ الفارس هو مَن يحمي الآخرين في نهاية المطاف.»

«… أحمق…».

 

 

بلا تردد، أومأ ويلهيلم موافقًا بكل احترام. رغم مزاجه المتجهم دائمًا، كان هناك لحظات نادرة يستجيب فيها بمثل هذا الصدق الطفولي.

 

 

 

—سيكون جميلًا لو كنتُ واحدةً من الأشياء التي يريد حمايتها.

 

 

《٤》

كرهت تيريشيا نفسها لأنها لم تبح بذلك مباشرةً، وكأنها تترك لنفسها بابًا للهرب.

كادت دموعها أن تُكشف، لكنها أجبرت نفسها على التظاهر بالهدوء، متصنعةً الراحة وهي تتحدث، ثم استدارت لمواجهة ذاك المتطفل.

 

هو مَن كان بحاجةٍ إلى الوقت، كان بحاجةٍ إلى الفرصة، كان بحاجةٍ إلى العثور على الكلمات الصحيحة.

رغم أنها كانت شبه متأكدةٍ من الجواب، ورغم إدراكها بأن كليهما يحمل مشاعر تجاه الآخر، إلا أنها بقيت مترددة، غير قادرةٍ على التصرف.

«—عندما أعود… أريد أن أسمع إجابتك أخيرًا.»

 

— لطالما خشيت تيريشيا اليوم الذي قد يتغير فيه جواب ويلهيلم.

كرهت ذلك الجبن فيها…

«أمسكي بالسيف، تيريشيا.»

 

 

وبسبب ذلك، ارتكبت خطأ آخر. عندما تذكرت ذلك، لم تتمكن تيريشيا من العثور على مرة واحدة فعلت فيها الشيء الصحيح.

لأن نعمة قديسة السيف لم تختفِ.  بل بقيت كامنةً داخلها.

 

غرس هاينكل يده في شعره الأحمر وعبث به بجنون، ثم انبعثت من حلقه ضحكة مبحوحة وارتسمت على وجهه ابتسامة جنونية.

٦

 

 

رغبت في أن تكرهه، في أن تلقي اللوم عليه. فلولاه، ربما استطاعت أن تُبقي على حقيقة امتلاكها لبركة قديسة السيف طيَّ الكتمان.

حين عاد ويلهيلم للقلق بشأن وطنه، ألقى بنفسه في أتون المعركة وحده.

 

 

«مَن كان يظن أن أحدًا قد يأتي إلى هنا في هذا الوقت المبكر؟ ما الذي—».

بمجرد أن سمعت ذلك التقرير، شحب وجه تيريشيا حتى بدا كالموتى. سقطت على ركبتيها دون وعي، بينما وقفت خادمتها بجانبها في ارتباكٍ واضح، لكنها لم تستطع الرد.

انطلق صوت هاينكل، قاطعًا الصمت.

 

«لقد اتخذت قراري بالفعل.»

فهمت تيريشيا على الفور مدى يأس الموقف.

 

 

لقد كان الجحيم. جحيمًا لا مفر منه، داخل عقلها.

احملي سيفك، تيريشيا.

نعم، لأنه لا يملك سوى السيف.

 

دفعَت كل الأصوات بعيدًا، ولم تسمح لشيءٍ بالتسلل إلى عالمها سوى صوت ويلهيلم—

بينما تحدق بصمتٍ في الأرض، سمعت ذلك الصوت العتيق المألوف يتردد في أذنها.

 

 

 

الصوت الذي لم تسمعه منذ زمنٍ طويل. منذ التقت بويلهيلم، منذ بدأت مشاعرها تجاهه تتبلور، بدا وكأن ذلك الصوت قد ابتعد عن تيريشيا شيئًا فشيئًا.

 

 

 

لم يسبق لها أن اعتبرت ذلك الصوت خيرًا. ولكن هذه المرة، كان على حق. الصوت الذي توسَّل إليها أن ترفع سيفها، لم يكن سوى الحقيقة المجردة.

كانت تيريشيا تخشى البركة التي وُلِدَت بها—بركة الحاصد.

 

 

«— احملي سيفك، تيريشيا».

لكن… كيف له أن يفهم؟ وهو ليس إلا سيفًا؟

 

 

كررت الكلمات على شفتيها، ثم وقفت بثبات.

«… كيف نَمَوتِ بهذا الجمال رغم أنني لم أسقِكِ حتى؟ أنتنَّ رائعات حقًا».

 

«أنت تحمل سيفك لحماية الناس، صحيح؟ الفارس هو مَن يحمي الآخرين في نهاية المطاف.»

لقد تخلَّت عن كل شيء لإخوتها، وألقت بالمسؤولية على عاتق عمها، وتركتهم جميعًا يلقون حتفهم.

وأخيرًا، وجدت راحة البال. تخلَّت عن السيف، وعاشت كفتاة عادية، تقضي أيامها في تأمل الأزهار والاعتناء بها.

 

ابتسمت تيريشيا لكلمات شيطان السيف— لكلمات ويلهيلم.

لأنها لم تقاتل، مات الكثيرون.

هل أملت أن تحصل على نفس الجواب كل مرة، أم أنها تاقت سرًا لأن يتغير؟ أم أن الإجابة لم تهمها بقدر ما رغبت فقط في الحديث معه؟

 

 

لكنها لن تسمح بذلك هذه المرة.

 

 

 

لن تفرِّط به. ويلهيلم وحده كان مختلفًا.

أغمض ويلهيلم عينيه للحظة عند إدراكه ذلك، ثم واصل حديثه:

 

 

ذلك السيف، ذلك الفولاذ— ذلك الرجل ملكٌ لها وحدها.

 

 

لم تهجرها حين أدارت ظهرها لدورها كقديسة السيف، ولم تتركها عندما فرت من ساحة القتال في معركتها الأولى، ولم تتخلَّ عنها حتى بعدما فقدت تيريشيا إيمانها بنفسها.

«احملي سيفك، تيريشيا… هذه المرة، سأفعل».

كان أمرًا غامضًا. في لحظةٍ ما، ظهر أمامها خطٌ أبيض، معلقٌ في الهواء، وبطريقةٍ أكثر غرابة، أدركت غريزيًا أن عليها فقط أن تتبعه بسيفها.

 

 

—كان الخط الدفاعي حول مسقط رأس ويلهيلم على وشك الانهيار.

《١٠》

 

وهكذا انتهت ساحة المعركة التي اجتمع فيها الجد والأب والابن— عائلة أستريا بأكملها.

ساحة قتالٍ جحيمية، تملؤها الصرخات والهتافات المدوية، ممتزجةً برائحة الدم والدخان. وسط هذا المشهد المفزع، عادت إلى ذهن تيريشيا ذكريات معركتها الأولى المريرة، تتوالى أمام عينيها.

 

 

«لأنه كل ما أملك.»

كم من مرةٍ طاردتها تلك الذكريات؟

«——»

 

ومع ذلك، كانت على يقينٍ من أنه سيكون هناك، في تلك الساحة، إن ذهبت إليه.

كم من مرةٍ تخيلت نفسها تقف على ساحة المعركة، تحمل على عاتقها آمال الجميع، وتؤدي دورها كقديسة السيف ببراعة؟

نوت الاستماع إليه بصمت، لكن رؤيته وهو يعاني بهذه الصورة كانت أكثر مما تحتمل.

 

وكان من المناسب جدًا أن تكون تلك كلماته الأولى لها.

لكن الحقيقة القاسية حطَّمت تلك الصور الجميلة بكل سهولة.

لم تعد تحتمل ذلك المزيج من الكراهية، والشفقة، والمشاعر السلبية التي اشتعلت في عينيه.

 

«البركة…»

«——»

 

 

 

حبست أنفاسها، تكتم رغبتها في التقيؤ، وبدأت  تيريشيا تبحث عن ويلهيلم وسط أتون المعركة. بحواسها المتحفزة، انطلقت بعينين محتقنتين بالدماء، تمسح ساحة القتال حتى وقع بصرها عليه أخيرًا.

 

 

 

وفي اللحظة التي رأته فيها، دفعت الأرض بقدمها وانطلقت.

لم يكن مستعدًا لسماع هذا السؤال، بعد كل هذه السنوات، تجمَّد في مكانه، مشدوهًا بابتسامة زوجته.

 

 

ركضت دون تردد، متجاوزةً جبال الجثث، عابرةً أنهار الدم، مخترقةً ميدان الصرخات والأنين.

«سيدتي تيريشيا…غغ…»

 

لم تعد تشعر ببركة قديس السيف.

وبينما كانت رائحة الحديد الخانقة تملأ المكان، وجدته.

«——»

 

 

كان ملقى على الأرض، وجهه ملطخٌ بالدماء، وعيناه شاخصتان نحو خصمه.

تيريشيا وويلهيلم أنجبا ابنًا واحدًا، هاينكل.

 

«أدرك…تِ… غغ…»

رأت ذلك النصف بشري يرفع سيفه الضخم نحو ويلهيلم، يهم بإنهاء الأمر. وفي تلك اللحظة، تحركت شفتا ويلهيلم، وخرج صوته المبحوح الهامس:

«لماذا تلوِّح بسيفك؟»

 

«——»

«لا أريد أن أموت…»

 

 

 

— سيكون بخير. كل شيء سيكون بخير.

لقد تخلَّت عن كل شيء لإخوتها، وألقت بالمسؤولية على عاتق عمها، وتركتهم جميعًا يلقون حتفهم.

 

 

لم تعد تسمع شيئًا.

«هل كنتِ تسخرين مني؟».

 

«أنتِ أختي الصغيرة الغالية. إن لم تردِ فعل شيء، إن خفتِ… فسأحميكِ. لأنني شقيقك الأكبر.»

لوَّحت بسيفها الطويل. كان خفيفًا بين يديها.

يا للحرج… صوتي يبدو تمامًا كما كان يوم وقعتُ في حبِّه.

 

 

لا صوت. لا صدمة. لم يتطلب الأمر منها سوى ضربةٍ واحدة، فتناثر رأس ذلك النصف بشري بعيدًا.

 

 

مهما يكن، كانت تيريشيا واثقةً تمامًا بأن راينهارد هو قديس السيف الذي سيخلفها.

بقي السيف مرفوعًا، بينما سقط الجسد بلا حياة، خاليًا من رأسه. وفي اللحظة التالية، تحوَّلت أنظار الأعداء من حولها إليها، لتتوجه نحوها موجةٌ من العداء القاتل.

«—أخي، القديسة القادمة للسيف هي ابنتك، تيريشيا.»

 

هل اعتقد أنه قد كتمها لمجرد أنه لم ينطق بها؟

شعرت بها قبل أن تراها. قرأتها في الهواء. أحسَّت بها على جلدها. ثم… أفلتت منها.

لم يكن هناك شيء في هذا العالم… سوى ويلهيلم.

 

 

بخفةٍ لا تصدق، تيريشيا تحركت، متفاديةً جميع الهجمات، ورأت أمامها ذلك الخط الأبيض الغريب.

 

 

 

كان أمرًا غامضًا. في لحظةٍ ما، ظهر أمامها خطٌ أبيض، معلقٌ في الهواء، وبطريقةٍ أكثر غرابة، أدركت غريزيًا أن عليها فقط أن تتبعه بسيفها.

وكان ذلك كافيًا.

 

 

هبت عاصفةٌ حادة مع اندفاع النصل في الهواء، وانقسم أنصاف البشر الذين كانوا في مسار الخط الأبيض إلى شطرين، متفجرين برشقاتٍ هائلة من الدماء.

 

 

 

أطرافٌ بُترت، رؤوسٌ أُطيح بها، بطونٌ شُقَّت، أرواحٌ حُصدت.

«——»

 

لكنها عصت ذلك الصوت الذي لم يكفَّ عن ملاحقتها… فلم ترفع سيفها.

وأخيرًا، مُنحت تيريشيا الفرصة. بركة قديسة السيف -بركة الحاصد القاتل- تفجرت بكل عنفوانها.

 

 

وكان ذلك كافيًا.

«سيدتي تيريشيا…غغ…»

ضبابٌ كثيف أحاط بالمكان، ولم يكن لأحد وجهةٌ يهرب إليها. ارتفعت الأصوات في محاولةٍ يائسة لردع ذلك الشعور الطاغي بالهلاك الذي اجتاحهم.

 

انهارت حملة القضاء على الحوت الأبيض بالكامل.

تناهى إلى سمعها صوتٌ وسط أتون المعركة. كان صوت خادمتها، تلك التي لم تتخلَّ عنها يومًا، والتي بقيت إلى جانبها رغم كل شيء.

صرخ وصرخ، وتعالت صيحاته المفعمة بالحقد والحزن، مترددةً في الأفق البعيد—

 

 

لم تهجرها حين أدارت ظهرها لدورها كقديسة السيف، ولم تتركها عندما فرت من ساحة القتال في معركتها الأولى، ولم تتخلَّ عنها حتى بعدما فقدت تيريشيا إيمانها بنفسها.

 

 

«— يكفي.»

كانت دائمًا تردد لها:

يا للحرج… صوتي يبدو تمامًا كما كان يوم وقعتُ في حبِّه.

 

خفض غطاء رأس عباءته، فوقعت عينا تيريشيا على الوجه الذي اشتاقت لرؤيته… ذلك الوجه العابس، الملطخ بالأتربة.

سيدتي تيريشيا، ذات يوم، عندما تحين الفرصة، ستكونين أقوى من أي شخصٍ آخر، وستحملين لقب قديسة السيف بحق… وسأظل إلى جانبك حتى ذلك اليوم.

«جبان!» صاح عمها موبخًا.

 

«إذًا… ما الذي رأيناه الآن؟ ما الذي دار بينك وبين أبي؟ ما الذي كان يحدق بنا بذلك الاستياء…؟ ما الذي كان ذلك إن لم يكن أمي؟!»

وكانت على حق. تيريشيا كانت الأقوى. كانت الأبرع في القتل.

 

 

بهذه الكلمات، كشف قديس السيف السابق بلا رحمة عن الخدعة التي أخفتها ابنة أخيه.

—يا ليتها أدركت ذلك في وقتٍ أبكر.

 

 

 

«——»

حاولت تيريشيا أن تبادره بنبرةٍ ودِّية، لكنه لم يرد سوى بصمته القاسي.

 

وهكذا انتهت ساحة المعركة التي اجتمع فيها الجد والأب والابن— عائلة أستريا بأكملها.

أُخرج ويلهيلم الجريح من ساحة القتال على أيدي رفاقه الذين جاؤوا لإنقاذه. حاول المقاومة، أراد البقاء، لكنه لم يستطع.

 

 

ورغم ذلك، لم تتوقف تلك الهلوسة اللانهائية عن التردد في رأسها.

شعرت تيريشيا بالراحة مع تلاشي وجوده بعيدًا. ومع ذلك، لم تتوقف عن التلويح بسيفها. واصلت حصد الأرواح.

زفرت أنفاسها ببطء.

 

كانت سعيدةً بما قاله شقيقها… ولذا استغلَّت لطفه. وضعت كل آمالها عليه.

عندها، سمعت ضحكةً تتردد في أذنها. كان ذلك الصوت الذي سمعته في عقلها دائمًا— وفي تلك اللحظة، أدركت تيريشيا أخيرًا أنه صوت اله السيف نفسه.

لم يكن ذنب هاينكل، الذي كان مخلصًا، وبذل قصارى جهده في دراسة فن السيف، رغم أنه لم يُجْزَ عن ذلك.

 

لم تستطع الرؤية بوضوح. وكأنها واقفة وسط عاصفةٍ من الرمال. حتى الأصوات… بدت مكتومةً وبعيدة.

حاولت تيريشيا أن تغرق صوته وسط صرخات الموتى، أن تمحوه من ذهنها.

لماذا ما زالوا يلوحون بسيوفهم، وهم يدركون أنهم لن يتمكنوا من اللحاق بها مهما قضوا أعمارهم في ذلك؟

 

 

رفضت أن تسمع سوى صوتٍ واحد.

هزَّت رأسها نفيًا.

 

 

ذلك الصوت المتوسل للحياة.

وهكذا انتهت ساحة المعركة التي اجتمع فيها الجد والأب والابن— عائلة أستريا بأكملها.

 

منذ أن سقط السيف من يدها، لم تعد تسمع صوت اله السيف…

دفعَت كل الأصوات بعيدًا، ولم تسمح لشيءٍ بالتسلل إلى عالمها سوى صوت ويلهيلم—

 

 

 

٧

 

 

 

لم يقطعا عهدًا باللقاء مجددًا.

 

 

 

ومع ذلك، كانت على يقينٍ من أنه سيكون هناك، في تلك الساحة، إن ذهبت إليه.

 

 

في ذلك اليوم، وصلت تيريشيا أولًا.

«يا للمهانة.»

«——»

 

 

وقف هناك، ينظر إليها بغضب، بينما التزمت تيريشيا الصمت.

 

 

— سيكون بخير. كل شيء سيكون بخير.

لقد أوقفَت تيريشيا سيفه، الذي هجم به بكل قوته، بين إصبعيها فقط.

«—مم-همم.»

 

 

«هل كنتِ تسخرين مني؟».

بعد ذلك، بات لقاؤهما أمرًا متكررًا.

 

 

«——»

حتى عندما أظهرت له حديقتها الخاصة، كان هذا كل الرد الذي تلقته.

 

«لا داعي لأن تقلق عليَّ… فقط اعتنِ بسلامتك. هذا أكثر من كافٍ…»

«أجيبيني، تيريشيا… أجيبيني، قديسة السيف، تيريشيا ڤان أستريا!!!».

زفرةٌ خفيفة تسللت من بين شفتيها، وذابت في الهواء الصباحي النقي والبارد، بينما تشق طريقها نحو فسحةٍ مفتوحة بين تلك الأبنية المهجورة. لم يستحق المكان حتى أن يُسمَّى ساحة. جلست على إحدى الدرجات الحجرية، محدقةً بالجدار المتداعي أمامها.

 

 

لم تكن تنوي ذلك على الإطلاق. لكن ما الجدوى من التبرير؟

وبعد ذلك، توقَّف تبادلهما المعتاد لهذا السؤال.

 

 

تراجعت، متجنبةً هجومه العنيف، ثم أسقطته أرضًا مرارًا وتكرارًا، حتى ترنَّح أخيرًا وسقط على ركبتيه بعدما تلقى ضربةً قاضية بمقبض سيفه الذي انتزعَته منه.

حين حبست نفسها في غرفتها محاولةً إنكار ما جرى، اقتحم عمها عزلتها بلا رحمة، وجذبها خارجًا رغمًا عنها.

 

إذًا، ما الذي أمل ويلهيلم أن يحدث حين ألقى بهذه الكلمات أمامها؟

عندها فقط، نطقت بكلماتها الأخيرة:

انطلق زئير ويلهيلم كسوطٍ مفاجئ، قبل أن تلامس أصابع راينهارد جسده.

 

 

«لن آتي إلى هنا بعد الآن.»

بسط معطفه على الأرض، وبدأ يجمع به رماد تيريشيا، فلم يكن بوسعه أن يتركها تتلاشى مع الريح.

 

 

لم تعد تحتمل ذلك المزيج من الكراهية، والشفقة، والمشاعر السلبية التي اشتعلت في عينيه.

بمهارت أخي، لن يكون الأمر صعبًا عليه. إن كان هو، فبوسعه إنهاء هذه المهزلة.

 

 

«لا تحمل السيف بذلك الوجه!»

حتى عندما أظهرت له حديقتها الخاصة، كان هذا كل الرد الذي تلقته.

 

 

ويلهيلم هو مَن كرَّس نفسه تمامًا للسيف، مَن آمن بجمال النصل وقيمة الفولاذ أكثر من أي شخصٍ آخر. لكنها، بقوتها المطلقة، حطَّمت كل ما آمن به.

ومع ذلك، كانت على يقينٍ من أنه سيكون هناك، في تلك الساحة، إن ذهبت إليه.

 

 

كانت الإجابة التي منحها إياها هو نفسه ويلهيلم ترياس.

 

 

«لأنني قديسة السيف… لم أكن أعلم السبب من قبل، لكنني أدركته أخيرًا.»

 

 

«أرى ذلك. مباركٌ لك. هذه خطوةٌ أخرى نحو حلمك، أليس كذلك؟».

«أدرك…تِ… غغ…»

لن تنسى تيريشيا أبدًا الطريقة التي زفَّ بها الخبر في ذلك اليوم، ولا النظرة الغريبة التي ارتسمت على وجهه.

 

 

«أن تحمل السيف لتحمي شخصًا ما… أعتقد أن هذا هو الجواب الذي يناسبني أيضًا.»

 

 

«ذلك الأحمق! وجب عليه أن يشعر ببعض الخجل…!»

أن تحمي الناس بقوة القتل التي تمتلكها… باللعنة التي تكرهها. أن تحمي ويلهيلم.

 

 

 

أن تحميه، أن تحمي عائلتها، أن تحمي الجميع، أن تحمي البلاد. أن تصبح قديسة السيف التي تستحق هذا اللقب. قديسة السيف الأقوى من أي أحد.

«هاه.»

 

«… أحمق…».

لأنني الأقوى… لأن قديسة السيف هي الأقوى.

 

 

 

«انتظري… تيريشيا…»

«راقب لسانك، عزيزي.»

 

 

كادت تتوقف عند سماع الصوت الذي ناداها، لكن بكل ما أوتيت من قوة، أجبرت نفسها على المضي قدمًا.

 

 

 

ومع ذلك، بلغها صوت ويلهيلم. بلغ قلبها.

كان العجوز لا يزال جاثيًا على الأرض، ففك معطفه عن خصره ومزَّق كُمَّه، ليضمد به الجرح العميق في ساقه اليمنى، حيث غُرِزَ سيفها الطويل.

 

صرخ وصرخ، وتعالت صيحاته المفعمة بالحقد والحزن، مترددةً في الأفق البعيد—

«سأنتزع منك السيف… انسي البركات والأدوار… لا تحتقري معنى التلويح بالنصل… لا تستهيني بجمال السيف، قديسة السيف…!».

 

 

لأن نعمة قديسة السيف لم تختفِ.  بل بقيت كامنةً داخلها.

أقسم أن يسلبها إياه.

 

 

 

ورغم ذلك، لم تتوقف تلك الهلوسة اللانهائية عن التردد في رأسها.

ثم تزوج هاينكل من لويانا، وأنجبا بدورهما ابنًا… حفيدهما الأول، راينهارد.

 

لهذا، سواء كانوا رجالًا أو نساءً، ليس لأحد من أفراد آل أستريا أن يعيش بعيدًا عن السيف.

كأن اله السيف نفسه كان يسخر من ذلك المبارز عديم الموهبة الذي تجرأ على أن يحلم بهزيمة قديسة السيف.

ولذا، لم تتعرض تيريشيا لأي لومٍ رغم فرارها من وجه العدو، وظلت مختبئةً داخل قوقعتها.

 

أحبت شيطان السيف… ذلك الذي وقف أمام عينيها الآن.

—كأنما يسخر من ابنته العزيزة، التي تزعزع قلبها بأملٍ ضئيل.

 

 

 

٨

 

 

 

استشعرت وجودًا طاغيًا يقترب من خلفها، فاستدارت تيريشيا تلقائيًا.

لكنها كانت محبةً مغلوطة، مشَوّهة، وأكبر مما يجب. ولم يكن لذلك سوى أثرٍ واحد…

 

 

ساد الاضطراب في المكان، وتحطمت الهالة المهيبة التي سادت الحاضرين في المراسم. دون أن يكترث لأي نداءٍ بالتوقف، ظهر رجل -لا، مبارز- داخل المراسم.

 

 

لقد رحلت المرأة التي كانت جدةً وأمًّا وزوجة.

كان الاحتفال مزيجًا بين مراسم تأبين ونهاية حرب أنصاف البشر، كما كان مناسبةً للإعلان رسميًا عن قديسة السيف، تيريشيا ڤان أستريا، وتسليط الضوء على مَن لعبت الدور الأكبر في إنهاء النزاع الداخلي.

«نعم.»

 

تشبثت بصدره، أغمضت عينيها، ثم ضغطت شفتيها على شفتيه. كان ذلك الإحساس دافئًا… ناعمًا… إحساسًا جعل حبها ينفجر، وجعل عالمها كله يتغير.

بزيٍّ رسمي وسيفٍ احتفالي، راودت تيريشيا الشكوك في عقلها.

«——»

 

 

لم تستطع تيريشيا تصديق ما تراه. كان مستحيلًا. لا بد أنه كابوس، أو وهمٌ خلقه حبُّ اله السيف الملتوي.

تمكنت من الشعور بنيته، كان سيهوي بالسيف الخشبي بطريقة لا تؤذيها. أدركت ذلك من وقفته، ومن نظراته، ومن الهواء الذي أحاط به.

 

متظاهرةً بعدم الاكتراث، راقبت تيريشيا أسلوبه بالسيف خلسةً، ولم تستطع إخفاء دهشتها.

أما ذلك الذي وقف أمامها الآن، فقد كان… شيطان السيف. كان يحمل نصلًا بليدًا صدئًا.

 

 

 

«——»

«… هاه؟»

 

«——»

تيريشيا لم تنطق بكلمة، بل رفعت سيفها الاحتفالي، واتخذت وضعية القتال.

«هذا يكفي… في الوقت الحالي.»

 

«أن تحمل السيف لتحمي شخصًا ما… أعتقد أن هذا هو الجواب الذي يناسبني أيضًا.»

سارع الحراس ليحيطوا بالرجل الذي تجرأ على مقاطعة المراسم، لكن الملك أوقفهم بإشارةٍ من على المنصة. كانت ممتنةً لقراره.

كما حدث دائمًا، تجلى المسار الذي يراه الاله المحب لابنته. ذلك المسار الذي لا يقود سوى إلى مذبحة. إلا أن ما كسره ليس سوى اجتهاد شيطان السيف… اجتهاده الذي لم يعرف الكلل.

 

 

على الأقل حتى ولو كان حلمًا— فلن يتدخل أحد في موعدها مع شيطان السيف.

 

 

ابتسمت وكأنها راضية، وقد احمرَّت وجنتاها في مظهر بديع بينما غمرت عينيها الدموع. ثم انهار جسد تيريشيا ڤان أستريا في أحضان ويلهيلم في غمضة عين، متحولًا إلى رماد.

لم يكن هناك إعلانٌ عن بدء النزال.

 

 

لن تفرِّط به. ويلهيلم وحده كان مختلفًا.

كما لو كان الأمر قد رُتِّب مسبقًا، انطلقت سيوفهما في ذات اللحظة.

 

 

 

انفجر الصليل الأول، وأُزيح الستار عن المبارزة.

 

 

لم يقطعا عهدًا باللقاء مجددًا.

كما حدث دائمًا، تجلى المسار الذي يراه الاله المحب لابنته. ذلك المسار الذي لا يقود سوى إلى مذبحة. إلا أن ما كسره ليس سوى اجتهاد شيطان السيف… اجتهاده الذي لم يعرف الكلل.

 

 

«لا، أنا أكرهها.»

كان في سيفه شغفٌ مجنون، وهو يقطع الخط الأبيض في الهواء بذلك النصل الصدئ.

 

 

—لكن العيش دون أن تؤذي أحدًا، ولو عن غير قصد، ليس بهذه السهولة.

خفق قلب تيريشيا بقوة. في كل مرة تتقاطع سيوفهما، يُمزَّق الخط الأبيض. في كل مرة تلتقي عيونهما، تتدفقت مشاعرها أكثر.

ولهذا—

 

كان ملقى على الأرض، وجهه ملطخٌ بالدماء، وعيناه شاخصتان نحو خصمه.

أحبت شيطان السيف… ذلك الذي وقف أمام عينيها الآن.

لا أملك سوى ندمٍ واحد… سؤالٌ لم أتمكن من طرحه.

 

«هل ستحميني؟»

أحبت قديسة السيف شيطان السيف… في كل مرة تتصادم فيها نصالهما.

 

 

«أنا أعارض هذا بشدة! ماذا تفكرين بحق؟!»

—لا أستطيع الاكتفاء منه.

«ويلهيلم…»

 

 

مع كل ضربة سيف، تعاظمت مشاعرها. أرادت أن تُسقط نصلها، أن تهرع إليه، أن تلقي بنفسها بين ذراعيه.

 

 

«——»

لكنها لم تستطع. لم يكن ذلك مسموحًا. وما منعها لم يكن اله السيف، بل شيطان السيف نفسه.

 

 

 

لقد أقسم أن ينتزعها بقوته وحده، ورفض أن يقبل العون من أي أحد. حتى ولو كانت هي من قدمته.

وهكذا، غدا مشهد وجودهما معًا في تلك الساحة المخفية أمرًا مألوفًا.

 

 

كان سيقتنص قديسة السيف بقوته الخاصة، بإصراره وحده، بكل ما كسبه بعدما أفنى كل شيء من أجل السيف.

 

 

 

كم مرةً يا ترى…؟

وهكذا انتهت ساحة المعركة التي اجتمع فيها الجد والأب والابن— عائلة أستريا بأكملها.

 

 

عشرات الآلاف؟ مئات الآلاف؟ ملايين لا تُحصى؟

 

 

ندمت على ما آل إليه مصير ابنهما بقدر ما ندم ويلهيلم. ولهذا تحديدًا، لم ترد أن يُلقي باللوم على هاينكل. أدرك ويلهيلم مغزى كلماتها، فقبض على أسنانه وحاول تهدئة غضبه. كانت تلك علامةً على أنه نضج ولو قليلًا.

كم مرة لوَّح بسيفه وهو يفكر بها؟

 

 

ولأنها فهمت ذلك، لم يعد بإمكانها أن تحقد عليه بعد الآن.

التقت نصالهما مجددًا، تتشابك، تتناطح، تتألق في صداماتٍ لا تنتهي.

 

 

 

حركةٌ تتبعها أخرى، درءٌ وهجوم، دفعٌ وسحب، حتى…

 

 

 

«إنه…»

 

 

 

«——»

 

 

وبعد ذلك، توقَّف تبادلهما المعتاد لهذا السؤال.

«… إنه نصري.»

 

 

 

تساقط السيف الاحتفالي من يد تيريشيا.

 

 

كانت لتنفجر استنكارًا عند سماع ذلك، لكنها لم تملك حيلة؛ لأن الفكرة التالية التي تبادرت إلى ذهنها هي: ولكن لأنه هكذا لأنه يشبه السيف تمامًا، ولهذا…

فقدت الإحساس بيدها من شدة التصادمات المتكررة، فارتطمت النصل المقدسة بالأرض خلفها. أما ذلك السيف الصدئ، النصف مهشم، فقد كان مشيرًا مباشرةً إلى عنقها الشاحب.

 

 

 

قديسة السيف المتألقة، المغلفة بالجمال والقداسة، هُزمت على يد شيطان السيف، ذلك الذي صُقِل في لهيب الهوس.

 

 

«… كيف نَمَوتِ بهذا الجمال رغم أنني لم أسقِكِ حتى؟ أنتنَّ رائعات حقًا».

في تلك اللحظة، تحطم وهم قديسة السيف. في تلك اللحظة، سقطت النصل المقدسة أمام ذلك السيف المهترئ.

بقي السيف مرفوعًا، بينما سقط الجسد بلا حياة، خاليًا من رأسه. وفي اللحظة التالية، تحوَّلت أنظار الأعداء من حولها إليها، لتتوجه نحوها موجةٌ من العداء القاتل.

 

 

«أنتِ أضعف مني؛ لذا لا حاجة لأن تمسكي بالسيف مجددًا.»

أن تحمي الناس بقوة القتل التي تمتلكها… باللعنة التي تكرهها. أن تحمي ويلهيلم.

 

 

مر زمن طويل منذ آخر مرة سمعت فيها صوته الجاف، الصارم.

«لا، أنا أكرهها.»

 

تناهى إلى سمعها صوتٌ وسط أتون المعركة. كان صوت خادمتها، تلك التي لم تتخلَّ عنها يومًا، والتي بقيت إلى جانبها رغم كل شيء.

وكان من المناسب جدًا أن تكون تلك كلماته الأولى لها.

تراجعت، متجنبةً هجومه العنيف، ثم أسقطته أرضًا مرارًا وتكرارًا، حتى ترنَّح أخيرًا وسقط على ركبتيه بعدما تلقى ضربةً قاضية بمقبض سيفه الذي انتزعَته منه.

 

… إحساسٌ جارف.

«إن لم أحمل السيف، فمَن سيفعل؟»

 

 

«أنا ويلهيلم ترياس».

«سأتولى أنا السبب الذي يجعلك تمسكين بالسيف. يمكنكِ ببساطة أن تكوني أنتِ السبب الذي يجعلني ألوِّح بسيفي.»

 

 

 

سببُه في حمل السيف كان الحماية.

 

 

 

خفض غطاء رأس عباءته، فوقعت عينا تيريشيا على الوجه الذي اشتاقت لرؤيته… ذلك الوجه العابس، الملطخ بالأتربة.

 

 

 

يا له من رجل سيئ… يأتي بكل هذه الكلمات الرنانة عن السرقة والحماية، ثم لا يفهم شيئًا عن قلب امرأة.

 

 

 

لكن… كيف له أن يفهم؟ وهو ليس إلا سيفًا؟

وربما كان ذلك السبب الذي دفعها إلى الاهتمام به.

 

كم مرةً يا ترى…؟

«يا لكَ من شخص فظيع… تأخذ عزيمة شخصٍ ما، وإصراره، وكل شيء آخر، ثم تلقي به بعيدًا وكأنه لا شيء.»

وفي لمح البصر، اختفى قديس السيف عن الأنظار. تأمل هاينكل تلك القوة الخارقة للحظة، قبل أن يبصق على الأرض بامتعاض عندما لم يعد راينهارد في مدى بصره. ثم اندفع ليلحق بوالده، الذي كان يسير متثاقلًا، يجرُّ ساقه المصابة خلفه.

 

 

«سأرث كل ذلك. لذا، انسي أمر حمل السيف… وخذي الحياة ببساطة. لديَّ فكرة، لمَ لا تزرعين الأزهار وتعيشين بسلام خلف ظهري؟»

 

 

«—تيريشيا، هل أنتِ خائفة؟»

«محميّةً بسيفك؟»

 

 

 

«نعم.»

 

 

«نعم.»

«هل ستحميني؟»

«الأوضاع خطرة في الخارج، نائب القائد. من الأفضل أن تتوجه إلى أحد الملاجئ… مع السيد ويلهيلم.»

 

 

«نعم.»

 

 

كان النزيف قد توقف، لكن الجرح كان غائرًا، وقد فقد كمية كبيرة من الدم. مدَّ راينهارد يده إليه فورًا، محاولًا دعمه. لكن—

إن كان سيسمح لها بأن تكون من بين أغلى أشيائه… إن كان سيُجيب على حبها…

خفق قلب تيريشيا بقوة. في كل مرة تتقاطع سيوفهما، يُمزَّق الخط الأبيض. في كل مرة تلتقي عيونهما، تتدفقت مشاعرها أكثر.

 

 

ابتسمت تيريشيا لكلمات شيطان السيف— لكلمات ويلهيلم.

 

 

 

ثم، بينما تلمس النصل التي استقرت على عنقها، خطت خطوة إلى الأمام.

 

 

 

من خلال تلك الشفرة، شعرت بآلاف الأيام من صقل الذات، بانغماس الجسد والروح في التدريب.

 

 

 

امتلأت عيناها بالدموع، واندفعت مشاعر لا تُقاوَم في كل كيانها.

 

 

ودُفن ذلك العار تحت ركام الأكاذيب والتستر. فوجود قديسة السيف كان رمزًا لصمود المملكة، وآخر ما أرادته أن يتسرب للعامة هو الحقيقة.

بدأت الدموع تنساب ببطء على خديها، بينما تلمع عيناها الزرقاوان وهي تبتسم.

بدأت كحادثة بسيطة، لكنها تصاعدت بسرعة، تزداد حدة كل يوم.

 

 

«هل تحب الأزهار؟»

 

 

«البركة…»

«توقفتُ عن كرهها.»

 

 

لأن نعمة قديسة السيف لم تختفِ.  بل بقيت كامنةً داخلها.

«لماذا تلوِّح بسيفك؟»

كان صوته مبحوحًا، كأنَّه يهمس بتلك الكلمات لتكون عزاءً أو ربما قناعًا يخفي به ألمه، ثم واصل المضيَّ قدمًا، محكمًا قبضته على رماد زوجته، الذي لفه في معطفه. ظل يسير بخطًى ثقيلة، يتهادى بعيدًا، حتى تلاشى ظهره عن الأنظار.

 

«——»

«لحمايتكِ.»

 

 

هل ظن أنه يخفيها؟

لقد بلغت الحد.

تلك الثقة العمياء التي وضعوها فيها… كانت تطحن قلبها بلا رحمة.

 

 

منذ أن سقط السيف من يدها، لم تعد تسمع صوت اله السيف…

لعلَّه تجاهل السؤال ببساطة، معتبرًا إياه بلا معنى، تمامًا كما فعل مع هاينكل من قبل.

 

تلك القوة التي لم تفارقها يومًا، مهما ابتعدت عن السيف.

لم تعد ترى سوى ويلهيلم.

لكن بعد لحظة من التوقف، جاء رده:

 

 

لم تعد تشعر سوى بويلهيلم.

 

 

 

لم يكن هناك شيء في هذا العالم… سوى ويلهيلم.

 

 

بعد لحظة أخيرة جمعتهما معًا، حان الوقت.

تشبثت بصدره، أغمضت عينيها، ثم ضغطت شفتيها على شفتيه. كان ذلك الإحساس دافئًا… ناعمًا… إحساسًا جعل حبها ينفجر، وجعل عالمها كله يتغير.

 

 

 

احمرَّ وجهها وهي تنظر إلى حبيبها الواقف أمامها.

عند سماعه لكلماتها، بدا وكأنه أصيب بخيبة أملٍ طفيفة.

 

«أمسكي بالسيف، تيريشيا.»

لم يقل ويلهيلم شيئًا، بل اكتفى بالتحديق فيها، منتظرًا أن تتكلم.

 

 

«أوه… امرأةٌ وحدها في مكانٍ كهذا؟ هذا تصرُّفٌ شجاع.»

رأت تيريشيا ذلك… وضحكت. لا بأس… كما هو الحال دائمًا، عليها أن تكون هي مَن يسأل أولًا.

 

 

 

«هل تحبني؟»

تناهى إلى سمعها صوتٌ وسط أتون المعركة. كان صوت خادمتها، تلك التي لم تتخلَّ عنها يومًا، والتي بقيت إلى جانبها رغم كل شيء.

 

لم تكن تنوي ذلك على الإطلاق. لكن ما الجدوى من التبرير؟

«—أنتِ تعلمين الجواب بالفعل.»

«أعترف أنني شعرت بالخيبة حين هُزِمتُ أمامكِ. لكنني أدركت بعدها أنني حقًا أحب السيف. أنا ممتن لكوني وُلدت في هذه العائلة، ممتن لإخوتي الصغار، وممتن لكِ، أختي الصغيرة… ممتن للسيف على كل ذلك.»

 

 

أدار وجهه جانبًا.

 

 

لم يكن الجرح عميقًا… لكن الدم لم يتوقف عن التدفق. ولن يتوقف أبدًا… طالما كانت تيريشيا إلى جانبه.

اتسعت عينا تيريشيا لوهلة، ثم سرعان ما عبست، منتفخة الخدين، وهي تحدق فيه بعتاب. كيف يجرؤ على التهرب بعد كل ما وصلا إليه؟!

مضى عامان منذ أن تحدثت إلى شقيقها الطيب، الذي لطالما أحبته بصدق.

 

«أن تحمل السيف لتحمي شخصًا ما… أعتقد أن هذا هو الجواب الذي يناسبني أيضًا.»

مالت للأمام، رافضةً السماح له بالإفلات من ذلك بسهولة.

 

 

وربما كان ذلك السبب الذي دفعها إلى الاهتمام به.

«هيا الآن، هناك أمور يجب أن تُقال بصوت مسموع.»

 

 

 

«هاه.»

 

 

لم يكن هناك شك في أنه كان غير قادر جسديًا على أن يكون لطيفًا مع أي شخص أو يقول شيئًا عمدًا لإسعاده.

حكَّ ويلهيلم رأسه وهو يشيح بوجهه، كما لو كان يحاول المراوغة.  لكنه في النهاية، تنهد مستسلمًا أمام إصرار نظرات تيريشيا، ثم… ضمَّ خصرها بين ذراعيه. وفي مفاجأة غير متوقعة، اقترب بشفتيه من أذنها، وهمس:

كانت الرياح تداعب الأزهار بينما تنتظر قدومه بفارغ الصبر. وبحلول تلك اللحظة، كانت قد أدركت السبب الحقيقي لمجيئها إلى تلك الساحة الصغيرة.

 

«لا أنتَ ولا أنا نملك الحق في قول ذلك.»

«يومًا ما… حين يروق لي ذلك.»

—لا أستطيع الاكتفاء منه.

 

ألقت تيريشيا بسيف التنين جانبًا، ذلك السيف الذي لم تعد قادرةً على سحبه، والتقطت السيف الطويل عند قدميها… ثم اندفعت نحوها.

— أشعر بأن ذلك اليوم لن يأتي قريبًا.

لم يكن بإمكان ويلهيلم الانضمام إلى حملة اصطياد الحوت الأبيض.

 

 

أزعجها جوابه، لكنها شعرت بقشعريرةٍ حين تخيَّلت أنه قد يأتي يومًا ما.

 

 

«هذا يكفي… في الوقت الحالي.»

وقعت تيريشيا في حب ويلهيلم إلى درجة أنها باتت مستعدةً لغفران أنانيته.

كان شعرها مبعثرًا، وملابسها غير مرتبة، وعيناها مغرورقتان بالدموع، لكنه لم يُعر ذلك اهتمامًا، بل قادها إلى الحديقة وأعاد أمره مجددًا:

 

 

٩

لكنها لم تستطع. لم يكن ذلك مسموحًا. وما منعها لم يكن اله السيف، بل شيطان السيف نفسه.

 

وكما راودها ذلك التفكير، وجدت سؤالها المعتاد يشق طريقه إلى شفتيها.

«أنا أحبك، ويلهيلم.»

 

سرعان ما فقدت اهتمامها. إن كان سيعامِلها بهذه الفظاظة، فلن تكلف نفسها عناء التظاهر بالمجاملة.

«——»

 

 

إن كان هو، إن كان هذا السيف، فعليَّ أن أرغب في فهمه.

في النهاية، لم يُجب ويلهيلم مرةً واحدة بجوابٍ صريح.

أغمض ويلهيلم عينيه للحظة عند إدراكه ذلك، ثم واصل حديثه:

 

تراجعت، متجنبةً هجومه العنيف، ثم أسقطته أرضًا مرارًا وتكرارًا، حتى ترنَّح أخيرًا وسقط على ركبتيه بعدما تلقى ضربةً قاضية بمقبض سيفه الذي انتزعَته منه.

لكنه كان دائمًا يُعبّر عن مشاعره بأفعاله، حتى وإن عجز عن قولها بالكلمات.

لم يكن في حياته شيءٌ سوى السيف.

 

«——»

ذلك النوع من السلوك لا يمكن لامرأةٍ أن تتقبَّله إلا إن كانت بالغة اللطف… أو مجنونةً بحبه— وتيريشيا كانت كلاهما معًا؛ لذا لم تُمانع قط، وتركته على حاله.

وبينما كانت رائحة الحديد الخانقة تملأ المكان، وجدته.

 

«لماذا تلوِّح بسيفك؟»

عاشا معًا حياةً هادئةً، رقيقةً، بوصفهما زوجًا وزوجة.

لقد كان الجحيم. جحيمًا لا مفر منه، داخل عقلها.

 

 

كما وعدها، لم يمنحها ويلهيلم، منذ مبارزتهما، أي سببٍ لحمل السيف مجددًا. أما هي، فلم يعد لديها أي تعلقٍ به، فقد توقف صوت اله السيف عن مناداتها منذ وقتٍ بعيد.

«… هاه؟»

 

على ما يبدو، كان قد صنَّفها فورًا كشخصٍ لا علاقة له بالقتال، لدرجة أنها لم تلحظ هالته على الإطلاق.

لكن… بين الحين والآخر، كانت تشعر بعدم الارتياح.

صوت مألوف اخترق عزلتها. لقد كان شقيقها الأكبر، الذي أُرسل لمرافقتها في معركتها الأولى.

 

أحبت شيطان السيف… ذلك الذي وقف أمام عينيها الآن.

لأن نعمة قديسة السيف لم تختفِ.  بل بقيت كامنةً داخلها.

عشرات الآلاف؟ مئات الآلاف؟ ملايين لا تُحصى؟

 

حبس راينهارد أنفاسه عند سماع ذلك التصريح البارد المتجرد. لكنه استقام، ثم أخيرًا، ألقى نظرة نحو هاينكل.

«تيريشيا.»

 

 

«أمسكي بالسيف، تيريشيا.»

«—مم-همم.»

 

 

 

كلما راودها ذلك الشعور، كان ويلهيلم، وكأنه يشعر به، يحتضنها. كان يمزِّق الستار الذي تحاول الاختباء خلفه، يُجبرها على مواجهة مخاوفها الدفينة، ويتدخل رغمًا عنها.

لم يكن مستعدًا لسماع هذا السؤال، بعد كل هذه السنوات، تجمَّد في مكانه، مشدوهًا بابتسامة زوجته.

 

 

وكان ذلك كافيًا.

 

 

 

«هل تحبني؟»

 

 

 

«——»

—ياللوقاحة.

 

ومع ذلك، بلغها صوت ويلهيلم. بلغ قلبها.

لكن، رغم كل شيء، ظلَّ يرفض الإجابة على ذلك السؤال بعنادٍ شديد.

 

 

 

١٠

«… أجل… بالطبع.»

 

«أبي، لا ينبغي لك…»

الحياة مليئة بالتقلبات… من الطبيعي أن تتخللها لحظاتُ سعادة ولحظاتُ حزنٍ.

«—نائب القائد، أنا حقًا لا أفهم ما تشير إليه. يبدو أنك تحت وهمٍ بأنني قطعت قديسة السيف السابقة.»

 

 

تيريشيا وويلهيلم أنجبا ابنًا واحدًا، هاينكل.

 

 

«… كيف نَمَوتِ بهذا الجمال رغم أنني لم أسقِكِ حتى؟ أنتنَّ رائعات حقًا».

ثم تزوج هاينكل من لويانا، وأنجبا بدورهما ابنًا… حفيدهما الأول، راينهارد.

ويلهيلم هو مَن كرَّس نفسه تمامًا للسيف، مَن آمن بجمال النصل وقيمة الفولاذ أكثر من أي شخصٍ آخر. لكنها، بقوتها المطلقة، حطَّمت كل ما آمن به.

 

 

وما حدث بعدها… لم يكن ذنب أحدٍ منهم.

لقد نُقِشت الندبة على كتفه الأيسر عندما كانت تيريشيا على قيد الحياة، أما ساقه اليمنى، فحملت ندبة تلقتها منه بعد مماتها. غير أن كلا الجُرحين، وقد كانا محفورين ببركتها، فقدا تأثيرهما الآن.

 

 

لم يكن ذنب هاينكل، الذي كان مخلصًا، وبذل قصارى جهده في دراسة فن السيف، رغم أنه لم يُجْزَ عن ذلك.

 

 

 

لم يكن ذنب لويانا، التي أصابها داءُ الأميرة النائمة، فحكمت على زوجها وابنها بعزلةٍ لم يتمنَّياها يومًا.

«ذلك الأحمق! وجب عليه أن يشعر ببعض الخجل…!»

 

«نعم.»

لم يكن ذنب راينهارد، الذي حُمِّلَ أقدارًا قاسيةً لا يستطيع شخصٌ واحدٌ حملها وحده.

ركضت دون تردد، متجاوزةً جبال الجثث، عابرةً أنهار الدم، مخترقةً ميدان الصرخات والأنين.

 

لكنها لن تسمح بذلك هذه المرة.

لم يكن أيٌّ منهم مخطئًا… لم يكن أيٌّ منهم مذنبًا.

 

 

خفق قلب تيريشيا بقوة. في كل مرة تتقاطع سيوفهما، يُمزَّق الخط الأبيض. في كل مرة تلتقي عيونهما، تتدفقت مشاعرها أكثر.

هاينكل انحرف عن طريقه، ولويانا تاهت في أحلامها، وراينهارد لم يرد سوى أن يُحَبَّ مجددًا.

 

 

 

إن كان هناك مَن أخطأ، فهي تيريشيا. تيريشيا، التي لاحظت كل ذلك… ولم تفعل شيئًا.

السيف ليس سوى قطعةٍ من الفولاذ صُقلت بحرارةٍ مهولةٍ لتزداد قوة.

 

 

«أنا أعارض هذا بشدة! ماذا تفكرين بحق؟!»

انهارت حملة القضاء على الحوت الأبيض بالكامل.

 

 

تيبَّس جسد تيريشيا عند سماع تلك النبرة الحادَّة… تلك الهالة الحاسمة التي باغتتها عن قرب.

لحظة تيريشيا ڤان أستريا الأخيرة تركت ندوبًا لا تمحى في قلوبهم الثلاثة.

 

«—ويلهيلم.»

كانت تتوقع هذا الرد. علمت أنه سيعارض.

 

 

 

للمرة الأولى منذ عقود، استدعاها البلاط الملكي، ليس بصفتها مجرد لقبٍ زائف، بل بصفتها قديسة السيف الحقيقية. لقد طلبوا منها الانضمام إلى الحملة المرسلة لاصطياد الحوت الأبيض، أحد الوحوش الشيطانية الثلاثة العظمى التي تهدد سلام العالم.

 

 

 

حدَّقت في وجه زوجها. بدأ الشيب يغزو شعره، لكن ملامحه لم تزدد إلا حدةً ورجولةً مع تقدم العمر. لم يتغير شيء في توهج المشاعر داخل عينيه الزرقاوين، ولم يخفت أبدًا ذلك الشعور الجارف الذي يحمله تجاه تيريشيا.

كم من مرةٍ طاردتها تلك الذكريات؟

 

 

كان هذا وجه الرجل الذي أحبته تيريشيا… ووجه الرجل الذي أحبها.

قالها بصوت خافت، ثم أدار ظهره لراينهارد، وهكذا، أُغلِق السؤال الفاصل بين الجد وحفيده من دون أن يتبادلا حتى النظرات.

 

 

هزَّت رأسها نفيًا.

 

 

«أنا واثق أنك ستختلق أعذارًا لتحتفظ باللقب، وقد أفلت من كل شيء حتى الآن، لكن ذلك لن ينفع بعد الآن. قديس سيف قتل جدته؟ سيف المملكة؟ ها! لا تضحكني! أنت مجرد قاتل!»

«لقد اتخذت قراري بالفعل.»

لأنني الأقوى… لأن قديسة السيف هي الأقوى.

 

لطالما حملت المملكة ازدراءً عميقًا لأنصاف البشر، وكأن الشرارة التي أشعلت نار هذه الحرب لم تكن سوى فتيلًا ينتظر الانفجار.

«كيف يمكنكِ ذلك؟! مَن أخبركِ بهذا أصلًا…؟!»

 

 

«في الوقت الحالي؟»

من عناد تيريشيا، أدرك ويلهيلم أن أحدًا ما قد همس في أذنها بهذا الأمر. وفي اللحظة التالية، صار وجه شيطان السيف قناعًا من الغضب، وسرعان ما بدأ جو الغرفة يشتعل من هالة المعركة التي لم يعد قادرًا على كبحها.

 

 

لم تعد ترى سوى ويلهيلم.

«ذلك الأحمق! وجب عليه أن يشعر ببعض الخجل…!»

 

 

توقفت أعمال البناء بسبب الحرب، فبقيت المباني نصف مكتملة، مهجورة بلا هدف. وباعتبارها قديسة السيف التي أخفقت في أداء دورها، شعرت تيريشيا بنوعٍ من الألفة مع تلك الهياكل التي لم تؤدِّ وظيفتها كبيوتٍ كما ينبغي.

«لا أنتَ ولا أنا نملك الحق في قول ذلك.»

 

 

مضى عامان منذ أن تحدثت إلى شقيقها الطيب، الذي لطالما أحبته بصدق.

ندمت على ما آل إليه مصير ابنهما بقدر ما ندم ويلهيلم. ولهذا تحديدًا، لم ترد أن يُلقي باللوم على هاينكل. أدرك ويلهيلم مغزى كلماتها، فقبض على أسنانه وحاول تهدئة غضبه. كانت تلك علامةً على أنه نضج ولو قليلًا.

زفرةٌ خفيفة تسللت من بين شفتيها، وذابت في الهواء الصباحي النقي والبارد، بينما تشق طريقها نحو فسحةٍ مفتوحة بين تلك الأبنية المهجورة. لم يستحق المكان حتى أن يُسمَّى ساحة. جلست على إحدى الدرجات الحجرية، محدقةً بالجدار المتداعي أمامها.

 

 

لكن هذا النضج جعله مثقلًا بالكثير من المسؤوليات، حتى إنه لم يعد قادرًا على التخلي عن كل شيء ببساطةٍ كما فعل في الماضي.

 

 

كان في سيفه شغفٌ مجنون، وهو يقطع الخط الأبيض في الهواء بذلك النصل الصدئ.

لم يكن بإمكان ويلهيلم الانضمام إلى حملة اصطياد الحوت الأبيض.

 

 

أن تحمي الناس بقوة القتل التي تمتلكها… باللعنة التي تكرهها. أن تحمي ويلهيلم.

فالعاصمة كانت غارقةً في فوضى غير مسبوقة— ابنة شقيق الملك قد اختُطِفت، والحرس الملكي استنفر كل قوته للبحث عن الجاني وإنقاذ الطفلة.

 

 

 

وبوصفه قائد الحرس الملكي، كان على ويلهيلم تكريس كل وقته وجهده لهذا الأمر.

كان في سيفه شغفٌ مجنون، وهو يقطع الخط الأبيض في الهواء بذلك النصل الصدئ.

 

 

وهكذا، بما أن شيطان السيف لم يكن قادرًا على المشاركة، فقد طلبوا من تيريشيا أن تنضم بدلًا منه… بصفتها الشخص الوحيد الذي لا يزال يحمل بركة قديسة السيف ولقبها، رغم مرور سنوات طويلة منذ آخر مرة أمسكت فيها بسيف.

 

 

«هيه، ويلهيلم…»

تذكَّرت تيريشيا وعد ويلهيلم… وعدها بأنه لن يدعها تحمل السيف مجددًا.

 

 

«——»

وفي الحقيقة، أوفى بوعده. عاشت حياةً هانئة، تحيط نفسها بالزهور، في ظل حمايته. لكن حان الوقت لتوديع تلك الحياة.

بمجرد أن سمعت ذلك التقرير، شحب وجه تيريشيا حتى بدا كالموتى. سقطت على ركبتيها دون وعي، بينما وقفت خادمتها بجانبها في ارتباكٍ واضح، لكنها لم تستطع الرد.

 

 

«ويلهيلم، هل تحبني؟»

مالت للأمام، رافضةً السماح له بالإفلات من ذلك بسهولة.

 

 

«ماذا—؟»

 

 

 

لم يكن مستعدًا لسماع هذا السؤال، بعد كل هذه السنوات، تجمَّد في مكانه، مشدوهًا بابتسامة زوجته.

 

 

 

واستغلت تيريشيا لحظة ذهوله، فمدَّت يدها بهدوءٍ ومرَّرتها على كتفه، مخدوشةً إياه بأظافرها. منذ زواجهما، تمكنت من السيطرة على بركة حاصد الأرواح، لكنها هذه المرة… استخدمتها بكامل إرادتها.

«كفى يا هاينكل… فقط… كفى…»

 

عندها، سمعت ضحكةً تتردد في أذنها. كان ذلك الصوت الذي سمعته في عقلها دائمًا— وفي تلك اللحظة، أدركت تيريشيا أخيرًا أنه صوت اله السيف نفسه.

توسَّعت عينا ويلهيلم وهو يحدِّق في الجرح السطحي الذي خلفته أصابعها على كتفه.

 

 

ورغم الجرح الذي تركته الكلمات في نفسه، لمع الإصرار في عيني شقيقها الأكبر، وإن كان إصرارًا حزينًا.

لم يكن الجرح عميقًا… لكن الدم لم يتوقف عن التدفق. ولن يتوقف أبدًا… طالما كانت تيريشيا إلى جانبه.

 

 

في اللحظة التالية، داعب أذنيها صوتٌ ساحرٌ خافت، وجذب وعيها إلى العتمة.

«تيريشيا…؟»

 

 

«هل تندم على قطع تيريشيا… جدتك؟»

اقتربت منه، وأسندت رأسها إلى صدره العريض.

 

 

لم يكن ذنب راينهارد، الذي حُمِّلَ أقدارًا قاسيةً لا يستطيع شخصٌ واحدٌ حملها وحده.

آخر دفءٍ ستشعر به بين ذراعيه. وبينما كان يحتضنها، رفعت  تيريشيا رأسها قليلًا وقبَّلت الجرح النازف على كتفه.

 

 

وفي الحقيقة، أوفى بوعده. عاشت حياةً هانئة، تحيط نفسها بالزهور، في ظل حمايته. لكن حان الوقت لتوديع تلك الحياة.

اصطبغت شفتيها باللون القرمزي… للمرة الأولى، تذوقت دم زوجها.

شقيقها الأكبر، ثامس، الطيب الحنون الذي حقق كل طلباتها مهما بلغت صعوبتها.

 

وكانت على حق. تيريشيا كانت الأقوى. كانت الأبرع في القتل.

«الآن… لا يمكنك ملاحقتي. إن فعلت… فلن يلتئم هذا الجرح أبدًا.»

 

 

 

«هل هذا هو سببكِ لفعل هذا الحماقة؟ تظنين أن هذا سيمنعني؟»

أما تيريشيا ،فقد اكتفت بالانتظار بصمت. سيجعلها تنتظر لكنُّه لن يخيب ظنها. ذلك هو الرجل الذي أحبَّته… ويلهيلم تيرياس.

 

 

«إن تبعتني… فسيصبح كل هذا بلا معنى.»

«—أريد أن أفهمكِ.»

 

 

ضحكت بخفَّة، ثم أفلتت تيريشيا نفسها من بين ذراعيه. رفعت يدها إلى كتفه مشيرةً إلى الجرح.

 

 

 

«دع الجرح كما هو… ليذكِّرك بألَّا تلحق بي. وعندما ننهي مهمتينا، سأعتني به بنفسي.»

 

 

بدأت الدموع تنساب ببطء على خديها، بينما تلمع عيناها الزرقاوان وهي تبتسم.

«——»

 

 

«أجيبيني، تيريشيا… أجيبيني، قديسة السيف، تيريشيا ڤان أستريا!!!».

«لا تقلق، مَن تظنني؟ لستُ أقل منك مهارةً في السيف.»

 

 

 

«تنافسين مجموعةً من الشبان رغم أنكِ على مشارف الخمسين…»

«——»

 

هل أملت أن تحصل على نفس الجواب كل مرة، أم أنها تاقت سرًا لأن يتغير؟ أم أن الإجابة لم تهمها بقدر ما رغبت فقط في الحديث معه؟

«راقب لسانك، عزيزي.»

كانت الرياح تداعب الأزهار بينما تنتظر قدومه بفارغ الصبر. وبحلول تلك اللحظة، كانت قد أدركت السبب الحقيقي لمجيئها إلى تلك الساحة الصغيرة.

 

لذا، حتى لا يكتشف أحد بركتها، قررت أن تُغلِق على نفسها قوتها.

تردد صوت صفعة خفيفة عندما وضعت يدها على فمه.

 

 

 

حقًا… عشرون عامًا قضيناها معًا، ومع ذلك…

 

 

«—أريد أن أفهمكِ.»

هذا السيف الصلب، هذا الرجل الفولاذي… لا يزال كما هو.

اقتربت منه، وأسندت رأسها إلى صدره العريض.

 

 

ولهذا—

لم يكن الجرح عميقًا… لكن الدم لم يتوقف عن التدفق. ولن يتوقف أبدًا… طالما كانت تيريشيا إلى جانبه.

 

—كأنما يسخر من ابنته العزيزة، التي تزعزع قلبها بأملٍ ضئيل.

«أحبك، ويلهيلم.»

قفزت ذاكرتها إلى الأمام.

 

 

«——»

ظنَّت أنها لا تملك الحق في الشكوى. ظنت أنه لا يحق لها أن تقول هذا لمَن سحقته في ذلك اليوم.

 

 

«هذا يكفي… في الوقت الحالي.»

«——»

 

«… إنه نصري.»

«في الوقت الحالي؟»

 

 

 

أومأت برأسها بينما قطَّب ويلهيلم حاجبيه.

 

 

 

كان الجرح على كتفه عهدًا بلقاءٍ قادم—

لم يكن أيٌّ منهم مخطئًا… لم يكن أيٌّ منهم مذنبًا.

 

 

«—عندما أعود… أريد أن أسمع إجابتك أخيرًا.»

 

 

 

١١

 

 

 

قفزت ذاكرتها إلى الأمام.

 

 

—وفي ذلك اليوم، انهار عالمها بالكامل.

لم تستطع الرؤية بوضوح. وكأنها واقفة وسط عاصفةٍ من الرمال. حتى الأصوات… بدت مكتومةً وبعيدة.

الحياة مليئة بالتقلبات… من الطبيعي أن تتخللها لحظاتُ سعادة ولحظاتُ حزنٍ.

 

 

«—!»

«البركة…»

سمعت صوت صرخة، ثم صرخةً أخرى… ثم عويلًا مريرًا.

 

 

 

انهارت حملة القضاء على الحوت الأبيض بالكامل.

 

 

…ولكن، إن فكرت بالأمر، لطالما كانت تلك اللحظات القليلة التي يسقط فيها قناعه من أكثر الأشياء جاذبيةً فيه.

ضبابٌ كثيف أحاط بالمكان، ولم يكن لأحد وجهةٌ يهرب إليها. ارتفعت الأصوات في محاولةٍ يائسة لردع ذلك الشعور الطاغي بالهلاك الذي اجتاحهم.

قفزت ذاكرتها إلى الأمام.

 

《٩》

«——»

كانت تيريشيا تجلس على الدرجة الحجرية، تحدِّق بصمتٍ إلى الأزهار، بينما كرس هو نفسه للتدريب، متفرغًا تمامًا للتلويح بسيفه المصقول.

 

وحين تلاشى ظل والده تمامًا عن ناظريه، لم يكن منه إلا أن…

وفجأة… لم تعد تذكر ما حدث.

 

 

«في الوقت الحالي؟»

كانت المعركة قاسية، لكن الحملة كان يفترض أنها في موقع القوة. تذكَّرت أنها شعرت للحظة أنهم ثبتوا أقدامهم أمام الحوت الأبيض… وأنها أدَّت دورها حتى بعد انسحابها من الخطوط الأمامية.

بخفةٍ لا تصدق، تيريشيا تحركت، متفاديةً جميع الهجمات، ورأت أمامها ذلك الخط الأبيض الغريب.

 

 

لكن عندما بلغت هذه الفكرة، تسلل إلى قلبها إحساس غريب. شعورٌ طفيف… لكنه خاطئ.

 

 

 

ذراعاها بخير… ساقاها سليمتان… بصرها لم يصبه شيء…

 

لكن… كان هناك فراغٌ ما، إحساسٌ وكأنها فقدت جناحيها—

كان شعره أبيض بالكامل، وخطت التجاعيد قسماته، ومع ذلك، لم تستطع إلا أن تفكر في كم بدا وسيمًا. ليس هناك أدنى شك.

 

 

«البركة…»

«كيف يمكنكِ ذلك؟! مَن أخبركِ بهذا أصلًا…؟!»

 

 

لم تعد تشعر ببركة قديس السيف.

«— احملي سيفك، تيريشيا».

 

«——»

تلك القوة التي لم تفارقها يومًا، مهما ابتعدت عن السيف.

 

 

 

«—راينهارد!»

 

 

 

في لحظة، أدركت لمَن انتقلت البركة. كان ذلك أمرًا طبيعيًا، غريزيًا حتى. تمامًا كما علم عمَّها يومًا أنها ورثتها منه.

لم يكن في حياته شيءٌ سوى السيف.

وربما كان الأمر أبسط من ذلك…

 

 

 

فلقد أدركت منذ زمنٍ بعيد الموهبة الفطرية اللامحدودة التي يملكها راينهارد.

 

 

حتى عندما أظهرت له حديقتها الخاصة، كان هذا كل الرد الذي تلقته.

مهما يكن، كانت تيريشيا واثقةً تمامًا بأن راينهارد هو قديس السيف الذي سيخلفها.

لماذا ما زالوا يلوحون بسيوفهم، وهم يدركون أنهم لن يتمكنوا من اللحاق بها مهما قضوا أعمارهم في ذلك؟

 

 

قد يكون ذلك خيانةً لهاينكل، الذي لطالما توق إلى اللقب… لكن لم يكن هناك وقتٌ ولا أحدٌ ليلومها على ذلك الآن.

مهما يكن، كانت تيريشيا واثقةً تمامًا بأن راينهارد هو قديس السيف الذي سيخلفها.

 

«——»

«أوه… امرأةٌ وحدها في مكانٍ كهذا؟ هذا تصرُّفٌ شجاع.»

 

 

 

«—نغه.»

تشبثت بصدره، أغمضت عينيها، ثم ضغطت شفتيها على شفتيه. كان ذلك الإحساس دافئًا… ناعمًا… إحساسًا جعل حبها ينفجر، وجعل عالمها كله يتغير.

 

 

ارتجف جسد تيريشيا وهي تستدير نحو مصدر الصوت.

 

 

 

كان ناعمًا وأنيقًا… لكنه بدا غريبًا تمامًا وسط هذا الخراب. ظهرت فتاة ذات شعرٍ بلاتيني من بين الضباب الكثيف. كان على وجهها ابتسامةٌ لطيفة، وفي عينيها بريقُ مودةٍ غامضة، وكأنها تنظر إلى صديقٍ مجهول بعاطفةٍ غير مشروطة.

«لقد اتخذت قراري بالفعل.»

 

لا شك أن المشاكل ستظل قائمة.

لكنها كانت محبةً مغلوطة، مشَوّهة، وأكبر مما يجب. ولم يكن لذلك سوى أثرٍ واحد…

 

 

 

الرعب.

 

 

 

«آووو، لقد تم رفضي.»

 

 

أما تيريشيا… فقد سُلب منها هذا الخيار إلى الأبد.

ألقت تيريشيا بسيف التنين جانبًا، ذلك السيف الذي لم تعد قادرةً على سحبه، والتقطت السيف الطويل عند قدميها… ثم اندفعت نحوها.

إن كان هناك مَن أخطأ، فهي تيريشيا. تيريشيا، التي لاحظت كل ذلك… ولم تفعل شيئًا.

 

«يا لكَ من شخص فظيع… تأخذ عزيمة شخصٍ ما، وإصراره، وكل شيء آخر، ثم تلقي به بعيدًا وكأنه لا شيء.»

تحت أي ظرفٍ آخر، لم تكن لتتخذ قرارًا كهذا، لكن في عالمٍ مغطَّى بضباب الموت الذي خلَّفه الحوت الأبيض، لم تكن الفتاة التي تجول بهدوء وسط الخراب مجرد لغز— بل كانت تهديدًا.

 

 

 

حتى دون بركة قديسة السيف، لم تفقد تيريشيا مهارتها في القتال. وكانت الضربة التي وجهتها كفيلةً بأن تشطر الفتاة نصفين بكل سهولة—

 

 

 

«—أريد أن أفهمكِ.»

شعرت بالإحراج من مجرد التفكير في العودة إلى ذلك الماضي البعيد. حتى مع إدراكها أن وقتها كان ينفد، بقيت تحدِّق في عينيه.

 

«——»

في اللحظة التالية، داعب أذنيها صوتٌ ساحرٌ خافت، وجذب وعيها إلى العتمة.

«ما الذي تفعله امرأةٌ في مكانٍ كهذا في هذا الوقت المبكر؟».

 

 

سقطت وكأنها تهوي من السماء، أو تغرق في أعماق بحرٍ بلا قرار.

 

 

 

لم تعرف ما الذي حدث. ولا ما الذي سيحدث بعدها.

 

لكن أفكارها…

خائفةً من أن تعيش رعب أن يُترك أحدهم خلفه، حين يتغير الآخرون.

 

 

قفزت نحو مستقبل حفيدها، وقلب ابنها، والمرأة التي تربط بينهما.

منذ ذلك اليوم، حين هزمت شقيقها الأكبر، لم يختفِ ذلك الصوت من أذنيها.

 

ضحكت بخفَّة، ثم أفلتت تيريشيا نفسها من بين ذراعيه. رفعت يدها إلى كتفه مشيرةً إلى الجرح.

وأخيرًا—

 

 

 

«ويلهيلم…»

 

 

«——»

نطقت اسم الرجل الذي أحبَّته بكل كيانها… قبل أن يختفي وعيها بالكامل.

 

 

لا أملك سوى ندمٍ واحد… سؤالٌ لم أتمكن من طرحه.

ثم—

 

 

 

١٢

لم يكن في كلامه أدنى لمحةٍ من اللطف أو اللباقة. لم يكن معنيًا بشيءٍ سوى نفسه، مكتفيًا بأبسط حديثٍ ممكن، ثم ينصرف وكأن شيئًا لم يكن.

 

 

«تبدين بحالةٍ مزرية…»

تيريشيا كانت قديسة السيف، الشخصية التي تجسِّد الذروة المطلقة لفن المبارزة، المحبوبة من اله السيف، حتى وإن لم ترغب في ذلك.

 

 

فتحت عينيها ببطء، فرأت وجهًا أرهقته السنوات.

 

 

 

كان شعره أبيض بالكامل، وخطت التجاعيد قسماته، ومع ذلك، لم تستطع إلا أن تفكر في كم بدا وسيمًا. ليس هناك أدنى شك.

 

 

وما حدث بعدها… لم يكن ذنب أحدٍ منهم.

هذا الوجه… يخص زوجها. وإن كان واضحًا أن وقتًا طويلًا قد مضى منذ آخر لقاءٍ بينهما.

 

 

كان من المؤكد أن يكون لهذا السؤال إجابةٌ مختلفة الآن.

«——»

 

 

في لحظة، أدركت لمَن انتقلت البركة. كان ذلك أمرًا طبيعيًا، غريزيًا حتى. تمامًا كما علم عمَّها يومًا أنها ورثتها منه.

زفرت أنفاسها ببطء.

 

 

 

شعرت بوجود شخصين آخرين قريبين… لا بد أنهما هاينكل وراينهارد.

 

 

 

رجال عائلة أستريا الثلاثة… كانوا هنا لرؤيتها للمرة الأخيرة.

 

 

«هل بدأت تحب الزهور؟»

لأنهم كانوا… طيبين جدًا.

 

 

ألقى كلماته بخشونة، بلا أي تصنعٍ أو تلطيف.

«تيريشيا، أنا…»

 

 

سيدتي تيريشيا، ذات يوم، عندما تحين الفرصة، ستكونين أقوى من أي شخصٍ آخر، وستحملين لقب قديسة السيف بحق… وسأظل إلى جانبك حتى ذلك اليوم.

ارتجف وجه ويلهيلم المتجعد، ونبرته متعثرة.

لهذا، سواء كانوا رجالًا أو نساءً، ليس لأحد من أفراد آل أستريا أن يعيش بعيدًا عن السيف.

 

«… كيف نَمَوتِ بهذا الجمال رغم أنني لم أسقِكِ حتى؟ أنتنَّ رائعات حقًا».

يالها من هيئةٍ غير لائقة، أمام ابنه وحفيده أيضًا! أين ذهب ذلك الوقار الصلب الذي عرفته عنه دائمًا؟

«توقفتُ عن كرهها.»

 

 

…ولكن، إن فكرت بالأمر، لطالما كانت تلك اللحظات القليلة التي يسقط فيها قناعه من أكثر الأشياء جاذبيةً فيه.

 

 

«——»

«هيه، ويلهيلم…»

 

 

اتسعت عيناه، وارتعشت شفتاه، ثم رفع يده ليخفي وجهه. تفاجأت بردة فعله العنيفة، وكادت تندفع نحوه، لكنها توقفت.

كان صوتها مبحوحًا… لكنه حمل رنينًا شابًا غريبًا، وكأن الزمن لم يمر بها.

فأن يُمنح شخصٌ من العامة لقب فارسٍ لمجرد براعته في ساحة القتال، كان أمرًا نادر الحدوث.

 

«——»

يا للحرج… صوتي يبدو تمامًا كما كان يوم وقعتُ في حبِّه.

 

 

«لن آتي إلى هنا بعد الآن.»

«——»

—لا أستطيع الاكتفاء منه.

 

«أعترف أنني شعرت بالخيبة حين هُزِمتُ أمامكِ. لكنني أدركت بعدها أنني حقًا أحب السيف. أنا ممتن لكوني وُلدت في هذه العائلة، ممتن لإخوتي الصغار، وممتن لكِ، أختي الصغيرة… ممتن للسيف على كل ذلك.»

شعرت بالإحراج من مجرد التفكير في العودة إلى ذلك الماضي البعيد. حتى مع إدراكها أن وقتها كان ينفد، بقيت تحدِّق في عينيه.

لم يقل ويلهيلم شيئًا، بل اكتفى بالتحديق فيها، منتظرًا أن تتكلم.

 

 

لكن لا بأس. لقد قالت له كل ما أرادت قوله بالفعل. وكانت واثقةً أن ويلهيلم فهمها تمامًا.

«أنت تحمل سيفك لحماية الناس، صحيح؟ الفارس هو مَن يحمي الآخرين في نهاية المطاف.»

 

 

هو مَن كان بحاجةٍ إلى الوقت، كان بحاجةٍ إلى الفرصة، كان بحاجةٍ إلى العثور على الكلمات الصحيحة.

«… أحمق…».

 

 

أما تيريشيا ،فقد اكتفت بالانتظار بصمت. سيجعلها تنتظر لكنُّه لن يخيب ظنها. ذلك هو الرجل الذي أحبَّته… ويلهيلم تيرياس.

 

 

 

ذلك هو الرجل الذي امتلك ما يلزم ليكون زوجها…

 

 

 

ويلهيلم ڤان أستريا.

 

 

 

«هناك شيءٌ… عليَّ أن أخبركِ به.»

«أمسكي بالسيف، تيريشيا.»

 

《٣》

«——»

«—راينهارد!»

 

«—أحمقٌ حقيقي…».

«أنا-أنا لطالما كنتُ ضعيفًا في التعبير عن مشاعري، وأرهقتكِ بذلك… طوال عشرين عامًا، لم أقوَ يومًا على أن…»

«ذلك الأحمق! وجب عليه أن يشعر ببعض الخجل…!»

 

 

«——»

وبعد ذلك، توقَّف تبادلهما المعتاد لهذا السؤال.

 

 

«لا بد أنني أقلقتكِ طوال تلك السنوات، لكنني—»

 

 

 

«—أحمق.»

هزَّت رأسها، ثم أطلقت صرخة وهي تلقي السيف جانبًا، تضغط على رأسها بيديها. كحيوان جريح، صاحت بجنون، مزقت شعرها القرمزي، وانهارت في نحيبٍ مرير.

 

توسَّعت عينا ويلهيلم وهو يحدِّق في الجرح السطحي الذي خلفته أصابعها على كتفه.

نوت الاستماع إليه بصمت، لكن رؤيته وهو يعاني بهذه الصورة كانت أكثر مما تحتمل.

 

 

 

ضحكت، ما الذي يحاول قوله حتى؟

كان هناك حقلٌ صغير من الأزهار الصفراء الزاهية، نَمَت بحرية، دون أن يرعاها أحد.

 

كما لو كانت تخشى أن تُترك خلف الجميع، بينما يواصلون التقدم.

«ألم تلاحظ قط؟»

 

 

ساد الاضطراب في المكان، وتحطمت الهالة المهيبة التي سادت الحاضرين في المراسم. دون أن يكترث لأي نداءٍ بالتوقف، ظهر رجل -لا، مبارز- داخل المراسم.

مدَّت يدها إلى وجنته، حيث كان يكافح بكل ما أوتي من قوة، وجهه على حافة الدموع، يعتصر عقله ليعبِّر عما في قلبه.

بقي وحده، يحدق في الأرضية تحت قدميه بعينين محمومتين، يصرخ في جنون، يعتصر رأسه بكفيه، قبل أن يركل سيفه الملقى على الأرض بجنون.

 

 

كان جسدها ثقيلاً جدًا، لم يعد فيها سوى ذرة من القوة، لكنها صبَّت كل ما تبقى لها منها في أطراف أصابعها؛ لتجفِّف دموع عن وجنتيه.

 

 

 

تمكنت من الوصول إليه بالكاد.

 

 

 

لكن ذلك… كان كافيًا.

 

 

لماذا، بينما أمكنهم فعل أي شيء آخر؟ لماذا لم يتركوه وراءهم ببساطة؟

بما تبقى لها من قوة، مسحت دموعه برفق؛ دموع الرجل الذي أحبته.

«——»

 

«—!»

«كنتَ تقولها دائمًا.»

أحبت قديسة السيف شيطان السيف… في كل مرة تتصادم فيها نصالهما.

 

 

هل ظن أنه يخفيها؟

 

 

لم تكن تنوي ذلك على الإطلاق. لكن ما الجدوى من التبرير؟

هل اعتقد أنه قد كتمها لمجرد أنه لم ينطق بها؟

حتى عمَّها، الذي استعان بمكانته كقديس السيف السابق لرفع معنويات الجيش، قُتل هو الآخر.

 

 

«عيناك، صوتك، تصرفاتك، أفعالك— كلها. أخبرتني بذلك في كل يوم.»

 

 

«ألم تلاحظ قط؟»

لقد نذر ويلهيلم كل شيء لتيريشيا.

 

 

 

وما كان بحاجة إلى كلمات؛ لأن أفعاله وحدها كانت أصدق تعبير عن مشاعره.

وحين انتهى ويلهيلم من جمع الرماد، حاول أن ينهض على ساقين واهنتين.

 

 

«تيريشيا، أنا—»

«أحبك، ويلهيلم.»

 

 

«أعلم.»

 

 

 

كان ذلك كافيًا.

لكنه كان دائمًا يُعبّر عن مشاعره بأفعاله، حتى وإن عجز عن قولها بالكلمات.

 

في النهاية، لم يُجب ويلهيلم مرةً واحدة بجوابٍ صريح.

«—أحبك.»

عندها… انهارت تيريشيا.

 

ألقت تيريشيا بسيف التنين جانبًا، ذلك السيف الذي لم تعد قادرةً على سحبه، والتقطت السيف الطويل عند قدميها… ثم اندفعت نحوها.

من البداية وحتى النهاية، كانت بلا شك حياة مباركة.

لكن لا بأس. لقد قالت له كل ما أرادت قوله بالفعل. وكانت واثقةً أن ويلهيلم فهمها تمامًا.

 

ذراعاها بخير… ساقاها سليمتان… بصرها لم يصبه شيء…

كان لديَّ إخوة أتفاهم معهم، ووالدان أحاطاني بالحب، وأصدقاء اعتنوا بي.

 

 

 

 

يالها من هيئةٍ غير لائقة، أمام ابنه وحفيده أيضًا! أين ذهب ذلك الوقار الصلب الذي عرفته عنه دائمًا؟

لا أملك سوى ندمٍ واحد… سؤالٌ لم أتمكن من طرحه.

 

السنوات التي أفناها إخوتها في صقل مهاراتهم بالسيف… سُحِقَت بلا رحمة أمام موهبة تيريشيا الخارقة.

 

لحظة تيريشيا ڤان أستريا الأخيرة تركت ندوبًا لا تمحى في قلوبهم الثلاثة.

لقد ساعدني الكثير من الناس، والتقيتك أنت يا ويلهيلم.

«أنا أحبك، ويلهيلم.»

 

 

لا شك أن المشاكل ستظل قائمة.

«لا تتظاهر بالغباء! أعني ما سمعته! لا بد أنك سعيد الآن! لقد حصلت على لقب قديس السيف بكل معانيه! تهانينا! والآن لا مجال لإنكار الشائعات التي تقول إنك سلبت البركة وتسببت في موت قديسة السيف السابقة! أليس هذا ما أردته؟!»

 

 

لكنني أؤمن أنكم جميعًا ستكونون بخير.

 

 

كرَّس كلَّ كيانه للسيف. تبدو هذه العبارة بسيطةً في ظاهرها، وقد اعتقدت تيريشيا سابقًا أن إخوتها فعلوا الشيء نفسه. لكنها أدركت الآن أن الأمر أعمق من ذلك بكثير.

لأنني أحبكم جميعًا.

 

 

 

منذ البداية وحتى النهاية، أحببتكم دائمًا.

«— احملي سيفك، تيريشيا».

 

يا له من رجل سيئ… يأتي بكل هذه الكلمات الرنانة عن السرقة والحماية، ثم لا يفهم شيئًا عن قلب امرأة.

لا أملك سوى ندمٍ واحد… سؤالٌ لم أتمكن من طرحه.

 

 

 

ما مدى دهشتك لو أخبرتك أنني وقعت في حبك منذ اللحظة الأولى التي تلاقت فيها أعيننا؟

 

 

 

١٣

 

 

هل أملت أن تحصل على نفس الجواب كل مرة، أم أنها تاقت سرًا لأن يتغير؟ أم أن الإجابة لم تهمها بقدر ما رغبت فقط في الحديث معه؟

بعد لحظة أخيرة جمعتهما معًا، حان الوقت.

 

 

اتسعت عيناه، وارتعشت شفتاه، ثم رفع يده ليخفي وجهه. تفاجأت بردة فعله العنيفة، وكادت تندفع نحوه، لكنها توقفت.

ابتسمت وكأنها راضية، وقد احمرَّت وجنتاها في مظهر بديع بينما غمرت عينيها الدموع. ثم انهار جسد تيريشيا ڤان أستريا في أحضان ويلهيلم في غمضة عين، متحولًا إلى رماد.

 

 

 

«——»

كان أقل ما يمكنه فعله أن يصطحبها معه، ليضعها في مرقدٍ يليق بها، بين عائلتها التي أحبتها بكل قلبها.

 

بما تبقى لها من قوة، مسحت دموعه برفق؛ دموع الرجل الذي أحبته.

تيريشيا أحرقت آخر ما تبقى من حياتها وعادت إلى التراب. ألقى ويلهيلم نظرةً صامتة على ما تبقى منها، مطأطئ الرأس.

بدأت الدموع تنساب ببطء على خديها، بينما تلمع عيناها الزرقاوان وهي تبتسم.

 

«هل تحبني؟»

«… هل ارتحت الآن؟»

«لماذا تلوِّح بسيفك؟».

 

 

انطلق صوت هاينكل، قاطعًا الصمت.

تراجعت، متجنبةً هجومه العنيف، ثم أسقطته أرضًا مرارًا وتكرارًا، حتى ترنَّح أخيرًا وسقط على ركبتيه بعدما تلقى ضربةً قاضية بمقبض سيفه الذي انتزعَته منه.

 

كادت دموعها أن تُكشف، لكنها أجبرت نفسها على التظاهر بالهدوء، متصنعةً الراحة وهي تتحدث، ثم استدارت لمواجهة ذاك المتطفل.

تألقت عيناه بالكراهية وهو يحدِّق براينهارد، الذي راقب المشهد من جانبه. التفت راينهارد إليه وأخذ نفسًا خافتًا.

 

 

أدار وجهه جانبًا.

«ماذا تعني بقولك ”ارتحت“؟»

 

 

 

«لا تتظاهر بالغباء! أعني ما سمعته! لا بد أنك سعيد الآن! لقد حصلت على لقب قديس السيف بكل معانيه! تهانينا! والآن لا مجال لإنكار الشائعات التي تقول إنك سلبت البركة وتسببت في موت قديسة السيف السابقة! أليس هذا ما أردته؟!»

《١٢》

 

«لا تتظاهر بالغباء! أعني ما سمعته! لا بد أنك سعيد الآن! لقد حصلت على لقب قديس السيف بكل معانيه! تهانينا! والآن لا مجال لإنكار الشائعات التي تقول إنك سلبت البركة وتسببت في موت قديسة السيف السابقة! أليس هذا ما أردته؟!»

«لا أستطيع فهم ما تقوله.»

مالت للأمام، رافضةً السماح له بالإفلات من ذلك بسهولة.

 

وويلهيلم كان سيفًا. لكنه كان سيفًا غير مكتمل.

«لا تتصنَّع البراءة أيها الوغد!»

انهارت حملة القضاء على الحوت الأبيض بالكامل.

 

لأنهم كانوا… طيبين جدًا.

صرخ هاينكل محاولًا الإمساك براينهارد، لكن الأخير أفلت من قبضته بسهولة وأمسك بوالده قبل أن يتعثر ويسقط.

في النهاية، لم يُجب ويلهيلم مرةً واحدة بجوابٍ صريح.

 

 

كان الأمر أشبه بعرضٍ يبرهن على أنه ليس حتى نِدًّا لابنه. ولم يكن لذلك سوى أن يزيد من حنق هاينكل، فقبض على أسنانه بغيظٍ شديد.

«لن آتي إلى هنا بعد الآن.»

 

 

«لا تتفاخر بنفسك، راينهارد…!» صرخ هاينكل بصوتٍ مشحونٍ بالغضب، ولفظ كلماته مصحوبةً برذاذ من فمه، متهمًا ابنه بلهجةٍ متهدجة: «لا شيء مما تقوله يمكن أن يغير ما رأيته بعينيَّ. الحقيقة أن يدك امتدت نحو أمي… أنك أنت مَن قطع تيريشيا ڤان أستريا! سأشهد بذلك، وسأتأكد أن الجميع يعلم! لن يعترف بك أحدٌ كقديس السيف بعد الآن!»

 

 

وحين تلاشى ظل والده تمامًا عن ناظريه، لم يكن منه إلا أن…

«——»

 

 

 

«أنا واثق أنك ستختلق أعذارًا لتحتفظ باللقب، وقد أفلت من كل شيء حتى الآن، لكن ذلك لن ينفع بعد الآن. قديس سيف قتل جدته؟ سيف المملكة؟ ها! لا تضحكني! أنت مجرد قاتل!»

«هاه.»

 

 

«—نائب القائد، أنا حقًا لا أفهم ما تشير إليه. يبدو أنك تحت وهمٍ بأنني قطعت قديسة السيف السابقة.»

كانت بركة حاصد الأرواح هي ما أبقت جراحه نازفة، لكنها تلاشت في اللحظة التي اختفى فيها وجود تيريشيا. أما الخدش القديم على كتفه الأيسر، فقد حمل الأثر نفسه.

 

ابتسمت وكأنها راضية، وقد احمرَّت وجنتاها في مظهر بديع بينما غمرت عينيها الدموع. ثم انهار جسد تيريشيا ڤان أستريا في أحضان ويلهيلم في غمضة عين، متحولًا إلى رماد.

«… هاه؟»

 

 

وفي غضون أيام، انتشرت ألسنة اللهب في أنحاء المملكة، والتهمت كل شيء.

أجاب راينهارد ببرود بينما ضغط هاينكل عليه بانفعال. اتسعت عينا هاينكل من الدهشة، لكن راينهارد لم يكن يحاول تقديم أعذار.

 

 

 

كان ببساطة يصرِّح بحقيقة باردة قاسية.

《٣》

 

 

«العدو الذي رأيناه كان مجرد جثة تحركها قوة شريرة. لا يمكن أن تكون تلك قديسة السيف السابقة… لا يمكن أن تكون جدتي. ربما أسأت الفهم؟»

 

 

 

«——»

 

 

《١١》

كان جواب راينهارد صاعقًا.

لماذا أنعم بها على تيريشيا، التي ظلت تهرب من السيف؟

 

«أنتِ أختي الصغيرة الغالية. إن لم تردِ فعل شيء، إن خفتِ… فسأحميكِ. لأنني شقيقك الأكبر.»

غرس هاينكل يده في شعره الأحمر وعبث به بجنون، ثم انبعثت من حلقه ضحكة مبحوحة وارتسمت على وجهه ابتسامة جنونية.

 

 

ارتعبت من نفسها. كيف راودها مثل هذا الخاطر؟

«إذًا… ما الذي رأيناه الآن؟ ما الذي دار بينك وبين أبي؟ ما الذي كان يحدق بنا بذلك الاستياء…؟ ما الذي كان ذلك إن لم يكن أمي؟!»

 

 

 

«—كفى، هاينكل.»

«——»

 

 

كانت أسنان هاينكل مكشَّرة، تسيل كلماته بسمٍ يفوق الحقد ذاته، لكن صوت ويلهيلم هو مَن أوقف فورانه أخيرًا.

—لا أستطيع الاكتفاء منه.

 

 

كان العجوز لا يزال جاثيًا على الأرض، ففك معطفه عن خصره ومزَّق كُمَّه، ليضمد به الجرح العميق في ساقه اليمنى، حيث غُرِزَ سيفها الطويل.

 

 

 

كانت بركة حاصد الأرواح هي ما أبقت جراحه نازفة، لكنها تلاشت في اللحظة التي اختفى فيها وجود تيريشيا. أما الخدش القديم على كتفه الأيسر، فقد حمل الأثر نفسه.

 

 

 

لقد نُقِشت الندبة على كتفه الأيسر عندما كانت تيريشيا على قيد الحياة، أما ساقه اليمنى، فحملت ندبة تلقتها منه بعد مماتها. غير أن كلا الجُرحين، وقد كانا محفورين ببركتها، فقدا تأثيرهما الآن.

لكن… بين الحين والآخر، كانت تشعر بعدم الارتياح.

 

 

«ماذا تعني بـ ”كفى“، أبي…؟! هل يروق لك أن تترك الأمور على هذا النحو؟! إنُّه—»

 

 

 

«كفى يا هاينكل… فقط… كفى…»

 

 

 

للمرة الثانية، طلب ويلهيلم منه أن يضع حدًّا لكل هذا.

انفجر الصليل الأول، وأُزيح الستار عن المبارزة.

 

تحت أي ظرفٍ آخر، لم تكن لتتخذ قرارًا كهذا، لكن في عالمٍ مغطَّى بضباب الموت الذي خلَّفه الحوت الأبيض، لم تكن الفتاة التي تجول بهدوء وسط الخراب مجرد لغز— بل كانت تهديدًا.

بسط معطفه على الأرض، وبدأ يجمع به رماد تيريشيا، فلم يكن بوسعه أن يتركها تتلاشى مع الريح.

 

 

«هل تحب الأزهار؟»

كان أقل ما يمكنه فعله أن يصطحبها معه، ليضعها في مرقدٍ يليق بها، بين عائلتها التي أحبتها بكل قلبها.

 

 

 

«—غخ.»

—حتى جاء اليوم الذي انتقلت إليها بركة قديس السيف بينما كانت تعتني بحديقتها.

 

 

نظر هاينكل إلى والده، وغص بالكلمات، وقضم لسانه بغيظٍ مرير.

 

 

«راينهارد…»

وحين انتهى ويلهيلم من جمع الرماد، حاول أن ينهض على ساقين واهنتين.

 

 

 

كان النزيف قد توقف، لكن الجرح كان غائرًا، وقد فقد كمية كبيرة من الدم. مدَّ راينهارد يده إليه فورًا، محاولًا دعمه. لكن—

 

 

كانت قديسة السيف تتعثر بسبب وجود نصلٍ لا تستطيع التحكم به كما تشاء. في ذلك الوقت، لم تدرك أنه كان ينقذها أيضًا.

«لا تلمسني!»

 

 

 

انطلق زئير ويلهيلم كسوطٍ مفاجئ، قبل أن تلامس أصابع راينهارد جسده.

 

 

«أنا واثق أن هناك أماكن أخرى تحتاج إلى قوتك في أنحاء المدينة. أشعر بقلق خاص على السيد غارفيل، فقد انفصل عني أثناء القتال. إن سمحت لي، قديس السيف راينهارد.»

توقف راينهارد، لكن ويلهيلم لم يحاول حتى النظر إليه. لم تلتقِ أعينهما، بينما زفر شيطان السيف بهدوء.

 

 

 

«راينهارد…»

 

 

《١》

«—نعم، سيدي.»

هو مَن كان بحاجةٍ إلى الوقت، كان بحاجةٍ إلى الفرصة، كان بحاجةٍ إلى العثور على الكلمات الصحيحة.

 

 

على عكس صوته المرتجف، جاء صوت راينهارد مهيبًا، ثابتًا لا تشوبه ذرة اضطراب.

لم تستطع الرؤية بوضوح. وكأنها واقفة وسط عاصفةٍ من الرمال. حتى الأصوات… بدت مكتومةً وبعيدة.

 

فلنرَ كيف سيتصرف حين يدرك أن هالته المخيفة هذه لا تؤثر بي.

أغمض ويلهيلم عينيه للحظة عند إدراكه ذلك، ثم واصل حديثه:

لكن بعد لحظة من التوقف، جاء رده:

 

ابتسمت وكأنها راضية، وقد احمرَّت وجنتاها في مظهر بديع بينما غمرت عينيها الدموع. ثم انهار جسد تيريشيا ڤان أستريا في أحضان ويلهيلم في غمضة عين، متحولًا إلى رماد.

«هل تندم على قطع تيريشيا… جدتك؟»

 

 

 

«——»

«تبًّا، تبًّا، تبًّا! ليذهب الجميع إلى الجحيم! تبًا!»

 

《١٢》

ساد الصمت برهة.

 

 

 

لعلَّه تجاهل السؤال ببساطة، معتبرًا إياه بلا معنى، تمامًا كما فعل مع هاينكل من قبل.

لقد ساعدني الكثير من الناس، والتقيتك أنت يا ويلهيلم.

 

—في تلك اللحظة، انهارت السدود التي احتجزت مشاعر ويلهيلم طويلًا.

لكن بعد لحظة من التوقف، جاء رده:

 

 

«… كيف نَمَوتِ بهذا الجمال رغم أنني لم أسقِكِ حتى؟ أنتنَّ رائعات حقًا».

«لا، سيدي. لقد فعلت ما هو صحيح. لا أشعر بأي ندم.»

 

 

تذكَّرت تيريشيا وعد ويلهيلم… وعدها بأنه لن يدعها تحمل السيف مجددًا.

«… أجل… بالطبع.»

«——»

 

«سأتولى أنا السبب الذي يجعلك تمسكين بالسيف. يمكنكِ ببساطة أن تكوني أنتِ السبب الذي يجعلني ألوِّح بسيفي.»

«——»

فهمت تيريشيا على الفور مدى يأس الموقف.

 

 

«أنتَ على حق. كنت أنا المخطئ… ليس لديَّ ما أقوله لك بعد الآن.»

 

 

«هل هذا هو سببكِ لفعل هذا الحماقة؟ تظنين أن هذا سيمنعني؟»

قالها بصوت خافت، ثم أدار ظهره لراينهارد، وهكذا، أُغلِق السؤال الفاصل بين الجد وحفيده من دون أن يتبادلا حتى النظرات.

هل اعتقد أنه قد كتمها لمجرد أنه لم ينطق بها؟

 

«يا لكَ من شخص فظيع… تأخذ عزيمة شخصٍ ما، وإصراره، وكل شيء آخر، ثم تلقي به بعيدًا وكأنه لا شيء.»

«أنا واثق أن هناك أماكن أخرى تحتاج إلى قوتك في أنحاء المدينة. أشعر بقلق خاص على السيد غارفيل، فقد انفصل عني أثناء القتال. إن سمحت لي، قديس السيف راينهارد.»

 

 

«أنتِ أضعف مني؛ لذا لا حاجة لأن تمسكي بالسيف مجددًا.»

«——»

حسابنا بتويتر @ReZeroAR

 

 

حبس راينهارد أنفاسه عند سماع ذلك التصريح البارد المتجرد. لكنه استقام، ثم أخيرًا، ألقى نظرة نحو هاينكل.

—في تلك اللحظة، انهارت السدود التي احتجزت مشاعر ويلهيلم طويلًا.

 

 

كان هاينكل يغلي بالحقد، وعندما شعر بنظرة راينهارد، تصلب جسده قليلًا، لكنه لم ينبس ببنت شفة. تجاهل راينهارد ذلك الارتعاش الطفيف، وصرف بصره عنه.

 

 

قفزت ذاكرتها إلى الأمام.

«الأوضاع خطرة في الخارج، نائب القائد. من الأفضل أن تتوجه إلى أحد الملاجئ… مع السيد ويلهيلم.»

«——»

 

امتلأت عيناها بالدموع، واندفعت مشاعر لا تُقاوَم في كل كيانها.

«مـ-ما حاجتي إلى نصيحتك؟! ارحل من هنا فحسب!»

إلا أن عمها لم يكترث، بل التفت نحو شقيقها الأكبر وأصدر أمرًا قاطعًا، أمره بأن يسحق أخته الصغيرة بالسيف الخشبي، ليبرهن على موهبته.

 

توقفت أعمال البناء بسبب الحرب، فبقيت المباني نصف مكتملة، مهجورة بلا هدف. وباعتبارها قديسة السيف التي أخفقت في أداء دورها، شعرت تيريشيا بنوعٍ من الألفة مع تلك الهياكل التي لم تؤدِّ وظيفتها كبيوتٍ كما ينبغي.

إلى آخر لحظة، لم يكن في صوته ذرة دفء. استدار راينهارد، وانخفض بجسده قليلًا، ثم وثب عاليًا ليشق سماء الليل.

 

 

 

وفي لمح البصر، اختفى قديس السيف عن الأنظار. تأمل هاينكل تلك القوة الخارقة للحظة، قبل أن يبصق على الأرض بامتعاض عندما لم يعد راينهارد في مدى بصره. ثم اندفع ليلحق بوالده، الذي كان يسير متثاقلًا، يجرُّ ساقه المصابة خلفه.

 

 

 

«أبي، لا ينبغي لك…»

 

 

وحين تلاشى ظل والده تمامًا عن ناظريه، لم يكن منه إلا أن…

«دعني وشأني. لا أريد أن يرى أحد وجهي الآن.»

 

 

 

«أبي…»

 

 

«لا، سيدي. لقد فعلت ما هو صحيح. لا أشعر بأي ندم.»

«لا داعي لأن تقلق عليَّ… فقط اعتنِ بسلامتك. هذا أكثر من كافٍ…»

«قديس السيف القادم هو تيريشيا. لا مجال للشك في ذلك.»

 

 

كان صوته مبحوحًا، كأنَّه يهمس بتلك الكلمات لتكون عزاءً أو ربما قناعًا يخفي به ألمه، ثم واصل المضيَّ قدمًا، محكمًا قبضته على رماد زوجته، الذي لفه في معطفه. ظل يسير بخطًى ثقيلة، يتهادى بعيدًا، حتى تلاشى ظهره عن الأنظار.

وربما تكون تلك الإجابة هي الخلاص الذي بحثت تيريشيا عنه—

 

الحياة مليئة بالتقلبات… من الطبيعي أن تتخللها لحظاتُ سعادة ولحظاتُ حزنٍ.

«——»

وأخيرًا—

 

استدارت تيريشيا حين شعرت بوجوده، وقد تملكتها مشاعر خافتة لم تعهدها من قبل.

ظل هاينكل في مكانه، عاجزًا عن اللحاق به، غير قادر على مناداته.

 

 

 

وحين تلاشى ظل والده تمامًا عن ناظريه، لم يكن منه إلا أن…

«تنافسين مجموعةً من الشبان رغم أنكِ على مشارف الخمسين…»

 

 

«لمـ… لماذا… لماذا، لماذا، لماذا، لماذااااا؟!»

كان جواب راينهارد صاعقًا.

 

 

بقي وحده، يحدق في الأرضية تحت قدميه بعينين محمومتين، يصرخ في جنون، يعتصر رأسه بكفيه، قبل أن يركل سيفه الملقى على الأرض بجنون.

لم تستطع تيريشيا تصديق ما تراه. كان مستحيلًا. لا بد أنه كابوس، أو وهمٌ خلقه حبُّ اله السيف الملتوي.

 

 

ارتدَّ سيف أستريا اللامع على الحجارة، متراقصًا كحجر يتقافز فوق صفحة الماء.

 

 

«—!»

«تبًّا، تبًّا، تبًّا! ليذهب الجميع إلى الجحيم! تبًا!»

 

 

تساقط السيف الاحتفالي من يد تيريشيا.

صرخة هاينكل المغموسة بالدماء دوَّت في الساحة المهجورة، حيث تُرِك وحيدًا تمامًا.

 

 

صرخ وصرخ، وتعالت صيحاته المفعمة بالحقد والحزن، مترددةً في الأفق البعيد—

لأنني الأقوى… لأن قديسة السيف هي الأقوى.

 

«… هل ارتحت الآن؟»

وهكذا انتهت ساحة المعركة التي اجتمع فيها الجد والأب والابن— عائلة أستريا بأكملها.

 

 

 

لقد رحلت المرأة التي كانت جدةً وأمًّا وزوجة.

«سأتولى أنا السبب الذي يجعلك تمسكين بالسيف. يمكنكِ ببساطة أن تكوني أنتِ السبب الذي يجعلني ألوِّح بسيفي.»

 

زفرت أنفاسها ببطء.

لحظة تيريشيا ڤان أستريا الأخيرة تركت ندوبًا لا تمحى في قلوبهم الثلاثة.

لكنه كان دائمًا يُعبّر عن مشاعره بأفعاله، حتى وإن عجز عن قولها بالكلمات.

 

رأت ذلك النصف بشري يرفع سيفه الضخم نحو ويلهيلم، يهم بإنهاء الأمر. وفي تلك اللحظة، تحركت شفتا ويلهيلم، وخرج صوته المبحوح الهامس:

وبذلك، أسدل الستار على المعركة الأخيرة دفاعًا عن بريستيلا.

 

 

ورغم الجرح الذي تركته الكلمات في نفسه، لمع الإصرار في عيني شقيقها الأكبر، وإن كان إصرارًا حزينًا.

كان الاحتفال مزيجًا بين مراسم تأبين ونهاية حرب أنصاف البشر، كما كان مناسبةً للإعلان رسميًا عن قديسة السيف، تيريشيا ڤان أستريا، وتسليط الضوء على مَن لعبت الدور الأكبر في إنهاء النزاع الداخلي.

 

فهم عمَّها يفهم عبء اللقب أكثر من أي شخصٍ آخر.

////

 

حسابنا بتويتر @ReZeroAR

 

 

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط