Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

ري زيرو: بدء الحياة في عالم أخر من الصفر 5

5 - حكم سيف لا يعترف بالمنطق.

5 - حكم سيف لا يعترف بالمنطق.

《١》

 

 

«استنتاج الآنسة رام والسيدة بياتريس صحيح. الرجل الواقف أمامنا… هذا الجسد يعود بلا شك إلى روي ألفارد. لكن عقله ليس كذلك.»

—كان أول ما عليه فعله حقًا هو استيعاب حقيقة أنه مات وعاد من جديد.

 

 

 

لقد أخفقوا في اجتياز العقبات الخمس لبرج بلِيدَيس في الوقت المحدد، وفي النهاية، اجتاحت تلك الظلال السوداء المرعبة قلب البرج، لتبتلع كل شيء.

 

 

«لا، إن لم يكن بإمكانه التجول بحرية، فذلك يخفف عنا عبئًا كبيرًا. سأترك القرار لك، لكن التصدي لريد هو دورك.»

وهكذا، عبر موته هناك، حصل سوبارو على فرصة لإعادة المحاولة— لكن هذه المرة كانت مختلفة تمامًا عن جميع الدورات السابقة.

«رام؟! ما الأمر؟ هل أصابك شيء؟ هل تأذيتِ؟!»

 

 

«… نقطة العودة مختلفة.»

 

 

 

موته الخامس. بحد ذاته، كان ذلك أمرًا يستحق الحزن، لكن المشكلة الأكبر كانت نقطة إعادة البداية الجديدة. فقد تم تحديثها إلى اللحظة التي تلت خروجه من كتاب الموتى الخاص بريد، من ممرات الذاكرة.

 

 

«—ريد أستريا.»

«……»

 

 

 

كان يتوقع هذا.

 

 

«—هاه؟»

«ناتسكي سوبارو»، قبل أن يفقد ذاكرته، لا بد أنه استخدم قدرته على العودة بالموت بالطريقة ذاتها. لذا، من الطبيعي أن تكون نقطة الانطلاق بعد فقدانه للذاكرة مباشرةً. ما لم يتم تحديث نقطة الحفظ بطريقة ما، لم يكن من الممكن لسوبارو أن يبدأ مجددًا من الغرفة الخضراء.

أخفضت إميليا عينيها عند سماع تصريح رام القاسي. لم ترد الاعتراف بذلك، لكنها أدركت الحقيقة القاسية في أعماقها.

 

 

إذًا، تحديث نقطة البداية ليس مفاجئًا. لكن…

 

 

 

«لقد أُعدت قبل أسوأ لحظة، دون أي وقت تقريبًا للاستعداد…!»

 

 

«أوي، أوي، لا تُضحكني، أيتها الفتاة. أنا أذهب حيثما أشاء، وأقطع ما أشاء، وآخذ ما أشاء. تظنين أنني أكترث لمعايير وضعها غيري؟»

حين عاد من ممرات الذاكرة، كانت العقبات الكبرى قد بدأت بالفعل بالتحرك— كان الارتجاج الطفيف الذي شعر به تحت قدميه دليلًا على اجتياح وحوش الشياطين للبرج.

 

 

استشعرت رام الخطر على الفور والتفتت خلفها، لكن بياتريس كانت قد تحركت بالفعل. ارتفع وهج من الضوء البنفسجي المتلألئ، حيث ظهرت بلورة سحرية في الهواء، لكن سرعان ما حطمتها أشعة بيضاء حادة، مما فجَّر رقصة ضوئية هائجة في الممر.

حدوده الزمنية كانت ضيقة للغاية.

 

 

«بالضبط.»

اجتياح وحوش الشياطين، ريد أستريا، العقرب العملاق الغامض، الشراهتان الاثنان، ثم الظل الوحشي الذي ابتلع البرج بالكامل. والوقت يمر بسرعة. لا وقت، لا وقت، لا—

 

 

 

«—هل ستهدأ قليلًا، يا ترى؟!»

 

 

«ريد… ماذا تفعل هنا؟ كنت أظن أنك لا تستطيع مغادرة تلك الغرفة.»

«أيااه!»

 

 

سواء كانت تلك حكمة قالها أحد سادة السيف القدماء أم لا، فهذا بالضبط ما شعر به سوبارو عندما سمع صوت سيف إميليا.

بينما كان سوبارو يغرق أكثر فأكثر في دوامة القلق، أعادته صفعة قوية إلى وعيه. أحاطت بياتريس وجنتيه بكفيها الصغيرتين، ونظرت إليه مباشرةً بعينيها الواسعتين.

 

 

أجابت بياتريس، ممسكةً بيد سوبارو، بنبرة يملؤها اليقين:

كانت قريبةً منه لدرجة أنه شعر بأنفاسها الدافئة.

 

 

 

«أخبر بيتي بما رأيته في الكتاب، سوبارو. تحدَّث إلى بيتي، وسنفكر معًا… هذه هي قوتنا.»

《٤》

 

 

«……»

 

 

 

كلمات بياتريس ساعدته على تبديد الذعر والندم اللذين كانا على وشك التهامه بالكامل.

 

 

قبل لحظات، عندما هدد الظلام بابتلاع كل شيء، كنت على وشك الاستسلام، دون أن أحاول حتى فهم ما يحدث. كنت فقط أنتظر النهاية.

ومع استعادته لشيء من الهدوء، بدأت تظهر أمامه التهديدات التي كانت كامنة خلف الذعر والندم. وفي الوقت ذاته، أدرك مدى بؤسه في هذه اللحظة.

 

 

 

عندها تذكر التوبيخ الذي دفعه للمضي قدمًا عندما كان عالقًا في الجمود منذ قليل…

 

 

 

«حسنًا، حان وقت النهوض.»

 

 

«والخبر السيئ الثاني هو أن شاولا أصبحت عدوتنا الآن. على الأقل، بشكل مؤقت.»

«إيه؟» اتسعت عينا بياتريس.

كلمات بياتريس ساعدته على تبديد الذعر والندم اللذين كانا على وشك التهامه بالكامل.

 

أدرك على الفور أن هذا هو أعظم العوائق الخمسة— الظل الملتهم لكل شيء. لم يكن واضحًا حتى إن كان هناك سبيل للتعامل معه.

«لا شيء، فقط تذكرتُ مجددًا كم أنا أحمق، وإلى أي مدى لم أحقق أي تقدم.»

وقف سوبارو في ذهول، عاجزًا عن تصديق هذا الاحتمال الأشد جنونًا.

 

«ماذ—؟»

محتضنًا بياتريس نهض سوبارو على قدميه.

«حسنًا، وبالحديث عن السلطة…»

 

 

إيكيدنا وميلي هنا أيضًا، كما أنه يدرك على نحو عام ما يفعله الآخرون. ولديه فكرة جيدة عن الفوضى التي قد يكونون غارقين فيها.

قفزت رام برشاقة من ظهر الفرس، وألقت العنان إلى سوبارو.

 

 

«سأختصر الأمر. لم أستطع رؤية ذكريات ريد في كتاب الموتى. كان هناك شيءٌ يعيقني. يبدو أن الكتاب مرتبط بشيء يُدعى ”أود لاغنا“، وهناك التقيتُ بشخصٍ مزعج.»

 

 

 

اتسعت عيون الثلاثة بصدمةٍ فور سماعهم كلماته المقتضبة.

 

 

بينما كان يتمنى ذلك، تجذَّرت الذراع الثالثة داخله.

معتذرًا في قرارة نفسه لعدم منحهم أي وقت لاستيعاب هذه الحقائق، انتقل سوبارو مباشرةً إلى النقطة الأهم.

«……»

 

«أنزلني.» تذمرت بازدراء. «هذا مقزز.»

«أسقف الشراهة، لويس آرنب، أعلنت الحرب علينا.»

كان الشعور نفسه الذي لاحظه في الحلقة السابقة— لم يكن يعرف كيف يصفه، لكنه كان أشبه بحاسة سادسة مكنته من الإحساس بوجود رفاقه في البرج.

 

 

٢

«لو فعلتِ ذلك، لانخلعت رقبة بيتي من مكانها؛ لذا شكرًا، لكن لا شكرًا.»

 

«… أعتقد أن هذا بحد ذاته إجابةٌ كافية، اتساءل.»

«أسقف آخر؟ حتى هنا، في أقصى شرق الخريطة؟ يبدو أن هناك رباطًا يجمعك بهم لا يمكنك الفكاك منه.» قالت إيكيدنا ما إن انتهى سوبارو من شرحه، وعلى وجهها ابتسامة ساخرة.

 

 

 

من طريقة حديثها، بدا أن لعنة العلاقات السيئة لم تقتصر على شهَوات الشراهة وحدهم. من المرجح أن هناك سبعة من الأساقفة. أراد أن يصدق أن هذا الأسوأ بينهم، لكن…

«—الراحة المطلقة!»

 

لوح بسيف الفارس بلا اكتراث، يقطع الظلال بسلاح كان من المفترض أن يكون بين يدي جوليوس.

«لنؤجل التحسر على دوامة العلاقات المقيتة التي تحيط بسوبارو لوقت لاحق. ما نحتاجه الآن هو…»

وكأن الأمر لا علاقة له بما يجري، انطلقت أرجل العقرب تسابق الريح وهو يفر مبتعدًا. كانت هذه المناورة ذاتها التي لجأ إليها في الدورة السابقة أيضًا— وبالتالي، علم سوبارو تمامًا ما سيحدث تاليًا.

 

 

«نعم، دعم شاولا في المقام الأول. ميلي، يمكننا الاعتماد عليكِ؟»

ليست هذه المرة الأولى التي يرى فيها سوبارو استخدامه العجيب لعيدان الأكل كسلاح، لكنه لم يستطع التعود على المشهد. وخصوصًا عندما استخدمها لإرسال إميليا طائرة عبر الممر المتداعي.

 

«……»

بإكماله لفكرة جوليوس، عهد سوبارو إلى ميلي بالتعاون مع شاولا للتعامل مع طوفان الوحوش السحرية خارج البرج.

 

 

 

كان جوليوس قد عاد إلى الطابق الثالث للإبلاغ عن المشكلة بينما كانوا ينهون نقاشهم على عجل. وعندما التفت إليها سوبارو، كانت ميلي قد ارتسمت على وجهها ابتسامة ماكرة، مدركة أن سبب قلق جوليوس هو أسراب الوحوش.

 

 

«ليس بقدر ما فعلتَ، وأنت تخترق البرج بهذه الطريقة.» ردَّ عليه سوبارو بحدة.

«أووه؟ بعد كل هذا الكلام الكبير، تلقي العمل على عاتقي؟ لكن بما أنك كنت صريحًا على الأقل، سأهتم بالأمر. كُن ممتنًا.»

«مذهل… آه، هل لهذا السبب اعتقدتَ أن تلك العقرب العملاقة هي شاولا؟»

 

 

«بالطبع، أنا ممتن جدًا! أحبك!»

«سـ-سوبارو…»

 

تابع إميليا قائلة: «أيمكنني أن أسأل شيئًا؟» فبعد أن اتضحت لها الصورة أخيرًا، رفعت يدها لتوجه أنظارها البنفسجية إلى ريد، متسائلة: «هل هذا يعني أنك قد عدت إلى الحياة من جديد؟»

«كم هذا رخيص…»

 

 

 

رغم تظاهرها بالانزعاج من اعترافه، وافقت ميلي على تولي أمر الوحوش السحرية. تصرفت وكأنها غير راغبة في ذلك، لكن أي شك في نواياها كان سيتلاشى بمجرد رؤية سرعتها وهي تندفع نحو الشرفة المخفية.

«لا يوجد دليل على أن ما أكله سيُعاد بمجرد قتله، أليس كذلك؟ بل إننا سنفقد أيضًا فرصة انتزاع تلك المعلومات منه إذا مات. وهذا ما أخشاه.»

 

 

واحد انتهى، تبقى أربعة…

 

 

«هذا…»

«سوبارو، لا بد أنك تخطط لشيء ما إن كنت قد أرسلت الآنسة ميلي بمفردها.»

كان باتينكايتوس غارقًا تمامًا في استعادة الذكرى، فانصبَّ تركيزه بالكامل على سوبارو.

 

 

«أنت سريع البديهة. قلت إن الشراهة قادمون، صحيح؟»

«هاه؟ أليس الموت من المفترض أن يكون أكثر…؟»

 

 

«… نعم، ذكرت أن أحدهم سرق ذاكرتك ليلة البارحة. وبناءً على ذلك، أعتقد أنك تنوي منحي فرصة للانتقام.»

«ناتسكي سوبارو.»

 

«هذا أناني للغاية.»

كان صوت جوليوس منخفضًا وهو يلامس مقبض سيفه عند خصره.

همسة قرب أذنه، لمسة مشؤومة، عناق يحيط بجسده كله، لمسة حانية على روحه… كان ذلك الحب الذي غيَّر العالم قريبًا منه إلى حد مرعب.

 

 

لا شك أن قوته كانت مطلوبة بشدة، وكان هو نفسه بحاجة ماسة لاستعادة شرفه.

«تراجع، باروسو!»

 

ارتفع الغبار عاليًا في الهواء، متجاوزًا حدوده الطبيعية.

—لكن العدو الذي أراد سوبارو أن يواجهه لم يكن الشراهة.

 

 

«……»

«صحيح، أريدك أن تنتقم، لكن ليس من الشراهة.»

وعلى غير المتوقع، تمكَّن تعاون إميليا وبياتريس من صد غزو الشراهة.

 

 

«ماذا؟ لكن في هذه الظروف، لا يوجد خصم أكثر أهمية من—»

«إذًا، لقد وقع في الفخ الأكثر رعبًا، فخ استنساخ الذكريات.»

 

 

«ريد قادم إلى الأسفل. أريدك أن تمنعه من التدخل.»

لقد تفوهت بمعلومة في غاية الأهمية بكل بساطة، ولم يكن هذا الوقت المناسب كي يتوقف سوبارو عندها. كان متفاجئًا بعض الشيء من قدرتها على مجاراة ريد في حديثه الفوضوي.

 

 

«……»

 

 

لكن الهفوة بينهما كانت شاسعة إلى درجة أن سوبارو، إن كان فأرًا، فريد كان تنينًا.

انعقد حاجبا جوليوس في صدمة حين سمع ذلك الاسم.

تقدَّمت إميليا خطوة إلى الأمام، محطمةً الأجواء الكئيبة المتزايدة. كان في عينيها البنفسجيتين بريقٌ جاد وهي تتنقل بنظرها بين سوبارو ورام.

 

 

في بعض النواحي، كان قدر جوليوس أن يواجه ريد، حتى بوجود الشراهة يترصدون في الظل. خصمه لم يكن مجرد رجل، بل كائن تجاوز كل القواعد، وكان على وشك القيام بشيء لا ينبغي أن يكون ممكنًا.

«الماضي؟ لا تقل إنك…؟»

 

«لم يكن في الأمر أي ذكاء. هناك شيء واحد فقط كنت واثقًا منه.»

«في خضم هذه الفوضى، سيفعل الشيء الوحيد الذي نخشاه أكثر من أي شيء آخر.»

«لا زلتِ حادة اللسان رغم كل شيء. حسنًا، لنذهب!»

 

«… آه، صحيح. ربما لا تستطيعين الكلام. إذًا، ارفعي يدكِ اليمنى إن كنتِ شاولا، وارفعي اليسرى إن لم تكوني كذلك! بهذه الطريقة سنعرف.»

«توافق بيتي. إن خرج ذلك الشيء، فكل ما فعلناه سيذهب هباءً.»

 

 

«السيدة إميليا…! نغ، باروسو!»

«وأنا أتفق معكما. لكن من الصعب تصديق أنه قادر على التجول في البرج كما يشاء… أو بالأحرى، لا أريد أن أصدق ذلك. ناتسكي، هل استنتجت ذلك من…؟»

 

 

«مجرد احتمال أن تظل هادئة تمامًا حتى في حال حدوث ذلك هو ما يجعلها مرعبة حقًا.»

«… نعم، سمعته من الشراهة.»

 

 

 

بعد لحظة تردد، كذب سوبارو بجرأة.

 

 

أضافت رام: «كما أنها غيَّرت شكلها؛ لذا من السهل تمييزها. إن رأيتَ عقربًا ضخمًا جدًا، فهو العدو.»

في الواقع، تحركات ريد لم ترتبط بالشراهة. كان ذلك واضحًا من مواجهتهما السابقة، ومن الطريقة التي حطم بها باتينكايتوس تمامًا.

 

 

 

كانت تلك الكذبة محاولة يائسة منه لإقناع رفاقه بتصديق معلوماته دون أن يضطر إلى الكشف عن أنه قد شهد هذا من قبل. كان على يقين من أنه لا يمكنه السماح لهم بمعرفة أمر العودة بالموت، حتى لو لم يستطع تفسير السبب بدقة.

إذا لم يكن كلامه كذبًا، ولم يكن مزاحًا، فالوضع في غاية الخطورة.

 

 

«……»

تحولت القشعريرة التي شعر بها إلى يقين بمجرد سماعه تحذير رام.

 

 

«جوليوس، لا يسعدني أن أبعدك عن التهديد الذي نراه لنلاحق تهديدًا محتملًا. لكن لا يمكننا تجاهل ما يقوله ناتسكي.»

 

 

بينما كانت تجيب إيميليا، سحبت رام العصا الصغيرة المثبتة على فخذها.

وافقت إيكيدنا على ضرورة الحذر من ريد، بينما شعر سوبارو بوخزة في قلبه. وعند سماعه لاستنتاجها، أومأ جوليوس برأسه.

 

 

«يبدو الأمر كذلك… ما الذي تفكر فيه شاولا بحق؟»

«أتفهم ذلك. لن أكون أحمق بما يكفي لأشكك في كلام سوبارو في هذا الوقت تحديدًا. ولو كنت صادقًا مع نفسي، فإن عدم كوني الشخص الذي سيهزم الشراهة البغيض أمر محبط للغاية. لكن…»

«إن كانت المعركة متكافئة، فهذا يعني أن التوازن…»

 

«شكرًا على الوجبـ—»

ثبتت عينا جوليوس الذهبيتان على سوبارو، الذي أومأ برأسه بعمق، معترفًا بعزيمة الفارس.

 

 

 

«كما قلت من قبل، أنت الوحيد الذي يمكنه التعامل مع ريد أستريا.»

 

 

 

«… إن لم أفُز، فستنهار كل حساباتكم، أليس كذلك؟ يا له من منطق لا يُغتفر.»

«… ببساطة، لدى رام حدٌّ أقصى لمدة قتالها.»

 

«أيقونة؟ أما رام، فهذا مفهوم، لكن لماذا تُقحمني أنا؟»

إن لم تسر الأمور كما خُطط لها، فإن الفشل سيقود حتمًا إلى مأساة مهولة.

 

 

قطَّب ريد حاجبيه بانزعاج.

وإدراكًا لهذا في عيني سوبارو السوداوين الجادتين، أطلق جوليوس تنهيدة عميقة.

 

 

«أنزلني.» تذمرت بازدراء. «هذا مقزز.»

«لك كلمتي. سأتولى أمر ريد. لكن إن تبين أنه غير قادر على مغادرة الطابق الثاني، فسأتوجه إليكم فورًا. أي اعتراض؟»

«……»

 

 

«لا، إن لم يكن بإمكانه التجول بحرية، فذلك يخفف عنا عبئًا كبيرًا. سأترك القرار لك، لكن التصدي لريد هو دورك.»

«السيدة إميليا مسترخية… مع أنها كذلك دائمًا.»

 

 

«إذًا، نحن متفقون. إيكيدنا، السيدة بياتريس، أترك الباقي لكما.»

لم يكن واضحًا إن كان ذلك قناعًا ماهرًا ترتديه، أم أن الأمر كان فطرتها الحقيقية.

 

 

«ألا يمكن أن تتكرم بذكر اسمي على الأقل؟ أليس لي وجود هنا؟!»

 

 

«هاه! كما توقعت منك، أيتها الفاتنة! لكنكِ تفهمين، صحيح؟ امتحانكِ قد انتهى بالفعل.»

قطب سوبارو جبينه مستاءً من إقصائه بهذه الطريقة، لكن جوليوس لم يزد عن أن رسم ابتسامة متعجرفة، ثم أدار عباءته بخفة واتجه صوب الطابق الثاني.

 

 

على الأقل، كان عدوًا في البداية، فقد وقف في طريقهم وعذَّبهم خلال الحلقات السابقة. بل إنه حتى قتل بعضهم.

راقبه سوبارو حتى غاب عن ناظريه، ثم استدار، ليجد نفسه يواجه همسًا مباغتًا.

«أوه… أُغه…»

 

—بسبب المساعدة التي حصل عليها من ريد، الذي ارتسمت على وجهه ابتسامة وحشية بينما كان يطفو في الظلام تمامًا مثل سوبارو.

«لن أسألك كيف يمكنك الجزم بهذه الدرجة من اليقين… فقط لا تخذل ثقته أو ثقتي.»

رفع يده ليلمس الرقعة التي تغطي عينه اليسرى، معلنًا عن هويته كما لو كان يكشف أنيابه.

 

في لحظاته الأخيرة، شرع في قول شيء ما، لكنه لم يتمكن من إكماله. بدا وكأنه على وشك التعليق على موته الوشيك، لكن أحدًا لن يسمع بقية كلماته أبدًا.

ابتلع سوبارو ريقه بصعوبة عند سماعه كلمات إيكيدنا.

«لا، لا تدع اليأس يتسلل إليك.»

 

«إذًا، التفسير الأكثر منطقية هو أن ذلك الألفارد قام بالتحول إلى هيئة ريد و—»

ببراعتها المعهودة، لم يكن غريبًا أن يساورها الشك حول كيف له أن يعلم بهذه الدقة أن قديس السيف سيبدأ بالتجول داخل البرج، لا سيما حين لا تبدو هناك أي صلة واضحة بين ريد وبين الشراهة.

 

 

 

السبب الوحيد الذي جعلها لا تفجر هذا التساؤل أمام جوليوس هو أنها، إلى حد ما، وثقت بسوبارو بناءً على ما أظهره حتى الآن.

«لم يكن في الأمر أي ذكاء. هناك شيء واحد فقط كنت واثقًا منه.»

 

 

عليَّ أن أكون أهلًا لهذه الثقة…

كان قلقها مبررًا، فسوبارو نفسه لم يرغب بترك أي ثغرات.

 

«فهمت. إن كنت ترفض، فلا حيلة لنا إذًا.»

«—!»

 

 

«وأيضًا، هل ظننتَ أن هذا كل شيء؟ لقد استهنتَ بغضبي.»

في اللحظة التي بلغ فيها تفكيره هذا الحد، اجتاحه شعور بحرارة حارقة تلسع صدره.

«يبدو أننا نجونا.»

 

«استهداف سوبارو وحده تصرف غير منصف. لا تضطهد الضعفاء!»

إنها الحرارة الغريبة ذاتها التي أحس بها قبل أن يبتلعه الظل في نهاية الحلقة الماضية. تسارع نبضه، وأغلق عينيه بينما تزايد شعوره بالقلق الذي يغلي داخله.

 

 

«رام؟! ما الأمر؟ هل أصابك شيء؟ هل تأذيتِ؟!»

وما إن فعل ذلك، حتى رأى خلف جفنيه المغلقين أنوارًا شاحبةً تتلألأ في أماكن متفرقة— بين ذراعيه، إلى جانبه، وهنا وهناك على امتداد الممر.

 

 

«……»

«سوبارو؟»

 

 

 

«… أنا بخير. علينا الوصول إلى إميليا تشان ورام! لنسرع!»

 

 

لم يكن لانقلاب العالم رأسًا على عقب تأثير يُذكر على الوضع. فقد استمر الجميع في فعل ما اعتقدوا أنه الأفضل.

رمقته بياتريس بنظرة متفحصة وهو يشد قبضته على يدها، لكن سوبارو لم يمنحها فرصة الاستفسار، بل انطلق مهرولًا معها للقاء الآخرين.

الذراع الثالثة التي التصقت به، والحاسة السادسة التي مكَّنته من معرفة مواقع رفاقه الحالية، كانت تخبره أنها واقفة عند الطرف الآخر من الرواق.

 

 

—لكن، إن أردنا الدقة، لم يكن هدفه لقاء إميليا.

 

 

 

لأنه في هذه المرحلة، لم تكن إيميليا هي مَن سيجدها عند نهاية الممر، بل—

 

 

«قالت لويس الاسمين لاي وروي… إذا كان باتينكايتوس هو لاي، فلابد أن الآخر هو روي. لم يظهر حتى الآن ولا مرة.»

«باروسو! استيقظت أخيرًا!»

«لقد التهم روي ألفارد ذكريات ريد أستريا، لكن روحه نفسها انتُزعت منه بفعل تلك الذكريات. وهكذا، تمكن من النزول من الطابق الثاني ليقف أمامنا الآن بلا أي قيود.»

 

 

«رام!»

 

 

تلك العقرب العملاقة كانت شاولا، وقد أصبحت عدوَّتهم. لكن كان هناك شيء لم يكن منطقيًا بعد.

ما إن استدارا عند الزاوية، حتى واجها المجموعة ذاتها التي التقياها في المرة السابقة— رام، ممسكةً بريم بينما تمتطي باتراش.

 

 

«……»

قفزت رام برشاقة من ظهر الفرس، وألقت العنان إلى سوبارو.

وبطريقة ساخرة، وبعد أن فقد صاحبه، استخدم بحرية في يد قديس السيف. لكن لم يكن هناك وقت للتوقف عند تلك المفارقة القاتلة.

 

«افتح عينيك وانظر. ماذا تعني بـ ”مستحيل“؟ هل ما زالت عيناك تعملان؟ افتحهما وانظر جيدًا.» صرخ ريد. «تظن أني أكذب؟!»

«لقد تأخرت كثيرًا! اعتنِ بريم! إن أصابها مكروه، أو تجرأت على لمسها بطريقة غير لائقة، فلن أغفر لك! لذا احمها وكأن حياتك تتوقف على ذلك! أنا—»

لم يبقَ أي أثرٍ لجثة باتينكايتوس المتفحمة في الممر بعد الانفجار. ليس هناك حاجة للتأكد، فقد رأوا موت الشراهة بأعينهم.

 

 

«انتظري، انتظري، انتظري! أنتِ تسبقين الأحداث! أفهم سبب توترك، لكن اهدئي قليلًا! أنـتِ—»

 

 

لقد كانت هذه المرة الثالثة التي يرى فيها هذا الظل، وفي كل مرة، فقد حياته.

«أسقف الشراهة هنا! السيدة إميليا تخوض قتالًا، لكنها في وضع حرج. إن لم أعد إليها فورًا، فسيكون الأوان قد فات!»

 

 

 

«……»

 

 

«تم نقل ريم إلى مكان آمن، والآن يمكنني معاونتك.»

المشاعر التي اعتملت في صدر سوبارو في تلك اللحظة كانت معقدة.

 

 

«لك كلمتي. سأتولى أمر ريد. لكن إن تبين أنه غير قادر على مغادرة الطابق الثاني، فسأتوجه إليكم فورًا. أي اعتراض؟»

قلقه على رام التي ستعود للقتال، وغضبه من تأكيد وصول ذلك الوغد باتينكايتوس— لكن فوق كل ذلك، ارتياحه لسماع رام تنطق باسم إميليا.

وهذه المرة ليست استثناءً. بمجرد أن يظهر ويصل إلي—

 

هل عليهم الالتحاق بإيكيدنا والبقية من غير المقاتلين، أم البحث عن ميلي لمعرفة ما حدث بعد رحيل شاولًا؟

أهم أسباب استعجاله كان منع باتينكايتوس من التهام اسم إميليا، وضمان ألا تخرج رام من المعركة بسبب ذلك.

 

 

 

الآن، وقد تأكد أنه وصل في الوقت المناسب، أمسك سوبارو بالعنان، وناوله إلى إيكيدنا.

«… جوليوس يواجه وقتًا عصيبًا. لابد أنه ريد.»

 

 

«إيكيدنا! اصطحبي ريم وباتراش إلى مكان آمن! الشرفة والطابق الثاني ليسا خيارًا، والغرفة الخضراء بعيدة الآن. تيجيتا هو أفضل مكان!»

 

 

لذا، فإن نظرية رام وبياتريس -المتمثلة في أن استنساخ الجسد الأصلي يسهم في استيعاب القدرات المسروقة على نحو أفضل- كانت منطقية تمامًا.

«ناتسكي؟! ماذا عنك؟!»

«يبدو الأمر كذلك… ما الذي تفكر فيه شاولا بحق؟»

 

 

«أنا وبياتريس سنذهب مع رام!»

 

 

«انتظري، انتظري، انتظري! أنتِ تسبقين الأحداث! أفهم سبب توترك، لكن اهدئي قليلًا! أنـتِ—»

اتسعت عينا إيكيدنا عند سماع أوامره الحاسمة. في تلك الأثناء، مدَّ سوبارو يده وربَّت على عنق باتراش، ثم حدق في ملامح ريم بعناية، وكأنه يود حفظها في ذاكرته.

«—إميليا! إنه الانتحاء الذاتي!»

 

حتى مع تمتعه بحريته، ظل وفيًّا لدوره كالمختبر— لا، لم يكن يتصرف بدافع أداء دور. تصرف ببساطة وفق طبيعته.

«لقد قلتِها بنفسك… ألا أخون ثقتك، أليس كذلك؟ أنا أطلب منكِ الأمر ذاته. اعتني بريم، فهي كنز لا يقدر بثمن بالنسبة ل«ناتسكي سوبارو».»

 

 

 

«… هذا تعبير غريب. ألستَ أنت ناتسكي سوبارو؟»

مع تفرق جميع رفاقه في أنحاء البرج وعجزه عن القتال فعليًا، كانت هذه سلطة يريدها سوبارو أكثر من الماء في الصحراء.

 

«هذا صحيح، لكن لهذا السبب تحديدًا…»

«… لديَّ أمل بسيط أنكِ قد تفهمين شعوري ولو قليلًا.»

 

 

«على أي حال، بالنظر إلى هذا، علينا أن نكون حذرين في تعاملنا مع الشراهة. الخطوة الأولى ستكون البحث عن الشخص الآخر الذي يُفترض أنه هنا، ولكن—»

بناءً على ما سمعه، كان سوبارو قد استنتج أن إيكيدنا تقطن هذا الجسد مؤقتًا، وأن هدفها هو إعادته إلى صاحبه الأصلي.

 

 

«هاه؟ أنا مهووس بك؟ لا تثرثر. أكثر ما أكرهه هو الرجال الذين لا يجيدون سوى الكلام والمظهر. لماذا قد أكون مهووسًا بشيء كهذا؟»

من زاوية معينة، لم يكن هذا بعيدًا عن العلاقة بين سوبارو و«ناتسكي سوبارو».

 

 

 

حدقت فيه إيكيدنا بدهشة.

لم يستطع سوبارو التحرك في الوقت المناسب. تراجعت غرائزه أمام مفترس يخبره بأنه على وشك أن يُلتهم.

 

«أتمنى لو كانت أذناي تخدعانني.»

«ناتسكي، هل أنت…؟»

على الأقل، لم يبدو أن ظل الشراهة الآخر يحوم حول أيٍّ من رفاقه المنتشرين في البرج.

 

«سيدتي إيميليا!»

«أعتمد عليك.»

«……»

 

 

لم يمنحها فرصة إكمال جملتها، وانطلق يعدو.

«—هذا ليس أسلوب قتالِك.»

 

 

لم يكن معه سوى بياتريس، التي كانت عازمة على ألا تدعه يخوض هذا وحده، ورام، التي سبقتهما بالركض. التفتت رام نحوه.

 

 

لم يكن من السهل القول إن إجابة ريد كانت واضحة. كان من النوع الذي لا يرى فائدة في توضيح كل شيء بالكلمات، ولهذا كانت معظم إجاباته عاطفية وصعبة الفهم.

«لماذا تتبعني، باروسو؟ ريم—»

إن كان النصل حادًا بما فيه الكفاية، فإن ضربته تكون كنسمة هواء عابرة.

 

 

«ريم أخبرتني أن أواجه الأمر بدلًا من مجرد القلق بشأنها! وبختني داخل الكتاب!»

«هاه؟ أليس الموت من المفترض أن يكون أكثر…؟»

 

 

«—! ريم قالت هذا؟! عن أي شيء تتحدث؟!»

 

 

 

ارتجفت عينا رام الورديتان وهي تحدق في سوبارو الذي كان يركض بجانبها، لكن لم يكن ثمة وقت للغوص في تفاصيل ما حدث داخل ممرات الذاكرة.

 

 

 

لذا، اكتفى بإخبارها بما هو أهم من كل شيء.

في اللحظة التي بلغ فيها تفكيره هذا الحد، اجتاحه شعور بحرارة حارقة تلسع صدره.

 

 

«ريم قالت لي أن أقاتل، وأن أستعيد كل شيء! لذا، هذا ما سأفعله!»

قطَّبت رام حاجبيها وهي تفكر في كلام سوبارو.

 

لم يكن يعلم أصل السلطة التي يمتلكها، لكن ذلك ليس مهمًا الآن. ما كان أكثر أهمية ليس سلطة سوبارو، بل سلطة الشراهة.

«من البديهي أنك لن تكون وحدك، فبيتي هنا أيضًا!»

 

 

وبينما كانت رام تمسك عنق سوبارو من مسافةٍ قريبة جدًا، بدا أنها عادت بالفعل إلى طبيعتها. أدمعت عينا سوبارو قليلًا، لكنه أومأ برأسه، وأعاد تركيزه على إدراكه الحسي.

«… هذا يكفي في الوقت الحالي. لكنني لن أدعك تفلت من استجواب قاسٍ لاحقًا، وسأحاسبك على كل حرف مئة مرة!»

حدَّق باتينكايتوس أمامه بعينين واسعتين فارغتين، بينما مَن أسقطته، إميليا، هتفت بمرح:

 

حدث الأمر في لحظة. لم يتمكن سوبارو ولا أي شخص آخر من التحرك.

«مئة مرة؟!»

وقف سوبارو في ذهول، عاجزًا عن تصديق هذا الاحتمال الأشد جنونًا.

 

«……»

ارتجف سوبارو، إذ لم يكن كلام رام يبدو كمزحة على الإطلاق. لكن بما أنه ليس قادرًا على شرح أي شيء الآن، فقد يكون رد فعلها هذا دليلًا على تسامحها.

«شاولا، هل ستفعلين أي شيء أطلبه منكِ؟»

 

«الأمر الأكثر إثارة للدهشة أنه امتلك الجرأة ليحاول أكلي أصلًا. في النهاية، لا أحد يستطيع التمرد على طبيعته. ذلك الصغير ضحَّى بنفسه على ذلك المذبح.»

كما كان ذلك دليلًا على أنهم في موقف بالغ الخطورة، إلى حد أنها لم تضغط عليه لمعرفة التفاصيل.

 

 

فجأة، اندفع الظل الأسود الذي أحاط بسوبارو بعيدًا بحركة واحدة خاطفة.

«—فن الجليد القاطع!»

 

 

«لماذا…؟»

في اللحظة التالية، رأى في نهاية الممر الأبيض المتجمد ظهر إيميليا، تتراقص بسلاحين من الجليد في يديها، مواجهةً الأسقف الصغير، لاي باتينكايتوس—

 

 

 

«سيدتي إيميليا!»

سواء كانت تلك حكمة قالها أحد سادة السيف القدماء أم لا، فهذا بالضبط ما شعر به سوبارو عندما سمع صوت سيف إميليا.

 

 

كان صياح رام تأكيدًا أخيرًا لسوبارو أنهم تفادوا أسوأ الاحتمالات. وفي ذات الوقت، التفتت إيميليا نحوهم عندما سمعت اسمها يُنادى.

حتى مع تمتعه بحريته، ظل وفيًّا لدوره كالمختبر— لا، لم يكن يتصرف بدافع أداء دور. تصرف ببساطة وفق طبيعته.

 

«—أحبك.»

«هاه؟! رام؟! لماذا عدتِ؟! وسوبارو وبياتريس أيضًا! من الرائع أنكما بخير، لكن الوضع في غاية الخطورة! غادرا في الحال!»

«……»

 

 

«تم نقل ريم إلى مكان آمن، والآن يمكنني معاونتك.»

 

 

حين سمع اسم شاولا، خطرت له فكرة ما. لم يكن اسمًا يملك رابط عاطفي خاص به، لكنه كان كلمة سمعها من قبل.

بينما كانت تجيب إيميليا، سحبت رام العصا الصغيرة المثبتة على فخذها.

 

 

«سـ-سوبارو…»

كانت عصًا قصيرة، أشبه بما يستخدمه السحرة. للوهلة الأولى، بدت عادية تمامًا، لكن ما إن أمسكت بها رام، حتى بدت مفعمة بالقوة.

 

 

 

عندما رأى الشراهة أن رام تنوي الانضمام إلى المعركة، ابتسم بسخرية وهو يبتعد عن إيميليا.

التناسخ: حين تُفقد الأشياء، حين يُعاد الزمن، حين تُطلب الفرص.

 

«إيكيدنا! اصطحبي ريم وباتراش إلى مكان آمن! الشرفة والطابق الثاني ليسا خيارًا، والغرفة الخضراء بعيدة الآن. تيجيتا هو أفضل مكان!»

«هاها! ماذا؟! أتيتِ مجددًا، أيتها الأخت! يا لكِ من رائعة! لماذا تبدين بهذه الروعة؟! كم أنتِ مذهلة!»

«ابن…»

 

وعلى غير المتوقع، تمكَّن تعاون إميليا وبياتريس من صد غزو الشراهة.

«—اصمت، سأقتلك، أيها الأسقف.»

«……»

 

«تهانينا على استعادة حريتك في الحركة. هذا أمر رائع حقًا… لكن لدينا عمل مع الفتى الذي حاول التهامك وانتهى به المطاف ملتَهَمًا.»

تقطر صوتها بعدائية خالصة وهي تتقدم نحو باتينكايتوس.

 

 

… لتنجُو هي، حتى ولو ثانيةً واحدةً أكثر.

سارع سوبارو للإمساك بها من الخلف.

 

 

 

«هيه!»

 

 

 

علم من الدورة السابقة أن الشراهة قوي على نحو لا يُصدق، فقد كان قادرًا على مجابهة إيميليا وجوليوس نِدًّا بنِد. وإن فقدت رام السيطرة هنا، فقد يخسرون الأفضلية التي حصلوا عليها بحماية اسم إيميليا.

 

 

«……»

كان القلق من هذا الاحتمال هو ما دفعه لمحاولة الإمساك بكتفها، ولكن—

«……»

 

لم يتبقَّ سوى العقبتين المتبقيتين— العقرب العملاق الغامض، وشبح الفناء الذي هدد بسحق البرج بأسره، ناهيك عن الأخ الآخر للشراهة، الذي لم يظهر بعد.

«—لمَن تظن نفسك تتحدث، باروسو؟ تراجع في الحال.»

إن لم تسر الأمور كما خُطط لها، فإن الفشل سيقود حتمًا إلى مأساة مهولة.

 

لم تمسك أصابعه سوى الهواء، إذ اختفت رام بغتة.

 

 

«—أنت لا…»

«واااه؟!»

 

 

 

وفي طرفة عين، ظهرت رام مباشرة أمام باتينكايتوس.

صرخ باتينكايتوس متألمًا، دافعًا رام بعيدًا بركلة يائسة. إلا أن ذلك كان متوقعًا أيضًا.

 

 

اتسعت عينا الأخير وهو يرى العصا تُوجه نحو جبينه، فصرخ بحماس وهو يعترض الضربة بالسيوف المتقاطعة على ذراعيه.

«سـ-سوبارو…»

 

 

«آهاهاهاها! هل أنتِ جادة؟! خلق رياح تحت قدميكِ؟! محظوظة لأنكِ لم تنسفي ساقيكِ! معظم الناس سيخافون من مجرد التفكير في فعل ذلك!»

 

 

«لن أعيده إليكم، وليس من شأني مساعدتكم. ثم إن أيًا منكم، باستثناء الجميلة هنا، لم يجتز امتحاني بعد.»

«لا تستخدم معايير تافهة كهذه للحكم عليَّ.»

 

 

 

«—؟!»

 

 

«يبدو الأمر كذلك… ما الذي تفكر فيه شاولا بحق؟»

«وأيضًا، هل ظننتَ أن هذا كل شيء؟ لقد استهنتَ بغضبي.»

«أعتقد أنه لم تمضِ سوى دقائق قليلة منذ افترقنا، لكن يبدو أنكم قد اختبرتم بعض الإثارة أيضًا.»

 

«ربما لأنك كنت دائمًا فظًا معها! جرب أن تعتذر!»

ضيَّقت رام عينيها، وانطلق من طرف عصاها نصل من الرياح.

حتى وإن كان ذلك مجرد وهم زائف للراحة يتحقق عبر قتل أحدهم.

 

لم يكن من النوع الذي يزيد الفوضى في موقف خطير بالفعل بإلقاء نكتة سخيفة بلا داعٍ. بعد أن أعاد اكتشاف شخصيته من جديد إثر فقدان ذكرياته، بات سوبارو واثقًا من ذلك.

توقَّع باتينكايتوس ذلك، فدار بجسده، لكنه لم يكن سريعًا بما يكفي. شقَّ نصل الريح طريقه، ممزقًا الجانب الأيسر من وجه الشراهة الشرير.

«—أنني أنا.»

 

همسة قرب أذنه، لمسة مشؤومة، عناق يحيط بجسده كله، لمسة حانية على روحه… كان ذلك الحب الذي غيَّر العالم قريبًا منه إلى حد مرعب.

«غيغ، غااااا!!!!»

 

 

 

صرخ باتينكايتوس متألمًا، دافعًا رام بعيدًا بركلة يائسة. إلا أن ذلك كان متوقعًا أيضًا.

«—هذا ليس أسلوب قتالِك.»

 

«بو… كو-كو-كو، آ-ها-ها-ها! كما هو متوقعٌ منكِ يا أُختاه! جُرح! بهذا العُمق! رغم أنني كنتُ أُعيد خلقَ كارنيفور هاينيلغا! رائع، رائع، رائع، رائع، رائع، رائع، رائع! التهم كل شيء، أيها الشراهة!»

«أنا هنا أيضًا!»

اتسعت عيون الثلاثة بصدمةٍ فور سماعهم كلماته المقتضبة.

 

 

انطلقت إيميليا نحو باتينكايتوس من الخلف، ممسكة بسيف عظيم من الجليد. وبما أن رام أُبعدت، لم تكن إيميليا مضطرة لكبح قوتها.

 

 

«هاه؟!»

ومع أن السيف لم يكن حادًا، فإن هجومًا بهذه القوة كان كفيلًا بإنهاء القتال بضربة واحدة—

لم يكن من السهل القول إن إجابة ريد كانت واضحة. كان من النوع الذي لا يرى فائدة في توضيح كل شيء بالكلمات، ولهذا كانت معظم إجاباته عاطفية وصعبة الفهم.

 

 

«—الراحة المطلقة!»

 

 

ماذا تعنين بـ ”كيف“؟ أعلم ذلك… لأنني أعلم.

«كيييااه؟!»

كانت قوة إميليا مذهلة، ما جعلها خصمًا مكافئًا تمامًا للشراهة والعقرب. وبوجودها على هذه المسافة، ليس من المبالغة القول إنها قادرة على هزيمة مئة نسخة من سوبارو بسهولة.

 

«قدرة عبثية تمكنه من إعادة إنتاج شخصية الضحية بل وحتى جسدها المادي. لن يكون غريبًا إذا تسببت تلك العملية في انفصال روح الأسقف عن جسده، مما حال دون عودته إلى طبيعته.»

قبضة سوداء حطمت السيف الجليدي في منتصف حركته، كأنه زجاج هش.

وهكذا، عبر موته هناك، حصل سوبارو على فرصة لإعادة المحاولة— لكن هذه المرة كانت مختلفة تمامًا عن جميع الدورات السابقة.

 

لقد تفوهت بمعلومة في غاية الأهمية بكل بساطة، ولم يكن هذا الوقت المناسب كي يتوقف سوبارو عندها. كان متفاجئًا بعض الشيء من قدرتها على مجاراة ريد في حديثه الفوضوي.

أدى التدمير المفاجئ إلى اختلال توازن إيميليا، فاستغل الشراهة ذلك ليضرب قدمها المحورية بمخلبه الخلفي، جاعلًا إياها تدور في الهواء قبل أن تمتد أظافره باتجاه وجهها.

 

 

 

وفي اللحظة التي كاد فيها أجمل وجه في العالم أن يُمزق—

«واااه؟!»

 

 

«وجه السيدة إيميليا هو إحدى ميزاتها القليلة التي لا تشوبها شائبة.»

 

 

«أمم، إذًا، خلاصة الأمر…؟»

داسَت رام على مخالبه، ثم دفعته بمرفقها الأيسر، مُطيرةً إياه بعيدًا، بينما استعادت إيميليا توازنها بمد يدها اليمنى سريعًا.

«حسنًا، حان وقت النهوض.»

 

«كا-كاد أن يكون الأمر كارثيًا… كنت سأُلتهم… شكرًا لك.»

«واااه، أوه…! شكرًا لكِ، رام! كدتُ أرتطم بالأرض!»

لكن هناك كيانًا آخر كان يتحرك داخل البرج بسرعةٍ جنونية.

 

«……»

«الرجاء الحذر، سيدتي إيميليا… لديه بعض التقنيات المزعجة.»

فيما كان سوبارو يعض على أسنانه في مواجهة هذا الموقف المتوتر، تقدَّمت إميليا لمواجهة ريد.

 

 

«نعم، يبدو كذلك. تلك الضربة بكفه جعلت عنقي يرتجف.»

لم تكن مجرد نذير دمار، بل كانت كارثة طبيعية تبتلع حتى أولئك الذين يمتلكون قوة تفوق حدود البشر في هذا العالم.

 

 

«إنه خصم عنيد. ولكن…»

 

 

ارتبك، غير مستوعب لسؤالها.

تحدثت الاثنتان وهما تراقبان باتينكايتوس، الذي تراجع إلى مسافة ثلاثين قدمًا في غمضة عين.

 

 

 

«قفزة دوركل الانتقالية.»

«هذا…»

 

«ليس بعد، لا يزال هناك…»

«يا له من اسم مبالغ فيه لمجرد خدعة في التنقل.»

«… لا تصرخ هكذا، يصدع رأسي. ولم أصب بأي شيء.»

 

«للأسف، إجابة هذا السؤال هي الأخبار السيئة.»

«هاهاها! هل أنتِ جادة؟! اكتشافكِ الفكرة الأساسية بعد نظرة واحدة؟! كيف يُعقل ذلك؟!»

حتى وإن كان ذلك مجرد وهم زائف للراحة يتحقق عبر قتل أحدهم.

 

«توقف عن قول مثل هذه الأمور الوقحة. إذًا، ما التالي؟»

لحس باتينكايتوس الدم المتدفق من جرحه، مطلقًا شيئًا بين القشعريرة والتنهيدة الممزوجة بالإعجاب. لم يكن الجرح عميقًا، لكن الأثر النفسي من ذلك التبادل القصير فاق بكثير الضرر الجسدي.

وبينما كانت رام تمسك عنق سوبارو من مسافةٍ قريبة جدًا، بدا أنها عادت بالفعل إلى طبيعتها. أدمعت عينا سوبارو قليلًا، لكنه أومأ برأسه، وأعاد تركيزه على إدراكه الحسي.

 

 

وكان التأثير ذاته منعكسًا على سوبارو، الذي لم يسعه سوى مراقبة الموقف بانبهار—

عندما رأى الشراهة أن رام تنوي الانضمام إلى المعركة، ابتسم بسخرية وهو يبتعد عن إيميليا.

 

 

«هـ-هـذا كان…»

«هل هذا وقت العناد؟! البطاريات الفارغة عليها أن تلتزم الصمت أثناء حملها!— بياتريس!»

 

 

أجابت بياتريس، ممسكةً بيد سوبارو، بنبرة يملؤها اليقين:

 

 

«ليس بقدر ما فعلتَ، وأنت تخترق البرج بهذه الطريقة.» ردَّ عليه سوبارو بحدة.

«رام قادرةٌ على فعل هذا وأكثر متى ما تخلَّت عن سائر الموانع. سُلطة الشراهة الغريبة من النوع الذي يُسحق إذا وُجد فارقٌ شاسعٌ في القوة.»

حين نظر إلى الأسفل، رأى سوبارو ريد ممسكًا بالسيف في قبضة معكوسة، موجِّهًا نصلَه نحوه. المسافة بينهما لم تكن كبيرة، لكن بضع ياردات لم تكن تعني شيئًا بالنسبة إلى ريد.

 

لقد رأى بعينيه كيف أبقت شاولا موجة الوحوش الشيطانية محاصرة حول البرج. لم يكن يعلم ما الذي جعلها تغيِّر موقفها، لكنها لم تؤذِ ميلي.

كانت رؤيتها دقيقة؛ فبالرغم من أن باتينكايتوس قد امتص مهاراتٍ لا تُحصى من شتى المقاتلين ونسجها بحريةٍ في أسلوبه القتالي، إلا أن ريد تمكَّن من القضاء عليه بضربةٍ واحدة.

«همم، لقد نجونا بفضل رياح رام التي حرفت الانفجار، وهذا ما أتاح لي الوقت لإقامة جدار جليدي للحماية.»

 

 

«لم أكن أظن أن لدى رام مثل هذه القوة.»

 

 

 

مع تكليف شاولا وميلي بالتصدي للوحوش الهائجة، وترك جوليوس لإنهاء القتال مع ريد، كان من المُسلَّم به أن المواجهة ضد الشراهة ستُحسم بمَن تبقى. في مخيلته، كان من المفترض أن تكون إميليا هي القوة الضاربة، فيما يقتصر دوره هو وبياتريس ورام على الدعم.

 

 

ماذا تعنين بـ ”كيف“؟ أعلم ذلك… لأنني أعلم.

لقد أخطأ في حساباته… لكنه هذه المرة كان خطأً سارًّا.

////

 

بتوائه، دفع جسده وانطلق، مستغلًا شظية من الأرض كدعامة، واندفع بجنون نحو جسدها النحيل. بالكاد لامست أطراف أصابعه جسدها، فسحبها بين ذراعيه بجهد يائس.

«بو… كو-كو-كو، آ-ها-ها-ها! كما هو متوقعٌ منكِ يا أُختاه! جُرح! بهذا العُمق! رغم أنني كنتُ أُعيد خلقَ كارنيفور هاينيلغا! رائع، رائع، رائع، رائع، رائع، رائع، رائع! التهم كل شيء، أيها الشراهة!»

 

 

لقد ابتلعته الظلال الشريرة مرتين من قبل، وانتُزعت حياته فجأة في كلتا المرتين. لكنه هذه المرة… هذه المرة، أُعطي بعض الوقت.

كاد سوبارو أن يرفع قبضته، واثقًا من أنهم باتوا أقرب إلى النصر، إلا أن هتاف الشراهة أوقفه في منتصف الطريق.

صرخ باتينكايتوس متألمًا، دافعًا رام بعيدًا بركلة يائسة. إلا أن ذلك كان متوقعًا أيضًا.

 

إن كان النصل حادًا بما فيه الكفاية، فإن ضربته تكون كنسمة هواء عابرة.

كان الجانب الأيسر من وجهه ملطخًا بالدماء، ومع ذلك، لم يبدُ عليه أي أثرٍ للألم. على العكس، راح يصفق بيديه بحماس، مُحدقًا في رام وسوبارو بعينين تتقدان بهوسٍ جنوني.

 

 

ومع استعادته لشيء من الهدوء، بدأت تظهر أمامه التهديدات التي كانت كامنة خلف الذعر والندم. وفي الوقت ذاته، أدرك مدى بؤسه في هذه اللحظة.

«الأخت العُظمى وأنتما معًا! لا نكاد نحتمل! الأيقونةُ القديمةُ والحاليةُ جنبًا إلى جنب… أنتما مُخلصانا! كلُّ خليةٍ في جسدنا، كل ذرةٍ من أرواحنا! ترتجف! تهتزُّ نشوةً! بطوننا تضجُّ جوعًا!»

 

 

«… اهتزاز البرج واختفاء جوليوس والبقية يثيران القلق.»

«أيقونة؟ أما رام، فهذا مفهوم، لكن لماذا تُقحمني أنا؟»

«هيا! هيي! أوريــا!»

 

 

«ألا تفهم؟ لأنك مميز، سوبارو!»

 

 

 

شدّ الشراهة جسده النحيل بين ذراعيه، متحدثًا بصوتٍ يحمل عذوبةً مريضة، وأداءٍ ينضح بنبرةٍ مستحيلة.

 

 

ضيَّقت رام عينيها، وانطلق من طرف عصاها نصل من الرياح.

لطالما استهلك الشراهة ذكريات الآخرين وأسماءهم، مخزنًا داخل نفسه مئات الحيوات المختلفة. لكن ذلك لم يقتصر على الأساليب القتالية فقط، بل امتدَّ ليشمل العادات اليومية، والتصرفات، والتعابير، وحتى المشاعر.

إيكيدنا وميلي هنا أيضًا، كما أنه يدرك على نحو عام ما يفعله الآخرون. ولديه فكرة جيدة عن الفوضى التي قد يكونون غارقين فيها.

 

 

تلك اليد السوداء التي هشَّمت سيف الجليد الخاص بإميليا، والقدرة القفزية التي مكَّنته من توسيع المسافة في غمضة عين، والجسد المُحصَّن الذي خفف ضررَ شفرة الريح— جميعها ظهرت خلف ظهره، واحدةً تلو الأخرى.

في اللحظة التالية، توهج التذكار الذي خلفه العقرب وراءه، قبل أن ينفجر.

 

 

ولكن، الشخصية التي كان يُجسدها بجسده الصغير في هذه اللحظة كانت—

 

 

—لكن العدو الذي أراد سوبارو أن يواجهه لم يكن الشراهة.

«أنتَ تُعيد نسخها…!»

«… لا تصرخ هكذا، يصدع رأسي. ولم أصب بأي شيء.»

 

«—اصمت، سأقتلك، أيها الأسقف.»

«أجل، تمامًا أيها الفتى! تتذكَّر، أليس كذلك؟ ذلك الحقد العميق الذي كان يجب أن تُوجهه نحونا! عبقُ ذاك الهوس! الغضب المتقد! الحساء الداكن الكثيف من المشاعر التي كان ينبغي لنا أن نتذوقها! والآن… حان وقت التهامها حتى آخر قطرة!»

 

 

 

فرَد باتينكايتوس ذراعيه على اتساعهما، وعيناه الغائمتان تتركزان على سوبارو. في نشوته المجنونة، بدا وكأنه فتاةٌ مُغرمة… أو بالأحرى، مهووسة بجنون.

 

 

 

لم يكن سوبارو يعرف هذا النوع من العواطف، لكن «ناتسكي سوبارو» بالتأكيد كان يعرفها.

 

 

من طريقة حديثها، بدا أن لعنة العلاقات السيئة لم تقتصر على شهَوات الشراهة وحدهم. من المرجح أن هناك سبعة من الأساقفة. أراد أن يصدق أن هذا الأسوأ بينهم، لكن…

«أنت مُخلصنا… لا، بل ينبغي أن نقولها هكذا! أنت بطلُنا! بطلُنا العزيز، العابس، القاسي، اللطيف، الهش، الذي علينا أن نقف إلى جواره، الذي يؤلمنا مجرد التفكير به… البطلُ الذي يحتملنا رغم كل شيء…!»

قطَّب ريد حاجبيه بانزعاج.

 

 

«……»

«أوه، أوه، وأين المنطق في ذلك؟ لا يوجد سبب يدفعني لفعل ذلك.»

 

«……»

صمت سوبارو تمامًا.

«لقد التهم روي ألفارد ذكريات ريد أستريا، لكن روحه نفسها انتُزعت منه بفعل تلك الذكريات. وهكذا، تمكن من النزول من الطابق الثاني ليقف أمامنا الآن بلا أي قيود.»

 

«أرجوك!»

رأى صورةَ الأسقف الممسوخ تتداخل مع صورةِ شخصٍ آخر. كان ينبغي لهذا أن يكون مستحيلًا… لكنها كانت الفتاة التي دفعته إلى المضي قدمًا حين كان على وشك الانهيار.

ورغم أنها قادرة على توجيه ضربة لا تعرف الرحمة لباتينكايتوس، فإنها بطبعها تفضل الحلول السلمية، مما أضفى على شخصيتها هالة من الغموض.

 

 

في اللحظة التي تداخلت فيها الصورتان، اجتاح الغضب والرعب جسد سوبارو بأسره.

صرخ سوبارو بيأس، محذرًا إميليا التي حاولت إقناع العقرب بالاستسلام.

 

 

لا أستطيع إنكار ذلك. لكن بينما لم يكن واضحًا أيهما كان أكثر صعوبة في الهزيمة، ريد أم ألفارد، كان من الجلي أيهما يمثل إزعاجًا أكبر— والإجابة كانت بلا شك ريد.

 

«اصمتي! لنبحث عن الآخرين… إميليا تشان! بياتريس!»

«كيف كان ذلك؟! لنُعيد تمثيل تلك اللحظة المؤثرة! لنبدأ من هنا، سيدي! من واحد، لا، من صفـ—»

 

 

وكأن الأمر لا علاقة له بما يجري، انطلقت أرجل العقرب تسابق الريح وهو يفر مبتعدًا. كانت هذه المناورة ذاتها التي لجأ إليها في الدورة السابقة أيضًا— وبالتالي، علم سوبارو تمامًا ما سيحدث تاليًا.

في تلك اللحظة، كان موضع مقدس لا ينبغي المساس به على وشك أن يُدنس.

 

 

 

«إيييياااا!»

ورغم أنها قادرة على توجيه ضربة لا تعرف الرحمة لباتينكايتوس، فإنها بطبعها تفضل الحلول السلمية، مما أضفى على شخصيتها هالة من الغموض.

 

«لا، إن لم يكن بإمكانه التجول بحرية، فذلك يخفف عنا عبئًا كبيرًا. سأترك القرار لك، لكن التصدي لريد هو دورك.»

«بغ؟!»

 

 

لكن الهفوة بينهما كانت شاسعة إلى درجة أن سوبارو، إن كان فأرًا، فريد كان تنينًا.

كان باتينكايتوس غارقًا تمامًا في استعادة الذكرى، فانصبَّ تركيزه بالكامل على سوبارو.

 

 

«… نعم، سمعته من الشراهة.»

لم يكن ليغفل عن رام، بالطبع، لكنه ظن أن بوسعه التحاور مع سوبارو ورام. لهذا لم يكن حذِرًا منهما.

 

 

 

«موراك، على ما أفترض. ثم…»

 

 

قطب سوبارو جبينه مستاءً من إقصائه بهذه الطريقة، لكن جوليوس لم يزد عن أن رسم ابتسامة متعجرفة، ثم أدار عباءته بخفة واتجه صوب الطابق الثاني.

«تتسلل إليه وتسدده ضربة قاضية!»

توقَّع باتينكايتوس ذلك، فدار بجسده، لكنه لم يكن سريعًا بما يكفي. شقَّ نصل الريح طريقه، ممزقًا الجانب الأيسر من وجه الشراهة الشرير.

 

 

تبادلت بياتريس وإميليا الإيماء، ونتيجةً لتعاونهما، فقد باتينكايتوس وعيه بضربة على مؤخرة رأسه.

 

 

 

فقد أسقطته إميليا بضربة ثقيلة من مطرقة جليدية تسللت بها من خلفه.

 

 

عندما نظر، رأى العقرب العملاق، ذو الأعين الحمراء المتعددة، يتداخل مع ذلك النور الباهت.

وقف سوبارو مذهولًا، وسأل بصوت مبحوح:

 

 

 

«هـ-هل… انتصرنا؟»

لم يكن معه سوى بياتريس، التي كانت عازمة على ألا تدعه يخوض هذا وحده، ورام، التي سبقتهما بالركض. التفتت رام نحوه.

 

وليس هذا بالأمر الجديد، بل حدث من قبل… ومن قبل ذلك أيضًا. وليس سوبارو وحده، بل ربما كان الأمر ذاته مع «ناتسكي سوبارو» كذلك.

《٣》

 

 

 

«……»

 

 

«حسنًا! سأبذل قصارى جهدي!»

حدَّق باتينكايتوس أمامه بعينين واسعتين فارغتين، بينما مَن أسقطته، إميليا، هتفت بمرح:

 

 

 

«مرحا!»

بذلك الرجاء، ضمَّ سوبارو جسد رام بين ذراعيه بقوة.

 

 

—ثم هرعت إلى بياتريس وصفقت معها كفًّا بكف.

«هاه؟ أليس الموت من المفترض أن يكون أكثر…؟»

 

«سوبارو؟ عن ماذا تتحدث؟ أين تنظر؟»

رأى سوبارو ذلك المشهد، ثم نظر إلى رام متسائلًا:

 

 

《٦》

«أمم، إذًا، خلاصة الأمر…؟»

اخترقت الأشعة جسد الشراهة واحدًا تلو الآخر، مبددة كيانه تمامًا.

 

 

«باستخدام السيدة بياتريس لسحر الظلال موراك لإخفاء وجودها، تسللت السيدة إميليا خلف العدو دون أن يشعر بها. إنها طريقة تلائم السيدة إميليا، ولكن…»

 

 

إيكيدنا وميلي هنا أيضًا، كما أنه يدرك على نحو عام ما يفعله الآخرون. ولديه فكرة جيدة عن الفوضى التي قد يكونون غارقين فيها.

راحت رام تدلك جبهتها، وكأنها تشعر بالإرهاق. لاحظت إميليا ذلك، فاقتربت منها بحذر…

 

 

«انتظر. أتعتزم إبقاءه حيًّا؟ سيظل خطرًا قائمًا.»

«أمم… هل فعلت شيئًا خاطئًا؟»

داسَت رام على مخالبه، ثم دفعته بمرفقها الأيسر، مُطيرةً إياه بعيدًا، بينما استعادت إيميليا توازنها بمد يدها اليمنى سريعًا.

 

 

«… لا، لقد كان عملًا رائعًا. نعم، رائعٌ بحق.»

لا شك أن قوته كانت مطلوبة بشدة، وكان هو نفسه بحاجة ماسة لاستعادة شرفه.

 

 

كتمت رام مشاعرها المتضاربة وأثنت على إميليا، ثم رمقت باتينكايتوس المغمى عليه بنظرة ملؤها الإحباط.

«أنا هنا أيضًا!»

 

—ثم هرعت إلى بياتريس وصفقت معها كفًّا بكف.

أفهم شعورك تمامًا. فحتى باتينكايتوس، الذي عَدَّه سوبارو عدوَّه اللدود، هُزم بسهولة كهذه.

سوبارو ارتطم بالأرض، ليجد نفسه قريبًا من بياتريس. حين استعادت وعيها، شحب وجهها وهي تهمس باسمه. رؤية ملامحها المتوترة اعتصر قلبه. أراد فعل أي شيء لتخفيف الخوف والقلق اللذين انعكسا على وجهها المتجهم.

 

وهجٌ كاسح، وانفجار يصمُّ الآذان، وموجة صدمة زلزلت الأرض والسماء. بأقصى ما يملك من قوة، احتضن الجسد بين ذراعيه، متحملًا الألم الذي اجتاحه من كل جانب.

«كل الفضل يعود إلى التعاون المذهل بين بيتي وإميليا، فاشكريهما.»

وقف سوبارو مذهولًا، وسأل بصوت مبحوح:

 

رغم غموض الإجابة، كانت مطمئنة على نحو مفاجئ. مزجت إميليا فنونها الجليدية مع قذائف بياتريس البنفسجية. وتعالى صوت تجمد الهواء متداخلًا مع صدى تحطم الزمن المتجمد.

«لقد كان الأمر أقرب إلى الاصطدام المباشر، لكن لا بأس! أحسنتما! لنربطه سريعًا وننتقل إلى المشكلة التالية!»

 

 

«ناتسكي سوبارو»، قبل أن يفقد ذاكرته، لا بد أنه استخدم قدرته على العودة بالموت بالطريقة ذاتها. لذا، من الطبيعي أن تكون نقطة الانطلاق بعد فقدانه للذاكرة مباشرةً. ما لم يتم تحديث نقطة الحفظ بطريقة ما، لم يكن من الممكن لسوبارو أن يبدأ مجددًا من الغرفة الخضراء.

ثم ربت سوبارو على رأس بياتريس، لكن رام قطبت حاجبيها وقالت:

إذا لم يكن كلامه كذبًا، ولم يكن مزاحًا، فالوضع في غاية الخطورة.

 

 

«انتظر. أتعتزم إبقاءه حيًّا؟ سيظل خطرًا قائمًا.»

 

 

 

كان قلقها مبررًا، فسوبارو نفسه لم يرغب بترك أي ثغرات.

 

حتى وإن كان ذلك مجرد وهم زائف للراحة يتحقق عبر قتل أحدهم.

 

 

 

«أنا لا أقول بربطه لأنني لا أريد قتله. نحن هنا في هذا البرج لإنقاذ مَن سُلبت حياتهم، أليس كذلك؟»

 

 

 

«هذا صحيح، لكن لهذا السبب تحديدًا…»

«كم هذا رخيص…»

 

 

«لا يوجد دليل على أن ما أكله سيُعاد بمجرد قتله، أليس كذلك؟ بل إننا سنفقد أيضًا فرصة انتزاع تلك المعلومات منه إذا مات. وهذا ما أخشاه.»

حدوده الزمنية كانت ضيقة للغاية.

 

«أرغ.»

«……»

 

 

«هاها! ماذا؟! أتيتِ مجددًا، أيتها الأخت! يا لكِ من رائعة! لماذا تبدين بهذه الروعة؟! كم أنتِ مذهلة!»

لقد سأل لويس آرنب بالفعل عن الأسماء والذكريات التي يلتهمها الشراهة، وكانت إجابتها أنها لا تعرف كيفية استعادتها. لكن تلك كانت إجابة لويس وحدها، وليس ثمة ما يضمن أن إجابة أخويها ستكون مماثلة.

قاتلت ميلي الوحوش الشيطانية التي تتدفق حول البرج، و إيكيدنا تنقل ريم وباتراش إلى تيجيتا، وجوليوس يتحرك بعنف في الطابق الثاني.

 

 

«إن كان لديكِ طريقة لانتزاع الإجابة منه الآن، فحسنًا، لكن من دون ذلك، لا نملك القدرة على التعامل معه حاليًّا. لدينا الكثير من المشاكل الأخرى.»

لم يدرك سوبارو ذلك، لكنه شهد في تلك اللحظة إعادة تمثيل للمواجهة الأسطورية بين الساحرة وقديس السيف التي يُقال إنها وقعت قبل أربعمائة عام.

 

«أمم… هل كانت تلك حقًا شاولا؟» سألت إميليا.

«… اهتزاز البرج واختفاء جوليوس والبقية يثيران القلق.»

 

 

 

قطَّبت رام حاجبيها وهي تفكر في كلام سوبارو.

 

 

 

«رام، أنا أوافق سوبارو. سأكوِّن له قيودًا جليدية حتى لا يتمكن من الحركة، ويمكننا استجوابه لاحقًا.»

«يبدو أنني كنت متفائلًا أكثر من اللازم… كان عليكِ إخباري بذلك مسبقًا.»

 

«ذلك يعني أن هناك خبرًا سيئًا إضافيًا… حسنًا، لنبدأ بالأخبار الجيدة.»

بينما كانت رام تفكر، انضمت إميليا إلى جانب سوبارو. رفعت ذراعيها ولوَّحت بهما، فتعالى صوت تكسر الجليد وهو يتشكل حول يدي باتينكايتوس وقدميه، مقيِّدًا إياه بإحكام.

 

 

شيء ما. لا بد أن هناك شيئًا يمكن استخلاصه من هذا الوضع.

«انظري، هذا يكفي، أليس كذلك، رام؟»

لم يكن سوبارو يعرف هذا النوع من العواطف، لكن «ناتسكي سوبارو» بالتأكيد كان يعرفها.

 

«الشراهة الذي رصدناه سابقًا في موقع مختلف كان قادر على تغيير شكله بحرية… لا، أظن أن الأمر كان محصورًا في هيئة مَن التهمت ذكرياته فحسب.»

«… مفهوم. ولكن عندما يحين وقت الاستجواب، أرجو أن تتركوه لي شخصيًّا.»

 

 

«هل تحمل ضغينة ضدي أم ماذا؟!»

«—؟ حسنًا، موافقة.»

 

 

 

لم يكن تعريف رام و إميليا لكلمة استجواب متطابقًا تمامًا، لكن سوبارو لم يجد سببًا يشرح لهما الفرق، أو يمنع رام من تولي الأمر.

«أمم… هل كانت تلك حقًا شاولا؟» سألت إميليا.

 

«ألا يمكن أن تتكرم بذكر اسمي على الأقل؟ أليس لي وجود هنا؟!»

ليس هناك أي سبب يدفعه إلى التعاطف مع الشراهة.

 

 

 

«إذًا، سوبارو، لقد تخلصنا من الشراهة هنا، فما التالي؟ هل نعزز موقف شاولا وميلي؟ أم…»

 

 

«أعتمد عليك.»

«نعم، بشأن ذلك… امنحيني دقيقة لأفكر.»

لم يكن الأمر يعني أنه يمكنهم الاسترخاء تمامًا، لكن الإفراط في التوتر كان مشكلة كذلك.

 

لم يبقَ أي أثرٍ لجثة باتينكايتوس المتفحمة في الممر بعد الانفجار. ليس هناك حاجة للتأكد، فقد رأوا موت الشراهة بأعينهم.

ركز سوبارو على تحديد خطوتهم القادمة.

 

 

بتوائه، دفع جسده وانطلق، مستغلًا شظية من الأرض كدعامة، واندفع بجنون نحو جسدها النحيل. بالكاد لامست أطراف أصابعه جسدها، فسحبها بين ذراعيه بجهد يائس.

من بين العقبات الخمس، كان لديهم بالفعل أعضاء يواجهون طوفان الوحوش الشيطانية، ويوسعون جبهة القتال ضد ريد.

 

وعلى غير المتوقع، تمكَّن تعاون إميليا وبياتريس من صد غزو الشراهة.

كان باتينكايتوس وحده من أصدر صوتًا مذهولًا بينما اخترق الضوء جسده، وقذفه بعيدًا قبل أن يتمكن من الوصول إلى عنق سوبارو.

 

داسَت رام على مخالبه، ثم دفعته بمرفقها الأيسر، مُطيرةً إياه بعيدًا، بينما استعادت إيميليا توازنها بمد يدها اليمنى سريعًا.

لم يتبقَّ سوى العقبتين المتبقيتين— العقرب العملاق الغامض، وشبح الفناء الذي هدد بسحق البرج بأسره، ناهيك عن الأخ الآخر للشراهة، الذي لم يظهر بعد.

《٦》

 

وفي اللحظة التي كاد فيها أجمل وجه في العالم أن يُمزق—

«قالت لويس الاسمين لاي وروي… إذا كان باتينكايتوس هو لاي، فلابد أن الآخر هو روي. لم يظهر حتى الآن ولا مرة.»

 

 

 

تفجرت المشاكل في أنحاء البرج كافة. كان من الصعب تخيل وجود عقبة أخرى لا يعرفها، ولم يرغب في التفكير في هذا الاحتمال.

 

 

 

على الأقل، لم يبدو أن ظل الشراهة الآخر يحوم حول أيٍّ من رفاقه المنتشرين في البرج.

 

 

 

قاتلت ميلي الوحوش الشيطانية التي تتدفق حول البرج، و إيكيدنا تنقل ريم وباتراش إلى تيجيتا، وجوليوس يتحرك بعنف في الطابق الثاني.

«ريد… ماذا تفعل هنا؟ كنت أظن أنك لا تستطيع مغادرة تلك الغرفة.»

 

 

«… جوليوس يواجه وقتًا عصيبًا. لابد أنه ريد.»

—ثم هرعت إلى بياتريس وصفقت معها كفًّا بكف.

 

 

«سوبارو؟ عن ماذا تتحدث؟ أين تنظر؟»

«رام قادرةٌ على فعل هذا وأكثر متى ما تخلَّت عن سائر الموانع. سُلطة الشراهة الغريبة من النوع الذي يُسحق إذا وُجد فارقٌ شاسعٌ في القوة.»

 

لم يبقَ أي أثرٍ لجثة باتينكايتوس المتفحمة في الممر بعد الانفجار. ليس هناك حاجة للتأكد، فقد رأوا موت الشراهة بأعينهم.

«أين؟ عن ماذا تتحدثين، بياتريس؟ أنا…»

 

 

 

رمق بياتريس التي نظرت إليه بفضول، ثم أدرك فجأة غرابة ما قاله.

 

 

«السيدة إميليا؟»

لم يستطع تحديد ما الذي كان ينظر إليه تحديدًا، أو كيف كان يعرف.

 

 

فبعد بضع تبادلات لا غير، تمكن من التصدي لكل ما جلبته إميليا باستخدام… عيدان الأكل تلك. كانت فجوة القوة بينهما واضحة حتى للمبتدئين.

«ما هذا؟ بإمكاني معرفة أماكن الجميع… وما يفعلونه؟ أستطيع أن أرى…؟»

«هاه؟»

 

ازداد توتر ملامح جوليوس المتألقة إثر سيل المعلومات. وإلى جانبه، تحدث سوبارو بصوت خفيض، حتى لا يلفت انتباه الوحش البشري ذي الشعر الأحمر.

وضع يده على صدره، مؤكِّدًا الشعور— تلك الرؤية الغامضة التي سمحت له بإدراك شيء أشبه بأضواء خافتة متوهجة.

 

 

«……»

كان الشعور نفسه الذي لاحظه في الحلقة السابقة— لم يكن يعرف كيف يصفه، لكنه كان أشبه بحاسة سادسة مكنته من الإحساس بوجود رفاقه في البرج.

فيما كان سوبارو يعض على أسنانه في مواجهة هذا الموقف المتوتر، تقدَّمت إميليا لمواجهة ريد.

 

شعر بوجود رام بين ذراعيه، وإميليا وبياتريس أمامه مباشرةً. وإيكيدنا ورِم في مكان يُفترض أنه مكتبة تيجيتا. كانت باتراش بالقرب منهما، وأبعد قليلًا، في الطابق السفلي، كان جوزيف. وعند تحويل تركيزه إلى شرفة الطابق الرابع، التقط وجود ميلي هناك.

«……»

《٦》

 

«—ريد أستريا.»

كانت قدرته على العثور على رام والبقية في طريقه هنا بدقة متناهية علامة على معرفته اللاواعية.

 

 

 

لقد تقبلها ببساطة وكأنها جزء طبيعي من كيانه، كما لو كان قد وُلد بذراع ثالثة.

 

 

لكن سوبارو لم يعرف أحدًا يولد بذراع ثالثة بصورة طبيعية.

ولكن، الشخصية التي كان يُجسدها بجسده الصغير في هذه اللحظة كانت—

 

لكن، بغض النظر عن ذلك، كان الموت قادمًا لا محالة.

«—!»

 

 

سوبارو ارتطم بالأرض، ليجد نفسه قريبًا من بياتريس. حين استعادت وعيها، شحب وجهها وهي تهمس باسمه. رؤية ملامحها المتوترة اعتصر قلبه. أراد فعل أي شيء لتخفيف الخوف والقلق اللذين انعكسا على وجهها المتجهم.

أخيرًا أدرك سوبارو مدى عدم طبيعية هذا الأمر، فأنَّ بأنين مكبوت.

 

 

«أيقونة؟ أما رام، فهذا مفهوم، لكن لماذا تُقحمني أنا؟»

أثار الإحساس المقزز وغير المفهوم غثيانه جسديًا.

أشار جوليوس بطرف سيفه مباشرة نحو أمام.

 

ببساطة، أبعد ريد تلك الأسهم، ثم وجه انتباهه نحو الدخيل غير المرحب به—

«سوبارو!»

كان الأمر متناقضًا. تصرفاتها ليست منطقية إطلاقًا.

 

«—شاولا؟»

استند إلى كتف بياتريس التي ثبتته عندما تعثر. لاحظت إميليا أن هناك أمرًا غريبًا، فأسرعت نحوه أيضًا، لكنه رفع يده ليوقفها.

«سيدتي إيميليا!»

 

 

«لا-لا بأس. مجرد دوار بسيط…»

 

 

 

«هل أنت متأكد؟ تبدو سيئًا. ربما يكون بسبب قراءتك لكتاب الموتى. ربما يجب أن تختبئ في مكان ما.»

«لم ينتهِ الأمر بعد… بياتريس… سنجد طريقة لاستعادة زمام الأمور…»

 

 

«لا تخرِجيني من المباراة بهذه السهولة، أرجوك. أنا فقط في مرحلة… الترقية.»

 

 

«آه، بخصوص ذلك… شيءٌ تستطيعين فعله لي، هاه؟»

«ترقية…؟»

«رام، أنا أوافق سوبارو. سأكوِّن له قيودًا جليدية حتى لا يتمكن من الحركة، ويمكننا استجوابه لاحقًا.»

 

«يبدو أن القضاء على الشراهة لا يكفي لاستعادة ما فقدناه…»

أمالت إميليا رأسها في حيرة. وبينما كان يفكر أن حركاتها لطيفة، حاول سوبارو يائسًا السيطرة على قواه المكتشفة حديثًا.

شعر بوجود رام بين ذراعيه، وإميليا وبياتريس أمامه مباشرةً. وإيكيدنا ورِم في مكان يُفترض أنه مكتبة تيجيتا. كانت باتراش بالقرب منهما، وأبعد قليلًا، في الطابق السفلي، كان جوزيف. وعند تحويل تركيزه إلى شرفة الطابق الرابع، التقط وجود ميلي هناك.

 

 

لا أعرف كيف حدث هذا، لكنني لن أترك هذه الحاسة السادسة تفلت مني.

في اللحظة التالية، دوى صوت حاد، وانحرف وميض أبيض اقترب من جانب وجهه بفعل العيدان.

 

 

مع تفرق جميع رفاقه في أنحاء البرج وعجزه عن القتال فعليًا، كانت هذه سلطة يريدها سوبارو أكثر من الماء في الصحراء.

 

 

 

«توقف عن التمرد واصبح لي—»

«ناتسكي، هل أنت…؟»

 

 

استجابت الذراع الثالثة غير الطبيعية لنداء روح ناتسكي سوبارو.

 

 

«—!»

— وبذلك استجابت لدعوته.

إيكيدنا وميلي هنا أيضًا، كما أنه يدرك على نحو عام ما يفعله الآخرون. ولديه فكرة جيدة عن الفوضى التي قد يكونون غارقين فيها.

 

 

«……»

ومع استعادته لشيء من الهدوء، بدأت تظهر أمامه التهديدات التي كانت كامنة خلف الذعر والندم. وفي الوقت ذاته، أدرك مدى بؤسه في هذه اللحظة.

 

وهو يترنح باحثًا في العتمة، دفعته كف صغيرة على ذقنه بلطمة خفيفة. وبينما يعض على لسانه خطأً، زاد الألم دموعه.

بينما كان يتمنى ذلك، تجذَّرت الذراع الثالثة داخله.

 

 

هاجمت العقرب العملاقة إلى الخلف، مما أتاح لهم مزيدًا من الوقت للتفكير، لكن ذلك لم يُبدد شكوكه. كانت المشكلة الكبرى الآن…

لقد سمحت لحاسته بأن تمتد عبر نطاق لا يُصدق، فأصبح يشعر برفاقه المنتشرين في البرج كأضواء خافتة.

وبينما كانت رام تمسك عنق سوبارو من مسافةٍ قريبة جدًا، بدا أنها عادت بالفعل إلى طبيعتها. أدمعت عينا سوبارو قليلًا، لكنه أومأ برأسه، وأعاد تركيزه على إدراكه الحسي.

 

 

«بإمكاني أن أعرف تقريبًا أماكن الجميع… وما إذا كانوا بخير أم لا. مع هذه…»

 

 

«سأختصر الأمر. لم أستطع رؤية ذكريات ريد في كتاب الموتى. كان هناك شيءٌ يعيقني. يبدو أن الكتاب مرتبط بشيء يُدعى ”أود لاغنا“، وهناك التقيتُ بشخصٍ مزعج.»

بوسعي أن أكون ذا فائدة في الخروج من هذا الوضع—

.shola-widget, .shola-lb-wrap, .shola-pb-wrap { background: var(--bg-color, #fff); border: 1px solid var(--border-color, #e5e2e2); border-radius: 4px; padding: 15px; color: var(--text-color, #333); font-family: inherit; direction: rtl; box-sizing: border-box; margin-bottom: 20px; } .darkmode .shola-widget, .darkmode .shola-lb-wrap, .darkmode .shola-pb-wrap { background: #1a1a1a; border-color: #333; color: #ddd; } .shola-progress-wrap { margin-bottom: 20px; } .shola-progress-header, .shola-pb-header { display: flex; justify-content: space-between; align-items: center; font-size: .95em; margin-bottom: 6px; font-weight: bold; } .shola-days-left, .shola-pb-days { color: #f5a623; font-size: .85em; font-weight: normal; } .shola-numbers, .shola-pb-numbers { display: flex; justify-content: space-between; font-size: .85em; color: inherit; margin-bottom: 8px; opacity: 0.8; } .shola-bar-bg, .shola-pb-bg { background: rgba(150,150,150,0.2); border-radius: 20px; height: 25px; overflow: hidden; } .shola-bar-fill, .shola-pb-fill { background: #366ad3; background: linear-gradient(90deg, #366ad3, #5785e6); height: 100%; border-radius: 20px; display: flex; align-items: center; justify-content: flex-end; padding-left: 10px; min-width: 4px; transition: width 1s ease; font-size: .8em; font-weight: bold; color:#fff; } .shola-completed, .shola-pb-done { text-align: center; color: #2ecc71; font-weight: bold; margin-top: 10px; font-size: 1.05em; } .shola-pre-goal, .shola-pb-pre { text-align: center; color: inherit; font-weight: bold; margin-top: 10px; font-size: 1.05em; opacity: 0.9; } .shola-tabs { display: flex; gap: 8px; margin-bottom: 14px; border-bottom: 1px solid rgba(150,150,150,0.2); padding-bottom: 10px; flex-wrap: wrap; } .shola-tab { background: rgba(150,150,150,0.1); border: 1px solid rgba(150,150,150,0.2); color: inherit; padding: 5px 12px; border-radius: 3px; cursor: pointer; font-family: inherit; font-size: .85em; transition: all .3s; } .shola-tab.active { background: #366ad3; border-color: #366ad3; color: #fff; } .shola-tab:hover:not(.active) { background: rgba(150,150,150,0.2); } .shola-row, .shola-lb-row { display: flex; align-items: center; gap: 10px; padding: 8px 10px; border-radius: 4px; margin-bottom: 6px; background: rgba(150,150,150,0.05); transition: background .2s; border:1px solid rgba(150,150,150,0.1); } .shola-top3, .shola-lb-top3 { background: rgba(54,106,211,0.08); border-color:rgba(54,106,211,0.2); } .shola-row:hover, .shola-lb-row:hover { background: rgba(150,150,150,0.1); } .shola-rank, .shola-lb-rank { min-width: 30px; text-align: center; font-size: 1.1em; } .shola-num, .shola-lb-num { display: inline-block; width: 22px; height: 22px; line-height: 22px; text-align: center; background: rgba(150,150,150,0.2); border-radius: 50%; font-size: .8em; color: inherit; opacity:0.8; } .shola-avatar { width: 32px; height: 32px; border-radius: 50%; object-fit: cover; border: 1px solid rgba(150,150,150,0.3); flex-shrink: 0; } .shola-uname, .shola-lb-uname { flex: 1; font-size: .95em; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; white-space: nowrap; font-weight:600;} .shola-score, .shola-lb-score { color: #f5a623; font-weight: bold; font-size: .9em; white-space: nowrap; } .shola-empty, .shola-lb-empty { text-align: center; color: inherit; opacity:0.7; padding: 20px 0; font-size: .9em; } .shola-btn-support { display: block; width: 100%; background: #366ad3; background: linear-gradient(90deg, #366ad3, #5785e6); color: #fff; text-align: center; padding: 10px; border-radius: 4px; font-weight: bold; cursor: pointer; border: none; margin-top: 15px; font-family: inherit; font-size: 1.05em; transition: opacity 0.3s; } .shola-btn-support:hover { opacity: 0.9; color: #fff; } .shola-modal-overlay { position: fixed; top: 0; left: 0; width: 100%; height: 100%; background: rgba(0,0,0,0.6); z-index: 999999; display: none; align-items: center; justify-content: center; backdrop-filter: blur(3px); } .shola-modal-box { background: var(--bg-color, #fff); color: var(--text-color, #333); padding: 25px; border-radius: 8px; width: 90%; max-width: 400px; position: relative; box-shadow: 0 10px 30px rgba(0,0,0,0.5); } .darkmode .shola-modal-box { background: #1a1a1a; color: #ddd; border: 1px solid #333; } .shola-modal-close { position: absolute; top: 10px; left: 15px; font-size: 24px; cursor: pointer; color: inherit; opacity: 0.7; font-weight: bold; line-height: 1; } .shola-modal-close:hover { opacity: 1; } function sholaTab(btn, id) { var widget = btn.closest(".shola-widget"); widget.querySelectorAll(".shola-tab").forEach(function(b){ b.classList.remove("active"); }); widget.querySelectorAll(".shola-board").forEach(function(b){ b.style.display = "none"; }); btn.classList.add("active"); document.getElementById("shola-" + id).style.display = "block"; } function sholaOpenModal(modalId) { document.getElementById(modalId).style.display = "flex"; } function sholaCloseModal(modalId) { document.getElementById(modalId).style.display = "none"; } 🔥 تحدي أغسطس 2026 ⏳ 27 يوم متبقي 39,400 شعلة الهدف: 66,666 59.1% 🔥 ادعم الموقع لضمان استمراريته وبدون ظهور إعلانات مزعجة للجميع! إدعمنا × شراء عملة الشعلة 🏆 أكبر الداعمين هذا الشهر 💎 أكبر الداعمين كل الأوقات 🥇M. K🔥 10,000🥈ali alghamdi🔥 100🥉Moustapha Ali🔥 1004Meshari Aljubarah🔥 1005Vortex Red🔥 1006Getting Deep🔥 1007ibrahim mufarej🔥 1008yakuob Tajdin🔥 1009Khalid Khalid🔥 10010Ozy🔥 100 🥇M. K💎 22,000🥈Fares saeed💎 1,100🥉ibrahim shazly💎 5004Hamood Mahemed💎 5005Abdullah K💎 5006Nasser Darraj💎 1007a a💎 1008fadl qahtan💎 1009Hussain Almajed💎 10010Hake💎 100

 

«… جوليوس يواجه وقتًا عصيبًا. لابد أنه ريد.»

لكن في اللحظة التي خطرت له تلك الفكرة…

تقطر صوتها بعدائية خالصة وهي تتقدم نحو باتينكايتوس.

 

واجهت ميلي الطوفان ببسالة، مستخدمةً قدرتها على السيطرة على الوحوش الشيطانية لكبح هجومهم. أما في الداخل، فكان جوليوس قد انطلق إلى الطابق الثاني لمواجهة ريد. وكان على سوبارو أن يسرع لإنقاذ إميليا، التي تواجه باتينكايتوس، لكن…

«… آآآه، كم أنت بخيل، أيها السيد.»

 

 

«إذًا، نحن متفقون. إيكيدنا، السيدة بياتريس، أترك الباقي لكما.»

… ترددت تلك النغمة الزاحفة عبر الأرضية، فلفتت انتباههم. كان الصوت الحاقد -لا، الغيور- يخص باتينكايتوس، الذي لا تزال أطرافه مقيدة بالجليد.

«أوي، أوي، لا تُضحكني، أيتها الفتاة. أنا أذهب حيثما أشاء، وأقطع ما أشاء، وآخذ ما أشاء. تظنين أنني أكترث لمعايير وضعها غيري؟»

 

وإدراكًا لهذا في عيني سوبارو السوداوين الجادتين، أطلق جوليوس تنهيدة عميقة.

يبدو أنه استعاد وعيه. وقبل أن يتمكن أيٌّ منهم من الرد، أغمض باتينكايتوس إحدى عينيه، ثم اختفى جسده.

تكرار لا نهائي للحظات أخيرة، كان من المفترض أن تكون كلٌّ منها النهاية.

 

«… آآآه، كم أنت بخيل، أيها السيد.»

«ماذ—؟»

انطلقت إيميليا نحو باتينكايتوس من الخلف، ممسكة بسيف عظيم من الجليد. وبما أن رام أُبعدت، لم تكن إيميليا مضطرة لكبح قوتها.

 

أثار الإحساس المقزز وغير المفهوم غثيانه جسديًا.

«ناتسكي سوبارو.»

 

 

دفء جسد رام، المغمى عليها.

في حين أنهم كانوا مذهولين من لعبته السحرية، قفز باتينكايتوس عبر السماء بفمه مفتوح على مصراعيه. نطق باسم سوبارو قبل أن يرقص لسانه الأحمر.

يبدو أنه استعاد وعيه. وقبل أن يتمكن أيٌّ منهم من الرد، أغمض باتينكايتوس إحدى عينيه، ثم اختفى جسده.

 

«أوه… أُغه…»

لم يستطع سوبارو التحرك في الوقت المناسب. تراجعت غرائزه أمام مفترس يخبره بأنه على وشك أن يُلتهم.

 

 

علم من الدورة السابقة أن الشراهة قوي على نحو لا يُصدق، فقد كان قادرًا على مجابهة إيميليا وجوليوس نِدًّا بنِد. وإن فقدت رام السيطرة هنا، فقد يخسرون الأفضلية التي حصلوا عليها بحماية اسم إيميليا.

أطبق فم باتينكايتوس على عنق سوبارو.

 

 

«باروسو! استيقظت أخيرًا!»

«شكرًا على الوجبـ—»

كان ذلك السؤال الذي يدور في أذهان الجميع، أو ربما ليس في أذهان الجميع. فقد كان لدى سوبارو تفكير مختلف، وحتى لو أراد إنكار الأمر، لم يكن هناك مجال للشك لديه.

 

 

—مرَّ وميض من الضوء فوق كتف سوبارو ومزَّق فم الشراهة المفتوح على مصراعيه.

متجاهلًا تذمر رام غير اللطيف، تطلع سوبارو حوله باحثًا عن البقية.

 

 

«……»

 

 

 

حدث الأمر في لحظة. لم يتمكن سوبارو ولا أي شخص آخر من التحرك.

«—أعلى!»

 

 

كان باتينكايتوس وحده من أصدر صوتًا مذهولًا بينما اخترق الضوء جسده، وقذفه بعيدًا قبل أن يتمكن من الوصول إلى عنق سوبارو.

فرَد باتينكايتوس ذراعيه على اتساعهما، وعيناه الغائمتان تتركزان على سوبارو. في نشوته المجنونة، بدا وكأنه فتاةٌ مُغرمة… أو بالأحرى، مهووسة بجنون.

 

«توسلكِ بلا جاذبية. على الأقل تجرَّدي أولًا.»

لم يكن الجانب الأيسر المغطى بالدماء، الذي مزقته رام، بل كان الجانب الأيمن من وجهه هو الذي تعرض لإصابة بالغة. بل إن وصفها بالبالغة كان تهوينًا من فداحتها— إذ لم يبقَ منه سوى القليل. فقد اختفى تمامًا الجزء الممتد من وجنته اليمنى إلى عينه اليمنى، تاركًا جرحًا لم ينزف؛ لأن اللحم كان قد احترق.

«أعتمد عليك.»

 

 

كان هذا من فعل ذلك النور الأبيض نفسه، الذي ما زال ينطلق نحو باتينكايتوس وهو يطير في الهواء.

تبادلت بياتريس وإميليا الإيماء، ونتيجةً لتعاونهما، فقد باتينكايتوس وعيه بضربة على مؤخرة رأسه.

 

«لم ينتهِ الأمر بعد… بياتريس… سنجد طريقة لاستعادة زمام الأمور…»

اخترقت الأشعة جسد الشراهة واحدًا تلو الآخر، مبددة كيانه تمامًا.

 

 

 

موثق اليدين والقدمين، مندفعًا في الهواء دون أي وسيلة للمراوغة، لم يكن لدى باتينكايتوس أي فرصة للهرب. كان أمله الأخير معقودًا على قدرته على الانتقال الفوري، لكنها لم تتفعل، ربما لأن مصدر هذه القدرة قد دُمِّر بالفعل. في اللحظة التالية، ابتلعت أشعة الضوء الأبيض الساطع ذراعيه، وساقيه، وجذعه، وحتى رأسه.

تهاوت بنية برج الساعة بالكامل، وفقد القدرة على التمييز بين السقف والجدران. لم يكن هناك سوى سماء سوداء لا نهائية، وأرضية سوداء لا نهائية، وعالم أسود بلا حد.

 

… سهل الكسر.

«هاه؟ أليس الموت من المفترض أن يكون أكثر…؟»

«أمم، إذًا، خلاصة الأمر…؟»

 

 

في لحظاته الأخيرة، شرع في قول شيء ما، لكنه لم يتمكن من إكماله. بدا وكأنه على وشك التعليق على موته الوشيك، لكن أحدًا لن يسمع بقية كلماته أبدًا.

 

 

قاتلت ميلي الوحوش الشيطانية التي تتدفق حول البرج، و إيكيدنا تنقل ريم وباتراش إلى تيجيتا، وجوليوس يتحرك بعنف في الطابق الثاني.

لقد تلاشى معظم جسده، وتبعثرت بقاياه الدامية على طول الممر.

 

 

«سوبارو، إصرارك على القتال حتى النهاية هو أحد نقاط قوتك، كما يبدو.»

وبينما يراقب سوبارو المشهد، زفر ببطء وكأنه تذكر كيف يتنفس مجددًا، قبل أن يقفز قلبه في صدره. بدأ ينبض بجنون، كما لو كان يحاول إخباره بمدى اقترابه من الموت، ومدى ضآلة الفاصل الذي حال بينه وبين فقدان شيء بالغ الأهمية.

 

 

«أنا وبياتريس سنذهب مع رام!»

«كا-كاد أن يكون الأمر كارثيًا… كنت سأُلتهم… شكرًا لك.»

عندها تذكر التوبيخ الذي دفعه للمضي قدمًا عندما كان عالقًا في الجمود منذ قليل…

 

«ألا يمكن أن تتكرم بذكر اسمي على الأقل؟ أليس لي وجود هنا؟!»

حتى مع ارتخاء ركبتيه، ارتسمت على وجهه ملامح ارتياح لا إرادي.

«قلتُ لك، مزعج آخر قد وصل.»

 

كاد سوبارو أن يرفع قبضته، واثقًا من أنهم باتوا أقرب إلى النصر، إلا أن هتاف الشراهة أوقفه في منتصف الطريق.

لقد كان هذا نتيجة استخفافه بهوس الشراهة الغريب. لكن لحسن الحظ، كان مَن دفع الثمن هو باتينكايتوس.

 

 

«لستِ في موقع يسمح لكِ بقول ذلك، بالمناسبــــة— آووه!»

«كنت أفضِّل الإبقاء عليه على قيد الحياة، لكنني لن أطلب أكثر من اللازم.» قال سوبارو وهو يمسح عرقه عن جبينه، «لقد أنقذتني، يا شاولا…»

نضح صوت بياتريس بجدية غير معهودة. استغرب سوبارو رد فعلها ذاك، فالتفت إليها.

 

 

«… شاولا؟»

《١》

 

 

نضح صوت بياتريس بجدية غير معهودة. استغرب سوبارو رد فعلها ذاك، فالتفت إليها.

نظر ريد باتجاه مصدر الهجوم الذي تصدى له، وسخر.

 

«هـ-هـذا كان…»

«بياتريس؟ ما الأمر؟ لماذا هذا الوجه؟ أعلم أنها كانت لحظة عصيبة، لكن…»

 

 

«……»

«لا، ليس هذا، سوبارو. كيف يمكنك أن تقول إن هذه شاولا؟»

 

 

 

«كيف…؟»

 

 

وما إن فعل ذلك، حتى رأى خلف جفنيه المغلقين أنوارًا شاحبةً تتلألأ في أماكن متفرقة— بين ذراعيه، إلى جانبه، وهنا وهناك على امتداد الممر.

ارتبك، غير مستوعب لسؤالها.

«السيدة إميليا…! نغ، باروسو!»

 

 

ماذا تعنين بـ ”كيف“؟ أعلم ذلك… لأنني أعلم.

في تلك اللحظة، كان موضع مقدس لا ينبغي المساس به على وشك أن يُدنس.

 

 

الذراع الثالثة التي التصقت به، والحاسة السادسة التي مكَّنته من معرفة مواقع رفاقه الحالية، كانت تخبره أنها واقفة عند الطرف الآخر من الرواق.

قطَّبت رام حاجبيها وهي تفكر في كلام سوبارو.

 

«آه، بخصوص ذلك… شيءٌ تستطيعين فعله لي، هاه؟»

أما سبب وجودها هناك، فلم يكن يعلم. كان من المفترض أن تكون على الشرفة مع ميلي، تتصدى لجحافل الوحوش.

 

 

ازداد توتر ملامح جوليوس المتألقة إثر سيل المعلومات. وإلى جانبه، تحدث سوبارو بصوت خفيض، حتى لا يلفت انتباه الوحش البشري ذي الشعر الأحمر.

لماذا كانت في الموقع المثالي لحمايتي من الشراهة؟

 

 

كان الشعور مقززًا، لكن الألم الذي انتشر في جسده بالكامل مع تعليق ريد المتعجرف قال كل شيء. حتى مع محاولته اليائسة، لم يكن أكثر من فأر مذعور يحاول مهاجمة قط.

«سوبارو، تراجع.»

«… نعم، ذكرت أن أحدهم سرق ذاكرتك ليلة البارحة. وبناءً على ذلك، أعتقد أنك تنوي منحي فرصة للانتقام.»

 

حتى إميليا، التي كافحت ضد العقرب، متضرعة أن تتمكن من حماية رفاقها.

«إميليا تشان؟ ماذا تفعلين…؟ ولماذا تبدين هكذا…؟»

 

 

 

مدَّت إميليا يدها، واتخذت موقعًا أمامه. وقفت رام بصمت بجانبها، عصاها في يدها، وعيناها مثبتتان على شيء في نهاية الممر، حيث انطلق النور الأبيض.

«ناتسكي، هل أنت…؟»

 

«ورغم ذلك، بالكاد كان كافيًا. لقد نجونا بأعجوبة.»

كان حذرهما غريبًا. لم يكن منطقيًا. شعر بشيء هناك، في نهاية الممر… ضوء خافت.

 

 

«كيف…؟»

حاسته السادسة أخبرته أن هناك حليفًا في ذلك الاتجاه. ذلك الضوء… نبع منه.

 

 

ارتجف سوبارو، إذ لم يكن كلام رام يبدو كمزحة على الإطلاق. لكن بما أنه ليس قادرًا على شرح أي شيء الآن، فقد يكون رد فعلها هذا دليلًا على تسامحها.

«—شاولا؟»

«أسقف الشراهة هنا! السيدة إميليا تخوض قتالًا، لكنها في وضع حرج. إن لم أعد إليها فورًا، فسيكون الأوان قد فات!»

 

رمقته بياتريس بنظرة متفحصة وهو يشد قبضته على يدها، لكن سوبارو لم يمنحها فرصة الاستفسار، بل انطلق مهرولًا معها للقاء الآخرين.

«……»

—وفي لمح البصر، انطلقت إميليا كالسهم عبر الممر، ملوِّحة بسيفها الجليدي نحو عنق ريد.

 

لم يكن لانقلاب العالم رأسًا على عقب تأثير يُذكر على الوضع. فقد استمر الجميع في فعل ما اعتقدوا أنه الأفضل.

عندما نظر، رأى العقرب العملاق، ذو الأعين الحمراء المتعددة، يتداخل مع ذلك النور الباهت.

أخيرًا أدرك سوبارو مدى عدم طبيعية هذا الأمر، فأنَّ بأنين مكبوت.

 

«ألا يمكن أن تتكرم بذكر اسمي على الأقل؟ أليس لي وجود هنا؟!»

٤

«هذه طريقة وقحة لوصف سحرنا. وهو ليس بركةً»، أجابت بياتريس بحدة. «بل هو… سلطةٌ، على ما أفترض.»

 

 

حين سمع اسم شاولا، خطرت له فكرة ما. لم يكن اسمًا يملك رابط عاطفي خاص به، لكنه كان كلمة سمعها من قبل.

 

 

شاولا هو اسم لنجم يتلألأ في سماء الليل التي يعرفها، نجم ينتمي إلى كوكبة العقرب. والعقرب… كائن أسود ضخم.

 

 

«… أنتما الاثنتان… لم تصابا بشيء؟»

كانت إجابة بسيطة للغاية. بسيطة إلى درجة جعلته يتساءل عن عقلية مَن اختار هذا الاسم. وبالطبع، المشتبه به الأول كان ناتسكي سوبارو الشخص ذاته الذي دأبت شاولا على مناداته بسيدها.

«إن كنتِ لا تريدين المعاناة أكثر، فاستسلمي وحسب—»

 

«—هذا ليس أسلوب قتالِك.»

«إذًا، هذه هي… شاولا؟»

«تراجع، باروسو!»

 

 

لكن هذا الإدراك لم يكن كافيًا لتشتيته عن الواقع أمامه. فالمخالب الضخمة، المصممة للفتك، احتكت ببعضها البعض بشكل ينذر بالخطر. وتلك العيون الحمراء كانت تراقب أدنى تحركاتهم. الجسد الأسود الهائل… لم يكن سوى العقرب العملاق، أحد العوائق الخمسة التي واجهتهم أثناء اقتحام البرج.

 

 

«—موراك!»

على الأقل، كان عدوًا في البداية، فقد وقف في طريقهم وعذَّبهم خلال الحلقات السابقة. بل إنه حتى قتل بعضهم.

 

 

«لا… ليس هذا! إنه قادم!»

ولن ينسى أبدًا ذلك الشعور بالعجز عندما قُتلت بياتريس وإيكيدنا. أن تكون اليد التي اقترفت تلك الجريمة… هي شاولا نفسها؟!

 

 

تحدثت الاثنتان وهما تراقبان باتينكايتوس، الذي تراجع إلى مسافة ثلاثين قدمًا في غمضة عين.

«سوبارو، تمالك نفسك. خذ نفسًا عميقًا.»

 

 

لم يكن تعريف رام و إميليا لكلمة استجواب متطابقًا تمامًا، لكن سوبارو لم يجد سببًا يشرح لهما الفرق، أو يمنع رام من تولي الأمر.

«……»

 

 

«يبدو الأمر كذلك… ما الذي تفكر فيه شاولا بحق؟»

شعر بيد ناعمة تمسك بيده بلطف، كأنها تعلن عن هدنة في معركته الداخلية التي أوشكت أن تنفجر. بياتريس كانت تمسح على ظهره، تحاول تهدئته.

ضحكت إميليا وكأنها تمازحها، لكن أعين بياتريس كانت جادة تمامًا.

 

 

إحساسه بلمستها أعاده إلى وعيه. نفس عميق… زفير.

لكن كان هناك أمرٌ واحدٌ كان واثقًا منه…

 

 

«أنا بخير… أعتقد ذلك. لكنني لا زلت مشوشًا.»

حدَّق باتينكايتوس أمامه بعينين واسعتين فارغتين، بينما مَن أسقطته، إميليا، هتفت بمرح:

 

لذا، اكتفى بإخبارها بما هو أهم من كل شيء.

«هذا طبيعي. لكن، هل أنت متأكد من أنها شاولا؟»

 

 

«هممغ، أنت، أنت، أنت! سيدي، أنت—»

«نعم، لا شك في ذلك. بإمكاني أن أشعر بها… إلا إذا كانت قد ابتُلعت بالكامل بطريقة ما.»

«تريدين مني أن أعيد له جسده؟ أجل، فهمت موقفكم يا جميلة. هناك شيء تسعون لاستعادته، أليس كذلك؟ تِه! ذلك القذر الصغير يعرف الكثير من الأمور الغريبة.»

 

«ميلي لا تزال تقاتل على الشرفة…»

«مجرد احتمال أن تظل هادئة تمامًا حتى في حال حدوث ذلك هو ما يجعلها مرعبة حقًا.»

 

 

كانت قوة إميليا مذهلة، ما جعلها خصمًا مكافئًا تمامًا للشراهة والعقرب. وبوجودها على هذه المسافة، ليس من المبالغة القول إنها قادرة على هزيمة مئة نسخة من سوبارو بسهولة.

ارتخت ملامح بياتريس قليلًا وهي تجاري مزحته البائسة. لم تكن مزحة قادرة على التخفيف عن قلبه، لكنها كانت خطوة ضرورية في مواجهة هذه الحقيقة الثقيلة أمامه.

لماذا كانت في الموقع المثالي لحمايتي من الشراهة؟

 

 

من دون ذلك، لن يستطيع تحمُّل الأمر. ففكرة أن شاولا، تلك الفتاة المخلصة والمشاكسة، التي لم تظهر له يومًا أي تحفظ أو قلق… قد تكون قد خدعتهم طوال الوقت؟

لذلك، حتى يتأكد مما ينبغي عليه فعله أكثر، وحتى لا يتزعزع، أجرى طقسه الضروري.

 

 

أن يكون كل ما قالته، وكل ابتسامة رسمتها، مجرد كذبة؟ أن تكون خائنة داهية ضحكت عليهم جميعًا؟!

 

 

 

كانت فكرة… لا تُطاق.

«—فن الجليد القاطع!»

 

«ماذا؟»

«لنسألها.»

«في هذه الحالة، دع الجميع يجتازون الاختبار أيضًا!»

 

 

«السيدة إميليا؟»

بدا للوهلة الأولى أن إميليا تسيطر عليه بهجماتها المتتالية، لكن الحقيقة كانت بعيدة كل البعد عن ذلك.

 

كان ذلك رد فعل طبيعيًا. وإن كان هناك شخص غريب الأطوار، فسيكون بياتريس، لمجاراتها لهذا الأمر بهذه السلاسة.

لم تَطِق إميليا الوقوف مكتوفة الأيدي وهي ترى سوبارو ممزقًا بين الشك والثقة، فتقدمت إلى الأمام. تجاهلت تحذير رام، وأخذت نفسًا عميقًا ثم نادت:

 

 

«ألا يمكن أن تتكرم بذكر اسمي على الأقل؟ أليس لي وجود هنا؟!»

«أنتِ هناك! هل أنتِ شاولا أم لا؟»

«بغ؟!»

 

 

«……»

 

 

لكن في الوقت ذاته، راوده تساؤل آخر:

«… آه، صحيح. ربما لا تستطيعين الكلام. إذًا، ارفعي يدكِ اليمنى إن كنتِ شاولا، وارفعي اليسرى إن لم تكوني كذلك! بهذه الطريقة سنعرف.»

 

 

«قفزة دوركل الانتقالية.»

انطلاقًا من إحساسها بالمسؤولية تجاه العقرب الصامت، قررت إميليا المبادرة بالكلام.

«الشراهة الذي رصدناه سابقًا في موقع مختلف كان قادر على تغيير شكله بحرية… لا، أظن أن الأمر كان محصورًا في هيئة مَن التهمت ذكرياته فحسب.»

 

 

ورغم أنها قادرة على توجيه ضربة لا تعرف الرحمة لباتينكايتوس، فإنها بطبعها تفضل الحلول السلمية، مما أضفى على شخصيتها هالة من الغموض.

 

 

 

أما رد العقرب على طلبها فقد كان—

لم يكن تعريف رام و إميليا لكلمة استجواب متطابقًا تمامًا، لكن سوبارو لم يجد سببًا يشرح لهما الفرق، أو يمنع رام من تولي الأمر.

 

 

«—السيدة بياتريس!»

«هذا طبيعي. لكن، هل أنت متأكد من أنها شاولا؟»

 

 

«أعلم!»

«أنا لا أطيق مثل هذه السخافات، أيها الوغد. لا تظن أنني مجرد شخص آخر متخفيًا بهذه الهيئة.»

 

 

استشعرت رام الخطر على الفور والتفتت خلفها، لكن بياتريس كانت قد تحركت بالفعل. ارتفع وهج من الضوء البنفسجي المتلألئ، حيث ظهرت بلورة سحرية في الهواء، لكن سرعان ما حطمتها أشعة بيضاء حادة، مما فجَّر رقصة ضوئية هائجة في الممر.

لم تتردد إميليا لحظة بعد أن قررت التحرك، غير أن ريد تصدى لهجومها المفاجئ بضحكة، مستخدمًا… عيدان الأكل التي سحبها من ثيابه.

 

 

«وووووه!»

مدَّت إميليا يدها، واتخذت موقعًا أمامه. وقفت رام بصمت بجانبها، عصاها في يدها، وعيناها مثبتتان على شيء في نهاية الممر، حيث انطلق النور الأبيض.

 

«—هل ستهدأ قليلًا، يا ترى؟!»

«احتمِ جيدًا! إن أصابتك ستكون العواقب وخيمة!»

 

 

 

تطايرت أضواء بيضاء وبنفسجية، فيما تردد صوت تحطم البلورات في الأرجاء.

 

 

 

ومن خلف ذلك المشهد المهيب الذي يخطف الأبصار، لمح سوبارو الشعاع الأبيض الذي أسقط الشراهة أرضًا، منبعثًا من ذيل العقرب الحاد.

 

 

شاولا هو اسم لنجم يتلألأ في سماء الليل التي يعرفها، نجم ينتمي إلى كوكبة العقرب. والعقرب… كائن أسود ضخم.

وفي مواجهة وابل الهجمات، كانت بياتريس في قلب العاصفة، تدافع عن سوبارو باستخدام سحرها، متصديَّة للضربات، وحارفةً مسارها، وصادةً العشرات منها ببراعة. لكن الغريب أن أغلب الهجمات استهدفت سوبارو تحديدًا.

 

 

«لم أكن أظن أن لدى رام مثل هذه القوة.»

«هل تحمل ضغينة ضدي أم ماذا؟!»

 

 

 

«ربما لأنك كنت دائمًا فظًا معها! جرب أن تعتذر!»

بناءً على ما سمعه، كان سوبارو قد استنتج أن إيكيدنا تقطن هذا الجسد مؤقتًا، وأن هدفها هو إعادته إلى صاحبه الأصلي.

 

انطلاقًا من إحساسها بالمسؤولية تجاه العقرب الصامت، قررت إميليا المبادرة بالكلام.

«أنا آسف! خطئي! لم أكن أقصد! أرجوكِ سامحيني! هل هذا أفضل الآن؟!»

«……»

 

«هاهاها! هل أنتِ جادة؟! اكتشافكِ الفكرة الأساسية بعد نظرة واحدة؟! كيف يُعقل ذلك؟!»

بينما كان سوبارو وبياتريس متشبثين ببعضهما وسط موجات الصدمة المتلاحقة، صرخ معتذرًا وفقًا لنصيحة بياتريس القيمة، لكن ومضات الضوء الأبيض لم تتوقف.

 

 

«تتسلل إليه وتسدده ضربة قاضية!»

وما دام تركيز الهجوم لا يزال منصبًا عليه…

«خصمٌ مزعج… ومثير للغيظ.»

 

 

«استهداف سوبارو وحده تصرف غير منصف. لا تضطهد الضعفاء!»

 

 

«لنسألها.»

هتفت إميليا وهي تنطلق عبر الممر، موجهةً للعقرب ضربة بسيف طويل من الجليد. لكن العقرب صد الهجوم بمِخلَبِه الضخم، ثم تقهقر بسرعة وهو يجر أقدامه، غير أن إميليا لم تمنحه فرصة للفرار، فهاجمته بموجة رائعة من الجليد، مصممةً على عدم السماح له بالهرب.

 

 

 

«هيا! هيي! أوريــا!»

 

 

أراد التحدث مع شاولًا، لكن ذلك لم يكن أولويتهم القصوى حاليًا.

توالت أسلحة الجليد التي استدعتها إميليا -سيف طويل، ونصلان مزدوجان، ورمح، ومطرقة حرب- لكنها تحطمت واحدة تلو الأخرى بصوت حاد متصدع. راحت خصلاتها الفضية تتطاير وسط شظايا الجليد المتناثرة.

 

 

 

أما العقرب، فكانت استراتيجيته بسيطة: أطلق مِخلَبَيه وذيله بعنف، محطمًا أسلحة إميليا، محاولًا تمزيقها إربًا.

أدى التدمير المفاجئ إلى اختلال توازن إيميليا، فاستغل الشراهة ذلك ليضرب قدمها المحورية بمخلبه الخلفي، جاعلًا إياها تدور في الهواء قبل أن تمتد أظافره باتجاه وجهها.

 

 

كان صراعًا بين الإنسان والوحش، بين الجنية والبهيم، مبارزةٌ اشتدت وطأتها وتعادلت كفتاها.

 

 

 

«إن كانت المعركة متكافئة، فهذا يعني أن التوازن…»

 

 

«آه، بخصوص ذلك… شيءٌ تستطيعين فعله لي، هاه؟»

… سهل الكسر.

 

 

 

لكن قبل أن يُكمل سوبارو جملته، لاحظ أمرًا غير مألوف. لقد كانت القوة التي اعتاد أن يراها تلتحق بالمعركة في مثل هذه اللحظات غائبة تمامًا. والسبب كان واضحًا.

 

 

 

رام كانت تستند إلى الجدار طلبًا للدعم، تتصبب جبينها عرقًا، يعلو صدرها ويهبط بأنفاس متقطعة، فيما ارتجفت يدها التي تمسك عصاها السحرية.

 

 

«سوبارو، لا بد أنك تخطط لشيء ما إن كنت قد أرسلت الآنسة ميلي بمفردها.»

«رام؟! ما الأمر؟ هل أصابك شيء؟ هل تأذيتِ؟!»

 

 

 

«… لا تصرخ هكذا، يصدع رأسي. ولم أصب بأي شيء.»

«إذًا، التفسير الأكثر منطقية هو أن ذلك الألفارد قام بالتحول إلى هيئة ريد و—»

 

 

«إذًا لماذا تبدين بهذه المعاناة…؟»

«—شاولا.»

 

لم يكن الجانب الأيسر المغطى بالدماء، الذي مزقته رام، بل كان الجانب الأيمن من وجهه هو الذي تعرض لإصابة بالغة. بل إن وصفها بالبالغة كان تهوينًا من فداحتها— إذ لم يبقَ منه سوى القليل. فقد اختفى تمامًا الجزء الممتد من وجنته اليمنى إلى عينه اليمنى، تاركًا جرحًا لم ينزف؛ لأن اللحم كان قد احترق.

رفضت رام يد سوبارو الممدودة، وهزت رأسها بنفاد صبر. ومع ذلك، لم يستطع سوبارو رؤية أي إصابة واضحة عليها.

 

 

 

«كنت أعلم أن علاجنا ليس سوى حلٍّ مؤقت… لكن لم أتوقع أن يدوم لهذه المدة القصيرة فقط.»

 

 

 

«—! بياتريس، هل تعلمين شيئًا عن حالتها؟»

رمق بياتريس التي نظرت إليه بفضول، ثم أدرك فجأة غرابة ما قاله.

 

 

«… ببساطة، لدى رام حدٌّ أقصى لمدة قتالها.»

أنَّت إميليا محاولة النهوض مجددًا. كان لون ساقيها مشوهًا بالألم، ومع ذلك حاولت استجماع قوتها للنهوض، مستمدة من كبريائها النبيل ما يعينها على الوقوف مجددًا.

 

 

ابتلع سوبارو ريقه عند سماع تفسير بياتريس المختصر. بعد أن شهد براعتها القتالية العبقرية في معركتهم ضد باتينكايتوس، كان قد عقد آمالًا على أنها ستكون مقاتلةً لا تقل شأنًا عن إميليا أو جوليوس…

 

 

 

«يبدو أنني كنت متفائلًا أكثر من اللازم… كان عليكِ إخباري بذلك مسبقًا.»

 

 

 

«أنا؟ أشكو لك؟ …مستحيل.»

جميعهم ابتلعتهم الظلال الممتدة في طرفة عين، واختفوا في العتمة.

 

«نعم، لا شك في ذلك. بإمكاني أن أشعر بها… إلا إذا كانت قد ابتُلعت بالكامل بطريقة ما.»

«لا زلتِ حادة اللسان رغم كل شيء. حسنًا، لنذهب!»

بالطبع، لم يكن ليشكره على ذلك. جسد سوبارو كله أئن من لمسة ريد الخشنة، والسبب الرئيسي في نفاد وقته قبل أن تبتلع الظلال البرج كان تدخُّل ريد في هذه الفوضى بأكملها.

 

في نهاية الممر، كانت العيون الحمراء المتعددة التي تسبح في الظلام دليلًا على الخطر الذي ظنوا أنهم تخلصوا منه.

قال سوبارو هذا وهو يرفعها بين ذراعيه في حمل أميرة.

رمق بياتريس التي نظرت إليه بفضول، ثم أدرك فجأة غرابة ما قاله.

 

 

«أنزلني.» تذمرت بازدراء. «هذا مقزز.»

 

 

 

«هل هذا وقت العناد؟! البطاريات الفارغة عليها أن تلتزم الصمت أثناء حملها!— بياتريس!»

 

 

ثم ربت سوبارو على رأس بياتريس، لكن رام قطبت حاجبيها وقالت:

«أعلم!»

«سوبارو!»

 

 

أغلق سوبارو فم رام وهي تحاول المقاومة بضعف، ثم هتف مستنجدًا ببياتريس. التقطت الأخيرة ما يرمي إليه على الفور، فمدت كفيها إلى الأمام وأطلقت موجة من القوة السحرية.

«إن لم تكن تهذي حين قلت إنك شعرتَ بشاولا، فلا بد أن لديك سببًا لذلك. هل هو سحرٌ جديد غريب بمساعدة السيدة بياتريس…؟ لا تقل لي إنه بركةٌ؟»

 

«كل هذا من مجرد مخلب واحد… هذا ليس تذكارًا يمكن الاستخفاف به.»

توسَّعت البلورات الأرجوانية اللامعة، التي تصدَّت للومضات البيضاء القاتلة، مجددًا. وكان الهدف من هذه الكتلة الحادة من البلورات هو العقرب المتصادم مع إميليا.

 

 

 

كان من الأفضل استخدامها لإنهاء العقرب، لكن…

تحطيم أحد أسلحة العقرب الأساسية كان السبب وراء مأساة الدورة السابقة.

 

«ماذا؟»

«سوبارو، إصرارك على القتال حتى النهاية هو أحد نقاط قوتك، كما يبدو.»

 

 

«ماذ—؟»

«… آسف على الإزعاج.»

 

 

 

«ليس الآن!»

«سوبارو، تمالك نفسك. خذ نفسًا عميقًا.»

 

 

بسبب هوية العقرب غير المتوقعة، تردد سوبارو في توجيه الضربة القاضية إليه.

 

 

أراد التحدث مع شاولًا، لكن ذلك لم يكن أولويتهم القصوى حاليًا.

وكأنها قرأت أفكاره رغم أنه لم يتفوه بشيء، سامحته بياتريس بسخاء على تردده، واستعدت لدعم إميليا بوابل من البلورات.

 

 

«إميليا! هل يمكنك مجاراة بيتي؟»

«تم نقل ريم إلى مكان آمن، والآن يمكنني معاونتك.»

 

 

«حسنًا! سأبذل قصارى جهدي!»

 

 

لقد عاد من جديد. في كل مرة، كان يعود إلى هذه اللحظة.

رغم غموض الإجابة، كانت مطمئنة على نحو مفاجئ. مزجت إميليا فنونها الجليدية مع قذائف بياتريس البنفسجية. وتعالى صوت تجمد الهواء متداخلًا مع صدى تحطم الزمن المتجمد.

 

 

«هاه؟! رام؟! لماذا عدتِ؟! وسوبارو وبياتريس أيضًا! من الرائع أنكما بخير، لكن الوضع في غاية الخطورة! غادرا في الحال!»

الممر، الذي غُمر بوابل من القذائف البنفسجية، تصلب بصوت لا يمكن وصفه، مما حدَّ على نحو كبير من مجال تحرك العقرب الضخم. وفي لحظة من الحدس الخالص، قفزت إميليا للأمام، مشكِّلة أنحف نصل لها -نصلًا دقيقًا من الجليد- ثم انقضت به.

 

 

 

«……»

 

 

«بو… كو-كو-كو، آ-ها-ها-ها! كما هو متوقعٌ منكِ يا أُختاه! جُرح! بهذا العُمق! رغم أنني كنتُ أُعيد خلقَ كارنيفور هاينيلغا! رائع، رائع، رائع، رائع، رائع، رائع، رائع! التهم كل شيء، أيها الشراهة!»

إن كان النصل حادًا بما فيه الكفاية، فإن ضربته تكون كنسمة هواء عابرة.

 

 

 

سواء كانت تلك حكمة قالها أحد سادة السيف القدماء أم لا، فهذا بالضبط ما شعر به سوبارو عندما سمع صوت سيف إميليا.

 

 

في اللحظة التي بلغ فيها تفكيره هذا الحد، اجتاحه شعور بحرارة حارقة تلسع صدره.

انفصل المفصل الذي يربط مخلب العقرب بجسده، وتناثر سائل أخضر في الهواء، ثم سقط المخلب أرضًا محدثًا ارتطامًا ثقيلًا.

 

 

 

كانت هذه ثمرة كفاحهم، علامة واضحة على—

 

 

 

«إن كنتِ لا تريدين المعاناة أكثر، فاستسلمي وحسب—»

لكن في اللحظة التي خطرت له تلك الفكرة…

 

«يبدو أنني كنت متفائلًا أكثر من اللازم… كان عليكِ إخباري بذلك مسبقًا.»

«—إميليا! إنه الانتحاء الذاتي!»

 

 

عضَّ على شفتيه بقوة ليمنع نفسه من الاستسلام.

«هاه؟!»

 

 

سوبارو تدحرج بلا حول ولا قوة بينما أظهر سكان هذا العالم الخيالي ردود فعل مذهلة.

صرخ سوبارو بيأس، محذرًا إميليا التي حاولت إقناع العقرب بالاستسلام.

 

 

ترددت تلك الكلمات الغامضة، المُشبعة بالحب، في اللحظة ذاتها التي واجه فيها الواقع.

تحطيم أحد أسلحة العقرب الأساسية كان السبب وراء مأساة الدورة السابقة.

 

 

 

«……»

 

 

 

وكأن الأمر لا علاقة له بما يجري، انطلقت أرجل العقرب تسابق الريح وهو يفر مبتعدًا. كانت هذه المناورة ذاتها التي لجأ إليها في الدورة السابقة أيضًا— وبالتالي، علم سوبارو تمامًا ما سيحدث تاليًا.

 

 

 

ما إن سمع بياتريس ورام كلمة ”الانتحاء الذاتي“، حتى أدركتا الخطر على الفور. استدعت رام تيارًا من الرياح بآخر ما تبقى لديها من قوة، بينما أقامت بياتريس حاجزًا بنفسجيًا.

قبل لحظات، عندما هدد الظلام بابتلاع كل شيء، كنت على وشك الاستسلام، دون أن أحاول حتى فهم ما يحدث. كنت فقط أنتظر النهاية.

 

«إحدى شخصيات الشراهة التي تسللت إلى البرج، باتينكايتوس، لقي حتفه. جثته متناثرة في كل مكان.»

«إميليا تشا—»

«بالطبع، أنا ممتن جدًا! أحبك!»

 

 

لم يكن هناك متسعٌ حتى لإنهاء الصرخة التحذيرية.

«—ريد أستريا.»

 

«أنا لا أقول بربطه لأنني لا أريد قتله. نحن هنا في هذا البرج لإنقاذ مَن سُلبت حياتهم، أليس كذلك؟»

في اللحظة التالية، توهج التذكار الذي خلفه العقرب وراءه، قبل أن ينفجر.

 

 

 

«……»

«……»

 

«نعم، والآن يمكنني العثور على مكان أكثر راحة لأقيم فيه برفقتك، يا فاتنة. أنتِ المسؤولة عن تقديم الشراب الليلة. وليس الشراب فقط، فالقائمة طويلة.»

وهجٌ كاسح، وانفجار يصمُّ الآذان، وموجة صدمة زلزلت الأرض والسماء. بأقصى ما يملك من قوة، احتضن الجسد بين ذراعيه، متحملًا الألم الذي اجتاحه من كل جانب.

لقد تقبلها ببساطة وكأنها جزء طبيعي من كيانه، كما لو كان قد وُلد بذراع ثالثة.

 

 

قُذف عن الأرض بفعل العصف، متدحرجًا بعنف، حتى استقر أخيرًا وسط الدخان الكثيف الذي ملأ المكان.

 

 

«سوبارو؟»

«غيه… نغه… هل الجميع… غه؟!»

أما رد العقرب على طلبها فقد كان—

 

«فهمت. إن كنت ترفض، فلا حيلة لنا إذًا.»

«أين تضع يديك؟»

 

 

 

وهو يترنح باحثًا في العتمة، دفعته كف صغيرة على ذقنه بلطمة خفيفة. وبينما يعض على لسانه خطأً، زاد الألم دموعه.

حاسته السادسة أخبرته أن هناك حليفًا في ذلك الاتجاه. ذلك الضوء… نبع منه.

 

 

«يبدو أننا نجونا.»

 

 

 

«نـ-نعم، هكذا يبدو… آسف، هل لمستكِ في موضع غير لائق؟»

ليس هناك أي أمل في الانتصار.

 

 

«نعم. وضعت يدك على كتفي.»

 

 

«لكنَّك لم تقاوم حين التهمك ألفارد. هل كنت واثقًا من أنك ستتمكن من السيطرة على وعيه؟»

«هذا أكثر الأماكن براءة على الإطلاق!»

قطَّب ريد حاجبيه بانزعاج.

 

«لا، لست مصرًّا. الأمر يتعلق بالمبدأ.»

ممسكًا بذقنه الذي تلقى الضربة بلا داعٍ، نهض سوبارو متثاقلًا. كاد أن يمد يده لمساعدتها، لكن، نظرًا لحالتها، حملها بدلًا من ذلك.

لحس باتينكايتوس الدم المتدفق من جرحه، مطلقًا شيئًا بين القشعريرة والتنهيدة الممزوجة بالإعجاب. لم يكن الجرح عميقًا، لكن الأثر النفسي من ذلك التبادل القصير فاق بكثير الضرر الجسدي.

 

 

«تشه.»

لقد تلاشى معظم جسده، وتبعثرت بقاياه الدامية على طول الممر.

 

 

«اصمتي! لنبحث عن الآخرين… إميليا تشان! بياتريس!»

ليست هذه المرة الأولى التي يرى فيها سوبارو استخدامه العجيب لعيدان الأكل كسلاح، لكنه لم يستطع التعود على المشهد. وخصوصًا عندما استخدمها لإرسال إميليا طائرة عبر الممر المتداعي.

 

أما رد العقرب على طلبها فقد كان—

متجاهلًا تذمر رام غير اللطيف، تطلع سوبارو حوله باحثًا عن البقية.

 

 

ارتخت ملامح بياتريس قليلًا وهي تجاري مزحته البائسة. لم تكن مزحة قادرة على التخفيف عن قلبه، لكنها كانت خطوة ضرورية في مواجهة هذه الحقيقة الثقيلة أمامه.

كان للغم المتفجر الذي تركه العقرب أثرٌ مدمر على الطابق الرابع، مخلفًا فجوة ضخمة في الأرضية والسقف، بينما بدت الجدران على وشك الانهيار في أي لحظة.

«قالت لويس الاسمين لاي وروي… إذا كان باتينكايتوس هو لاي، فلابد أن الآخر هو روي. لم يظهر حتى الآن ولا مرة.»

 

«إذًا، التفسير الأكثر منطقية هو أن ذلك الألفارد قام بالتحول إلى هيئة ريد و—»

«إميليا تشان! بياتريس! أرجوكما، قولا أي شيء!»

رام، التي استندت إلى الحائط ودماؤها تقطر من فمها، كانت الوحيدة التي خاضت قتالًا حقيقيًا. رغم حالتها البائسة، استنزفت كل ما لديها وكادت تترك خدشًا على جسد ريد. كانت الأجدر بلقب البطلة التي تستحق وسام الشرف.

 

 

«كح… نحن بخير، سوبارو. أنا وبياتريس كلتانا.»

وعلى غير المتوقع، تمكَّن تعاون إميليا وبياتريس من صد غزو الشراهة.

 

«بو… كو-كو-كو، آ-ها-ها-ها! كما هو متوقعٌ منكِ يا أُختاه! جُرح! بهذا العُمق! رغم أنني كنتُ أُعيد خلقَ كارنيفور هاينيلغا! رائع، رائع، رائع، رائع، رائع، رائع، رائع! التهم كل شيء، أيها الشراهة!»

صدر الرد من الجانب الآخر وسط الدخان الكثيف، خلف الفجوة في الأرضية. وفي اللحظة التالية، ظهرت ملامح شخص عبر الغبار— إميليا، ثيابها وشعرها في حال يرثى لها، حاملةً بين ذراعيها بياتريس، في صورة تعكس تمامًا ما كان عليه سوبارو مع رام.

تلك العيدان مجددًا…

 

«—الراحة المطلقة!»

«… أنتما الاثنتان… لم تصابا بشيء؟»

«على الأقل قل إنها ستكون على يدك حتى النهاية، أيها القزم الصغير.»

 

كان جوليوس قد عاد إلى الطابق الثالث للإبلاغ عن المشكلة بينما كانوا ينهون نقاشهم على عجل. وعندما التفت إليها سوبارو، كانت ميلي قد ارتسمت على وجهها ابتسامة ماكرة، مدركة أن سبب قلق جوليوس هو أسراب الوحوش.

«همم، لقد نجونا بفضل رياح رام التي حرفت الانفجار، وهذا ما أتاح لي الوقت لإقامة جدار جليدي للحماية.»

«أسقف الشراهة هنا! السيدة إميليا تخوض قتالًا، لكنها في وضع حرج. إن لم أعد إليها فورًا، فسيكون الأوان قد فات!»

 

«……»

«ورغم ذلك، بالكاد كان كافيًا. لقد نجونا بأعجوبة.»

 

 

صمت سوبارو تمامًا.

بينما كانت تحمل بياتريس، قفزت إميليا عبر الهوة، وسوبارو يتنفس الصعداء عند رؤيته أن أيًا منهما لم يتعرض لأي إصابة خطيرة.

«……»

 

 

لكن سرعان ما عضَّ على شفتيه إحباطًا، مدركًا أن مَن تسبب في هذه الفوضى قد فرَّ بعيدًا.

 

 

«إميليا! هل يمكنك مجاراة بيتي؟»

«كل هذا من مجرد مخلب واحد… هذا ليس تذكارًا يمكن الاستخفاف به.»

 

 

ومع أن السيف لم يكن حادًا، فإن هجومًا بهذه القوة كان كفيلًا بإنهاء القتال بضربة واحدة—

«أفترض أن هذا العناد يأتي من سيدها.»

 

 

وفي طرفة عين، ظهرت رام مباشرة أمام باتينكايتوس.

«……»

«ليس هناك شك في الأمر، لكن… أرجوك، أخبرني أنك قطعت رأس ريد.»

 

 

أخرست ملاحظة رام لاذعة سوبارو على الفور.

 

 

 

هاجمت العقرب العملاقة إلى الخلف، مما أتاح لهم مزيدًا من الوقت للتفكير، لكن ذلك لم يُبدد شكوكه. كانت المشكلة الكبرى الآن…

يبدو أن الاثنتين توصلتا إلى نتيجة مشتركة، لكن لا سوبارو ولا إميليا استطاعا مجاراة منطقهما.

 

«إذًا لماذا تبدين بهذه المعاناة…؟»

«أمم… هل كانت تلك حقًا شاولا؟» سألت إميليا.

 

 

«هيه!»

كان ذلك السؤال الذي يدور في أذهان الجميع، أو ربما ليس في أذهان الجميع. فقد كان لدى سوبارو تفكير مختلف، وحتى لو أراد إنكار الأمر، لم يكن هناك مجال للشك لديه.

 

 

اخترقت الأشعة جسد الشراهة واحدًا تلو الآخر، مبددة كيانه تمامًا.

«أنا متأكد. واستهدفني بالتأكيد.»

 

 

«……»

«من الصحيح أن شاولا كانت متعلقة بك… لكنها تعرف أنك ستموت إن فعلت شيئًا كهذا.»

 

 

مع تفرق جميع رفاقه في أنحاء البرج وعجزه عن القتال فعليًا، كانت هذه سلطة يريدها سوبارو أكثر من الماء في الصحراء.

«يجب أن تكوني قد لاحظتِ الأمر بنفسك، يا سيدة إميليا. ذلك الهجوم الضوئي هو نفسه الذي استهدفنا في كثبان أوغوريا.»

إذًا، تحديث نقطة البداية ليس مفاجئًا. لكن…

 

أضافت رام: «كما أنها غيَّرت شكلها؛ لذا من السهل تمييزها. إن رأيتَ عقربًا ضخمًا جدًا، فهو العدو.»

«هذا… صحيح… ولكن…»

«تتسلل إليه وتسدده ضربة قاضية!»

 

 

أخفضت إميليا عينيها عند سماع تصريح رام القاسي. لم ترد الاعتراف بذلك، لكنها أدركت الحقيقة القاسية في أعماقها.

 

 

 

تلك العقرب العملاقة كانت شاولا، وقد أصبحت عدوَّتهم. لكن كان هناك شيء لم يكن منطقيًا بعد.

وهجٌ كاسح، وانفجار يصمُّ الآذان، وموجة صدمة زلزلت الأرض والسماء. بأقصى ما يملك من قوة، احتضن الجسد بين ذراعيه، متحملًا الألم الذي اجتاحه من كل جانب.

 

 

«……»

 

 

 

بحثًا عن إجابةٍ تُبدد ذلك القلق، وسَّع سوبارو نطاق حاسته السادسة.

«أنت سريع البديهة. قلت إن الشراهة قادمون، صحيح؟»

 

«إن كنتِ لا تريدين المعاناة أكثر، فاستسلمي وحسب—»

شعر بوجود رام بين ذراعيه، وإميليا وبياتريس أمامه مباشرةً. وإيكيدنا ورِم في مكان يُفترض أنه مكتبة تيجيتا. كانت باتراش بالقرب منهما، وأبعد قليلًا، في الطابق السفلي، كان جوزيف. وعند تحويل تركيزه إلى شرفة الطابق الرابع، التقط وجود ميلي هناك.

تفجرت المشاكل في أنحاء البرج كافة. كان من الصعب تخيل وجود عقبة أخرى لا يعرفها، ولم يرغب في التفكير في هذا الاحتمال.

 

 

«ميلي لا تزال تقاتل على الشرفة…»

لم يكن لانقلاب العالم رأسًا على عقب تأثير يُذكر على الوضع. فقد استمر الجميع في فعل ما اعتقدوا أنه الأفضل.

 

 

«… مما يعني أنها لم تتعرض لهجوم من شاولا.»

 

 

 

«يبدو الأمر كذلك… ما الذي تفكر فيه شاولا بحق؟»

 

 

 

كان الأمر متناقضًا. تصرفاتها ليست منطقية إطلاقًا.

«… مثير للدهشة أنك سمحت لنفسك بأن تؤكل.»

 

 

لقد رأى بعينيه كيف أبقت شاولا موجة الوحوش الشيطانية محاصرة حول البرج. لم يكن يعلم ما الذي جعلها تغيِّر موقفها، لكنها لم تؤذِ ميلي.

 

 

 

«أمم، أنتما تتحدثان وكأن الأمر طبيعي تمامًا، لكن…»

قال سوبارو هذا وهو يرفعها بين ذراعيه في حمل أميرة.

 

في اللحظة التي بلغ فيها تفكيره هذا الحد، اجتاحه شعور بحرارة حارقة تلسع صدره.

«لقد كان يزعجني أيضًا. ما الذي تراه، باروسو؟»

 

 

 

تحدث سوبارو وبياتريس كما لو أن حاسته السادسة أمرٌ معروف للجميع، مما جعل إميليا ورام تجبرانهما على التوقف.

—كان أول ما عليه فعله حقًا هو استيعاب حقيقة أنه مات وعاد من جديد.

 

 

كان ذلك رد فعل طبيعيًا. وإن كان هناك شخص غريب الأطوار، فسيكون بياتريس، لمجاراتها لهذا الأمر بهذه السلاسة.

«إميليا! هل يمكنك مجاراة بيتي؟»

 

 

«إن لم تكن تهذي حين قلت إنك شعرتَ بشاولا، فلا بد أن لديك سببًا لذلك. هل هو سحرٌ جديد غريب بمساعدة السيدة بياتريس…؟ لا تقل لي إنه بركةٌ؟»

تحطيم أحد أسلحة العقرب الأساسية كان السبب وراء مأساة الدورة السابقة.

 

«كيف كان ذلك؟! لنُعيد تمثيل تلك اللحظة المؤثرة! لنبدأ من هنا، سيدي! من واحد، لا، من صفـ—»

«هذه طريقة وقحة لوصف سحرنا. وهو ليس بركةً»، أجابت بياتريس بحدة. «بل هو… سلطةٌ، على ما أفترض.»

من مكانه فوق جسد سوبارو الملقى على الأرض، حول ريد عينه إلى آخر مَن تبقى واقفًا— جوليوس جوكوليوس.

 

«أنتَ تُعيد نسخها…!»

«سلطة…؟»

بصق ريد هذه الكلمات باستياء وهو يمسك بقطعة القماش الملفوفة حول خصره. لم يكن الأمر مجرد عودة إلى الحياة، بل إنه استولى أيضًا على ذاكرة روي ألفارد، ما مكنه من الاطلاع على جزء من سلطة الشراهة.

 

«أعلم!»

أمالت إميليا ورام رأسيهما باستغراب. لم يبدُ أن لديهما فكرة واضحة عن الكلمة، لكن وقعها على سمع سوبارو بدا مألوفًا. وكأنها التسمية الطبيعية لهذا الشيء.

وبعد لحظات، لم يبقَ في الممر سوى شخص واحد واقفًا.

 

«معذرة، لكن عندما تولد بهذه الطريقة، لا خيار لديك سوى التسلط على الضعفاء. أينما نظرتُ في هذا العالم، لا أجد سوى أشخاص أضعف مني.»

«بياتريس، ما هي “سلطة”؟»

«انتظر. أتعتزم إبقاءه حيًّا؟ سيظل خطرًا قائمًا.»

 

وبينما ازدادت حيرتهما، زفرت رام بامتعاض…

«… فكِّري بها كنسخة أكثر فاعلية من البركة.»

علينا أن نتصرف وفق الظروف ونبذل قصارى جهدنا—

 

ارتبك، غير مستوعب لسؤالها.

«ماذا؟»

واجهت ميلي الطوفان ببسالة، مستخدمةً قدرتها على السيطرة على الوحوش الشيطانية لكبح هجومهم. أما في الداخل، فكان جوليوس قد انطلق إلى الطابق الثاني لمواجهة ريد. وكان على سوبارو أن يسرع لإنقاذ إميليا، التي تواجه باتينكايتوس، لكن…

 

 

ظهرت نظرة تأملية على وجه رام بينما كانت تحدق في وجه سوبارو. لكنه لم يستطع تخمين ما الذي يدور في ذهنها، إلا أن تفسير بياتريس لم يكن خاطئًا على الأرجح.

 

 

 

«لا أعرف التفاصيل، لكن بياتريس محقة. تأثير هذه السلطة، أو أيًّا كان اسمها، يسمح لي بشكلٍ عام بتحديد مواقع الجميع داخل البرج. و…»

 

 

 

«مذهل… آه، هل لهذا السبب اعتقدتَ أن تلك العقرب العملاقة هي شاولا؟»

 

 

ارتخت ملامح بياتريس قليلًا وهي تجاري مزحته البائسة. لم تكن مزحة قادرة على التخفيف عن قلبه، لكنها كانت خطوة ضرورية في مواجهة هذه الحقيقة الثقيلة أمامه.

«بالضبط.»

 

 

 

امتلأت عينا إميليا بمزيجٍ من القلق والدهشة بينما أومأ سوبارو بحزم.

 

 

كتمت رام مشاعرها المتضاربة وأثنت على إميليا، ثم رمقت باتينكايتوس المغمى عليه بنظرة ملؤها الإحباط.

سلطة، حاسة سادسة… أيًا كان اسمها، فقد كان بإمكانه استخدامها لاستشعار أن النور الذي يُفترض أنه شاولا كان قد اتخذ موقعًا بعيدًا عنهم. لم يكن يعلم إن كان ذلك لالتقاط أنفاسها بعد فقدانها لمخلبها، أم لسببٍ آخر.

لكن ذلك يفسر كل ما كان محيرًا بشأن ريد— كيف حصل على حريته فجأة، وكيف استطاع التجول في البرج وسط هذه الفوضى رغم أنه كان من المفترض أن يبقى محجوزًا في الطابق الثاني كممتحن. إذا كان قد استولى على جسد الشراهة، فالأمر منطقي تمامًا.

 

 

لكن كان هناك أمرٌ واحدٌ كان واثقًا منه…

 

 

 

«—إنها كانت تستهدفني على الأرجح.»

 

 

 

«……»

 

 

«لن أسألك كيف يمكنك الجزم بهذه الدرجة من اليقين… فقط لا تخذل ثقته أو ثقتي.»

شعر بثقة غريبة في ذلك.

انطلقت رنَّة واضحة، وتألَّمت إميليا قليلًا.

 

رغم القتال العنيف قبل لحظات، وقفت شاولا بثبات، وكأن لديها بئرًا لا ينضب من الطاقة، متوقفةً فور سماع نداء سوبارو. لم يظهر على وجهها أي أثر للقلق أو التوتر، ولم تكن نظراتها تحمل أي بريقٍ خبيث أو متآمر.

استغرق الأمر وقتًا لقبول أن العقرب العملاق كان شاولا بالفعل، لكن لم يكن صعبًا تصديق أنها تستهدف سوبارو. طالما أنها لم تكن تستهدف أحدًا من رفاقه، فكان هناك الكثير مما يمكن استغلاله.

 

 

 

«حسنًا، وبالحديث عن السلطة…»

«هذا سوء فهم غير مضحك.»

 

 

لم يكن يعلم أصل السلطة التي يمتلكها، لكن ذلك ليس مهمًا الآن. ما كان أكثر أهمية ليس سلطة سوبارو، بل سلطة الشراهة.

«……»

 

 

لم يبقَ أي أثرٍ لجثة باتينكايتوس المتفحمة في الممر بعد الانفجار. ليس هناك حاجة للتأكد، فقد رأوا موت الشراهة بأعينهم.

جاء تعليق رام الجاف معبِّرًا عن مشاعر الجميع في تلك اللحظة.

 

كان الأمر متناقضًا. تصرفاتها ليست منطقية إطلاقًا.

وفي هذه الحالة، ماذا عن الندوب التي خلفتها سلطته على هذا العالم؟

 

 

«همم، حسنًا! فلنُشعل الحماس! بياتريس، اصفعيني!»

«رام، ماذا عن ذكرياتك—؟»

ماذا تعنين بـ ”كيف“؟ أعلم ذلك… لأنني أعلم.

 

 

«إن كنتَ تقصد ريم، فلا أزال لا أتذكرها.»

 

 

 

«……»

«… لا، لقد كان عملًا رائعًا. نعم، رائعٌ بحق.»

 

«—!»

هزَّت رام رأسها، مبددةً الأمل الضئيل لسوبارو. وعند النظر إلى إميليا وبياتريس، أدرك أنهما لم تستعيدا أي شيءٍ كذلك. لا يزال هناك احتمالٌ أن تعود الذكريات المفقودة تدريجيًا مع الوقت، لكن…

تقطر صوتها بعدائية خالصة وهي تتقدم نحو باتينكايتوس.

 

 

«يبدو أن القضاء على الشراهة لا يكفي لاستعادة ما فقدناه…»

 

 

 

«خصمٌ مزعج… ومثير للغيظ.»

 

 

بوسعي أن أكون ذا فائدة في الخروج من هذا الوضع—

قطَّبت رام حاجبيها بمرارة.

 

 

وما دام تركيز الهجوم لا يزال منصبًا عليه…

كان هذا هو الأمر الذي خشيه سوبارو، لكن ليس هناك ما يمكن تغييره الآن. فقد كانت حقيقة موت باتينكايتوس أمرًا لا جدال فيه.

في اللحظة التالية، دوى صوت حاد، وانحرف وميض أبيض اقترب من جانب وجهه بفعل العيدان.

 

«……»

وهكذا، اختفى أحد الخيارات التي كانوا يعولون عليها لاستعادة ما سرقه الشراهة منهم.

 

 

 

«لا، لا تدع اليأس يتسلل إليك.»

لكن في الوقت ذاته، راوده تساؤل آخر:

 

امتلأت عينا إميليا بمزيجٍ من القلق والدهشة بينما أومأ سوبارو بحزم.

«… إميليا تشان؟»

 

 

«—اصمت، سأقتلك، أيها الأسقف.»

تقدَّمت إميليا خطوة إلى الأمام، محطمةً الأجواء الكئيبة المتزايدة. كان في عينيها البنفسجيتين بريقٌ جاد وهي تتنقل بنظرها بين سوبارو ورام.

«ها!»

 

لم يكن من السهل القول إن إجابة ريد كانت واضحة. كان من النوع الذي لا يرى فائدة في توضيح كل شيء بالكلمات، ولهذا كانت معظم إجاباته عاطفية وصعبة الفهم.

«علينا أن نتمالك أنفسنا، بل وأكثر من ذلك في موقفٍ كهذا حيث تتراكم المصائب فوق بعضها. إيكيدنا، جوليوس، والبقية يبذلون قصارى جهدهم الآن.»

 

 

توقف ريد عند هذه النقطة، شفتيه تلتويان بينما يلوِّح بعيدان طعامه.

«……»

 

 

 

«كما أننا بحاجة إلى حديثٍ جاد مع شاولًا، أليس كذلك؟»

«إيكيدنا! اصطحبي ريم وباتراش إلى مكان آمن! الشرفة والطابق الثاني ليسا خيارًا، والغرفة الخضراء بعيدة الآن. تيجيتا هو أفضل مكان!»

 

وعلى الأرض، أسفل شرفة برج بليديس بمئات الأقدام، اجتاحت جحافل من الوحوش الشيطانية المكان بشراسة، وكأنها تحاول إسقاط البرج.

إميليا كانت متفائلة إلى حدٍّ لا يُصدَّق، لا تستطيع الوقوف مكتوفة اليدين، ودائمًا ما تنتشل سوبارو عندما يكون على وشك السقوط.

لم يكن الأمر يعني أنه يمكنهم الاسترخاء تمامًا، لكن الإفراط في التوتر كان مشكلة كذلك.

 

«… لديَّ أمل بسيط أنكِ قد تفهمين شعوري ولو قليلًا.»

وليس هذا بالأمر الجديد، بل حدث من قبل… ومن قبل ذلك أيضًا. وليس سوبارو وحده، بل ربما كان الأمر ذاته مع «ناتسكي سوبارو» كذلك.

 

 

 

«همم، حسنًا! فلنُشعل الحماس! بياتريس، اصفعيني!»

«أن أساعدكم؟ أوه، أوه، لا تجعلوني أضحك.»

 

لقد رأى بعينيه كيف أبقت شاولا موجة الوحوش الشيطانية محاصرة حول البرج. لم يكن يعلم ما الذي جعلها تغيِّر موقفها، لكنها لم تؤذِ ميلي.

«اصـ-اصفعك؟ ماذا تريدين من بيتي أن تفعل؟»

 

 

«إذًا، لماذا—؟»

«امنحيني صفعة!»

رأى صورةَ الأسقف الممسوخ تتداخل مع صورةِ شخصٍ آخر. كان ينبغي لهذا أن يكون مستحيلًا… لكنها كانت الفتاة التي دفعته إلى المضي قدمًا حين كان على وشك الانهيار.

 

كان الوضع مختلفًا هذه المرة بسبب رام، التي استمرت حياتها الهشة، وبسبب—

«هوريـــا!»

ماذا تعنين بـ ”كيف“؟ أعلم ذلك… لأنني أعلم.

 

 

وبينما كان سوبارو متأثرًا بموقف إميليا، أطلقت الأخيرة طلبًا غير معقولٍ تجاه بياتريس، التي لم تتردَّد في تلبية رغبتها وصفعتها بكلتا يديها.

حين سمع اسم شاولا، خطرت له فكرة ما. لم يكن اسمًا يملك رابط عاطفي خاص به، لكنه كان كلمة سمعها من قبل.

 

«—؟ حسنًا، موافقة.»

انطلقت رنَّة واضحة، وتألَّمت إميليا قليلًا.

شعر سوبارو بالذهول وهو يوسِّع نطاق حواسه بحثًا عن أي وجودٍ حول البرج.

 

 

«حسنًا، شكرًا لكِ، بياتريس. هل تريدين مني أن أفعل ذلك لكِ؟»

 

 

 

«لو فعلتِ ذلك، لانخلعت رقبة بيتي من مكانها؛ لذا شكرًا، لكن لا شكرًا.»

«—تبًا لك، ما الذي تسرح فيه، هاه؟!»

 

 

«هاها، بياتريس الظريفة.»

 

 

«—شاولا.»

ضحكت إميليا وكأنها تمازحها، لكن أعين بياتريس كانت جادة تمامًا.

 

 

 

ومع ذلك، وبينما كان سوبارو يراقب الاثنتين، شعر ببعض التوتر يتلاشى من كتفيه.

 

 

 

لم يكن الأمر يعني أنه يمكنهم الاسترخاء تمامًا، لكن الإفراط في التوتر كان مشكلة كذلك.

 

 

 

«السيدة إميليا مسترخية… مع أنها كذلك دائمًا.»

تبادلت بياتريس وإميليا الإيماء، ونتيجةً لتعاونهما، فقد باتينكايتوس وعيه بضربة على مؤخرة رأسه.

 

«هاه! كما توقعت منك، أيتها الفاتنة! لكنكِ تفهمين، صحيح؟ امتحانكِ قد انتهى بالفعل.»

«لستِ في موقع يسمح لكِ بقول ذلك، بالمناسبــــة— آووه!»

قاتلت ميلي الوحوش الشيطانية التي تتدفق حول البرج، و إيكيدنا تنقل ريم وباتراش إلى تيجيتا، وجوليوس يتحرك بعنف في الطابق الثاني.

 

 

«توقف عن قول مثل هذه الأمور الوقحة. إذًا، ما التالي؟»

«كيف…؟»

 

 

وبينما كانت رام تمسك عنق سوبارو من مسافةٍ قريبة جدًا، بدا أنها عادت بالفعل إلى طبيعتها. أدمعت عينا سوبارو قليلًا، لكنه أومأ برأسه، وأعاد تركيزه على إدراكه الحسي.

«إيه؟»

 

وبينما يراقب سوبارو المشهد، زفر ببطء وكأنه تذكر كيف يتنفس مجددًا، قبل أن يقفز قلبه في صدره. بدأ ينبض بجنون، كما لو كان يحاول إخباره بمدى اقترابه من الموت، ومدى ضآلة الفاصل الذي حال بينه وبين فقدان شيء بالغ الأهمية.

أراد التحدث مع شاولًا، لكن ذلك لم يكن أولويتهم القصوى حاليًا.

 

 

أهم أسباب استعجاله كان منع باتينكايتوس من التهام اسم إميليا، وضمان ألا تخرج رام من المعركة بسبب ذلك.

هل عليهم الالتحاق بإيكيدنا والبقية من غير المقاتلين، أم البحث عن ميلي لمعرفة ما حدث بعد رحيل شاولًا؟

شعر بوجود رام بين ذراعيه، وإميليا وبياتريس أمامه مباشرةً. وإيكيدنا ورِم في مكان يُفترض أنه مكتبة تيجيتا. كانت باتراش بالقرب منهما، وأبعد قليلًا، في الطابق السفلي، كان جوزيف. وعند تحويل تركيزه إلى شرفة الطابق الرابع، التقط وجود ميلي هناك.

 

أخفضت إميليا عينيها عند سماع تصريح رام القاسي. لم ترد الاعتراف بذلك، لكنها أدركت الحقيقة القاسية في أعماقها.

«—هاه؟»

 

 

 

شعر سوبارو بالذهول وهو يوسِّع نطاق حواسه بحثًا عن أي وجودٍ حول البرج.

«ابن…»

 

 

أما أولئك الذين لم يتحركوا من مواقعهم، فكانوا على ما يرام. وكان بإمكانه تفهم أن شاولًا، في هيئة العقرب العملاق، كانت على الأرجح تضمد جراحها.

وقف سوبارو في ذهول، عاجزًا عن تصديق هذا الاحتمال الأشد جنونًا.

 

«—إنها كانت تستهدفني على الأرجح.»

لكن هناك كيانًا آخر كان يتحرك داخل البرج بسرعةٍ جنونية.

 

 

«آه.»

«—أعلى!»

 

 

«غيه… نغه… هل الجميع… غه؟!»

«تراجع، باروسو!»

«لقد أُعدت قبل أسوأ لحظة، دون أي وقت تقريبًا للاستعداد…!»

 

لوح بسيف الفارس بلا اكتراث، يقطع الظلال بسلاح كان من المفترض أن يكون بين يدي جوليوس.

تحولت القشعريرة التي شعر بها إلى يقين بمجرد سماعه تحذير رام.

أطبق فم باتينكايتوس على عنق سوبارو.

 

«أين تضع يديك؟»

أطاعها وقفز إلى الخلف وهو لا يزال يحملها، في اللحظة ذاتها التي انقسم فيها السقف المتصدِّع بفعل الانفجار إلى نصفين قطريًا.

انطلقت إيميليا نحو باتينكايتوس من الخلف، ممسكة بسيف عظيم من الجليد. وبما أن رام أُبعدت، لم تكن إيميليا مضطرة لكبح قوتها.

 

«… هاه؟»

وبعد لحظة، حوَّلت موجةٌ صادمة الحجارة التي يتكوَّن منها البرج إلى غبار.

كلمات بياتريس ساعدته على تبديد الذعر والندم اللذين كانا على وشك التهامه بالكامل.

 

 

تناثر الركام والغبار الذي هدأ أخيرًا في الهواء مجددًا، حاجبًا الرؤية مرةً أخرى.

 

 

«أنا هنا أيضًا!»

لم يعد هناك أي أثرٍ للبرج الذي كان من المفترض أن يكون متينًا لا يُدمَّر. الانفصال التفجيري للعقرب، والضغط الناجم عن الظل الحالك، وهذا الدمار الأخير…

كان هذا من فعل ذلك النور الأبيض نفسه، الذي ما زال ينطلق نحو باتينكايتوس وهو يطير في الهواء.

 

 

«سوبارو…! والسيدة إميليا والبقية كذلك.»

 

 

وبينما ازدادت حيرتهما، زفرت رام بامتعاض…

«جوليوس؟!»

 

 

 

من خلال سحابة الغبار التي اندفعت نحوهم، برزت هيئة جوليوس، وقد تلطَّخت بدلته البيضاء باللون الأحمر. ركع على الفور، ومسح بطهر يده أثر الدم عند زاوية فمه، ثم نظر إلى سوبارو الذي كان مغطىً بالغبار والركام.

 

 

«هاه؟»

«أعتقد أنه لم تمضِ سوى دقائق قليلة منذ افترقنا، لكن يبدو أنكم قد اختبرتم بعض الإثارة أيضًا.»

 

 

لماذا لم يستطع ناتسكي سوبارو الوصول إليها أبدًا؟

«ليس بقدر ما فعلتَ، وأنت تخترق البرج بهذه الطريقة.» ردَّ عليه سوبارو بحدة.

«أنا لا أطيق مثل هذه السخافات، أيها الوغد. لا تظن أنني مجرد شخص آخر متخفيًا بهذه الهيئة.»

 

«أعلم!»

لقد ظهر جوليوس بعد أن شقَّ طريقه عبر طوابق البرج بسرعةٍ وحشية، متحركًا في الأبعاد الثلاثة متجاهلًا كافة العوائق الفيزيائية من جدرانٍ وأرضيات، وهو أمرٌ لم يكن يتماشى مع الصورة التي يحملها سوبارو عن جوليوس في ذهنه.

 

 

وبينما كان سوبارو متأثرًا بموقف إميليا، أطلقت الأخيرة طلبًا غير معقولٍ تجاه بياتريس، التي لم تتردَّد في تلبية رغبتها وصفعتها بكلتا يديها.

«ليس هناك شك في الأمر، لكن… أرجوك، أخبرني أنك قطعت رأس ريد.»

«ليس هناك شك في الأمر، لكن… أرجوك، أخبرني أنك قطعت رأس ريد.»

 

رام كانت تستند إلى الجدار طلبًا للدعم، تتصبب جبينها عرقًا، يعلو صدرها ويهبط بأنفاس متقطعة، فيما ارتجفت يدها التي تمسك عصاها السحرية.

«كفارس، يؤسفني أن أقول إن تقديم تقريرٍ مغايرٍ للواقع أمرٌ صعبٌ للغاية.»

 

 

 

«… أعتقد أن هذا بحد ذاته إجابةٌ كافية، اتساءل.»

انعقد حاجبا جوليوس في صدمة حين سمع ذلك الاسم.

 

«……»

بملامح هادئة، رفض جوليوس التوسُّل الصادق في كلمات سوبارو.

«شكرًا على الوجبـ—»

 

حسابنا بتويتر @ReZeroAR

وكما لو كان تأكيدًا لرد بياتريس المتحسر، تردد صوتُ خطواتٍ فوق الركام.

 

 

 

صوتٌ مميز لحذاءٍ صنادلي.

 

 

 

«هاه! حشدتَ كل هؤلاء الفتيات من أجلي؟ إذًا أنت تعرف كيف تقوم بالأمور بعد كل شيء، هاه. لقد بدأتُ أشعر بالملل من اللعب وحيدًا. إذًا، حان دوركم الآن لتسلوني، هاه؟»

وبينما كانت رام تمسك عنق سوبارو من مسافةٍ قريبة جدًا، بدا أنها عادت بالفعل إلى طبيعتها. أدمعت عينا سوبارو قليلًا، لكنه أومأ برأسه، وأعاد تركيزه على إدراكه الحسي.

 

 

«… هذه كارثة بكل المقاييس.»

 

 

«……»

جاء تعليق رام الجاف معبِّرًا عن مشاعر الجميع في تلك اللحظة.

 

 

 

ظهر الرجل الطويل ذو الشعر الأحمر ببطء من بين الدخان، هالة شرسة أشبه بالشياطين تتصاعد من جسده، وكأنها تجسيد لحكم متسلط لا يمكن فهمه—

«هذا…»

 

«أسقف آخر؟ حتى هنا، في أقصى شرق الخريطة؟ يبدو أن هناك رباطًا يجمعك بهم لا يمكنك الفكاك منه.» قالت إيكيدنا ما إن انتهى سوبارو من شرحه، وعلى وجهها ابتسامة ساخرة.

«—ريد أستريا.»

«ماذا؟»

 

«أوه… أُغه…»

«كا-كا-كا، لا تبدُ مستاءً إلى هذا الحد، أيها القزم. جئت إلى هنا فقط لأن البرج بدا وكأنه يتعرض للتدمير. لكن رؤيتك هنا، أنت بالذات، مخيبة للآمال.»

 

 

«أمم، أنتما تتحدثان وكأن الأمر طبيعي تمامًا، لكن…»

«في هذه الحالة، لمَ لا تستدير وتعود إلى غرفة الانتظار؟ شخص بقوتك الطاغية سيُساء فهمه إذا شرع في مضايقة الضعفاء بهذا الشكل.»

 

 

 

«معذرة، لكن عندما تولد بهذه الطريقة، لا خيار لديك سوى التسلط على الضعفاء. أينما نظرتُ في هذا العالم، لا أجد سوى أشخاص أضعف مني.»

إيكيدنا وميلي هنا أيضًا، كما أنه يدرك على نحو عام ما يفعله الآخرون. ولديه فكرة جيدة عن الفوضى التي قد يكونون غارقين فيها.

 

عندما رأى الشراهة أن رام تنوي الانضمام إلى المعركة، ابتسم بسخرية وهو يبتعد عن إيميليا.

كان هذا تصريحًا متعجرفًا متغطرسًا، إلا أنَّ ريد امتلك من الهيبة ما يجعل دحض كلماته أمرًا مستحيلًا. شعر سوبارو بتلك القوة تنفذ عبر جسده، فابتلع ريقه بصمت.

«يا لها من مهانة…»

 

 

العقبات أخذت تتوالى أمامهم واحدة تلو الأخرى، وكأنها تتفاخر بوجودها في طريقهم. والأسوأ أنَّ كل عقبة جديدة كانت أشد خطرًا من سابقتها.

لم يتبقَّ سوى العقبتين المتبقيتين— العقرب العملاق الغامض، وشبح الفناء الذي هدد بسحق البرج بأسره، ناهيك عن الأخ الآخر للشراهة، الذي لم يظهر بعد.

 

 

«ريد… ماذا تفعل هنا؟ كنت أظن أنك لا تستطيع مغادرة تلك الغرفة.»

 

 

 

«أوي، أوي، لا تُضحكني، أيتها الفتاة. أنا أذهب حيثما أشاء، وأقطع ما أشاء، وآخذ ما أشاء. تظنين أنني أكترث لمعايير وضعها غيري؟»

امتلأت عينا إميليا بمزيجٍ من القلق والدهشة بينما أومأ سوبارو بحزم.

 

 

«هذا أناني للغاية.»

«انتظري، انتظري، انتظري! أنتِ تسبقين الأحداث! أفهم سبب توترك، لكن اهدئي قليلًا! أنـتِ—»

 

رغم تظاهرها بالانزعاج من اعترافه، وافقت ميلي على تولي أمر الوحوش السحرية. تصرفت وكأنها غير راغبة في ذلك، لكن أي شك في نواياها كان سيتلاشى بمجرد رؤية سرعتها وهي تندفع نحو الشرفة المخفية.

فيما كان سوبارو يعض على أسنانه في مواجهة هذا الموقف المتوتر، تقدَّمت إميليا لمواجهة ريد.

«هـ-هـذا كان…»

 

«أوه… أُغه…»

كانت لطيفة، مسالمة، وربما هادئة أكثر مما ينبغي. تلك كانت طبيعتها بإيجاز. ومع ذلك، حتى هي لم تستطع إخفاء انزعاجها من فلسفة ريد المتعجرفة التي بلغت حد الوقاحة.

 

 

 

أما ريد، فلم يبدُ متضايقًا من محادثتها، بل بدا في مزاج أفضل من حديثه مع سوبارو، ربما لجمال وجهها.

«……»

 

«ريد… ماذا تفعل هنا؟ كنت أظن أنك لا تستطيع مغادرة تلك الغرفة.»

وفي هذه الأثناء…

«رام!»

 

 

«الوضع سيئ يا جوليوس، لكن لديَّ أخبار جيدة وأخرى سيئة، بالإضافة إلى خبر سيئ آخر.»

 

 

«روي ألفارد قال إنه لم يستطع مقاومة طبيعته. باعتباره شراهة.»

«ذلك يعني أن هناك خبرًا سيئًا إضافيًا… حسنًا، لنبدأ بالأخبار الجيدة.»

—وفي لمح البصر، انطلقت إميليا كالسهم عبر الممر، ملوِّحة بسيفها الجليدي نحو عنق ريد.

 

ارتجف سوبارو، إذ لم يكن كلام رام يبدو كمزحة على الإطلاق. لكن بما أنه ليس قادرًا على شرح أي شيء الآن، فقد يكون رد فعلها هذا دليلًا على تسامحها.

«إحدى شخصيات الشراهة التي تسللت إلى البرج، باتينكايتوس، لقي حتفه. جثته متناثرة في كل مكان.»

لكن رغم دهشة سوبارو، ارتسمت ابتسامة خفيفة في زوايا عيني إسميليا.

 

 

«هذا…»

 

 

 

حبس جوليوس أنفاسه، ثم اتسعت عيناه الذهبيتان إثر سماعه الخبر. وبعد لحظة، وضع يده على صدره وأغمض عينيه.

 

 

 

«إذًا، إحدى الأخبار السيئة هي أن الذكريات المسروقة لم تعد؟»

 

 

 

«هذا صحيح. الذكريات لم تعد، حتى بعد موت الشراهة. لا بالنسبة لي، ولا لريم، ولا لك.»

 

 

 

«والخبر السيئ الثاني هو أن شاولا أصبحت عدوتنا الآن. على الأقل، بشكل مؤقت.»

مع تكليف شاولا وميلي بالتصدي للوحوش الهائجة، وترك جوليوس لإنهاء القتال مع ريد، كان من المُسلَّم به أن المواجهة ضد الشراهة ستُحسم بمَن تبقى. في مخيلته، كان من المفترض أن تكون إميليا هي القوة الضاربة، فيما يقتصر دوره هو وبياتريس ورام على الدعم.

 

رغم غموض الإجابة، كانت مطمئنة على نحو مفاجئ. مزجت إميليا فنونها الجليدية مع قذائف بياتريس البنفسجية. وتعالى صوت تجمد الهواء متداخلًا مع صدى تحطم الزمن المتجمد.

أضافت رام: «كما أنها غيَّرت شكلها؛ لذا من السهل تمييزها. إن رأيتَ عقربًا ضخمًا جدًا، فهو العدو.»

«إيييياااا!»

 

 

«أتمنى لو كانت أذناي تخدعانني.»

 

 

سلطة، حاسة سادسة… أيًا كان اسمها، فقد كان بإمكانه استخدامها لاستشعار أن النور الذي يُفترض أنه شاولا كان قد اتخذ موقعًا بعيدًا عنهم. لم يكن يعلم إن كان ذلك لالتقاط أنفاسها بعد فقدانها لمخلبها، أم لسببٍ آخر.

ازداد توتر ملامح جوليوس المتألقة إثر سيل المعلومات. وإلى جانبه، تحدث سوبارو بصوت خفيض، حتى لا يلفت انتباه الوحش البشري ذي الشعر الأحمر.

«للأسف، إجابة هذا السؤال هي الأخبار السيئة.»

 

«لا يوجد دليل على أن ما أكله سيُعاد بمجرد قتله، أليس كذلك؟ بل إننا سنفقد أيضًا فرصة انتزاع تلك المعلومات منه إذا مات. وهذا ما أخشاه.»

«على أي حال، بالنظر إلى هذا، علينا أن نكون حذرين في تعاملنا مع الشراهة. الخطوة الأولى ستكون البحث عن الشخص الآخر الذي يُفترض أنه هنا، ولكن—»

وهذا لم يكن يعني سوى حقيقة واحدة لا يمكن إنكارها.

 

 

«فيما يخص ذلك، لديَّ أخبار جيدة وأخرى سيئة.»

 

 

«جوليوس، لا يسعدني أن أبعدك عن التهديد الذي نراه لنلاحق تهديدًا محتملًا. لكن لا يمكننا تجاهل ما يقوله ناتسكي.»

«أنتم الاثنان متشابهان…»

 

 

 

لم يُرِد سوبارو تجاهل تعليق رام، لكن لم يكن لديه وقت لذلك، فركَّز انتباهه على رد جوليوس الذي بدا أقرب إلى انتقام منه إلى إجابة.

حدَّق باتينكايتوس أمامه بعينين واسعتين فارغتين، بينما مَن أسقطته، إميليا، هتفت بمرح:

 

 

«حسنًا، أخبرني بالأخبار الجيدة أولًا.»

 

 

 

«أعرف مكان الشراهة الأخرى التي تبحث عنها.»

 

 

حتى إميليا، التي كافحت ضد العقرب، متضرعة أن تتمكن من حماية رفاقها.

«—! جادٌّ أنت؟! أين هو؟ علينا القضاء عليه قبل أن يصل إلى الآخرين!»

«……»

 

أجابت بياتريس على سؤال رام، وقد ازداد توتر وجنتيها الطفوليتين وهي تهز رأسها.

«للأسف، إجابة هذا السؤال هي الأخبار السيئة.»

 

 

 

اندفع سوبارو إلى الأمام، متمسكًا بكلام جوليوس عند ذكر الشراهة التي لم تُكتشف بعد، لكن الأخير هزَّ رأسه بجدية ورفع سيفه ببطء…

 

 

رغم تظاهرها بالانزعاج من اعترافه، وافقت ميلي على تولي أمر الوحوش السحرية. تصرفت وكأنها غير راغبة في ذلك، لكن أي شك في نواياها كان سيتلاشى بمجرد رؤية سرعتها وهي تندفع نحو الشرفة المخفية.

«أسقف الشراهة، روي ألفارد، موجود هنا أمامنا.»

«أيقونة؟ أما رام، فهذا مفهوم، لكن لماذا تُقحمني أنا؟»

 

 

«… هاه؟»

 

 

كان من الأفضل استخدامها لإنهاء العقرب، لكن…

أشار جوليوس بطرف سيفه مباشرة نحو أمام.

تناثر الركام والغبار الذي هدأ أخيرًا في الهواء مجددًا، حاجبًا الرؤية مرةً أخرى.

 

«… لا، لقد كان عملًا رائعًا. نعم، رائعٌ بحق.»

«……»

لكن سرعان ما عضَّ على شفتيه إحباطًا، مدركًا أن مَن تسبب في هذه الفوضى قد فرَّ بعيدًا.

 

لوح بسيف الفارس بلا اكتراث، يقطع الظلال بسلاح كان من المفترض أن يكون بين يدي جوليوس.

أشار السيف نحو الرجل الضخم ذي الابتسامة الشرسة التي تشبه ابتسامة سمكة قرش. لم يكن هناك مجال لسوء الفهم؛ كان يشير إلى ذلك العنف المتجسد ذو الشعر الأحمر.

جميعهم ابتلعتهم الظلال الممتدة في طرفة عين، واختفوا في العتمة.

 

 

وفيما لزم كل من سوبارو ورام الصمت، تابع جوليوس كلامه.

وهكذا، اختفى أحد الخيارات التي كانوا يعولون عليها لاستعادة ما سرقه الشراهة منهم.

 

 

«أول قديس سيف، ريد أستريا الواقف أمامنا، هو نفسه أسقف الشراهة، روي ألفارد.»

 

 

 

٥

من دون ذلك، لن يستطيع تحمُّل الأمر. ففكرة أن شاولا، تلك الفتاة المخلصة والمشاكسة، التي لم تظهر له يومًا أي تحفظ أو قلق… قد تكون قد خدعتهم طوال الوقت؟

 

كان الأمر متناقضًا. تصرفاتها ليست منطقية إطلاقًا.

استغرق الأمر بضع ثوانٍ حتى استوعب سوبارو تلك الكلمات، ثم بدأ ذهنه يهضم معناها.

«وأيضًا، هل ظننتَ أن هذا كل شيء؟ لقد استهنتَ بغضبي.»

 

«أنا لا… أستخدم السيوف… غاه…!»

«ريد… هو روي ألفارد…؟»

«……»

 

كان ذلك غير متوقع إلى حد جعل عقل سوبارو يتوقف عند عتبة الفهم، كمَن يقرأ كتابًا بلغة أجنبية يعجز عن فك شيفرتها مهما حاول.

كان ذلك غير متوقع إلى حد جعل عقل سوبارو يتوقف عند عتبة الفهم، كمَن يقرأ كتابًا بلغة أجنبية يعجز عن فك شيفرتها مهما حاول.

 

 

«ناتسكي سوبارو.»

كان يمكن أن يكون ذلك لغزًا منطقيًا أكثر من كونه حقيقة.

«كا-كاد أن يكون الأمر كارثيًا… كنت سأُلتهم… شكرًا لك.»

 

 

«……»

«أعلم! جوليوس! بياتريس! فلنبدأ!»

 

 

لكن رؤية ملامح جوليوس وهو يمسك بسيفه ويوجه نظراته الجادة نحو ريد جعلت الأمر يبدو أبعد ما يكون عن المزاح.

أمل سوبارو في استخدام الضوء الذي استثار حاسته السادسة كفرصة أخيرة للخروج من هذا الوضع البائس، لكن…

 

«إذًا، إحدى الأخبار السيئة هي أن الذكريات المسروقة لم تعد؟»

لم يكن من النوع الذي يزيد الفوضى في موقف خطير بالفعل بإلقاء نكتة سخيفة بلا داعٍ. بعد أن أعاد اكتشاف شخصيته من جديد إثر فقدان ذكرياته، بات سوبارو واثقًا من ذلك.

لم تَطِق إميليا الوقوف مكتوفة الأيدي وهي ترى سوبارو ممزقًا بين الشك والثقة، فتقدمت إلى الأمام. تجاهلت تحذير رام، وأخذت نفسًا عميقًا ثم نادت:

 

 

إذا لم يكن كلامه كذبًا، ولم يكن مزاحًا، فالوضع في غاية الخطورة.

 

 

 

«إذًا، التفسير الأكثر منطقية هو أن ذلك الألفارد قام بالتحول إلى هيئة ريد و—»

 

 

«أنا لا أطيق مثل هذه السخافات، أيها الوغد. لا تظن أنني مجرد شخص آخر متخفيًا بهذه الهيئة.»

«توقف، انتظر لحظة.»

 

 

«إن كانت المعركة متكافئة، فهذا يعني أن التوازن…»

قطَّب ريد حاجبيه بانزعاج.

«سوبارو!»

 

«كيف كان ذلك؟! لنُعيد تمثيل تلك اللحظة المؤثرة! لنبدأ من هنا، سيدي! من واحد، لا، من صفـ—»

«هذا سوء فهم غير مضحك.»

 

 

 

«إيه؟»

«……»

 

اتسعت عينا إيكيدنا عند سماع أوامره الحاسمة. في تلك الأثناء، مدَّ سوبارو يده وربَّت على عنق باتراش، ثم حدق في ملامح ريم بعناية، وكأنه يود حفظها في ذاكرته.

«أنا لا أطيق مثل هذه السخافات، أيها الوغد. لا تظن أنني مجرد شخص آخر متخفيًا بهذه الهيئة.»

 

 

تسببت الصدمة الهائلة في رفع سوبارو عن الأرض، بينما دار العالم من حوله.

لم يستطع سوبارو أن يجزم إن كان هذا الاستياء صادرًا عن ريد الحقيقي أم مجرد تمثيل من الشراهة المتنكر، لكن بدا واضحًا أنه لا يحاول إخفاء هويته. ببساطة، كان الأمر أشبه بنوبة غضب طفولية.

 

 

 

«أنا هو أنا. ولن يغيِّر ذلك شيء. لهذا السبب أنا هنا. أتسمعون؟ مَن يجرؤ على الاعتراض؟ هاه؟»

 

 

«بإمكاني أن أعرف تقريبًا أماكن الجميع… وما إذا كانوا بخير أم لا. مع هذه…»

«……»

 

 

 

رفع يده ليلمس الرقعة التي تغطي عينه اليسرى، معلنًا عن هويته كما لو كان يكشف أنيابه.

إن كان النصل حادًا بما فيه الكفاية، فإن ضربته تكون كنسمة هواء عابرة.

 

 

وفيما ازداد ارتباك سوبارو بعد سماعه هذا الكلام، تحركت رام قليلًا في ذراعيه. انعكست دهشة خفيفة في عينيها الورديتين.

«جوليوس، لا يسعدني أن أبعدك عن التهديد الذي نراه لنلاحق تهديدًا محتملًا. لكن لا يمكننا تجاهل ما يقوله ناتسكي.»

 

 

«أيمكن أن يكون…؟» تمتمت بهدوء. «السيدة بياتريس، لقد ذكرتِ ذلك من قبل أن أسقف الشراهة الذي واجهناه في مدينة البوابة المائية كان قادرًا على تغيير شكله بحرية.»

وبطريقة ساخرة، وبعد أن فقد صاحبه، استخدم بحرية في يد قديس السيف. لكن لم يكن هناك وقت للتوقف عند تلك المفارقة القاتلة.

 

«……»

«… كان ذلك هو ما فكرتُ بيتي فيه أيضًا،»

 

 

هل عليهم الالتحاق بإيكيدنا والبقية من غير المقاتلين، أم البحث عن ميلي لمعرفة ما حدث بعد رحيل شاولًا؟

أجابت بياتريس على سؤال رام، وقد ازداد توتر وجنتيها الطفوليتين وهي تهز رأسها.

 

 

 

يبدو أن الاثنتين توصلتا إلى نتيجة مشتركة، لكن لا سوبارو ولا إميليا استطاعا مجاراة منطقهما.

تهاوت بنية برج الساعة بالكامل، وفقد القدرة على التمييز بين السقف والجدران. لم يكن هناك سوى سماء سوداء لا نهائية، وأرضية سوداء لا نهائية، وعالم أسود بلا حد.

 

 

وبينما ازدادت حيرتهما، زفرت رام بامتعاض…

 

 

رغم تظاهرها بالانزعاج من اعترافه، وافقت ميلي على تولي أمر الوحوش السحرية. تصرفت وكأنها غير راغبة في ذلك، لكن أي شك في نواياها كان سيتلاشى بمجرد رؤية سرعتها وهي تندفع نحو الشرفة المخفية.

«الشراهة الذي رصدناه سابقًا في موقع مختلف كان قادر على تغيير شكله بحرية… لا، أظن أن الأمر كان محصورًا في هيئة مَن التهمت ذكرياته فحسب.»

 

 

 

«قدرة عبثية تمكنه من إعادة إنتاج شخصية الضحية بل وحتى جسدها المادي. لن يكون غريبًا إذا تسببت تلك العملية في انفصال روح الأسقف عن جسده، مما حال دون عودته إلى طبيعته.»

 

 

 

«إذًا، لا تقتصر قدرته على استنساخ المهارات فحسب؟ بل يمكنه حتى نسخ الأجساد؟ هذه حقًا القدرة المثالية لشخص يعتمد على التقليد…»

 

 

 

هزيمة شخص قادر على محاكاة قدرات الآخرين بسبب عدم تمكنه الكامل من السيطرة عليها كانت فكرة مألوفة إلى حد ما.

«هل هذا وقت العناد؟! البطاريات الفارغة عليها أن تلتزم الصمت أثناء حملها!— بياتريس!»

 

لكن كان هناك أمرٌ واحدٌ كان واثقًا منه…

لذا، فإن نظرية رام وبياتريس -المتمثلة في أن استنساخ الجسد الأصلي يسهم في استيعاب القدرات المسروقة على نحو أفضل- كانت منطقية تمامًا.

تكرار لا نهائي للحظات أخيرة، كان من المفترض أن تكون كلٌّ منها النهاية.

 

 

«إذًا، ذلك الشراهة يستغل هذه القدرة… أو ربما الأدق القول إنه استغلها بالفعل.»

«……»

 

 

«الماضي؟ لا تقل إنك…؟»

 

 

«—إميليا! إنه الانتحاء الذاتي!»

اتسعت عينا سوبارو حين أدرك مغزى كلام رام، ثم نظر إلى جوليوس مترقبًا تأكيده. فما كان من الأخير إلا أن أومأ برأسه ببطء وأناقة، وعيناه الصفراء تركزان مجددًا على ريد.

—ثم لمح رام، التي لم تبتلعها الظلال بعد.

 

«أسقف الشراهة، روي ألفارد، موجود هنا أمامنا.»

«استنتاج الآنسة رام والسيدة بياتريس صحيح. الرجل الواقف أمامنا… هذا الجسد يعود بلا شك إلى روي ألفارد. لكن عقله ليس كذلك.»

ومع ذلك، وبينما كان سوبارو يراقب الاثنتين، شعر ببعض التوتر يتلاشى من كتفيه.

 

 

«—عقله؟»

 

 

«ترقية…؟»

«لقد التهم روي ألفارد ذكريات ريد أستريا، لكن روحه نفسها انتُزعت منه بفعل تلك الذكريات. وهكذا، تمكن من النزول من الطابق الثاني ليقف أمامنا الآن بلا أي قيود.»

«ذلك يعني أن هناك خبرًا سيئًا إضافيًا… حسنًا، لنبدأ بالأخبار الجيدة.»

 

 

«……»

حتى مع ارتخاء ركبتيه، ارتسمت على وجهه ملامح ارتياح لا إرادي.

 

 

وقف سوبارو في ذهول، عاجزًا عن تصديق هذا الاحتمال الأشد جنونًا.

«هاه! كما توقعت منك، أيتها الفاتنة! لكنكِ تفهمين، صحيح؟ امتحانكِ قد انتهى بالفعل.»

 

 

هل يمكن أن يحدث شيء كهذا حقًا؟

 

 

 

لكن ذلك يفسر كل ما كان محيرًا بشأن ريد— كيف حصل على حريته فجأة، وكيف استطاع التجول في البرج وسط هذه الفوضى رغم أنه كان من المفترض أن يبقى محجوزًا في الطابق الثاني كممتحن. إذا كان قد استولى على جسد الشراهة، فالأمر منطقي تمامًا.

همسة قرب أذنه، لمسة مشؤومة، عناق يحيط بجسده كله، لمسة حانية على روحه… كان ذلك الحب الذي غيَّر العالم قريبًا منه إلى حد مرعب.

 

كانت قريبةً منه لدرجة أنه شعر بأنفاسها الدافئة.

«إذًا، لقد وقع في الفخ الأكثر رعبًا، فخ استنساخ الذكريات.»

 

 

إن لم تسر الأمور كما خُطط لها، فإن الفشل سيقود حتمًا إلى مأساة مهولة.

«بعبارة أخرى، الأنا الأقوى هي التي انتصرت… يا لها من مقامرة خطيرة.»

كان جوليوس قد عاد إلى الطابق الثالث للإبلاغ عن المشكلة بينما كانوا ينهون نقاشهم على عجل. وعندما التفت إليها سوبارو، كانت ميلي قد ارتسمت على وجهها ابتسامة ماكرة، مدركة أن سبب قلق جوليوس هو أسراب الوحوش.

 

كلمات بياتريس ساعدته على تبديد الذعر والندم اللذين كانا على وشك التهامه بالكامل.

سخرت رام بتهكم من تهور ألفارد حين تجرأ على تحدي شخص يملك إرادة صلبة كإرادة ريد.

«نعم. وضعت يدك على كتفي.»

 

 

لا أستطيع إنكار ذلك. لكن بينما لم يكن واضحًا أيهما كان أكثر صعوبة في الهزيمة، ريد أم ألفارد، كان من الجلي أيهما يمثل إزعاجًا أكبر— والإجابة كانت بلا شك ريد.

كان هذا تصريحًا متعجرفًا متغطرسًا، إلا أنَّ ريد امتلك من الهيبة ما يجعل دحض كلماته أمرًا مستحيلًا. شعر سوبارو بتلك القوة تنفذ عبر جسده، فابتلع ريقه بصمت.

 

إنها الحرارة الغريبة ذاتها التي أحس بها قبل أن يبتلعه الظل في نهاية الحلقة الماضية. تسارع نبضه، وأغلق عينيه بينما تزايد شعوره بالقلق الذي يغلي داخله.

بما يملكه من قوة، وبالنظر إلى السؤال الذي ما زال معلقًا بشأن مدى معرفته بالمعلومات التي يحتاجونها، فقد كان بلا شك أحد العوائق الخمسة في طريقهم، بل وكان أشبه بكارثة حقيقية.

«—أعلى!»

 

سوبارو تدحرج بلا حول ولا قوة بينما أظهر سكان هذا العالم الخيالي ردود فعل مذهلة.

لكن، لماذا خاطر ألفارد بهذا الشكل؟

ورغم أنها قادرة على توجيه ضربة لا تعرف الرحمة لباتينكايتوس، فإنها بطبعها تفضل الحلول السلمية، مما أضفى على شخصيتها هالة من الغموض.

 

«واااه؟!»

«روي ألفارد قال إنه لم يستطع مقاومة طبيعته. باعتباره شراهة.»

 

 

 

«… هل تحدثت معه؟»

لم يكن الجانب الأيسر المغطى بالدماء، الذي مزقته رام، بل كان الجانب الأيمن من وجهه هو الذي تعرض لإصابة بالغة. بل إن وصفها بالبالغة كان تهوينًا من فداحتها— إذ لم يبقَ منه سوى القليل. فقد اختفى تمامًا الجزء الممتد من وجنته اليمنى إلى عينه اليمنى، تاركًا جرحًا لم ينزف؛ لأن اللحم كان قد احترق.

 

«إميليا تشان؟ ماذا تفعلين…؟ ولماذا تبدين هكذا…؟»

«حين وصلت إلى الطابق الثاني، صادفت روي ألفارد وريد يتواجهان هناك.»

 

 

 

شرح جوليوس كل ما شهده. المواجهة التي جرت بين ريد وألفارد في تلك المساحة البيضاء. كيف التُهِم الكيان الغريب, المسمى ريد أستريا، وكيف جُرِدَت روح ألفارد من جسده خلال تلك العملية.

 

 

 

«… مثير للدهشة أنك سمحت لنفسك بأن تؤكل.»

أطاعها وقفز إلى الخلف وهو لا يزال يحملها، في اللحظة ذاتها التي انقسم فيها السقف المتصدِّع بفعل الانفجار إلى نصفين قطريًا.

 

«إذا طلبت منكِ أن تقتلي نفسك، هل ستفعلين؟»

«الأمر الأكثر إثارة للدهشة أنه امتلك الجرأة ليحاول أكلي أصلًا. في النهاية، لا أحد يستطيع التمرد على طبيعته. ذلك الصغير ضحَّى بنفسه على ذلك المذبح.»

«يجب أن تكوني قد لاحظتِ الأمر بنفسك، يا سيدة إميليا. ذلك الهجوم الضوئي هو نفسه الذي استهدفنا في كثبان أوغوريا.»

 

 

«لكنَّك لم تقاوم حين التهمك ألفارد. هل كنت واثقًا من أنك ستتمكن من السيطرة على وعيه؟»

لذا، اكتفى بإخبارها بما هو أهم من كل شيء.

 

 

«لم يكن في الأمر أي ذكاء. هناك شيء واحد فقط كنت واثقًا منه.»

«سأختصر الأمر. لم أستطع رؤية ذكريات ريد في كتاب الموتى. كان هناك شيءٌ يعيقني. يبدو أن الكتاب مرتبط بشيء يُدعى ”أود لاغنا“، وهناك التقيتُ بشخصٍ مزعج.»

 

 

عند سماعه سؤال جوليوس، قطَّب ريد حاجبيه وهو يحك أذنه بإصبعه، ثم ارتسمت على وجهه ابتسامة شرسة.

ما عليه فعله لم يتغير. الأشخاص الذين يجب عليه إنقاذهم لم يتغيروا، وكذلك الأعداء الذين عليه هزيمتهم.

 

 

«—أنني أنا.»

 

 

عيناه الذهبيتان لم تفقدا بريق الإرادة بعد.

ربما كان ذلك هو جوهر روح ريد أستريا… والإجابة التي أساء روي ألفارد فهمها. فالشراهة لم يكن قد ابتُلع على يد إنسان، بل على يد وحش.

ها هي بياتريس مستلقية على وجهها، بلا حراك، فاقدة الوعي على بعد مسافة قصيرة. لم تكن هناك أي وسيلة لمقاومة أسلوب السياف الأسطوري الذي عاد إلى الحياة بعد أربعمئة عام، حتى بالنسبة لساحرة بارعة لا تبدو أكثر من مجرد فتاة صغيرة.

 

 

وهذا لم يكن يعني سوى حقيقة واحدة لا يمكن إنكارها.

«إن لم تكن تهذي حين قلت إنك شعرتَ بشاولا، فلا بد أن لديك سببًا لذلك. هل هو سحرٌ جديد غريب بمساعدة السيدة بياتريس…؟ لا تقل لي إنه بركةٌ؟»

 

 

دوى صوت انفجار مدوٍ، وبدأت برج الساعة -المشيد من مادة تفوق في صلابتها أي حجر عادي- يتحول إلى غبار. لقد كان هذا عملًا تخريبيًا ارتكبته ظلال لا ينبغي أن تمتلك أي كتلة.

 

وفي مواجهة وابل الهجمات، كانت بياتريس في قلب العاصفة، تدافع عن سوبارو باستخدام سحرها، متصديَّة للضربات، وحارفةً مسارها، وصادةً العشرات منها ببراعة. لكن الغريب أن أغلب الهجمات استهدفت سوبارو تحديدًا.

تابع إميليا قائلة: «أيمكنني أن أسأل شيئًا؟» فبعد أن اتضحت لها الصورة أخيرًا، رفعت يدها لتوجه أنظارها البنفسجية إلى ريد، متسائلة: «هل هذا يعني أنك قد عدت إلى الحياة من جديد؟»

 

 

بناءً على ما سمعه، كان سوبارو قد استنتج أن إيكيدنا تقطن هذا الجسد مؤقتًا، وأن هدفها هو إعادته إلى صاحبه الأصلي.

«نعم، والآن يمكنني العثور على مكان أكثر راحة لأقيم فيه برفقتك، يا فاتنة. أنتِ المسؤولة عن تقديم الشراب الليلة. وليس الشراب فقط، فالقائمة طويلة.»

 

 

 

«—؟ أأنت تدعوني للخروج؟ لم أخرج في موعد سوى مع باك وسوبارو؛ لذا أعتذر. وأيضًا…»

«……»

 

 

لقد تفوهت بمعلومة في غاية الأهمية بكل بساطة، ولم يكن هذا الوقت المناسب كي يتوقف سوبارو عندها. كان متفاجئًا بعض الشيء من قدرتها على مجاراة ريد في حديثه الفوضوي.

كانت لطيفة، مسالمة، وربما هادئة أكثر مما ينبغي. تلك كانت طبيعتها بإيجاز. ومع ذلك، حتى هي لم تستطع إخفاء انزعاجها من فلسفة ريد المتعجرفة التي بلغت حد الوقاحة.

 

 

لكن رغم دهشة سوبارو، ارتسمت ابتسامة خفيفة في زوايا عيني إسميليا.

 

 

 

«تهانينا على استعادة حريتك في الحركة. هذا أمر رائع حقًا… لكن لدينا عمل مع الفتى الذي حاول التهامك وانتهى به المطاف ملتَهَمًا.»

 

 

 

«تريدين مني أن أعيد له جسده؟ أجل، فهمت موقفكم يا جميلة. هناك شيء تسعون لاستعادته، أليس كذلك؟ تِه! ذلك القذر الصغير يعرف الكثير من الأمور الغريبة.»

 

 

 

«—! أيمكنك رؤية ذكريات ألفارد؟! في هذه الحالة—»

 

 

أدى التدمير المفاجئ إلى اختلال توازن إيميليا، فاستغل الشراهة ذلك ليضرب قدمها المحورية بمخلبه الخلفي، جاعلًا إياها تدور في الهواء قبل أن تمتد أظافره باتجاه وجهها.

«أن أساعدكم؟ أوه، أوه، لا تجعلوني أضحك.»

في الواقع، تحركات ريد لم ترتبط بالشراهة. كان ذلك واضحًا من مواجهتهما السابقة، ومن الطريقة التي حطم بها باتينكايتوس تمامًا.

 

«من الصحيح أن شاولا كانت متعلقة بك… لكنها تعرف أنك ستموت إن فعلت شيئًا كهذا.»

بصق ريد هذه الكلمات باستياء وهو يمسك بقطعة القماش الملفوفة حول خصره. لم يكن الأمر مجرد عودة إلى الحياة، بل إنه استولى أيضًا على ذاكرة روي ألفارد، ما مكنه من الاطلاع على جزء من سلطة الشراهة.

«… أنتما الاثنتان… لم تصابا بشيء؟»

 

لقد كانت هذه المرة الثالثة التي يرى فيها هذا الظل، وفي كل مرة، فقد حياته.

لكن هذا الأمر تعارض تمامًا مع مبادئه…

لم يكن من النوع الذي يزيد الفوضى في موقف خطير بالفعل بإلقاء نكتة سخيفة بلا داعٍ. بعد أن أعاد اكتشاف شخصيته من جديد إثر فقدان ذكرياته، بات سوبارو واثقًا من ذلك.

 

 

«لن أعيده إليكم، وليس من شأني مساعدتكم. ثم إن أيًا منكم، باستثناء الجميلة هنا، لم يجتز امتحاني بعد.»

حاسته السادسة أخبرته أن هناك حليفًا في ذلك الاتجاه. ذلك الضوء… نبع منه.

 

«……»

«أأنت مصرٌّ على ذلك الاختبار حتى الآن؟»

بينما كان يتمنى ذلك، تجذَّرت الذراع الثالثة داخله.

 

 

«لا، لست مصرًّا. الأمر يتعلق بالمبدأ.»

 

 

وهكذا، اختفى أحد الخيارات التي كانوا يعولون عليها لاستعادة ما سرقه الشراهة منهم.

كشف ريد عن أسنانه بابتسامة ساخرة، كاشفًا عن عقلية تتناقض تمامًا مع ما يطمحون إليه.

لماذا لم يستطع ناتسكي سوبارو الوصول إليها أبدًا؟

 

لم يكن الأمر يعني أنه يمكنهم الاسترخاء تمامًا، لكن الإفراط في التوتر كان مشكلة كذلك.

لقد أدركتُ ذلك مسبقًا. ففي كل حلقة متكررة، بغض النظر عن حجم الكارثة التي تحل، لم يكن يغيِّر أفعاله أبدًا.

 

 

—وفي اللحظة التالية، اهتز برج بليديس للمراقبة بعنف.

حتى مع تمتعه بحريته، ظل وفيًّا لدوره كالمختبر— لا، لم يكن يتصرف بدافع أداء دور. تصرف ببساطة وفق طبيعته.

 

 

انعقد حاجبا جوليوس في صدمة حين سمع ذلك الاسم.

لكن على أي حال…

«مئة مرة؟!»

 

«……»

«فهمت. إن كنت ترفض، فلا حيلة لنا إذًا.»

 

 

 

تنهدت إميليا بخفة، وكأنها تعبر عن أسفها، غير أنها اتخذت قرارها بالفعل.

دوى صوت انفجار مدوٍ، وبدأت برج الساعة -المشيد من مادة تفوق في صلابتها أي حجر عادي- يتحول إلى غبار. لقد كان هذا عملًا تخريبيًا ارتكبته ظلال لا ينبغي أن تمتلك أي كتلة.

 

«لكنَّك لم تقاوم حين التهمك ألفارد. هل كنت واثقًا من أنك ستتمكن من السيطرة على وعيه؟»

«آسفة.»

«رام؟! ما الأمر؟ هل أصابك شيء؟ هل تأذيتِ؟!»

 

«افتح عينيك وانظر. ماذا تعني بـ ”مستحيل“؟ هل ما زالت عيناك تعملان؟ افتحهما وانظر جيدًا.» صرخ ريد. «تظن أني أكذب؟!»

لم تكن تعتذر لرياد، بل لبياتريس التي تمسك بها.

«شاولا، هل ستفعلين أي شيء أطلبه منكِ؟»

 

بما يملكه من قوة، وبالنظر إلى السؤال الذي ما زال معلقًا بشأن مدى معرفته بالمعلومات التي يحتاجونها، فقد كان بلا شك أحد العوائق الخمسة في طريقهم، بل وكان أشبه بكارثة حقيقية.

تسمرت ملامح بياتريس في ذهول وهي تُلقى من ذراعي إميليا الدوارتين، متخذة قوسًا في الهواء قبل أن تهبط برقة على كرسي جليدي تشكل في الممر.

«إيه؟» اتسعت عينا بياتريس.

 

 

—وفي لمح البصر، انطلقت إميليا كالسهم عبر الممر، ملوِّحة بسيفها الجليدي نحو عنق ريد.

 

 

 

«هاه!»

 

 

 

لم تتردد إميليا لحظة بعد أن قررت التحرك، غير أن ريد تصدى لهجومها المفاجئ بضحكة، مستخدمًا… عيدان الأكل التي سحبها من ثيابه.

شعر سوبارو بالذهول وهو يوسِّع نطاق حواسه بحثًا عن أي وجودٍ حول البرج.

 

«إذًا، لماذا—؟»

تلك العيدان مجددًا…

 

 

 

ليست هذه المرة الأولى التي يرى فيها سوبارو استخدامه العجيب لعيدان الأكل كسلاح، لكنه لم يستطع التعود على المشهد. وخصوصًا عندما استخدمها لإرسال إميليا طائرة عبر الممر المتداعي.

«… هل تحدثت معه؟»

 

«……»

«هاه! كما توقعت منك، أيتها الفاتنة! لكنكِ تفهمين، صحيح؟ امتحانكِ قد انتهى بالفعل.»

 

 

«امنحيني صفعة!»

«في هذه الحالة، دع الجميع يجتازون الاختبار أيضًا!»

 

 

«أعرف مكان الشراهة الأخرى التي تبحث عنها.»

«أوه، أوه، وأين المنطق في ذلك؟ لا يوجد سبب يدفعني لفعل ذلك.»

 

 

«يبدو أننا نجونا.»

«أرجوك!»

«كيف…؟»

 

وفي اللحظة التي كاد فيها أجمل وجه في العالم أن يُمزق—

«توسلكِ بلا جاذبية. على الأقل تجرَّدي أولًا.»

 

 

«—! ريم قالت هذا؟! عن أي شيء تتحدث؟!»

كان توسلًا يحمل بصمة إميليا المعتادة، قيل وسط هجوم جليدي متواصل، لكن ريد لم يكن مهتمًا بالإصغاء.

وعلى الأرض، أسفل شرفة برج بليديس بمئات الأقدام، اجتاحت جحافل من الوحوش الشيطانية المكان بشراسة، وكأنها تحاول إسقاط البرج.

 

«—موراك!»

بدا للوهلة الأولى أن إميليا تسيطر عليه بهجماتها المتتالية، لكن الحقيقة كانت بعيدة كل البعد عن ذلك.

«أعتقد أنه لم تمضِ سوى دقائق قليلة منذ افترقنا، لكن يبدو أنكم قد اختبرتم بعض الإثارة أيضًا.»

 

 

كانت قوة إميليا مذهلة، ما جعلها خصمًا مكافئًا تمامًا للشراهة والعقرب. وبوجودها على هذه المسافة، ليس من المبالغة القول إنها قادرة على هزيمة مئة نسخة من سوبارو بسهولة.

«… آه، صحيح. ربما لا تستطيعين الكلام. إذًا، ارفعي يدكِ اليمنى إن كنتِ شاولا، وارفعي اليسرى إن لم تكوني كذلك! بهذه الطريقة سنعرف.»

 

«… هاه؟»

ومع ذلك، كانت مجرد لعبة أطفال أمام ريد.

أجابت بياتريس على سؤال رام، وقد ازداد توتر وجنتيها الطفوليتين وهي تهز رأسها.

 

«إذًا، هذه هي… شاولا؟»

فبعد بضع تبادلات لا غير، تمكن من التصدي لكل ما جلبته إميليا باستخدام… عيدان الأكل تلك. كانت فجوة القوة بينهما واضحة حتى للمبتدئين.

 

 

«بالضبط.»

«السيدة إميليا…! نغ، باروسو!»

 

 

 

«أعلم! جوليوس! بياتريس! فلنبدأ!»

 

 

 

كان بإمكان رام رؤية مصير إميليا المحتوم، فصاح سوبارو ردًا على ندائها، متخذًا قرار مواجهة ريد بكل قوتهم مجتمعة.

 

 

 

لم يكن هذا المشهد متوقعًا— لم يكن من المفترض أن تسير المعركة بهذا الشكل، لكنها تطورت على نحو مستمر.

جاء تعليق رام الجاف معبِّرًا عن مشاعر الجميع في تلك اللحظة.

 

 

علينا أن نتصرف وفق الظروف ونبذل قصارى جهدنا—

 

 

 

«—هذا ليس أسلوب قتالِك.»

إميليا كانت متفائلة إلى حدٍّ لا يُصدَّق، لا تستطيع الوقوف مكتوفة اليدين، ودائمًا ما تنتشل سوبارو عندما يكون على وشك السقوط.

 

«لنسألها.»

«……»

لوح بسيف الفارس بلا اكتراث، يقطع الظلال بسلاح كان من المفترض أن يكون بين يدي جوليوس.

 

 

وكأن ريد قرأ أفكار سوبارو، قطعه بهذه الكلمات قبل أن يتمكن من فعل شيء.

«……»

 

شعر بيد ناعمة تمسك بيده بلطف، كأنها تعلن عن هدنة في معركته الداخلية التي أوشكت أن تنفجر. بياتريس كانت تمسح على ظهره، تحاول تهدئته.

ولم يحتج ريد أستريا سوى لدقيقة واحدة ليمحو تمامًا ما حاول ناتسكي سوبارو فعله.

«انتظري، انتظري، انتظري! أنتِ تسبقين الأحداث! أفهم سبب توترك، لكن اهدئي قليلًا! أنـتِ—»

 

 

وبعد لحظات، لم يبقَ في الممر سوى شخص واحد واقفًا.

المشاعر التي اعتملت في صدر سوبارو في تلك اللحظة كانت معقدة.

 

 

—ريد أستريا.

لقد كانت هذه المرة الثالثة التي يرى فيها هذا الظل، وفي كل مرة، فقد حياته.

 

 

«أوه… أُغه…»

رفع يده ليلمس الرقعة التي تغطي عينه اليسرى، معلنًا عن هويته كما لو كان يكشف أنيابه.

 

ورغم أنها قادرة على توجيه ضربة لا تعرف الرحمة لباتينكايتوس، فإنها بطبعها تفضل الحلول السلمية، مما أضفى على شخصيتها هالة من الغموض.

أنَّت إميليا محاولة النهوض مجددًا. كان لون ساقيها مشوهًا بالألم، ومع ذلك حاولت استجماع قوتها للنهوض، مستمدة من كبريائها النبيل ما يعينها على الوقوف مجددًا.

«هاه؟! رام؟! لماذا عدتِ؟! وسوبارو وبياتريس أيضًا! من الرائع أنكما بخير، لكن الوضع في غاية الخطورة! غادرا في الحال!»

 

«……»

«……»

«أنا؟ أشكو لك؟ …مستحيل.»

 

 

ها هي بياتريس مستلقية على وجهها، بلا حراك، فاقدة الوعي على بعد مسافة قصيرة. لم تكن هناك أي وسيلة لمقاومة أسلوب السياف الأسطوري الذي عاد إلى الحياة بعد أربعمئة عام، حتى بالنسبة لساحرة بارعة لا تبدو أكثر من مجرد فتاة صغيرة.

 

 

 

«يا لها من مهانة…»

«ابن…»

 

«أعرف مكان الشراهة الأخرى التي تبحث عنها.»

رام، التي استندت إلى الحائط ودماؤها تقطر من فمها، كانت الوحيدة التي خاضت قتالًا حقيقيًا. رغم حالتها البائسة، استنزفت كل ما لديها وكادت تترك خدشًا على جسد ريد. كانت الأجدر بلقب البطلة التي تستحق وسام الشرف.

 

 

 

أما الآخرون—

 

 

 

«لم تكن لديكم فرصة حتى لو استنفدتم كل الحيل التي تعرفونها، لكن كان سيكون من الأفضل لو حاولتم على الأقل. مع ذلك، كنتم ستظلون مجرد صغار في النهاية، أليس كذلك؟ أعتقد أنكم تدركون ذلك الآن.»

«أعلم!»

 

لم يكن يعلم أصل السلطة التي يمتلكها، لكن ذلك ليس مهمًا الآن. ما كان أكثر أهمية ليس سلطة سوبارو، بل سلطة الشراهة.

«ابن…»

«أنتِ هناك! هل أنتِ شاولا أم لا؟»

 

—لكن، إن أردنا الدقة، لم يكن هدفه لقاء إميليا.

ركلة قوية من قدم ريد الصندلية دفعت برأس سوبارو ليصطدم بالأرض.

 

 

لكن في الوقت ذاته، راوده تساؤل آخر:

كان الشعور مقززًا، لكن الألم الذي انتشر في جسده بالكامل مع تعليق ريد المتعجرف قال كل شيء. حتى مع محاولته اليائسة، لم يكن أكثر من فأر مذعور يحاول مهاجمة قط.

«ريد… هو روي ألفارد…؟»

 

كان ذلك رد فعل طبيعيًا. وإن كان هناك شخص غريب الأطوار، فسيكون بياتريس، لمجاراتها لهذا الأمر بهذه السلاسة.

لكن الهفوة بينهما كانت شاسعة إلى درجة أن سوبارو، إن كان فأرًا، فريد كان تنينًا.

«توقف عن التمرد واصبح لي—»

 

 

ليس هناك أي أمل في الانتصار.

 

 

من خلال سحابة الغبار التي اندفعت نحوهم، برزت هيئة جوليوس، وقد تلطَّخت بدلته البيضاء باللون الأحمر. ركع على الفور، ومسح بطهر يده أثر الدم عند زاوية فمه، ثم نظر إلى سوبارو الذي كان مغطىً بالغبار والركام.

لا، ليس الأمر كذلك. لم أتمكن حتى من خلق فرصة للانتصار.

في اللحظة التالية، دوى صوت حاد، وانحرف وميض أبيض اقترب من جانب وجهه بفعل العيدان.

 

«……»

«الأمر لا يتعلق بالعدد. أنتم فقط لا تفهمون ذلك. أدركتم الآن، أليس كذلك؟»

لكن الهفوة بينهما كانت شاسعة إلى درجة أن سوبارو، إن كان فأرًا، فريد كان تنينًا.

 

«بالطبع، أنا ممتن جدًا! أحبك!»

«……»

تلك العقرب العملاقة كانت شاولا، وقد أصبحت عدوَّتهم. لكن كان هناك شيء لم يكن منطقيًا بعد.

 

كان القلق من هذا الاحتمال هو ما دفعه لمحاولة الإمساك بكتفها، ولكن—

من مكانه فوق جسد سوبارو الملقى على الأرض، حول ريد عينه إلى آخر مَن تبقى واقفًا— جوليوس جوكوليوس.

«هذا…»

 

 

كان الوحيد الذي ما زال متشبثًا بالبقاء، ولو على ركبتيه بدلًا من قدميه.

 

 

بعد لحظة تردد، كذب سوبارو بجرأة.

عيناه الذهبيتان لم تفقدا بريق الإرادة بعد.

لكن، بغض النظر عن ذلك، كان الموت قادمًا لا محالة.

 

«… نقطة العودة مختلفة.»

«لماذا…؟»

 

 

—وفي اللحظة التالية، اهتز برج بليديس للمراقبة بعنف.

«هاه؟»

حين عاد من ممرات الذاكرة، كانت العقبات الكبرى قد بدأت بالفعل بالتحرك— كان الارتجاج الطفيف الذي شعر به تحت قدميه دليلًا على اجتياح وحوش الشياطين للبرج.

 

«أسقف الشراهة، روي ألفارد، موجود هنا أمامنا.»

رفع ريد حاجبه مستغربًا السؤال.

لقد ظهر جوليوس بعد أن شقَّ طريقه عبر طوابق البرج بسرعةٍ وحشية، متحركًا في الأبعاد الثلاثة متجاهلًا كافة العوائق الفيزيائية من جدرانٍ وأرضيات، وهو أمرٌ لم يكن يتماشى مع الصورة التي يحملها سوبارو عن جوليوس في ذهنه.

 

«لا تستخدم معايير تافهة كهذه للحكم عليَّ.»

بينما كان يراقبه، مسح جوليوس زاوية فمه، ورغم ارتجاف ركبتيه، وقف. ثم، وهو يحدق في عيني ريد مباشرة، واصل حديثه.

 

 

 

«لماذا أنت مهووس بي؟»

 

 

 

«هاه؟ أنا مهووس بك؟ لا تثرثر. أكثر ما أكرهه هو الرجال الذين لا يجيدون سوى الكلام والمظهر. لماذا قد أكون مهووسًا بشيء كهذا؟»

وكأن الأمر لا علاقة له بما يجري، انطلقت أرجل العقرب تسابق الريح وهو يفر مبتعدًا. كانت هذه المناورة ذاتها التي لجأ إليها في الدورة السابقة أيضًا— وبالتالي، علم سوبارو تمامًا ما سيحدث تاليًا.

 

«آه.»

«إذًا، لماذا—؟»

 

 

علم من الدورة السابقة أن الشراهة قوي على نحو لا يُصدق، فقد كان قادرًا على مجابهة إيميليا وجوليوس نِدًّا بنِد. وإن فقدت رام السيطرة هنا، فقد يخسرون الأفضلية التي حصلوا عليها بحماية اسم إيميليا.

«—أنت مَن لديه سبب ليكون مهووسًا بي. أو هل أنت حقًا بخير مع رحيلي؟»

 

 

كان من الأفضل استخدامها لإنهاء العقرب، لكن…

«……»

سوبارو ارتطم بالأرض، ليجد نفسه قريبًا من بياتريس. حين استعادت وعيها، شحب وجهها وهي تهمس باسمه. رؤية ملامحها المتوترة اعتصر قلبه. أراد فعل أي شيء لتخفيف الخوف والقلق اللذين انعكسا على وجهها المتجهم.

 

حسابنا بتويتر @ReZeroAR

لم يكن من السهل القول إن إجابة ريد كانت واضحة. كان من النوع الذي لا يرى فائدة في توضيح كل شيء بالكلمات، ولهذا كانت معظم إجاباته عاطفية وصعبة الفهم.

 

 

 

«أنت أيضًا، أيها الصغير. أنت لا تفهم، تمامًا مثله. لا تعرف كيف تمسك بسيفك. لا متعة في ذلك.»

 

 

كلمات بياتريس ساعدته على تبديد الذعر والندم اللذين كانا على وشك التهامه بالكامل.

«أنا لا… أستخدم السيوف… غاه…!»

 

 

 

«التكيف أو أيًا كان. في النهاية، لا يعدو كونه تخبطًا. وحدهم الأقوياء يملكون الحق في أن يكونوا لا يُقهَرون طوال الوقت، أليس كذلك؟ لذا…»

«لا شيء، فقط تذكرتُ مجددًا كم أنا أحمق، وإلى أي مدى لم أحقق أي تقدم.»

 

«مذهل… آه، هل لهذا السبب اعتقدتَ أن تلك العقرب العملاقة هي شاولا؟»

توقف ريد عند هذه النقطة، شفتيه تلتويان بينما يلوِّح بعيدان طعامه.

 

 

«أعتقد أنه لم تمضِ سوى دقائق قليلة منذ افترقنا، لكن يبدو أنكم قد اختبرتم بعض الإثارة أيضًا.»

في اللحظة التالية، دوى صوت حاد، وانحرف وميض أبيض اقترب من جانب وجهه بفعل العيدان.

«كنت أعلم أن علاجنا ليس سوى حلٍّ مؤقت… لكن لم أتوقع أن يدوم لهذه المدة القصيرة فقط.»

 

 

«استخدام أعدائك ليس فكرة سيئة. لكنك كنت بطيئًا جدًا.»

 

 

لقد سأل لويس آرنب بالفعل عن الأسماء والذكريات التي يلتهمها الشراهة، وكانت إجابتها أنها لا تعرف كيفية استعادتها. لكن تلك كانت إجابة لويس وحدها، وليس ثمة ما يضمن أن إجابة أخويها ستكون مماثلة.

نظر ريد باتجاه مصدر الهجوم الذي تصدى له، وسخر.

 

 

 

في نهاية الممر، كانت العيون الحمراء المتعددة التي تسبح في الظلام دليلًا على الخطر الذي ظنوا أنهم تخلصوا منه.

 

 

كان الوضع مختلفًا هذه المرة بسبب رام، التي استمرت حياتها الهشة، وبسبب—

أمل سوبارو في استخدام الضوء الذي استثار حاسته السادسة كفرصة أخيرة للخروج من هذا الوضع البائس، لكن…

 

 

وكان التأثير ذاته منعكسًا على سوبارو، الذي لم يسعه سوى مراقبة الموقف بانبهار—

«تشيه، مزعج آخر قد وصل.»

 

 

أمالت إميليا رأسها في حيرة. وبينما كان يفكر أن حركاتها لطيفة، حاول سوبارو يائسًا السيطرة على قواه المكتشفة حديثًا.

«غاه!»

 

 

«سوبارو!»

ركل ريد سوبارو بعيدًا عن مسار الهجوم. وفي اللحظة التالية، انهمرت أمطار من الضوء الأبيض، محولة المكان الذي وقف سوبارو فيه قبل لحظات إلى أرض متفحمة.

«غاه!»

 

هزيمة شخص قادر على محاكاة قدرات الآخرين بسبب عدم تمكنه الكامل من السيطرة عليها كانت فكرة مألوفة إلى حد ما.

ببساطة، أبعد ريد تلك الأسهم، ثم وجه انتباهه نحو الدخيل غير المرحب به—

 

 

 

«سـ-سوبارو…»

 

 

 

سوبارو ارتطم بالأرض، ليجد نفسه قريبًا من بياتريس. حين استعادت وعيها، شحب وجهها وهي تهمس باسمه. رؤية ملامحها المتوترة اعتصر قلبه. أراد فعل أي شيء لتخفيف الخوف والقلق اللذين انعكسا على وجهها المتجهم.

 

 

ظهرت نظرة تأملية على وجه رام بينما كانت تحدق في وجه سوبارو. لكنه لم يستطع تخمين ما الذي يدور في ذهنها، إلا أن تفسير بياتريس لم يكن خاطئًا على الأرجح.

«لم ينتهِ الأمر بعد… بياتريس… سنجد طريقة لاستعادة زمام الأمور…»

 

 

«كا-كا-كا، لا تبدُ مستاءً إلى هذا الحد، أيها القزم. جئت إلى هنا فقط لأن البرج بدا وكأنه يتعرض للتدمير. لكن رؤيتك هنا، أنت بالذات، مخيبة للآمال.»

«لا… ليس هذا! إنه قادم!»

«سوبارو، تمالك نفسك. خذ نفسًا عميقًا.»

 

 

«ماذا؟»

 

 

 

افترض أنها تعني العقرب العملاق. لكن، من حيث التهديد، لم يكن هناك فرق كبير بين ريد وذلك الوحش. ما الذي يمكن أن يظهر في هذا الموقف المريع…؟

لم يكن هناك متسعٌ حتى لإنهاء الصرخة التحذيرية.

 

 

«—أنت لا…»

سلطة، حاسة سادسة… أيًا كان اسمها، فقد كان بإمكانه استخدامها لاستشعار أن النور الذي يُفترض أنه شاولا كان قد اتخذ موقعًا بعيدًا عنهم. لم يكن يعلم إن كان ذلك لالتقاط أنفاسها بعد فقدانها لمخلبها، أم لسببٍ آخر.

 

 

«قلتُ لك، مزعج آخر قد وصل.»

ولن ينسى أبدًا ذلك الشعور بالعجز عندما قُتلت بياتريس وإيكيدنا. أن تكون اليد التي اقترفت تلك الجريمة… هي شاولا نفسها؟!

 

«ريم قالت لي أن أقاتل، وأن أستعيد كل شيء! لذا، هذا ما سأفعله!»

في اللحظة التي مرَّ هذا الخاطر في عقل سوبارو، أكد ريد الأمر بصوت جاد، وكأن الموقف بدا صعب الهضم حتى بالنسبة له.

 

 

 

—وفي اللحظة التالية، اهتز برج بليديس للمراقبة بعنف.

لم يستطع سوبارو أن يجزم إن كان هذا الاستياء صادرًا عن ريد الحقيقي أم مجرد تمثيل من الشراهة المتنكر، لكن بدا واضحًا أنه لا يحاول إخفاء هويته. ببساطة، كان الأمر أشبه بنوبة غضب طفولية.

 

 

تسببت الصدمة الهائلة في رفع سوبارو عن الأرض، بينما دار العالم من حوله.

 

 

 

«……»

 

 

«أمم… هل كانت تلك حقًا شاولا؟» سألت إميليا.

سوبارو تدحرج بلا حول ولا قوة بينما أظهر سكان هذا العالم الخيالي ردود فعل مذهلة.

 

 

 

في الهواء، تخلَّت إميليا عن محاولة تحميل أي وزن على ساقيها المكسورتين، واستخدمت سحرها من وضع مؤلم لتحمي سوبارو من وابل الضوء المركز المتجه نحوه مباشرة. أما جوليوس، فقد اندفع عبر العالم المائل ليواجه تحدي ريد بضربة رمح محملة بكل ما يملك. وفي الوقت نفسه، رفعت بياتريس راحتيها الصغيرتين نحو سوبارو وألقت تعويذتها.

 

 

 

«—موراك!»

«أنا بخير… أعتقد ذلك. لكنني لا زلت مشوشًا.»

 

عضَّ على شفتيه بقوة ليمنع نفسه من الاستسلام.

بمجرد أن نطقت بها، شعر سوبارو بحالة من انعدام الوزن تختلف تمامًا عن الإحساس الناجم عن موجة صدمة. كأنه قد تحرر من قيود الجاذبية وانطلق في عالم بلا وزن.

فجأة، اندفع الظل الأسود الذي أحاط بسوبارو بعيدًا بحركة واحدة خاطفة.

 

«—أنني أنا.»

لم يكن لانقلاب العالم رأسًا على عقب تأثير يُذكر على الوضع. فقد استمر الجميع في فعل ما اعتقدوا أنه الأفضل.

 

 

 

«آه.»

«إذا طلبت منكِ أن تقتلي نفسك، هل ستفعلين؟»

 

 

ثم ابتلعتهم جميعًا موجة ضخمة من الظلال السوداء، ضاحكة بسخرية من محاولاتهم.

 

 

كان يتوقع هذا.

«……»

 

 

رغم تظاهرها بالانزعاج من اعترافه، وافقت ميلي على تولي أمر الوحوش السحرية. تصرفت وكأنها غير راغبة في ذلك، لكن أي شك في نواياها كان سيتلاشى بمجرد رؤية سرعتها وهي تندفع نحو الشرفة المخفية.

دوى صوت انفجار مدوٍ، وبدأت برج الساعة -المشيد من مادة تفوق في صلابتها أي حجر عادي- يتحول إلى غبار. لقد كان هذا عملًا تخريبيًا ارتكبته ظلال لا ينبغي أن تمتلك أي كتلة.

ارتجف سوبارو، إذ لم يكن كلام رام يبدو كمزحة على الإطلاق. لكن بما أنه ليس قادرًا على شرح أي شيء الآن، فقد يكون رد فعلها هذا دليلًا على تسامحها.

 

 

لم تكن مجرد نذير دمار، بل كانت كارثة طبيعية تبتلع حتى أولئك الذين يمتلكون قوة تفوق حدود البشر في هذا العالم.

 

 

 

حتى إميليا، التي كافحت ضد العقرب، متضرعة أن تتمكن من حماية رفاقها.

 

 

 

حتى جوليوس، الذي لبَّى طلب سوبارو بسيفه.

 

 

داسَت رام على مخالبه، ثم دفعته بمرفقها الأيسر، مُطيرةً إياه بعيدًا، بينما استعادت إيميليا توازنها بمد يدها اليمنى سريعًا.

حتى بياتريس، التي استخدمت سحرها لحماية سوبارو قبل أن تحمي نفسها.

 

 

تقدَّمت إميليا خطوة إلى الأمام، محطمةً الأجواء الكئيبة المتزايدة. كان في عينيها البنفسجيتين بريقٌ جاد وهي تتنقل بنظرها بين سوبارو ورام.

جميعهم ابتلعتهم الظلال الممتدة في طرفة عين، واختفوا في العتمة.

 

 

«—إنها كانت تستهدفني على الأرجح.»

«……»

 

 

 

لم يكن هناك صوت، ولا صدى، لحظة اختفائهم.

«……»

 

 

لم يجد سوبارو كلمات في ذهنه لوصف ما حدث لهم في أقل من ثانية.

 

 

 

لكن كان هناك شيء واحد يمكنه الجزم به.

«ربما لأنك كنت دائمًا فظًا معها! جرب أن تعتذر!»

 

«هذا…»

«—لقد فشلت.»

«سوبارو، إصرارك على القتال حتى النهاية هو أحد نقاط قوتك، كما يبدو.»

 

وبينما ازدادت حيرتهما، زفرت رام بامتعاض…

«—أحبك.»

 

 

«إيه؟»

ترددت تلك الكلمات الغامضة، المُشبعة بالحب، في اللحظة ذاتها التي واجه فيها الواقع.

 

 

 

همسة قرب أذنه، لمسة مشؤومة، عناق يحيط بجسده كله، لمسة حانية على روحه… كان ذلك الحب الذي غيَّر العالم قريبًا منه إلى حد مرعب.

«لقد كان الأمر أقرب إلى الاصطدام المباشر، لكن لا بأس! أحسنتما! لنربطه سريعًا وننتقل إلى المشكلة التالية!»

 

 

أدرك على الفور أن هذا هو أعظم العوائق الخمسة— الظل الملتهم لكل شيء. لم يكن واضحًا حتى إن كان هناك سبيل للتعامل معه.

 

 

توالت أسلحة الجليد التي استدعتها إميليا -سيف طويل، ونصلان مزدوجان، ورمح، ومطرقة حرب- لكنها تحطمت واحدة تلو الأخرى بصوت حاد متصدع. راحت خصلاتها الفضية تتطاير وسط شظايا الجليد المتناثرة.

لقد كانت هذه المرة الثالثة التي يرى فيها هذا الظل، وفي كل مرة، فقد حياته.

 

 

 

وهذه المرة ليست استثناءً. بمجرد أن يظهر ويصل إلي—

 

 

«رام؟! ما الأمر؟ هل أصابك شيء؟ هل تأذيتِ؟!»

«—تبًا لك، ما الذي تسرح فيه، هاه؟!»

 

 

وهكذا، اختفى أحد الخيارات التي كانوا يعولون عليها لاستعادة ما سرقه الشراهة منهم.

فجأة، اندفع الظل الأسود الذي أحاط بسوبارو بعيدًا بحركة واحدة خاطفة.

 

 

وبعد لحظات، لم يبقَ في الممر سوى شخص واحد واقفًا.

«—مستحيل.»

《٤》

 

وهكذا، عبر موته هناك، حصل سوبارو على فرصة لإعادة المحاولة— لكن هذه المرة كانت مختلفة تمامًا عن جميع الدورات السابقة.

«افتح عينيك وانظر. ماذا تعني بـ ”مستحيل“؟ هل ما زالت عيناك تعملان؟ افتحهما وانظر جيدًا.» صرخ ريد. «تظن أني أكذب؟!»

شعر بيد ناعمة تمسك بيده بلطف، كأنها تعلن عن هدنة في معركته الداخلية التي أوشكت أن تنفجر. بياتريس كانت تمسح على ظهره، تحاول تهدئته.

 

 

لوح بسيف الفارس بلا اكتراث، يقطع الظلال بسلاح كان من المفترض أن يكون بين يدي جوليوس.

لم تَطِق إميليا الوقوف مكتوفة الأيدي وهي ترى سوبارو ممزقًا بين الشك والثقة، فتقدمت إلى الأمام. تجاهلت تحذير رام، وأخذت نفسًا عميقًا ثم نادت:

 

 

وبطريقة ساخرة، وبعد أن فقد صاحبه، استخدم بحرية في يد قديس السيف. لكن لم يكن هناك وقت للتوقف عند تلك المفارقة القاتلة.

 

 

وليس هذا بالأمر الجديد، بل حدث من قبل… ومن قبل ذلك أيضًا. وليس سوبارو وحده، بل ربما كان الأمر ذاته مع «ناتسكي سوبارو» كذلك.

«……»

«……»

 

 

استمرت تأثيرات سحر بياتريس، وظل جسد سوبارو غير خاضع للجاذبية. شاهد الأرضية والجدران والسقف وهي تتلاشى، ويتلاشى معها شكل البرج ذاته.

لذلك، حتى يتأكد مما ينبغي عليه فعله أكثر، وحتى لا يتزعزع، أجرى طقسه الضروري.

 

 

—ثم لمح رام، التي لم تبتلعها الظلال بعد.

«……»

 

 

«—!»

 

 

 

بتوائه، دفع جسده وانطلق، مستغلًا شظية من الأرض كدعامة، واندفع بجنون نحو جسدها النحيل. بالكاد لامست أطراف أصابعه جسدها، فسحبها بين ذراعيه بجهد يائس.

 

 

 

تهاوت بنية برج الساعة بالكامل، وفقد القدرة على التمييز بين السقف والجدران. لم يكن هناك سوى سماء سوداء لا نهائية، وأرضية سوداء لا نهائية، وعالم أسود بلا حد.

«هذا سوء فهم غير مضحك.»

 

لا، ليس الأمر كذلك. لم أتمكن حتى من خلق فرصة للانتصار.

كان الشيء الوحيد الحقيقي في ذلك العالم المفرغ من المعنى هو الدفء بين ذراعيه.

«كنت أعلم أن علاجنا ليس سوى حلٍّ مؤقت… لكن لم أتوقع أن يدوم لهذه المدة القصيرة فقط.»

 

 

«أرغ.»

«—السيدة بياتريس!»

 

قبل لحظات، عندما هدد الظلام بابتلاع كل شيء، كنت على وشك الاستسلام، دون أن أحاول حتى فهم ما يحدث. كنت فقط أنتظر النهاية.

دفء جسد رام، المغمى عليها.

 

 

 

«—!»

 

 

علينا أن نتصرف وفق الظروف ونبذل قصارى جهدنا—

عضَّ على شفتيه بقوة ليمنع نفسه من الاستسلام.

 

 

«هاها! ماذا؟! أتيتِ مجددًا، أيتها الأخت! يا لكِ من رائعة! لماذا تبدين بهذه الروعة؟! كم أنتِ مذهلة!»

قبل لحظات، عندما هدد الظلام بابتلاع كل شيء، كنت على وشك الاستسلام، دون أن أحاول حتى فهم ما يحدث. كنت فقط أنتظر النهاية.

 

 

 

هذا لا يُغتفر. ليس عندما تكون هذه الحياة بين يدي ما زالت تكافح من أجل البقاء.

 

 

وبينما كان سوبارو متأثرًا بموقف إميليا، أطلقت الأخيرة طلبًا غير معقولٍ تجاه بياتريس، التي لم تتردَّد في تلبية رغبتها وصفعتها بكلتا يديها.

«ليس بعد، لا يزال هناك…»

 

 

 

شيء ما. لا بد أن هناك شيئًا يمكن استخلاصه من هذا الوضع.

 

 

حتى جوليوس، الذي لبَّى طلب سوبارو بسيفه.

لقد ابتلعته الظلال الشريرة مرتين من قبل، وانتُزعت حياته فجأة في كلتا المرتين. لكنه هذه المرة… هذه المرة، أُعطي بعض الوقت.

«إميليا تشان! بياتريس! أرجوكما، قولا أي شيء!»

 

موته الخامس. بحد ذاته، كان ذلك أمرًا يستحق الحزن، لكن المشكلة الأكبر كانت نقطة إعادة البداية الجديدة. فقد تم تحديثها إلى اللحظة التي تلت خروجه من كتاب الموتى الخاص بريد، من ممرات الذاكرة.

كان الوضع مختلفًا هذه المرة بسبب رام، التي استمرت حياتها الهشة، وبسبب—

 

 

ومع ذلك، وبينما كان سوبارو يراقب الاثنتين، شعر ببعض التوتر يتلاشى من كتفيه.

«ها!»

 

 

أن يكون هناك شخصٌ إلى جانبه في تلك اللحظة الأخيرة كان نعمة.

—بسبب المساعدة التي حصل عليها من ريد، الذي ارتسمت على وجهه ابتسامة وحشية بينما كان يطفو في الظلام تمامًا مثل سوبارو.

ظهر الرجل الطويل ذو الشعر الأحمر ببطء من بين الدخان، هالة شرسة أشبه بالشياطين تتصاعد من جسده، وكأنها تجسيد لحكم متسلط لا يمكن فهمه—

 

 

بالطبع، لم يكن ليشكره على ذلك. جسد سوبارو كله أئن من لمسة ريد الخشنة، والسبب الرئيسي في نفاد وقته قبل أن تبتلع الظلال البرج كان تدخُّل ريد في هذه الفوضى بأكملها.

«—!»

 

 

«في النهاية، ستسقط أيضًا. واحدٌ منا سيجعلك تلقى حتفك.»

 

 

«ورغم ذلك، بالكاد كان كافيًا. لقد نجونا بأعجوبة.»

«على الأقل قل إنها ستكون على يدك حتى النهاية، أيها القزم الصغير.»

 

 

ثبتت عينا جوليوس الذهبيتان على سوبارو، الذي أومأ برأسه بعمق، معترفًا بعزيمة الفارس.

حين نظر إلى الأسفل، رأى سوبارو ريد ممسكًا بالسيف في قبضة معكوسة، موجِّهًا نصلَه نحوه. المسافة بينهما لم تكن كبيرة، لكن بضع ياردات لم تكن تعني شيئًا بالنسبة إلى ريد.

 

 

«يجب أن تكوني قد لاحظتِ الأمر بنفسك، يا سيدة إميليا. ذلك الهجوم الضوئي هو نفسه الذي استهدفنا في كثبان أوغوريا.»

وبينما كان يركز ريد عداءه على سوبارو، ازدادت شراسة الظلال السوداء تحته، لكن حتى هذا الهجوم المتجدد لم يكن ليضاهي سيف ريد.

 

 

 

لم يدرك سوبارو ذلك، لكنه شهد في تلك اللحظة إعادة تمثيل للمواجهة الأسطورية بين الساحرة وقديس السيف التي يُقال إنها وقعت قبل أربعمائة عام.

بما يملكه من قوة، وبالنظر إلى السؤال الذي ما زال معلقًا بشأن مدى معرفته بالمعلومات التي يحتاجونها، فقد كان بلا شك أحد العوائق الخمسة في طريقهم، بل وكان أشبه بكارثة حقيقية.

 

 

لكن، بغض النظر عن ذلك، كان الموت قادمًا لا محالة.

 

 

«أنا لا… أستخدم السيوف… غاه…!»

«على الأقل…»

 

 

كان الشعور نفسه الذي لاحظه في الحلقة السابقة— لم يكن يعرف كيف يصفه، لكنه كان أشبه بحاسة سادسة مكنته من الإحساس بوجود رفاقه في البرج.

… لتنجُو هي، حتى ولو ثانيةً واحدةً أكثر.

لم يكن هناك صوت، ولا صدى، لحظة اختفائهم.

 

لم يكن الجانب الأيسر المغطى بالدماء، الذي مزقته رام، بل كان الجانب الأيمن من وجهه هو الذي تعرض لإصابة بالغة. بل إن وصفها بالبالغة كان تهوينًا من فداحتها— إذ لم يبقَ منه سوى القليل. فقد اختفى تمامًا الجزء الممتد من وجنته اليمنى إلى عينه اليمنى، تاركًا جرحًا لم ينزف؛ لأن اللحم كان قد احترق.

بذلك الرجاء، ضمَّ سوبارو جسد رام بين ذراعيه بقوة.

أشار السيف نحو الرجل الضخم ذي الابتسامة الشرسة التي تشبه ابتسامة سمكة قرش. لم يكن هناك مجال لسوء الفهم؛ كان يشير إلى ذلك العنف المتجسد ذو الشعر الأحمر.

 

«لقد كان يزعجني أيضًا. ما الذي تراه، باروسو؟»

وفي اللحظة التالية، اجتاحه سيلٌ من الضوء كان أشد توهجًا من أي نصلٍ مشعٍّ—

 

 

لم يستطع سوبارو أن يجزم إن كان هذا الاستياء صادرًا عن ريد الحقيقي أم مجرد تمثيل من الشراهة المتنكر، لكن بدا واضحًا أنه لا يحاول إخفاء هويته. ببساطة، كان الأمر أشبه بنوبة غضب طفولية.

٦

 

 

كانت قوة إميليا مذهلة، ما جعلها خصمًا مكافئًا تمامًا للشراهة والعقرب. وبوجودها على هذه المسافة، ليس من المبالغة القول إنها قادرة على هزيمة مئة نسخة من سوبارو بسهولة.

التناسخ: حين تُفقد الأشياء، حين يُعاد الزمن، حين تُطلب الفرص.

 

 

 

تكرار لا نهائي للحظات أخيرة، كان من المفترض أن تكون كلٌّ منها النهاية.

 

 

بذلك الرجاء، ضمَّ سوبارو جسد رام بين ذراعيه بقوة.

«……»

لم يُرِد سوبارو تجاهل تعليق رام، لكن لم يكن لديه وقت لذلك، فركَّز انتباهه على رد جوليوس الذي بدا أقرب إلى انتقام منه إلى إجابة.

 

وفي اللحظة التي كاد فيها أجمل وجه في العالم أن يُمزق—

خاطره وحيدة راودته.

 

 

 

أن يكون هناك شخصٌ إلى جانبه في تلك اللحظة الأخيرة كان نعمة.

«السيدة إميليا؟»

 

 

ألا يواجه النهاية وحده، وألا يمد إصبعه المرتعش في الفراغ، بل يجد مَن يشاركه اللحظة، كان يمنحه القوة للنهوض من جديد.

 

 

لكن هذا الأمر تعارض تمامًا مع مبادئه…

«……»

 

 

«بغ؟!»

لكن في الوقت ذاته، راوده تساؤل آخر:

انفصل المفصل الذي يربط مخلب العقرب بجسده، وتناثر سائل أخضر في الهواء، ثم سقط المخلب أرضًا محدثًا ارتطامًا ثقيلًا.

 

 

لماذا لم يستطع ناتسكي سوبارو الوصول إليها أبدًا؟

 

 

عليَّ أن أكون أهلًا لهذه الثقة…

لماذا لم يستطع ناتسكي سوبارو إنقاذ مَن كانت قريبةً منه حدَّ الألم في لحظتها الأخيرة؟

«……»

 

وفي هذه الأثناء…

«……»

 

 

«……»

ارتفع الغبار عاليًا في الهواء، متجاوزًا حدوده الطبيعية.

 

 

 

وعلى الأرض، أسفل شرفة برج بليديس بمئات الأقدام، اجتاحت جحافل من الوحوش الشيطانية المكان بشراسة، وكأنها تحاول إسقاط البرج.

 

 

«ذلك يعني أن هناك خبرًا سيئًا إضافيًا… حسنًا، لنبدأ بالأخبار الجيدة.»

واجهت ميلي الطوفان ببسالة، مستخدمةً قدرتها على السيطرة على الوحوش الشيطانية لكبح هجومهم. أما في الداخل، فكان جوليوس قد انطلق إلى الطابق الثاني لمواجهة ريد. وكان على سوبارو أن يسرع لإنقاذ إميليا، التي تواجه باتينكايتوس، لكن…

 

 

«إذا طلبت منكِ أن تقتلي نفسك، هل ستفعلين؟»

«—سيدي؟ هل أنت بخير؟»

كان هذا تصريحًا متعجرفًا متغطرسًا، إلا أنَّ ريد امتلك من الهيبة ما يجعل دحض كلماته أمرًا مستحيلًا. شعر سوبارو بتلك القوة تنفذ عبر جسده، فابتلع ريقه بصمت.

 

 

نادته من الخلف، وشعر بخصلات شعرها السوداء الطويلة المضفورة تتمايل بينما أمالت رأسها.

لكن هذا الأمر تعارض تمامًا مع مبادئه…

 

أخرست ملاحظة رام لاذعة سوبارو على الفور.

رغم القتال العنيف قبل لحظات، وقفت شاولا بثبات، وكأن لديها بئرًا لا ينضب من الطاقة، متوقفةً فور سماع نداء سوبارو. لم يظهر على وجهها أي أثر للقلق أو التوتر، ولم تكن نظراتها تحمل أي بريقٍ خبيث أو متآمر.

 

 

أخيرًا أدرك سوبارو مدى عدم طبيعية هذا الأمر، فأنَّ بأنين مكبوت.

لم يكن واضحًا إن كان ذلك قناعًا ماهرًا ترتديه، أم أن الأمر كان فطرتها الحقيقية.

ثم ربت سوبارو على رأس بياتريس، لكن رام قطبت حاجبيها وقالت:

 

كان هذا من فعل ذلك النور الأبيض نفسه، الذي ما زال ينطلق نحو باتينكايتوس وهو يطير في الهواء.

«هل تسمعني، سيدي؟ يبدو أن الآخرين قد تورطوا في مشكلة مزعجة، لكن… هل هناك شيءٌ أستطيع فعله من أجلك، أيها السيد؟»

 

 

 

«آه، بخصوص ذلك… شيءٌ تستطيعين فعله لي، هاه؟»

… لتنجُو هي، حتى ولو ثانيةً واحدةً أكثر.

 

 

«نعم سيدي! إذا طلبتَ مني، فسأطير حتى عبر الجحيم أو المياه العميقة، أو حتى عبر الشلالات العظمى.»

 

 

 

بابتسامة مرحة خالية تمامًا من أي خبث، مدت شاولا يديها وهي تفاخر بولائها.

 

 

 

تأمل سوبارو ابتسامتها الخالية من الهموم، وحبس أنفاسه للحظة.

بإكماله لفكرة جوليوس، عهد سوبارو إلى ميلي بالتعاون مع شاولا للتعامل مع طوفان الوحوش السحرية خارج البرج.

 

 

لقد عاد من جديد. في كل مرة، كان يعود إلى هذه اللحظة.

رفضت رام يد سوبارو الممدودة، وهزت رأسها بنفاد صبر. ومع ذلك، لم يستطع سوبارو رؤية أي إصابة واضحة عليها.

 

محتضنًا بياتريس نهض سوبارو على قدميه.

ما عليه فعله لم يتغير. الأشخاص الذين يجب عليه إنقاذهم لم يتغيروا، وكذلك الأعداء الذين عليه هزيمتهم.

«أنا هنا أيضًا!»

 

تابع إميليا قائلة: «أيمكنني أن أسأل شيئًا؟» فبعد أن اتضحت لها الصورة أخيرًا، رفعت يدها لتوجه أنظارها البنفسجية إلى ريد، متسائلة: «هل هذا يعني أنك قد عدت إلى الحياة من جديد؟»

لذلك، حتى يتأكد مما ينبغي عليه فعله أكثر، وحتى لا يتزعزع، أجرى طقسه الضروري.

 

 

 

«شاولا، هل ستفعلين أي شيء أطلبه منكِ؟»

 

 

«—هذا ليس أسلوب قتالِك.»

«بالطبع! سأفعل أي شيء تطلبه، سيدي! طالما أن الطلب منك أنت، قد أوافق حتى على شيءٍ متطرف بعض الشيء. آه، آه، آه، أيها سيدي، هل فقدتَ قدرتك على المقاومة بعد رؤيتك جسدي المغري؟ هل لهذا السبب أبعدتني عن الجميع؟»

 

 

«ريد… هو روي ألفارد…؟»

احمرَّ وجه شاولا، وضغطت وجنتيها وهي تتمايل في مكانها بحركة مبالغ فيها.

 

 

لم يكن هذا المشهد متوقعًا— لم يكن من المفترض أن تسير المعركة بهذا الشكل، لكنها تطورت على نحو مستمر.

«هممغ، أنت، أنت، أنت! سيدي، أنت—»

«هل هذا وقت العناد؟! البطاريات الفارغة عليها أن تلتزم الصمت أثناء حملها!— بياتريس!»

 

رأى صورةَ الأسقف الممسوخ تتداخل مع صورةِ شخصٍ آخر. كان ينبغي لهذا أن يكون مستحيلًا… لكنها كانت الفتاة التي دفعته إلى المضي قدمًا حين كان على وشك الانهيار.

«—شاولا.»

 

 

 

لكن سوبارو لم يعرها أي اهتمام، بل نظر في عينيها مباشرةً.

 

 

رفع يده ليلمس الرقعة التي تغطي عينه اليسرى، معلنًا عن هويته كما لو كان يكشف أنيابه.

«إذا طلبت منكِ أن تقتلي نفسك، هل ستفعلين؟»

ثبتت عينا جوليوس الذهبيتان على سوبارو، الذي أومأ برأسه بعمق، معترفًا بعزيمة الفارس.

 

 

 

 

////

حتى مع ارتخاء ركبتيه، ارتسمت على وجهه ملامح ارتياح لا إرادي.

حسابنا بتويتر @ReZeroAR

 

🔥 تحدي أغسطس 2026 ⏳ 27 يوم متبقي
39,400 شعلة الهدف: 66,666
59.1%
🔥 ادعم الموقع لضمان استمراريته وبدون ظهور إعلانات مزعجة للجميع!
×

شراء عملة الشعلة

🥇M. K🔥 10,000
🥈ali alghamdi🔥 100
🥉Moustapha Ali🔥 100
4Meshari Aljubarah🔥 100
5Vortex Red🔥 100
6Getting Deep🔥 100
7ibrahim mufarej🔥 100
8yakuob Tajdin🔥 100
9Khalid Khalid🔥 100
10Ozy🔥 100

«سوبارو؟»

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط