Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

ري زيرو: بدء الحياة في عالم أخر من الصفر 4

4 - العقبات الخمس.
PDF
ملوك الروايات

حمّل تطبيق ملوك الروايات الآن!

تابع أحدث الفصول براحة تامة، بدون إعلانات مزعجة، مع ميزة التحميل للقراءة أوفلاين.

تحميل التطبيق

4 - العقبات الخمس.

《١》

لكن إضافة ذلك الوصف الإضافي ”مجهولة“ غيَّر المعنى على نحوٍ كبير.

 

ببساطة، مهما قضى من عقود هنا، فلن يُسمح له حتى أن يموت ميتةً طبيعيةً. فخارجًا عن قوانين هذا العالم، يستطيع سوبارو أن يحاول عيش حياته بكل ما يستطيع، لكن ناتسكي سوبارو الذي لا ينتمي إلى أي عالم…

ــ وحوش الشياطين تجمعت حول برج المراقبة.

«—أسقف الشراهة!»

 

 

ارتسمت ملامح القلق على وجوه الجميع حين سمعوا تقرير جوليوس، وتصاعد التوتر بينهم.

«… يبدو أننا لا نملك وقتًا للمحادثة فحسب.»

 

 

ليس بالإمكان تجاهل وقع الارتجاج الطفيف الذي شعروا به وهو يتردد في أنحاء البرج، إذ كان مصدره جحافل وحوش الشياطين التي اندفعت نحوه في طوفان عارم.

 

 

 

«ليس لديَّ تصور دقيق عن مدى شساعة هذه الصحراء، ولكن…»

كان غريبًا أن يصف الأمر وكأنه سار كما أمل، لكن جوليوس كان بارعًا في التقاط التفاصيل. لم يتأخر في ربط اسم الشراهة بقدراته، ليصل بسرعة إلى النتيجة التي أراده سوبارو أن يفهمها.

 

 

«أوغوريا تعدُّ موطنًا خصبًا لتكاثر وحوش الشياطين. فالخطر الحقيقي في هذه الأرض لم يكن يومًا قسوة المناخ بقدر ما كَمن في الوحوش المتربصة في الرمال، تلك التي تتحين الفرص للانقضاض على البشر» أوضح جوليوس.

 

 

أمسكت بياتريس بيده وهي تواصل الجري إلى جانبه، تحاول بصعوبة انتقاء كلمات تشجعه.

أضافت إيكيدنا: «تقول الروايات إن محاولة كبرى جرت ذات مرة لجمع جيش والقضاء على جميع وحوش الشياطين في الرمال. لكنك على الأرجح تستطيع تخمين ما آل إليه الأمر، بناءً على هذا الهدير.»

 

 

 

بمعنى آخر، أمل سوبارو في أن يكون هذا الضجيج مجرد جلبة لا خطر منها، وأن عدد الوحوش القادمة قد لا يتجاوز حجم حديقة حيوان، كان وهمًا بعيدًا عن الحقيقة. بل الحقيقة هي أن أمامهم جيشًا أشبه بسافانا مترامية الأطراف، تعج بالوحوش الضارية.

«أرى أنك لا تزال متحذلقًا بالكلام. اختصر.»

 

 

كان هذا بالتأكيد موقفاً باعثًا على اليأس، لكن…

 

 

 

«—إذًا، أتيتم من أجلي، أليس كذلك؟» قالت ميلي وهي تعبث بضفائر شعرها.

«آه! الجميع! هممم، ربما لا تعرفون مَن أنا، لكن هذا هو العدو! شخص سيئ! اتركوا الأمر لي… حتى لو لم تعرفوا مَن أكون!»

 

 

كانت الوحيدة التي لم تُبدِ أي توتر حين سمعت عن اقتراب وحوش الشياطين، ليس لأنها وجدت الأمر عاديًا، بل لأنها لم تعتبر تلك الوحوش خطرًا على الإطلاق.

بمجرد أن يستخرج من ذاكرته التقنية الأنسب للموقف، كان يتحول فورًا إلى سيد متقن لهذا السلاح، متلاعبًا بين الهجوم والدفاع بسلاسة تامة.

 

《٢》

«رغم أنه لأمر مخجل، إلا أن ذلك صحيح. نرجوك أن تقدِّمي لنا يد العون.» أومأ جوليوس برأسه وقد ارتسمت على وجهه ملامح الحرج.

 

 

 

استخدام ميلي، بقدرتها على التحكم في وحوش الشياطين، كان بلا شك الحل الأمثل لمواجهة هذا الطوفان الوحشي الزاحف نحو البرج. وهو خيار لم يُتح لهم في المرة السابقة.

 

 

 

«سوبارو؟ ما الأمر؟ تبدو على وجهك نظرة غريبة.»

«هياه!»

 

كانت ضرباتها دقيقة، تتجه نحو خصمها بعزيمة واحدة لاجتثاثه.

«… للأسف، هذا هو وجهي منذ ولادتي.»

 

 

بينما كان سوبارو يحاول استيعاب صدمته، سقطت رام فجأة على ركبتها. تتنفس بصعوبة وهي تستند إلى رجل باتراش.

«إنها مجرد عيناك المخيفتان بطبيعتها، على ما أظن.»

 

 

وما فعلته بعدها كان أشبه بالمعجزة— فقد ظهرت في السماء أمامها سلسلة من المدافع امتدت على طول الشرفة.

لاحظت بياتريس العبوس الذي ارتسم على وجهه، فرفعت رأسها تنظر إليه بقلق.

 

 

《١》

أخذ سوبارو نفسًا عميقًا.

 

 

 

«هل لاحظت شيئًا ما، سوبارو؟»

لقد كان خيارًا أمثل. بالنظر إلى هدوء ريد واسترخائه، فإن محاولة القضاء عليه فورًا كان بلا شك الخيار الصائب لهزيمة قديس السيف الأول.

 

«جوليوس! لا تقف هناك!»

«رفقًا بي، لا تكثر من الأسئلة المتتالية. رغم أنني السبب في هذا بنفسي بعد أن بدا عليَّ مظهر العارف بكل شيء. لذا، إلى جانب اعتذاري، لديَّ شيء آخر لأضيفه، سبق صحفي حصري حصلت عليه من كتاب الموتى.»

كان سحر الجليد الذي استخدمته يتجاوز مجرد تجميد محيطها، فقد بدا بالغ القوة حتى بمعايير هذا العالم، والدليل على ذلك أن بياتريس وجوليوس حبسَا أنفاسهما حين رأياه.

 

 

حبس جوليوس أنفاسه بانتظار ما سيقوله، واتسعت أعين الآخرين ترقبًا. لم يكن سوبارو بحاجة إلى تخمين ردود أفعالهم على ما هو على وشك البوح به، لكنه لم يملك خيارًا آخر سوى شرح الموقف.

خلفه، تجمعت أربعة أضواء معًا. ثم كان هناك ضوء آخر أبعد قليلًا. و—و—و—

 

 

السبب وراء هذا التغير المفاجئ، وراء اندفاع جميع وحوش الشياطين نحو البرج…

قبل أن تكمل إميليا جملتها، كان الشراهة قد استلَّ سلاحًا آخر من الجليد، لكن شكله كان غريبًا، مما جعل إميليا وجوليوس يتبادلان نظرات الدهشة، بينما انفرج فم سوبارو بذهول.

 

 

«إنها الشراهة. أسقف الشراهة هي مَن توجه جميع الوحوش نحو البرج.»

 

 

 

«—! لكن لماذا؟»

 

 

 

«ربما كان هذا بسببي. في كتاب الموتى الخاص بريد، التقيت بإحدى شخصيات الشراهة. أو لأكون أكثر دقة، التقيت بها مجددًا. ويبدو أنني قابلتها أيضًا الليلة الماضية. وهذا يعني…»

«لن أنكر أن بعض الأمور قد أثرت في حالتي الذهنية. لكن إن كان بإمكان حضن امرأة أن يداوي القلب الجريح، فكلمات الصديق القاسية تملك ذات الأثر.»

 

«—أسقف الشراهة!»

«أن هذا هو السبب وراء فقدانك لذاكرتك.»

 

 

 

أومأ سوبارو برأسه تأكيدًا لما قاله جوليوس.

— أساقفة الشراهة الذين جاؤوا لمهاجمة البرج.

 

 

كان غريبًا أن يصف الأمر وكأنه سار كما أمل، لكن جوليوس كان بارعًا في التقاط التفاصيل. لم يتأخر في ربط اسم الشراهة بقدراته، ليصل بسرعة إلى النتيجة التي أراده سوبارو أن يفهمها.

 

 

«كنت أعلم أنك ستأتي، أيها العقرب اللعين…!»

«يبدو أنهم علموا بمكاننا منذ الليلة الماضية. أي أن نصف يومٍ من السفر… مع حيواناتهم الأليفة.»

إذا كان ذلك هو ما تطلب الأمر لإنجاح القتال، فهو إذًا الخيار الصحيح.

 

 

«بالنظر إلى سرعة التنقل العادية، يصعب تصوُّر وصولهم إلى البرج في نصف يومٍ فقط، لا سيما مع أي عقبات قد تضعها وحوش الشياطين في طريقهم. ولكن…»

«—!»

 

أومأ جوليوس، ثم تلاشى شكله. —لا، لم يكن قد تلاشى حقًا، بل كانت مجرد خدعة بصرية. وفي اللحظة التالية، انطلق بخطوة واحدة، مندفعًا إلى ساحة المعركة المتجمدة بطعنة خاطفة، قابلها الشراهة بتقاطعه ذراعيه أمام صدره، لكنه تراجع بفعل قوة الهجوم.

«ولكن؟»

 

 

«إنها الشراهة. أسقف الشراهة هي مَن توجه جميع الوحوش نحو البرج.»

«إذا كانت لدى الشراهة طريقةٌ للتحكم في وحوش الشياطين، على عكس رحلتنا الشاقة… فالأمر لن يكون سوى مسألة سرعة التنقل.»

«—أهو كذلك؟ مع ذلك، أنا أوافقها الرأي.»

 

تمتم ريد وهو يدس إصبعه في أذنه بملل، يراقب باتينكايتوس وهو يندفع نحوه مباشرة.

قطَّب سوبارو حاجبيه، مطبقًا ذراعيه عند تعليق إيكيدنا.

 

 

«كم هو مؤسف. هل اعتقدتما حقًا أن بإمكانكما التعاون؟ معرفة شخص ما والثقة به أمران متشابهان، لكنهما في الواقع مختلفان تمامًا. لأنكما لا تعرفان أفكار بعضكما، فلا يوجد انسجام. لأنكما لا تعرفان عادات بعضكما، لا تستطيعان التكيف مع حركات الآخر. والنتيجة؟ تصطدمان ببعضكما البعض، وتعيقان بعضكما… ها-ها، هذا لن ينفع إطلاقًا، أليس كذلك؟!»

«ماذا تقصدين بذلك؟»

 

 

«……»

«—حتى لو استغرق الأمر وقتًا عند السفر على الأرض، فالأمر يختلف تمامًا عبر الأجواء.»

«بكل تأكيد. والآن، سأجعلك ترافقني!»

 

 

«عبر الأجواء…!» اتسعت عينا سوبارو السوداوان، وقد فاجأته هذه الفكرة غير المتوقعة.

 

 

 

«صحيح، كنتُ أفترض ببساطة أن الطيران ليس خيارًا… لكن الطيران باستخدام السحر أمرٌ طبيعي!»

—ضوء خافت للغاية يلوح في الظلام الغامض.

 

تذكَّر كيف ظهر فجأة من تحت الأرض في ذلك الوقت، كما تذكر الضوء الأبيض الذي أطاح به بعيدًا بعد ذلك…

«هذا غير صحيح إطلاقًا. التحليق في الهواء تقنيةٌ مركبة، ولا يُلجَأ إليها عادةً لأنها خطرة. وحده الأحمق أو العبقري مَن قد يستخدمها. أو ربما عبقريٌّ أحمق، على ما أظن.»

«إنَّه لأمر مُحبط، لكن لن أكون سوى عبء الآن. اتركوني هنا. لكن لا تقتلوا الشراهة. أريد أن أجعله يندم على كونه وُلد حتى.»

 

 

«المركيز ميزرس مشهورٌ بوصوله إلى القصر جوًّا…»

لن ينجح هذا. لا بد أن هناك—

 

«—أوووووووه!!!»

«وهو عبقريٌّ أحمق.»

«معاييركم؟»

 

«بكل تأكيد. والآن، سأجعلك ترافقني!»

نظر سوبارو إلى بياتريس التي بدا عليها الامتعاض على نحوٍ لطيف. يبدو أنها ليست من محبَّي ذلك المركيز الغامض.

«انتظر فقط، الشراهة…! لقد سئمت من تركك تلتهم كل شيء!»

 

— العقرب العملاق الشرس الذي يتجول حول البرج وكأنه يملكه.

لكن فكرة أن الطيران بالسحر ليس أمرًا شائعًا أثارت استغرابه قليلًا.

«… لا، ما هذا…؟»

 

باغتهم سوبارو فجأة، محاولًا كبح اندفاعهم في مواجهة الشراهة.

«إذا لم يكن بالسحر، فهل يكون عبر طائرٍ عملاق… آه، تنينٌ طائر! ماذا عن امتطاء تنينٍ مجنَّح؟!»

 

 

حسابنا بتويتر @ReZeroAR

«تقنية التحكم في التنانين الطائرة سرٌّ تتوارثه إمبراطورية ڤولاكيا الجنوبية. الإمبراطورية تحمي هذه التقنية بغيرةٍ شديدة، لكن بالنظر إلى أساليب الشراهة، لن يكون من الصعب سرقتها.»

«هيه. ليس سيئًا، أيها الصغير. لن أرفع رتبتك عن كونك «صغيرًا، لكنني سأعترف لك بأنك لم تخطئ في رؤيتي كعدو، وليس كدعم مريح.»

 

«… شخص ما؟»

«يمكنهم ببساطة سؤال شخصٍ يعلمها… أو انتزاع ذكرياته منها.»

أضافت إيكيدنا: «تقول الروايات إن محاولة كبرى جرت ذات مرة لجمع جيش والقضاء على جميع وحوش الشياطين في الرمال. لكنك على الأرجح تستطيع تخمين ما آل إليه الأمر، بناءً على هذا الهدير.»

 

 

عند تلك الفكرة، أدرك سوبارو مدى قوة خصمهم في معركة المعلومات هذه.

وخلف جفنيه المغلقين، شعر بشيء غريب ينبثق.

 

ربما لأن العدو كان أقوى، أو ربما لأنهما تكيَّفا مع أسلوب القتال في وقتٍ قياسي مستحيل، لكن أنفاسهما بدأت تتناغم، والتنسيق الذي كان في البداية مضطربًا أصبح أكثر ثباتًا ويقينًا.

مجرد التهام ذكريات شخصٍ ما، فيصبح كل ما يعرفه في متناولهم. وإن التهموا اسمه، فسيُمحى ذلك الفعل الأول، ويُمحى ذلك الشخص تمامًا من ذاكرة الجميع.

 

 

في المقدمة، أشار جوليوس إلى ممر جانبي مخفي داخل الجدار الحجري. وما إن عبروا من خلاله، حتى وجدوا أنفسهم في مساحة سرية.

— ”الذكريات تصنع الإنسان.“ ما أروع هذه العبارة.

ما الذي حدث؟ كنتُ للتو على الأرض في البهو… كانت ساقي مصابة… ثم ذلك الظلام، ذلك الظلام الدامس…

 

«يصعب الجزم بذلك بسبب طريقتها الغريبة في استخدام الضمائر، لكن يبدو أنهم ثلاثة. الفتاة التي كانت تهذي داخل كتاب الموتى، وأظن أن لديها شقيقين أكبر منها.»

«……»

 

 

«حسنًا، اتركني وشأني. أعلم أنَّ هذه لحظة حاسمة بالنسبة لك، جوليوس، لكن لا تدع الحماس يعميك.»

آمن سوبارو بأن قيمة الإنسان وحقيقته تتجسَّدان في الذكريات والتاريخ. وقد ازداد إيمانه بذلك الآن، مما جعله يمقت قدرة الشراهة الدنيئة من أعماق قلبه.

ربما لأن العدو كان أقوى، أو ربما لأنهما تكيَّفا مع أسلوب القتال في وقتٍ قياسي مستحيل، لكن أنفاسهما بدأت تتناغم، والتنسيق الذي كان في البداية مضطربًا أصبح أكثر ثباتًا ويقينًا.

 

لكنها لم تكن مدافع حقيقية، بل دوائر سحرية بيضاء تحوم في الهواء، إلا أنَّ هذا لم يُقلل من رهبتها، خاصة مع ميلانها الحاد نحو الأسفل، حيث استهدفت الأرض مباشرة.

قدرة الشراهة على سرقة ذكريات الآخرين كانت داءً خبيثًا يلوِّث كل شيءٍ يمسَّه. ادَّعاؤهم بأنها لمصلحتهم، واستخدامها في سعيهم للسعادة… يا له من وهمٍ سخيف. كانوا يعبثون بالمصير، محرفين النظام الطبيعي للحياة…

«—أوووووووه!!!»

 

«لقد كنت أنتظر هذه اللحظة، أيها الشراهة!»

— أليس هذا كلامًا غريبًا يصدر عن شخصٍ يعود من الموت، أيها السيد؟

كان ذلك كبرياءً أم غرورًا؟ لا فرق. فقد أعلن الشراهة -لاي باتينكايتوس- عن نفسه، وفي اللحظة التالية، انطلق من فوق الجليد كالسهم.

 

«سوبارو؟»

«—!»

 

 

أومأ جوليوس، ثم تلاشى شكله. —لا، لم يكن قد تلاشى حقًا، بل كانت مجرد خدعة بصرية. وفي اللحظة التالية، انطلق بخطوة واحدة، مندفعًا إلى ساحة المعركة المتجمدة بطعنة خاطفة، قابلها الشراهة بتقاطعه ذراعيه أمام صدره، لكنه تراجع بفعل قوة الهجوم.

عضَّ سوبارو باطن شفتيه ليطرد من ذهنه ذلك الوجه المزعج الذي لمح إليه عقله الباطن.

ما أوقد عقله كان العقبتين المتبقيتين، اللتين كانتا، على الأرجح، تقتربان في تلك اللحظة.

 

«—أسقف الشراهة!»

لن أضع نفسي في موضع القديس. لن أنجرف مع إيقاعها. لن أسمح لها بسرقة أي شيءٍ آخر مني.

«سوبارو؟ ما الأمر؟ تبدو على وجهك نظرة غريبة.»

 

 

«كم أتمنى أن أسمعها تصرخ، لكن… إخوتها يأتون أولًا.»

أمسك ريد بهجوم جوليوس الاستباقي مستخدمًا عيدان الطعام التي يحملها في يديه. بدت حركته ضربًا من العبث، كأنها إعادة تمثيل لحكاية عن مياموتو موساشي.

 

 

«علمت بوجود أساقفة أكثر للشراهة، لكن هل اكتشفت شيئًا جديدًا؟»

 

 

وهكذا… بدأت معركة ناتسكي سوبارو من جديد، أو بالأحرى، معركة ناتسكي سوبارو وأصدقائه.

«يصعب الجزم بذلك بسبب طريقتها الغريبة في استخدام الضمائر، لكن يبدو أنهم ثلاثة. الفتاة التي كانت تهذي داخل كتاب الموتى، وأظن أن لديها شقيقين أكبر منها.»

 

 

 

إذا أخذ بكلمات لويس كما هي، فهناك الأخ العزيز والأخ الأعز.

 

 

بمجرد أن صرخت بتعويذتها، أضاءت المدافع البيضاء بضوء باهر.

«لا يمكننا الوثوق بكلامها بالكامل، لكنها لم تبدو من النوع الذي يعتمد على الحيل والخداع. وليس أنني مؤهلٌ للحديث، فقد كنتُ على وشك السقوط في فخها.»

 

 

إذًا، تلك الدودة كانت من عمل ميلي… وذلك الضوء كان من شاولا؟

ماذا كان سيحدث لو انسقتُ تمامًا معها وخنقتها؟

وهناك، وسط الرياح الجافة، كانت تلك الفاتنة الأنيقة، ذات الشعر الأسود اللامع المضفَّر، تتراقص بحيوية، وكأنها تحيي عرضًا مسرحيًا لا معركة ضارية.

 

 

لو لم يكن لصوتها، لكنتُ قد…

بمجرد أن يستخرج من ذاكرته التقنية الأنسب للموقف، كان يتحول فورًا إلى سيد متقن لهذا السلاح، متلاعبًا بين الهجوم والدفاع بسلاسة تامة.

 

 

«… يبدو أننا لا نملك وقتًا للمحادثة فحسب.»

 

 

إذا كانت الذكريات في هذا العالم سجلًا للحياة يُنتزع من أرواح الموتى في ممرَّات الذاكرة، فهل قوة الشراهة التي تسلب الذكريات لم تؤثِّر عليه لأنه كائن غير اعتيادي أتى من عالم آخر؟

اهتزَّت رفوف مكتبة تيجيتا بسبب ارتجاجٍ كبير. مستشعرًا بقدوم الخطر، أمسك سوبارو بيد بياتريس ونهض على قدميه.

حسابنا بتويتر @ReZeroAR

 

 

«يبدو ذلك واضحًا. لنكمل بعد أن ندعم الآنسة شاولا. آنسة ميلي؟»

 

 

دافع كل من إميليا وجوليوس وريد عن أنفسهم بضيق.

«أنا مستعدةٌ في أي وقت. أحب العمل… هل تدرك أنني أقول ذلك بسخرية، صحيح؟»

«هـ-هذا صحيح! لا تفاجئ بيتي هكذا. لم أقل إنني لا أحب ذلك، لكنني كنت قلقة، فقد عدت لتوك من الكتاب… لكن من المريح أنك ناديت اسم بيتي أولًا.»

 

 

«نعم، فهمتُ ذلك دون أن تقولي. على أي حال، لنسرع! حان وقت قلب الطاولة!»

حدث هذا في الدورة السابقة أيضًا، لكن سوبارو ما زال يجهل السبب وراء تجول ريد بحرية في البرج، رغم كونه ممتحن الطابق الثاني. لم يكن يود أن يصدق أن السبب ببساطة هو عناد ريد…

 

«لدينا في صفنا أنا وبياتريس، إميليا تشان ورام، ميلي وشاولا، وإيكيدنا وجوليوس…» بدأ سوبارو يعد أفراد فريقهم الفعَّال.

وحده سوبارو أدرك المعنى الحقيقي لكلماته. كان أمرًا لا يمكن أن يستوعبه إلا سوبارو الذي واجه هذه الكارثة التي تهدد البرج مرارًا وتكرارًا.

 

 

على الأرجح، عديد من السيافين الذين اعتمدوا على تدفق الماء قد تبخروا أمام لهيب ريد الطاغي.

لكن الجميع أومأوا برؤوسهم، مجيبين على ندائه.

«لا أدري إن كان هذا طبعك أم مجرد عادة، لكن ليس عليك التظاهر بالقوة. لا أصدق أنك نويتِ تركنا والفرار.»

 

 

«—أوووووووه!!!»

 

 

لن أضع نفسي في موضع القديس. لن أنجرف مع إيقاعها. لن أسمح لها بسرقة أي شيءٍ آخر مني.

وهكذا… بدأت معركة ناتسكي سوبارو من جديد، أو بالأحرى، معركة ناتسكي سوبارو وأصدقائه.

 

 

 

《٢》

 

 

 

«حقًا، إنه أمر جنوني… فقدان ذاكرتي، وتأخري الشديد في الاستيقاظ. أنا آسف!»

ارتسمت على وجه الشراهة علامة امتعاض، إذ كان جوليوس قد تسلل خلفه. أهوى بسيفه في ضربة حادة، لكن الشراهة رفع ذراعه لصدها قبل أن يضرب بها إلى الخلف على الفور.

 

 

«ليس كل شيء خطأك، لا داعي للاعتذار، سوبارو.»

 

 

لم يكن بإمكانها أن تعرف ما الذي حدث. ومع ذلك، تمسكت بثبات. كان سوبارو محظوظًا بامتلاكه رفاقًا يتمتعون بهذا القدر من الفهم.

«حقًا؟ هل هذا على ما يرام؟ أنتم لا تكرهونني الآن، أليس كذلك؟»

 

 

«—شششااااا!»

«ممَّ تخشى تحديدًا؟ لا بأس، على ما أظن… بيتي لن تكرهك. على العكس، أنا أ-أ-أ…»

«ماذا بحق…! هذا مذهل!»

 

لا، هذا ليس أمرًا سيئًا على الأرجح. الجرس إنما يخبرني أن شيئًا قد تغيَّر.

أمسكت بياتريس بيده وهي تواصل الجري إلى جانبه، تحاول بصعوبة انتقاء كلمات تشجعه.

حاولت إيميليا اللجوء إلى أسلوبها المعتاد، ساعيةً إلى حلٍ وديٍّ مع ريد، غير أن الأخير هز رأسه رفضًا لطلبها المسالم، ثم زفر بحدة وهو يركل الأرض.

 

قبل لحظات فقط، كنا نتحدث عن إميليا. ألم يكن السبب الرئيسي لمغادرتنا الشرفة هو الالتقاء بها وبرام؟

«فهمت، فهمت. لا داعي لأن تقوليها، أنا بخير الآن. وأنا أحبكِ أيضًا.»

 

 

كانت ضرباتها دقيقة، تتجه نحو خصمها بعزيمة واحدة لاجتثاثه.

أومأ سوبارو ببساطة.

رنَّ صدى الصوت داخل رأسه بينما أخذ نفسًا عميقًا وأغمض عينيه ببطء.

 

باتينكايتوس، وريد، والعقرب العملاق، كانوا جميعًا يتحركون.

بصراحة، كان الأمر أكثر إحراجًا أن تُقال مثل هذه الكلمات له مباشرة. كان من الأسهل بكثير عليه أن يقولها بنفسه بدلًا من سماعها من غيره. ليس لديه أدنى شك في مشاعره على أي حال.

 

 

باتينكايتوس كان هنا، وريد كان هنا، والآن انضم إليهم حتى العقرب العملاق.

«أين شاولا؟!»

 

 

«رام؟!»

«نحن على وشك… الوصول!»

توسَّعت عينا إميليا حين سمعت كلماته، ثم انحنت في اللحظة التالية.

 

رنَّ صوت حاد وواضح، ممزقًا أفكاره.

في المقدمة، أشار جوليوس إلى ممر جانبي مخفي داخل الجدار الحجري. وما إن عبروا من خلاله، حتى وجدوا أنفسهم في مساحة سرية.

 

 

—ضوء خافت للغاية يلوح في الظلام الغامض.

«……»

أمسك ريد بهجوم جوليوس الاستباقي مستخدمًا عيدان الطعام التي يحملها في يديه. بدت حركته ضربًا من العبث، كأنها إعادة تمثيل لحكاية عن مياموتو موساشي.

 

 

ما إن غادروا البرج، حتى استقبلتهم عاصفة رملية عاتية، تزامنت مع صوت غريب… كأنَّ آلاف الألواح الزجاجية تحطَّمت في آن واحد.

 

 

هناك وحش كهذا في هذا العالم، وعليهم تجاوزه إن أرادوا تخطي البرج. فكرة أن شخصًا ما قد صمم هذا المكان بهذه القسوة جعلت سوبارو يشعر بالغثيان.

وكان مصدر ذلك الصوت…

اتسعت عينا سوبارو وهو يلهث: «هذا…»

 

 

«أووووررريااااااارياريارياريارياريارياريارياريارياريارياريارياريارياريارياريارياااااااا!!!»

ببساطة، مهما قضى من عقود هنا، فلن يُسمح له حتى أن يموت ميتةً طبيعيةً. فخارجًا عن قوانين هذا العالم، يستطيع سوبارو أن يحاول عيش حياته بكل ما يستطيع، لكن ناتسكي سوبارو الذي لا ينتمي إلى أي عالم…

 

«……»

وقفوا على شرفة تمتد من جانب البرج، ترتفع مئات الأقدام عن سطح الأرض.

«… هوهو، وجهك تحسَّن قليلًا. هل حدث أمرٌ جيد؟ امرأة؟ لا شك أنه بسبب امرأة، أليس كذلك؟»

 

 

وهناك، وسط الرياح الجافة، كانت تلك الفاتنة الأنيقة، ذات الشعر الأسود اللامع المضفَّر، تتراقص بحيوية، وكأنها تحيي عرضًا مسرحيًا لا معركة ضارية.

وخلف جفنيه المغلقين، شعر بشيء غريب ينبثق.

 

«……»

رفع سوبارو يده ليحمي وجهه من العاصفة الرملية، وهتف بصوت عالٍ:

«أيها العنيد…»

 

 

«شاولا!»

تقنية إميليا لصنع الأسلحة الجليدية، مقرونة بمعرفة سوبارو بعالم آخر، فتحت له بابًا لا نهائيًا من الاحتمالات.

 

بمعنى آخر، أمل سوبارو في أن يكون هذا الضجيج مجرد جلبة لا خطر منها، وأن عدد الوحوش القادمة قد لا يتجاوز حجم حديقة حيوان، كان وهمًا بعيدًا عن الحقيقة. بل الحقيقة هي أن أمامهم جيشًا أشبه بسافانا مترامية الأطراف، تعج بالوحوش الضارية.

«آه! أتيتَ، أيها السيد؟! كم أنا سعيدة! هل جئت لمشاهدة عرضي الكبير؟ أو ربما زيارة مكتبية! إنه يوم ”أحضر السيد إلى العمل“، لذا استمتع بالمشهد!»

 

 

قبض سوبارو يده احتفالًا بنصر صغير. حدَّ دعم ميلي من اجتياح الوحوش الشيطانية بأكثر من طريقة. إن تمكنوا من منعها من الدخول من الأعلى والأسفل، فسيعني ذلك أن دفاعهم أصبح محكمًا. والآن، بعد أن تمت السيطرة على اجتياح الوحوش، لم يتبقَّ سوى أربع مشاكل رئيسية…

ردَّت شاولا بصوت مفعم بالحيوية، لا يعكس على الإطلاق خطورة الموقف.

كانت قدم ريد اليمنى ممدودة على نحو عشوائي، لكنها ضربت باتينكايتوس بقوة في وسطه، لترسله بعنف نحو الحائط.

 

«—! شاولا! ميلي! هل يمكننا ترك هذا المكان لكما؟!»

وما فعلته بعدها كان أشبه بالمعجزة— فقد ظهرت في السماء أمامها سلسلة من المدافع امتدت على طول الشرفة.

 

 

 

لكنها لم تكن مدافع حقيقية، بل دوائر سحرية بيضاء تحوم في الهواء، إلا أنَّ هذا لم يُقلل من رهبتها، خاصة مع ميلانها الحاد نحو الأسفل، حيث استهدفت الأرض مباشرة.

«إنَّه لأمر مُحبط، لكن لن أكون سوى عبء الآن. اتركوني هنا. لكن لا تقتلوا الشراهة. أريد أن أجعله يندم على كونه وُلد حتى.»

 

 

ثم…

«رام.»

 

 

«—طلقة الجحيم اللانهائية!»

آمن سوبارو بأن قيمة الإنسان وحقيقته تتجسَّدان في الذكريات والتاريخ. وقد ازداد إيمانه بذلك الآن، مما جعله يمقت قدرة الشراهة الدنيئة من أعماق قلبه.

 

 

«ماذا بحق…! هذا مذهل!»

نسيان إميليا، الشخص الذي كنا نتحدث عنه للتو، الرفيقة التي كافحنا معها عبر المحن حتى الآن، في لحظة واحدة. —أي بشاعة هذه؟

 

خفق قلبه بعنفٍ وكأنه على وشك الانفجار. بدا أن كل قطرة دمٍ في جسده تناشده، فيما دوى جرس إنذارٍ أحمرٌ زاهٍ داخل رأسه. إحساسٌ مرعبٌ لا يُحتمل جري في عروقه.

بمجرد أن صرخت بتعويذتها، أضاءت المدافع البيضاء بضوء باهر.

«لقد كنت أنتظر هذه اللحظة، أيها الشراهة!»

 

 

غمر صوت تحطم الزجاج السماء فوق الرمال، متجاوزًا هتاف سوبارو المتفاجئ. وفي الوقت نفسه، تلاشت المدافع السحرية، متحللة ومتفككة إلى لا شيء.

 

 

قطَّب سوبارو جبينه وهو يرى الألم على ملامح رام. إن كانت الشراهة قد سرقت اسم إميليا، فلابد أن رام قد شهدت ذلك بنفسها.

كان ذلك هو مصدر الضجيج الذي سمعوه سابقًا، والغرض من هذا المشهد السحري كان واحدًا— عشرات الومضات البيضاء التي انطلقت نحو الأرض أدناه.

«كنت أعلم أنك ستأتي، أيها العقرب اللعين…!»

 

 

وما إن لامست تلك الأشعة الرمال، حتى انفجرت الأرض بانفجارات مدمرة.

«أنت لا تعرف متى تستسلم، أيها الأسقف!»

 

ارتسمت ملامح القلق على وجوه الجميع حين سمعوا تقرير جوليوس، وتصاعد التوتر بينهم.

أما وحوش الشياطين التي جابت الرمال، فقد تحولت إلى أشلاء متناثرة، أجسادها تتطاير في الهواء وسط عاصفة من الدم واللحم المحترق.

《٣》

 

 

 

 

 

كان ذلك كبرياءً أم غرورًا؟ لا فرق. فقد أعلن الشراهة -لاي باتينكايتوس- عن نفسه، وفي اللحظة التالية، انطلق من فوق الجليد كالسهم.

 

 

امتصَّت الرمال الجافة الدماء المتدفقة بنهم، بينما داست الوحوش الشيطانية الأخرى على الجثث المتناثرة. قصفُ شاولا أباد أكثر من مئة وحشٍ من تلك الكائنات التي اندفعت بجنون، لكن رغم هول سحرها التدميري، لم يكن ذلك سوى قطرة في محيط مقارنة بالأعداد المهولة من الوحوش التي تحاصر البرج كما لو كانت أسراب نملٍ لا تنتهي.

 

 

وصف رام الغريب، وعدم تفاعل جوليوس مع الأمر، جعلاه يدرك أن هناك خطبًا ما. أما بياتريس وإيكيدنا، فلم تظهرا أي ملاحظة على غرابة الأمر، بل تقبلتا كلام رام عن فتاة فضية الشعر مجهولة وكأنه أمر طبيعي.

«واه، واه، واه… لا أريد حقًا سماع هذا، لكن…»

 

 

 

«ما نراه هنا ليس سوى جزءٍ بسيط من المشهد العام. لكن يمكنك أن تفترض بثقة أن الوضع ذاته يتكرر حول البرج من كل الجهات».

«—أسقف الخطيئة، الشراهة، لاي باتينكايتوس».

 

«يصعب الجزم بذلك بسبب طريقتها الغريبة في استخدام الضمائر، لكن يبدو أنهم ثلاثة. الفتاة التي كانت تهذي داخل كتاب الموتى، وأظن أن لديها شقيقين أكبر منها.»

«لا يمكنك الجزم بذلك، ربما هذا الجانب تحديدًا هو الوحيد الذي سُكِب عليه ماء السكر!»

«المعرفة قوة! الذكريات روابط! بالتضحية بالذكريات، نزداد قوة! نفتح أجنحتنا، نحلق عاليًا، ونذهب حيثما نشاء!»

 

 

«إن كان الأمر كذلك، فسأسحق المسؤول عن هذه الحماقة بلا رحمة.»

 

 

بدا التفسير أكثر غرابة. صوت رام كان مفعمًا بالثقة والحزم كعادته، لكن الغموض الذي لف كلماتها أثار في سوبارو شعورًا غير مريح.

تصاعد هديرٌ متواصلٌ من تلك الكتلة السوداء المتلوية أسفل البرج، مما جعل سوبارو يشعر بدوار خفيف حين أدرك أن هذا المشهد نفسه يتكرر حتى في الأماكن التي لا يستطيع رؤيتها.

 

 

 

إنها شديدة الغرابة والتشوه، عصية على الفهم. لا شك أن براعة الإبداع لديه لا تتجاوز الحد الأدنى!

 

 

«أوه؟»

«ما رأيك سيدي؟! رأيتَ أدائي، أليس كذلك؟! وأيضًا، استمتعتَ بالمشهد من الخلف؟! كيف وجدته؟!»

«هيااااا!!!»

 

بالطبع، ليس بوسع باتينكايتوس فعل شيء وهو يُجرُّ على سطح الجليد القاسي. الضرر الذي لحق به كان كارثيًا. مجرد دمار مطلق.

«أنتِ مذهلة… من المخيف أنكِ لا تفقدين حماسك حتى في مثل هذا الوضع! بحق، أنا معجب حقًا! أيضًا… قوامك جميل، لكني بالكاد أستطيع التركيز وسط كل هذا؛ لذا ركِّزي على القتال!»

 

 

 

«حاضر! أوووه، يا غوغل! دفااااااااع! هجوووم!»

في النهاية، أسلوب إميليا يعتمد على إطلاق العنان لنفسها والمضي بوتيرتها الخاصة. في المقابل، كان من الواضح أن جوليوس بارعٌ في مواءمة تحركاته مع الآخرين، مع الاستفادة القصوى من مهاراته.

 

لكن ما كان أكثر لفتًا للأنظار—

وجب عليه أن يعترف بقوتها الذهنية الخارقة. ليس لديه سوى تعليقات عابرة ليقولها، مما جعله يشعر بالذنب وهو يراها تقاتل بشجاعة لا تضاهى.

«يبدو ذلك واضحًا. لنكمل بعد أن ندعم الآنسة شاولا. آنسة ميلي؟»

 

《٣》

أريد أن أقدم لها مكافأة صغيرة بعد أن ننتهي من هذا… لكن

عانقته الفتاة الصغيرة، وكأنها تحمي سوبارو. وبينما يحتضن جسدها الناعم، فتح سوبارو عينيه وسط الفوضى.

 

 

«الأولوية الآن هي النجاة بأي ثمن!… ميلي!»

 

 

«معاييركم؟»

غير أنها قطبت جبينها، واضعة يديها على أذنيها، وقالت: «لستَ بحاجة إلى الصراخ… لكن…»

«فلن يكون هناك ليلٌ هادئٌ لشبحٍ مثلك.»

 

«ها-ها! كيف تشعرون بتلقي هجومكم الخاص ضدكم؟! كيف هو الإحساس؟ ها؟! تذوقوه جيدًا، التهموه، أيها الشراهة!»

«لكن ماذا؟! لا تخبريني أنكِ قلقة على مصير هذه الوحوش الشيطانية؟! لا بأس! بل أرجوكِ، إبادتها بالكامل سيكون أمرًا رائعًا!»

«—! شاولا! ميلي! هل يمكننا ترك هذا المكان لكما؟!»

 

«فهمت.»

«لا تتوقع مني المعجزات. حتى أنا لا أستطيع التحكم بهذا العدد الهائل».

 

 

 

رمقته بنظرة لامبالية ثم اعتدلت بوقفة واثقة، والتوى طرف شفتيها في ابتسامة غامضة وهي تلعق شفتيها بلطف.

«ريد! يمكنك أن ترى، أليس كذلك؟! لا فائدة من قتالنا هنا! هل يمكنك مساعدتنا؟ أو على الأقل التحلي بالصبر والانتظار؟!»

 

بمجرد أن صرخت بتعويذتها، أضاءت المدافع البيضاء بضوء باهر.

«—لذا، سأستخدم ما أعددتُه مسبقًا… وأتركها تتولى القتال.»

 

 

«أيمكنك معرفة ذلك؟»

«——سسسسهه!»

«سوبارو.»

 

 

رفعت ميلي يدها نحو الأرض، وفي اللحظة التالية، اندفع عمودٌ هائلٌ من الرمال إلى السماء.

 

 

«واااه، آه، توقَّف!»

بدت الوحوش الشيطانية البعيدة صغيرة لصغر المسافة، لكن الكائن الذي خرج من جوف الرمال لم يكن بحاجة إلى القرب ليتضح حجمه المهول.

 

 

«مـ-ماذا؟ مـ-ماذا؟! سوبارو؟! ما الأمر، سوبارو؟! هل حدث شيء؟ هل يمكنك إخبارنا بما رأيته في الكتاب؟» كانت بياتريس في حالة من الهلع.

كان دودة عملاقة، طولها لا يقل عن خمسين إلى مئة قدم، سحقت الوحوش المجاورة لها بمجرد ظهورها.

«اسم إميليا لم يُذكر في حديثكما. لماذا؟»

 

«……»

اتسعت عينا سوبارو وهو يلهث: «هذا…»

 

 

«جوليوس! لا تقف هناك!»

أجابته ميلي، وهي تخرج لسانها مازحة: «لقد درَّبته مسبقًا تحسبًا لحدوث أمر كهذا. كان من المفترض أن يكون وسيلةً للهرب، لكنني أفسدتُ الخطة.»

 

 

نسيان إميليا، الشخص الذي كنا نتحدث عنه للتو، الرفيقة التي كافحنا معها عبر المحن حتى الآن، في لحظة واحدة. —أي بشاعة هذه؟

لكن ما أثار دهشته ليس الدودة ذاتها، بل الحقيقة التي أدركها توًا. لقد سبق أن واجه هذا المخلوق حين حاول الفرار من البرج.

 

 

هذا ليس جيدًا.

تذكَّر كيف ظهر فجأة من تحت الأرض في ذلك الوقت، كما تذكر الضوء الأبيض الذي أطاح به بعيدًا بعد ذلك…

سمع ثلاثة أصوات تناديه وهو يعض على أسنانه.

 

 

إذًا، تلك الدودة كانت من عمل ميلي… وذلك الضوء كان من شاولا؟

«غمف…»

 

 

 

 

تأخر قليلًا في استيعاب الأمر وسط الصدمة والانبهار، لكن بينما كانت ميلي تحاول التظاهر بالقوة، مدَّ سوبارو يده وعبث بشعرها بخشونة، مستغلًا عجزها عن التصدي له.

 

 

«هذا غير صحيح إطلاقًا. التحليق في الهواء تقنيةٌ مركبة، ولا يُلجَأ إليها عادةً لأنها خطرة. وحده الأحمق أو العبقري مَن قد يستخدمها. أو ربما عبقريٌّ أحمق، على ما أظن.»

«واااه، آه، توقَّف!»

 

 

 

«لا أدري إن كان هذا طبعك أم مجرد عادة، لكن ليس عليك التظاهر بالقوة. لا أصدق أنك نويتِ تركنا والفرار.»

على الأرجح، عديد من السيافين الذين اعتمدوا على تدفق الماء قد تبخروا أمام لهيب ريد الطاغي.

 

 

«هممغ، كيف يمكنك قول ذلك؟»

«ما الذي يجعلك متعجرفًا إلى هذا الحد؟»

 

«—؟ تصرفك الغريب هذا يزعجني، لكن لا وقت لذلك الآن.»

«لأنني كنتُ أنتِ، وأنتِ كنتِ أنا. كل شخص مختلف، وكل شخص مميز.»

 

 

 

«هاه؟»

كان ذلك… طبيعيًا.

 

 

حدقت ميلي فيه بذهول، لكن سوبارو لم ينوي الشرح.

 

 

 

على مستوى جوهري، استطاع كشف زيفها. فقد رأى ذكرياتها وكأنها ذكرياته، مما جعله الشخص الذي يعرفها أكثر من أي أحد آخر في هذا العالم.

 

 

«……»

فيما لا تزال يده مستندة إلى رأسها، أخذ سوبارو يدرس الوضع الحالي بتمعن. وأخيرًا، أدرك سبب تدفق وحوش الشياطين إلى البرج في الحلقة السابقة. لا بد أن اجتياحًا كهذا حدث حينها، وكان سبب قتال جوليوس ضد القنطورات الهائجة في الطابق السفلي هو أن شاولا لم تقدر على التصدي لها جميعًا.

 

 

«كنت أعلم أنك ستأتي، أيها العقرب اللعين…!»

لكن هذا لن يتكرر هذه المرة، لأن…

 

 

 

«القائدة ميلي كانت غائبة بسبب حادث غير متوقع في المرة الماضية، لكنها موجودة الآن! وهذا يعني…»

 

 

 

—يمكن الآن تكليف جوليوس بمشكلة أخرى.

 

 

 

عند إدراك ذلك، فهم سوبارو أنهم بحاجة إلى توزيع الأدوار الصحيحة على الأشخاص المناسبين إذا أرادوا التصدي لجميع المشاكل التي تتفجر في هذه اللحظة.

هبت موجة صقيع على رقصة السيوف التي جمعت بين تدفق الماء ولهيب النار، محولةً ساحة المعركة إلى مشهد مذهل.

 

قدرة الشراهة على سرقة ذكريات الآخرين كانت داءً خبيثًا يلوِّث كل شيءٍ يمسَّه. ادَّعاؤهم بأنها لمصلحتهم، واستخدامها في سعيهم للسعادة… يا له من وهمٍ سخيف. كانوا يعبثون بالمصير، محرفين النظام الطبيعي للحياة…

— اجتياح وحوش الشياطين الذي غطى الصحراء.

 

 

 

— أساقفة الشراهة الذين جاؤوا لمهاجمة البرج.

 

 

 

— العقرب العملاق الشرس الذي يتجول حول البرج وكأنه يملكه.

 

 

 

— الظل المظلم الهائل الذي يبتلع البرج والصحراء المحيطة.

 

 

«—بعد أن نُسيتُ من الجميع، فقدتُ إحساسي بمكاني في هذا العالم، بل حتى شعرت بأن وجودي ذاته قد تلاشى… لكن لم يكن هناك داعٍ للشك أبدًا في مكاني الحقيقي.»

— وأخيرًا، ريد أستريا، الذي سيبدأ التجول بحرية داخل البرج.

 

 

—الظلام الذي لم يحمل سوى حب أعمى ابتلع سوبارو.

«لدينا في صفنا أنا وبياتريس، إميليا تشان ورام، ميلي وشاولا، وإيكيدنا وجوليوس…» بدأ سوبارو يعد أفراد فريقهم الفعَّال.

 

 

 

«هل ستضيف التنينين الأرضيين والروح العلاجية في الغرفة الخضراء؟» سألت إيكيدنا.

ضرب بكلماتها عرض الحائط، ثم حَكَّ رأسه متنهدًا بملل.

 

—استطاع أن يشعر بواحد آخر يقترب من الأعلى.

أومأ سوبارو برأسه، مضيفًا باتراش والتنين الأرضي الكبير في الأسفل إلى القائمة.

 

 

 

إنها محقة. هذه ليست لحظة للتحفظ. يجب أن أستخدم كل الأوراق التي لدينا وأشغل هذا العقل الماكر بأقصى طاقته لمعرفة كيفية تحقيق النصر.

بدا التفسير أكثر غرابة. صوت رام كان مفعمًا بالثقة والحزم كعادته، لكن الغموض الذي لف كلماتها أثار في سوبارو شعورًا غير مريح.

 

 

أود أن أبدأ بتحديد أماكن الجميع حاليًا…

«أشك في أنك تدرك مدى قوة كلماتك الآن.»

 

 

«—انتظر، إميليا تشان ورام ذهبتا إلى الغرفة الخضراء لتفقد ريم باتراش، أليس كذلك؟»

 

 

 

اختنق صوت سوبارو عندما أدرك أنهما لم تعودا بعد.

 

 

 

الغرفة الخضراء تقع في الطابق الرابع، أي نفس الطابق الذي هم فيه. كان من الممكن أنهما لم تجدا هذا المكان بعد وكانتا تتجولان داخل البرج بلا هدف، لكن…

«سوبارو، هل…؟»

 

مجرد التهام ذكريات شخصٍ ما، فيصبح كل ما يعرفه في متناولهم. وإن التهموا اسمه، فسيُمحى ذلك الفعل الأول، ويُمحى ذلك الشخص تمامًا من ذاكرة الجميع.

«في هذا الوضع، لو كان الأمر مجرد جهل بموقعنا، لكانت الآنسة رام قد وجدت طريقة للحاق بنا. أو لكانت السيدة إميليا قد حطمت الجدار بنفسها.»

 

 

«……»

«رام جانبًا، لكني أتساءل قليلًا عن الصورة التي كونتِها عن إميليا تشان. لا يمكن لتلك الذراعين الصغيرتين أن تخترقا جدارًا. وحتى إن كان بإمكانها ذلك، فهي ليست من النوع الذي يفعل هذا… أليس كذلك؟»

شعَّ ريد بهالة توحي بكل أشكال العنف الممكنة، وهو يكشف عن أنيابه بازدراء.

 

أومأ جوليوس، ثم تلاشى شكله. —لا، لم يكن قد تلاشى حقًا، بل كانت مجرد خدعة بصرية. وفي اللحظة التالية، انطلق بخطوة واحدة، مندفعًا إلى ساحة المعركة المتجمدة بطعنة خاطفة، قابلها الشراهة بتقاطعه ذراعيه أمام صدره، لكنه تراجع بفعل قوة الهجوم.

«افتقادك للثقة في النهاية يقول الكثير. لكن بيتي تشعر بشعور سيئ أيضًا.»

 

 

 

«—! شاولا! ميلي! هل يمكننا ترك هذا المكان لكما؟!»

رفع نظره، فرأى الممر المؤدِّي إلى الغرفة الخضراء مكسوًا بالجليد، وشعر برياح جليدية عاتية تلسع جلده.

 

 

مع موافقة جوليوس وبياتريس على قلقه، هتف سوبارو إلى شاولا وميلي. رفعت شاولا إبهامها للأعلى وهي تواصل تجهيز مدفعيتها السحرية، بينما أبعدت ميلي ضفائرها جانبًا ونفخت صدرها بفخر.

 

 

 

«اتركوا هذا المكان لي وانطلقوا للأمام!»

«ولن أنساكِ مجددًا أبدًا! مهما حصل، لن أنساكِ!»

 

 

«سأتدبر الأمر بطريقة ما، لكن لن أغفر لكم إن لم تجدوهم سالمين.»

 

 

«نعم. اهتمُّوا بالأمر.»

أطلقت شاولًا الجملة التي يحلم الجميع بقولها يومًا ما، بينما كانت ميلي واثقة إلى حد كبير، فانطلق سوبارو والبقية مسرعين للبحث عن أصدقائهم المفقودين.

 

 

«……»

حين انحنوا تحت الجدار، اندفعوا عائدين إلى الممر—

— أليس هذا كلامًا غريبًا يصدر عن شخصٍ يعود من الموت، أيها السيد؟

 

لم يكن التغيير إلا في الخصم؛ إذ حُلَّ ريد محل باتينكايتوس كعدو رئيسي، لكن مع ذلك، بدأت شراكة إميليا وجوليوس في التوافق شيئًا فشيئًا. بل إنها نمت وتتطورت.

«ميلي وشاولا تتكفلان بالدفاع عنا، لكن هل هناك احتمال أن تتسلل الوحوش الشيطانية إلى البرج؟»

 

 

 

«ليس مستحيلًا. المتاهة تحت الأرض التي سقطنا فيها… أظن أنك لا تذكرها. يمكن الدخول إلى البرج من هناك، لكن بفضل ميلي…»

«يا له من قتال شرس! يا له من تحدٍّ خطير! ما رأيكما فيما لدينا؟! وأنت، أيها السيد الذي يكتفي بالمشاهدة هناك، هل يرضيك أن تبقى عاجزًا على الهامش؟»

 

 

«أتعني أن الدودة الهائجة ربما تسببت في انهيار الممرات تحت الأرض؟»

«أوياه! سيياه! توريياه! أوريا، أوريا، أوريا!»

 

قطَّب سوبارو جبينه وهو يرى الألم على ملامح رام. إن كانت الشراهة قد سرقت اسم إميليا، فلابد أن رام قد شهدت ذلك بنفسها.

«مع هذا العدد الكبير من المسارات المتشعبة، لا أظن أن البنية يمكنها تحمل هذا النوع من الضغط.»

«حقًا؟ هل هذا على ما يرام؟ أنتم لا تكرهونني الآن، أليس كذلك؟»

 

«حاضر! أوووه، يا غوغل! دفااااااااع! هجوووم!»

قبض سوبارو يده احتفالًا بنصر صغير. حدَّ دعم ميلي من اجتياح الوحوش الشيطانية بأكثر من طريقة. إن تمكنوا من منعها من الدخول من الأعلى والأسفل، فسيعني ذلك أن دفاعهم أصبح محكمًا. والآن، بعد أن تمت السيطرة على اجتياح الوحوش، لم يتبقَّ سوى أربع مشاكل رئيسية…

 

 

«جوليوس ينسجم مع إميليا».

«باروسو!»

 

 

 

«—! رام؟!»

 

 

 

بينما كانوا يركضون نحو الغرفة الخضراء، انطلق صوت من أسفل الممر. وعندما رفعوا أنظارهم، اندفع ظل أسود بقوة باتجاههم— كان باتراش.

أومأ جوليوس، ثم تلاشى شكله. —لا، لم يكن قد تلاشى حقًا، بل كانت مجرد خدعة بصرية. وفي اللحظة التالية، انطلق بخطوة واحدة، مندفعًا إلى ساحة المعركة المتجمدة بطعنة خاطفة، قابلها الشراهة بتقاطعه ذراعيه أمام صدره، لكنه تراجع بفعل قوة الهجوم.

 

 

رام كانت متشبثة بظهر تنين الأرض الذكي، بينما تحمل ريم النائمة بين ذراعيها بإحكام.

 

 

 

«رام! و… باتراش وريم! هل أنتم بخير؟!»

كان ذلك… طبيعيًا.

 

 

«نعم، بصعوبة. عانينا الأمرَّين بينما كنت تغط في النوم. كيف يمكنك النوم وسط كل هذا؟ قف على قدميك فورًا.»

— اجتياح وحوش الشياطين الذي غطى الصحراء.

 

حين دارت إميليا بسيفيها الجليديين في قبضتها، اجتاح الصقيع الممر، محولًا المشهد إلى عالم بعيد عن البرج وسط الصحراء القاحلة.

«أنا آسف! لا أحتاج إلى سماع هذا منكما معًا! وانظري، أنا واقف بالفعل! بل في الواقع، أنا أركض!»

وصف رام الغريب، وعدم تفاعل جوليوس مع الأمر، جعلاه يدرك أن هناك خطبًا ما. أما بياتريس وإيكيدنا، فلم تظهرا أي ملاحظة على غرابة الأمر، بل تقبلتا كلام رام عن فتاة فضية الشعر مجهولة وكأنه أمر طبيعي.

 

إذًا، هذه هي فلسفته؟ تبدو مختلفة قليلًا عمَّا تحدثت عنه لويس، لكن الجوهر واحد. يستغلون حياة الآخرين كحجارة خطواتٍ ويزدردونها بلا رحمة. حقًا، هذا أبشع ما يمكن تخيُّله.

ترجلت رام، تاركة ريم في السرج، ثم باشرت في توبيخ سوبارو بلهجتها المعتادة. وللمصادفة، كان ذلك شبيهًا جدًا بالطريقة التي وبخته بها ريم في الحلم، حتى أنه لم يستطع منع نفسه من الشعور بشيء من الحنين، متأملًا كم كانتا متشابهتين، ليس في المظهر فحسب، بل في الطباع أيضًا.

«فهمت.»

 

 

«—؟ تصرفك الغريب هذا يزعجني، لكن لا وقت لذلك الآن.»

«هيه. ليس سيئًا، أيها الصغير. لن أرفع رتبتك عن كونك «صغيرًا، لكنني سأعترف لك بأنك لم تخطئ في رؤيتي كعدو، وليس كدعم مريح.»

 

 

«نعم، لديَّ الكثير لأخبركِ به أيضًا. ألم تكن—؟» بدأ سوبارو بسؤالها عن إميليا، لكن رام قاطعته بحدة.

«يبدو أنك لا تفهم، أيتها الفاتنة. أنا مستمتعٌ الآن، ولن أغيِّر رأيي حتى لو تساقطت النجوم من السماء!»

 

تسببت الأرضية المنهارة في ارتطام جسده، وقذفت إميليا والآخرين بعيدًا أثناء قتالهم، بل وسحقت قشرة العقرب العملاق. بدا الأمر وكأن العالم بأسره كان ينهار.

«أسفل الممر، واجهنا خصمًا يدعي نفسه بأسقف الشراهة.»

 

 

بينما كان سوبارو يحدق مذهولًا وسط صفوف الكتب المتراصة، سمع صوتًا آخر.

صُدم الجميع بقوة كلماتها، فسادت لحظة من الصمت بين سوبارو وبياتريس وجوليوس. وبحكم الاستبعاد، كانت إيكيدنا الوحيدة التي تمكنت من الرد، لأنها الأقل تأثرًا بالخبر.

 

 

 

«أسقف الشراهة؟ في هذا الاتجاه؟»

حتى لو كانت ميلي وشاولا تبقيان جحافل الوحوش السحرية تحت السيطرة، فقد استُنفدت كل أوراق سوبارو.

 

«نعم، فهمتُ ذلك دون أن تقولي. على أي حال، لنسرع! حان وقت قلب الطاولة!»

«نعم، هذا صحيح. وذلك الأسقف يخوض قتالًا مع شخص ما.»

لكنها لم تكن مدافع حقيقية، بل دوائر سحرية بيضاء تحوم في الهواء، إلا أنَّ هذا لم يُقلل من رهبتها، خاصة مع ميلانها الحاد نحو الأسفل، حيث استهدفت الأرض مباشرة.

 

على مستوى جوهري، استطاع كشف زيفها. فقد رأى ذكرياتها وكأنها ذكرياته، مما جعله الشخص الذي يعرفها أكثر من أي أحد آخر في هذا العالم.

«… شخص ما؟»

 

 

 

بدا التفسير أكثر غرابة. صوت رام كان مفعمًا بالثقة والحزم كعادته، لكن الغموض الذي لف كلماتها أثار في سوبارو شعورًا غير مريح.

 

 

 

«نعم.» أومأت رام. «—فتاة فضية الشعر مجهولة تخوض قتالًا ضد أسقف الشراهة. طلبت منا الهرب.»

 

 

 

《٣》

 

 

باتينكايتوس، وريد، والعقرب العملاق، كانوا جميعًا يتحركون.

—فتاة فضية الشعر مجهولة.

 

 

 

«هاه؟»

 

 

 

توقف عقل سوبارو للحظة عند سماعه تعبير رام غير المتوقع.

سمع ثلاثة أصوات تناديه وهو يعض على أسنانه.

 

 

لو أنها قالت فقط فتاة فضية الشعر، لكان ذلك وصفًا مبهمًا، لكنه لم يكن ليجعله يشعر بهذا الاضطراب العميق.

 

 

 

لكن إضافة ذلك الوصف الإضافي ”مجهولة“ غيَّر المعنى على نحوٍ كبير.

«غهه…!»

 

«يبدو أنهم علموا بمكاننا منذ الليلة الماضية. أي أن نصف يومٍ من السفر… مع حيواناتهم الأليفة.»

«فتاة فضية الشعر مجهولة…؟» تمتم سوبارو.

 

 

 

«نعم»، أومأت رام. «لم أرَها ولو مرة واحدة في هذا البرج. على الأقل، لم تبدُ كعدوة… وبالنظر إلى الموقف، تراجعتُ في الوقت الراهن. لكن…»

«غيغغغااااااااه!»

 

 

«—حتى مع المساعدة، الأمر مختلف حين يكون الخصم هو الشراهة».

«وووبس، أيها السيد…»

 

 

تابع جوليوس حديثها، وملامحه يكسوها القلق عند سماعه ذلك الاسم. وضع يده على سيف الفارس المعلق على خصره، وضغط شفتيه بإحكام.

مع موافقة جوليوس وبياتريس على قلقه، هتف سوبارو إلى شاولا وميلي. رفعت شاولا إبهامها للأعلى وهي تواصل تجهيز مدفعيتها السحرية، بينما أبعدت ميلي ضفائرها جانبًا ونفخت صدرها بفخر.

 

 

«هذه مواجهة غير متوقعة، لكن إن كنا سنلتقي به كعدو هنا، فلا يمكننا السماح له بالفرار. هدفنا هو إيجاد طريقة لمحو الأضرار التي سبَّبتها الشراهة والشهوة. إن كان أحدهما قد ظهر، فعلينا أن نستجوبه مباشرة».

 

 

كان ذلك جنونًا مطلقًا، بل ضربًا من العبث. لم يكن مبالغًا أن يوصف بأنه خلل في قوانين هذا العالم.

«أوافقك. ليس لديَّ أي نية لتركه يغادر حيًا أيضًا. يجب أن نضمن أنه سيندم على ظهوره أمامنا بهذه السهولة».

دافع كل من إميليا وجوليوس وريد عن أنفسهم بضيق.

 

تداخل الماء والنار والجليد في رقصةٍ عنيفة آسرة، جميلةٌ إلى حد أن بإمكان المرء أن يخطئ فيظنها رقصةً حقيقية.

«مـ-مهلًا! انتظروا لحظة! أفهم حماستكم! أفهمها! لكن…»

 

 

 

باغتهم سوبارو فجأة، محاولًا كبح اندفاعهم في مواجهة الشراهة.

«لن أنكر أن بعض الأمور قد أثرت في حالتي الذهنية. لكن إن كان بإمكان حضن امرأة أن يداوي القلب الجريح، فكلمات الصديق القاسية تملك ذات الأثر.»

 

—الظلام الذي لم يحمل سوى حب أعمى ابتلع سوبارو.

جوليوس، الذي قُطعت صلته بالعالم، ورام، التي سُرقت ذكرياتها عن شقيقتها الحبيبة، كلاهما لديه دوافع قوية لمطاردة الشراهة.

عند إدراك ذلك، فهم سوبارو أنهم بحاجة إلى توزيع الأدوار الصحيحة على الأشخاص المناسبين إذا أرادوا التصدي لجميع المشاكل التي تتفجر في هذه اللحظة.

 

«صار الخارج ضجيجًا مجنونًا، ولم أعد أستطيع أخذ قيلولة بسلام. ولا يوجد خمرٌ أيضًا، مما يجعل الأمر مملًا حد الموت. لا يمكنني تحمل ذلك.»

لكن المشكلة هنا هي…

 

 

 

«اسم إميليا لم يُذكر في حديثكما. لماذا؟»

لم يكن الأمر مجرد عناد، بل التوقيت أيضًا كان سيئًا.

 

لكنها لم تكن مدافع حقيقية، بل دوائر سحرية بيضاء تحوم في الهواء، إلا أنَّ هذا لم يُقلل من رهبتها، خاصة مع ميلانها الحاد نحو الأسفل، حيث استهدفت الأرض مباشرة.

«……»

 

 

 

شعور سيئ تملَّكه، فلم يتردد في طرح السؤال مباشرة.

 

 

 

وصف رام الغريب، وعدم تفاعل جوليوس مع الأمر، جعلاه يدرك أن هناك خطبًا ما. أما بياتريس وإيكيدنا، فلم تظهرا أي ملاحظة على غرابة الأمر، بل تقبلتا كلام رام عن فتاة فضية الشعر مجهولة وكأنه أمر طبيعي.

«اعتني بالآنسة رام، إيكيدنا. خذي باتراش وابتعدي عن المعركة.»

 

«صحيح، كنتُ أفترض ببساطة أن الطيران ليس خيارًا… لكن الطيران باستخدام السحر أمرٌ طبيعي!»

«… منَّ هي إميليا؟» عبست رام.

 

 

كانت بياتريس، التي تمسك بيده، أول مَن لاحظ التغير. لكن الآخرين أدركوا سريعًا أن الاسم الذي نطق به لا بد أن يكون مهمًا للغاية.

«—!»

 

 

أمسكت بياتريس بيده وهي تواصل الجري إلى جانبه، تحاول بصعوبة انتقاء كلمات تشجعه.

تشنج حلق سوبارو من الصدمة. نظر حوله، فوجد جوليوس وبياتريس وإيكيدنا يحدقون به بحيرة. لم يتمكن من إخفاء ذهوله.

 

 

 

«لكن…»

 

 

 

قبل لحظات فقط، كنا نتحدث عن إميليا. ألم يكن السبب الرئيسي لمغادرتنا الشرفة هو الالتقاء بها وبرام؟

تصاعد هديرٌ متواصلٌ من تلك الكتلة السوداء المتلوية أسفل البرج، مما جعل سوبارو يشعر بدوار خفيف حين أدرك أن هذا المشهد نفسه يتكرر حتى في الأماكن التي لا يستطيع رؤيتها.

 

«هـ-هذا صحيح! لا تفاجئ بيتي هكذا. لم أقل إنني لا أحب ذلك، لكنني كنت قلقة، فقد عدت لتوك من الكتاب… لكن من المريح أنك ناديت اسم بيتي أولًا.»

«سوبارو، هل…؟»

امتلأ قلب سوبارو بمشاعر لا حصر لها، فهتف بصوت عالٍ:

 

««فن الجليد المتجسد هو تقنية إميليا، لكن مَن يستخدمها الآن هو نحن، مَن التهمناكَ يا صاح! المعرفة قوة! نحن الأسقف ذو الذكاء الخارق!»

كانت بياتريس، التي تمسك بيده، أول مَن لاحظ التغير. لكن الآخرين أدركوا سريعًا أن الاسم الذي نطق به لا بد أن يكون مهمًا للغاية.

«أنا مستعدةٌ في أي وقت. أحب العمل… هل تدرك أنني أقول ذلك بسخرية، صحيح؟»

 

 

«إميليا… هل هذا هو اسم الفتاة فضية الشعر؟»

 

 

 

«… نعم. إن كانت هناك فتاة فضية الشعر، فهي إميليا. رفيقتنا»، ترددت نبرة سوبارو. «ولهذا السبب، هي مَن طلبت منكما الفرار وبقيت تقاتل. ولهذا لا تزال تحارب الآن».

«غيغغغااااااااه!»

 

«أنتِ مذهلة… من المخيف أنكِ لا تفقدين حماسك حتى في مثل هذا الوضع! بحق، أنا معجب حقًا! أيضًا… قوامك جميل، لكني بالكاد أستطيع التركيز وسط كل هذا؛ لذا ركِّزي على القتال!»

«هذا… ممكن. لقد مررتُ بهذا الشعور بنفسي».

وهناك، وسط الرياح الجافة، كانت تلك الفاتنة الأنيقة، ذات الشعر الأسود اللامع المضفَّر، تتراقص بحيوية، وكأنها تحيي عرضًا مسرحيًا لا معركة ضارية.

 

«هياه!»

وضع جوليوس يده على شعره، كما لو أنه يواجه حقيقة يصعب تصديقها. لم يستطع إخفاء دهشته، وسرعان ما تذكر سوبارو مدى الرعب الذي تحمله قدرة الشراهة، سواء في مداها، أو تأثيرها، أو فوريتها، أو قذارتها.

في جزء من الثانية، انحرف باتينكايتوس فجأة إلى الجانب.

 

«يا له من قتال شرس! يا له من تحدٍّ خطير! ما رأيكما فيما لدينا؟! وأنت، أيها السيد الذي يكتفي بالمشاهدة هناك، هل يرضيك أن تبقى عاجزًا على الهامش؟»

بصراحة، حتى وهو يدرك أن ذكرياته قد سُرقت، لم يكن الأمر يبدو حقيقيًا تمامًا. كان من المستحيل نسيان سوء الفهم والارتياب اللذين اجتاحاه عندما فقد ذاكرته، أو المشاعر السلبية التي وجهها نحو الجميع آنذاك. كانت لحظة مظلمة يفضل نسيانها تمامًا.

《٢》

 

 

لكن رغم ذلك، لم يكن الأمر ملموسًا بالكامل. كان هناك شيء غير واضح، صعب الوصف، أشبه بالبحث عن شيء غير موجود، كمَن يُلقي سنارته في بحرٍ بلا قمر.

رغم رغبتهما العارمة في القضاء على العدو، لم يكن بينهما تناغم حقيقي.

 

إذا كان ذلك هو ما تطلب الأمر لإنجاح القتال، فهو إذًا الخيار الصحيح.

ولهذا لم يكن للأمر وقعٌ واقعيٌّ تمامًا. لكن هذه المرة…

 

 

«… منَّ هي إميليا؟» عبست رام.

نسيان إميليا، الشخص الذي كنا نتحدث عنه للتو، الرفيقة التي كافحنا معها عبر المحن حتى الآن، في لحظة واحدة. —أي بشاعة هذه؟

 

 

ربما لأن العدو كان أقوى، أو ربما لأنهما تكيَّفا مع أسلوب القتال في وقتٍ قياسي مستحيل، لكن أنفاسهما بدأت تتناغم، والتنسيق الذي كان في البداية مضطربًا أصبح أكثر ثباتًا ويقينًا.

القضاء على روابط الآخرين في سبيل سعادتهم الشخصية… خطيئة لا تُغتفر.

قطَّب سوبارو حاجبيه، مطبقًا ذراعيه عند تعليق إيكيدنا.

 

 

«—آغه، نغه.»

ما أوقد عقله كان العقبتين المتبقيتين، اللتين كانتا، على الأرجح، تقتربان في تلك اللحظة.

 

مجرد التهام ذكريات شخصٍ ما، فيصبح كل ما يعرفه في متناولهم. وإن التهموا اسمه، فسيُمحى ذلك الفعل الأول، ويُمحى ذلك الشخص تمامًا من ذاكرة الجميع.

«رام؟!»

كان الشره يضحك وكأن العالم كله ملكه، لكنه في اللحظة التي سمع فيها ذلك الصوت، اتسعت عيناه بذهول. حتى سوبارو والبقية لم يكونوا أقل دهشة.

 

 

بينما كان سوبارو يحاول استيعاب صدمته، سقطت رام فجأة على ركبتها. تتنفس بصعوبة وهي تستند إلى رجل باتراش.

لم يكن الأمر مجرد عناد، بل التوقيت أيضًا كان سيئًا.

 

يكفي هذا الآن. لقد سمعت الكلمات التي كنت بحاجة إلى سماعها منها.

«ما بك؟ هل أنتِ بخير؟»

ريد أستريا ظهر أمامهم بهيبةٍ طاغية. عيونه الزرقاء الحادة لم تأبه بدهشة أحد. حضوره وحده جعل الجميع، حتى الشراهة، عاجزين عن الكلام.

 

«سوبارو، حتى لو أردنا التدخل…»

«… مجرد… صداع بسيط»، هزَّت رام رأسها. «التفكير بذلك الشخص المجهول.»

 

 

—وفي اللحظة التالية، شعر بحرارة لاهبة تخدش فخذه الأيمن.

«عن إميليا…؟»

 

 

 

قطَّب سوبارو جبينه وهو يرى الألم على ملامح رام. إن كانت الشراهة قد سرقت اسم إميليا، فلابد أن رام قد شهدت ذلك بنفسها.

 

 

رفع نظره، فرأى الممر المؤدِّي إلى الغرفة الخضراء مكسوًا بالجليد، وشعر برياح جليدية عاتية تلسع جلده.

ترى… هل هذا هو السبب؟

 

 

تداخل الماء والنار والجليد في رقصةٍ عنيفة آسرة، جميلةٌ إلى حد أن بإمكان المرء أن يخطئ فيظنها رقصةً حقيقية.

«سوبارو.»

 

 

 

لمست بياتريس كتفه، وهزت رأسها ببطء.

«رفقًا بي، لا تكثر من الأسئلة المتتالية. رغم أنني السبب في هذا بنفسي بعد أن بدا عليَّ مظهر العارف بكل شيء. لذا، إلى جانب اعتذاري، لديَّ شيء آخر لأضيفه، سبق صحفي حصري حصلت عليه من كتاب الموتى.»

 

قال كلماته، ثم انطلق مهاجمًا، مُلوحًا بسيفه في قوسٍ بديعٍ لا يكاد يُصدَّق، مستهدفًا عنق ريد مباشرةً.

«الأفضل ألا نحاول إجبارها على التذكر أكثر. الفجوة كبيرة جدًّا.»

«يا له من إزعاج.»

 

 

«فجوة… كبيرة جدًّا…؟»

 

 

 

«النقص في قدرة الشراهة يظهر الآن. هناك العديد من الأجزاء المفقودة من الذكريات المتعلقة بالشخص المسروق، ولا يمكن سدها. التناقضات بدأت تتراكم.»

«كم هو مؤسف. هل اعتقدتما حقًا أن بإمكانكما التعاون؟ معرفة شخص ما والثقة به أمران متشابهان، لكنهما في الواقع مختلفان تمامًا. لأنكما لا تعرفان أفكار بعضكما، فلا يوجد انسجام. لأنكما لا تعرفان عادات بعضكما، لا تستطيعان التكيف مع حركات الآخر. والنتيجة؟ تصطدمان ببعضكما البعض، وتعيقان بعضكما… ها-ها، هذا لن ينفع إطلاقًا، أليس كذلك؟!»

 

 

لم يجد سوبارو كلمات للرد، لكنه سرعان ما أدرك مقصد بياتريس.

رغم أن الهجوم المباغت تم صده، فإن أثر المفاجأة لم يتلاشَ تمامًا.

 

 

رام كانت راعية إميليا— خادمتها المقربة، بكل بساطة. قد يكون من الصعب فهم طبيعة مشاعرهما تجاه بعضهما، لكن العلاقة التي جمعتهما حملت دفئًا لا يمكن إنكاره.

 

 

«صحيح، كنتُ أفترض ببساطة أن الطيران ليس خيارًا… لكن الطيران باستخدام السحر أمرٌ طبيعي!»

والآن، بعد أن فقدت ذلك كله، صار هناك فراغ داخل رام، حيث كانت إميليا من قبل. الجهد العقيم للبحث عن شيء أساسي في بنية الحياة نهش كيانها ببطء.

////

 

 

وقفت إيكيدنا بجانب رام، التي لا تزال تتلوى من الألم.

بصراحة، حتى وهو يدرك أن ذكرياته قد سُرقت، لم يكن الأمر يبدو حقيقيًا تمامًا. كان من المستحيل نسيان سوء الفهم والارتياب اللذين اجتاحاه عندما فقد ذاكرته، أو المشاعر السلبية التي وجهها نحو الجميع آنذاك. كانت لحظة مظلمة يفضل نسيانها تمامًا.

 

 

«سأبقى معها.»

 

 

«نعم، فهمتُ ذلك دون أن تقولي. على أي حال، لنسرع! حان وقت قلب الطاولة!»

تفاجأ سوبارو، لكنَّها اكتفت بهز كتفيها.

 

 

كان عاجزًا عن فعل أي شيء سوى الوقوف والمشاهدة.

«لا وقت لدينا للجدال. لا سيَّما مع وجود الشراهة هنا، وأحد رفاقنا ما زال يقاتله حتى بعد أن سُلب اسمه. لا يمكننا التوقف الآن.»

 

 

اتسعت عينا بياتريس عند رؤيتها لشكله الضخم المروع.

«اعتني بالآنسة رام، إيكيدنا. خذي باتراش وابتعدي عن المعركة.»

 

 

 

«حسنًا، اتركني وشأني. أعلم أنَّ هذه لحظة حاسمة بالنسبة لك، جوليوس، لكن لا تدع الحماس يعميك.»

 

 

 

«أتفهَّم ذلك. روحي القتالية باردة كبرودة نصلي.»

«سوراسوراسوراسورا! هيا، هيا، غوغوغوغوغوغو!!!»

 

هذا ليس جيدًا.

تقبَّل جوليوس اقتراح إيكيدنا على الفور، وحدَّق إلى الأمام بوجه مفعم بالعزيمة. كان الإصرار القتالي الذي يشعُّ منه طاغيًا لدرجة أنَّ سوبارو تردَّد في قول أي شيء.

«ها-ها! كيف تشعرون بتلقي هجومكم الخاص ضدكم؟! كيف هو الإحساس؟ ها؟! تذوقوه جيدًا، التهموه، أيها الشراهة!»

 

ارتسمت ملامح القلق على وجوه الجميع حين سمعوا تقرير جوليوس، وتصاعد التوتر بينهم.

«رام.»

«إذا لم يكن بالسحر، فهل يكون عبر طائرٍ عملاق… آه، تنينٌ طائر! ماذا عن امتطاء تنينٍ مجنَّح؟!»

 

«—انتظر، إميليا تشان ورام ذهبتا إلى الغرفة الخضراء لتفقد ريم باتراش، أليس كذلك؟»

«إنَّه لأمر مُحبط، لكن لن أكون سوى عبء الآن. اتركوني هنا. لكن لا تقتلوا الشراهة. أريد أن أجعله يندم على كونه وُلد حتى.»

 

 

 

«حماسك مطمئن، لكن خذي قسطًا من الراحة الآن! سنعود قريبًا!»

 

 

على الأرجح، عديد من السيافين الذين اعتمدوا على تدفق الماء قد تبخروا أمام لهيب ريد الطاغي.

«نعم. اهتمُّوا بالأمر.»

«كم هو مؤسف. هل اعتقدتما حقًا أن بإمكانكما التعاون؟ معرفة شخص ما والثقة به أمران متشابهان، لكنهما في الواقع مختلفان تمامًا. لأنكما لا تعرفان أفكار بعضكما، فلا يوجد انسجام. لأنكما لا تعرفان عادات بعضكما، لا تستطيعان التكيف مع حركات الآخر. والنتيجة؟ تصطدمان ببعضكما البعض، وتعيقان بعضكما… ها-ها، هذا لن ينفع إطلاقًا، أليس كذلك؟!»

 

 

أومأ سوبارو إلى إيكيدنا، وربَّت على عنق باتراش، ثم نظر إلى الأميرة النائمة المستلقية على ظهرها. كانت عيناها مغمضتين في حلم لا ينتهي، وأنفاسها هادئة بالكاد تُسمع.

 

 

ركلةٌ دورانيةٌ خلفيةٌ بساقه اليسرى ضربت جانب باتينكايتوس بقوةٍ هائلة، فطار جسده الصغير ككرة مطاطيةٍ ضربت بعنف.

يكفي هذا الآن. لقد سمعت الكلمات التي كنت بحاجة إلى سماعها منها.

 

 

 

«انتظر فقط، الشراهة…! لقد سئمت من تركك تلتهم كل شيء!»

عند تلك الفكرة، أدرك سوبارو مدى قوة خصمهم في معركة المعلومات هذه.

 

 

بصراحة، كلَّما فكَّر في الأمر، زادت تساؤلاته. لماذا لم تؤثِّر سلطة الشراهة عليه؟

 

 

 

سُلب اسم إميليا واختفت من ذاكرة الجميع، لكنَّ اسمها، وصورتها، وصوتها ظلَّت محفورة بوضوح في ذهنه.

«لا تتوقع مني المعجزات. حتى أنا لا أستطيع التحكم بهذا العدد الهائل».

 

 

حتى المشاعر الخافتة التي حملها تجاهها ما زالت تعبق في صدره.

 

 

«هل لأنني من عالم مختلف…؟» ربَّما لم تكن قوانين هذا العالم تسري عليه.

«هل لأنني من عالم مختلف…؟» ربَّما لم تكن قوانين هذا العالم تسري عليه.

لاحظت بياتريس العبوس الذي ارتسم على وجهه، فرفعت رأسها تنظر إليه بقلق.

 

 

إذا كانت الذكريات في هذا العالم سجلًا للحياة يُنتزع من أرواح الموتى في ممرَّات الذاكرة، فهل قوة الشراهة التي تسلب الذكريات لم تؤثِّر عليه لأنه كائن غير اعتيادي أتى من عالم آخر؟

«أرى أنك لا تزال متحذلقًا بالكلام. اختصر.»

 

 

وفي هذه الحالة، ماذا عن ذكريات «ناتسكي سوبارو»؟ إن كان قد مات، فهل نُقشت في ممرَّات الذاكرة؟

 

 

أجابته ميلي، وهي تخرج لسانها مازحة: «لقد درَّبته مسبقًا تحسبًا لحدوث أمر كهذا. كان من المفترض أن يكون وسيلةً للهرب، لكنني أفسدتُ الخطة.»

أم أنَّ…

كان ذلك…

 

إذا كان هذا هو سر آلية العودة بالموت، فسيكون حبيسًا إلى الأبد في دوَّامة هذا العالم.

«هل السبب في قدرتي على العودة هو أنه لا يمكن تخزينها هناك؟»

خفض الشراهة ذراعيه بكسل، والخناجر القصيرة المثبتة على معصميه انغرست في الأرض. نظر إلى جوليوس، يتحدث عن معيار بدا شديد الغموض والرهبة. ثم—

 

 

كانت فرضية تقشعر لها الأبدان.

«… أعلم. لا أستطيع فعل شيء وسط هذا القتال.»

 

 

إذا كان هذا هو سر آلية العودة بالموت، فسيكون حبيسًا إلى الأبد في دوَّامة هذا العالم.

«—حتى لو استغرق الأمر وقتًا عند السفر على الأرض، فالأمر يختلف تمامًا عبر الأجواء.»

 

 

ببساطة، مهما قضى من عقود هنا، فلن يُسمح له حتى أن يموت ميتةً طبيعيةً. فخارجًا عن قوانين هذا العالم، يستطيع سوبارو أن يحاول عيش حياته بكل ما يستطيع، لكن ناتسكي سوبارو الذي لا ينتمي إلى أي عالم…

عندما رأت بياتريس سوبارو يتحرك بذلك الهدوء المتعمد، توقفت عن مناداته.

 

 

—؟

كان نداءً، وكأنه يجذبه نحوه، فاحتضن سوبارو صاحب الصوت بين ذراعيه.

 

 

«فن العلامة الجليدية!»

 

 

رنَّ صوت حاد وواضح، ممزقًا أفكاره.

 

 

 

رفع نظره، فرأى الممر المؤدِّي إلى الغرفة الخضراء مكسوًا بالجليد، وشعر برياح جليدية عاتية تلسع جلده.

«… لا، ما هذا…؟»

 

 

وكان مصدر تلك الرياح جنية ثلجية تدور كما لو كانت ترقص وسط ذرات الماس المتناثرة. لا، لم تكن جنية، بل إميليا، تدور بشعرها الفضي المتطاير خلفها.

ولهذا لم يكن للأمر وقعٌ واقعيٌّ تمامًا. لكن هذه المرة…

 

 

«—أوريا! هاه! إي! إي! ياه!»

لا، هذا ليس أمرًا سيئًا على الأرجح. الجرس إنما يخبرني أن شيئًا قد تغيَّر.

 

 

أمسكت بسيفين من الجليد، وتطلق وابلًا من الهجمات. بدا صوت تأوهها خلال القتال فكاهيًا، لكن لم يكن هناك شيء لطيف في سرعة سيوفها وهي تمزِّق الهواء.

 

 

 

كانت ضرباتها دقيقة، تتجه نحو خصمها بعزيمة واحدة لاجتثاثه.

 

 

دوى صوت سحق تحت نعاله وهو يخطو على الجليد. ظهر من الجانب الآخر للممر، محاصرًا الشراهة بابتسامة وحشية.

«هذا…»

 

 

خفض الشراهة ذراعيه بكسل، والخناجر القصيرة المثبتة على معصميه انغرست في الأرض. نظر إلى جوليوس، يتحدث عن معيار بدا شديد الغموض والرهبة. ثم—

حين دارت إميليا بسيفيها الجليديين في قبضتها، اجتاح الصقيع الممر، محولًا المشهد إلى عالم بعيد عن البرج وسط الصحراء القاحلة.

 

 

«—! رام؟!»

كان سحر الجليد الذي استخدمته يتجاوز مجرد تجميد محيطها، فقد بدا بالغ القوة حتى بمعايير هذا العالم، والدليل على ذلك أن بياتريس وجوليوس حبسَا أنفاسهما حين رأياه.

 

 

 

لكن ما كان أكثر لفتًا للأنظار—

 

 

«فجوة… كبيرة جدًّا…؟»

«أهاهاها! ليس سيئًا، ليس سيئًا على الإطلاق! لأنه ليس سيئًا وأنتِ لستِ سيئة! لهذا، يسرنا التهامك!»

 

 

«النقص في قدرة الشراهة يظهر الآن. هناك العديد من الأجزاء المفقودة من الذكريات المتعلقة بالشخص المسروق، ولا يمكن سدها. التناقضات بدأت تتراكم.»

ذلك المخلوق الساخر تصدَّى لهجماتها بسهولة، يضرب ضرباتها الجليدية وكأنه يعبث بها، ثم أعلن بصوت درامي.

وقفت إيكيدنا بجانب رام، التي لا تزال تتلوى من الألم.

 

أريد أن أقدم لها مكافأة صغيرة بعد أن ننتهي من هذا… لكن

كان فتى ذا شعر طويل، بني داكن، أشعث وفوضوي، وابتسامة مجنونة تتراقص على شفتيه. بدا في منتصف سن المراهقة، رثَّ الثياب، بل قذرًا، وصحته تبدو في أسوأ حال. لكن الأهم من ذلك كله، تلك النظرة الكريهة في عينيه— لمعة مقززة تمزج بين اليأس والشهوة في الحياة، جعلته يسخر من كل شيء. لهذا، لم يكن يشعر بأي شيء وهو يلتهم الآخرين.

إذا كانت الذكريات في هذا العالم سجلًا للحياة يُنتزع من أرواح الموتى في ممرَّات الذاكرة، فهل قوة الشراهة التي تسلب الذكريات لم تؤثِّر عليه لأنه كائن غير اعتيادي أتى من عالم آخر؟

 

«حركاته… هل يمكنها أن تتغير بهذه السرعة؟!»

كان الأمر واضحًا تمامًا، بديهيًا حتى. كان من الصعب على سوبارو أن يصدق أن شخصًا آخر غير لويس آرنب قد يمتلك عيونًا كهذه.

 

 

«أتعني أن الدودة الهائجة ربما تسببت في انهيار الممرات تحت الأرض؟»

«—أسقف الشراهة!»

 

 

لو كانا على دراية بعادات بعضهما القتالية، لكان من السهل عليهما التكيف، لكن…

«آها! ضيف جديد! أو ربما الطبق الرئيسي! كنا ننتظر لقاءك أيضًا، أيها السيد! يبدو أنك كنت لطيفًا مع أختنا!»

حدث هذا في الدورة السابقة أيضًا، لكن سوبارو ما زال يجهل السبب وراء تجول ريد بحرية في البرج، رغم كونه ممتحن الطابق الثاني. لم يكن يود أن يصدق أن السبب ببساطة هو عناد ريد…

 

 

عند سماع عواء سوبارو، ازداد اتساع ابتسامة الشراهة الشيطانية، متصديًا لهجوم آخر من إميليا بمرونة. وعندها، أدركت إميليا وجودهم.

إميليا وجوليوس كانا على وشك القضاء على الشراهة، لكن…

 

«—أسقف الشراهة!»

«آه! الجميع! هممم، ربما لا تعرفون مَن أنا، لكن هذا هو العدو! شخص سيئ! اتركوا الأمر لي… حتى لو لم تعرفوا مَن أكون!»

««فن الجليد المتجسد هو تقنية إميليا، لكن مَن يستخدمها الآن هو نحن، مَن التهمناكَ يا صاح! المعرفة قوة! نحن الأسقف ذو الذكاء الخارق!»

 

 

أدركت إميليا وضعها وهي تخاطب رفاقها. لا شك أنها اختبرت الصدمة التي سببها فقدان رام لذاكرتها عنها، شعور لم يقدر سوبارو حتى على تخيُّله. ومع ذلك، لم تكتفِ بشراء الوقت لرام كي تهرب، بل كانت قلقة أيضًا على سوبارو والآخرين الذين اندفعوا لنجدتها، وهي تواصل قتالها ضد الشراهة.

 

 

مع موافقة جوليوس وبياتريس على قلقه، هتف سوبارو إلى شاولا وميلي. رفعت شاولا إبهامها للأعلى وهي تواصل تجهيز مدفعيتها السحرية، بينما أبعدت ميلي ضفائرها جانبًا ونفخت صدرها بفخر.

امتلأ قلب سوبارو بمشاعر لا حصر لها، فهتف بصوت عالٍ:

 

 

 

«لا تقلقي، إميليا تشان! لم أنسَكِ!»

 

 

 

«……»

 

 

«رام! و… باتراش وريم! هل أنتم بخير؟!»

«ولن أنساكِ مجددًا أبدًا! مهما حصل، لن أنساكِ!»

وجب عليه أن يعترف بقوتها الذهنية الخارقة. ليس لديه سوى تعليقات عابرة ليقولها، مما جعله يشعر بالذنب وهو يراها تقاتل بشجاعة لا تضاهى.

 

«ما رأيك سيدي؟! رأيتَ أدائي، أليس كذلك؟! وأيضًا، استمتعتَ بالمشهد من الخلف؟! كيف وجدته؟!»

رفع قبضته عاليًا، صارخًا في ظهرها.

«آااااااااه!»

 

 

توسَّعت عينا إميليا حين سمعت كلماته، ثم انحنت في اللحظة التالية.

 

 

«—أنا أحبك.»

«نن!»

 

 

كان فتى ذا شعر طويل، بني داكن، أشعث وفوضوي، وابتسامة مجنونة تتراقص على شفتيه. بدا في منتصف سن المراهقة، رثَّ الثياب، بل قذرًا، وصحته تبدو في أسوأ حال. لكن الأهم من ذلك كله، تلك النظرة الكريهة في عينيه— لمعة مقززة تمزج بين اليأس والشهوة في الحياة، جعلته يسخر من كل شيء. لهذا، لم يكن يشعر بأي شيء وهو يلتهم الآخرين.

لم يكن سوبارو متأكدًا مما شعرت به في تلك اللحظة، لكن عندما رأى الابتسامة التي أضاءت وجهها، وكيف اندفعت بحماس أكبر نحو الشراهة، شعر يقينًا بأن ما شعرت به ليس أمرًا سيئًا.

 

 

لا، هذا ليس أمرًا سيئًا على الأرجح. الجرس إنما يخبرني أن شيئًا قد تغيَّر.

ومن خلف سوبارو، كان جوليوس يبتسم.

 

 

 

«أشك في أنك تدرك مدى قوة كلماتك الآن.»

عند إدراك ذلك، فهم سوبارو أنهم بحاجة إلى توزيع الأدوار الصحيحة على الأشخاص المناسبين إذا أرادوا التصدي لجميع المشاكل التي تتفجر في هذه اللحظة.

 

«—سوبارو.»

«هاه؟»

 

 

«هاها! رائع، رائع! الأمور بدأت تصبح ممتعة بالنسبة لي!»

استدار نحوه بدهشة، إذ بدا وكأن لكلماته معنًى أعمق لم يستوعبه، لكن جوليوس لم يجب. وبدلًا من ذلك، سحب سيفه من خصره، ورسم به قوسًا جميلًا قبل أن تّخذ وضعية الاستعداد.

لكن ما كان أكثر لفتًا للأنظار—

 

«……»

«الأمر واضح، أليس كذلك؟ إنها حليفتنا، أليس كذلك، سوبارو؟»

 

 

«ميلي وشاولا تتكفلان بالدفاع عنا، لكن هل هناك احتمال أن تتسلل الوحوش الشيطانية إلى البرج؟»

«بالطبع، لا شك في ذلك! لا يمكن لشخص لطيف مثلها أن يكون عدونا!»

 

 

 

«فهمت.»

«نعم»، أومأت رام. «لم أرَها ولو مرة واحدة في هذا البرج. على الأقل، لم تبدُ كعدوة… وبالنظر إلى الموقف، تراجعتُ في الوقت الراهن. لكن…»

 

 

أومأ جوليوس، ثم تلاشى شكله. —لا، لم يكن قد تلاشى حقًا، بل كانت مجرد خدعة بصرية. وفي اللحظة التالية، انطلق بخطوة واحدة، مندفعًا إلى ساحة المعركة المتجمدة بطعنة خاطفة، قابلها الشراهة بتقاطعه ذراعيه أمام صدره، لكنه تراجع بفعل قوة الهجوم.

نظر سوبارو إلى بياتريس التي بدا عليها الامتعاض على نحوٍ لطيف. يبدو أنها ليست من محبَّي ذلك المركيز الغامض.

 

 

«وووبس، أيها السيد…»

«إنها الشراهة. أسقف الشراهة هي مَن توجه جميع الوحوش نحو البرج.»

 

«لا وقت لدينا للجدال. لا سيَّما مع وجود الشراهة هنا، وأحد رفاقنا ما زال يقاتله حتى بعد أن سُلب اسمه. لا يمكننا التوقف الآن.»

«لقد كنت أنتظر هذه اللحظة، أيها الشراهة!»

«لا تظنن أن جوليوس وحده هنا!»

 

لكن ما أثار دهشته ليس الدودة ذاتها، بل الحقيقة التي أدركها توًا. لقد سبق أن واجه هذا المخلوق حين حاول الفرار من البرج.

هجوم جوليوس العنيف انقضَّ على الشراهة المبتسم، لكن الأسقف قفز للخلف، ماصًا صدمة الضربة. وطأت قدماه الحائط المتجمد، وصوتُه الغامض يتردد عبر القاعة.

«لا وقت لدينا للجدال. لا سيَّما مع وجود الشراهة هنا، وأحد رفاقنا ما زال يقاتله حتى بعد أن سُلب اسمه. لا يمكننا التوقف الآن.»

 

«هياه!»

«واه، مهلًا، لا تتسرع. آسف، لكننا لا نشارك طعامنا. لا نذكرك، أيها السيد. مهما يكن الأمر، فهو شيء فعله روي، أليس كذلك؟»

ذلك المخلوق الساخر تصدَّى لهجماتها بسهولة، يضرب ضرباتها الجليدية وكأنه يعبث بها، ثم أعلن بصوت درامي.

 

 

«—!»

إنها محقة. هذه ليست لحظة للتحفظ. يجب أن أستخدم كل الأوراق التي لدينا وأشغل هذا العقل الماكر بأقصى طاقته لمعرفة كيفية تحقيق النصر.

 

 

«حسنًا، القول بأنه لا يهم كثيرًا قد يكون رأيًا مقبولًا. على أي حال، روي وحده هو مَن يهتم بك، نحن لا نجدك مؤهلًا كوجبة.»

بلهجة تنم عن الملل، توقَّف ريد عن الحركة ثم استدار بسرعة خاطفة.

 

بينما كان سوبارو يحدق مذهولًا وسط صفوف الكتب المتراصة، سمع صوتًا آخر.

«معاييركم؟»

 

 

 

«نعم، هذا صحيح. و…»

«نعم، هذا صحيح. و…»

 

 

خفض الشراهة ذراعيه بكسل، والخناجر القصيرة المثبتة على معصميه انغرست في الأرض. نظر إلى جوليوس، يتحدث عن معيار بدا شديد الغموض والرهبة. ثم—

«ما الذي يجعلك متعجرفًا إلى هذا الحد؟»

 

«هاه! ماذا تهذي أيها الصغير؟ آسف، صوتك ضعيف جدًا، لا أسمعه. حسنًا، حتى لو سمعته، فلن يهمني.»

«هيااااا!!!»

«بكل تأكيد. والآن، سأجعلك ترافقني!»

 

 

«—؟!»

《٥》

 

 

بلا تردد، رفعت إميليا يديها، وأطلقت كتلة ضخمة من الجليد نحو الطائفي.

«—لذا، سأستخدم ما أعددتُه مسبقًا… وأتركها تتولى القتال.»

 

«كم أتمنى أن أسمعها تصرخ، لكن… إخوتها يأتون أولًا.»

كان هجومًا لا رحمة فيه، والممر لم يكن واسعًا، ما يعني أنه كان على وشك سحق العدو. وعلى الرغم من أنه كان منشغلًا بالكلام، إلا أن تعبير الشراهة تغير على الفور، وقفز إلى الجانب، بالكاد ينقذ نفسه.

 

 

هل… مات؟

«تشش! نعلم ذلك، بما أننا التهمناك، لكنكِ لا تترددين أبدًا، أليس كذلك، إميليا؟! إذا هاجمتِ هكذا، سيعتقد الناس أنكِ مخيفة…»

وقفوا على شرفة تمتد من جانب البرج، ترتفع مئات الأقدام عن سطح الأرض.

 

«نعم، هذا صحيح. و…»

«اصمت فحسب! أعلم جيدًا أن الناس يرونني مخيفة! لكن ما يهمني هو ما أفكر به أنا عن الجميع! وأيضًا…»

 

 

 

انزلق الشراهة متجاوزًا الجليد، ليجد ركبة إميليا البيضاء تقترب من وجهه مباشرة. رفع ذراعه ليصدها، لكنه اندفع إلى الخلف بفعل قوتها، فيما التفتت إميليا إلى سوبارو لبرهة خاطفة.

كانوا على وشك أن يسدوا كل الطرق أمامه. ولكن قبل أن يحدث ذلك—

 

 

«الشخص الذي أريده أن يتذكرني أكثر من أي أحد… لم ينسَني قط. في هذه اللحظة، أشعر بحماس لا يُضاهى!»

 

 

 

«لهذا السبب، التعامل مع مَن يتصرفون بدافع العاطفة مزعج للغاية. دائمًا ما يكونون الأكثر إزعاجًا.»

 

 

 

«—أهو كذلك؟ مع ذلك، أنا أوافقها الرأي.»

 

 

تفاجأ سوبارو، لكنَّها اكتفت بهز كتفيها.

ارتسمت على وجه الشراهة علامة امتعاض، إذ كان جوليوس قد تسلل خلفه. أهوى بسيفه في ضربة حادة، لكن الشراهة رفع ذراعه لصدها قبل أن يضرب بها إلى الخلف على الفور.

 

 

 

غير أن صده لم يكن كاملًا، فغاص النصل في لحمه حتى بلغ المرفق، ليسيل الدم بغزارة. تأوه الشراهة، لكن الهجوم التالي لم يمنحه فرصة لالتقاط أنفاسه—

«افتقادك للثقة في النهاية يقول الكثير. لكن بيتي تشعر بشعور سيئ أيضًا.»

 

 

«—بعد أن نُسيتُ من الجميع، فقدتُ إحساسي بمكاني في هذا العالم، بل حتى شعرت بأن وجودي ذاته قد تلاشى… لكن لم يكن هناك داعٍ للشك أبدًا في مكاني الحقيقي.»

هبت موجة صقيع على رقصة السيوف التي جمعت بين تدفق الماء ولهيب النار، محولةً ساحة المعركة إلى مشهد مذهل.

 

«جوليوس! لا تقف هناك!»

عبَّر جوليوس عن عزيمته الهادئة بكلماته، لتزداد هجماته حدة وسرعة.

 

 

 

«تش! أغه، غاه!»

«حقًا؟ هل هذا على ما يرام؟ أنتم لا تكرهونني الآن، أليس كذلك؟»

 

 

لم يستطع الشراهة مجاراتهما في السرعة أو القوة، فتلق صدره ضربة مباشرة جعلته يصرخ من الألم.

«—أسقف الخطيئة، الشراهة، لاي باتينكايتوس».

 

حين انحنوا تحت الجدار، اندفعوا عائدين إلى الممر—

واصلت إميليا وجوليوس هجومهما العنيف، دافعين الشراهة إلى الزاوية. كادوا ينتهون منه…

«فهمت.»

 

 

«سوبارو، حتى لو أردنا التدخل…»

 

 

«المعرفة قوة! الذكريات روابط! بالتضحية بالذكريات، نزداد قوة! نفتح أجنحتنا، نحلق عاليًا، ونذهب حيثما نشاء!»

«… أعلم. لا أستطيع فعل شيء وسط هذا القتال.»

«هل السبب في قدرتي على العودة هو أنه لا يمكن تخزينها هناك؟»

 

«—!»

«… ما دمتَ تفهم.»

لم يكن يعرف ما الذي يحدث لجسده.

 

عندما رأت بياتريس سوبارو يتحرك بذلك الهدوء المتعمد، توقفت عن مناداته.

كان الأمر محبطًا، لكنه واقع لا يمكن تغييره. بمهاراته الحالية، ليس بإمكانه التأثير في معركة بين مقاتلين يتجاوزون حدود البشر. حتى مع دعم بياتريس، لم يكن له مكان في هذا القتال. لم يستطع سوى المشاهدة.

«أيها العنيد…»

 

«تشش! نعلم ذلك، بما أننا التهمناك، لكنكِ لا تترددين أبدًا، أليس كذلك، إميليا؟! إذا هاجمتِ هكذا، سيعتقد الناس أنكِ مخيفة…»

إميليا وجوليوس كانا على وشك القضاء على الشراهة، لكن…

«ليس لديَّ تصور دقيق عن مدى شساعة هذه الصحراء، ولكن…»

 

«سوبارو.»

«فن الجليد المتجسد.»

 

 

كان نداءً، وكأنه يجذبه نحوه، فاحتضن سوبارو صاحب الصوت بين ذراعيه.

كان قد سمع هذا الاسم من قبل، لكنه لم يصدر هذه المرة بصوت فضي رنان.

لقد كان هذا هو اقتحام العقرب العملاق الذي كان يخشاه. العقبات التي ينبغي عليهم تجاوزها تجمعت كلها في مكان واحد.

 

 

كان الشراهة، رغم نزفه، ما زال يحتفظ بذلك الابتسام الواثق. بل كان هو مَن نطق باسم التقنية. وفي اللحظة التالية، ارتفع رمح جليدي من تحت قدميه.

بينما كان سوبارو يحدق مذهولًا وسط صفوف الكتب المتراصة، سمع صوتًا آخر.

 

«يصعب الجزم بذلك بسبب طريقتها الغريبة في استخدام الضمائر، لكن يبدو أنهم ثلاثة. الفتاة التي كانت تهذي داخل كتاب الموتى، وأظن أن لديها شقيقين أكبر منها.»

تفادى جوليوس الهجوم بحركة أكروباتية، بينما حوَّلت إميليا رمحها إلى مطرقة من الجليد وسحقت به الكتلة الجليدية بعنف.

وعلى الفور، أشار ريد بإحدى عيدانه نحو جوليوس، وبالأخرى نحو إميليا. فن سيافته لم يترك مجالًا للشك في قدرته على إبقائهما تحت السيطرة.

 

«… شخص ما؟»

رغم أن الهجوم المباغت تم صده، فإن أثر المفاجأة لم يتلاشَ تمامًا.

«ها-ها! كيف تشعرون بتلقي هجومكم الخاص ضدكم؟! كيف هو الإحساس؟ ها؟! تذوقوه جيدًا، التهموه، أيها الشراهة!»

 

 

«هذا كان—»

 

 

 

«ها-ها! كيف تشعرون بتلقي هجومكم الخاص ضدكم؟! كيف هو الإحساس؟ ها؟! تذوقوه جيدًا، التهموه، أيها الشراهة!»

«سوبارو.»

 

 

قبل أن تكمل إميليا جملتها، كان الشراهة قد استلَّ سلاحًا آخر من الجليد، لكن شكله كان غريبًا، مما جعل إميليا وجوليوس يتبادلان نظرات الدهشة، بينما انفرج فم سوبارو بذهول.

«نحن على وشك… الوصول!»

 

لم يكن التغيير إلا في الخصم؛ إذ حُلَّ ريد محل باتينكايتوس كعدو رئيسي، لكن مع ذلك، بدأت شراكة إميليا وجوليوس في التوافق شيئًا فشيئًا. بل إنها نمت وتتطورت.

كان ذلك…

كان ذلك كبرياءً أم غرورًا؟ لا فرق. فقد أعلن الشراهة -لاي باتينكايتوس- عن نفسه، وفي اللحظة التالية، انطلق من فوق الجليد كالسهم.

 

وهكذا… بدأت معركة ناتسكي سوبارو من جديد، أو بالأحرى، معركة ناتسكي سوبارو وأصدقائه.

«هذا… قاذف وتد؟!»

 

 

«……»

««فن الجليد المتجسد هو تقنية إميليا، لكن مَن يستخدمها الآن هو نحن، مَن التهمناكَ يا صاح! المعرفة قوة! نحن الأسقف ذو الذكاء الخارق!»

 

 

 

وجَّه الشراهة السلاح غير المألوف نحو إميليا وجوليوس.

 

 

أمسكت بياتريس بيده وهي تواصل الجري إلى جانبه، تحاول بصعوبة انتقاء كلمات تشجعه.

دوى انفجار، وانطلق الوتد ليجبرهما على التراجع بعنف.

 

 

تركَّز نظرها على كلَّاب العقرب الذي خلَّف ذلك الجرح العميق في ساق سوبارو. حمل طرف الكلَّاب قطعة من لحم سوبارو، والدم يتدفق منها، يقطر على الأرض.

«آااااااااه!»

قبض سوبارو يده احتفالًا بنصر صغير. حدَّ دعم ميلي من اجتياح الوحوش الشيطانية بأكثر من طريقة. إن تمكنوا من منعها من الدخول من الأعلى والأسفل، فسيعني ذلك أن دفاعهم أصبح محكمًا. والآن، بعد أن تمت السيطرة على اجتياح الوحوش، لم يتبقَّ سوى أربع مشاكل رئيسية…

 

غير أن صده لم يكن كاملًا، فغاص النصل في لحمه حتى بلغ المرفق، ليسيل الدم بغزارة. تأوه الشراهة، لكن الهجوم التالي لم يمنحه فرصة لالتقاط أنفاسه—

«سوراسوراسوراسورا! هيا، هيا، غوغوغوغوغوغو!!!»

أدركت إميليا وضعها وهي تخاطب رفاقها. لا شك أنها اختبرت الصدمة التي سببها فقدان رام لذاكرتها عنها، شعور لم يقدر سوبارو حتى على تخيُّله. ومع ذلك، لم تكتفِ بشراء الوقت لرام كي تهرب، بل كانت قلقة أيضًا على سوبارو والآخرين الذين اندفعوا لنجدتها، وهي تواصل قتالها ضد الشراهة.

 

رفعت ميلي يدها نحو الأرض، وفي اللحظة التالية، اندفع عمودٌ هائلٌ من الرمال إلى السماء.

قهقه الشراهة بجنون، مستدعيًا سلاحًا تلو الآخر من أسلحة لا وجود لها في هذا العالم.

«ليس سيئًا، على ما أظن. أي شخص غيري كان ليهلك. حسنًا، لننطلق.»

 

 

استعاد كل من إميليا وجوليوس توازنهما، مستعدين لاستئناف القتال، لكن التغيير لم يكن فقط في أسلحة الشراهة…

 

 

 

لقد أصبح يتحكم بأسلوبه القتالي وفقًا للأسلحة التي استدعاها، مما وضع إميليا وجوليوس في موقف دفاعي بحت.

«… نعم. إن كانت هناك فتاة فضية الشعر، فهي إميليا. رفيقتنا»، ترددت نبرة سوبارو. «ولهذا السبب، هي مَن طلبت منكما الفرار وبقيت تقاتل. ولهذا لا تزال تحارب الآن».

 

 

«حركاته… هل يمكنها أن تتغير بهذه السرعة؟!»

 

 

وما زاد الطين بلة…

عكست صدمة جوليوس مدى رعب قدرة الشراهة على استيعاب ذكريات الآخرين واستغلالها.

 

 

 

تقنية إميليا لصنع الأسلحة الجليدية، مقرونة بمعرفة سوبارو بعالم آخر، فتحت له بابًا لا نهائيًا من الاحتمالات.

بصراحة، كان الأمر أكثر إحراجًا أن تُقال مثل هذه الكلمات له مباشرة. كان من الأسهل بكثير عليه أن يقولها بنفسه بدلًا من سماعها من غيره. ليس لديه أدنى شك في مشاعره على أي حال.

 

«يبدو ذلك واضحًا. لنكمل بعد أن ندعم الآنسة شاولا. آنسة ميلي؟»

وفوق ذلك، لا شك أنه قد التهم أرواح عدد لا يحصى من المحاربين، ما جعله يحصل على مهاراتهم القتالية دفعة واحدة، دون الحاجة لأي وقت للتكيف.

«سأتدبر الأمر بطريقة ما، لكن لن أغفر لكم إن لم تجدوهم سالمين.»

 

«أسقف الشراهة؟ في هذا الاتجاه؟»

بمجرد أن يستخرج من ذاكرته التقنية الأنسب للموقف، كان يتحول فورًا إلى سيد متقن لهذا السلاح، متلاعبًا بين الهجوم والدفاع بسلاسة تامة.

 

 

لحظة وقوع الضربة العنيفة، هبت موجة صدمة عنيفة أطاحت بشعر جوليوس وملابسه، محطمةً الجليد الذي غطى الممر بأسره.

وما زاد الطين بلة…

 

 

«هاهاها! لا تتركوننا خارج المتعة، لا تكونوا قاسين، يا أخي العزيز! دائمًا، دائمًا تحتفظ بالأمور لنفسك؟ لا تكن بخيلًا!»

«جوليوس! لا تقف هناك!»

«هذا… ممكن. لقد مررتُ بهذا الشعور بنفسي».

 

كان الأمر محبطًا، لكنه واقع لا يمكن تغييره. بمهاراته الحالية، ليس بإمكانه التأثير في معركة بين مقاتلين يتجاوزون حدود البشر. حتى مع دعم بياتريس، لم يكن له مكان في هذا القتال. لم يستطع سوى المشاهدة.

«نغه…»

«هاه! لم أنسَكِ، أيتها الفاتنة! وجهكِ جميل جدًا ليُنسى!»

 

 

ترنح جوليوس عند صرخة إميليا.

بصراحة، حتى وهو يدرك أن ذكرياته قد سُرقت، لم يكن الأمر يبدو حقيقيًا تمامًا. كان من المستحيل نسيان سوء الفهم والارتياب اللذين اجتاحاه عندما فقد ذاكرته، أو المشاعر السلبية التي وجهها نحو الجميع آنذاك. كانت لحظة مظلمة يفضل نسيانها تمامًا.

 

 

رغم رغبتهما العارمة في القضاء على العدو، لم يكن بينهما تناغم حقيقي.

 

 

 

أسلوب إميليا اعتمد على الحدس الفطري، بينما جوليوس مقاتل مدرَّب، صقل مهاراته عبر تمرين لا ينتهي.

«هل هناك حيلة ما، أم أن قوانين البرج نفسها قد تغيرت؟ في كلتا الحالتين، وجودك هنا خارج الخطة؛ لذا علينا إعادة ترتيب الأصناف. المقبلات أولًا، ثم الطبق الرئيسي، ثم الحلوى، أليس هذا هو الترتيب المعتاد؟»

 

 

لو كانا على دراية بعادات بعضهما القتالية، لكان من السهل عليهما التكيف، لكن…

 

 

نسيان إميليا، الشخص الذي كنا نتحدث عنه للتو، الرفيقة التي كافحنا معها عبر المحن حتى الآن، في لحظة واحدة. —أي بشاعة هذه؟

«كم هو مؤسف. هل اعتقدتما حقًا أن بإمكانكما التعاون؟ معرفة شخص ما والثقة به أمران متشابهان، لكنهما في الواقع مختلفان تمامًا. لأنكما لا تعرفان أفكار بعضكما، فلا يوجد انسجام. لأنكما لا تعرفان عادات بعضكما، لا تستطيعان التكيف مع حركات الآخر. والنتيجة؟ تصطدمان ببعضكما البعض، وتعيقان بعضكما… ها-ها، هذا لن ينفع إطلاقًا، أليس كذلك؟!»

 

 

«—بياتريس!»

«أغغ…»

 

 

لسانه الطويل امتد من بين أنيابه البيضاء، يقطر لعابًا، وقد استحوذت عليه شهوة الالتهام التي لم يكن بمقدور أي إنسان طبيعي استيعابها.

«المعرفة قوة! الذكريات روابط! بالتضحية بالذكريات، نزداد قوة! نفتح أجنحتنا، نحلق عاليًا، ونذهب حيثما نشاء!»

كان نداءً، وكأنه يجذبه نحوه، فاحتضن سوبارو صاحب الصوت بين ذراعيه.

 

بصراحة، كان الأمر أكثر إحراجًا أن تُقال مثل هذه الكلمات له مباشرة. كان من الأسهل بكثير عليه أن يقولها بنفسه بدلًا من سماعها من غيره. ليس لديه أدنى شك في مشاعره على أي حال.

قفز الشره فجأة، موجهًا ركلتين في آنٍ واحد أصابتا الهدفين بدقة. كان جسده صغيرًا وساقاه ليستا طويلتين، لكن باطن قدميه سدد ضربتين قويتين إلى كتفيهما، دافعًا إياهما بعيدًا.

انضمت إميليا إلى رقصة سيف جوليوس بسلاحها الجليدي الذي شكَّل ترسانة متكاملة.

 

 

«يا له من قتال شرس! يا له من تحدٍّ خطير! ما رأيكما فيما لدينا؟! وأنت، أيها السيد الذي يكتفي بالمشاهدة هناك، هل يرضيك أن تبقى عاجزًا على الهامش؟»

مرَّ جسده، الذي راح يتدحرج كالإعصار، بين إيميليا وجوليوس، ثم تجاوز سوبارو وبياتريس، ليستمر في الانزلاق أبعد في الممر المتجمد.

 

 

«أنت…»

«أغغ…»

 

 

«لقد تحدثت كثيرًا عن عدم النسيان، لكن إلى أي مدى سينفعك ذلك حقًا؟ في النهاية، التجربة هي التي تحسم الأمور. امتلاك المعرفة المتفوقة يغني الحياة ويميِّز الفائزين عن غيرهم. وبمعنى آخر، نحن الأعظم!»

عيناه كانتا حادتين، وسيفه يشع بعزمٍ لا يلين.

 

«الأمر يعود إلى الشخصية أيضًا. إميليا تتحرك بحسم، بينما جوليوس يتحرك بطريقته الخاصة. من المنطقي أن تتوقف إميليا عن محاولة مجاراته.»

فرد ذراعيه، كاشفًا عن أنيابه، وقهقه الشره بسخرية بينما كلماته تمزق خصومه.

كان قد سمع هذا الاسم من قبل، لكنه لم يصدر هذه المرة بصوت فضي رنان.

 

 

إذًا، هذه هي فلسفته؟ تبدو مختلفة قليلًا عمَّا تحدثت عنه لويس، لكن الجوهر واحد. يستغلون حياة الآخرين كحجارة خطواتٍ ويزدردونها بلا رحمة. حقًا، هذا أبشع ما يمكن تخيُّله.

 

 

 

من أعماق قلبه، شعر بالاشمئزاز الخالص—

 

 

 

«ما الذي يجعلك متعجرفًا إلى هذا الحد؟»

«ليس مستحيلًا. المتاهة تحت الأرض التي سقطنا فيها… أظن أنك لا تذكرها. يمكن الدخول إلى البرج من هناك، لكن بفضل ميلي…»

 

 

«… هاه؟»

 

 

 

كان الشره يضحك وكأن العالم كله ملكه، لكنه في اللحظة التي سمع فيها ذلك الصوت، اتسعت عيناه بذهول. حتى سوبارو والبقية لم يكونوا أقل دهشة.

 

 

 

فجأة، اخترق المكانَ عملاقٌ من المجزرة، كما لو كان من الطبيعي أن يظهر هناك.

 

 

 

دوى صوت سحق تحت نعاله وهو يخطو على الجليد. ظهر من الجانب الآخر للممر، محاصرًا الشراهة بابتسامة وحشية.

 

 

 

«الأعظم ليس نكرة مشوهة مثلك. الأعظم والأقوى، الأسمى والأفضل— كل هذه الكلمات وُجدت لتصفني أنا.»

 

 

 

كان الرجل الذي لم يكن يفترض به أن ينزل من الطابق الثاني، يقف هناك بابتسامة شريرة.

«أهاهاها! ليس سيئًا، ليس سيئًا على الإطلاق! لأنه ليس سيئًا وأنتِ لستِ سيئة! لهذا، يسرنا التهامك!»

 

إذا أخذ بكلمات لويس كما هي، فهناك الأخ العزيز والأخ الأعز.

《٤》

 

 

 

«……»

«يا له من قتال شرس! يا له من تحدٍّ خطير! ما رأيكما فيما لدينا؟! وأنت، أيها السيد الذي يكتفي بالمشاهدة هناك، هل يرضيك أن تبقى عاجزًا على الهامش؟»

 

 

ريد أستريا ظهر أمامهم بهيبةٍ طاغية. عيونه الزرقاء الحادة لم تأبه بدهشة أحد. حضوره وحده جعل الجميع، حتى الشراهة، عاجزين عن الكلام.

 

 

 

«لم كل هذه الوجوه المتفاجئة؟ من البديهي أن أكون هنا، أليس كذلك؟»

 

 

 

طرق ريد بإصبعه على رقعة عينه اليسرى، ثم نقر بنعله على الأرض.

«أتفهَّم ذلك. روحي القتالية باردة كبرودة نصلي.»

 

 

«صار الخارج ضجيجًا مجنونًا، ولم أعد أستطيع أخذ قيلولة بسلام. ولا يوجد خمرٌ أيضًا، مما يجعل الأمر مملًا حد الموت. لا يمكنني تحمل ذلك.»

«يبدو ذلك واضحًا. لنكمل بعد أن ندعم الآنسة شاولا. آنسة ميلي؟»

 

 

«… يؤسفني ذلك، لكننا مشغولون هنا. أظن أنه من السهل إدراك ذلك.»

 

 

«هذه مواجهة غير متوقعة، لكن إن كنا سنلتقي به كعدو هنا، فلا يمكننا السماح له بالفرار. هدفنا هو إيجاد طريقة لمحو الأضرار التي سبَّبتها الشراهة والشهوة. إن كان أحدهما قد ظهر، فعلينا أن نستجوبه مباشرة».

«هاه! ماذا تهذي أيها الصغير؟ آسف، صوتك ضعيف جدًا، لا أسمعه. حسنًا، حتى لو سمعته، فلن يهمني.»

وما إن لامست تلك الأشعة الرمال، حتى انفجرت الأرض بانفجارات مدمرة.

 

 

«أيها العنيد…»

«آه! الجميع! هممم، ربما لا تعرفون مَن أنا، لكن هذا هو العدو! شخص سيئ! اتركوا الأمر لي… حتى لو لم تعرفوا مَن أكون!»

 

 

لم يكن الأمر مجرد عناد، بل التوقيت أيضًا كان سيئًا.

 

 

«اصمت فحسب! أعلم جيدًا أن الناس يرونني مخيفة! لكن ما يهمني هو ما أفكر به أنا عن الجميع! وأيضًا…»

صوت سوبارو كان ضعيفًا، ليس قويًا بما يكفي ليكون اعتراضًا حقيقيًا. وعندما تلقى ردًا قاسيًا وساخطًا، قبض يديه، معترفًا بأن خوفه من ريد ليس مجرد وهم.

 

 

«—!»

الآن، بعدما وقف أمامه وجهًا لوجه، شعر روحه ترتجف. لكن ليس من الرعب أو الخوف، بل من الإثارة.

«……»

 

 

«في أعماقي، قد اعترفت بك بالفعل كعدوٍّ لي…»

 

 

«هاه؟»

«هيه. ليس سيئًا، أيها الصغير. لن أرفع رتبتك عن كونك «صغيرًا، لكنني سأعترف لك بأنك لم تخطئ في رؤيتي كعدو، وليس كدعم مريح.»

—في اللحظة التالية، شعر بارتجاجٍ عنيف، وكأن كل شيء -الأبيض والأسود، النور والظلام، الرجل والمرأة، الحب والكره- قد انقلب رأسًا على عقب… لينتقل ناتسكي سوبارو عبر الزمان والمكان.

 

تمكن من الشعور بوقع نبضاته داخل صدره.

«ليس وكأنني سأصدقك حتى لو ادَّعيت أنك هنا لمساعدتنا.»

— العقرب العملاق الشرس الذي يتجول حول البرج وكأنه يملكه.

 

حاولت إيميليا اللجوء إلى أسلوبها المعتاد، ساعيةً إلى حلٍ وديٍّ مع ريد، غير أن الأخير هز رأسه رفضًا لطلبها المسالم، ثم زفر بحدة وهو يركل الأرض.

«هاه! اسمعوا إلى ما يقوله الصغير.»

 

 

«أشكرك جزيلًا على الاعتناء بذلك الفتى… هل يمكننا أن نصبح أصدقاء؟»

أخفى سوبارو البرودة التي اجتاحت قلبه بينما كان ريد يبتسم كسمكة قرشٍ شريرة.

«—أسقف الشراهة!»

 

 

في أحد الجوانب، كان إعلانه قبل قليل مدمرًا للأمل. لكن سوبارو لم يكن يومًا ليحسب ريد كحليف. كان ذلك سيكون خطأ، والرجل نفسه أكَّد هذا للتو.

 

 

 

استعاد الشراهة رباطة جأشه سريعًا، ومع انتهاء التبادل، تحدث.

«هاااه، لا تقولي أشياءً كهذه… في الواقع، ما أنتِ حتى؟ جمالكِ غير معقول! بحق الجحيم، أنتِ فاتنةٌ بحق! ما الذي تفعلينه في هذا المكان البائس؟ لماذا أنتِ هنا؟ كفي عن العبث في هذا الرمل المجنون، وتعالي نشرب الليلة.»

 

 

«—أنت، ريد أستريا.»

«أوياه! سيياه! توريياه! أوريا، أوريا، أوريا!»

 

 

وقف أسقف الشراهة في منتصف القاعة المتجمدة— بين الطرفين تمامًا.

«لكن ماذا؟! لا تخبريني أنكِ قلقة على مصير هذه الوحوش الشيطانية؟! لا بأس! بل أرجوكِ، إبادتها بالكامل سيكون أمرًا رائعًا!»

 

«أوهيااان!»

شمخ ريد بأنفه بضيق.

 

 

«أسفل الممر، واجهنا خصمًا يدعي نفسه بأسقف الشراهة.»

«نعم، ما الأمر، أيها الصغير؟ …أنت مجرد جرذ قذر، أليس كذلك؟ ماذا تريد؟»

«هذا… ممكن. لقد مررتُ بهذا الشعور بنفسي».

 

نسيان إميليا، الشخص الذي كنا نتحدث عنه للتو، الرفيقة التي كافحنا معها عبر المحن حتى الآن، في لحظة واحدة. —أي بشاعة هذه؟

«أنت قديس السيف الأول، صحيح؟ كيف أنت هنا؟ وفقًا لذاكرتنا، كونك الممتحن، لا يجب أن تكون قادرًا على النزول من الدرج.»

هذا ليس جيدًا.

 

شعَّ ريد بهالة توحي بكل أشكال العنف الممكنة، وهو يكشف عن أنيابه بازدراء.

تجاهل الشراهة الإهانة وطرح سؤاله.

 

 

حسابنا بتويتر @ReZeroAR

أغضب ذلك سوبارو، إذ كانت الذكريات التي يتحدث عنها هي بوضوح ذكرياته هو، لكن الجميع هنا تساءل عن الشيء ذاته.

«……»

 

 

حدث هذا في الدورة السابقة أيضًا، لكن سوبارو ما زال يجهل السبب وراء تجول ريد بحرية في البرج، رغم كونه ممتحن الطابق الثاني. لم يكن يود أن يصدق أن السبب ببساطة هو عناد ريد…

 

 

 

«هل هناك حيلة ما، أم أن قوانين البرج نفسها قد تغيرت؟ في كلتا الحالتين، وجودك هنا خارج الخطة؛ لذا علينا إعادة ترتيب الأصناف. المقبلات أولًا، ثم الطبق الرئيسي، ثم الحلوى، أليس هذا هو الترتيب المعتاد؟»

 

 

 

«بلاه، بلاه، بلاه، ثرثرة فارغة. كفاك هراءً، أيها الحثالة.»

 

 

«—إذًا، أتيتم من أجلي، أليس كذلك؟» قالت ميلي وهي تعبث بضفائر شعرها.

«……»

دوى انفجار، وانطلق الوتد ليجبرهما على التراجع بعنف.

 

«سوبارو، حتى لو أردنا التدخل…»

«أنا لا أستطيع النزول؟ افتح عينيك جيدًا وانظر بنفسك. عن أي هراءٍ تتحدث؟ الحقيقة أمامك، واضحة وضوح الشمس.»

 

 

ــ وحوش الشياطين تجمعت حول برج المراقبة.

هادرًا بصوت أشبه بزئير الوحوش، انطلق ريد إلى الأمام بانزعاج. تلألأت أسنانه البيضاء وهو يحدق في الشراهة بعينه الوحيدة، مظهرًا هيئة شخص لا يقل عن كونه بلطجيًا متجولًا.

«ما رأيك سيدي؟! رأيتَ أدائي، أليس كذلك؟! وأيضًا، استمتعتَ بالمشهد من الخلف؟! كيف وجدته؟!»

 

«لا تظنن أن جوليوس وحده هنا!»

لكن، للأسف، الضغط الهائل الذي أطلقه لم يكن له مثيل بين سفلة الشوارع الذين يتسكعون عند المتاجر. بل كان شعورًا كأن وحشًا يجمع في جسده أنياب نمر، وقوة دب، وهيبة أسد، وسطوة تنين قد ظهر.

 

 

 

شعَّ ريد بهالة توحي بكل أشكال العنف الممكنة، وهو يكشف عن أنيابه بازدراء.

كان الأمر واضحًا تمامًا، بديهيًا حتى. كان من الصعب على سوبارو أن يصدق أن شخصًا آخر غير لويس آرنب قد يمتلك عيونًا كهذه.

 

«آهاهاها! مذهل! لا فائدة من الحديث معك.»

«تبًا لك. أفعل ما أشاء، كيفما أشاء. لا أتلقى الأوامر من أحد. وهذا ليس مجرد مزحة. ومَن الذي سمح لك بتحريك لسانك أصلًا، هاه؟ أخبرني. أتحداك.»

«ما الذي يجعلك متعجرفًا إلى هذا الحد؟»

 

«آااااااااه!»

«آهاهاها! مذهل! لا فائدة من الحديث معك.»

تبادل الأربعة الضربات، مصطدمين بإراداتهم المتعارضة.

 

 

حطم الشراهة السيف المقدس المتجمد إلى شظايا جليدية، ثم مرر أصابعه بين خصلات شعره الطويلة.

 

 

«هيه. ليس سيئًا، أيها الصغير. لن أرفع رتبتك عن كونك «صغيرًا، لكنني سأعترف لك بأنك لم تخطئ في رؤيتي كعدو، وليس كدعم مريح.»

حتى الشراهة بدا غير قادر على التعامل مع شخص يرفض تمامًا أي نوع من التفاعل. لقد بدا وكأنه يعاني مع عدم اهتمام إميليا بالمحادثة، لكن ريد كان بمستويات تفوق ذلك بأشواط.

 

 

 

«لكن… كفريسة، أنت من الطراز الأول. نحن، كذواقة، شهيتنا تتأجج! قضمها! مزقها! ارتشفها! تذوقها! التهمها بالكامل! شراهة!»

 

 

 

صارخًا كوحش هائج، انخفض نهم على أطرافه الأربعة، مثبتًا نظره على ريد عبر الأرضية المتجمدة.

— ”الذكريات تصنع الإنسان.“ ما أروع هذه العبارة.

 

 

لسانه الطويل امتد من بين أنيابه البيضاء، يقطر لعابًا، وقد استحوذت عليه شهوة الالتهام التي لم يكن بمقدور أي إنسان طبيعي استيعابها.

 

 

 

«—أسقف الخطيئة، الشراهة، لاي باتينكايتوس».

 

 

 

كان ذلك كبرياءً أم غرورًا؟ لا فرق. فقد أعلن الشراهة -لاي باتينكايتوس- عن نفسه، وفي اللحظة التالية، انطلق من فوق الجليد كالسهم.

 

 

 

كانت سرعته الوحشية أشبه بانقضاض مفترس رباعي الأقدام على فريسته.

 

 

 

«يا له من إزعاج.»

«حقًا؟ هل هذا على ما يرام؟ أنتم لا تكرهونني الآن، أليس كذلك؟»

 

حين دارت إميليا بسيفيها الجليديين في قبضتها، اجتاح الصقيع الممر، محولًا المشهد إلى عالم بعيد عن البرج وسط الصحراء القاحلة.

تمتم ريد وهو يدس إصبعه في أذنه بملل، يراقب باتينكايتوس وهو يندفع نحوه مباشرة.

في جزء من الثانية، انحرف باتينكايتوس فجأة إلى الجانب.

 

 

«—شكرًا على الوجبة!»

«هاها! رائع، رائع! الأمور بدأت تصبح ممتعة بالنسبة لي!»

 

حاولت إيميليا اللجوء إلى أسلوبها المعتاد، ساعيةً إلى حلٍ وديٍّ مع ريد، غير أن الأخير هز رأسه رفضًا لطلبها المسالم، ثم زفر بحدة وهو يركل الأرض.

«لو كانت فتاة جميلة مَن قالتها، لكان الأمر مختلفًا، لكن لا أحد يريد سماعها منك.»

هجوم جوليوس العنيف انقضَّ على الشراهة المبتسم، لكن الأسقف قفز للخلف، ماصًا صدمة الضربة. وطأت قدماه الحائط المتجمد، وصوتُه الغامض يتردد عبر القاعة.

 

بالطبع، ليس بوسع باتينكايتوس فعل شيء وهو يُجرُّ على سطح الجليد القاسي. الضرر الذي لحق به كان كارثيًا. مجرد دمار مطلق.

في جزء من الثانية، انحرف باتينكايتوس فجأة إلى الجانب.

 

 

 

كانت قدم ريد اليمنى ممدودة على نحو عشوائي، لكنها ضربت باتينكايتوس بقوة في وسطه، لترسله بعنف نحو الحائط.

بمجرد أن صرخت بتعويذتها، أضاءت المدافع البيضاء بضوء باهر.

 

 

«غهه…!»

آمن سوبارو بأن قيمة الإنسان وحقيقته تتجسَّدان في الذكريات والتاريخ. وقد ازداد إيمانه بذلك الآن، مما جعله يمقت قدرة الشراهة الدنيئة من أعماق قلبه.

 

رغم انحراف مسار ضربته، لم يختل توازن جوليوس. دار حول نفسه كأن ذلك الصد كان جزءًا محسوبًا من تحركاته، ثم أطلق هجومه التالي بلا تردد. تبع ذلك بسلسلة متصلة من الضربات المتلاحمة بلا أدنى فجوة.

«احتفظ بصوت الدجاجة المذبوحة لنفسك. على الأقل عندما تذبح دجاجة، يكون لحمها شهيًا، أما أنت… لا تستحق حتى أن تؤكل.»

 

 

لسبب ما، وثق سوبارو بذلك الشعور تمامًا، فقفز نحو بياتريس قبل أن يندفع مبتعدًا.

«غياغاااااه!»

«سوبارو!» «سوبارو!» «سوبارو!!!»

 

 

«أنت الذي قفز على رجل بالغ. كان عليك أن تستعد لتلقِّي الضرب، أيها الصعلوك!»

 

 

«آااه، لا، صحيح. عليَّ فعل ذلك أيضًا، لكن أولًا…»

ضغط ريد بساقه على جسد باتينكايتوس المثبت على الحائط، ثم اندفع مسرعًا عبر الممر الجليدي، رغم أنه وقف على قدم واحدة فقط.

وبعد أن كان يعجُّ بالطاقة منذ لحظات، صار الآن ممددًا على وجهه، بلا حراك.

 

 

بالطبع، ليس بوسع باتينكايتوس فعل شيء وهو يُجرُّ على سطح الجليد القاسي. الضرر الذي لحق به كان كارثيًا. مجرد دمار مطلق.

«لهذا السبب، التعامل مع مَن يتصرفون بدافع العاطفة مزعج للغاية. دائمًا ما يكونون الأكثر إزعاجًا.»

 

يكفي هذا الآن. لقد سمعت الكلمات التي كنت بحاجة إلى سماعها منها.

«غيغغغااااااااه!»

«—آه.»

 

 

«هيه، لا تبدأ بالعويل من الآن. إن كان هذا كل ما لديك، فما الفائدة؟ لم ينتهِ الأمر بعد. في أيامي، هذا لم يكن ليُعتبر حتى لهو أطفال. أطفال اليوم ليسوا قذرين فحسب، بل لا جوهر لهم أيضًا. هيه، هل تسمعني؟!»

احتضن سوبارو جسد بياتريس الصغير، متذوقًا دفء وجودها.

 

خفض الشراهة ذراعيه بكسل، والخناجر القصيرة المثبتة على معصميه انغرست في الأرض. نظر إلى جوليوس، يتحدث عن معيار بدا شديد الغموض والرهبة. ثم—

بلهجة تنم عن الملل، توقَّف ريد عن الحركة ثم استدار بسرعة خاطفة.

ارتسمت على وجه ريد ابتسامة قرش مفترس وهو يحدق في جوليوس. ثم، ممسكًا بعيدان الطعام، دفع طرف السيف جانبًا وانطلق مهاجمًا. دوى صوت اصطدام عنيف عندما ضرب الجانب المسطح من سيف الفارس.

 

 

ركلةٌ دورانيةٌ خلفيةٌ بساقه اليسرى ضربت جانب باتينكايتوس بقوةٍ هائلة، فطار جسده الصغير ككرة مطاطيةٍ ضربت بعنف.

«……»

 

— ”الذكريات تصنع الإنسان.“ ما أروع هذه العبارة.

تدحرج على الأرض بسرعةٍ جنونية، غير قادرٍ على السيطرة على نفسه، يتقلب في الهواء وهو ينزف.

 

 

 

مرَّ جسده، الذي راح يتدحرج كالإعصار، بين إيميليا وجوليوس، ثم تجاوز سوبارو وبياتريس، ليستمر في الانزلاق أبعد في الممر المتجمد.

 

 

«هذا غير صحيح إطلاقًا. التحليق في الهواء تقنيةٌ مركبة، ولا يُلجَأ إليها عادةً لأنها خطرة. وحده الأحمق أو العبقري مَن قد يستخدمها. أو ربما عبقريٌّ أحمق، على ما أظن.»

وبعد أن كان يعجُّ بالطاقة منذ لحظات، صار الآن ممددًا على وجهه، بلا حراك.

 

 

 

هل… مات؟

 

 

«نحن على وشك… الوصول!»

«لقد كان خصمًا قويًا، أليس كذلك…؟ حتى معًا، إيميليا تشان وجوليوس واجها صعوبةً في التصدي له… أليس كذلك؟»

كان ذلك هو مصدر الضجيج الذي سمعوه سابقًا، والغرض من هذا المشهد السحري كان واحدًا— عشرات الومضات البيضاء التي انطلقت نحو الأرض أدناه.

 

 

«… صحيح. لكن هذا يوضح ببساطة أن ذلك الرجل خارج عن أي مقياسٍ مألوف، بل ويمكن القول إن الوضع قد ازداد سوءًا.»

«ممَّ تخشى تحديدًا؟ لا بأس، على ما أظن… بيتي لن تكرهك. على العكس، أنا أ-أ-أ…»

 

 

يد بياتريس قبضت على يد سوبارو. لم يكن الخوف يسيطر عليها من باتينكايتوس الذي سقط بلا حراك، بل كانت متوجسةً من ريد الذي وقف أمامهم، وكذلك كان حال إيميليا وجوليوس.

 

 

«نعم. اهتمُّوا بالأمر.»

لم يعد القتال ضد الشراهة، بل تحول إلى معركة ضد خصمٍ جديد… وأشد خطورةً.

«……»

 

«—أوووووووه!!!»

لكن رغم أنهم وجدوا أنفسهم وسط هذا الخطر الداهم—

 

 

يكفي هذا الآن. لقد سمعت الكلمات التي كنت بحاجة إلى سماعها منها.

«أشكرك جزيلًا على الاعتناء بذلك الفتى… هل يمكننا أن نصبح أصدقاء؟»

في أحد الجوانب، كان إعلانه قبل قليل مدمرًا للأمل. لكن سوبارو لم يكن يومًا ليحسب ريد كحليف. كان ذلك سيكون خطأ، والرجل نفسه أكَّد هذا للتو.

 

«مـ-مهلًا! انتظروا لحظة! أفهم حماستكم! أفهمها! لكن…»

حاولت إيميليا اللجوء إلى أسلوبها المعتاد، ساعيةً إلى حلٍ وديٍّ مع ريد، غير أن الأخير هز رأسه رفضًا لطلبها المسالم، ثم زفر بحدة وهو يركل الأرض.

 

 

إذًا، هذه هي فلسفته؟ تبدو مختلفة قليلًا عمَّا تحدثت عنه لويس، لكن الجوهر واحد. يستغلون حياة الآخرين كحجارة خطواتٍ ويزدردونها بلا رحمة. حقًا، هذا أبشع ما يمكن تخيُّله.

ضرب بكلماتها عرض الحائط، ثم حَكَّ رأسه متنهدًا بملل.

هبت موجة صقيع على رقصة السيوف التي جمعت بين تدفق الماء ولهيب النار، محولةً ساحة المعركة إلى مشهد مذهل.

 

 

«هاااه، لا تقولي أشياءً كهذه… في الواقع، ما أنتِ حتى؟ جمالكِ غير معقول! بحق الجحيم، أنتِ فاتنةٌ بحق! ما الذي تفعلينه في هذا المكان البائس؟ لماذا أنتِ هنا؟ كفي عن العبث في هذا الرمل المجنون، وتعالي نشرب الليلة.»

«فلن يكون هناك ليلٌ هادئٌ لشبحٍ مثلك.»

 

 

«أممم، هذه المرة الثانية…»

وصف رام الغريب، وعدم تفاعل جوليوس مع الأمر، جعلاه يدرك أن هناك خطبًا ما. أما بياتريس وإيكيدنا، فلم تظهرا أي ملاحظة على غرابة الأمر، بل تقبلتا كلام رام عن فتاة فضية الشعر مجهولة وكأنه أمر طبيعي.

 

 

«للأسف، لن يكون بمقدورها مرافقتك لتناول الشراب هذا المساء.»

 

 

 

«أوه؟»

أضواء باهتة، دافئة، متوهجة.

 

 

«فلن يكون هناك ليلٌ هادئٌ لشبحٍ مثلك.»

«—! شاولا! ميلي! هل يمكننا ترك هذا المكان لكما؟!»

 

كان ذلك جنونًا مطلقًا، بل ضربًا من العبث. لم يكن مبالغًا أن يوصف بأنه خلل في قوانين هذا العالم.

قاطعه صوتٌ بارد، لرجلٍ رفع سيفه استعدادًا للمواجهة. تقدَّم جوليوس جوكوليوس خطوةً إلى الأمام، ليقف في وجه ريد، كما لو كان يحمي إيميليا.

رنَّ صوت حاد وواضح، ممزقًا أفكاره.

 

تمكن من الشعور بوقع نبضاته داخل صدره.

عيناه كانتا حادتين، وسيفه يشع بعزمٍ لا يلين.

 

 

 

حدَّق ريد في عينيه الصفراوين للحظة، فتغير تعبيره قليلًا.

نظر سوبارو إلى بياتريس التي بدا عليها الامتعاض على نحوٍ لطيف. يبدو أنها ليست من محبَّي ذلك المركيز الغامض.

 

 

«… هوهو، وجهك تحسَّن قليلًا. هل حدث أمرٌ جيد؟ امرأة؟ لا شك أنه بسبب امرأة، أليس كذلك؟»

«أخيرًا استيقظت.»

 

 

«لن أنكر أن بعض الأمور قد أثرت في حالتي الذهنية. لكن إن كان بإمكان حضن امرأة أن يداوي القلب الجريح، فكلمات الصديق القاسية تملك ذات الأثر.»

قهقه الشراهة بجنون، مستدعيًا سلاحًا تلو الآخر من أسلحة لا وجود لها في هذا العالم.

 

إذا كان سيف ريد أشبه بنيران متأججة، فإن سيف جوليوس كان كالماء المنساب.

«أرى أنك لا تزال متحذلقًا بالكلام. اختصر.»

 

 

«—!»

«السبب الذي يجعلني واقفًا هنا، حاملًا سيفي، هو صديقي—!»

 

 

«آهاهاها! مذهل! لا فائدة من الحديث معك.»

قال كلماته، ثم انطلق مهاجمًا، مُلوحًا بسيفه في قوسٍ بديعٍ لا يكاد يُصدَّق، مستهدفًا عنق ريد مباشرةً.

«يا له من قتال شرس! يا له من تحدٍّ خطير! ما رأيكما فيما لدينا؟! وأنت، أيها السيد الذي يكتفي بالمشاهدة هناك، هل يرضيك أن تبقى عاجزًا على الهامش؟»

 

رنَّ صوت حاد وواضح، ممزقًا أفكاره.

«……»

 

 

تفاجأ سوبارو، لكنَّها اكتفت بهز كتفيها.

لقد كان خيارًا أمثل. بالنظر إلى هدوء ريد واسترخائه، فإن محاولة القضاء عليه فورًا كان بلا شك الخيار الصائب لهزيمة قديس السيف الأول.

 

 

 

المشكلة الوحيدة كانت…

«آهاهاها! مذهل! لا فائدة من الحديث معك.»

 

 

«هل تدرك ما معنى أن تكون هادئًا؟ إنه يعني ألا تفقد السيطرة، مهما حدث. يعني أن الحيل لا تؤثر فيه. يعني… أنك مجرد أحمق».

بما تبقى له من عقلٍ راجح، فكَّر في أسوأ الاحتمالات، ثم هزَّ رأسه.

 

 

أمسك ريد بهجوم جوليوس الاستباقي مستخدمًا عيدان الطعام التي يحملها في يديه. بدت حركته ضربًا من العبث، كأنها إعادة تمثيل لحكاية عن مياموتو موساشي.

«هذا… ممكن. لقد مررتُ بهذا الشعور بنفسي».

 

 

لكن حتى مياموتو موساشي لم يسبق له أن أوقف سيف خصمه بعيدان طعام فحسب.

صوت بياتريس المليء بالحزن، وصوت جوليوس المشحون بالتوتر، ونداء إميليا المتوسل— كان بإمكانه سماعهم جميعًا.

 

 

«غمف…»

 

 

 

«ليس سيئًا، على ما أظن. أي شخص غيري كان ليهلك. حسنًا، لننطلق.»

كانت قدم ريد اليمنى ممدودة على نحو عشوائي، لكنها ضربت باتينكايتوس بقوة في وسطه، لترسله بعنف نحو الحائط.

 

«ليس سيئًا، على ما أظن. أي شخص غيري كان ليهلك. حسنًا، لننطلق.»

ارتسمت على وجه ريد ابتسامة قرش مفترس وهو يحدق في جوليوس. ثم، ممسكًا بعيدان الطعام، دفع طرف السيف جانبًا وانطلق مهاجمًا. دوى صوت اصطدام عنيف عندما ضرب الجانب المسطح من سيف الفارس.

صُدم الجميع بقوة كلماتها، فسادت لحظة من الصمت بين سوبارو وبياتريس وجوليوس. وبحكم الاستبعاد، كانت إيكيدنا الوحيدة التي تمكنت من الرد، لأنها الأقل تأثرًا بالخبر.

 

«تشش! نعلم ذلك، بما أننا التهمناك، لكنكِ لا تترددين أبدًا، أليس كذلك، إميليا؟! إذا هاجمتِ هكذا، سيعتقد الناس أنكِ مخيفة…»

«……»

 

 

 

لم تكن القطع الخشبية القصيرة لتقارن بسيف، لكن في يد خبير مثل ريد، تحولت إلى سلاح قاتل يفوق حجمه الضئيل، ناشرًا الدمار في كل مكان.

 

 

 

لحظة وقوع الضربة العنيفة، هبت موجة صدمة عنيفة أطاحت بشعر جوليوس وملابسه، محطمةً الجليد الذي غطى الممر بأسره.

تسللت قطرة دم من زاوية شفتي جوليوس، وعيناه الضيقتان تعكسان عزيمة راسخة.

 

 

كان ذلك جنونًا مطلقًا، بل ضربًا من العبث. لم يكن مبالغًا أن يوصف بأنه خلل في قوانين هذا العالم.

«سوبارو، هل…؟»

 

 

ورغم أنه شهد هذا المشهد من قبل، فقد بقي سوبارو عاجزًا عن الكلام، مصطدمًا مجددًا بحقيقة مروعة—

رنَّ صدى الصوت داخل رأسه بينما أخذ نفسًا عميقًا وأغمض عينيه ببطء.

 

 

هناك وحش كهذا في هذا العالم، وعليهم تجاوزه إن أرادوا تخطي البرج. فكرة أن شخصًا ما قد صمم هذا المكان بهذه القسوة جعلت سوبارو يشعر بالغثيان.

 

 

«هاه! لم أنسَكِ، أيتها الفاتنة! وجهكِ جميل جدًا ليُنسى!»

«—هَه، أشعر ببعض الإعجاب في الواقع.»

سمع ثلاثة أصوات تناديه وهو يعض على أسنانه.

 

امتلأ قلب سوبارو بمشاعر لا حصر لها، فهتف بصوت عالٍ:

كان من الصعب تقدير مدى القوة التي وظفها ريد في تلك الضربة، لكن من الواضح أنه لم يتوقع أن يتمكن جوليوس من تحملها، حتى إنه أشاد به لصموده.

 

 

 

تسللت قطرة دم من زاوية شفتي جوليوس، وعيناه الضيقتان تعكسان عزيمة راسخة.

أمسكت بسيفين من الجليد، وتطلق وابلًا من الهجمات. بدا صوت تأوهها خلال القتال فكاهيًا، لكن لم يكن هناك شيء لطيف في سرعة سيوفها وهي تمزِّق الهواء.

 

 

«ببساطة، عليَّ أن أهزمك، وإلا ستنهار حساباتنا بالكامل.»

لقد كان خيارًا أمثل. بالنظر إلى هدوء ريد واسترخائه، فإن محاولة القضاء عليه فورًا كان بلا شك الخيار الصائب لهزيمة قديس السيف الأول.

 

«نعم، هذا صحيح. و…»

«هزيمتي؟ انظر إلى نفسك وأنت تتحدث بثقة؟»

 

 

 

«بكل تأكيد. والآن، سأجعلك ترافقني!»

اتسعت عينا بياتريس عند رؤيتها لشكله الضخم المروع.

 

 

تألق سيف جوليوس، لكن ريد صده بعيدان الطعام ببراعة وحشية.

«لم كل هذه الوجوه المتفاجئة؟ من البديهي أن أكون هنا، أليس كذلك؟»

 

 

رغم انحراف مسار ضربته، لم يختل توازن جوليوس. دار حول نفسه كأن ذلك الصد كان جزءًا محسوبًا من تحركاته، ثم أطلق هجومه التالي بلا تردد. تبع ذلك بسلسلة متصلة من الضربات المتلاحمة بلا أدنى فجوة.

 

 

 

كانت رقصة سيف أنيقة، متقنة، لا تحوي أي حركة زائدة عن الحاجة.

«لا أدري إن كان هذا طبعك أم مجرد عادة، لكن ليس عليك التظاهر بالقوة. لا أصدق أنك نويتِ تركنا والفرار.»

 

من أعماق قلبه، شعر بالاشمئزاز الخالص—

إذا كان سيف ريد أشبه بنيران متأججة، فإن سيف جوليوس كان كالماء المنساب.

 

 

 

وبحكم الطبيعة، الماء يطفئ النار، لكن إن كانت النيران عاتية بما يكفي، فإنها تصبح صخرة متقدة قادرة على تبخير الماء، جاعلةً إياه بلا معنى.

كانت فرضية تقشعر لها الأبدان.

 

رفع سوبارو يده ليحمي وجهه من العاصفة الرملية، وهتف بصوت عالٍ:

على الأرجح، عديد من السيافين الذين اعتمدوا على تدفق الماء قد تبخروا أمام لهيب ريد الطاغي.

«علمت بوجود أساقفة أكثر للشراهة، لكن هل اكتشفت شيئًا جديدًا؟»

 

 

لكن في هذه اللحظة، لم يبدي جوليوس أي خوف، بل تابع هجومه دون أن يتزعزع.

 

 

 

«لا تظنن أن جوليوس وحده هنا!»

 

 

لم يكن هناك فائدةٌ من محاولة إخفاء الأمر أو التهرب من السؤال. لكن سوبارو نفسه لم يكن يعلم ما الذي يحدث. كان الأمر غريبًا. شيءٌ ما ليس على ما يرام. انبعث هناك لهبٌ لا يُصدق من داخل صدره.

«هاه! لم أنسَكِ، أيتها الفاتنة! وجهكِ جميل جدًا ليُنسى!»

«ولن أنساكِ مجددًا أبدًا! مهما حصل، لن أنساكِ!»

 

 

«شكرًا على الإطراء! لكن هناك شخصًا واحدًا فقط يتذكرني حقًا!»

 

 

«في هذا الوضع، لو كان الأمر مجرد جهل بموقعنا، لكانت الآنسة رام قد وجدت طريقة للحاق بنا. أو لكانت السيدة إميليا قد حطمت الجدار بنفسها.»

انضمت إميليا إلى رقصة سيف جوليوس بسلاحها الجليدي الذي شكَّل ترسانة متكاملة.

 

 

 

وعلى الفور، أشار ريد بإحدى عيدانه نحو جوليوس، وبالأخرى نحو إميليا. فن سيافته لم يترك مجالًا للشك في قدرته على إبقائهما تحت السيطرة.

«أنت لا تعرف متى تستسلم، أيها الأسقف!»

 

لكن لم يستطع إيجاد طريقة تُغيِّر مجرى الأمور لحل هذه الأزمة.

هبت موجة صقيع على رقصة السيوف التي جمعت بين تدفق الماء ولهيب النار، محولةً ساحة المعركة إلى مشهد مذهل.

 

 

 

لم يكن التغيير إلا في الخصم؛ إذ حُلَّ ريد محل باتينكايتوس كعدو رئيسي، لكن مع ذلك، بدأت شراكة إميليا وجوليوس في التوافق شيئًا فشيئًا. بل إنها نمت وتتطورت.

على الأرجح، عديد من السيافين الذين اعتمدوا على تدفق الماء قد تبخروا أمام لهيب ريد الطاغي.

 

التفت ليرى إيكيدنا تبتسم على نحو مرتبك وهي تمسح شعرها الأرجواني الفاتح. خلفها، كانت ميلي مستندةً إلى رف الكتب، وقد أسندت رأسها إلى يديها.

ربما لأن العدو كان أقوى، أو ربما لأنهما تكيَّفا مع أسلوب القتال في وقتٍ قياسي مستحيل، لكن أنفاسهما بدأت تتناغم، والتنسيق الذي كان في البداية مضطربًا أصبح أكثر ثباتًا ويقينًا.

وخلف جفنيه المغلقين، شعر بشيء غريب ينبثق.

 

لكن في هذه اللحظة، لم يبدي جوليوس أي خوف، بل تابع هجومه دون أن يتزعزع.

«جوليوس ينسجم مع إميليا».

 

 

 

«أيمكنك معرفة ذلك؟»

«—شششااااا!»

 

 

«الأمر يعود إلى الشخصية أيضًا. إميليا تتحرك بحسم، بينما جوليوس يتحرك بطريقته الخاصة. من المنطقي أن تتوقف إميليا عن محاولة مجاراته.»

قفز الشره فجأة، موجهًا ركلتين في آنٍ واحد أصابتا الهدفين بدقة. كان جسده صغيرًا وساقاه ليستا طويلتين، لكن باطن قدميه سدد ضربتين قويتين إلى كتفيهما، دافعًا إياهما بعيدًا.

 

صوت سوبارو كان ضعيفًا، ليس قويًا بما يكفي ليكون اعتراضًا حقيقيًا. وعندما تلقى ردًا قاسيًا وساخطًا، قبض يديه، معترفًا بأن خوفه من ريد ليس مجرد وهم.

«هذا هو أسلوبهما تمامًا.»

 

 

لقد أصبح يتحكم بأسلوبه القتالي وفقًا للأسلحة التي استدعاها، مما وضع إميليا وجوليوس في موقف دفاعي بحت.

إذا كان ذلك هو ما تطلب الأمر لإنجاح القتال، فهو إذًا الخيار الصحيح.

 

 

«أووووررريااااااارياريارياريارياريارياريارياريارياريارياريارياريارياريارياريارياااااااا!!!»

في النهاية، أسلوب إميليا يعتمد على إطلاق العنان لنفسها والمضي بوتيرتها الخاصة. في المقابل، كان من الواضح أن جوليوس بارعٌ في مواءمة تحركاته مع الآخرين، مع الاستفادة القصوى من مهاراته.

 

 

«لكن ماذا؟! لا تخبريني أنكِ قلقة على مصير هذه الوحوش الشيطانية؟! لا بأس! بل أرجوكِ، إبادتها بالكامل سيكون أمرًا رائعًا!»

«هاها! رائع، رائع! الأمور بدأت تصبح ممتعة بالنسبة لي!»

صُدم الجميع بقوة كلماتها، فسادت لحظة من الصمت بين سوبارو وبياتريس وجوليوس. وبحكم الاستبعاد، كانت إيكيدنا الوحيدة التي تمكنت من الرد، لأنها الأقل تأثرًا بالخبر.

 

 

«أوياه! سيياه! توريياه! أوريا، أوريا، أوريا!»

تمتم ريد وهو يدس إصبعه في أذنه بملل، يراقب باتينكايتوس وهو يندفع نحوه مباشرة.

 

لم يستطع الشراهة مجاراتهما في السرعة أو القوة، فتلق صدره ضربة مباشرة جعلته يصرخ من الألم.

انفجر ريد ضاحكًا، مستمتعًا بمجاراة تحسن تنسيقهما بقوةٍ مضاعفة. أما صيحات إميليا الطفولية، فقد كانت مصحوبة بهجمات قاتلة لا تُصدَّق، لكنها لم توجه ضربةً حاسمة.

 

 

 

تداخل الماء والنار والجليد في رقصةٍ عنيفة آسرة، جميلةٌ إلى حد أن بإمكان المرء أن يخطئ فيظنها رقصةً حقيقية.

مع موافقة جوليوس وبياتريس على قلقه، هتف سوبارو إلى شاولا وميلي. رفعت شاولا إبهامها للأعلى وهي تواصل تجهيز مدفعيتها السحرية، بينما أبعدت ميلي ضفائرها جانبًا ونفخت صدرها بفخر.

 

 

«—شششااااا!»

 

 

 

ومن هنا، برز صوت نشاز واضح على الفور.

 

 

لكن الجميع أومأوا برؤوسهم، مجيبين على ندائه.

«أنت…!»

«ليس وكأنني سأصدقك حتى لو ادَّعيت أنك هنا لمساعدتنا.»

 

استعاد كل من إميليا وجوليوس توازنهما، مستعدين لاستئناف القتال، لكن التغيير لم يكن فقط في أسلحة الشراهة…

لاي باتينكايتوس اقتحم رقصتهم بوقاحة. الفتى الذي رماه ريد بركلةٍ جعلته يتدحرج بعيدًا على حافة الموت عاد إلى المعركة وكأن شيئًا لم يكن.

 

 

 

تأرجحت الشفرات المثبتة على معصميه، مستخدمًا ذراعيه القصيرتين وساقيه لينهال عليهم بهجومٍ عاصفٍ من الضربات القاتلة.

انزلق الشراهة متجاوزًا الجليد، ليجد ركبة إميليا البيضاء تقترب من وجهه مباشرة. رفع ذراعه ليصدها، لكنه اندفع إلى الخلف بفعل قوتها، فيما التفتت إميليا إلى سوبارو لبرهة خاطفة.

 

 

دافع كل من إميليا وجوليوس وريد عن أنفسهم بضيق.

 

 

 

«أنت لا تعرف متى تستسلم، أيها الأسقف!»

 

 

قطَّب سوبارو حاجبيه، مطبقًا ذراعيه عند تعليق إيكيدنا.

«هاهاها! لا تتركوننا خارج المتعة، لا تكونوا قاسين، يا أخي العزيز! دائمًا، دائمًا تحتفظ بالأمور لنفسك؟ لا تكن بخيلًا!»

إذا كان ذلك هو ما تطلب الأمر لإنجاح القتال، فهو إذًا الخيار الصحيح.

 

 

«ريد! يمكنك أن ترى، أليس كذلك؟! لا فائدة من قتالنا هنا! هل يمكنك مساعدتنا؟ أو على الأقل التحلي بالصبر والانتظار؟!»

حتى المشاعر الخافتة التي حملها تجاهها ما زالت تعبق في صدره.

 

شمخ ريد بأنفه بضيق.

«يبدو أنك لا تفهم، أيتها الفاتنة. أنا مستمتعٌ الآن، ولن أغيِّر رأيي حتى لو تساقطت النجوم من السماء!»

«—! لكن لماذا؟»

 

 

تبادل الأربعة الضربات، مصطدمين بإراداتهم المتعارضة.

 

 

غير أن صده لم يكن كاملًا، فغاص النصل في لحمه حتى بلغ المرفق، ليسيل الدم بغزارة. تأوه الشراهة، لكن الهجوم التالي لم يمنحه فرصة لالتقاط أنفاسه—

كانت معركةً غارقةً في الدماء، لم يكن الاقتراب منها أمرًا يُستهان به، ولم يكن هناك نقطةٌ واضحةٌ أو مباشرةٌ للمساومة.

تقبَّل جوليوس اقتراح إيكيدنا على الفور، وحدَّق إلى الأمام بوجه مفعم بالعزيمة. كان الإصرار القتالي الذي يشعُّ منه طاغيًا لدرجة أنَّ سوبارو تردَّد في قول أي شيء.

 

 

كان من الصعب التمييز من الخارج بين مَن له الغلبة ومَن في موقفٍ ضعيف، مَن المنتصر ومَن الذي يُدفع إلى الخلف.

 

 

 

ليس هناك شيء يمكن فعله سوى الدعاء بانتصار أصدقائه.

تألق سيف جوليوس، لكن ريد صده بعيدان الطعام ببراعة وحشية.

 

 

«—!»

 

 

بينما كان سوبارو يحاول استيعاب صدمته، سقطت رام فجأة على ركبتها. تتنفس بصعوبة وهي تستند إلى رجل باتراش.

«سوبارو؟!»

 

 

 

غير قادرٍ على فعل أي شيء سوى المشاهدة بعجز، أمسك سوبارو صدره وسقط على ركبتيه. فزعت بياتريس، فمدت يدها لتلمس كتفه، محدقةً في وجهه بينما كان يحدق إلى الأسفل، يلهث بأنفاسٍ متقطعة.

«في أعماقي، قد اعترفت بك بالفعل كعدوٍّ لي…»

 

«رام! و… باتراش وريم! هل أنتم بخير؟!»

«سوبارو، سوبارو! ما بك؟ ماذا حدث؟!»

 

 

«أوه؟»

«… لا، ما هذا…؟»

 

 

 

«سوبارو؟»

 

 

 

أمسك سوبارو صدره وراح يرمش مرارًا بينما تناديه بياتريس بيأس.

«سوبارو، هل…؟»

 

 

لم يكن هناك فائدةٌ من محاولة إخفاء الأمر أو التهرب من السؤال. لكن سوبارو نفسه لم يكن يعلم ما الذي يحدث. كان الأمر غريبًا. شيءٌ ما ليس على ما يرام. انبعث هناك لهبٌ لا يُصدق من داخل صدره.

 

 

«نعم، فهمتُ ذلك دون أن تقولي. على أي حال، لنسرع! حان وقت قلب الطاولة!»

خفق قلبه بعنفٍ وكأنه على وشك الانفجار. بدا أن كل قطرة دمٍ في جسده تناشده، فيما دوى جرس إنذارٍ أحمرٌ زاهٍ داخل رأسه. إحساسٌ مرعبٌ لا يُحتمل جري في عروقه.

 

 

 

«……»

《١》

 

«مع هذا العدد الكبير من المسارات المتشعبة، لا أظن أن البنية يمكنها تحمل هذا النوع من الضغط.»

لم يكن يعرف ما الذي يحدث لجسده.

«النقص في قدرة الشراهة يظهر الآن. هناك العديد من الأجزاء المفقودة من الذكريات المتعلقة بالشخص المسروق، ولا يمكن سدها. التناقضات بدأت تتراكم.»

 

لكن ما أثار دهشته ليس الدودة ذاتها، بل الحقيقة التي أدركها توًا. لقد سبق أن واجه هذا المخلوق حين حاول الفرار من البرج.

«هذا لم يحدث في أي من الحلقات الزمنية السابقة. أهو نوعٌ من المرض؟ أم أن هناك تدخلًا سحريًا؟»

«آه! الجميع! هممم، ربما لا تعرفون مَن أنا، لكن هذا هو العدو! شخص سيئ! اتركوا الأمر لي… حتى لو لم تعرفوا مَن أكون!»

 

عضَّ سوبارو باطن شفتيه ليطرد من ذهنه ذلك الوجه المزعج الذي لمح إليه عقله الباطن.

بما تبقى له من عقلٍ راجح، فكَّر في أسوأ الاحتمالات، ثم هزَّ رأسه.

 

 

«——سسسسهه!»

لا، هذا ليس أمرًا سيئًا على الأرجح. الجرس إنما يخبرني أن شيئًا قد تغيَّر.

 

 

وقفوا على شرفة تمتد من جانب البرج، ترتفع مئات الأقدام عن سطح الأرض.

«هاااه…»

صُدم الجميع بقوة كلماتها، فسادت لحظة من الصمت بين سوبارو وبياتريس وجوليوس. وبحكم الاستبعاد، كانت إيكيدنا الوحيدة التي تمكنت من الرد، لأنها الأقل تأثرًا بالخبر.

 

«نعم، هذا صحيح. وذلك الأسقف يخوض قتالًا مع شخص ما.»

زفر ببطء.

 

 

 

ما أوقد عقله في تلك اللحظة لم يكن مجرد القلق على إميليا وجوليوس أثناء قتالهما ضد ريد وباتينكايتوس.

 

 

«معاييركم؟»

كان عاجزًا عن فعل أي شيء سوى الوقوف والمشاهدة.

«نعم. اهتمُّوا بالأمر.»

 

 

ما أوقد عقله كان العقبتين المتبقيتين، اللتين كانتا، على الأرجح، تقتربان في تلك اللحظة.

 

 

«أتعني أن الدودة الهائجة ربما تسببت في انهيار الممرات تحت الأرض؟»

بينما يقاتل إميليا وجوليوس بكل ما أوتيا من قوة أمامه، مجرد التفكير في احتمال تدمير البرج جعله يخفق قلبه بجنون، ما اضطره إلى أن يجثو على ركبتيه.

«أوهيااان!»

 

«هل لأنني من عالم مختلف…؟» ربَّما لم تكن قوانين هذا العالم تسري عليه.

تمكن من الشعور بوقع نبضاته داخل صدره.

«على الأقل، هل تسمح لنا بالتأكد مما إذا كنت لا تزال هناك، ناتسكي؟»

 

 

رنَّ صدى الصوت داخل رأسه بينما أخذ نفسًا عميقًا وأغمض عينيه ببطء.

 

 

أمسكت بياتريس بيده وهي تواصل الجري إلى جانبه، تحاول بصعوبة انتقاء كلمات تشجعه.

كان ذلك… طبيعيًا.

كان غريبًا أن يصف الأمر وكأنه سار كما أمل، لكن جوليوس كان بارعًا في التقاط التفاصيل. لم يتأخر في ربط اسم الشراهة بقدراته، ليصل بسرعة إلى النتيجة التي أراده سوبارو أن يفهمها.

 

«واه، مهلًا، لا تتسرع. آسف، لكننا لا نشارك طعامنا. لا نذكرك، أيها السيد. مهما يكن الأمر، فهو شيء فعله روي، أليس كذلك؟»

ممتثلًا لذلك الشعور، أبقى عينيه مغمضتين.

«اصمت فحسب! أعلم جيدًا أن الناس يرونني مخيفة! لكن ما يهمني هو ما أفكر به أنا عن الجميع! وأيضًا…»

 

 

«……»

 

 

غير قادرٍ على فعل أي شيء سوى المشاهدة بعجز، أمسك سوبارو صدره وسقط على ركبتيه. فزعت بياتريس، فمدت يدها لتلمس كتفه، محدقةً في وجهه بينما كان يحدق إلى الأسفل، يلهث بأنفاسٍ متقطعة.

عندما رأت بياتريس سوبارو يتحرك بذلك الهدوء المتعمد، توقفت عن مناداته.

 

 

 

لم يكن بإمكانها أن تعرف ما الذي حدث. ومع ذلك، تمسكت بثبات. كان سوبارو محظوظًا بامتلاكه رفاقًا يتمتعون بهذا القدر من الفهم.

 

 

 

وخلف جفنيه المغلقين، شعر بشيء غريب ينبثق.

 

 

«لكن ماذا؟! لا تخبريني أنكِ قلقة على مصير هذه الوحوش الشيطانية؟! لا بأس! بل أرجوكِ، إبادتها بالكامل سيكون أمرًا رائعًا!»

—ضوء خافت للغاية يلوح في الظلام الغامض.

هناك وحش كهذا في هذا العالم، وعليهم تجاوزه إن أرادوا تخطي البرج. فكرة أن شخصًا ما قد صمم هذا المكان بهذه القسوة جعلت سوبارو يشعر بالغثيان.

 

 

«—؟»

 

 

«… لا، ما هذا…؟»

أضواء باهتة، دافئة، متوهجة.

قدرة الشراهة على سرقة ذكريات الآخرين كانت داءً خبيثًا يلوِّث كل شيءٍ يمسَّه. ادَّعاؤهم بأنها لمصلحتهم، واستخدامها في سعيهم للسعادة… يا له من وهمٍ سخيف. كانوا يعبثون بالمصير، محرفين النظام الطبيعي للحياة…

 

«—؟»

كان هناك ضوء واحد بجانب سوبارو مباشرة، واثنان آخران أمامه، على بُعد مسافة قصيرة. والغريب أنه، رغم أنه لم يلتفت، كان بوسعه أن يدرك وجود بعض الأضواء خلفه أيضًا.

حتى لو كانت ميلي وشاولا تبقيان جحافل الوحوش السحرية تحت السيطرة، فقد استُنفدت كل أوراق سوبارو.

 

 

خلفه، تجمعت أربعة أضواء معًا. ثم كان هناك ضوء آخر أبعد قليلًا. و—و—و—

«سوبارو.»

 

«لا يمكننا الوثوق بكلامها بالكامل، لكنها لم تبدو من النوع الذي يعتمد على الحيل والخداع. وليس أنني مؤهلٌ للحديث، فقد كنتُ على وشك السقوط في فخها.»

—استطاع أن يشعر بواحد آخر يقترب من الأعلى.

 

 

 

«—بياتريس!»

 

 

وجب عليه أن يعترف بقوتها الذهنية الخارقة. ليس لديه سوى تعليقات عابرة ليقولها، مما جعله يشعر بالذنب وهو يراها تقاتل بشجاعة لا تضاهى.

«هياه!»

 

 

 

لسبب ما، وثق سوبارو بذلك الشعور تمامًا، فقفز نحو بياتريس قبل أن يندفع مبتعدًا.

 

 

«أرى أنك لا تزال متحذلقًا بالكلام. اختصر.»

ضوء. احتضنها بين ذراعيه بينما تدحرج عبر الأرضية الحجرية دون أدنى تردد.

تقبَّل جوليوس اقتراح إيكيدنا على الفور، وحدَّق إلى الأمام بوجه مفعم بالعزيمة. كان الإصرار القتالي الذي يشعُّ منه طاغيًا لدرجة أنَّ سوبارو تردَّد في قول أي شيء.

 

 

—وفي اللحظة التالية، شعر بحرارة لاهبة تخدش فخذه الأيمن.

«… أعلم. لا أستطيع فعل شيء وسط هذا القتال.»

 

 

«غاه، غووووه!»

 

 

 

أدرك فورًا أن مصدر الحرارة كان الجرح في ساقه. على الأرجح، حاول تشتيت نفسه عمدًا عن حقيقة أن ساقه قد تعرَّضت لتمزُّق شديد. استدار بينما كان لا يزال ممسكًا ببياتريس، وحين فتح عينيه وسط الألم والدموع التي غشت رؤيته، رآه.

 

 

 

«كنت أعلم أنك ستأتي، أيها العقرب اللعين…!»

أخذ سوبارو نفسًا عميقًا.

 

«هاه؟»

بصق سوبارو تلك الكلمات تجاه العقرب العملاق الذي ظهر أمامه للمرة الثانية— عقرب ذو قشرة سوداء وعيون متوهجة كأنها أضواء حمراء، يزحف على الجدار بأقدامه العديدة، محدقًا إليهما بوحشية.

«الأعظم ليس نكرة مشوهة مثلك. الأعظم والأقوى، الأسمى والأفضل— كل هذه الكلمات وُجدت لتصفني أنا.»

 

 

«—آه.»

 

 

لكن ما أثار دهشته ليس الدودة ذاتها، بل الحقيقة التي أدركها توًا. لقد سبق أن واجه هذا المخلوق حين حاول الفرار من البرج.

اتسعت عينا بياتريس عند رؤيتها لشكله الضخم المروع.

استعاد الشراهة رباطة جأشه سريعًا، ومع انتهاء التبادل، تحدث.

 

تركَّز نظرها على كلَّاب العقرب الذي خلَّف ذلك الجرح العميق في ساق سوبارو. حمل طرف الكلَّاب قطعة من لحم سوبارو، والدم يتدفق منها، يقطر على الأرض.

«—طلقة الجحيم اللانهائية!»

 

 

لقد كان هذا هو اقتحام العقرب العملاق الذي كان يخشاه. العقبات التي ينبغي عليهم تجاوزها تجمعت كلها في مكان واحد.

«هذا… قاذف وتد؟!»

 

اتسعت عينا سوبارو وهو يلهث: «هذا…»

«……»

آمن سوبارو بأن قيمة الإنسان وحقيقته تتجسَّدان في الذكريات والتاريخ. وقد ازداد إيمانه بذلك الآن، مما جعله يمقت قدرة الشراهة الدنيئة من أعماق قلبه.

 

«الأفضل ألا نحاول إجبارها على التذكر أكثر. الفجوة كبيرة جدًّا.»

استوعب سوبارو مدى خطورة الوضع، واحترق ذهنه بالألم بينما كان يسابق الزمن بحثًا عن مخرج.

— العقرب العملاق الشرس الذي يتجول حول البرج وكأنه يملكه.

 

ما الذي حدث؟ كنتُ للتو على الأرض في البهو… كانت ساقي مصابة… ثم ذلك الظلام، ذلك الظلام الدامس…

لكن لم يستطع إيجاد طريقة تُغيِّر مجرى الأمور لحل هذه الأزمة.

بينما يقاتل إميليا وجوليوس بكل ما أوتيا من قوة أمامه، مجرد التفكير في احتمال تدمير البرج جعله يخفق قلبه بجنون، ما اضطره إلى أن يجثو على ركبتيه.

 

 

باتينكايتوس كان هنا، وريد كان هنا، والآن انضم إليهم حتى العقرب العملاق.

 

 

تشنج حلق سوبارو من الصدمة. نظر حوله، فوجد جوليوس وبياتريس وإيكيدنا يحدقون به بحيرة. لم يتمكن من إخفاء ذهوله.

حتى لو كانت ميلي وشاولا تبقيان جحافل الوحوش السحرية تحت السيطرة، فقد استُنفدت كل أوراق سوبارو.

 

 

 

هذا ليس جيدًا.

 

 

 

لن ينجح هذا. لا بد أن هناك—

 

 

 

«سوبارو!» «سوبارو!» «سوبارو!!!»

 

 

 

سمع ثلاثة أصوات تناديه وهو يعض على أسنانه.

 

 

 

صوت بياتريس المليء بالحزن، وصوت جوليوس المشحون بالتوتر، ونداء إميليا المتوسل— كان بإمكانه سماعهم جميعًا.

«—أوووووووه!!!»

 

 

باتينكايتوس، وريد، والعقرب العملاق، كانوا جميعًا يتحركون.

عيناه كانتا حادتين، وسيفه يشع بعزمٍ لا يلين.

 

حدقت ميلي فيه بذهول، لكن سوبارو لم ينوي الشرح.

كانوا على وشك أن يسدوا كل الطرق أمامه. ولكن قبل أن يحدث ذلك—

 

 

«أتفهَّم ذلك. روحي القتالية باردة كبرودة نصلي.»

هزَّ هدير مدوٍّ البرج بعنف.

«… صحيح. لكن هذا يوضح ببساطة أن ذلك الرجل خارج عن أي مقياسٍ مألوف، بل ويمكن القول إن الوضع قد ازداد سوءًا.»

 

 

تسببت الأرضية المنهارة في ارتطام جسده، وقذفت إميليا والآخرين بعيدًا أثناء قتالهم، بل وسحقت قشرة العقرب العملاق. بدا الأمر وكأن العالم بأسره كان ينهار.

تدحرج على الأرض بسرعةٍ جنونية، غير قادرٍ على السيطرة على نفسه، يتقلب في الهواء وهو ينزف.

 

أضواء باهتة، دافئة، متوهجة.

عانقته الفتاة الصغيرة، وكأنها تحمي سوبارو. وبينما يحتضن جسدها الناعم، فتح سوبارو عينيه وسط الفوضى.

 

 

 

«—أنا أحبك.»

«هزيمتي؟ انظر إلى نفسك وأنت تتحدث بثقة؟»

 

 

—الظلام الذي لم يحمل سوى حب أعمى ابتلع سوبارو.

 

 

 

《٥》

تذكَّر كيف ظهر فجأة من تحت الأرض في ذلك الوقت، كما تذكر الضوء الأبيض الذي أطاح به بعيدًا بعد ذلك…

 

 

—في اللحظة التالية، شعر بارتجاجٍ عنيف، وكأن كل شيء -الأبيض والأسود، النور والظلام، الرجل والمرأة، الحب والكره- قد انقلب رأسًا على عقب… لينتقل ناتسكي سوبارو عبر الزمان والمكان.

«فتاة فضية الشعر مجهولة…؟» تمتم سوبارو.

 

 

«—سوبارو.»

«الشخص الذي أريده أن يتذكرني أكثر من أي أحد… لم ينسَني قط. في هذه اللحظة، أشعر بحماس لا يُضاهى!»

 

«ماذا بحق…! هذا مذهل!»

كان نداءً، وكأنه يجذبه نحوه، فاحتضن سوبارو صاحب الصوت بين ذراعيه.

«… صحيح. لكن هذا يوضح ببساطة أن ذلك الرجل خارج عن أي مقياسٍ مألوف، بل ويمكن القول إن الوضع قد ازداد سوءًا.»

 

«مع هذا العدد الكبير من المسارات المتشعبة، لا أظن أن البنية يمكنها تحمل هذا النوع من الضغط.»

«أوهيااان!»

«أنت لا تعرف متى تستسلم، أيها الأسقف!»

 

لاي باتينكايتوس اقتحم رقصتهم بوقاحة. الفتى الذي رماه ريد بركلةٍ جعلته يتدحرج بعيدًا على حافة الموت عاد إلى المعركة وكأن شيئًا لم يكن.

صرخةٌ مفاجئة وجسدٌ يتململ بين ذراعيه، رفع نظره ليرى—

 

 

 

«بيـ…ـاتريس…»

 

 

 

«هـ-هذا صحيح! لا تفاجئ بيتي هكذا. لم أقل إنني لا أحب ذلك، لكنني كنت قلقة، فقد عدت لتوك من الكتاب… لكن من المريح أنك ناديت اسم بيتي أولًا.»

«سوبارو.»

 

بينما كانوا يركضون نحو الغرفة الخضراء، انطلق صوت من أسفل الممر. وعندما رفعوا أنظارهم، اندفع ظل أسود بقوة باتجاههم— كان باتراش.

«……»

 

 

 

همست بياتريس بخفوت وهي في حضنه. وعند سماع صوتها، أخذ سوبارو ينظر من حوله.

 

 

 

ما الذي حدث؟ كنتُ للتو على الأرض في البهو… كانت ساقي مصابة… ثم ذلك الظلام، ذلك الظلام الدامس…

 

 

وحده سوبارو أدرك المعنى الحقيقي لكلماته. كان أمرًا لا يمكن أن يستوعبه إلا سوبارو الذي واجه هذه الكارثة التي تهدد البرج مرارًا وتكرارًا.

«… الأرشيف؟»

 

 

«لا يمكنك الجزم بذلك، ربما هذا الجانب تحديدًا هو الوحيد الذي سُكِب عليه ماء السكر!»

«على الأقل، هل تسمح لنا بالتأكد مما إذا كنت لا تزال هناك، ناتسكي؟»

«هياه!»

 

لكن ما أثار دهشته ليس الدودة ذاتها، بل الحقيقة التي أدركها توًا. لقد سبق أن واجه هذا المخلوق حين حاول الفرار من البرج.

بينما كان سوبارو يحدق مذهولًا وسط صفوف الكتب المتراصة، سمع صوتًا آخر.

خفق قلبه بعنفٍ وكأنه على وشك الانفجار. بدا أن كل قطرة دمٍ في جسده تناشده، فيما دوى جرس إنذارٍ أحمرٌ زاهٍ داخل رأسه. إحساسٌ مرعبٌ لا يُحتمل جري في عروقه.

 

«سوبارو.»

التفت ليرى إيكيدنا تبتسم على نحو مرتبك وهي تمسح شعرها الأرجواني الفاتح. خلفها، كانت ميلي مستندةً إلى رف الكتب، وقد أسندت رأسها إلى يديها.

 

 

 

«أخيرًا استيقظت.»

تصاعد هديرٌ متواصلٌ من تلك الكتلة السوداء المتلوية أسفل البرج، مما جعل سوبارو يشعر بدوار خفيف حين أدرك أن هذا المشهد نفسه يتكرر حتى في الأماكن التي لا يستطيع رؤيتها.

 

 

«مـ-ماذا؟ مـ-ماذا؟! سوبارو؟! ما الأمر، سوبارو؟! هل حدث شيء؟ هل يمكنك إخبارنا بما رأيته في الكتاب؟» كانت بياتريس في حالة من الهلع.

لكن رغم ذلك، لم يكن الأمر ملموسًا بالكامل. كان هناك شيء غير واضح، صعب الوصف، أشبه بالبحث عن شيء غير موجود، كمَن يُلقي سنارته في بحرٍ بلا قمر.

 

بينما كان سوبارو يحدق مذهولًا وسط صفوف الكتب المتراصة، سمع صوتًا آخر.

«آااه، لا، صحيح. عليَّ فعل ذلك أيضًا، لكن أولًا…»

 

 

 

احتضن سوبارو جسد بياتريس الصغير، متذوقًا دفء وجودها.

 

 

 

ثم أقرَّ بالحقيقة التي لا مفر من مواجهتها—

«واه، مهلًا، لا تتسرع. آسف، لكننا لا نشارك طعامنا. لا نذكرك، أيها السيد. مهما يكن الأمر، فهو شيء فعله روي، أليس كذلك؟»

 

 

—لقد عدت… إلى هذه اللحظة من الزمن.

 

 

إذًا، هذه هي فلسفته؟ تبدو مختلفة قليلًا عمَّا تحدثت عنه لويس، لكن الجوهر واحد. يستغلون حياة الآخرين كحجارة خطواتٍ ويزدردونها بلا رحمة. حقًا، هذا أبشع ما يمكن تخيُّله.

بعد أن أخفق في تجاوز العقبات الخمس، أُعيد سوبارو إلى هذه النقطة من جديد.

لكن رغم أنهم وجدوا أنفسهم وسط هذا الخطر الداهم—

 

تمتم ريد وهو يدس إصبعه في أذنه بملل، يراقب باتينكايتوس وهو يندفع نحوه مباشرة.

 

 

 

 

 

«لقد كان خصمًا قويًا، أليس كذلك…؟ حتى معًا، إيميليا تشان وجوليوس واجها صعوبةً في التصدي له… أليس كذلك؟»

////

 

حسابنا بتويتر @ReZeroAR

«غهه…!»

لسبب ما، وثق سوبارو بذلك الشعور تمامًا، فقفز نحو بياتريس قبل أن يندفع مبتعدًا.

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط