▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
ترجمة: Arisu san
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
روى لي كيم هيونغ-جون قصة لا تُصدَّق، أشبه ما تكون بالخيال.
بحسب كلامه، الذين تعرّضوا للعضّ لم يتحولوا جميعًا إلى زومبي عاديين. فالبعض منهم، بناءً على رغباتهم الداخلية، تحولوا إلى زومبي بعيون حمراء متوهجة.
أولئك الذين تاقوا إلى شيءٍ ما، شيءٍ ثمينٍ بالنسبة لهم أكثر من حياتهم نفسها، هم من أصبحوا من أصحاب العيون الحمراء.
قال فجأة:
“أيها العجوز، ألم يكن لديك حلم قبل أن تستيقظ على هذه الهيئة؟”
تتبعت ذكرياتي بحذر… وتذكرت.
رأيت زوجتي وسو-يون جالستين على طاولة طعام أمامي. كنت أراقبهما من خلف جدار زجاجي شفاف. الجدار كان غير قابل للكسر في البداية، لكن في النهاية، انفجاري اليائس مكنني من اختراقه، وأمسكت بيد سو-يون.
ثم أفقت… جسدي كان ميتًا، لكن عقلي كان واعيًا، سليمًا تمامًا.
حين هززت رأسي مؤكدًا، ضحك كيم هيونغ-جون بخفة، ثم تابع:
“هذا هو السبب. سبب توهّج أعيننا باللون الأحمر. السبب الذي جعلنا لا نتحول إلى مخلوقات سوداء. إنه ما يُبقينا أقوياء.”
“تقصد أننا سنتحول إلى مخلوق أسود إذا فقدنا ذلك القلب والعقل؟”
“بالضبط.”
“وماذا عن الذين لم يستطيعوا كسر الجدار الزجاجي؟”
“هؤلاء يتحولون فقط إلى زومبي عاديين. أو لو فُقِدت رؤوسهم، لما كان لذلك أي أهمية.” أجاب بلهجة لا مبالية، وهو يرفع كتفيه.
فركت ذقني ببطء وغرقت في تفكيرٍ عميق.
هذا يعني أن التحول إلى كائن بعيون حمراء لا يتطلب العض من قِبَل مخلوق أسود. لكن… لماذا لم أصادف أي مخلوق بعيون حمراء في حي هانغدانغ؟
الزومبي الذي التقيت به في المدرسة الثانوية صُدم عندما أخبرته أنني لم ألتقِ بغيري من أصحاب العيون الحمراء.
كلما تكدست الأسئلة في ذهني، تذكرتُ ابتسامة المخلوق الأسود الشريرة. لقد نظر إلي، وقد غمرني الرعب، بتلك الابتسامة العريضة الخبيثة.
— فقط انتظر. سأقتل الجميع، ثم سآتي إليك.
هذا ما بدا لي أنه يقوله في تلك اللحظة.
بعدما هربت مع لي جونغ-أوك وتابعيّ، قضى على من كانوا في مواقع الحراسة، ثم تبعني.
حينها بدأ كل شيء يتّضح.
سبب خوف المخلوق بعيون حمراء الذي هاجم المدرسة… سبب تخلي المخلوق الأسود عن باقي الناجين وركضه خلفي…
كل ذلك يشير إلى أمرٍ واحد.
أنا، بعيوني المتوهجة الحمراء، كنت وجبته المفضّلة. الطريدة الوحيدة التي تُشبع جوعه. نحن، أصحاب العيون الحمراء.
تنهدت بعمق، والحزن يغمرني.
“ماذا حدث لأخيك الصغير…؟”
“كان لديه حبيبة.”
حبيبة، إذن… لم أحتج لأن أسمع بقية القصة. شعرت بانقباضٍ حاد في قلبي، وتنهّدت بأسى.
تابع كيم هيونغ-جون:
“يمكنك أن تتخيل الباقي، أليس كذلك؟”
“لكن لماذا؟ أخوك كانت له عيون حمراء أيضًا. كان يمكنه حمايتها بسهولة.”
“أنا وأخي كنّا نقود مجموعتين مختلفتين من الناجين.”
مجرد سماع هذه الجملة جعلني أقطّب حاجبيّ.
استمر كيم هيونغ-جون في سرد قصته، مستعيدًا أحداث ذلك اليوم.
لم تُعضّ صديقة كيم هيونغ-سوك من قِبَل الزومبي، بل قُتلت على يد بشر.
“بينما كان أخي يجمع الطعام… حدث شيء غير متوقع تمامًا.”
“…”
“بعدها، فقدَ أخي صوابه. حين عدت، لم يكن هناك ناجٍ واحد. الجميع تمزقوا إربًا. لم يكن ممكنًا تمييز أحد.”
بصقتُ البلغم الذي تسلل إلى حلقي، ثم تنفّست بعمق. نسيم الصيف البارد اخترق رئتيّ، منعشًا رغم قسوة الحديث.
تابع كيم هيونغ-جون:
“بعدها، بدأ أخي يمزّق جسده بيديه. كان يتألم بشدة، لكن لم يكن ألمًا جسديًا… بل ألم يائس عميق.”
“مزّق نفسه؟”
“كأنّه كان يمر بتحوّل. مثل أفعى تخلع جلدها. وبعد فترة، أصبح مخلوقًا أسود.”
“هل شاهدتَ بنفسك تحوّله؟”
لم يُجب. اكتفى بالنظر إلى السماء، وتنهد بتنهدٍ بدا خاليًا ووحيدًا تمامًا.
ثم غطّى وجهه بكفيه وصمت لوهلة.
“كان يجب أن أقتله قبل أن تكتمل تحوّلاته. لا زلت أندم على عدم إنهاء حياته في ذلك الوقت.”
“…”
“عدم قتله لا يختلف عن التسبب بموته مرة ثانية. كان علي أن أنهي كل شيء، وأدع أخي يرقد بسلام.”
لم أجد ما أقوله لتعزيته. كل ما استطعت فعله هو أن أتنهد بأسى.
وبينما كنتُ غارقًا في الصمت، حاول كيم هيونغ-جون تغيير الموضوع:
“بالمناسبة، أيها العجوز، كيف تحوّلت؟”
للأسف، لم يكن ذلك أفضل موضوعٍ للحديث. أبقيت صوتي هادئًا:
“تعرضت للعض من مخلوق أسود.”
“…”
ارتجف كيم هيونغ-جون فجأة. كان فتى ذكيًا، لا شك أنه استنتج كل شيء من هذه الجملة وحدها. عضّ شفته.
“كان يجب أن أنهي كل شيء في ذلك الوقت.”
“لكن… كان أخوك الصغير.”
“ذاك فقط حين كنّا بشرًا. أما الآن… فلا يوجد شيء اسمه أخٌ أكبر أو أصغر حين نصبح وحوشًا.”
ربما لهذا السبب لم يكن معاديًا لي، رغم أنني قتلت شقيقه. لم يكن يحمل ضغينة. فقد وصف نفسه بأنه وحش، وربما ظن أنني عقلاني لأني وصفت أخاه بالوحش كذلك.
حكّ عنقه، ثم أكمل:
“أيها العجوز، ما الشيء الذي تحاول حمايته؟”
“أنا…”
لكنني توقفت فجأة، ونظرت إليه مباشرةً. كدت أجيبه دون تفكير. لم يكن هناك سبب يجعلني أكشف عما أحاول حمايته. فمَن يدري؟ قد يطعنك أحدهم في ظهرك يومًا.
رغم أنه ساعدني طواعية، فقد يتغير موقفه إن شعر أنني أضعف منه. بقيت صامتًا، فأومأ برأسه.
“جيد.”
“ماذا؟”
“كن دائمًا حذرًا من هذا السؤال، لأنه مكمن ضعفك. ومهما حصل، لا تجب عنه. ولو كان الأمر يتعلق بحياتك. إن كنت قد قطعت وعدًا، فالتزم به. وإلا، ستنتهي كأخي.”
ثم ابتسم ابتسامة واسعة.
في تلك اللحظة، أدركت كم يمكن أن يكون هذا الفتى ماكرًا.
وما لبث أن لاحظ ارتباكي، فقطّب جبينه.
“أنت تعرف أننا نغيب عن الوعي حين نأكل أدمغة زومبي آخرين، صحيح؟ ومدة الغياب تختلف حسب قوة الزومبي.”
“أعرف.”
“الشيء نفسه يحصل حين نتحول إلى مخلوق أسود. هذا ما حدث مع أخي. عليك أن تكون حذرًا جدًا حينها، لأن هناك الكثير من الزومبي ينتظرون تلك اللحظة.”
أومأت ببطء وأنا أستمع إليه. كان يقدم لي معلومات لا تُقدّر بثمن. لم يكن لديّ سبيل لمعرفة كل هذا بمفردي.
“لكن… لماذا تخبرني بكل هذا؟”
“لأني أعتقد أننا في نفس الفريق.”
“لا يمكن أن يكون هذا السبب الوحيد. لا بد أنك تريد شيئًا مني.”
“…”
نظر إليّ نظرة خالية من التعبير، ثم تنهد:
“أنت مميز حقًا، أيها العجوز.”
“كفى. ادخل في صلب الموضوع.”
“دعنا نتحالف.”
“ماذا؟ نتحالف؟”
“قبل أن تزداد قوة العصابة، وقبل أن يُباد كل الناجين، علينا أن نجمع من هم مثلنا… أولئك الذين يعيشون لأجل البشر.”
لم أجد ما أقوله. كانت نيّته طيبة، لكن بالنسبة لي، سلامة سو-يون وناسي أولى. لم يكن لدي وقت لمطاردة أفراد العصابة أو إنقاذ الناجين الآخرين.
لا بد أن ملامحي فضحت ترددي، إذ ضحك كيم هيونغ-جون وأكمل:
“لا تفكر كثيرًا، أيها العجوز. سألتك فقط لأتأكد أنك لست مع العصابة.”
“ماذا تعني؟”
“تتذكر أنني قلت إن أيدينا تحمل قدرات متعددة؟ إحدى القدرات التي لم أذكرها… هي التحالف.”
“تقصد كأننا نوقّع عقدًا؟”
انفجر ضاحكًا، ثم قال بعد أن تمالك نفسه:
“نتحالف باستخدام كفوفنا.”
“كفوفنا؟”
“نحن نرى بعضنا الآن ككائنات حمراء. لكن بمجرد أن نتحالف، لن نرى بعضنا كذلك بعد الآن. سنرى بعضنا بلون بنفسجي.”
“يعني هذا التحالف هو وسيلة لمعرفة من في صفك؟”
“بالضبط، أيها العجوز! تتذكر حين قلت إننا نستطيع معرفة قوة الآخر عبر المصافحة؟ الآن نضيف خطوة واحدة فقط.”
“وما هي؟”
“أن ننظر في أعين بعضنا، ونتعهد بداخلنا أننا سنتحد ولن نهاجم بعضنا مهما حصل.”
أومأت وقدّمت يدي اليمنى إلى كيم هيونغ-جون. لم يكن هناك ضرر من التحالف. كنت أعلم أنه ليس من أفراد العصابة، ويملك معلومات أكثر مني بكثير. الغبي فقط هو من يختار معاداته.
أخذ نفسًا عميقًا، وأمسك بيدي بتوتر واضح.
وحين شددت على قبضته، ركّزت على فكرة واحدة: نحن في نفس الفريق، ولن أهاجمه مهما حدث.
بعد لحظات، شعرت بصعقة كهربائية انطلقت من كفي وامتدت إلى جسدي كله. رأسي بدأ يؤلمني بشدة، وتجعد وجهي لا إراديًا.
“ما هذا الألم المرعب؟!”
شعورٌ أشبه بذوبان الدماغ… الألم كان يتصاعد أكثر فأكثر، وعيناي على وشك الانفجار.
أيدينا راحت ترتجف بقوة.
“غرررر…!”
شهقت وسحبت يدي، وفعل كيم هيونغ-جون الشيء نفسه. وقع على الأرض، يلهث، على أربع.
أغمضت عينيّ وضغطت كفّي على صدغيّ، محاولًا طرد الألم. بدأ الألم الأحمر الحارق يتلاشى شيئًا فشيئًا. وعندما فتحت عينيّ أخيرًا…
كل شيء بدا ضبابيًا. عقلي مُشتّت، وكأن روحي انفصلت عن جسدي. لحظة تحرّر كاملة.
الصوت في أذنيّ وحده ما جعلني أشعر أنني لا أزال على قيد الحياة.
بعد قليل، رأيت كيم هيونغ-جون ممددًا على الأرض. بدا أنه تألّم أكثر مني… كانت ذراعاه ترتجفان، ولم يستطع النهوض.
الشيء الوحيد الذي لا يُصدّق، هو أن كيم هيونغ-جون بدا بلون أرجواني الآن، بدلًا من الأحمر.
كان يحاول جاهدًا استعادة وعيه، يهزّ رأسه مرارًا ليطرد ما تبقّى من ألم. ومع أنه بدا متألمًا بشدة، إلا أن ابتسامة صغيرة ارتسمت على وجهه.
أما أنا، فما زلت أتنفس بصعوبة بسبب الألم المروّع. الهواء المنعش الذي يحمل عبقًا يشبه رائحة النسغ تدفّق إلى رئتي من أنفي وفمي. الضباب الذي كان يعتم ذهني بدأ ينقشع، وشعرت بشيء غريب، كأن دمي عاد يتدفّق بعد أن كان قد توقف عن الجريان. ثم سمعت صوت كيم هيونغ-جون.
«لقد نجحنا.»
«رؤيتنا لبعضنا بلون أرجواني تعني أن الطقس تم؟»
«نعم. لو بقينا نرى بعضنا بالأحمر، فهذا يعني أن الطقس فشل.»
«وماذا يحدث حين يرى اثنان بعضهما بالأحمر بعد النذر؟»
«هذا يعني أن الحرب بدأت.»
حدّقت فيه، أحاول استيعاب ما قاله. ثم أدركت فجأة ما كان يعنيه. إن استمر اثنان في رؤية بعضهما بلون أحمر بعد أداء النذر، فهذا معناه أن أحد الطرفين ـ أو كليهما ـ لم يكن صادقًا.
لو أننا فشلنا… لو أن اللون الأحمر بقي كما هو… لما كنت أرغب حتى في تخيّل العواقب.
تنهدت بارتياح. ما يهمّ الآن هو أننا أصبحنا رسميًا في نفس الفريق. وهذا يعني أيضًا أننا على نفس الصفحة.
أطلق كيم هيونغ-جون زفرة سريعة وقال مبتسمًا:
«مرحبًا بك في منظمة حشد الناجين!»
«مهلًا، أي منظمة؟»
«منظمة حشد الناجين. إنها أشبه بمنظمة مناهضة للعصابات. للزومبي الذين يعيشون من أجل البشر.»
«كم عدد الأعضاء؟»
«الآن؟ أنا وأنت فقط، أيها العجوز.»
«…»
«أسّس أخي هذه المنظمة بنفسه.»
بمجرد أن سمعت أصل الاسم، عضضت شفتي وأشحت بنظري عن عيني كيم هيونغ-جون.
منظمة حشد الناجين.
من اسمها فقط، عرفت أي نوع من الأشخاص كان كيم هيونغ-سوك. على الأرجح كان يثق بالناس ويحبهم بصدق. لكنه فقد ثقته بالجميع، وتخلى عن رغبته في العيش كإنسان.
لم أستطع تخيّل مقدار الألم واليأس الذي عاشه. ولم أتمكن من إخفاء الشفقة التي شعرت بها نحوه. تنفّست بعمق ثم سألت كيم هيونغ-جون:
«إذًا، ماذا تنوي أن تفعل من الآن فصاعدًا؟»
«سأتحرّك في منطقة توكسيوم. طالما أن العصابة لم تقتل أخي، فلا داعي لبقائي في هينغدانغ-دونغ.»
«لست متأكدًا إن كان من اللائق أن أسأل، لكن… هل يوجد أناس لك في توكسيوم؟»
«هل هناك داعٍ لإخفاء أي شيء بعد الآن؟ نحن في نفس الفريق الآن. نعم، هم في توكسيوم. أنت تعرف غابة سيول، أليس كذلك؟»
«بالطبع.»
«هناك ملجأ هناك. ما رأيك أن تنقل جماعتك إلى هناك أيضًا؟»
«يمكننا التفكير في ذلك لاحقًا.»
