المفترس
37. المفترس (1)
“الحاكم يُشفق ويعتني حتى بالمؤمنين الضالين من صغاره بهذه الطريقة.”
“لا تدع كلمات ذلك الطفل تزعزعك. كلها استفزازات محسوبة.”
“آه، إن كان الأمر بشأن ذلك….”
لم تستطع مارثا نسيان المرة الأولى التي التقت فيها عينيها بعيني ذلك الطفل .
ابن جيروم ومارثا. الفتى الذي أصبح مُقعدًا بسبب إساءة جيروم، وراح يفرغ غضبه على العالم. فتى أراد قتل الجميع وكان ينفث الكراهية عند كل فرصة. فتى لم تكن لوجوده أية قيمة سوى الإزعاج للجميع.
ذلك الرضيع الصغير الملفوف في معطف من الفرو حدّق فيها بتركيز دون أن يذرف دمعة واحدة. كانت عيناه السوداوان العميقتان والداكنتان كأنهما مرآتان لا تعكسان أي بصيص من الضوء، وكأنهما تبتلعان انعكاسها من سطحهما اللامع، بل وحتى تمتصان روحها.
فهو الوحيد الذي كان يتجول عادةً في الجبل الشرقي، متذرّعًا بجمع الأعشاب الطبية والصيد.
في تلك اللحظة، بالكاد كتمت مارثا رغبتها في رمي معطف الفرو بعيدًا.
يبدو أن بارت لم يفكر في هذا، فقد اتسعت عيناه لوهلة، ثم أومأ برأسه.
فمن يكون؟
“…أنت وغد سريع البديهة .”
شعر أسلان وكأنه تجمّد، غير قادر على تحريك عضلة واحدة. كلمات كايين حملت في طيّاتها الكثير من المعاني. لقد كان هو من تسبب في كل هذا، وكان أسلان هدفه.
“آه، بحق الجحيم! في أي ورطة أوقعتني يا جيروم!”
هل من الممكن أن تكون كلماته صحيحة؟ وإن كانت كذلك، فكيف ولماذا؟
“…لا.”
بينما اشتدّ وجه أسلان، ابتسم كايين بسخرية ومشى متجاوزًا إياه بخطى عرجاء. لم يستطع أسلان سوى أن يراقب بصمت بينما ابتعد كايين أكثر فأكثر عن الساحة. نُقِل أسلان وبارت إلى كوخ أسلان تحت أعين عدة من قطاع الطرق، مما دلّ على أن شكوك جيروم لم تُمحَ بعد.
يبدو أن بارت لم يفكر في هذا، فقد اتسعت عيناه لوهلة، ثم أومأ برأسه.
“نحتاج إلى تفقد الفخاخ التي نصبناها…”
فمن يكون؟
“الفخاخ مشكلتنا الحين؟ افهم الجو، يا وغد.”
قال أحد قطاع الطرق، وقد بدا عليه الحذر، وهو يفتح فمه بتردّد.
عند كلمات أسلان، بصق أحد قطاع الطرق بلعاب كثيف وأقفل الباب من الخارج. كانت تلك علامة واضحة على الحبس. على الأقل، من حسن الحظ أنهم لم يُحبسوا في السجن المؤقت الذي يُستخدم كحظيرة للقرية.
منهكًا من القوة، انزلق أسلان إلى الأرض مستندًا إلى الجدار في الكوخ.
“بارت.”
ثم، ألم تكن قد فقدت كل قواك حين تمت محاكمتك بتهمة الهرطقة؟
بارت، الذي بدا غارقًا في التفكير، التفت لينظر إليه.
“والسبب الثاني هو مراقبة رد فعلك، ليرى إلى أي مدى تدرك الوضع، وما إذا كان تجنبك للشبهات الكبرى مجرد صدفة أم لا.”
آه، وبالمناسبة.
“هل سألت كايين بالأمس إن كان يُكنّ أي ضغينة؟”
وأخيرًا، بعدما ربط العقدة بعناية، أعاد ترتيب زجاجة الدواء وهو يتمتم:
بالفعل. كان أسلان يفكر فيما إذا كان كايين يحاول تلفيق التهمة له، وهل عليه أن يلاحقه خارج الكوخ.
“…”
“……!”
“هل تعتقد أن كل هذا يمكن أن يكون من فعل كايين فعلًا؟”
تلألأت عينا بارت ببريق فضي غريب وهو ينظر إلى أسلان في ظلمة الكوخ.
لم تستطع مارثا نسيان المرة الأولى التي التقت فيها عينيها بعيني ذلك الطفل .
“لا تدع كلمات ذلك الطفل تزعزعك. كلها استفزازات محسوبة.”
“آه، بحق الجحيم! في أي ورطة أوقعتني يا جيروم!”
“ماذا؟”
محسوبة؟
فهو الوحيد الذي كان يتجول عادةً في الجبل الشرقي، متذرّعًا بجمع الأعشاب الطبية والصيد.
عند كلمات أسلان، بصق أحد قطاع الطرق بلعاب كثيف وأقفل الباب من الخارج. كانت تلك علامة واضحة على الحبس. على الأقل، من حسن الحظ أنهم لم يُحبسوا في السجن المؤقت الذي يُستخدم كحظيرة للقرية.
وهو يحدق إلى بارت بذهول، بدأ هو يشرح بصوت هادئ:
“الفخاخ مشكلتنا الحين؟ افهم الجو، يا وغد.”
“الأولى هي أن يجعلك تشك فيه وتعمل جاهدًا لتزيل الشبهات عن نفسك. وبما أنك لا تعلم ما إذا كان هو الفاعل حقًا أم لا، ولا توجد وسيلة للتأكد، فلو علمت أن هناك من يلفّق لك التهمة، فمن السهل أن تقع في فخ آخر بسبب رد فعلك المتهور بدافع الإحساس بالخطر.”
“لكن؟”
“آه…”
بالفعل. كان أسلان يفكر فيما إذا كان كايين يحاول تلفيق التهمة له، وهل عليه أن يلاحقه خارج الكوخ.
“هل تعتقد أن كل هذا يمكن أن يكون من فعل كايين فعلًا؟”
“والسبب الثاني هو مراقبة رد فعلك، ليرى إلى أي مدى تدرك الوضع، وما إذا كان تجنبك للشبهات الكبرى مجرد صدفة أم لا.”
غير أن جثة جديدة وُجدت اليوم.
تجمّد الجو داخل الكوخ في لحظة.
اتسعت عينا أسلان بدهشة، بينما مال بارت برأسه بلا مبالاة ورد قائلًا: “ألم تقل إن جيروم رجل مليء بالشك؟ حتى عند وصولك، كانت نيته في قتلي أقوى. إصرار الطفل هو ما غيّر رأيه، أليس كذلك؟”
“…”
ما كان رد فعل أسلان حينها؟ بفضل تحذير بارت، كان لديه إحساس بأن شيئًا ما على وشك الحدوث، ولذلك ردّ على تلميح كايين بصدق.
بارت، الذي بدا غارقًا في التفكير، التفت لينظر إليه.
الآن، لا بد أن كايين متأكد من أن أسلان يعرف شيئًا عن الأمر.
وهو يحدق إلى بارت بذهول، بدأ هو يشرح بصوت هادئ:
“…إنه طفل ذكي. ربما كان في باله هذا الوضع عندما أقنعك بأخذي.”
“فقط للتأكد… أنت لست جاسوسًا متنكرًا في هيئة سجين، أليس كذلك؟”
ابن جيروم ومارثا. الفتى الذي أصبح مُقعدًا بسبب إساءة جيروم، وراح يفرغ غضبه على العالم. فتى أراد قتل الجميع وكان ينفث الكراهية عند كل فرصة. فتى لم تكن لوجوده أية قيمة سوى الإزعاج للجميع.
ماذا؟
إنها علامة تشير إلى أن صاحبها قد جُرّد من جميع بركات الحاكم، وفقد حتى حق الخلاص لروحه. عقوبة أبدية لا مهرب منها، حتى بعد الموت. لم تُسمَّ العقوبة القصوى والأشدّ فظاعة عبثًا.
“أقنع… تقول؟”
محسوبة؟
اتسعت عينا أسلان بدهشة، بينما مال بارت برأسه بلا مبالاة ورد قائلًا: “ألم تقل إن جيروم رجل مليء بالشك؟ حتى عند وصولك، كانت نيته في قتلي أقوى. إصرار الطفل هو ما غيّر رأيه، أليس كذلك؟”
ومع ازدياد تأييد أتباعه لذلك الرجل، تغيّرت نظرة جيروم.
“آه، إن كان الأمر بشأن ذلك….”
…هل كان الأمر كذلك؟
“سواء كنتَ أنت أو أنا، إن اشتُبه بأحدنا كجاسوس، فذلك سيكون مناسبًا له.”
ثم، ألم تكن قد فقدت كل قواك حين تمت محاكمتك بتهمة الهرطقة؟
أدرك أسلان أنه لا يعرف شيئًا عن كايين.
خطر في باله أولًا كايين، ابنه الذي لا يُضمر لأسلان ودًا.
كان أولئك الرجال قد اختبأوا في بيت الدعارة لأيام، يتعاطون الخمر بعد أن سرقوا أحد كبار القوم قبل عدة أيام، ولم يلاحظ أحد غيابهم عن القرية.
كيف كان ينظر إليه حتى الآن؟
الآن، لا بد أن كايين متأكد من أن أسلان يعرف شيئًا عن الأمر.
ابن جيروم ومارثا. الفتى الذي أصبح مُقعدًا بسبب إساءة جيروم، وراح يفرغ غضبه على العالم. فتى أراد قتل الجميع وكان ينفث الكراهية عند كل فرصة. فتى لم تكن لوجوده أية قيمة سوى الإزعاج للجميع.
تجمّد الجو داخل الكوخ في لحظة.
لكن، ماذا لو كان كل جانب من هذا السلوك محسوبًا؟
وفي تلك اللحظة، فُتح باب الكوخ فجأة بعنف.
“إيه، أعني… أليس هذا مبالغًا فيه؟”
“…أنت وغد سريع البديهة .”
في تلك اللحظة، بالكاد كتمت مارثا رغبتها في رمي معطف الفرو بعيدًا.
رغم محاولته التخفيف من الأمر بضحكة جوفاء، إلا أن صوته لم يكن مقنعًا حتى لنفسه. إن كانت كلمات بارت صحيحة، فما غاية كايين من هذا السلوك؟ لا، هل يمكنه أن يجني شيئًا من هذا السلوك؟
“…”
جيروم وقطاع الطرق فكّروا في أسلان أولًا عندما رأوا الجثث.
جهد أسلان نفسه بالتفكير للحظة، لكنه لم يستطع التوصل إلى شيء. في النهاية، لم يكن قادرًا على استيعاب كلمات كايين تمامًا، فضلًا عن تخمين نواياه المعقدة!
“من الغريب أن يظهر فجأة في الجبال، ومن الغريب أيضًا أنه اختار القدوم عبر طريق القوافل الذي نادرًا ما يسلكه التجار، أليس كذلك؟”
آآآآه.
إنها علامة تشير إلى أن صاحبها قد جُرّد من جميع بركات الحاكم، وفقد حتى حق الخلاص لروحه. عقوبة أبدية لا مهرب منها، حتى بعد الموت. لم تُسمَّ العقوبة القصوى والأشدّ فظاعة عبثًا.
بينما كان أسلان يعبث بشعره بجنون، نظر إليه بارت للحظة قبل أن يمشي إلى جانب من الكوخ. أسند ظهره إلى الجدار وأغمض عينيه.
“هذه الأمور ستتضح مع الوقت. سترتبك قريبًا، لذا من الأفضل أن ترتاح وتوفر طاقتك.”
هممم. أشاح بارت بنظره عن أسلان وأخفى يده تحت عباءته الطويلة.
بدا عليه الإرهاق قليلًا.
“آه، إن كان الأمر بشأن ذلك….”
شعر أسلان بهالة بارت الغريبة بشكل غريزي، لكنها كانت لا تزال بمستوى مريض يحتضر. من المدهش أنه كان قادرًا على التنقل معه في الجبل منذ الصباح مع تلك الهالة.
هممم. أشاح بارت بنظره عن أسلان وأخفى يده تحت عباءته الطويلة.
لكن، ماذا لو كان كل جانب من هذا السلوك محسوبًا؟
بارت، الذي بدا غارقًا في التفكير، التفت لينظر إليه.
آه، وبالمناسبة.
“هل سألت كايين بالأمس إن كان يُكنّ أي ضغينة؟”
“إن كان لديك وقت ، هلا عالجنا الجروح أولًا؟”
“لكن؟”
وقف أسلان على عجل وبدأ في جمع زجاجات الدواء من الرف. كانت هذه مراهم تمنع تدهور الجروح وتساعد الكدمات على الشفاء بسرعة. كلها كانت من صنع أسلان نفسه، وفقًا لوصفة خاصة من سيمور.
“…”
حتى مجرد محاولة تحريك يده جعلت معصمه يؤلمه. ربما سيكون من الأفضل وضع شيء داخل الأصفاد. كان قد حاول للتو تحريك يده عندما لاحظ أن معصمه قد تآكل من الاحتكاك. ربما من الأفضل تبطين الأصفاد من الداخل.
في البداية، لم يفهم بارت ما الذي يحدث، واكتفى بمراقبة تصرفات أسلان، لكن حين اقترب الأخير بزجاجة دواء وقطعة قماش نظيفة، بدا أنه بدأ يستوعب ما يجري.
“بارت.”
“آه، إن كان الأمر بشأن ذلك….”
اتسعت عينا أسلان بدهشة، بينما مال بارت برأسه بلا مبالاة ورد قائلًا: “ألم تقل إن جيروم رجل مليء بالشك؟ حتى عند وصولك، كانت نيته في قتلي أقوى. إصرار الطفل هو ما غيّر رأيه، أليس كذلك؟”
حاول ردعه متأخرًا، لكن أسلان كان أسرع، وأمسك بأصفاده.
حاول ردعه متأخرًا، لكن أسلان كان أسرع، وأمسك بأصفاده.
بينما اشتدّ وجه أسلان، ابتسم كايين بسخرية ومشى متجاوزًا إياه بخطى عرجاء. لم يستطع أسلان سوى أن يراقب بصمت بينما ابتعد كايين أكثر فأكثر عن الساحة. نُقِل أسلان وبارت إلى كوخ أسلان تحت أعين عدة من قطاع الطرق، مما دلّ على أن شكوك جيروم لم تُمحَ بعد.
“سواء كنتَ أنت أو أنا، إن اشتُبه بأحدنا كجاسوس، فذلك سيكون مناسبًا له.”
“….؟”
تسللت إليه شكوكه المعتادة.
لكن في تلك اللحظة تحديدًا، شوهد أسلان يتجوّل في مكان مختلف تمامًا.
أسلان، الذي كان يعبث بشرود في الأصفاد، اتسعت عيناه بدهشة. كانت معصما بارت ناعمين، وكأنهما لم يتعرضا للكدمات من قبل.
“ماذا؟”
“ماذا؟”
كانت قد اكتُشفت جثتان قرب قرية الزهور في الليلة السابقة.
نظر إلى وجه بارت، ثم إلى معصمه، ثم قال مرة أخرى:
اتسعت عينا أسلان بدهشة، بينما مال بارت برأسه بلا مبالاة ورد قائلًا: “ألم تقل إن جيروم رجل مليء بالشك؟ حتى عند وصولك، كانت نيته في قتلي أقوى. إصرار الطفل هو ما غيّر رأيه، أليس كذلك؟”
“ماذا؟”
هممم. أشاح بارت بنظره عن أسلان وأخفى يده تحت عباءته الطويلة.
ولكن، أليس هو من منعه من قتل أسلان بالأمس…؟
“…لا.”
غير أن جثة جديدة وُجدت اليوم.
“ألم أذكر أنني كنت كاهنًا قبل أن أصبح صيدليًا؟ من الطبيعي أن يملك من لديه قوى مقدسة هذه القدرة.”
وهو يحدق إلى بارت بذهول، بدأ هو يشرح بصوت هادئ:
“لكن، غوستاف لم يكن لديه هذه القدرة؟”
رغم كونه كاهنًا من الرتبة الدنيا، كان غوستاف يملك قوى قوية. ومع ذلك، لم يكن ليستطيع التعافي بهذه السرعة دون صلوات حارة واستخدام لقوته . لا، حتى في تلك الحالة، لم تكن لتشفى جراحه بهذه النظافة في لحظة.
“ألم أذكر أنني كنت كاهنًا قبل أن أصبح صيدليًا؟ من الطبيعي أن يملك من لديه قوى مقدسة هذه القدرة.”
كان أولئك الرجال قد اختبأوا في بيت الدعارة لأيام، يتعاطون الخمر بعد أن سرقوا أحد كبار القوم قبل عدة أيام، ولم يلاحظ أحد غيابهم عن القرية.
ثم، ألم تكن قد فقدت كل قواك حين تمت محاكمتك بتهمة الهرطقة؟
علامة عبدة الشياطين ليست علامة عادية.
“نحتاج إلى تفقد الفخاخ التي نصبناها…”
“آه، بحق الجحيم! في أي ورطة أوقعتني يا جيروم!”
إنها علامة تشير إلى أن صاحبها قد جُرّد من جميع بركات الحاكم، وفقد حتى حق الخلاص لروحه. عقوبة أبدية لا مهرب منها، حتى بعد الموت. لم تُسمَّ العقوبة القصوى والأشدّ فظاعة عبثًا.
محسوبة؟
“……!”
“الحاكم يُشفق ويعتني حتى بالمؤمنين الضالين من صغاره بهذه الطريقة.”
انكمش وجه أسلان.
37. المفترس (1)
هل هذا معقول أصلًا؟ تبدأ فجأة بالتبشير بالهرطقة، يا عابد الشياطين.
أدرك أسلان أنه لا يعرف شيئًا عن كايين.
“فقط للتأكد… أنت لست جاسوسًا متنكرًا في هيئة سجين، أليس كذلك؟”
يبدو أن بارت لم يفكر في هذا، فقد اتسعت عيناه لوهلة، ثم أومأ برأسه.
“…لست جاسوسًا، لكن….”
وفي تلك اللحظة، فُتح باب الكوخ فجأة بعنف.
“لكن؟”
ومع ازدياد تأييد أتباعه لذلك الرجل، تغيّرت نظرة جيروم.
“….”
نظر إلى وجه بارت، ثم إلى معصمه، ثم قال مرة أخرى:
أدرك أسلان أنه لا يعرف شيئًا عن كايين.
“آه، بحق الجحيم! في أي ورطة أوقعتني يا جيروم!”
“ماذا؟”
“هكذا إذًا. ربما علي الذهاب وإزعاج جيروم بخصوص كل هذا.”
لو رأى أحدهم كدمة تختفي بهذه السرعة، فسيشتبه به فورًا كجاسوس.
“من الأفضل أن تلتئم الجروح بسرعة دون أن تترك ندوبًا. لكن هذا لن يبدو جيدًا للآخرين أيضًا.”
للحظة، رمق أسلان بارت بنظرة غاضبة، ثم تنهد سريعًا، وبدأ يلف قطعة القماش التي جلبها حول معصم بارت.
بدا عليه الإرهاق قليلًا.
راقب بارت بصمت وتركه يقوم بما يريد، بينما لفّ أسلان القماش طبقة فوق طبقة بسماكة.
وأخيرًا، بعدما ربط العقدة بعناية، أعاد ترتيب زجاجة الدواء وهو يتمتم:
لم تستطع مارثا نسيان المرة الأولى التي التقت فيها عينيها بعيني ذلك الطفل .
“من الأفضل أن تلتئم الجروح بسرعة دون أن تترك ندوبًا. لكن هذا لن يبدو جيدًا للآخرين أيضًا.”
“لكن؟”
لو رأى أحدهم كدمة تختفي بهذه السرعة، فسيشتبه به فورًا كجاسوس.
“من المؤكد أنه هو الذي قتل كونراد! لو تخلصنا من هذا عابد الشياطين، كل شيء سيصبح بخير!”
يبدو أن بارت لم يفكر في هذا، فقد اتسعت عيناه لوهلة، ثم أومأ برأسه.
“هل سألت كايين بالأمس إن كان يُكنّ أي ضغينة؟”
“صحيح، شكرًا لك.”
بكلماته تلك، استعاد جيروم هدوءه وبدأ يُفكر.
“السيدة مارثا… سقطت من أعلى الجرف، وحالتها حرجة…”
شعر أسلان فجأة بشيء غريب. لقد سمع تعبيرًا مماثلًا للشكر بالأمس، لكن دفء الشكر اليوم كان مختلفًا قليلًا.
“…أتُراه ذاك الوغد أسلان هو الفاعل؟”
“إذًا… أنت حقًا لست جاسوسًا؟”
“الزعيم! الزعيم! الأمر طارئ!”
“…لا.”
“الوحيد اللي ممكن يكون جاسوس هو ذاك الوغد، القائد. ما في شك.” زمجر أحد قطاع الطرق ذوي المظهر الخشن وهو يرفع كميه.
بدا عليه الإرهاق قليلًا.
“من المؤكد أنه هو الذي قتل كونراد! لو تخلصنا من هذا عابد الشياطين، كل شيء سيصبح بخير!”
وهو يحدق إلى بارت بذهول، بدأ هو يشرح بصوت هادئ:
محسوبة؟
“لقد وصل أمساً . وإحدى الجثث التي وجدوها ميتة من قبل ثلاثة أيام على الأقل.” لوّح جيروم بيده بلا مبالاة، وقد بدا عليه الانزعاج.
عند كلمات أسلان، بصق أحد قطاع الطرق بلعاب كثيف وأقفل الباب من الخارج. كانت تلك علامة واضحة على الحبس. على الأقل، من حسن الحظ أنهم لم يُحبسوا في السجن المؤقت الذي يُستخدم كحظيرة للقرية.
“تبًا، لماذا تعقدون الأمور بهذا الشكل!”
إنها علامة تشير إلى أن صاحبها قد جُرّد من جميع بركات الحاكم، وفقد حتى حق الخلاص لروحه. عقوبة أبدية لا مهرب منها، حتى بعد الموت. لم تُسمَّ العقوبة القصوى والأشدّ فظاعة عبثًا.
“صحيح، يا زعيم. إن قتلنا شخص مشبوه من البداية هو قرار صحيح ؟”
“من الغريب أن يظهر فجأة في الجبال، ومن الغريب أيضًا أنه اختار القدوم عبر طريق القوافل الذي نادرًا ما يسلكه التجار، أليس كذلك؟”
ترك جيروم أتباعه يتداولون هذه الشكوك، وانغمس هو في التفكير.
ومع ازدياد تأييد أتباعه لذلك الرجل، تغيّرت نظرة جيروم.
قال بصوت منخفض: “أو ربما هناك من يرغب في إلصاق التهمة به والتخلّص منه؟ أو لعلّ هناك خائن بيننا يسعى لإسكاته؟”
“……”
هل هذا معقول أصلًا؟ تبدأ فجأة بالتبشير بالهرطقة، يا عابد الشياطين.
تجمّد الجو داخل الكوخ في لحظة.
“…لست جاسوسًا، لكن….”
شعر أسلان فجأة بشيء غريب. لقد سمع تعبيرًا مماثلًا للشكر بالأمس، لكن دفء الشكر اليوم كان مختلفًا قليلًا.
كان جيروم قائدًا مهيبًا. وقد أثبت كفاءته حين سبق الحملة العقابية التي أرسلتها قوات روهان، فبادر بجمع رجاله وأظهر قوته الهائلة من خلال الهجرة جنوبًا. ونتيجة لذلك، تبعه رجاله دون أدنى تردد.
ماذا؟
غير أنه كان، بكفاءته تلك، شديد الشك والريبة. ومن أُثيرت حوله الشبهات، حتى ولو قليلة، لم يكن ليبقى طويلًا في جماعة قطاع الطرق.
“أقنع… تقول؟”
ما كان رد فعل أسلان حينها؟ بفضل تحذير بارت، كان لديه إحساس بأن شيئًا ما على وشك الحدوث، ولذلك ردّ على تلميح كايين بصدق.
“…أتُراه ذاك الوغد أسلان هو الفاعل؟”
كانت قد اكتُشفت جثتان قرب قرية الزهور في الليلة السابقة.
قال أحد قطاع الطرق، وقد بدا عليه الحذر، وهو يفتح فمه بتردّد.
كانت قد اكتُشفت جثتان قرب قرية الزهور في الليلة السابقة.
للحظة، رمق أسلان بارت بنظرة غاضبة، ثم تنهد سريعًا، وبدأ يلف قطعة القماش التي جلبها حول معصم بارت.
“آه، إن كان الأمر بشأن ذلك….”
فبعد منتصف الليل، عثرت مجموعة البحث العائدة إلى القرية على الجثتين المعذبتين بوحشية في الجهة الشرقية من القرية، فأبلغوا جيروم بالأمر.
“…لست جاسوسًا، لكن….”
وفي تلك اللحظة، فُتح باب الكوخ فجأة بعنف.
كان أولئك الرجال قد اختبأوا في بيت الدعارة لأيام، يتعاطون الخمر بعد أن سرقوا أحد كبار القوم قبل عدة أيام، ولم يلاحظ أحد غيابهم عن القرية.
رغم كونه كاهنًا من الرتبة الدنيا، كان غوستاف يملك قوى قوية. ومع ذلك، لم يكن ليستطيع التعافي بهذه السرعة دون صلوات حارة واستخدام لقوته . لا، حتى في تلك الحالة، لم تكن لتشفى جراحه بهذه النظافة في لحظة.
جيروم وقطاع الطرق فكّروا في أسلان أولًا عندما رأوا الجثث.
الآن، لا بد أن كايين متأكد من أن أسلان يعرف شيئًا عن الأمر.
فهو الوحيد الذي كان يتجول عادةً في الجبل الشرقي، متذرّعًا بجمع الأعشاب الطبية والصيد.
وإن قُتل الآن بدافع الغضب، ألا يعني ذلك أنهم سيفقدون أي دليل محتمل؟
وقد سرت في الآونة الأخيرة شائعات مقلقة عن نيّة آسين في إرسال حملة عقابية، أو أنها قد أرسلت جواسيس بالفعل قبل بدء تلك العملية.
كان جيروم على وشك أن يُلقي القبض على أسلان ويقتله فورًا، غير أنه تردّد بعد تعليق ساخر من كايين، الذي كان يتهكم من الخلف:
أدرك أسلان أنه لا يعرف شيئًا عن كايين.
لذلك أمر جيروم رجاله بمراقبة تحركات أسلان.
– “ولِمَ قد يفعل ذلك؟ وهل يملك حتى القدرة على ذلك؟”
بكلماته تلك، استعاد جيروم هدوءه وبدأ يُفكر.
لم تستطع مارثا نسيان المرة الأولى التي التقت فيها عينيها بعيني ذلك الطفل .
تسللت إليه شكوكه المعتادة.
“لا بد أنه الفاعل، أليس كذلك؟”
إن فكّر بالأمر مليًّا، فلماذا قد يقدم أسلان على ارتكاب تلك الجريمة؟ وهل فعَلها بمفرده؟
وإن قُتل الآن بدافع الغضب، ألا يعني ذلك أنهم سيفقدون أي دليل محتمل؟
“من الأفضل أن تلتئم الجروح بسرعة دون أن تترك ندوبًا. لكن هذا لن يبدو جيدًا للآخرين أيضًا.”
رغم محاولته التخفيف من الأمر بضحكة جوفاء، إلا أن صوته لم يكن مقنعًا حتى لنفسه. إن كانت كلمات بارت صحيحة، فما غاية كايين من هذا السلوك؟ لا، هل يمكنه أن يجني شيئًا من هذا السلوك؟
لذلك أمر جيروم رجاله بمراقبة تحركات أسلان.
انكمش وجه أسلان.
فإذا ظهرت أي أدلة قاطعة أو أشخاص مشبوهون، سيتصرّفون حينها ويقبضون عليه لاستخراج كل الحقائق المخفية منه بالقوة.
غير أن جثة جديدة وُجدت اليوم.
“إذًا… أنت حقًا لست جاسوسًا؟”
“لا تدع كلمات ذلك الطفل تزعزعك. كلها استفزازات محسوبة.”
فقد عُثر على أحد التابعين ميتًا وهو يتدحرج قرب الشلال الذي اعتاد أسلان التردد عليه، وكان خنجر مغروزًا في جسده.
كانت بقع الدم على ظهره لا تزال رطبة ولم تجف بعد.
لكن في تلك اللحظة تحديدًا، شوهد أسلان يتجوّل في مكان مختلف تمامًا.
ابن جيروم ومارثا. الفتى الذي أصبح مُقعدًا بسبب إساءة جيروم، وراح يفرغ غضبه على العالم. فتى أراد قتل الجميع وكان ينفث الكراهية عند كل فرصة. فتى لم تكن لوجوده أية قيمة سوى الإزعاج للجميع.
وهكذا، وصلت القضية إلى طريق مسدود.
ترك جيروم أتباعه يتداولون هذه الشكوك، وانغمس هو في التفكير.
ثم، ألم تكن قد فقدت كل قواك حين تمت محاكمتك بتهمة الهرطقة؟
“لا بد أنه الفاعل، أليس كذلك؟”
“ألم ينجُ بمفرده من جماعة قطاع الطرق السابقة؟ أليس ذلك مريبًا أيضًا؟ ربّما هو متعاون مع قوات روهان العقابية…”
…هل كان الأمر كذلك؟
ترك جيروم أتباعه يتداولون هذه الشكوك، وانغمس هو في التفكير.
“…لست جاسوسًا، لكن….”
رغم كونه كاهنًا من الرتبة الدنيا، كان غوستاف يملك قوى قوية. ومع ذلك، لم يكن ليستطيع التعافي بهذه السرعة دون صلوات حارة واستخدام لقوته . لا، حتى في تلك الحالة، لم تكن لتشفى جراحه بهذه النظافة في لحظة.
فعلى الرغم من أنه كان غاضبًا جدًا بالأمس ليُفكّر بعقلانية، إلا أنه لم يعُد قادرًا الآن على استبعاد احتمال أن يكون أحدهم، ممّن يعرف أماكن أسلان المعتادة، هو من حاول توريطه.
“سواء كنتَ أنت أو أنا، إن اشتُبه بأحدنا كجاسوس، فذلك سيكون مناسبًا له.”
فمن يكون؟
خطر في باله أولًا كايين، ابنه الذي لا يُضمر لأسلان ودًا.
هل من الممكن أن تكون كلماته صحيحة؟ وإن كانت كذلك، فكيف ولماذا؟
ولكن، أليس هو من منعه من قتل أسلان بالأمس…؟
غير أنه كان، بكفاءته تلك، شديد الشك والريبة. ومن أُثيرت حوله الشبهات، حتى ولو قليلة، لم يكن ليبقى طويلًا في جماعة قطاع الطرق.
تحوّلت نظرات جيروم نحو كايين، الجالس في الخلف بوجهه الممتلئ.
ابن جيروم ومارثا. الفتى الذي أصبح مُقعدًا بسبب إساءة جيروم، وراح يفرغ غضبه على العالم. فتى أراد قتل الجميع وكان ينفث الكراهية عند كل فرصة. فتى لم تكن لوجوده أية قيمة سوى الإزعاج للجميع.
وفي تلك اللحظة، فُتح باب الكوخ فجأة بعنف.
“…لا.”
“ألم ينجُ بمفرده من جماعة قطاع الطرق السابقة؟ أليس ذلك مريبًا أيضًا؟ ربّما هو متعاون مع قوات روهان العقابية…”
“الزعيم! الزعيم! الأمر طارئ!”
هل من الممكن أن تكون كلماته صحيحة؟ وإن كانت كذلك، فكيف ولماذا؟
“لكن؟”
اندفع أحد التابعين، وقد بدا عليه الإرهاق الشديد، نحو جيروم وهو يلهث، ثم بدأ يتحدث بعجلة:
كانت بقع الدم على ظهره لا تزال رطبة ولم تجف بعد.
“السيدة مارثا… سقطت من أعلى الجرف، وحالتها حرجة…”
“……!”
نهض جيروم من مقعده بوجه صارم.
جيروم وقطاع الطرق فكّروا في أسلان أولًا عندما رأوا الجثث.
“….”
