▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
ترجمة: Arisu san
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
“أبي، انظر!”
كانت “سو-يون” تدور في فستان نظيف وجميل، وأنا جالس على الأريكة في غرفة المعيشة أصفق لحركاتها بابتسامة حمقاء تعلو وجهي. بدا أنها تحب هذا الفستان الذي اشتريته لها، فستان يُشبه ذاك الذي ترتديه شخصية في أحد أفلام الرسوم المتحركة.
“دعها تمضي! دعها تمضي!”
غنت “سو-يون” الأغنية، متقمّصة دور الشخصية بكل دلع. لم أستطع التوقف عن الابتسام لها.
وحين انتهت من الغناء، جلست على حجري. وبينما كنت أمشّط شعرها بيدي، ناديتُها أميرتي، وأخبرتها كم هي جميلة. لم أنسَ أن أسألها: من اين أخذت كل هذا اللطف؟ ومن علّمها أن تكون بهذه الرقة؟ “سو-يون” حرّكت ساقيها للأمام والخلف وهي تضحك ضحكة مرحة.
وأنا أحدّق فيها، دعوت أن يدوم هذا الشعور بالسعادة إلى الأبد. دعوت أن تبقى عائلتي بخير، وأن نعيش جميعًا بسعادة لسنوات طويلة قادمة.
“عائلة؟!”
وجوه الأشخاص الذين نسيتهم مرت بخاطري. كانت ضبابية، كقطع أحجية مبعثرة. حدّقت في الفراغ، أحاول تجميع ملامحهم.
رأيت شاشة تلفاز مطفأة أمامي. وفي تلك الشاشة، انعكست صورتي أنا و”سو-يون”.
وبينما كنت أنظر إلى انعكاسنا، بدأ العرق البارد يتصبب من جبيني.
غرفة المعيشة النظيفة هذه، الطقس الدافئ، والبيت المليء بالدفء والضحكات…
أنا… كنت أحلم.
لم يعد لهذا العالم وجود.
وعندما مررت أصابعي في شعر “سو-يون”، رأيت خصلة من شعرها الطويل عالقة بين أصابع يدي اليمنى.
حفنة كاملة من شعرها قد اقتُلعت.
اتسعت عيناي دهشة، ونادتني “سو-يون” بصوت خافت، بالكاد يُسمع.
“أبي…”
“سو… سو-يون…”
“أ. بي…”
“سو-يون!!”
استدارت برأسها ببطء نحوي.
وجهها استدار بالكامل ليُقابل وجهي، ولم يَعُد يُشبه وجه كائن حيّ.
عينان فارغتان تمامًا، مغروستان في وجه شاحب ذابل، والدموع والدماء ترسم خطوطًا عبر جلدها المنكمش.
احمرّ وجهي وأنا أراها على هذه الحال.
اغرورقت عيناي بالدموع، وانفجرت مشاعري.
“لا، لا. لا، سو-يون. لاااا!”
ليست ابنتي.
لا يمكنني السماح بحدوث أي شيء لابنتي.
نهضتُ وأنا أحتضنها بين ذراعيّ.
بدأ ورق الجدران النظيف يذوب، وظهرت العفن الرطب في كل زاوية. المفصلات المعدنية لباب المنزل سقطت أرضًا، واختفى الباب المغلق كما لو كان سرابًا.
لم أعُد أعلم ما الذي يحدث.
ولا أعلم إلى أين يجب أن أذهب.
ضممت “سو-يون” بقوة أكبر وهي تتابع بكاءها.
“أ. بي…”
“سو-يون، سو-يون!”
“إنه… مؤلم…”
“استيقظي، سو-يون!”
صرخت وأنا أعاني من ألم لا يُحتمل، ومعه بدأت “سو-يون” تتلاشى، كما لو أنها سراب. ومع شعوري بوزنها يتلاشى من بين أصابعي، سقط عقلي في هاوية سحيقة لا يعرف أحد قرارها.
“حلم… هذا حلم!”
عليّ أن أستعيد وعيي.
عليّ أن أتماسك من أجل “سو-يون”، ومن أجل عائلتي إذا ما واجهوا الخطر.
بشق الأنفس، حاولت تهدئة نفسي، وأغمضت عينيّ بهدوء، مكرّرًا فكرة واحدة في ذهني، دون توقف:
“يجب أن أستيقظ. يجب أن أستيقظ! يجب أن أستيقظ!!!”
هيّأتُ نفسي ذهنيًا مرارًا وتكرارًا.
تفتّحت جفوني الثقيلة أخيرًا.
عادت رؤيتي إلى التركيز. كنت أحدّق في سقف غريب.
غررر… غررر…
كان بإمكاني سماع أنين الزومبي من مكان بعيد.
بانغ… بانغ… بانغ…
طلقات نارية بعيدة، تتخللها انفجارات متقطعة.
نهضت من أرضية الغرفة الضيقة فوق السطح، وتوجهت إلى الشرفة. لم أَرَ أمامي سوى أتباعي في “شارع آتشاسان” — “هوانغ جي-هي”، “كيم هيونغ-جون”، الحراس، و”دو هان-سول”… لا أحد سواهم.
**- عدوّ مكتشف.
• عدوّ مكتشف.
• عدوّ مكتشف. **
بعد لحظة، بدأت إشارات أتباعي تتدفق باستمرار.
فتحت عينيّ أكثر، محاولًا تحديد مصدر تلك الإشارات.
كانت تأتي من مكانين في آن واحد—ملجأ سايلنس في غابة سيول، وملجأ هاي-يونغ في حي هيانغدانغ. كلاهما يطلب تعزيزات في الوقت نفسه.
ارتجف جسدي، وكأنّ شبحًا قد لامسني. قشعريرة تسللت في ظهري.
استعدتُ وعيي أخيرًا، وأحسست بنشاط لم أشعر به منذ فترة.
وبينما كنت نائمًا… هوجم ملجأ هاي-يونغ.
لم أعرف بالضبط ما الذي يجري، لكن جسدي تصرّف من تلقاء نفسه. قفزتُ عبر الطريق الرئيسي العريض متوجهًا نحو ملجأ سايلنس.
“هاه؟”
شعرت بخفة لم أعهدها من قبل.
بل بدا لي وكأنني أطير. كأنّ العالم هو من يتحرك من حولي، لا أنا.
كأنني أتنقّل عبر الزمان والمكان، أطوي المسافات بلمح البصر. قدراتي الجسدية قد تطوّرت، دون أن أحتاج حتى إلى تسريع دوران الدم في عروقي.
وصلت إلى ملجأ سايلنس في غمضة عين.
كان الحراس مصطفين في خط الدفاع الأول، وأتباع “دو هان-سول” يطوّقون الجدار الخارجي.
قفزت فوق خط الدفاع الأول في وثبة واحدة. كانت “هوانغ جي-هي” تطلق النار على الزومبيّ حين لمحتني، واتسعت عيناها بدهشة.
“السيد لي هيون-دوك!”
“ما الذي حدث؟”
“أوه، هُمم… هل أنت بخير، سيد لي هيون-دوك؟”
نظرت إليّ “هوانغ جي-هي” بعينين حائرتين.
لماذا تسألني إن كنت بخير؟! طبعًا أنا بخير. ما هذا السؤال الغريب؟
أملت رأسي باستغراب، لكنها هزّت رأسها بسرعة وقالت:
“لا، لا، لا وقت للشرح. اذهب إلى حي هاينغدانغ حالًا!”
“تلقيت إشارات من كِلَا المكانين، من غابة سيول وحي هاينغدانغ. ماذا يحدث؟”
“كلاهما تحت الهجوم، من الواضح!”
حين سمعتُ ردّها، ومضة اشتعلت في عقلي.
“سو-يون.”
وجه “سو-يون” الذي رأيته في الحلم، عاد ليرتسم في ذهني.
غشّت الظلال ملامحي، لكن “هوانغ جي-هي” أسرعت بالقول:
“لا تقلق بشأننا. اذهب فورًا. بما أن “دو هان-سول” قد استيقظ، فإن المعركة بدأت تميل لصالحنا. أسرع وساعد “كيم هيونغ-جون”.”
عيناي اشتعلتا.
“هيونغ-جون” كان في “حي هاينغدانغ”. كان يحمي عائلتي نيابةً عني. رغم أن عائلته موجودة هنا، فقد ذهب إلى هناك لحماية عائلتي.
زمجرت الدماء في عروقي، وزدت من دورانها.
“غررر…”
جسدي كله بدأ يسخن، كأني داخل فوهة بركان.
عضلاتي انكمشت وتضخّمت، وفخذاي ازدادا سُمكًا، وأوردتي وأوتاري شعرت وكأنها ستنفجر.
لم أشعر بهذا الإحساس من قبل.
جسدي… كان يتغير.
قفزت في الهواء.
كراك!
خلفتُ فجوة عميقة في الأرض، وتناثر الغبار في كل اتجاه.
“هوانغ جي-هي” رفعت ذراعها لتغطي وجهها، وقد عبست دون وعي. وبينما تسعل، فتحت عينيها. “لي هيون-دوك”، الذي كان أمامها قبل لحظة، قد اختفى.
نطق الحارس بجوارها، صوته مرتجف قليلًا:
“قائدة الفريق؟”
“ما الأمر؟”
“ذلك الشخص قبل قليل… هل كان فعلًا “لي هيون-دوك”؟”
“أعتقد ذلك…” ردّت “هوانغ جي-هي” بصوت ينطوي على بعض الشك.
ابتلع الحارس ريقه.
“لكن لماذا كانت عيناه…”
“هذا… لا أعلمه أنا أيضًا.”
نقرت “هوانغ جي-هي” لسانها بضيق.
“لنُنهِ قوات العائلة أولًا. وسنتساءل عن الباقي لاحقًا.”
“حسنًا!”
وعاد الاثنان مسرعين إلى خط الدفاع الأول.
***
“ألا يجدر بنا أن نساعد؟”
“وكيف بالضبط من المفترض أن نساعد؟”
كان الأخوان لي يختبئان داخل غرفة الأمن في الشقة 104، يراقبان كيم هيونغ-جون وهو يقاتل الضابط السادس. بالكاد تمكّنا من متابعة تحركاتهما. كانت تلك إحدى تلك اللحظات النادرة التي يكون فيها عدم التدخل هو أفضل مساعدة ممكنة. اقترب المدير من الاثنين وقال:
“لنلتزم أماكننا الآن. سنتدخل لمساعدة السيد كيم هيونغ-جون إن بدا أن الوضع يسوء.”
“الوضع سيء بالفعل بالنسبة له.” أجاب لي جونغ-أوك وهو يحدّق بعينيه الضيقتين.
لم يكن واثقًا تمامًا، لكن بدا أن الكفة تميل لصالح الضابط السادس. كان كيم هيونغ-جون يتلقى المزيد من الضربات شيئًا فشيئًا.
بللت تشوي دا-هي شفتيها وتحدثت بنبرة خافتة:
“لو لم يكن كيم هيونغ-جون هنا… لكنا جميعًا أمواتًا الآن.”
ولم يعارضها أحد.
في مواجهة رجل يمتلك قدرات جسدية كتلك… لم يكن هناك جدوى من توجيه مسدس أو سكين نحوه. إطلاق النار عليه كان شبه مستحيل، ناهيك عن تتبع تحركاته بالعين المجردة.
بوووم!
طار جسد كيم هيونغ-جون وارتطم بالحائط بقوة جعلت الجدار يتشقق.
وفي غمضة عين، كان الضابط السادس أمامه، يسحق صدره بركبته.
طَقّ!
تقيأ كيم هيونغ-جون دمًا وسقط أرضًا.
أمسكه الضابط السادس من ياقة قميصه ورفعه عن الأرض.
“لست سيئًا… لقد صمدت لفترة طويلة.”
ارتعش كيم هيونغ-جون وهو يتمتم: “اللعنة… أيها الوغد…”
ابتسم الضابط السادس بازدراء، مستمتعًا بعذابه، وقال:
“والآن… كيف أنهيك؟ هل أقتلع عنقك؟ أم ألتهم دماغك فورًا؟”
كان كيم هيونغ-جون يئن، وعيناه تتدحرجان إلى الخلف كأن الهواء بدأ يخذله.
بوووم!
دوى صوت مروّع في المجمع السكني.
اخترقت الرصاصة وجنة الضابط السادس مباشرة. لم يكن يتوقع الهجوم، فترنح إلى الخلف وهو يمسك بخديه بكلتا يديه.
انهار كيم هيونغ-جون على الأرض ونظر إلى مصدر الصوت. وقعت عيناه على لي جونغ-أوك، لي جونغ-هيوك، وتشوي دا-هي، الواقفين عند مدخل الشقة 104.
بدأ الثلاثة بإطلاق النار على الضابط دون تردد.
بانغ! بانغ! بانغ! بانغ!
رفع الضابط ذراعيه ليحمي وجهه محاولًا صد الرصاص.
كان هدفهم الوحيد واضحًا: إنقاذ كيم هيونغ-جون.
تك تك تك.
لكن الرصاص نفد قبل أن ينتبهوا.
مدّ لي جونغ-أوك يده إلى حزامه محاولًا استبدال المخزن، لكنه أدرك أنه لا يملك المزيد. وكذلك الآخران.
صرخ كيم هيونغ-جون بأعلى صوته:
“اختبئوا جميعًا!!!”
شششش–
بدأ البخار يتصاعد من جسد الضابط السادس.
قادة الأحياء يمكنهم تحطيم الجدران بقبضاتهم دون أن تنكسر عظامهم.
أما الضباط… فعظامهم صلبة لدرجة أن الرصاص لا يخترقها.
ربما تمزق الرصاصة لحمهم، لكنها لا تملك القوة الكافية لتهشيم جماجمهم أو إصابة أدمغتهم.
بدأ الذعر يتسلل إلى قلوب الثلاثة عندما دوّى صوت الضابط من بين السحب الكثيفة من البخار:
“أيها الحثالة… كيف تجرؤون…”
توهّجت عيناه الحمراوان وسط الضباب الكثيف.
نهض كيم هيونغ-جون على الفور قبل أن يتمكن الضابط من تجديد نفسه، وانطلق نحوه بكل ما تبقى من عزيمته.
استشعر الضابط نية القتل في خطواته، فالتفت بسرعة نحو اليسار.
فتح كيم هيونغ-جون فمه، قاصدًا جانب الضابط، لكن الأخير تراجع سريعًا وصفعه بمرفقه على قمة رأسه.
طَقّ!
“أوغ!”
سقط كيم هيونغ-جون. لم تعد عيناه قادرتين على التركيز. أغشي عليه، وشعور بالخدر يزحف في جسده كله.
قبض الضابط السادس على أسنانه وهو ينظر إليه ساقطًا أمامه.
“سأنهيك أولاً.”
رفع قدمه اليمنى عاليًا ووجّهها نحو رأس كيم هيونغ-جون.
شووش، شووش!
صفّرت سهام الأقواس في الهواء قادمة من الطابق الرابع، متجهة نحو بطنه.
كان طلاب الجامعة قد أطلقوا سهامهم عليه.
لكن الضابط لم يُظهر أي تأثر. ركل رأس كيم هيونغ-جون دون تردد.
ثبت لي جونغ-أوك الحربة في بندقيته وركض نحو الضابط السادس. لكن مع فارق السرعة… لم يكن هناك أدنى فرصة ليقترب.
“لاااا!!!” تعالى صراخه في أنحاء المجمع.
بوووم!!!
اهتزت الأرض تحتهم، وانبعث الغبار الكثيف ليملأ الأجواء.
سعل لي جونغ-أوك وهو يغمض عينيه ويكشر من الألم.
وقبل أن يستوعب ما يحدث، لفّ ذراع سميك خصره ورفعه عن الأرض.
وجد نفسه يطير في الهواء، متحديًا الجاذبية.
اتسعت عيناه، لكنه لم يقاوم، وترك جسده يسير مع التيار.
وفي لحظات، أصبح واقفًا على شرفة في الطابق الخامس. راح يتلفت مذهولًا.
ثم، فجأة، وقف كيم هيونغ-جون بجواره.
فتح فمه وأغلقه كسمكة ذهبية، مذهولًا مما يراه أمامه.
كان يقف أمامه رجل واسع الظهر، بعضلات متفجرة.
لم يصدق عينيه.
“سـ… سو-يون؟ والد سو-يون…؟”
استدار الرجل الواقف عند الدرابزين.
وكان ضوء أزرق صافٍ يتلألأ في عينيه.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
اترك تعليقاً لدعمي🔪
