ما الذي يجعل من المرء ملكًا؟
أمسكَ بيدي المهاجمة بيد واحدة، وبالأخرى لكمني في وجهي قبل أن تُرفَع يدي للصد، طعم الدماء ملأ فمي.
في يومٍ عاصف، مرة وراء أخرى، لوح الملك بسيفه تحت المطر الغزير. ابتل جسده بالماء بشدة، فاختلط عرقه بماء المطر.. ومن بعيد، وقف أخيه، يفكر في الأوقات التي كان فيها بجانبه في نفس الساحة، يتدربان معا…
لم اهتم بتحديد سبب تحركي، كنت قد تحركت بالفعل، قفزت فوق سياج الساحة، التقطت السيف الذي رماه منذ قليل، وقابلت أخي في صدام قوي للحديد مع الحديد، فلم نستعمل قط السيوف الخشبية في مبارزتنا.
لكن هذا كان من الماضي، فلم يستهويه التدريب بالسيف قط، وما كان تدريبه معه ذاك إلا تألقمًا لمهارة أخيه الصاعد بالسيف؛ ليسد الفجوة بينهم ويواكبه في صراع الخلافة.
“اذا لم يكن مقصد الملك السابق هو القوة الجسدية البحتة، فمن حيث القوة الاستراتيجية والسياسة، أنا متفوق عليه حتى…”
‘كيف للملك التالي ألا يكون سيد سيف؟’
كانت تلك من كلمات والدهم الراحل، التي لم يتفق معه فيها تمامًا، فقد رأى أن استثمار وقت الوصول لأعلى مستويات إتقان السيف ليس أفضل استثمار بالنسبة للملوك، فللملك مسؤوليات أخرى غير الحرب والقتال، ولن يقاتل في الصفوف الأولى لكل معركة تخوضها جيوش المملكة، فهذا واجب الجنود، أما واجبات الملوك فهي التخطيط ومعرفة الاستراتيجيات العسكرية.
غزارة المطر تقل، إعلان خفي بأن العاصفة ستهدأ قريبا، لكن لم يهدأ ذهني أبدًا،وبغياب الضوضاء تدريجيًا، أستطيع ملاحظة انفاسنا اللاهثة، وأسمع ضربات قلبي مثل قرع الطبول
“أخي”
“الآن… بعدما تقرر الأمر بالفعل وأصبح أخي الملك، لا داعي لمزيد من هذا التكلف…”
“أتعرف لما أحب أبي السيف؟”
أسند ذراعيه على سياج الساحة، عيناه الهادئة ظاهرًا لم تفارقا حركات أخيه الملك الأنيقة ولو للحظة.
لم تكن هذه هي المرة الأولى لرؤيتها، فقد ذاق تلك الحركات شخصيًا في كثير من النزالات ومن المسافة صفر، ولكن الجديد هو المسافة التي أبقاها بينه وبين أخيه في هذا اليوم، بدلا أن ينضم إليه تحت المطر كعادتهما.
“قد ظننت أن الالتصاق به كالظل سيجعلني أفهم ما يخفيه… لكني الآن أفهم…”
“لم يكن ما بالمملكة يوما مجرد ‘موارد’، بل أناس مثلنا، وأساس الملكية هو العلاقة بين الراعي والرعية.”
أمسكت يداه بالسياج بقوة أكبر، مرتعشةً، أهذا من الندم على ما ضيعه من وقت؟ أم لنوعٍ آخر من المشاعر التي لم يفهم ماهيتها؟
“لا يمكنك أن تقرأ الكلمات وصفحات الكتاب ملتصقة بوجهك… أبعِد الكتاب لمسافةٍ، وحينها فقط ستستطيع القراءة…”
“لا يمكنك أن تقرأ الكلمات وصفحات الكتاب ملتصقة بوجهك… أبعِد الكتاب لمسافةٍ، وحينها فقط ستستطيع القراءة…”
بدلا من أن يرد المزاح لي ويناديني بالوزير أو المستشار كالعادة، يخاطبني بنبرة قوية حادة، صوت مسموع بوضوح في وسط أي عاصفة.
والآن، وقد انزاح ثقل صراع الخلافة عن عاتقيه، يشعر أخيرًا ببعض وضوح البال، ولا يعني هذا راحة باله، بل بهذا الوضوح المكتسب حديثا يجد متسعًا من الوقت ليفكر بإجابة السؤال الذي طالما راوده منذ موت أبيه:
لم تكن هذه هي المرة الأولى لرؤيتها، فقد ذاق تلك الحركات شخصيًا في كثير من النزالات ومن المسافة صفر، ولكن الجديد هو المسافة التي أبقاها بينه وبين أخيه في هذا اليوم، بدلا أن ينضم إليه تحت المطر كعادتهما.
“ما الذي يجعل المرء ملكًا؟، ولماذا اختاره أبي ولم يخترني أنا؟!؟”
“أجبني عما لم يجبه والدنا!!”
لم يتخيل يومًا أنه قد يكن مشاعرًا كالحسد والغيرة لأخيه، فقد وثق في حكم أبيهما.
“ألم تفهم الامر بعد؟ أنت لم تعرف يوما صالح الشعب، أو من هم الشعب، وتركز أكثر على صالح المملكة، أي وكأن هناك مملكة بدون شعب…”
وقد جرى العرف باختيار الملك التالي بقواعد وأساسات واضحة وليس بالتفضيل الشخصي، وبظنه أن لا مجال للظلم في منافسة عادلة كهذه، فلم يمانع احتمالية أن يكون أخيه الملك التالي، بل كان ليكون سعيدًا لأجله… هذا فقط إذا انتهى ذلك الصراع بشكل مفهوم وواضح كما بدأ… لكن لم تكن هذه هي الحال.
“ألم تفهم الامر بعد؟ أنت لم تعرف يوما صالح الشعب، أو من هم الشعب، وتركز أكثر على صالح المملكة، أي وكأن هناك مملكة بدون شعب…”
“اشتد المرض فجأة على أبي، وفي لحظاته الأخيرة يعلن من أخي الأصغر ملكًا، مفارقًا الحياة قبل أن يتاح لي أن أسأله عن قراره ذاك، وما لي منه بدل الإجابة إلا ذكرياتٍ عن كلماته القليلة المقتضبة التي قالها على مدار حياته…”
“قشور؟…”
مازالت ذكريات الليالي التي سهرها في المكتبة الملكية تراوده، وجفاف العينين من كثرة القراءة لا ينسى، وثرثرة معلمي التاريخ والثقافة والاستراتيجيات العسكرية مازلت حية في أذنيه، ومن هذه الدراسة الدؤوبة اكتسب حصيلة من المعرفة فاقت ما لدى أخيه الأصغر الجاهل، فكيف له أن يعرف شيئا وكل وقت فراغه يقضيه متسكعًا في أنحاء وشوارع المملكة مع العوام.
‘المملكة القوية تتطلب ملكًا أقوى’
تلك كانت أولى كلمات الملك الراحل التي طرأت على ذهنه وهو يشاهد المشهد الأخاذ لرقصة سيف أخيه تحت المطر.
“ما هي المملكة بالنسبة لك يا أخي؟”
من حيث القوة الجسدية والمهارة القتالية البحتة، فمع أن هذا الأخ الأصغر كان دائما أكثر أناقة ودهاء، وقد أذاقني تراب الساحة تلك في العديد من النزالات… إلا أنني تعلمت وتأقلمت، مخترعًا فن سيفٍ خصيصًا لمواجهته، مما أهلني أن أقف بالتساوي معه أخيرًا، وصد أي ألاعيب براقة قد حاولها بدفاع متين ومحكم.
تركت التجهم وارتديت تعبيرًا طبيعيًا أكثر، ممازحًا إياه بمناداته بالملك، علمًا بأن الكلام الرسمي يضايقه، في محاولة لتلطيف الجو المتوتر، صوتي كان بالكاد مسموعًا له بعدما اشتدت العاصفة أكثر.
“اذا لم يكن مقصد الملك السابق هو القوة الجسدية البحتة، فمن حيث القوة الاستراتيجية والسياسة، أنا متفوق عليه حتى…”
“أنت مخطئ”
في عادتي كنت سأرفض هذا الاقتراح، خاصةً في ظل اشتداد العاصفة أكثر وأكثر كل لحظة.
وما غاب عنه ما كان يقول لما يمر عليهم في درس أو جلسة تعلم، مشجعًا لهم ومؤكدًا على أهمية دراستهم:
وقد جرى العرف باختيار الملك التالي بقواعد وأساسات واضحة وليس بالتفضيل الشخصي، وبظنه أن لا مجال للظلم في منافسة عادلة كهذه، فلم يمانع احتمالية أن يكون أخيه الملك التالي، بل كان ليكون سعيدًا لأجله… هذا فقط إذا انتهى ذلك الصراع بشكل مفهوم وواضح كما بدأ… لكن لم تكن هذه هي الحال.
‘المعرفة قوة، والمرء عدو ما يجهل’
مازالت ذكريات الليالي التي سهرها في المكتبة الملكية تراوده، وجفاف العينين من كثرة القراءة لا ينسى، وثرثرة معلمي التاريخ والثقافة والاستراتيجيات العسكرية مازلت حية في أذنيه، ومن هذه الدراسة الدؤوبة اكتسب حصيلة من المعرفة فاقت ما لدى أخيه الأصغر الجاهل، فكيف له أن يعرف شيئا وكل وقت فراغه يقضيه متسكعًا في أنحاء وشوارع المملكة مع العوام.
“معرفتي بالسياسة والإستراتيجية تخطت معرفتك بمراحل، ان كنت أنا أعرف القشور، فأنت لا تعرف شيئا أصلًا!”
تذكر أيضا كلمات كانت أطول قليلا على غير عادة والده بالكلام، وقد كانت أكثرها تأثيرًا فيه.
‘كيف للملك التالي ألا يكون سيد سيف؟’
‘ما الحياة الا الاتصالات التي تقيمها وتواصلك مع بيئتك والناس حولك… وتكمن قوة السياسة في حسن استعمال تلك الاتصالات’
لم يتخيل يومًا أنه قد يكن مشاعرًا كالحسد والغيرة لأخيه، فقد وثق في حكم أبيهما.
وقد ظهر تأثره هذا في حفلات النبلاء من مختلف الممالك التي كان يحضرها، والمناسبات السياسية العديدة التي أشرقت
يخطو تجاهي، وجهه ثابت مثل صخرة.
فيها مهارته، من اصغر الإيماءات الجسدية الى الخطابات المؤثرة، لقد كان ذلك ملعبه، وبسهولة خلق لنفسه صورة سياسة ذات صيت في جميع الممالك…
“قشور؟…”
“أما أخي الأصغر؟ فما رأيت منه في هذه المناسبات إلا كلامًا أقصر من كلام والدي قليل الكلام! ولا يبدي الاهتمام الكافي بالساحة السياسية…”
“أتعرف لما أحب أبي السيف؟”
أمسكت يداه بالسياج بقوة أكبر، مرتعشةً، أهذا من الندم على ما ضيعه من وقت؟ أم لنوعٍ آخر من المشاعر التي لم يفهم ماهيتها؟
“أهذا سبب اهمالك السياسة وتسكعك في الطرقات بدلا من ذلك؟”
لم الحظ تجهم وجهي إلا عندما توقفت حركات أخي تحت المطر، وقف ناظرًا لي بصمت لبرهة، لم استطع رؤية تعبيره بوضوح بسبب المسافة والمطر الغزير.
غزارة المطر تقل، إعلان خفي بأن العاصفة ستهدأ قريبا، لكن لم يهدأ ذهني أبدًا،وبغياب الضوضاء تدريجيًا، أستطيع ملاحظة انفاسنا اللاهثة، وأسمع ضربات قلبي مثل قرع الطبول
تذكر أيضا كلمات كانت أطول قليلا على غير عادة والده بالكلام، وقد كانت أكثرها تأثيرًا فيه.
“أراك تائهًا، تمتم لنفسك بذلك التعبير المرير على وجهك، أرى فيه الإحباط من ما قرره أبي، وأرى الشوق والحنين له…”
“أهناك خطب ما يا جلالة الملك؟”
لم اهتم بتحديد سبب تحركي، كنت قد تحركت بالفعل، قفزت فوق سياج الساحة، التقطت السيف الذي رماه منذ قليل، وقابلت أخي في صدام قوي للحديد مع الحديد، فلم نستعمل قط السيوف الخشبية في مبارزتنا.
تركت التجهم وارتديت تعبيرًا طبيعيًا أكثر، ممازحًا إياه بمناداته بالملك، علمًا بأن الكلام الرسمي يضايقه، في محاولة لتلطيف الجو المتوتر، صوتي كان بالكاد مسموعًا له بعدما اشتدت العاصفة أكثر.
مازالت ذكريات الليالي التي سهرها في المكتبة الملكية تراوده، وجفاف العينين من كثرة القراءة لا ينسى، وثرثرة معلمي التاريخ والثقافة والاستراتيجيات العسكرية مازلت حية في أذنيه، ومن هذه الدراسة الدؤوبة اكتسب حصيلة من المعرفة فاقت ما لدى أخيه الأصغر الجاهل، فكيف له أن يعرف شيئا وكل وقت فراغه يقضيه متسكعًا في أنحاء وشوارع المملكة مع العوام.
لم اهتم بتحديد سبب تحركي، كنت قد تحركت بالفعل، قفزت فوق سياج الساحة، التقطت السيف الذي رماه منذ قليل، وقابلت أخي في صدام قوي للحديد مع الحديد، فلم نستعمل قط السيوف الخشبية في مبارزتنا.
“أخي”
يطيح سيفه بسيفي من يدي للجانب، سقط سيفي على الأرض، وتبعه بعد قليل سقوط سيف أخي بعد ان رماه، وقبل ان استطع الرد، التقت كوع اخي بضلوعي بالفعل، مرسلًا أيا عدة خطوات للوراء، انحني بجسدي ناحية ضلوعي المتألمة.
اتسعت عيناي مظهرةً الاضطراب مرة أخرى، لكن قد أخفى المطر المشتد هذا، وفي وسط اضطرابي أتى بسيفي ورماه في وجهي بقوة.
بدلا من أن يرد المزاح لي ويناديني بالوزير أو المستشار كالعادة، يخاطبني بنبرة قوية حادة، صوت مسموع بوضوح في وسط أي عاصفة.
طعنت نحو صدره
“أما أخي الأصغر؟ فما رأيت منه في هذه المناسبات إلا كلامًا أقصر من كلام والدي قليل الكلام! ولا يبدي الاهتمام الكافي بالساحة السياسية…”
“أراك تائهًا، تمتم لنفسك بذلك التعبير المرير على وجهك، أرى فيه الإحباط من ما قرره أبي، وأرى الشوق والحنين له…”
‘كيف للملك التالي ألا يكون سيد سيف؟’
اتسعت عيناي مظهرةً الاضطراب مرة أخرى، لكن قد أخفى المطر المشتد هذا، وفي وسط اضطرابي أتى بسيفي ورماه في وجهي بقوة.
‘ما الحياة الا الاتصالات التي تقيمها وتواصلك مع بيئتك والناس حولك… وتكمن قوة السياسة في حسن استعمال تلك الاتصالات’
“منذ متى يدعي الأصغر المعرفة أمام كباره؟ الأطفال هذه الأيام…”
“أتعرف لما أحب أبي السيف؟”
يقترب باتجاهي بضع خطوات، ويتخذ وضعية هجومية، قبل أن يكمل كلامه:
“قشور؟…”
“قد ظننت أن الالتصاق به كالظل سيجعلني أفهم ما يخفيه… لكني الآن أفهم…”
“لأن المبارزة بالسيف هي أصدق لغة حوار”
في عادتي كنت سأرفض هذا الاقتراح، خاصةً في ظل اشتداد العاصفة أكثر وأكثر كل لحظة.
أكانت الأفكار والغضب المتراكم؟، أم المشهد المألوف لأخي وهو يركض إلي مهاجمًا؟…
لم اهتم بتحديد سبب تحركي، كنت قد تحركت بالفعل، قفزت فوق سياج الساحة، التقطت السيف الذي رماه منذ قليل، وقابلت أخي في صدام قوي للحديد مع الحديد، فلم نستعمل قط السيوف الخشبية في مبارزتنا.
“وماذا تعرف عنها أنت؟! أنت أجهل مني بالسياسة والاستراتيجيات الحربية، أنا أعلم بشؤون المملكة منك!”
لم أهدأ، بل اعطيته اجابتي وأنا انهال عليه بالضربات:
وبدأت المبارزة كالمعتاد، أنا في وضعية دفاعية محكمة وهو يهاجمني ويدور ويتحرك حولي بكل دهاء، باحثًا عن ثغرة في دفاعاتي.
وبدأت المبارزة كالمعتاد، أنا في وضعية دفاعية محكمة وهو يهاجمني ويدور ويتحرك حولي بكل دهاء، باحثًا عن ثغرة في دفاعاتي.
“لست محبطًا يا أخي، فلم أعرف عن أبي الظلم قط، فإن اختارك فلا بد أنه اختارك لحكمة…”
“أهناك خطب ما يا جلالة الملك؟”
أقول وأنا أرفع سيفي لصد سيفه الساقط علي، وبالقوة المعاد توجيهها من ضربته مع حركة خفيفة من معصمي، ارد بضربة اسرع نحو رقبته.
عجزت عن الرد عليه مباشرة، تبادلنا مزيدًا من الضربات بالأيدي بعدها، إلى أن اخيرا نطقت بصوت أكثر هدوءً من صراخي السابق:
“الأمر لا علاقة له بي يا أخي، فحتى ان لم أولد، لم يكن ليختارك أبي ملكًا وأنت لا تفقه عن الملكية الا القشور…”
“إذًا، هكذا هم الملوك.. ياله من عالمٍ ساحر.”
وقد جرى العرف باختيار الملك التالي بقواعد وأساسات واضحة وليس بالتفضيل الشخصي، وبظنه أن لا مجال للظلم في منافسة عادلة كهذه، فلم يمانع احتمالية أن يكون أخيه الملك التالي، بل كان ليكون سعيدًا لأجله… هذا فقط إذا انتهى ذلك الصراع بشكل مفهوم وواضح كما بدأ… لكن لم تكن هذه هي الحال.
لم أدري أأتعجب من كلمات اخي الاستفزازية التي قالها باكثر النبرات هدوءً وثباتً؟ أم من حقيقة أن أخي خطى للخلف وتفادى الضربة، بدلا من الانغماس في المبارزة والرتم السريع المعتاد منه؟
“قشور؟…”
شعرت بالإهانة، كيف لمتقاعس مثله لا يتقن إلا السيف أن يمتلك الوجه ليكلمني أنا عن الملكية؟!
“أما أخي الأصغر؟ فما رأيت منه في هذه المناسبات إلا كلامًا أقصر من كلام والدي قليل الكلام! ولا يبدي الاهتمام الكافي بالساحة السياسية…”
يداي اشتدت على السيف، قدماي داست في الأرض المبتلة دافعةً إياي نحوه.
-“المملكة كيان واحد، مهما عرفت عن حال جيرانك الممالك، فلن تغنيك تلك المعرفة ان لم تعرف كيانك أولا.”
“وماذا تعرف عنها أنت؟! أنت أجهل مني بالسياسة والاستراتيجيات الحربية، أنا أعلم بشؤون المملكة منك!”
‘المعرفة قوة، والمرء عدو ما يجهل’
واضافة لهذا الموقف الغريب وغير المعتاد، كنت انا من هاجمه ودفعه للوراء بسيف عنيف وهجومي، يتداخل صوت صراخي مع صوت الرعد.
مازالت ذكريات الليالي التي سهرها في المكتبة الملكية تراوده، وجفاف العينين من كثرة القراءة لا ينسى، وثرثرة معلمي التاريخ والثقافة والاستراتيجيات العسكرية مازلت حية في أذنيه، ومن هذه الدراسة الدؤوبة اكتسب حصيلة من المعرفة فاقت ما لدى أخيه الأصغر الجاهل، فكيف له أن يعرف شيئا وكل وقت فراغه يقضيه متسكعًا في أنحاء وشوارع المملكة مع العوام.
ضربات سيوفنا تقطع قطرات المطر وتخلق اضطرابًا في الهواء المضطرب أساسًا، كعاصفة صغيرة وسط عاصفة أكبر مشتدة.
في عادتي كنت سأرفض هذا الاقتراح، خاصةً في ظل اشتداد العاصفة أكثر وأكثر كل لحظة.
“كفى تظاهرًا بالموت، هيا قم… يا اخي الكبير”
“ما هي المملكة بالنسبة لك يا أخي؟”
لم الحظ تجهم وجهي إلا عندما توقفت حركات أخي تحت المطر، وقف ناظرًا لي بصمت لبرهة، لم استطع رؤية تعبيره بوضوح بسبب المسافة والمطر الغزير.
سؤاله كان هادئا وسط العاصفة، ولم استشعر منه اي انفعالات رغم هجماتي القاتلة
لم أهدأ، بل اعطيته اجابتي وأنا انهال عليه بالضربات:
“المملكة هي نظام شامخ ذو أراضٍ واسعة، ومسؤولية الحفاظ على ذلك النظام تقع على عاتقي الملك! الملك الحق هو من يعرف السياسة والحرب، ويستغل كل مورد متاح لصالح المملكة!”
ضربت نحو ساقه، كارهًا الطريقة التي يتهرب بها مني بدلًا من مواجهتي مباشرة كعادته.
لم اهتم بتحديد سبب تحركي، كنت قد تحركت بالفعل، قفزت فوق سياج الساحة، التقطت السيف الذي رماه منذ قليل، وقابلت أخي في صدام قوي للحديد مع الحديد، فلم نستعمل قط السيوف الخشبية في مبارزتنا.
“معرفتي بالسياسة والإستراتيجية تخطت معرفتك بمراحل، ان كنت أنا أعرف القشور، فأنت لا تعرف شيئا أصلًا!”
“اذا لم يكن مقصد الملك السابق هو القوة الجسدية البحتة، فمن حيث القوة الاستراتيجية والسياسة، أنا متفوق عليه حتى…”
ضرباتي تصبح أسرع وأسرع، أخرجت كل قلبي فيها
“اشتد المرض فجأة على أبي، وفي لحظاته الأخيرة يعلن من أخي الأصغر ملكًا، مفارقًا الحياة قبل أن يتاح لي أن أسأله عن قراره ذاك، وما لي منه بدل الإجابة إلا ذكرياتٍ عن كلماته القليلة المقتضبة التي قالها على مدار حياته…”
لم اهتم بتحديد سبب تحركي، كنت قد تحركت بالفعل، قفزت فوق سياج الساحة، التقطت السيف الذي رماه منذ قليل، وقابلت أخي في صدام قوي للحديد مع الحديد، فلم نستعمل قط السيوف الخشبية في مبارزتنا.
“أألست أنا أحق ملكًا منك؟ أجبني!”
طعنت نحو صدره
يطيح سيفه بسيفي من يدي للجانب، سقط سيفي على الأرض، وتبعه بعد قليل سقوط سيف أخي بعد ان رماه، وقبل ان استطع الرد، التقت كوع اخي بضلوعي بالفعل، مرسلًا أيا عدة خطوات للوراء، انحني بجسدي ناحية ضلوعي المتألمة.
لم يتخيل يومًا أنه قد يكن مشاعرًا كالحسد والغيرة لأخيه، فقد وثق في حكم أبيهما.
“أجبني عما لم يجبه والدنا!!”
“أألست أنا أحق ملكًا منك؟ أجبني!”
“أنت مخطئ”
“إذًا، هكذا هم الملوك.. ياله من عالمٍ ساحر.”
يطيح سيفه بسيفي من يدي للجانب، سقط سيفي على الأرض، وتبعه بعد قليل سقوط سيف أخي بعد ان رماه، وقبل ان استطع الرد، التقت كوع اخي بضلوعي بالفعل، مرسلًا أيا عدة خطوات للوراء، انحني بجسدي ناحية ضلوعي المتألمة.
“أهناك خطب ما يا جلالة الملك؟”
يخطو تجاهي، وجهه ثابت مثل صخرة.
“لم يكن ما بالمملكة يوما مجرد ‘موارد’، بل أناس مثلنا، وأساس الملكية هو العلاقة بين الراعي والرعية.”
غزارة المطر تقل، إعلان خفي بأن العاصفة ستهدأ قريبا، لكن لم يهدأ ذهني أبدًا،وبغياب الضوضاء تدريجيًا، أستطيع ملاحظة انفاسنا اللاهثة، وأسمع ضربات قلبي مثل قرع الطبول
كانت تلك من كلمات والدهم الراحل، التي لم يتفق معه فيها تمامًا، فقد رأى أن استثمار وقت الوصول لأعلى مستويات إتقان السيف ليس أفضل استثمار بالنسبة للملوك، فللملك مسؤوليات أخرى غير الحرب والقتال، ولن يقاتل في الصفوف الأولى لكل معركة تخوضها جيوش المملكة، فهذا واجب الجنود، أما واجبات الملوك فهي التخطيط ومعرفة الاستراتيجيات العسكرية.
“أوتقول ان هذا ما يميزك؟! اذا كنت أنا الملك، أفعالي مازالت ستعود في صالح المملكة أيضا!”
قلت وأنا أوجه لكمة نحو وجهه
“أتعرف شيء عن بائعة الزهور في وسط المدينة؟ او الجد الذي يجمع الحطب على حواف الغابة؟ او الطفل الجائع في زقاق عشوائي في المملكة؟ كل هؤلاء هم مجرد ارقام بالنسبة لك، والآن انت تدعي انك تريد مصلحتهم؟ لا
في عادتي كنت سأرفض هذا الاقتراح، خاصةً في ظل اشتداد العاصفة أكثر وأكثر كل لحظة.
“ألم تفهم الامر بعد؟ أنت لم تعرف يوما صالح الشعب، أو من هم الشعب، وتركز أكثر على صالح المملكة، أي وكأن هناك مملكة بدون شعب…”
أمسكَ بيدي المهاجمة بيد واحدة، وبالأخرى لكمني في وجهي قبل أن تُرفَع يدي للصد، طعم الدماء ملأ فمي.
مسحت الدماء من شفتاي، وقفت برهة في مكانيء متأثرًا بما قاله، بل حتى مقتنعًا، لكن لم يعترف فمي بهذه الهزيمة أبدًا.
“ما الذي يجعل المرء ملكًا؟، ولماذا اختاره أبي ولم يخترني أنا؟!؟”
“أتعرف شيء عن بائعة الزهور في وسط المدينة؟ او الجد الذي يجمع الحطب على حواف الغابة؟ او الطفل الجائع في زقاق عشوائي في المملكة؟ كل هؤلاء هم مجرد ارقام بالنسبة لك، والآن انت تدعي انك تريد مصلحتهم؟ لا
أنت لا تعرف
ضربت نحو ساقه، كارهًا الطريقة التي يتهرب بها مني بدلًا من مواجهتي مباشرة كعادته.
إذا كنت ستعمل لصالح المملكة والثمن هو صالح شعب لم تره، فلا فرق بينك وبين من وضع العربة أمام الحصان.”
“معرفتي بالسياسة والإستراتيجية تخطت معرفتك بمراحل، ان كنت أنا أعرف القشور، فأنت لا تعرف شيئا أصلًا!”
عجزت عن الرد عليه مباشرة، تبادلنا مزيدًا من الضربات بالأيدي بعدها، إلى أن اخيرا نطقت بصوت أكثر هدوءً من صراخي السابق:
‘كيف للملك التالي ألا يكون سيد سيف؟’
“أهذا سبب اهمالك السياسة وتسكعك في الطرقات بدلا من ذلك؟”
“الآن… بعدما تقرر الأمر بالفعل وأصبح أخي الملك، لا داعي لمزيد من هذا التكلف…”
-“المملكة كيان واحد، مهما عرفت عن حال جيرانك الممالك، فلن تغنيك تلك المعرفة ان لم تعرف كيانك أولا.”
مسحت الدماء من شفتاي، وقفت برهة في مكانيء متأثرًا بما قاله، بل حتى مقتنعًا، لكن لم يعترف فمي بهذه الهزيمة أبدًا.
“الآن… بعدما تقرر الأمر بالفعل وأصبح أخي الملك، لا داعي لمزيد من هذا التكلف…”
“منذ متى يدعي الأصغر المعرفة أمام كباره؟ الأطفال هذه الأيام…”
-“لقد كنتَ دائمًا من النوع العنيد…”
وأستطيع أخيرًا ملاحظة الابتسامة الصادقة على وجه أخي، ولم يكن لدي وقت للتأمل فيها قبل أن أجد نفسي مرميا على الأرض بعدما ركلني.
لم انهض من مكاني، فقد صدمت بالمشهد الخلاب للسماء الزرقاء، ان لم يكن للغيوم القليلة الصغيرة المتبقية، والأرض المبتلة تحت ظهري، لربما افترضت أن كل هذه العاصفة كانت وهمًا.
لم يتخيل يومًا أنه قد يكن مشاعرًا كالحسد والغيرة لأخيه، فقد وثق في حكم أبيهما.
“كفى تظاهرًا بالموت، هيا قم… يا اخي الكبير”
أخي مد إلي يده وحثني على الوقوف، لكن لم ألحظه، فلم أدري من أكثر صفاءً في هذه اللحظة، أهي السماء المشرقة فوقي؟ أم قلبي المرتاح من أغلال الغيرة؟
أقول وأنا أرفع سيفي لصد سيفه الساقط علي، وبالقوة المعاد توجيهها من ضربته مع حركة خفيفة من معصمي، ارد بضربة اسرع نحو رقبته.
اخذت نفسا عميقا، مستنشقا ما تبقى من رائحة المطر الخافتة، ثم رفعت يدي للسماء، كأني أحاول الإمساك بشيء ما بالأعلى، وجهي اعتلاه ابتسامة بلهاء لم ابتسمها منذ صغري.
“أجبني عما لم يجبه والدنا!!”
“إذًا، هكذا هم الملوك.. ياله من عالمٍ ساحر.”
————
كتابة: akama (شخص طبيعي)
