قصة جانبية: حكايات من روسيا (15)
القصة الجانبية: حكايات من روسيا (15)
“ههه، أتُراه يعاني من أعراض جانبية للقاح؟”
❄️∘˚。⋆☃⋆。˚∘❄️
بعد قليل، ظهرت الطائرة وهي تخترق الغيوم البيضاء من بعيد، ثم هبطت أمامنا، وانفتح بابها المحكم. اندفع منها عدد من الجنود اليائسين، تبدو عليهم علامات الانهيار. تقدّم أعلى رتبة بينهم نحو [جاك]، واستجمع أنفاسه قبل أن يتحدّث.
رغم أنّ [روين] كانت تتحدّث بإخلاص، فإنني لم أستطع أن أثق بها ثقةً تامّة.
“انتظروا أمام الجدار الخارجي. وحين أعطيكم الإشارة، اقفزوا فوقه.”
لم أكن أعلم ما نوع المفاجآت التي قد ترمي بها إليّ، لا سيّما بالنظر إلى ما حلّ بجسدها ونفسها من إنهاك. وكما سرّبت إلينا معلومات عن الباحثين الكنديين، كان عليّ أن أضع في اعتباري احتمال أن تقوم بالمثل تجاهنا وتنقل أسرارنا إلى [جاك]. كانت امرأة ذكية، ولا بدّ أنها تعرف أن اللعب على الحبلين قد يزيد من فرص نجاتها.
أخذت أدرس كل الاحتمالات الممكنة، فيما كنت أترقّب وصول الطائرة الرابعة.
أخذت أدرس كل الاحتمالات الممكنة، فيما كنت أترقّب وصول الطائرة الرابعة.
“فيما يخصّ ذلك…”
❄️∘˚。⋆☃⋆。˚∘❄️
“لا تخرجوا حتى أصل بنفسي.”
في أحد أيام الصيف المشمسة، توجّهت إلى مطار [فلاديفوستوك] في الوقت المحدّد لوصول الطائرة الرابعة. وبينما كنت واقفًا قرب مدرج الهبوط، اقترب [جاك] ومجموعة من الباحثين الكنديين مني بخطى وئيدة.
“و…؟”
قال [جاك] بابتسامته الباهتة المعتادة:
“لا تخرجوا حتى أصل بنفسي.”
“ما رأيك أن نمنح الجنود يومًا من الراحة بعد وصول هذه الطائرة؟”
“الآن، عودوا إلى مهاجعكم. أتباعي سيكونون هناك. لا تفزعوا، فقط اختبئوا في خزانات الملابس أو أي مكانٍ آخر.”
“راحة؟”
حين سمع صوتي، استدار فجأة ونظر إلى أحد الباحثين الكنديين، فتبادلا النظرات، ثم أومأ برأسه مبتسمًا. عرفت عندها أن خطّتهم قد بدأت.
“هؤلاء الناس ظلّوا يعبرون المحيط الهادئ لأجلنا بلا توقف، دون أن ينالوا قسطًا من الراحة. أودّ دعوتهم لعشاء جيّد الليلة.”
وحين أشرت بأصبعي نحو الملقط، تنبّه الجندي وقال شيئًا غير مفهوم، ثم ناولني إياه.
“حسنًا”، أجبت وكأن الأمر لا يعنيني كثيرًا.
“لست أدري إن كنت قد سمعت ما قالته [روين] آنفًا، لكن الزومبي داخل الكبسولة هو ابنها.”
ابتسم [جاك] بارتياح. “وسيصل الناجون الكنديون في الطائرة الخامسة.”
وحين وصلتني ردودهم، أرسلت تعليماتي للمتحولين من المرحلة الأولى و[جي-أون]:
اهتزّ حاجباي لا إراديًّا عند سماع تلك الكذبة السافرة، لكنني كنت أعلم منذ البداية أن هذه الطائرة الرابعة ستكون الفاصل في معرفة صدقه من كذبه. أدرت رأسي متظاهرًا بأنني لا أعلم شيئًا عمّا جرى في كندا.
أومأ [تومي] برأسه. “أنت تعني أننا يجب أن ننتظر حتى يبادروا بالهجوم، أليس كذلك؟”
سألته بدلًا من المواجهة: “ألم تقرر أنك ستجلب الناجين على متن الطائرة الرابعة؟”
[تومي] أمال رأسه وحدّق بي في حيرة.
قال [جاك]: “كنت أودّ ذلك بالطبع، لكن… هناك كائن على متن هذه الطائرة لم تتح لي الفرصة لإخبارك عنه… كائن قال الناجون إنهم لم يشعروا بالارتياح في وجوده.”
بعد قليل، ظهرت الطائرة وهي تخترق الغيوم البيضاء من بعيد، ثم هبطت أمامنا، وانفتح بابها المحكم. اندفع منها عدد من الجنود اليائسين، تبدو عليهم علامات الانهيار. تقدّم أعلى رتبة بينهم نحو [جاك]، واستجمع أنفاسه قبل أن يتحدّث.
“كائن لم تخبرني به؟ ما هو؟ مخلوق أسود مثلاً؟”
لكن، إن لم تُنفَّذ خطّتهم في تلك الليلة… فلن يكون أمامي خيار سوى الشكّ في [روين]. كنت آمل أن يؤدّي تسرّع [جاك] إلى وقوع الأمور كما رسمتها.
“أوه، قطعًا لا. لكن، هل تذكر حين سألتني عمّا إذا كان هناك زومبي بعيون حمراء في كندا؟ هل تتذكّر ذلك؟”
“لا، ليس هذا ما أقصده. فكّروا جيدًا. من سيتولّى تطوير العلاج إذا متّم أنتم؟” قلتها بهدوء.
بالطبع كنت أذكر. حينها أخبرني أنهم قد أبيدوا جميعًا. ومع أنني كنت أعي كلّ شيء، تظاهرت بالجهل.
“بالمناسبة، أين [تومي] والباقون؟”
“هل سألتك عن ذلك فعلًا؟”
“الآن، عودوا إلى مهاجعكم. أتباعي سيكونون هناك. لا تفزعوا، فقط اختبئوا في خزانات الملابس أو أي مكانٍ آخر.”
“نعم، وقد قلت لك حينها إنه لم يبقَ أيّ منهم.”
“ههه، أتُراه يعاني من أعراض جانبية للقاح؟”
“و…؟”
وحين أشرت بأصبعي نحو الملقط، تنبّه الجندي وقال شيئًا غير مفهوم، ثم ناولني إياه.
“في الحقيقة، كان لدينا واحد. أبقيناه حيًّا لأغراض البحث.”
أسرع بعض الباحثين لمساعدته على الوقوف. طمأنهم بأنه بخير، ثم عاد ليسأل الجندي:
“هل يعني هذا أنه على متن هذه الطائرة القادمة؟”
“غرررر!!”
“نعم. وسنكمل حديثنا عنه فور وصول الطائرة.”
اقتربت من الشواية، وقلت للجندي الذي يمسك بالملقط:
أومأت له بصمت وانتظرت قدوم الطائرة.
“أنتم في المهاجع، انتبهوا. اقتلوا أي إنسان يقترب وهو يحمل سلاحًا. واحموا من أمرتكم بحمايته فقط.”
بعد قليل، ظهرت الطائرة وهي تخترق الغيوم البيضاء من بعيد، ثم هبطت أمامنا، وانفتح بابها المحكم. اندفع منها عدد من الجنود اليائسين، تبدو عليهم علامات الانهيار. تقدّم أعلى رتبة بينهم نحو [جاك]، واستجمع أنفاسه قبل أن يتحدّث.
“الآن، عودوا إلى مهاجعكم. أتباعي سيكونون هناك. لا تفزعوا، فقط اختبئوا في خزانات الملابس أو أي مكانٍ آخر.”
“يا دكتور، لدينا حالة طارئة.”
رغم أنّ [روين] كانت تتحدّث بإخلاص، فإنني لم أستطع أن أثق بها ثقةً تامّة.
“ما الأمر؟”
“لست أدري إن كنت قد سمعت ما قالته [روين] آنفًا، لكن الزومبي داخل الكبسولة هو ابنها.”
“المعهد الكندي… استولى عليه الزومبي.”
“… هذا معقول…”
“ماذا؟”
“لو كان بشريًّا عاديًّا، لمات فورًا بنوبة قلبية. لكن الكائنات مثلكم لا تموت. الفيروس ينبض بالحياة فور إذابة الجسد.”
اتسعت عينا [جاك]، وفتح فمه في ذهول، ثم وضع يده على جبهته كأنّه مصاب بدوار مفاجئ.
أومأت له بصمت وانتظرت قدوم الطائرة.
“يا دكتور!”
وما إن دخلت، حتى بادرني [تومي] بقلقٍ واضح:
أسرع بعض الباحثين لمساعدته على الوقوف. طمأنهم بأنه بخير، ثم عاد ليسأل الجندي:
“إذن… أترك الباقي بين يديك، أيها السيد [لي هيون-دوك].”
“الناجون… ماذا حلّ بهم؟”
“يا دكتور!”
“فيما يخصّ ذلك…”
عند سؤالها، أشار الجندي إلى زملائه في الخلف. فدفع الجنود نحوها جسما مستطيلا، عرضه متر ونصف، وارتفاعه متران. ومن الهواء البارد الذي كان يلفّه، بدا أنهم جمّدوا جسد ابنها باستخدام تقنية متطوّرة. غير أنّه، حتى مع التجميد الكامل، لم يكن من المؤكد أنه سيستفيق مجددًا.
قطّب الجندي جبينه ونظر إلى الأرض، بينما بدأت الدموع تنهمر من عيني [جاك]، وهو يلوم نفسه بحرقة.
“و…؟”
“كلّه… كلّه خطئي. كان يجب أن أُحضِرهم أولًا. لا أعلم لماذا استعجلت بالمجيء…”
“هل يعني هذا أنه على متن هذه الطائرة القادمة؟”
ظلّ [جاك] يجهش بالبكاء، وراح الباحثون الآخرون يتظاهرون بالحزن أيضًا. أما أنا، فقد كنت مذهولًا من قدرته على التمثيل.
“ألا يمكننا فقط أن نهاجمهم ونقتلهم جميعًا الآن؟” قال [تومي] وهو يحكّ رأسه.
لم تكن هناك طائرة خامسة أبدًا. فلم يكن هناك سبب آخر لذكر سقوط المعهد الكندي أو هلاك الناجين، سوى التغطية على أكاذيبهم. وبينما كنت أراقبهم، كدت أصفّق لهم من أعماق قلبي. كانت مهاراتهم التمثيلية مذهلة بحق.
أسرع بعض الباحثين لمساعدته على الوقوف. طمأنهم بأنه بخير، ثم عاد ليسأل الجندي:
وأنا أتابع [جاك] وباقي الباحثين الكنديين، لم يسعني إلا أن أتساءل عمّا إذا كانت [روين] قد كذبت بدورها. التفتُّ نحوها، فلاحظت أنها الوحيدة التي بدت في منتهى الهدوء.
“الزومبي الذي كنت أُشير إليه… هو داخل هذه الكبسولة.”
سألت الجندي مباشرة: “أين ابني؟”
“… هذا معقول…”
عند سؤالها، أشار الجندي إلى زملائه في الخلف. فدفع الجنود نحوها جسما مستطيلا، عرضه متر ونصف، وارتفاعه متران. ومن الهواء البارد الذي كان يلفّه، بدا أنهم جمّدوا جسد ابنها باستخدام تقنية متطوّرة. غير أنّه، حتى مع التجميد الكامل، لم يكن من المؤكد أنه سيستفيق مجددًا.
“عفوا؟ أيّ أمر سيقع؟”
وحين اقتربتُ من الكبسولة، بدأ [جاك] بالكلام مجددًا، وهو يمسح دموعه عن وجهه.
“كلّه… كلّه خطئي. كان يجب أن أُحضِرهم أولًا. لا أعلم لماذا استعجلت بالمجيء…”
“الزومبي الذي كنت أُشير إليه… هو داخل هذه الكبسولة.”
ابتسم [جاك] بارتياح. “وسيصل الناجون الكنديون في الطائرة الخامسة.”
“هل قمتم بتجميده؟”
“بالمناسبة، أين [تومي] والباقون؟”
“لو كان بشريًّا عاديًّا، لمات فورًا بنوبة قلبية. لكن الكائنات مثلكم لا تموت. الفيروس ينبض بالحياة فور إذابة الجسد.”
“وآااا!!!”
هذا الفيروس، باستثناء تحويله صاحبه إلى زومبي، كان في حد ذاته خلودًا حيًّا. أخذ [جاك] نفسًا عميقًا ليلملم شتاته، ثم ابتسم ابتسامة خفيفة.
أومأت برأسي قليلًا. “هيا بنا إلى المختبر.”
“أعتذر. لا أصدّق أنني بكيت أمامكم رغم سني المتقدمة.”
“لا. فكّر بالأمر. إذا علموا أنهم سيموتون، ماذا تظن أنهم سيفعلون؟”
“لا بأس.”
خرج الجميع من قاعة المأوى، فيما أخذتُ نفسًا عميقًا وأعددت نفسي لوليمة العشاء الأخيرة.
“لست أدري إن كنت قد سمعت ما قالته [روين] آنفًا، لكن الزومبي داخل الكبسولة هو ابنها.”
“أنتم في المهاجع، انتبهوا. اقتلوا أي إنسان يقترب وهو يحمل سلاحًا. واحموا من أمرتكم بحمايته فقط.”
“وهل هذا سبب إبقائكم إيّاه حيًّا واستخدامه كموضوع للبحث؟”
“لست أدري إن كنت قد سمعت ما قالته [روين] آنفًا، لكن الزومبي داخل الكبسولة هو ابنها.”
“لم يكن أمامي خيار آخر. قائد القوات التي كانت تحرس المعهد كان سيقتله حتمًا. لقد أنقذت هذا الطفل… حرفيًّا.”
أجبته بنبرة جادّة: “أعتقد أن [جاك] قد اكتشف الأمر.”
كان كذّابًا محترفًا إلى حدٍّ أخافني. لم أعد أميّز إن كانت هدوءه نابع من حكمة السنين أم من نفسية مريضٍ اجتماعي. كان يجب أن أعرف ذلك منذ زمن.
أجبته بنبرة جادّة: “أعتقد أن [جاك] قد اكتشف الأمر.”
أومأت برأسي قليلًا. “هيا بنا إلى المختبر.”
وبعد أن وصلنا إلى المهاجع، شكرتُ الجنود على جهودهم، وطلبت منهم أن يستحمّوا ويرتاحوا. شكروني، ثم دخلوا. وبعد أن تأكدت من دخولهم جميعًا، هرعت عائدًا إلى المأوى حيث ينتظرني قومي.
كان عدد الجنود القادمين في الطائرة خمسين جنديًّا. وكان [جاك] قد ذكر أن العدد الإجمالي مئة وخمسون عند قدومه الأول، لذا ربما لم يكن الجندي يكذب تمامًا بخصوص سقوط المعهد الكندي.
“قال إنه يشعر بتوعك. زرته في المهجع قبل المجيء إلى هنا.”
تشتّتَ ذهني قليلاً بينما كنت أقود الجنود إلى مهاجعهم. وحتى إن كانت هذه الخمسون قد نجت بالكاد من المعهد، فإن أحدًا منهم لم يكن مغطّى بدماء الزومبي، وكنت على يقين أنهم لم يغتسلوا داخل الطائرة.
“ماذا؟”
وهذا ما عزّز من صدق رواية [روين].
قال [جاك] بابتسامته الباهتة المعتادة:
مهما بلغت العجلة، يصعب تصديق أن الجنود قد تركوا المدنيين خلفهم وهربوا. من الطبيعي أن يكون الجنود آخر من يركب الطائرة. وكلّما فكّرت بالأمر، ازددت اقتناعًا بأن ما قالته [روين] عن عدم وجود ناجين كان هو الحقيقة.
مهما بلغت العجلة، يصعب تصديق أن الجنود قد تركوا المدنيين خلفهم وهربوا. من الطبيعي أن يكون الجنود آخر من يركب الطائرة. وكلّما فكّرت بالأمر، ازددت اقتناعًا بأن ما قالته [روين] عن عدم وجود ناجين كان هو الحقيقة.
تساءلت ما إن كان [جاك] يعلم بأنّ روايته غير منطقية. محاولته التأثير عليّ عاطفيًّا كانت أسوأ من الصمت. لقد بقيت على قيد الحياة حتى الآن لأنني كنت أحكم كل موقف بعقلٍ بارد، وأتّخذ قراراتي على أساس أفضل الاحتمالات الممكنة. أمّا المناشدات العاطفية الفارغة، فلم تكن إلا وقودًا لغضبي.
“حسنًا”، أجبت وكأن الأمر لا يعنيني كثيرًا.
وبعد أن وصلنا إلى المهاجع، شكرتُ الجنود على جهودهم، وطلبت منهم أن يستحمّوا ويرتاحوا. شكروني، ثم دخلوا. وبعد أن تأكدت من دخولهم جميعًا، هرعت عائدًا إلى المأوى حيث ينتظرني قومي.
في تلك اللحظة، دوّى صوت طلق ناري في أرجاء المكان.
وما إن دخلت، حتى بادرني [تومي] بقلقٍ واضح:
“وهذا هو الهدف. علينا أن نبدو مريبين، حتى يُسرّعوا تنفيذ خطتهم.”
“السيد [لي هيون-دوك]، هل كانوا فقط الجنود هذه المرة؟ لا توجد إمدادات؟”
“ما الأمر؟”
أجبته بنبرة جادّة: “أعتقد أن [جاك] قد اكتشف الأمر.”
نظرت إلى الباحث الجالس قرب [جاك]، شعره بني داكن. كنت أنوي إبقاءه على قيد الحياة، حتى لو قتلت الباقين جميعًا. فهو من يُخفي بيانات العلاج، وسأنتزعها منه بالتعذيب شيئًا فشيئًا حتى ينهار.
[تومي] أمال رأسه وحدّق بي في حيرة.
“عفوا؟ أيّ أمر سيقع؟”
أخذت نفسًا عميقًا: “الأمر سيقع اليوم.”
“أعتذر. لا أصدّق أنني بكيت أمامكم رغم سني المتقدمة.”
“عفوا؟ أيّ أمر سيقع؟”
“انتظر، لماذا؟” سألت [إلينا] وهي تقف إلى جانبه. “هذا مفاجئ تمامًا. ما الذي يجعلك تعتقد هذا؟”
“الجنود الذين وصلوا اليوم… سيقتلونكم.”
“لكننا نملكك أنت… هل تنوي التخلّي عنّا؟”
ظهرت علامات الذهول على وجه [تومي].
وحين اقتربتُ من الكبسولة، بدأ [جاك] بالكلام مجددًا، وهو يمسح دموعه عن وجهه.
“انتظر، لماذا؟” سألت [إلينا] وهي تقف إلى جانبه. “هذا مفاجئ تمامًا. ما الذي يجعلك تعتقد هذا؟”
“كلّه… كلّه خطئي. كان يجب أن أُحضِرهم أولًا. لا أعلم لماذا استعجلت بالمجيء…”
“هل سبق لك أن سمعت عن قاتلٍ يمنح ضحيته إنذارًا مسبقًا؟”
في تلك اللحظة، دوّى صوت طلق ناري في أرجاء المكان.
أما الناجون الروس في الخلف، الذين كانوا يصغون لما يدور، فقد عقدوا حواجبهم بانزعاج. بدا عليهم أنهم لم يستوعبوا لماذا أفكر في أمرٍ كهذا.
“حسنًا”، أجبت وكأن الأمر لا يعنيني كثيرًا.
“حسنًا، لكن قتلنا سيكون بمثابة حفر قبورهم بأيديهم. أتعتقد فعلًا أنهم سيقدمون على قتلنا؟”
“هؤلاء الناس ظلّوا يعبرون المحيط الهادئ لأجلنا بلا توقف، دون أن ينالوا قسطًا من الراحة. أودّ دعوتهم لعشاء جيّد الليلة.”
“لا، أنت مخطئ في هذا. حتى لو متّم أنتم… [جاك] لن يموت. هو يعلم أنه لن يموت.”
القصة الجانبية: حكايات من روسيا (15)
“لكننا نملكك أنت… هل تنوي التخلّي عنّا؟”
خرج الجميع من قاعة المأوى، فيما أخذتُ نفسًا عميقًا وأعددت نفسي لوليمة العشاء الأخيرة.
“لا، ليس هذا ما أقصده. فكّروا جيدًا. من سيتولّى تطوير العلاج إذا متّم أنتم؟” قلتها بهدوء.
بعد قليل، ظهرت الطائرة وهي تخترق الغيوم البيضاء من بعيد، ثم هبطت أمامنا، وانفتح بابها المحكم. اندفع منها عدد من الجنود اليائسين، تبدو عليهم علامات الانهيار. تقدّم أعلى رتبة بينهم نحو [جاك]، واستجمع أنفاسه قبل أن يتحدّث.
تنفّس الجميع بعمق، وأومئوا برؤوسهم، وكأنهم فهموا أخيرًا ما كنت أحاول قوله. إن مات الباحثون الروس والناجون هنا… فلن يتبقّى أمامي سوى خيارٍ واحد.
وهذا ما عزّز من صدق رواية [روين].
كان [تومي] يفرك ذقنه وكأنه أدرك أخيرًا خطة [جاك] الكاملة. “أأنت تقول إن الباحثين الكنديين كانوا يربّون الثقة بينك وبينهم طوال هذا الوقت كي تُسقط حذرك، والآن بعد أن اعتقدوا أنك وثقت بهم، سيكشفون عن وجوههم الحقيقية؟”
“في الحقيقة، كان لدينا واحد. أبقيناه حيًّا لأغراض البحث.”
“نعم. لو لم تكن [روين] قد زوّرت فعالية التخدير، لكانوا قد خدعونا بالكامل.”
“انتظر، لماذا؟” سألت [إلينا] وهي تقف إلى جانبه. “هذا مفاجئ تمامًا. ما الذي يجعلك تعتقد هذا؟”
زمّ [تومي] شفتيه بإحكام، وقطّب جبينه بقلق.
وبعد أن وصلنا إلى المهاجع، شكرتُ الجنود على جهودهم، وطلبت منهم أن يستحمّوا ويرتاحوا. شكروني، ثم دخلوا. وبعد أن تأكدت من دخولهم جميعًا، هرعت عائدًا إلى المأوى حيث ينتظرني قومي.
تنفّس ثم قال: “حسنًا، ما خطتك؟ سأساعدك.”
لم أكن أعلم ما نوع المفاجآت التي قد ترمي بها إليّ، لا سيّما بالنظر إلى ما حلّ بجسدها ونفسها من إنهاك. وكما سرّبت إلينا معلومات عن الباحثين الكنديين، كان عليّ أن أضع في اعتباري احتمال أن تقوم بالمثل تجاهنا وتنقل أسرارنا إلى [جاك]. كانت امرأة ذكية، ولا بدّ أنها تعرف أن اللعب على الحبلين قد يزيد من فرص نجاتها.
“الآن، عودوا إلى مهاجعكم. أتباعي سيكونون هناك. لا تفزعوا، فقط اختبئوا في خزانات الملابس أو أي مكانٍ آخر.”
“بالضبط. لذا، عودوا الآن إلى مهاجعكم.”
“ثم ماذا؟ ما الخطوة التالية؟”
“هل قمتم بتجميده؟”
“لا تخرجوا حتى أصل بنفسي.”
“لا. فكّر بالأمر. إذا علموا أنهم سيموتون، ماذا تظن أنهم سيفعلون؟”
“تريدنا أن نبقى في الداخل؟ هذا سيجعلنا نبدو أكثر إثارةً للريبة.”
“حسنًا، لكن قتلنا سيكون بمثابة حفر قبورهم بأيديهم. أتعتقد فعلًا أنهم سيقدمون على قتلنا؟”
“وهذا هو الهدف. علينا أن نبدو مريبين، حتى يُسرّعوا تنفيذ خطتهم.”
تشتّتَ ذهني قليلاً بينما كنت أقود الجنود إلى مهاجعهم. وحتى إن كانت هذه الخمسون قد نجت بالكاد من المعهد، فإن أحدًا منهم لم يكن مغطّى بدماء الزومبي، وكنت على يقين أنهم لم يغتسلوا داخل الطائرة.
“ألا يمكننا فقط أن نهاجمهم ونقتلهم جميعًا الآن؟” قال [تومي] وهو يحكّ رأسه.
“لست أدري إن كنت قد سمعت ما قالته [روين] آنفًا، لكن الزومبي داخل الكبسولة هو ابنها.”
“لا. فكّر بالأمر. إذا علموا أنهم سيموتون، ماذا تظن أنهم سيفعلون؟”
ابتسم [جاك] بارتياح. “وسيصل الناجون الكنديون في الطائرة الخامسة.”
“… هذا معقول…”
عند سؤالها، أشار الجندي إلى زملائه في الخلف. فدفع الجنود نحوها جسما مستطيلا، عرضه متر ونصف، وارتفاعه متران. ومن الهواء البارد الذي كان يلفّه، بدا أنهم جمّدوا جسد ابنها باستخدام تقنية متطوّرة. غير أنّه، حتى مع التجميد الكامل، لم يكن من المؤكد أنه سيستفيق مجددًا.
“ماذا لو فجّروا قنبلة يدوية داخل المختبر؟ لديهم أيضًا قذائف هاون. أترى أنهم سيكترثون للبحث العلمي وهم على حافة الموت؟”
أومأت برأسي قليلًا. “هيا بنا إلى المختبر.”
“…”
“انتظروا أمام الجدار الخارجي. وحين أعطيكم الإشارة، اقفزوا فوقه.”
“علينا أن نقضي عليهم دفعة واحدة. يجب أن نُنهيهم بطريقة تمنعهم من إلحاق أي ضرر بنا.” قلتها بنبرة حاسمة.
بعد قليل، ظهرت الطائرة وهي تخترق الغيوم البيضاء من بعيد، ثم هبطت أمامنا، وانفتح بابها المحكم. اندفع منها عدد من الجنود اليائسين، تبدو عليهم علامات الانهيار. تقدّم أعلى رتبة بينهم نحو [جاك]، واستجمع أنفاسه قبل أن يتحدّث.
أومأ [تومي] برأسه. “أنت تعني أننا يجب أن ننتظر حتى يبادروا بالهجوم، أليس كذلك؟”
“نعم، وقد قلت لك حينها إنه لم يبقَ أيّ منهم.”
“بالضبط. لذا، عودوا الآن إلى مهاجعكم.”
ترجمة:
“إذن… أترك الباقي بين يديك، أيها السيد [لي هيون-دوك].”
“في الحقيقة، كان لدينا واحد. أبقيناه حيًّا لأغراض البحث.”
خرج الجميع من قاعة المأوى، فيما أخذتُ نفسًا عميقًا وأعددت نفسي لوليمة العشاء الأخيرة.
زمّ [تومي] شفتيه بإحكام، وقطّب جبينه بقلق.
بذلت جهدًا حتى في ذبح بعض الخنازير لإعداد العشاء للجنود. كنت أغلي من الغضب وأنا أقدّم اللحم لهؤلاء الذين سأقتلهم قريبًا، لكنني رأيت في الأمر وسيلة لإخفاء نواياي عن [جاك] المتنبّه دومًا. بدا [جاك] متحمّسًا لفكرة حفلة الشواء في الهواء الطلق، إذ لم يتسنّ له الاستمتاع بها منذ زمن طويل.
قال [جاك] بابتسامته الباهتة المعتادة:
“بالمناسبة، أين [تومي] والباقون؟”
“كلّه… كلّه خطئي. كان يجب أن أُحضِرهم أولًا. لا أعلم لماذا استعجلت بالمجيء…”
“قال إنه يشعر بتوعك. زرته في المهجع قبل المجيء إلى هنا.”
“ماذا؟”
“ههه، أتُراه يعاني من أعراض جانبية للقاح؟”
رغم أنّ [روين] كانت تتحدّث بإخلاص، فإنني لم أستطع أن أثق بها ثقةً تامّة.
قهقه [جاك] وهو يشاهد لحم الخنزير يشوي ويُصدر طقطقته الشهية، بينما كان عبق الدخان يتصاعد في الأرجاء. كان يبتسم، لكن ارتجاف أصابعه فضح توتره. بدا أنه عاجز عن إعطاء الأمر للجنود بالهجوم ما دمتُ واقفًا بجانبه. فقرّرت أن أمنحهم فرصة تنفيذ خطتهم.
نظرت إلى الباحث الجالس قرب [جاك]، شعره بني داكن. كنت أنوي إبقاءه على قيد الحياة، حتى لو قتلت الباقين جميعًا. فهو من يُخفي بيانات العلاج، وسأنتزعها منه بالتعذيب شيئًا فشيئًا حتى ينهار.
اقتربت من الشواية، وقلت للجندي الذي يمسك بالملقط:
عند سؤالها، أشار الجندي إلى زملائه في الخلف. فدفع الجنود نحوها جسما مستطيلا، عرضه متر ونصف، وارتفاعه متران. ومن الهواء البارد الذي كان يلفّه، بدا أنهم جمّدوا جسد ابنها باستخدام تقنية متطوّرة. غير أنّه، حتى مع التجميد الكامل، لم يكن من المؤكد أنه سيستفيق مجددًا.
“أعطني الملقط، سأشوي بنفسي.”
وحين اقتربتُ من الكبسولة، بدأ [جاك] بالكلام مجددًا، وهو يمسح دموعه عن وجهه.
مددت يدي اليمنى، لكن الجندي نظر إليّ بذهول ورفض إعطائي الملقط. بدا وكأنهم لا يفهمون الإنجليزية. في الحقيقة، لم يكونوا جنودًا على الإطلاق، بل مجرد إرهابيين.
“راحة؟”
وحين أشرت بأصبعي نحو الملقط، تنبّه الجندي وقال شيئًا غير مفهوم، ثم ناولني إياه.
“نعم. وسنكمل حديثنا عنه فور وصول الطائرة.”
“سأحرص على أن يكون مشويًا لذيذًا.” قلت لـ[جاك] بنبرةٍ مرحة.
“ما رأيك أن نمنح الجنود يومًا من الراحة بعد وصول هذه الطائرة؟”
حين سمع صوتي، استدار فجأة ونظر إلى أحد الباحثين الكنديين، فتبادلا النظرات، ثم أومأ برأسه مبتسمًا. عرفت عندها أن خطّتهم قد بدأت.
“الآن، عودوا إلى مهاجعكم. أتباعي سيكونون هناك. لا تفزعوا، فقط اختبئوا في خزانات الملابس أو أي مكانٍ آخر.”
وفي اللحظة نفسها، أصدرت أوامري لأتباعي عبر التواصل العقلي:
كان كذّابًا محترفًا إلى حدٍّ أخافني. لم أعد أميّز إن كانت هدوءه نابع من حكمة السنين أم من نفسية مريضٍ اجتماعي. كان يجب أن أعرف ذلك منذ زمن.
“أنتم في المهاجع، انتبهوا. اقتلوا أي إنسان يقترب وهو يحمل سلاحًا. واحموا من أمرتكم بحمايته فقط.”
“لا، ليس هذا ما أقصده. فكّروا جيدًا. من سيتولّى تطوير العلاج إذا متّم أنتم؟” قلتها بهدوء.
وحين وصلتني ردودهم، أرسلت تعليماتي للمتحولين من المرحلة الأولى و[جي-أون]:
[تومي] أمال رأسه وحدّق بي في حيرة.
“انتظروا أمام الجدار الخارجي. وحين أعطيكم الإشارة، اقفزوا فوقه.”
تعالت صرخات الزومبي وعويل البشر في أنحاء المختبر. تمامًا كما توقّعت، جاءت من مهاجع الناجين الروس. لمع وهجٌ أزرق في عينيّ، فأرسلت أوامري لأتباعي:
كان هذا هو السبب في إقامة حفلة الشواء قرب الجدار الخارجي لمقرّ الأبحاث، بدلًا من ساحة أوسع. كنت قد أقنعت الكنديين بأنّ هذا أفضل مكان لرؤية النجوم، لكن الحقيقة أنّه كان موضعًا مثاليًّا لكمين. المكان بعيد عن المختبر، ومكشوف بشكل يسمح برؤية أيّ تحرك.
“السيد [لي هيون-دوك]، هل كانوا فقط الجنود هذه المرة؟ لا توجد إمدادات؟”
الآن، لم يبقَ سوى أن أنتظر حركتهم الأولى. وما إن يتحرّكوا… سأقضي على كلّ من هنا. كنت قد وضعت علاماتٍ ذهنية على كلّ فرد، حتى لا يفلت أحد منهم حين تصدر الإشارة.
وما إن دخلت، حتى بادرني [تومي] بقلقٍ واضح:
لكن، إن لم تُنفَّذ خطّتهم في تلك الليلة… فلن يكون أمامي خيار سوى الشكّ في [روين]. كنت آمل أن يؤدّي تسرّع [جاك] إلى وقوع الأمور كما رسمتها.
“انتظر، لماذا؟” سألت [إلينا] وهي تقف إلى جانبه. “هذا مفاجئ تمامًا. ما الذي يجعلك تعتقد هذا؟”
نظرت إلى الباحث الجالس قرب [جاك]، شعره بني داكن. كنت أنوي إبقاءه على قيد الحياة، حتى لو قتلت الباقين جميعًا. فهو من يُخفي بيانات العلاج، وسأنتزعها منه بالتعذيب شيئًا فشيئًا حتى ينهار.
حين سمع صوتي، استدار فجأة ونظر إلى أحد الباحثين الكنديين، فتبادلا النظرات، ثم أومأ برأسه مبتسمًا. عرفت عندها أن خطّتهم قد بدأت.
بانغ—!
“هل يعني هذا أنه على متن هذه الطائرة القادمة؟”
في تلك اللحظة، دوّى صوت طلق ناري في أرجاء المكان.
❄️∘˚。⋆☃⋆。˚∘❄️
“وآااا!!!”
وحين وصلتني ردودهم، أرسلت تعليماتي للمتحولين من المرحلة الأولى و[جي-أون]:
“غرررر!!”
“أعطني الملقط، سأشوي بنفسي.”
تعالت صرخات الزومبي وعويل البشر في أنحاء المختبر. تمامًا كما توقّعت، جاءت من مهاجع الناجين الروس. لمع وهجٌ أزرق في عينيّ، فأرسلت أوامري لأتباعي:
“علينا أن نقضي عليهم دفعة واحدة. يجب أن نُنهيهم بطريقة تمنعهم من إلحاق أي ضرر بنا.” قلتها بنبرة حاسمة.
“لقد حان وقت التنفيذ.”
سألت الجندي مباشرة: “أين ابني؟”
❄️∘˚。⋆☃⋆。˚∘❄️
ظلّ [جاك] يجهش بالبكاء، وراح الباحثون الآخرون يتظاهرون بالحزن أيضًا. أما أنا، فقد كنت مذهولًا من قدرته على التمثيل.
ترجمة:
“أعتذر. لا أصدّق أنني بكيت أمامكم رغم سني المتقدمة.”
Arisu-san
اهتزّ حاجباي لا إراديًّا عند سماع تلك الكذبة السافرة، لكنني كنت أعلم منذ البداية أن هذه الطائرة الرابعة ستكون الفاصل في معرفة صدقه من كذبه. أدرت رأسي متظاهرًا بأنني لا أعلم شيئًا عمّا جرى في كندا.
“ثم ماذا؟ ما الخطوة التالية؟”
