أنت من سيملأ الفجوة
بعد قليل دخل نيون غيو إلى الغرفة.
“سيدي، جئت مهرولاً فور أن ناديتني.”
علمتُ حينها أن ذلك هو السبب الحقيقي لزيارته. عرف أنني أحضرت نيون غيو بعد توجهي لتشكيل الوهم الغربي، وأن اكتشاف الجثث، ولا سيما الأطفال، لن يترك شيطان حاصد الأرواح وشأنه.
رفضتُ سماع الطريق الثاني، فقاطعته.
التفتت أنظارنا إلى خصره، وكما توقعتُ، لم تكن معه المروحة التي يحملها عادة مشعوذو الأرواح.
ظلَّ يحدق خارج النافذة ثم قال دون أن يلتفت إليّ.
“أين مروحتك؟”
“لقد فقدتها أمس.”
حضّرتُ الشاي بنفسي وصببت له كأسا، بينما وقف والدي خلف مكتبي متكئًا إلى النافذة، يطلُّ على الساحة.
ألقى شيطان حاصد الأرواح المروحة التي كان يحملها أمامه.
لم يجرؤ نيون غيو على سؤال شيطان حاصد الأرواح، فتوجه إليّ سائلاً.
“كنت مارًّا، فقررت زيارتك.”
“إنها لي. أين وجدتها؟”
“ولِمَ لا؟”
“عُثر على عدة جثثٍ أمس، ومن بينها وجدنا هذه.”
عند سماع إجابتي، ارتجف نيون غيو فجأة. كان ذلك نوعا مختلفا من الدهشة، لا يشبه الصدمة المعتادة التي تصيب المرء حين يُعثر على متاعه في مسرح الجريمة.
قبل أن أستوعب الأمر، تغيّر كل ما حولنا في غمضة عين.
ولم يسأل عن مكان العثور على الجثث أو عن أسباب الوفاة.
“احذر، خصمك هو شيطان حاصد الأرواح.”
“هل شيطان حاصد الأرواح حقًّا سندٌ لا غنى لطائفتا؟”
‘آه، إذًا نيون غيو هو من كُلّف بالتخلص من الجثث!’
“ليس لدينا دليل يثبت تورطه في القتل، فلا يمكن إبقاؤه محتجزًا طويلًا.”
أدركت في تلك اللحظة أن شيطان حاصد الأرواح يستخدم تقنية استحضار الأرواح سرًّا.
صرخت الأم بوجعٍ.
“بناءً على الظروف، عليك أن ترافقني للتحقيق.”
لم يُبدِ نيون غيو أي خوفٍ مني، بل نظر إلى شيطان حاصد الأرواح طالبًا قراره. حدق فيه الأخير صامتًا، كأنه يرسل رسالةً عبر تلاقي الأفكار، ثم توجّه نيون غيو إليّ بهدوءٍ.
ألقى شيطان حاصد الأرواح المروحة التي كان يحملها أمامه.
قبل أن أستوعب الأمر، تغيّر كل ما حولنا في غمضة عين.
“فهمت. لنذهب.”
ما إن عدنا إلى القصر حتى أمرت بإجراء تحقيقٍ حول نيون غيو.
لم يحتجّ على براءته، ولا قاوم؛ سلم نفسه بهدوء.
ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتيّ. إذًا، منحني إذنًا بقتله، مصحوبًا بتحدٍ لملء مكانه. همست في داخلي.
“لا! أرجوك! لا!”
انحنيت بأدب أمام شيطان حاصد الأرواح.
“شكرًا لتعاونك. ألقاك لاحقًا.”
“هل شيطان حاصد الأرواح حقًّا سندٌ لا غنى لطائفتا؟”
إنه أسهل من الطريقة الأولى والثانية معا.
أومأ شيطان حاصد الأرواح بصمت، وعيناه توحيان براحةٍ لا تعبّر عن شيء آخر.
تناوب المحققون الخاصون على استجوابه، لكنه كرّر أنه فقد مروحته ولم يزد شيئًا.
“يا ليت شجاعتي تكفيني.”
لكنَّ المشكل يقع في شيء مغاير تماماً.
هذه المرة، أحضرت معي سو داريونغ، الذي حاول الفرار خوفًا قبل أن أجرّه معي؛ فالتجارب المتعددة ستصقل شخصيته كقائدٍ مستقبلي للجناح.
“نعم.”
ما إن عدنا إلى القصر حتى أمرت بإجراء تحقيقٍ حول نيون غيو.
“لا أريد غير الطريقة الأولى. ساعدني على بلوغها.”
تناوب المحققون الخاصون على استجوابه، لكنه كرّر أنه فقد مروحته ولم يزد شيئًا.
“لن يبوح بسهولة.”
صرخت الأم بوجعٍ.
عند كلمات سو داريونغ، أومأت. رأيت في عينيه ولاءً وخوفًا من شيطان حاصد الأرواح يفوق أيّ إغراء أو تحقيق.
“ليس لدينا دليل يثبت تورطه في القتل، فلا يمكن إبقاؤه محتجزًا طويلًا.”
بينما ضحك شيطان حصاد الأرواح بغطرسةٍ، بدأ صدى كلماتي يحوم حولنا مردّدًا: ستموت… ستموت…
“هو مجرد بيدق. إن أردنا القبض على المسؤول الحقيقي، فهو شيطان حاصد الأرواح.”
حين لمح عزم في عيني، حذّرني سو داريونغ.
“احذر، خصمك هو شيطان حاصد الأرواح.”
“أرجوك، حررني. سأفعل ما تريد. فقط دعني أذهب. أرحمني!”
“أتذكر ما قلت لكم حين تسلّمتُ هذا المنصب؟ لو أن والدي أخطأ، لما ترددتُ في اعتقاله.”
لم يُبدِ نيون غيو أي خوفٍ مني، بل نظر إلى شيطان حاصد الأرواح طالبًا قراره. حدق فيه الأخير صامتًا، كأنه يرسل رسالةً عبر تلاقي الأفكار، ثم توجّه نيون غيو إليّ بهدوءٍ.
“نعم.”
“إذًا فليفز هو باليقظة. اذهب وأبلغه ذلك.”
“لستُ أنا من سيزهق روحك.”
“يا ليت شجاعتي تكفيني.”
في ذروة يأسها، انتُزع قلبها من صدرها بعنف. بقي قلبها يخفق بين أصابعه، قبل أن تخفت دقاته. انسكبت دماؤها كدموعٍ سوداء، وغرقت أنفاسها، فيما تدفَّق في داخله قدرٌ هادئ من القوة، بسيطٌ لكنه كافٍ.
أدركت في تلك اللحظة أن شيطان حاصد الأرواح يستخدم تقنية استحضار الأرواح سرًّا.
في نفس ذلك اليوم، زار شخص غير متوقع مكتبي.
“شكرًا لتعاونك. ألقاك لاحقًا.”
“هل هو قويٌ إلى هذا الحدّ، شيطان حاصد الأرواح؟”
دخل سو داريونغ بوجهٍ مندهشٍ وتلعثم.
“سـ… سيد الطائفة هنا.”
“نيون غيو مُبرَّأ. لا أدلة تدينه”
تملّكني الذهول كذلك؛ لم أتوقع أن يزورني والدي.
“تفضل بالدخول.”
هزَّ رأسه ببطء:
خرج سو داريونغ، ودخل والدي إلى المكتب.
“سأقنع أبي. كل صباح سأطرق بابه وأطالبه بقتلك. دنّسْتَ سمعة طائفتنا بقلوبٍ منكوبةٍ، فلا مفرّ من دفع الثمن. يوماً بعد يوم سأظل ألحُّ عليه، وسأعرض التنازل عن الخلافة إن أعدمك. ذات يوم، بوقوعك في خطأٍ فادحٍ تجاهه، سيوافق مباشرة.”
“أبي، ما الذي أتى بك إلى هنا؟”
“هو مجرد بيدق. إن أردنا القبض على المسؤول الحقيقي، فهو شيطان حاصد الأرواح.”
“كنت مارًّا، فقررت زيارتك.”
عند كلمات سو داريونغ، أومأت. رأيت في عينيه ولاءً وخوفًا من شيطان حاصد الأرواح يفوق أيّ إغراء أو تحقيق.
‘هذا محال. لا بدّ أنه جاء ليبلغني أمرًا…’
“ما هذه التقنية؟ هذه أوّل مرة أسمع عنها.”
“لدينا شايٌ وكحولٌ.”
“عُثر على عدة جثثٍ أمس، ومن بينها وجدنا هذه.”
“لم سأشرب الكحول في وضح النهار؟ لنكتفِ بالشاي.”
لقد كذب دون إظهار أي تردد في صوته. بحكم أنه وصل لمنصب شيطان دمار بحصد قلوب الآخرين، لم يظهر أي مشاعر عابثة.
حضّرتُ الشاي بنفسي وصببت له كأسا، بينما وقف والدي خلف مكتبي متكئًا إلى النافذة، يطلُّ على الساحة.
في ذروة يأسها، انتُزع قلبها من صدرها بعنف. بقي قلبها يخفق بين أصابعه، قبل أن تخفت دقاته. انسكبت دماؤها كدموعٍ سوداء، وغرقت أنفاسها، فيما تدفَّق في داخله قدرٌ هادئ من القوة، بسيطٌ لكنه كافٍ.
“تفضّل الشاي.”
“إنها لي. أين وجدتها؟”
حدّق والدي بي طويلاً في صمتٍ عميق، ثم التفت وقال بجديّة لم أتوقعها:
ظلَّ يحدق خارج النافذة ثم قال دون أن يلتفت إليّ.
“حتى وإن كان ينتزع قلوب الأحياء من أجل تقنيته الكبرى؟ هل كنتَ على علم؟”
“لا يجب أن تمسَّ شيطان حاصد الأرواح بعد.”
فعلاً، لا يزال والدِي هو رُشدِي. لسنا منفصلين عن دروبنا، بل نمضي جنبًا إلى جنب. ولو صرت يومًا أبًا، وهذا أقرب للمستحيل، لأرددت لابني هذه اللحظةَ من الامتنان والإثارة حين يحين وقته.
علمتُ حينها أن ذلك هو السبب الحقيقي لزيارته. عرف أنني أحضرت نيون غيو بعد توجهي لتشكيل الوهم الغربي، وأن اكتشاف الجثث، ولا سيما الأطفال، لن يترك شيطان حاصد الأرواح وشأنه.
فعلاً، لا يزال والدِي هو رُشدِي. لسنا منفصلين عن دروبنا، بل نمضي جنبًا إلى جنب. ولو صرت يومًا أبًا، وهذا أقرب للمستحيل، لأرددت لابني هذه اللحظةَ من الامتنان والإثارة حين يحين وقته.
“ولِمَ لا؟”
“لأن فنونك القتالية ليست قوية بما يكفي لقتله.”
“سأضربه حين يغفل، وحتى أقتله من الخلف إن احتاج الأمر.”
“ما هذه التقنية؟ هذه أوّل مرة أسمع عنها.”
هزّ رأسه مبتعدا عن النافذة.
“أن تأتي من الخلف أصعبُ من القتل.”
“لستُ أنا من سيزهق روحك.”
“هل هو قويٌ إلى هذا الحدّ، شيطان حاصد الأرواح؟”
“إنه الأضعف والأقوى في آنٍ واحد.”
عند سماع إجابتي، ارتجف نيون غيو فجأة. كان ذلك نوعا مختلفا من الدهشة، لا يشبه الصدمة المعتادة التي تصيب المرء حين يُعثر على متاعه في مسرح الجريمة.
“إنها لي. أين وجدتها؟”
لقد فهمت مقصده… إذا تجاوزتُ تقنية استحضار الأرواح التي يتقنها، إذا أتقنتُ فنونًا تقف في وجه سحره، فحينها سيصبح أضعف خصم لديّ. بدون سحره، لا تفيض فنونه بأي استثنائيّة.
“نعم.”
“هل ستساعدني على التفوّق عليه؟”
أشرتُ لسو داريونغ بالخروج، فهي مهمةٌ خطيرةٌ قد تُثير ردة فعلٍ قاتلة من خصمي.
تنهد وهو يراقب آخر خيوط الضوء التي تشرق فوق الأشجار.
“مستحيلٌ ذلك في وقتٍ قصير.”
“أن تأتي من الخلف أصعبُ من القتل.”
”كما رأيتَ، فأنا أتعلم بسرعة، أليس كذلك؟”
“هل هو قويٌ إلى هذا الحدّ، شيطان حاصد الأرواح؟”
“ثمة طريقان لحجب سحرِ شيطان حاصد الأرواح. الأوّل: إتقانُ فن شيطان الكوارث التسع. ستختلف درجة المقاومة بحسب موهبة الممارس، لكن إن بلغتَ المستوى الخامس لن يؤثّر سحره فيك.”
خرج سو داريونغ، ودخل والدي إلى المكتب.
انهمرت الدموع من عينيها وهي توسّل إليه.
رفضتُ سماع الطريق الثاني، فقاطعته.
“لا أريد غير الطريقة الأولى. ساعدني على بلوغها.”
“علمت بذلك مؤخرًا فقط.”
تجاهلَ طلبي كليا وأكمل.
“أو يمكنُك إتقانُ تقنية حماية جسد الشيطان السماوي. وبما أنّ كلاهما مستحيلٌ الآن، فأنا أحذرك مباشرة. تراجع.”
“توقف فورًا عن ممارستها.”
‘أبي، هناك في الواقع حل ثالث.’
إنه أسهل من الطريقة الأولى والثانية معا.
استقبلنا شيطان حاصد الأرواح بنظرةٍ مريعة، حدَّت فيها الهالات السوداء حول بؤبؤيه باتساعٍ غير طبيعي.
لكنَّ المشكل يقع في شيء مغاير تماماً.
“لم سأشرب الكحول في وضح النهار؟ لنكتفِ بالشاي.”
“هل شيطان حاصد الأرواح حقًّا سندٌ لا غنى لطائفتا؟”
ظلَّ يحدق خارج النافذة ثم قال دون أن يلتفت إليّ.
لابد وأن والدي استشعر نية القتل بداخلي عبر سؤالين هذا.
التفت إليّ والدي مجددًا.
“بين شياطين الدمار الثمانية، تعتبره الطوائف الأرثوذكسيّة أكثرهم عنادًا.”
“ثمة أمرٌ أودُّ كشفه لك.”
ابتسم ابتسامةٍ قاتمة.
“إذًا فليفز هو باليقظة. اذهب وأبلغه ذلك.”
“يعني ذلك أنه ضروري.”
قلتُ بنبرةٍ صارمة:
“حتى وإن كان ينتزع قلوب الأحياء من أجل تقنيته الكبرى؟ هل كنتَ على علم؟”
“لا! أرجوك! لا!”
هزَّ رأسه ببطء:
“علمت بذلك مؤخرًا فقط.”
“سيدي، جئت مهرولاً فور أن ناديتني.”
“أبي، ما الذي أتى بك إلى هنا؟”
لا بدّ أنه لم يرضَ عن مثل هذا الوحش… لكن كزعيمٍ للطائفة، لا يستطيع التخلص منه بسهولة، فهو القوة الأقوى ضد التحالف القتالي.
ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتيّ. إذًا، منحني إذنًا بقتله، مصحوبًا بتحدٍ لملء مكانه. همست في داخلي.
“علمت بذلك مؤخرًا فقط.”
لم يكن هذا شيئاً يجب على والدي التعامل معه؛ هذه مشكلة يجب أن أحلها بنفسي.
“أرجوك… أعطف عليّ. لديّ أطفال. إن متُّ، سيهلِك صغاري…”
أشرتُ لسو داريونغ بالخروج، فهي مهمةٌ خطيرةٌ قد تُثير ردة فعلٍ قاتلة من خصمي.
“ألا طلبتَ مني أن أخبرك قبل الإقدام على قتل أي من الشياطين؟”
أدركت في تلك اللحظة أن شيطان حاصد الأرواح يستخدم تقنية استحضار الأرواح سرًّا.
هذا هو الوعد الذي قدمته لوالدي في سبيل قبوله لطلب تعليمي لي آن فن السيف الشاهق.
“أن تأتي من الخلف أصعبُ من القتل.”
“أبلغتُك الآن. سأقتل شيطان حاصد الأرواح ياسو. سيكون أول من يموت من بين شياطين الدمار الثمانية.”
في الزمان الماضي عاش أطولهم… أما اليوم فمصيره سيكون عكس ذلك.
“تفضل بالدخول.”
“هذا ليس مجرد قتلٍ بسبب نوبة غضب عابرة. إنه أبشع من مجنون يجوب الشوارع ويزهق الأرواح عشوائيًا. هنا جريمة منظَّمة ومنتظمة، يُزهق فيها مدنيون بعقلٍ صافٍ، ثم تُطمس كلُّ الأدلة التي تدينه. لو أن الدوافع عظيمة، لربما وجدنا لها مبررًا ضيقًا، لكنه يفعل ذلك لينال قوةً ضئيلة، مستخدمًا وسائل وحشية لا يغتفر لها. هذا ليس إنسانًا، يا أبي. أنتَ تملك رابطا مع شياطين الدمار الثمانية، لذا أمره لي. لقد وهبتني السيف، فدعني أرفعه حتى النهاية.”
“لا يجب أن تمسَّ شيطان حاصد الأرواح بعد.”
لم أدرك مدى تجاوب والدي مع كلماتي. رغم رغبتي في السير إلى جانبه، كان لا بدّ لي من اعتبار الأمر بمنظورٍ مختلف. أحيانًا، كما في الرحلات الشاقة، نفترق عن الرفاق قليلًا ليلتقي المسافرون من جديد.
حدّقت المرأة المرتجفة في عيني ذلك الرجل العادي، اللافت غياب الحياة والعاطفة عن بؤبؤيه. لكن مشهد أطفالها جلى في ذهنها، فاستجمعت شجاعتها. بدونها، لا ينجو صغارُها من قسوة الشتاء القارس.
“هذا ليس مجرد قتلٍ بسبب نوبة غضب عابرة. إنه أبشع من مجنون يجوب الشوارع ويزهق الأرواح عشوائيًا. هنا جريمة منظَّمة ومنتظمة، يُزهق فيها مدنيون بعقلٍ صافٍ، ثم تُطمس كلُّ الأدلة التي تدينه. لو أن الدوافع عظيمة، لربما وجدنا لها مبررًا ضيقًا، لكنه يفعل ذلك لينال قوةً ضئيلة، مستخدمًا وسائل وحشية لا يغتفر لها. هذا ليس إنسانًا، يا أبي. أنتَ تملك رابطا مع شياطين الدمار الثمانية، لذا أمره لي. لقد وهبتني السيف، فدعني أرفعه حتى النهاية.”
حدّق والدي بي طويلاً في صمتٍ عميق، ثم التفت وقال بجديّة لم أتوقعها:
“إن كنت كفرا بما يكفي… فاملأ الفراغ الذي سيخلّفه. لن تكون هناك مشكلة كبيرة.”
قبل أن أستوعب الأمر، تغيّر كل ما حولنا في غمضة عين.
ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتيّ. إذًا، منحني إذنًا بقتله، مصحوبًا بتحدٍ لملء مكانه. همست في داخلي.
“نعم.”
‘شكرًا لك يا أبي.’
فعلاً، لا يزال والدِي هو رُشدِي. لسنا منفصلين عن دروبنا، بل نمضي جنبًا إلى جنب. ولو صرت يومًا أبًا، وهذا أقرب للمستحيل، لأرددت لابني هذه اللحظةَ من الامتنان والإثارة حين يحين وقته.
“لدينا شايٌ وكحولٌ.”
قال بخشونةٍ فاترة.
“أيها السيد الشاب الثاني، ما الذي تبتغيه حقا؟”
استقبلنا شيطان حاصد الأرواح بنظرةٍ مريعة، حدَّت فيها الهالات السوداء حول بؤبؤيه باتساعٍ غير طبيعي.
“إذًا فليفز هو باليقظة. اذهب وأبلغه ذلك.”
“أرجوك… أعطف عليّ. لديّ أطفال. إن متُّ، سيهلِك صغاري…”
بينما ضحك شيطان حصاد الأرواح بغطرسةٍ، بدأ صدى كلماتي يحوم حولنا مردّدًا: ستموت… ستموت…
حدّقت المرأة المرتجفة في عيني ذلك الرجل العادي، اللافت غياب الحياة والعاطفة عن بؤبؤيه. لكن مشهد أطفالها جلى في ذهنها، فاستجمعت شجاعتها. بدونها، لا ينجو صغارُها من قسوة الشتاء القارس.
أومأ شيطان حاصد الأرواح بصمت، وعيناه توحيان براحةٍ لا تعبّر عن شيء آخر.
انهمرت الدموع من عينيها وهي توسّل إليه.
“أرجوك، حررني. سأفعل ما تريد. فقط دعني أذهب. أرحمني!”
ثم رأت بؤبؤيه الميتين يظلمّان بالكامل، وكأنهما مسرحٌ لذكريات أطفالها: صغارٌ يرقدون جياعًا، يلقون الضرب من متسولين، ثم يُجرّون إلى تعذيبٍ لا يُطاق.
ما إن عدنا إلى القصر حتى أمرت بإجراء تحقيقٍ حول نيون غيو.
هزّ رأسه مبتعدا عن النافذة.
“لا! أرجوك! لا!”
دخل سو داريونغ بوجهٍ مندهشٍ وتلعثم.
صرخت، بينما يعيد الرجل في عينيها لحظات أطفالها الأخيرة بدقةٍ تحاكي الألم.
بمجرد ذكري لوالدي، لاحظتُ انحباس أنفاسه. انكمش بؤبؤاه السوداوان حتى غديا نقطًا صغيرةً، وصدر عنه هالهٌ كئيبةٌ غامضة. اجتاحت أصوات خفيفةٌ تشبه صدى الأشباح المكان، وتعاقب الضوء والظلام القاعة.
“سـ… سيد الطائفة هنا.”
سقط الأطفال على أرصفة الشتاء الباردة، وبآخر أنفاسهم تلفظوا: أمي، أنا جائع.
هذه المرة، أحضرت معي سو داريونغ، الذي حاول الفرار خوفًا قبل أن أجرّه معي؛ فالتجارب المتعددة ستصقل شخصيته كقائدٍ مستقبلي للجناح.
صرخت الأم بوجعٍ.
صرخت الأم بوجعٍ.
“آه! لا!”
“تفضل بالدخول.”
في ذروة يأسها، انتُزع قلبها من صدرها بعنف. بقي قلبها يخفق بين أصابعه، قبل أن تخفت دقاته. انسكبت دماؤها كدموعٍ سوداء، وغرقت أنفاسها، فيما تدفَّق في داخله قدرٌ هادئ من القوة، بسيطٌ لكنه كافٍ.
“ثمة طريقان لحجب سحرِ شيطان حاصد الأرواح. الأوّل: إتقانُ فن شيطان الكوارث التسع. ستختلف درجة المقاومة بحسب موهبة الممارس، لكن إن بلغتَ المستوى الخامس لن يؤثّر سحره فيك.”
إنه أسهل من الطريقة الأولى والثانية معا.
“لدينا شايٌ وكحولٌ.”
لم أدرك مدى تجاوب والدي مع كلماتي. رغم رغبتي في السير إلى جانبه، كان لا بدّ لي من اعتبار الأمر بمنظورٍ مختلف. أحيانًا، كما في الرحلات الشاقة، نفترق عن الرفاق قليلًا ليلتقي المسافرون من جديد.
في صباح اليوم التالي، اقتفيتُ أثر نيون غيو من غرفة التحقيق وتوجّهنا نحو تشكيل الوهم الغربي. قررتُ اللجوء إلى الطريقة الثالثة لقتال شيطان حاصد الأرواح، لكن تنفيذها يتطلب ما يقرب من شهرين، إذ عليّ بلوغ هدفٍ محدد في موعده. حتى يحين ذلك، لا بدّ من توفير الوقت بأي ثمن.
“هو مجرد بيدق. إن أردنا القبض على المسؤول الحقيقي، فهو شيطان حاصد الأرواح.”
هذه المرة، أحضرت معي سو داريونغ، الذي حاول الفرار خوفًا قبل أن أجرّه معي؛ فالتجارب المتعددة ستصقل شخصيته كقائدٍ مستقبلي للجناح.
استقبلنا شيطان حاصد الأرواح بنظرةٍ مريعة، حدَّت فيها الهالات السوداء حول بؤبؤيه باتساعٍ غير طبيعي.
“لا! أرجوك! لا!”
حدّق والدي بي طويلاً في صمتٍ عميق، ثم التفت وقال بجديّة لم أتوقعها:
“نيون غيو مُبرَّأ. لا أدلة تدينه”
“إن رفضت عرضي، ستمدُّ يدك إلى الموت.”
في ذروة يأسها، انتُزع قلبها من صدرها بعنف. بقي قلبها يخفق بين أصابعه، قبل أن تخفت دقاته. انسكبت دماؤها كدموعٍ سوداء، وغرقت أنفاسها، فيما تدفَّق في داخله قدرٌ هادئ من القوة، بسيطٌ لكنه كافٍ.
قال بخشونةٍ فاترة.
“إذاً أفرجوا عنه فقط. لماذا استدعيتُموني؟”
بمجرد ذكري لوالدي، لاحظتُ انحباس أنفاسه. انكمش بؤبؤاه السوداوان حتى غديا نقطًا صغيرةً، وصدر عنه هالهٌ كئيبةٌ غامضة. اجتاحت أصوات خفيفةٌ تشبه صدى الأشباح المكان، وتعاقب الضوء والظلام القاعة.
“ثمة أمرٌ أودُّ كشفه لك.”
حضّرتُ الشاي بنفسي وصببت له كأسا، بينما وقف والدي خلف مكتبي متكئًا إلى النافذة، يطلُّ على الساحة.
لم أدرك مدى تجاوب والدي مع كلماتي. رغم رغبتي في السير إلى جانبه، كان لا بدّ لي من اعتبار الأمر بمنظورٍ مختلف. أحيانًا، كما في الرحلات الشاقة، نفترق عن الرفاق قليلًا ليلتقي المسافرون من جديد.
أشرتُ لسو داريونغ بالخروج، فهي مهمةٌ خطيرةٌ قد تُثير ردة فعلٍ قاتلة من خصمي.
“أن تأتي من الخلف أصعبُ من القتل.”
بقيتُ وحدي معه فنهضتُ مباشرةً.
“أعلم أنك تتدرّب على تقنية حصد الروح والقلب.”
“إنها لي. أين وجدتها؟”
“ما هذه التقنية؟ هذه أوّل مرة أسمع عنها.”
“إذاً أفرجوا عنه فقط. لماذا استدعيتُموني؟”
سقط الأطفال على أرصفة الشتاء الباردة، وبآخر أنفاسهم تلفظوا: أمي، أنا جائع.
لقد كذب دون إظهار أي تردد في صوته. بحكم أنه وصل لمنصب شيطان دمار بحصد قلوب الآخرين، لم يظهر أي مشاعر عابثة.
فعلاً، لا يزال والدِي هو رُشدِي. لسنا منفصلين عن دروبنا، بل نمضي جنبًا إلى جنب. ولو صرت يومًا أبًا، وهذا أقرب للمستحيل، لأرددت لابني هذه اللحظةَ من الامتنان والإثارة حين يحين وقته.
فجأة صمت الصدى حين نظرتُ إليه.
“توقف فورًا عن ممارستها.”
“أيها السيد الشاب الثاني، ما الذي تبتغيه حقا؟”
“إن رفضت عرضي، ستمدُّ يدك إلى الموت.”
حدّق والدي بي طويلاً في صمتٍ عميق، ثم التفت وقال بجديّة لم أتوقعها:
“إذاً أفرجوا عنه فقط. لماذا استدعيتُموني؟”
بينما ضحك شيطان حصاد الأرواح بغطرسةٍ، بدأ صدى كلماتي يحوم حولنا مردّدًا: ستموت… ستموت…
“هل هو قويٌ إلى هذا الحدّ، شيطان حاصد الأرواح؟”
“أتذكر ما قلت لكم حين تسلّمتُ هذا المنصب؟ لو أن والدي أخطأ، لما ترددتُ في اعتقاله.”
هدّأت نفسي بتقنية حماية الجسد السماوي وأصغيتُ بنفَسٍ ثابت.
لا بدّ أنه لم يرضَ عن مثل هذا الوحش… لكن كزعيمٍ للطائفة، لا يستطيع التخلص منه بسهولة، فهو القوة الأقوى ضد التحالف القتالي.
“لستُ أنا من سيزهق روحك.”
“أبلغتُك الآن. سأقتل شيطان حاصد الأرواح ياسو. سيكون أول من يموت من بين شياطين الدمار الثمانية.”
تملّكني الذهول كذلك؛ لم أتوقع أن يزورني والدي.
فجأة صمت الصدى حين نظرتُ إليه.
أشرتُ لسو داريونغ بالخروج، فهي مهمةٌ خطيرةٌ قد تُثير ردة فعلٍ قاتلة من خصمي.
“أعلم أنك تتدرّب على تقنية حصد الروح والقلب.”
“سأقنع أبي. كل صباح سأطرق بابه وأطالبه بقتلك. دنّسْتَ سمعة طائفتنا بقلوبٍ منكوبةٍ، فلا مفرّ من دفع الثمن. يوماً بعد يوم سأظل ألحُّ عليه، وسأعرض التنازل عن الخلافة إن أعدمك. ذات يوم، بوقوعك في خطأٍ فادحٍ تجاهه، سيوافق مباشرة.”
“لا يجب أن تمسَّ شيطان حاصد الأرواح بعد.”
“أرجوك، حررني. سأفعل ما تريد. فقط دعني أذهب. أرحمني!”
بمجرد ذكري لوالدي، لاحظتُ انحباس أنفاسه. انكمش بؤبؤاه السوداوان حتى غديا نقطًا صغيرةً، وصدر عنه هالهٌ كئيبةٌ غامضة. اجتاحت أصوات خفيفةٌ تشبه صدى الأشباح المكان، وتعاقب الضوء والظلام القاعة.
في نفس ذلك اليوم، زار شخص غير متوقع مكتبي.
قبل أن أستوعب الأمر، تغيّر كل ما حولنا في غمضة عين.
“لدينا شايٌ وكحولٌ.”
