أنت من سيملأ الفجوة
بعد قليل دخل نيون غيو إلى الغرفة.
“سيدي، جئت مهرولاً فور أن ناديتني.”
في صباح اليوم التالي، اقتفيتُ أثر نيون غيو من غرفة التحقيق وتوجّهنا نحو تشكيل الوهم الغربي. قررتُ اللجوء إلى الطريقة الثالثة لقتال شيطان حاصد الأرواح، لكن تنفيذها يتطلب ما يقرب من شهرين، إذ عليّ بلوغ هدفٍ محدد في موعده. حتى يحين ذلك، لا بدّ من توفير الوقت بأي ثمن.
التفتت أنظارنا إلى خصره، وكما توقعتُ، لم تكن معه المروحة التي يحملها عادة مشعوذو الأرواح.
“أين مروحتك؟”
“أرجوك… أعطف عليّ. لديّ أطفال. إن متُّ، سيهلِك صغاري…”
“لقد فقدتها أمس.”
صرخت الأم بوجعٍ.
فجأة صمت الصدى حين نظرتُ إليه.
ألقى شيطان حاصد الأرواح المروحة التي كان يحملها أمامه.
بقيتُ وحدي معه فنهضتُ مباشرةً.
حدّقت المرأة المرتجفة في عيني ذلك الرجل العادي، اللافت غياب الحياة والعاطفة عن بؤبؤيه. لكن مشهد أطفالها جلى في ذهنها، فاستجمعت شجاعتها. بدونها، لا ينجو صغارُها من قسوة الشتاء القارس.
لم يجرؤ نيون غيو على سؤال شيطان حاصد الأرواح، فتوجه إليّ سائلاً.
“إنها لي. أين وجدتها؟”
“عُثر على عدة جثثٍ أمس، ومن بينها وجدنا هذه.”
لا بدّ أنه لم يرضَ عن مثل هذا الوحش… لكن كزعيمٍ للطائفة، لا يستطيع التخلص منه بسهولة، فهو القوة الأقوى ضد التحالف القتالي.
عند سماع إجابتي، ارتجف نيون غيو فجأة. كان ذلك نوعا مختلفا من الدهشة، لا يشبه الصدمة المعتادة التي تصيب المرء حين يُعثر على متاعه في مسرح الجريمة.
في الزمان الماضي عاش أطولهم… أما اليوم فمصيره سيكون عكس ذلك.
ولم يسأل عن مكان العثور على الجثث أو عن أسباب الوفاة.
‘آه، إذًا نيون غيو هو من كُلّف بالتخلص من الجثث!’
أدركت في تلك اللحظة أن شيطان حاصد الأرواح يستخدم تقنية استحضار الأرواح سرًّا.
“بناءً على الظروف، عليك أن ترافقني للتحقيق.”
لم يكن هذا شيئاً يجب على والدي التعامل معه؛ هذه مشكلة يجب أن أحلها بنفسي.
لم يُبدِ نيون غيو أي خوفٍ مني، بل نظر إلى شيطان حاصد الأرواح طالبًا قراره. حدق فيه الأخير صامتًا، كأنه يرسل رسالةً عبر تلاقي الأفكار، ثم توجّه نيون غيو إليّ بهدوءٍ.
“إنه الأضعف والأقوى في آنٍ واحد.”
“فهمت. لنذهب.”
ما إن عدنا إلى القصر حتى أمرت بإجراء تحقيقٍ حول نيون غيو.
هذه المرة، أحضرت معي سو داريونغ، الذي حاول الفرار خوفًا قبل أن أجرّه معي؛ فالتجارب المتعددة ستصقل شخصيته كقائدٍ مستقبلي للجناح.
لم يحتجّ على براءته، ولا قاوم؛ سلم نفسه بهدوء.
“سيدي، جئت مهرولاً فور أن ناديتني.”
انحنيت بأدب أمام شيطان حاصد الأرواح.
“ما هذه التقنية؟ هذه أوّل مرة أسمع عنها.”
“شكرًا لتعاونك. ألقاك لاحقًا.”
“هذا ليس مجرد قتلٍ بسبب نوبة غضب عابرة. إنه أبشع من مجنون يجوب الشوارع ويزهق الأرواح عشوائيًا. هنا جريمة منظَّمة ومنتظمة، يُزهق فيها مدنيون بعقلٍ صافٍ، ثم تُطمس كلُّ الأدلة التي تدينه. لو أن الدوافع عظيمة، لربما وجدنا لها مبررًا ضيقًا، لكنه يفعل ذلك لينال قوةً ضئيلة، مستخدمًا وسائل وحشية لا يغتفر لها. هذا ليس إنسانًا، يا أبي. أنتَ تملك رابطا مع شياطين الدمار الثمانية، لذا أمره لي. لقد وهبتني السيف، فدعني أرفعه حتى النهاية.”
أومأ شيطان حاصد الأرواح بصمت، وعيناه توحيان براحةٍ لا تعبّر عن شيء آخر.
ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتيّ. إذًا، منحني إذنًا بقتله، مصحوبًا بتحدٍ لملء مكانه. همست في داخلي.
“سأضربه حين يغفل، وحتى أقتله من الخلف إن احتاج الأمر.”
“ألا طلبتَ مني أن أخبرك قبل الإقدام على قتل أي من الشياطين؟”
قلتُ بنبرةٍ صارمة:
قلتُ بنبرةٍ صارمة:
لقد فهمت مقصده… إذا تجاوزتُ تقنية استحضار الأرواح التي يتقنها، إذا أتقنتُ فنونًا تقف في وجه سحره، فحينها سيصبح أضعف خصم لديّ. بدون سحره، لا تفيض فنونه بأي استثنائيّة.
ما إن عدنا إلى القصر حتى أمرت بإجراء تحقيقٍ حول نيون غيو.
استقبلنا شيطان حاصد الأرواح بنظرةٍ مريعة، حدَّت فيها الهالات السوداء حول بؤبؤيه باتساعٍ غير طبيعي.
تناوب المحققون الخاصون على استجوابه، لكنه كرّر أنه فقد مروحته ولم يزد شيئًا.
“هل هو قويٌ إلى هذا الحدّ، شيطان حاصد الأرواح؟”
لم يكن هذا شيئاً يجب على والدي التعامل معه؛ هذه مشكلة يجب أن أحلها بنفسي.
“لن يبوح بسهولة.”
عند كلمات سو داريونغ، أومأت. رأيت في عينيه ولاءً وخوفًا من شيطان حاصد الأرواح يفوق أيّ إغراء أو تحقيق.
سقط الأطفال على أرصفة الشتاء الباردة، وبآخر أنفاسهم تلفظوا: أمي، أنا جائع.
“ليس لدينا دليل يثبت تورطه في القتل، فلا يمكن إبقاؤه محتجزًا طويلًا.”
“هل شيطان حاصد الأرواح حقًّا سندٌ لا غنى لطائفتا؟”
“هو مجرد بيدق. إن أردنا القبض على المسؤول الحقيقي، فهو شيطان حاصد الأرواح.”
“لن يبوح بسهولة.”
حين لمح عزم في عيني، حذّرني سو داريونغ.
“تفضل بالدخول.”
“احذر، خصمك هو شيطان حاصد الأرواح.”
“أتذكر ما قلت لكم حين تسلّمتُ هذا المنصب؟ لو أن والدي أخطأ، لما ترددتُ في اعتقاله.”
حدّقت المرأة المرتجفة في عيني ذلك الرجل العادي، اللافت غياب الحياة والعاطفة عن بؤبؤيه. لكن مشهد أطفالها جلى في ذهنها، فاستجمعت شجاعتها. بدونها، لا ينجو صغارُها من قسوة الشتاء القارس.
“نعم.”
“إذًا فليفز هو باليقظة. اذهب وأبلغه ذلك.”
“يا ليت شجاعتي تكفيني.”
“لا! أرجوك! لا!”
في نفس ذلك اليوم، زار شخص غير متوقع مكتبي.
“أرجوك… أعطف عليّ. لديّ أطفال. إن متُّ، سيهلِك صغاري…”
دخل سو داريونغ بوجهٍ مندهشٍ وتلعثم.
ظلَّ يحدق خارج النافذة ثم قال دون أن يلتفت إليّ.
“سـ… سيد الطائفة هنا.”
قلتُ بنبرةٍ صارمة:
تملّكني الذهول كذلك؛ لم أتوقع أن يزورني والدي.
أومأ شيطان حاصد الأرواح بصمت، وعيناه توحيان براحةٍ لا تعبّر عن شيء آخر.
“ثمة طريقان لحجب سحرِ شيطان حاصد الأرواح. الأوّل: إتقانُ فن شيطان الكوارث التسع. ستختلف درجة المقاومة بحسب موهبة الممارس، لكن إن بلغتَ المستوى الخامس لن يؤثّر سحره فيك.”
“تفضل بالدخول.”
“أتذكر ما قلت لكم حين تسلّمتُ هذا المنصب؟ لو أن والدي أخطأ، لما ترددتُ في اعتقاله.”
خرج سو داريونغ، ودخل والدي إلى المكتب.
“أبي، ما الذي أتى بك إلى هنا؟”
“آه! لا!”
“كنت مارًّا، فقررت زيارتك.”
“نعم.”
‘هذا محال. لا بدّ أنه جاء ليبلغني أمرًا…’
فجأة صمت الصدى حين نظرتُ إليه.
“لدينا شايٌ وكحولٌ.”
“لم سأشرب الكحول في وضح النهار؟ لنكتفِ بالشاي.”
“احذر، خصمك هو شيطان حاصد الأرواح.”
حضّرتُ الشاي بنفسي وصببت له كأسا، بينما وقف والدي خلف مكتبي متكئًا إلى النافذة، يطلُّ على الساحة.
“لا أريد غير الطريقة الأولى. ساعدني على بلوغها.”
“تفضّل الشاي.”
ظلَّ يحدق خارج النافذة ثم قال دون أن يلتفت إليّ.
“ليس لدينا دليل يثبت تورطه في القتل، فلا يمكن إبقاؤه محتجزًا طويلًا.”
“لا يجب أن تمسَّ شيطان حاصد الأرواح بعد.”
لم يحتجّ على براءته، ولا قاوم؛ سلم نفسه بهدوء.
علمتُ حينها أن ذلك هو السبب الحقيقي لزيارته. عرف أنني أحضرت نيون غيو بعد توجهي لتشكيل الوهم الغربي، وأن اكتشاف الجثث، ولا سيما الأطفال، لن يترك شيطان حاصد الأرواح وشأنه.
أومأ شيطان حاصد الأرواح بصمت، وعيناه توحيان براحةٍ لا تعبّر عن شيء آخر.
“ولِمَ لا؟”
لقد فهمت مقصده… إذا تجاوزتُ تقنية استحضار الأرواح التي يتقنها، إذا أتقنتُ فنونًا تقف في وجه سحره، فحينها سيصبح أضعف خصم لديّ. بدون سحره، لا تفيض فنونه بأي استثنائيّة.
“لأن فنونك القتالية ليست قوية بما يكفي لقتله.”
“سأضربه حين يغفل، وحتى أقتله من الخلف إن احتاج الأمر.”
ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتيّ. إذًا، منحني إذنًا بقتله، مصحوبًا بتحدٍ لملء مكانه. همست في داخلي.
هزّ رأسه مبتعدا عن النافذة.
“أن تأتي من الخلف أصعبُ من القتل.”
“إنها لي. أين وجدتها؟”
“هل هو قويٌ إلى هذا الحدّ، شيطان حاصد الأرواح؟”
“إنه الأضعف والأقوى في آنٍ واحد.”
علمتُ حينها أن ذلك هو السبب الحقيقي لزيارته. عرف أنني أحضرت نيون غيو بعد توجهي لتشكيل الوهم الغربي، وأن اكتشاف الجثث، ولا سيما الأطفال، لن يترك شيطان حاصد الأرواح وشأنه.
لقد فهمت مقصده… إذا تجاوزتُ تقنية استحضار الأرواح التي يتقنها، إذا أتقنتُ فنونًا تقف في وجه سحره، فحينها سيصبح أضعف خصم لديّ. بدون سحره، لا تفيض فنونه بأي استثنائيّة.
“لستُ أنا من سيزهق روحك.”
“أو يمكنُك إتقانُ تقنية حماية جسد الشيطان السماوي. وبما أنّ كلاهما مستحيلٌ الآن، فأنا أحذرك مباشرة. تراجع.”
“هل ستساعدني على التفوّق عليه؟”
“علمت بذلك مؤخرًا فقط.”
تنهد وهو يراقب آخر خيوط الضوء التي تشرق فوق الأشجار.
“مستحيلٌ ذلك في وقتٍ قصير.”
”كما رأيتَ، فأنا أتعلم بسرعة، أليس كذلك؟”
“كنت مارًّا، فقررت زيارتك.”
“ثمة طريقان لحجب سحرِ شيطان حاصد الأرواح. الأوّل: إتقانُ فن شيطان الكوارث التسع. ستختلف درجة المقاومة بحسب موهبة الممارس، لكن إن بلغتَ المستوى الخامس لن يؤثّر سحره فيك.”
رفضتُ سماع الطريق الثاني، فقاطعته.
“لا أريد غير الطريقة الأولى. ساعدني على بلوغها.”
“يعني ذلك أنه ضروري.”
تجاهلَ طلبي كليا وأكمل.
“أو يمكنُك إتقانُ تقنية حماية جسد الشيطان السماوي. وبما أنّ كلاهما مستحيلٌ الآن، فأنا أحذرك مباشرة. تراجع.”
هذا هو الوعد الذي قدمته لوالدي في سبيل قبوله لطلب تعليمي لي آن فن السيف الشاهق.
تملّكني الذهول كذلك؛ لم أتوقع أن يزورني والدي.
‘أبي، هناك في الواقع حل ثالث.’
“كنت مارًّا، فقررت زيارتك.”
في نفس ذلك اليوم، زار شخص غير متوقع مكتبي.
إنه أسهل من الطريقة الأولى والثانية معا.
“إنه الأضعف والأقوى في آنٍ واحد.”
لكنَّ المشكل يقع في شيء مغاير تماماً.
إنه أسهل من الطريقة الأولى والثانية معا.
‘آه، إذًا نيون غيو هو من كُلّف بالتخلص من الجثث!’
“هل شيطان حاصد الأرواح حقًّا سندٌ لا غنى لطائفتا؟”
لابد وأن والدي استشعر نية القتل بداخلي عبر سؤالين هذا.
“علمت بذلك مؤخرًا فقط.”
التفت إليّ والدي مجددًا.
“هل شيطان حاصد الأرواح حقًّا سندٌ لا غنى لطائفتا؟”
“بين شياطين الدمار الثمانية، تعتبره الطوائف الأرثوذكسيّة أكثرهم عنادًا.”
ابتسم ابتسامةٍ قاتمة.
“يعني ذلك أنه ضروري.”
قال بخشونةٍ فاترة.
“ثمة أمرٌ أودُّ كشفه لك.”
قلتُ بنبرةٍ صارمة:
“حتى وإن كان ينتزع قلوب الأحياء من أجل تقنيته الكبرى؟ هل كنتَ على علم؟”
قلتُ بنبرةٍ صارمة:
هزَّ رأسه ببطء:
“علمت بذلك مؤخرًا فقط.”
“نعم.”
لا بدّ أنه لم يرضَ عن مثل هذا الوحش… لكن كزعيمٍ للطائفة، لا يستطيع التخلص منه بسهولة، فهو القوة الأقوى ضد التحالف القتالي.
“ولِمَ لا؟”
لم يكن هذا شيئاً يجب على والدي التعامل معه؛ هذه مشكلة يجب أن أحلها بنفسي.
“ألا طلبتَ مني أن أخبرك قبل الإقدام على قتل أي من الشياطين؟”
“بين شياطين الدمار الثمانية، تعتبره الطوائف الأرثوذكسيّة أكثرهم عنادًا.”
تناوب المحققون الخاصون على استجوابه، لكنه كرّر أنه فقد مروحته ولم يزد شيئًا.
هذا هو الوعد الذي قدمته لوالدي في سبيل قبوله لطلب تعليمي لي آن فن السيف الشاهق.
“إن كنت كفرا بما يكفي… فاملأ الفراغ الذي سيخلّفه. لن تكون هناك مشكلة كبيرة.”
لم يُبدِ نيون غيو أي خوفٍ مني، بل نظر إلى شيطان حاصد الأرواح طالبًا قراره. حدق فيه الأخير صامتًا، كأنه يرسل رسالةً عبر تلاقي الأفكار، ثم توجّه نيون غيو إليّ بهدوءٍ.
“أبلغتُك الآن. سأقتل شيطان حاصد الأرواح ياسو. سيكون أول من يموت من بين شياطين الدمار الثمانية.”
ظلَّ يحدق خارج النافذة ثم قال دون أن يلتفت إليّ.
في الزمان الماضي عاش أطولهم… أما اليوم فمصيره سيكون عكس ذلك.
هزّ رأسه مبتعدا عن النافذة.
“هذا ليس مجرد قتلٍ بسبب نوبة غضب عابرة. إنه أبشع من مجنون يجوب الشوارع ويزهق الأرواح عشوائيًا. هنا جريمة منظَّمة ومنتظمة، يُزهق فيها مدنيون بعقلٍ صافٍ، ثم تُطمس كلُّ الأدلة التي تدينه. لو أن الدوافع عظيمة، لربما وجدنا لها مبررًا ضيقًا، لكنه يفعل ذلك لينال قوةً ضئيلة، مستخدمًا وسائل وحشية لا يغتفر لها. هذا ليس إنسانًا، يا أبي. أنتَ تملك رابطا مع شياطين الدمار الثمانية، لذا أمره لي. لقد وهبتني السيف، فدعني أرفعه حتى النهاية.”
“ما هذه التقنية؟ هذه أوّل مرة أسمع عنها.”
لم أدرك مدى تجاوب والدي مع كلماتي. رغم رغبتي في السير إلى جانبه، كان لا بدّ لي من اعتبار الأمر بمنظورٍ مختلف. أحيانًا، كما في الرحلات الشاقة، نفترق عن الرفاق قليلًا ليلتقي المسافرون من جديد.
في صباح اليوم التالي، اقتفيتُ أثر نيون غيو من غرفة التحقيق وتوجّهنا نحو تشكيل الوهم الغربي. قررتُ اللجوء إلى الطريقة الثالثة لقتال شيطان حاصد الأرواح، لكن تنفيذها يتطلب ما يقرب من شهرين، إذ عليّ بلوغ هدفٍ محدد في موعده. حتى يحين ذلك، لا بدّ من توفير الوقت بأي ثمن.
حدّق والدي بي طويلاً في صمتٍ عميق، ثم التفت وقال بجديّة لم أتوقعها:
أومأ شيطان حاصد الأرواح بصمت، وعيناه توحيان براحةٍ لا تعبّر عن شيء آخر.
قبل أن أستوعب الأمر، تغيّر كل ما حولنا في غمضة عين.
“إن كنت كفرا بما يكفي… فاملأ الفراغ الذي سيخلّفه. لن تكون هناك مشكلة كبيرة.”
ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتيّ. إذًا، منحني إذنًا بقتله، مصحوبًا بتحدٍ لملء مكانه. همست في داخلي.
‘شكرًا لك يا أبي.’
ما إن عدنا إلى القصر حتى أمرت بإجراء تحقيقٍ حول نيون غيو.
تجاهلَ طلبي كليا وأكمل.
فعلاً، لا يزال والدِي هو رُشدِي. لسنا منفصلين عن دروبنا، بل نمضي جنبًا إلى جنب. ولو صرت يومًا أبًا، وهذا أقرب للمستحيل، لأرددت لابني هذه اللحظةَ من الامتنان والإثارة حين يحين وقته.
لم يُبدِ نيون غيو أي خوفٍ مني، بل نظر إلى شيطان حاصد الأرواح طالبًا قراره. حدق فيه الأخير صامتًا، كأنه يرسل رسالةً عبر تلاقي الأفكار، ثم توجّه نيون غيو إليّ بهدوءٍ.
‘أبي، هناك في الواقع حل ثالث.’
“حتى وإن كان ينتزع قلوب الأحياء من أجل تقنيته الكبرى؟ هل كنتَ على علم؟”
“أرجوك… أعطف عليّ. لديّ أطفال. إن متُّ، سيهلِك صغاري…”
حدّقت المرأة المرتجفة في عيني ذلك الرجل العادي، اللافت غياب الحياة والعاطفة عن بؤبؤيه. لكن مشهد أطفالها جلى في ذهنها، فاستجمعت شجاعتها. بدونها، لا ينجو صغارُها من قسوة الشتاء القارس.
استقبلنا شيطان حاصد الأرواح بنظرةٍ مريعة، حدَّت فيها الهالات السوداء حول بؤبؤيه باتساعٍ غير طبيعي.
انهمرت الدموع من عينيها وهي توسّل إليه.
“أرجوك، حررني. سأفعل ما تريد. فقط دعني أذهب. أرحمني!”
“علمت بذلك مؤخرًا فقط.”
انحنيت بأدب أمام شيطان حاصد الأرواح.
ثم رأت بؤبؤيه الميتين يظلمّان بالكامل، وكأنهما مسرحٌ لذكريات أطفالها: صغارٌ يرقدون جياعًا، يلقون الضرب من متسولين، ثم يُجرّون إلى تعذيبٍ لا يُطاق.
“أتذكر ما قلت لكم حين تسلّمتُ هذا المنصب؟ لو أن والدي أخطأ، لما ترددتُ في اعتقاله.”
لا بدّ أنه لم يرضَ عن مثل هذا الوحش… لكن كزعيمٍ للطائفة، لا يستطيع التخلص منه بسهولة، فهو القوة الأقوى ضد التحالف القتالي.
“لا! أرجوك! لا!”
صرخت، بينما يعيد الرجل في عينيها لحظات أطفالها الأخيرة بدقةٍ تحاكي الألم.
إنه أسهل من الطريقة الأولى والثانية معا.
سقط الأطفال على أرصفة الشتاء الباردة، وبآخر أنفاسهم تلفظوا: أمي، أنا جائع.
“فهمت. لنذهب.”
علمتُ حينها أن ذلك هو السبب الحقيقي لزيارته. عرف أنني أحضرت نيون غيو بعد توجهي لتشكيل الوهم الغربي، وأن اكتشاف الجثث، ولا سيما الأطفال، لن يترك شيطان حاصد الأرواح وشأنه.
صرخت الأم بوجعٍ.
“آه! لا!”
“ألا طلبتَ مني أن أخبرك قبل الإقدام على قتل أي من الشياطين؟”
تناوب المحققون الخاصون على استجوابه، لكنه كرّر أنه فقد مروحته ولم يزد شيئًا.
في ذروة يأسها، انتُزع قلبها من صدرها بعنف. بقي قلبها يخفق بين أصابعه، قبل أن تخفت دقاته. انسكبت دماؤها كدموعٍ سوداء، وغرقت أنفاسها، فيما تدفَّق في داخله قدرٌ هادئ من القوة، بسيطٌ لكنه كافٍ.
فعلاً، لا يزال والدِي هو رُشدِي. لسنا منفصلين عن دروبنا، بل نمضي جنبًا إلى جنب. ولو صرت يومًا أبًا، وهذا أقرب للمستحيل، لأرددت لابني هذه اللحظةَ من الامتنان والإثارة حين يحين وقته.
في صباح اليوم التالي، اقتفيتُ أثر نيون غيو من غرفة التحقيق وتوجّهنا نحو تشكيل الوهم الغربي. قررتُ اللجوء إلى الطريقة الثالثة لقتال شيطان حاصد الأرواح، لكن تنفيذها يتطلب ما يقرب من شهرين، إذ عليّ بلوغ هدفٍ محدد في موعده. حتى يحين ذلك، لا بدّ من توفير الوقت بأي ثمن.
“أرجوك، حررني. سأفعل ما تريد. فقط دعني أذهب. أرحمني!”
لكنَّ المشكل يقع في شيء مغاير تماماً.
هذه المرة، أحضرت معي سو داريونغ، الذي حاول الفرار خوفًا قبل أن أجرّه معي؛ فالتجارب المتعددة ستصقل شخصيته كقائدٍ مستقبلي للجناح.
“علمت بذلك مؤخرًا فقط.”
استقبلنا شيطان حاصد الأرواح بنظرةٍ مريعة، حدَّت فيها الهالات السوداء حول بؤبؤيه باتساعٍ غير طبيعي.
“أرجوك… أعطف عليّ. لديّ أطفال. إن متُّ، سيهلِك صغاري…”
“نيون غيو مُبرَّأ. لا أدلة تدينه”
“سيدي، جئت مهرولاً فور أن ناديتني.”
“بناءً على الظروف، عليك أن ترافقني للتحقيق.”
قال بخشونةٍ فاترة.
“لأن فنونك القتالية ليست قوية بما يكفي لقتله.”
“إذاً أفرجوا عنه فقط. لماذا استدعيتُموني؟”
قال بخشونةٍ فاترة.
خرج سو داريونغ، ودخل والدي إلى المكتب.
“ثمة أمرٌ أودُّ كشفه لك.”
“ثمة أمرٌ أودُّ كشفه لك.”
أشرتُ لسو داريونغ بالخروج، فهي مهمةٌ خطيرةٌ قد تُثير ردة فعلٍ قاتلة من خصمي.
“إن رفضت عرضي، ستمدُّ يدك إلى الموت.”
بقيتُ وحدي معه فنهضتُ مباشرةً.
“أعلم أنك تتدرّب على تقنية حصد الروح والقلب.”
عند سماع إجابتي، ارتجف نيون غيو فجأة. كان ذلك نوعا مختلفا من الدهشة، لا يشبه الصدمة المعتادة التي تصيب المرء حين يُعثر على متاعه في مسرح الجريمة.
“ما هذه التقنية؟ هذه أوّل مرة أسمع عنها.”
“فهمت. لنذهب.”
“تفضّل الشاي.”
لقد كذب دون إظهار أي تردد في صوته. بحكم أنه وصل لمنصب شيطان دمار بحصد قلوب الآخرين، لم يظهر أي مشاعر عابثة.
عند سماع إجابتي، ارتجف نيون غيو فجأة. كان ذلك نوعا مختلفا من الدهشة، لا يشبه الصدمة المعتادة التي تصيب المرء حين يُعثر على متاعه في مسرح الجريمة.
“توقف فورًا عن ممارستها.”
هذا هو الوعد الذي قدمته لوالدي في سبيل قبوله لطلب تعليمي لي آن فن السيف الشاهق.
“أيها السيد الشاب الثاني، ما الذي تبتغيه حقا؟”
“إن رفضت عرضي، ستمدُّ يدك إلى الموت.”
“لأن فنونك القتالية ليست قوية بما يكفي لقتله.”
بعد قليل دخل نيون غيو إلى الغرفة.
بينما ضحك شيطان حصاد الأرواح بغطرسةٍ، بدأ صدى كلماتي يحوم حولنا مردّدًا: ستموت… ستموت…
“بناءً على الظروف، عليك أن ترافقني للتحقيق.”
“عُثر على عدة جثثٍ أمس، ومن بينها وجدنا هذه.”
هدّأت نفسي بتقنية حماية الجسد السماوي وأصغيتُ بنفَسٍ ثابت.
“لستُ أنا من سيزهق روحك.”
“احذر، خصمك هو شيطان حاصد الأرواح.”
قلتُ بنبرةٍ صارمة:
فجأة صمت الصدى حين نظرتُ إليه.
ولم يسأل عن مكان العثور على الجثث أو عن أسباب الوفاة.
ثم رأت بؤبؤيه الميتين يظلمّان بالكامل، وكأنهما مسرحٌ لذكريات أطفالها: صغارٌ يرقدون جياعًا، يلقون الضرب من متسولين، ثم يُجرّون إلى تعذيبٍ لا يُطاق.
“سأقنع أبي. كل صباح سأطرق بابه وأطالبه بقتلك. دنّسْتَ سمعة طائفتنا بقلوبٍ منكوبةٍ، فلا مفرّ من دفع الثمن. يوماً بعد يوم سأظل ألحُّ عليه، وسأعرض التنازل عن الخلافة إن أعدمك. ذات يوم، بوقوعك في خطأٍ فادحٍ تجاهه، سيوافق مباشرة.”
“علمت بذلك مؤخرًا فقط.”
بمجرد ذكري لوالدي، لاحظتُ انحباس أنفاسه. انكمش بؤبؤاه السوداوان حتى غديا نقطًا صغيرةً، وصدر عنه هالهٌ كئيبةٌ غامضة. اجتاحت أصوات خفيفةٌ تشبه صدى الأشباح المكان، وتعاقب الضوء والظلام القاعة.
تملّكني الذهول كذلك؛ لم أتوقع أن يزورني والدي.
قبل أن أستوعب الأمر، تغيّر كل ما حولنا في غمضة عين.
خرج سو داريونغ، ودخل والدي إلى المكتب.
‘شكرًا لك يا أبي.’
