الفصل السابع والأربعون: شيطانة النجاة
عمّ الصمت التام أرجاء القاعة.
الجميع كان يحدق في سامي بتعابير معقدة، متجمدة بين الذهول والريبة. حتى نيكو وكاي، الجالسان خلفه، كانت ملامحهما متجهمة، مشوشة بالكامل.
ما قاله سامي قبل لحظات لم يكن أمرًا يسهل استيعابه… ففي فترة قصيرة، ظهرت فتاة وأعلنت أنها تملك طريقة لإنهاء المحنة الثانية، وبعدها مباشرة وقف فتى ليؤكد معرفته بكيفية تطبيقها!
كان هذا سلسًا أكثر من اللازم، لدرجة جعلت الأمر يبدو أشبه بمسرحية معدّة سلفًا، لا واقعًا يعيشه مئتا شخص محاصرون في عالم النجاة.
على عكس تلك النظرات المتوجسة، ظل سامي محافظًا على ملامح واثقة، ثابتة، تشي باليقين.
لكن داخله كان يعجّ بالفوضى، يشعر بأن قلبه يطرق صدره، وأن أفكاره تتزاحم لدرجة الإرباك.
ومع ذلك… لم يكن يكذب.
سامي كان صادقًا بالكامل عندما قال إنه يعرف ما هي “أغراض شيطانية النجاة”.
مرّت ثوانٍ ثقيلة قبل أن يتحدث مجددًا. نظر إلى وجوههم، يتفحص أعينهم، ارتباكهم، ترددهم. ثم رفع صوته أخيرًا:
> “كما أخبرتكم… أنا بالفعل أعرف ما هي أغراض شيطانية النجاة. لقد قرأت عنها سابقًا، في أحد الكتب.
لكن لم أتوقع يومًا أن أسمع هذا الاسم يُقال… هنا.”
تنفس ببطء، ثم تابع وهو يقطب حاجبيه:
> “لن أعدكم بأنني أعرف كل شيء عنها… لكن لديّ فكرة واضحة.
لقد كانت تُسمى في القصة التي قرأتها: تشكيلة النجاة.”
بينما هو يتحدث، استرجع سامي الذكريات…
تلك الليالي التي قضاها في مكتبة منزلهم بعد نجاته من “هجوم الساحة”.
في ذلك الوقت، ركّز بحثه بالكامل على حياة “شيطان السيف”.
وفي إحدى فقرات تاريخه، ظهرت شخصية غريبة في روايته، امرأة سماها: ملكة النجاة.
كان وصفها غامضًا، أشبه بحكايةٍ داخل قصيدة، تُسرد مع أحد الأسلحة النادرة، وقد تم تدوينها على شكل أنشودة شديدة الغرابة.
عاد إلى واقعه، وأدرك أن هذه اللحظة… لحظة الكشف هذه، قد تكون فرصة لإثبات قيمته أمام الجميع.
كان بإمكانه الصمت. بإمكانه أن يحتفظ بالمعلومة لنفسه.
لكن إن فعل… سيموت الآخرون. وستضيع عليه الفرصة الوحيدة للظهور كمصدر أمان ومعرفة — أهم ما يمكن أن يملكه أي مقيّد داخل المحنة.
رفع رأسه، وصوته الآن أكثر ثباتًا:
> “هذه هي الأنشودة التي كانت تصفها…”
وسادت رهبة ما قبل الكلمات، ثم بدأ ينشد بصوت متزن، نبرة شاعرية غامضة، تلامس عمق الخوف والغموض:
—
في قعرِ المستنقعِ وُلِدتْ وحيدة،
وعن رُعبِ العالمِ لم تكن بليدة.
أرادت كسرَ وتدميرَ القوانين،
فصعدت للسماء، وأصبحت من المجانين.
سقطت من أعلى الفروع،
واستقرّت عند أكبر الجذوع.
لنفسها صنعت خمسَ نجوم،
ومن قعرِ الظلامِ بدأت الهجوم.
ملكتْ تشكيلةَ النجاةِ الفريدة،
بها قهرتْ كلَّ الظروفِ العجيبة.
حفرت رمزها بين الخمسِ ملوك،
وكانت ثاني من قتل الشكوك.
في الغابةِ هلكتِ الشياطين،
ومعها كلّ البشرِ المجانين.
وبقيت وحيدةً لآلافِ السنين،
تعيد صياغةَ كلِّ القوانين.
—
أنهى سامي كلماته… وسكت.
أخذ نفسًا عميقًا، وفتح عينيه على الحشد. لم ينبس أحدٌ منهم بحرف.
الكل كان صامتًا… مجمّدًا في مكانه.
الأنشودة التي سردها سامي، رغم أنها بدت مبعثرة في ظاهرها، غامضة في تراكيبها…
لكنها بالنسبة لكل من سمعها، كانت مهيبة، مشؤومة، مخيفة إلى حد التجلّط.
شعور غريب اجتاح قلوبهم… كأن الدماء تجمدت في عروقهم.
شعر سامي بتعبٍ غريبٍ ينهش أطرافه.
دوارٌ مفاجئ اجتاحه، وأحس وكأن عقله أصبح صافياً… إلى درجة مقلقة.
كل ضوضاء داخله خفتت. لا خوف، لا قلق، لا حتى صوت تفكير.
فراغ نقي.
لكن لم يكن سامي وحده في ذلك…
حتى نيكو، كاي، فيفا، مين، وصغير النسر، الجالسين بجانب النار، كانوا مصدومين بالكامل.
شيءٌ في الجو قد تبدّل، لم يكن مجرد توتر… كان الأمر أشبه بتغير روحي في بنية المكان نفسه.
كأن غناء سامي للأنشودة القديمة قد لمس شيئًا دفينًا، شيئًا أقدم من القاعة نفسها.
النار التي تتراقص أمامهم بدت الآن أكثر حدة… لهبها عميق بلون فضي.
والهواء…
أصبح أثقل، أبطأ، مهيبًا.
المكان كله غدا وكأنه معبدٌ حقيقي… لطقس لا أحد يفقهه بالكامل.
في وسط هذا الصمت، ضحك كاي بهدوء… ثم نهض.
> “شيطانة بأنشودة غريبة… وتقول أنك قرأتها من كتاب؟”
“يعجبني ذلك…”
“أغراض شيطانة النجاة، ها؟… يبدو أن المحنة الثانية بدأت حقاً الآن.”
أكمل ضحكته القصيرة، ثم بدأ صعود الدرج، متحررًا من الارتباك الذي أسر البقية.
أما الآخرون، فظلوا غارقين في الصمت… عالقين في الصدمة.
أما سامي نفسه، فلم يكن مرتبكًا بالدرجة التي بدا بها.
فبناءً على ما قرأه، وبما عرفه من تجاربه السابقة، لم يكن تحليل تلك الأنشودة صعبًا إلى ذلك الحد.
هو فقط… كان يعرف أن كل شيء الآن أصبح متعلقًا بـالوقت.
لكن، قبل أن يُفتح أي حوار جديد، اخترق المكان صوت صرخة من الأعلى.
كل الرؤوس التفتت تلقائيًا نحو مصدر الصوت.
أعلى المدرج، في إحدى زوايا المعبد العتيق، ظهر شاب ضخم البنية، معه فتاة طويلة ذات شعر وردي لامع.
وبينهم، وقف كاي… بدا وكأنه رُفع عن الأرض عنوة.
بدأوا النزول.
والجميع بقي حيث هو.
كان المقيدون مشتتين… بعضهم في حلقات يناقش، وبعضهم يسرح، وآخرون لم يبدوا اهتمامًا.
أما من تحت النار – نيكو، مين، فيفا، وصغير النسر – فبقوا جالسين في صمت، يترقبون دون حركة.
وسامي…
لا يزال واقفًا في منتصف القاعة، أمام النار، بوجه جامد ونظرة مُسقطة للأسفل.
لم ينبس بحرف.
حين وصل الثلاثة إلى الأرض، تقدّمت هالا بنظرة مستغربة تفحصت بها المكان…
أما يوكي، الذي لا يزال يحمل كاي كدمية ضخمة، فقال بنبرة متسائلة:
> “ماذا يحدث هنا؟”
أشار لهم نيكو بالجلوس، ثم وقف ليتولى الشرح بنفسه.
في تلك الدقائق، ظل سامي ساكنًا كحجر.
لم يتحرك. لم ينظر. لم ينبس بكلمة.
كأن الزمن توقف بالنسبة له.
بعد أن انتهى نيكو من شرحه، نظرت هالا ويوكي نحوه في ارتباك صامت.
أما كاي، فظل يحدق بالأرض، ملامحه خالية من أي اهتمام.
تنفس يوكي بعمق، ثم قال بهدوء:
> “هذه معلومات غريبة حقًا يا نيكو…”
“إنها تغيّر كل شيء كنا نظنه عن المحنة الثانية…”
“يا له من حظ سيئ…”
ثم رفع صوته ليُسمِع الجميع:
> “صحيح أن الأمر مفاجئ، لكنه ليس سيئًا أبدًا!”
“لدينا الآن هدف واضح، وكل ما علينا فعله هو السعي لتحقيقه!”
وأشار بعدها لهالا، التي وقفت بخفة ومرونة.
تقدّمت بنظرة ثقة متعالية، ثم تحدثت وهي تنظر إلى يدها:
> “علينا إخباركم بشيء آخر…”
“لقد وجدنا اليوم مكانًا آخر يتجمع فيه البشر.”
“صحيح أنه بعيد جدًا، لكنه موجود… وفيه العديد من المقيدين الآخرين.”
كلماتها كانت مثل الشرارة التي أعادت إشعال الروح في الحشد.
أمل.
أخيرًا… بصيص صغير وسط رعب الغابة الكثيف.
كان ذلك كافيًا ليغيّر تعابير الجميع…
حتى نيكو وصغير النسر تبادلا نظرات مشرقة.
ابتسم نيكو وقال بحماس:
> “ربما… ربما آسيا هناك!”
ضحك صغير النسر بفرح، وارتسمت على وجه فيفا ملامح من الانتعاش…
بدأ المقيدون الآخرون يتحركون ويتحدثون… وكأن الحياة قد عادت إليهم فجأة.
قال يوكي لكاي وهو يضحك:
> “ربما سنجد ذلك الأحمق و تدعوه مرة اخرى، كما في السابق. لكي نجتمع في غرفتنا المشتركة!”
أجاب كاي بعينين تلمعان بالحماس:
> “معك حق!”
لكن…
في وسط كل ذلك التفاؤل…
ظل سامي ثابتًا في مكانه.
كأن روحه غادرت الجسد.
وجهه جامد، عيناه تائهتان.
بقعة مظلمة في لوحة اكتست ببهجة جماعية.
و ذلك لسبب واحد فقط .
أمامه الآن كانت هناك رسالة من النظ
ام .
وحده سامي رأى تلك الكلمات.
وحده شعر بالثقل الجديد الذي أُلقي على كاهله:
—
> [ لقد حققت الشرط الأساسي…]
[ قَدّس شيطانة النجاة في معبدها!]
[ أنت الآن حاكم معبد النجمة الأولى!]
—
يتبع…

التعليقات متوقفة حالياً، ستعود قريباً!