المخلوقات الفانية
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
وقف لوربك دايرا، رئيس الصف الأول في مركز شرطة المدينة الغربية، فوق كومة من الركام، وقدماه تطآن مواد البناء الملطخة بالدماء.
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
Arisu-san
“لا يهمّني كم من أفراد عصابتكم هلكوا. أطيع أوامر صاحب السعادة، لكنّه لم يأمر قط بخلق هذه الفوضى العارمة! هذا الصباح، علمت المملكة بأسرها أنكم لعبتم بالمتفجرات في الشارع الأحمر! لقد اجتمعنا نتباحث حول اقتتال عصابات المقاطعة الغربية!”
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
الفصل 23: المخلوقات الفانية
حاول تاليس أن يصرخ، لكن فجأة امتدّت يد يمنى أمامه، وكممت فمه.
…
“الجميع! إلى الطابق الثالث حالًا! احموا الهدف!”
في ظهيرة السادس عشر من نوفمبر، في سوق الشارع الأحمر.
كانت الشوارع الحمراء التي تعجّ عادةً بالصخب والحياة غارقةً الآن بالزي الأزرق النيلي لحرس الشرطة خفيفة الدروع. أما أفراد الشرطة ذوو الزي الأزرق الداكن فقد انتشروا عند الأبنية المهدّمة وعلى قارعة الطريق، يحملون نقالاتٍ وأدواتٍ ودفاتر ملاحظاتهم جيئةً وذهاباً.
وأخيراً ظهرت على محيّا نيكولاي ابتسامة صادقة. “كما تشاء، يا سيدي اللورد.”
“ها هو آخر هنا!” صاح أحد أفراد الشرطة ملوّحاً بيده لزميلٍ وصل للتو، بينما جرَّ جسداً مشوهاً من تحت عارضةٍ متهدّمة.
“هذا ما زال يتنفس!” جاء النداء المستعجل من بعيد، فأسرع الأطباء والمعالجون الذين استأجرتهم دار البلدية، يتقدّمهم بعض الكهنة المتطوعين من القاعة.
قال غيلبرت: “إن لم يكن هناك أحد…”
وقف لوربك دايرا، رئيس الصف الأول في مركز شرطة المدينة الغربية، فوق كومة من الركام، وقدماه تطآن مواد البناء الملطخة بالدماء.
كان قد ودَّع منذ قليل ببسمةٍ باهتة بضعة مسؤولين من دار البلدية، أولئك المتأنقين بملابسهم الزاهية كأنهم ممثلون وراء الكواليس، وكان قد أنصت لهم بأدبٍ بل وتواضعٍ لشكواهم السخيفة بأن ما جرى هنا من مسؤولية الشرطة، بينما البلدية مشغولة بخدمة الشعب ولا وقت لها لهدر الموارد هنا.
خلف لوربك انتصبت مظلّة ضخمة في فسحةٍ مفتوحة، تحوّلت إلى مشرحةٍ مؤقتة. كان هناك قرابة المئة جثة، بعضها لمدنيين أبرياء وبعضها لرجال العصابات. تجوّل موظفون كُثر مقنَّعو الوجوه بين الجثث يحملون أقلاماً وأوراقاً. ومن حينٍ لآخر، كان أحد ذوي الضحايا، ممن بحث طويلاً أو هرع عند سماع الخبر، يتعرف على جسدٍ فيطلق صرخةً تمزّق القلب.
تصاعد من جسده عطرٌ لطيف. حتى فتى ريفي مثل تاليس عرف أنه ليس من العطور الرخيصة في الأسواق.
وبعض الأهالي ما إن يروا زيّ المسؤولين حتى ينفجروا غيظاً ويهجموا، لكن الشرطة والجنود المتهيّئون سرعان ما كانوا يكبحونهم.
أطرق لوربك برأسه وأطلق تنهيدةً عميقة.
(تبا… الأخوية).
لحسن الحظ أنّها كان الفصلُ شتاءً، فلم يجتمع الذباب بعد.
وطئ لوربك على لوحةٍ خشبية تحطّمت إلى أشلاء، ولمّا تبيّن أنّها لوحة نادٍ للشطرنج تصلّب وجهه ودخل بين الأنقاض.
تدحرجت من بين الركام الملطخ بالدماء قطعة شطرنجٍ أنيقة تمثّل مبارزاً. توقف لوربك وانحنى ببطء لالتقاط القطعة قبل أن ينفض الغبار عنها.
لكن الدماء قد جفّت على القطعة ولم تعد تنظف.
“أيها الأوغاد”.
في تلك اللحظة، رفع كلٌّ من غيلبرت ويودل رأسه نحو الباب. في الأفق، قافلة متواضعة تتقدّم على الطريق نحو قاعة مينديس.
شحب وجه لوربك وهو يمعن النظر في القطعة. كانت ذراع المبارز الممسكة بالسيف مكسورة، وكأنها قُطعت بفعل صدمةٍ مفاجئة.
…
التفت الرئيس نحو جانب الأنقاض، فرأى رجلاً بمعطفٍ أحمر قاتم يراقب المشهد.
استدار الرجل ذو المعطف الأحمر، وانتبه إلى نظرة الاستياء في وجه الضابط.
قال لوربك بحزم: “لن أوافق أبداً!”
لكن لوربك لم يلن. تقدّم بخطواتٍ غاضبة حتى صار عند أنف نيكولاي، يحدّق في عينيه بنارٍ متقدة.
ابتسم الرجل ذو المعطف الأحمر ابتسامةً ملؤها السخرية وهو يكشف عن وجهٍ نحيل مغطى بلحية: “أمتأكد؟ إنما هذا طلبٌ من صاحب السعادة… ومن عصابة قوارير الدم.”
زمّ لوربك أسنانه كاظماً غيظه وردّ بحدّة: “نيكولاي! هذا ليس ما اتفقنا عليه! حتى صاحب السعادة نفسه ما كان ليقبل أن تنسفوا سوق الشارع الأحمر وتحوّلوه إلى انقاض، مسبّبين مقتل قرابة مئتي نفس!”
(جثثٌ لم يُطالب بها أحد؟) ضحك نيكولاي في سره باحتقار. (طالما عصابة قوارير الدم تريدهم، فطبيعي أنهم “جثثٌ لم يُطالب بها أحد”… أليس كذلك؟)
توقف لحظة ثم أضاف بغيظ: “والآن تريدون… جثثهم أيضاً؟”
شعر لوربك أنّ سخطه يكاد يخترق السماء.
لكن الرجل المدعو نيكولاي أجابه ببرودٍ لا مبالٍ.
كان قد ودَّع منذ قليل ببسمةٍ باهتة بضعة مسؤولين من دار البلدية، أولئك المتأنقين بملابسهم الزاهية كأنهم ممثلون وراء الكواليس، وكان قد أنصت لهم بأدبٍ بل وتواضعٍ لشكواهم السخيفة بأن ما جرى هنا من مسؤولية الشرطة، بينما البلدية مشغولة بخدمة الشعب ولا وقت لها لهدر الموارد هنا.
“هذا غير صحيح. ألم تُدمَّر المباني فقط في الوسط؟ ثمّ إنني لم أعلم أن رئيس شرطة المدينة الغربية، ذاك الذي ظلّ بعيداً يراقب طوال الليل، يملك فجأةً هذا القدر من العدالة والرحمة. زد على ذلك، ألم نخسر نحن أيضاً رجالاً كثيرين؟”
(حثالة… أنتم العصابات تتحاربون، وتريدون مني أن أرسل رجالي ليخدموكم؟) شتم لوربك في داخله.
توقف تاليس عن المقاومة العبثية. هدّأ أنفاسه، وضبط نبضه، وحدّق بالرجل أمامه.
تابع نيكولاي. “هذه خسائر عصابة قوارير الدم. وهي أيضاً خسائر صاحب السعادة. وبالتالي فهي كذلك خسائرك.”
(يا لنجاستك… لماذا نفوك من الجبهة الغربية؟ كان الأجدر بهم أن يقطعوا رأسك!) لعن لوربك في قلبه.
(يا لنجاستك… لماذا نفوك من الجبهة الغربية؟ كان الأجدر بهم أن يقطعوا رأسك!) لعن لوربك في قلبه.
كان تاليس يتصبب عرقًا باردًا وهو يحدّق في الرجل الذي أمامه. رجل شاحب الوجه، في ثياب فاخرة بأكمامٍ مطويّة وحذاء جلدي ممهور. ظهر فجأة بينه وبين فرسان الإبادة الثمانية.
قال نيكولاي بنبرةٍ خبيثة. “لأجل منفعة صاحب السعادة، الأمر لا يتعدى بضع جثث. أظنّ أنك ستتغاضى عنها؟”
لكن لوربك لم يلن. تقدّم بخطواتٍ غاضبة حتى صار عند أنف نيكولاي، يحدّق في عينيه بنارٍ متقدة.
“لا يهمّني كم من أفراد عصابتكم هلكوا. أطيع أوامر صاحب السعادة، لكنّه لم يأمر قط بخلق هذه الفوضى العارمة! هذا الصباح، علمت المملكة بأسرها أنكم لعبتم بالمتفجرات في الشارع الأحمر! لقد اجتمعنا نتباحث حول اقتتال عصابات المقاطعة الغربية!”
تغيّرت ملامح نيكولاي، فتقدّم هو الآخر حتى لامس جبينه جبين لوربك وحدّق في عينيه قائلاً بحنق: “إذن فلا بد أنك تعلم أن غضبنا لا يقلّ عن غضبك! عصابة قوارير الدم لا ترضخ للأقدار! نحن نسدد ديون الدم بالدم!”
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
استشاط لوربك بدوره وصاح: “كفاك هراءً عن تفاهاتكم، يا زمرة الفاشلين! عصابة قوارير الدم لا ترضخ؟ أحقاً تظن أنه إن سحبتُ الشرطة والدوريات ستقدرون حتى على مغادرة سوق الشارع الأحمر أحياء؟!”
“ها هو آخر هنا!” صاح أحد أفراد الشرطة ملوّحاً بيده لزميلٍ وصل للتو، بينما جرَّ جسداً مشوهاً من تحت عارضةٍ متهدّمة.
قطّب نيكولاي حاجبيه وقد احتدمت ناره، لكن لوربك واجهه ببصرٍ لا يزحزحه شيء.
سأله بوجه شاحب: “ألم تقل إنك لم ترصد أي شخص آخر؟”
اقترب بعض أفراد الدوريات وقد تنبّهوا للتوتر. أمّا قائدا فرسان الإبادة فأمسكا بمقابض سيوفهما بوجوهٍ جامدة. لمح نيكولاي ذلك من طرف عينه فبرُد قلبه قليلاً.
(هذا الشرطي… جريء حقاً).
وفي الوقت ذاته، وقعت عيناه على بضعة متفرجين خلف أسلاك الشرطة. كان فيهم من يرقب بخبث، يختفي بعضهم ليظهر آخرون غرباء.
أجاب النبيل: “ربما لم يتخيّل صاحب العمل أصلًا أن حُرّاسنا سيكونون استثنائيين. أضف إلى ذلك أنك كنت حاضرًا.”
(تبا… الأخوية).
لقد بات سوق الشارع الأحمر بعيداً عن يد عصابة قوارير الدم. نظر نيكولاي في قوة الشرطة وتهديد الأخوية، فكتم ضغينةً هائلة وتراجع خطوةً إلى الوراء.
كان قد ودَّع منذ قليل ببسمةٍ باهتة بضعة مسؤولين من دار البلدية، أولئك المتأنقين بملابسهم الزاهية كأنهم ممثلون وراء الكواليس، وكان قد أنصت لهم بأدبٍ بل وتواضعٍ لشكواهم السخيفة بأن ما جرى هنا من مسؤولية الشرطة، بينما البلدية مشغولة بخدمة الشعب ولا وقت لها لهدر الموارد هنا.
(اختفى صوفي الهواء… لا بدّ لنا من الإذعان حتى يعود صوفي الدم. تبا للشرطي وتبا للنبلاء أيضاً).
قال بابتسامةٍ متكلفة: “أعتذر عن كلامي، اللورد لوربك دايرا.” وأكّد كلمة “اللورد” وهو يطبعها على وجهه النحيل، ثم انحنى بانحناءةٍ غير مألوفة، وكأن غضبه السابق لم يكن إلا مسرحية.
“ما كان ينبغي أن نزعجك. سأغادر وأقدّم اعتذاري للدوق.”
“لا يهمّني كم من أفراد عصابتكم هلكوا. أطيع أوامر صاحب السعادة، لكنّه لم يأمر قط بخلق هذه الفوضى العارمة! هذا الصباح، علمت المملكة بأسرها أنكم لعبتم بالمتفجرات في الشارع الأحمر! لقد اجتمعنا نتباحث حول اقتتال عصابات المقاطعة الغربية!”
ضحك نيكولاي وأدار ظهره، مغادراً… حتى جاءه النداء المنتظر من ورائه.
كان تاليس يتصبب عرقًا باردًا وهو يحدّق في الرجل الذي أمامه. رجل شاحب الوجه، في ثياب فاخرة بأكمامٍ مطويّة وحذاء جلدي ممهور. ظهر فجأة بينه وبين فرسان الإبادة الثمانية.
“انتظر!”
انحنى ثانيةً بانحناءةٍ غير تقليدية وغادر.
قبض لوربك كفّه بقوة وهو يذكّر نفسه ألّا يتصرّف بطيش.
(اللعنة… ما إن أقدمت، لم يعد بوسعي التراجع).
لوّح بيده واهناً إشارةً لرجاله أن يتنحّوا.
ارتسمت ابتسامةٌ على فم نيكولاي، ورأى لوربك يطبق جفنيه بألم. بعد لحظة، همس الرئيس بصوتٍ مرتجف:
الفصل 23: المخلوقات الفانية
“اللعنة… حسناً. خذوا الجثث، لكن لا تتجاوز العشرين. ويجب أن تكون جثثٌ لم يُطالب بها أحد .”
وأخيراً ظهرت على محيّا نيكولاي ابتسامة صادقة. “كما تشاء، يا سيدي اللورد.”
راقب لوربك ظهره المبتعد وهزّ رأسه، ثم تمتم منهكاً: “لماذا تريدون تلك الأجساد؟”
(جثثٌ لم يُطالب بها أحد؟) ضحك نيكولاي في سره باحتقار. (طالما عصابة قوارير الدم تريدهم، فطبيعي أنهم “جثثٌ لم يُطالب بها أحد”… أليس كذلك؟)
في ظهيرة السادس عشر من نوفمبر، في سوق الشارع الأحمر.
لقد كان مسروراً بهذا التعاون بين الشرطة والمجتمع.
انحنى ثانيةً بانحناءةٍ غير تقليدية وغادر.
راقب لوربك ظهره المبتعد وهزّ رأسه، ثم تمتم منهكاً: “لماذا تريدون تلك الأجساد؟”
وقبل أن يختفي وعيه، لمح قناع يودل يظهر وسط فرسان الإبادة الثمانية الساقطين.
ردّ نيكولاي بصوتٍ مخيف دون أن يلتفت: “ليسلّي بها ذلك الرجل العظيم بعض أصدقائه القدامى… استعدوا للمأدبة.”
قال غيلبرت: “تركت ثمانية من فرسان الإبادة في الأعلى…” لكن قبل أن يُكمل، كان يودل قد اختفى.
وما إن اختفى نيكولاي حتى تلاشى كذلك بعض أولئك المراقبين.
التفت يودل إلى الطابق العلوي، فاختفى جسده بسرعة خاطفة.
نظر لوربك إلى بركة الدم عند قدميه، فرأى انعكاس صورته. كانت صورة رجلٍ في منتصف العمر، شاحبًا، بشعرٍ أشيب وتجاعيد لا تُحصى.
أصغى غيلبرت إلى تقرير الحارس وأومأ. “لقد وصلت جينس.”
امتلأ قلب لوربك بالاشمئزاز. أخذ نفسًا عميقًا وحدّق في القطعة التي بين يديه. رأى مبارز الشطرنج ذو الذراع الواحدة يبتسم له. تنهد قائد الشرطة بحزن، وأفلت القطعة، ثم استدار. سقط الفارس الذي بلا سيف في البركة الدموية، ليحلّ محل انعكاس لوربك.
…
تابع الحُرّاس أعمالهم متجاهلين غيلبرت وكأنه يكلّم نفسه، حتى ظهر يودل من العدم إلى جانبه.
في السادسة مساءً، داخل قاعة مينديس.
“أربع فرق من خمسة رجال، تقسيمٌ واضح للعمل، تعاون صامت، يقودهم مقاتل من الفئة العليا مع نُخبة من الفئة العادية — كانوا أصحاب خبرة وبراعة استثنائية، لكن بالنظر إلى عتادهم وهوياتهم، فهم مرتزقة مأجورون.”
ضحك نيكولاي وأدار ظهره، مغادراً… حتى جاءه النداء المنتظر من ورائه.
نهض غيلبرت من جوار جثة، ولوّح بيده لحارس كي يحملها بعيدًا.
“مرتزقة ومغامرون يجرؤون على مهاجمة العائلة الملكية — لو لم يَعِدهم صاحب العمل بمكافآت عظيمة، فهذا يعني أنهم كانوا واثقين من قدرتهم على تجنّب الخطر.”
لكن لوربك لم يلن. تقدّم بخطواتٍ غاضبة حتى صار عند أنف نيكولاي، يحدّق في عينيه بنارٍ متقدة.
وقف النبيل في منتصف العمر في الطابق الأول من القاعة، يداه مشبوكتان خلف ظهره، يكبح اشمئزازه من المتواطئين. ثم خاطب زاويةً فارغة: “بما أنك كنت مغامرًا سابقًا، ما رأيك؟”
ما إن أنهى كلماته، حتى رفع يودل رأسه فجأة!
خرج صوت أجش من الفراغ: “الأمران معًا، لكن الغالب هو الثاني — لم يخبرهم صاحب العمل بالحقيقة، مثل ’لن تواجهوا شخصًا من الفئة العليا، ولن تجدوا أكثر من عشرين حارسًا‘.”
قال نيكولاي بنبرةٍ خبيثة. “لأجل منفعة صاحب السعادة، الأمر لا يتعدى بضع جثث. أظنّ أنك ستتغاضى عنها؟”
أجاب النبيل: “ربما لم يتخيّل صاحب العمل أصلًا أن حُرّاسنا سيكونون استثنائيين. أضف إلى ذلك أنك كنت حاضرًا.”
لكن الرجل المدعو نيكولاي أجابه ببرودٍ لا مبالٍ.
حُمِلَت الجثث من الدرج والسقف والممر. تابع غيلبرت الحُرّاس وهم ينقلون المهاجمين وينظفون الدماء. ثم خفض رأسه وسرح بأفكاره.
“لكن الأمر لا يزال بسيطًا للغاية”، تمتم.
“مع أننا ضاعفنا عدد الحُرّاس في قاعة مينديس، ومع أنهم كانوا جميعًا من فرسان الإبادة المتمرّسين، من الفئة العادية والفئة العليا، ومع أنهم كانوا مجرد أدوات اختبار، إلا أننا حسمنا الأمر بسهولة وبسذاجة.”
تابع الحُرّاس أعمالهم متجاهلين غيلبرت وكأنه يكلّم نفسه، حتى ظهر يودل من العدم إلى جانبه.
انحنى ثانيةً بانحناءةٍ غير تقليدية وغادر.
همس الحارس المقنّع السري: “لم يكونوا واعين للموت، ولم يكن قصدهم قتل الحُرّاس.”
وأضاف: “لو تأخّرتُ قليلًا، لكانوا انسحبوا على الأرجح.”
زمّ لوربك أسنانه كاظماً غيظه وردّ بحدّة: “نيكولاي! هذا ليس ما اتفقنا عليه! حتى صاحب السعادة نفسه ما كان ليقبل أن تنسفوا سوق الشارع الأحمر وتحوّلوه إلى انقاض، مسبّبين مقتل قرابة مئتي نفس!”
قطّب غيلبرت جبينه: “هذا غير منطقي. حتى لو كانوا هنا للاختبار فقط، فإن اندفاعهم كان متهوّرًا. كأنهم…”
أكمل يودل: “كأنهم جاؤوا ليموتوا.”
التفت يودل إلى الطابق العلوي، فاختفى جسده بسرعة خاطفة.
أومأ النبيل الأشيب: “لو كان صاحب العمل فعلًا من نشتبه به، فلا بد أنهم يدركون أن وجود سرّ مهم عندنا يجعل مثل هذا الانتشار بلا جدوى. فما السبب إذن؟ هل كانوا يغطّون على طرفٍ آخر؟”
قبض لوربك كفّه بقوة وهو يذكّر نفسه ألّا يتصرّف بطيش.
هزّ يودل رأسه: “لا. لم أرصد أي شخص آخر.”
قال غيلبرت: “إن لم يكن هناك أحد…”
في تلك اللحظة، رفع كلٌّ من غيلبرت ويودل رأسه نحو الباب. في الأفق، قافلة متواضعة تتقدّم على الطريق نحو قاعة مينديس.
ضرب غيلبرت رأسه بقبضة يده.
أصغى غيلبرت إلى تقرير الحارس وأومأ. “لقد وصلت جينس.”
تمتم غيلبرت بعبوس. “تلك المرأة. لطالما كرهت الأماكن الضيّقة كالعربات، لكنها تحمّلت نفورها كي تمارس خُدعة.”
حتى بقدرة ملاحظته الحادّة، عجز عن الاستجابة. لم يرَ كيف تحرّك الرجل أصلًا.
ما إن أنهى كلماته، حتى رفع يودل رأسه فجأة!
انحنى ثانيةً بانحناءةٍ غير تقليدية وغادر.
ارتبك غيلبرت، فكر في سبب رد فعل الحارس السري الجامد عادة، لكن ما لبث أن تغيّر وجهه هو الآخر، وارتسمت الصدمة عليه وهو يلتفت إلى يودل.
“خُدعة… أيمكن أن يكون؟”
لكن في اللحظة التالية، تبدّل وجه الرجل الأشقر المتهاون.
سأله بوجه شاحب: “ألم تقل إنك لم ترصد أي شخص آخر؟”
التفت يودل إلى الطابق العلوي، فاختفى جسده بسرعة خاطفة.
قال غيلبرت: “تركت ثمانية من فرسان الإبادة في الأعلى…” لكن قبل أن يُكمل، كان يودل قد اختفى.
’انتظر… لم يرصد أي شخص آخر!’
وبزاوية عينيه، لمح تاليس فرسان الإبادة الثمانية يتفجّر الدم من أعناقهم.
ضرب غيلبرت رأسه بقبضة يده.
“الجميع! إلى الطابق الثالث حالًا! احموا الهدف!”
“لكن الأمر لا يزال بسيطًا للغاية”، تمتم.
…
كان تاليس يتصبب عرقًا باردًا وهو يحدّق في الرجل الذي أمامه. رجل شاحب الوجه، في ثياب فاخرة بأكمامٍ مطويّة وحذاء جلدي ممهور. ظهر فجأة بينه وبين فرسان الإبادة الثمانية.
لا ريح، لا صوت، لا أثر لـ”تشي”، ولا خيط للحركة.
التفت الرئيس نحو جانب الأنقاض، فرأى رجلاً بمعطفٍ أحمر قاتم يراقب المشهد.
وبزاوية عينيه، لمح تاليس فرسان الإبادة الثمانية يتفجّر الدم من أعناقهم.
وحين التفت، كانوا قد سقطوا جميعًا على الأرض، يتلوّون ويُصدرون أنينًا محتضرًا.
ما إن أنهى كلماته، حتى رفع يودل رأسه فجأة!
واجه تاليس خصومًا أقوياء من قبل، مثل الصوفي آسدا، لكن لم يلقَ قطّ عدوًّا يظهر بهذه الفجائية.
هزّ يودل رأسه: “لا. لم أرصد أي شخص آخر.”
حتى بقدرة ملاحظته الحادّة، عجز عن الاستجابة. لم يرَ كيف تحرّك الرجل أصلًا.
حاول تاليس أن يصرخ، لكن فجأة امتدّت يد يمنى أمامه، وكممت فمه.
ما زال عاجزًا عن رؤية حركة الرجل.
حتى حين كان المعلّم رالف، متتبع الريح الشبحية، يندفع بسرعة، كانت ظلاله وخطوط تحرّكاته تُرى.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
لكن هنا، كانت حركة اليد اليمنى للرجل معدومة الأثر، كإطارات مُقتطَعة من رسم متحرك.
وبعض الأهالي ما إن يروا زيّ المسؤولين حتى ينفجروا غيظاً ويهجموا، لكن الشرطة والجنود المتهيّئون سرعان ما كانوا يكبحونهم.
توقف تاليس عن المقاومة العبثية. هدّأ أنفاسه، وضبط نبضه، وحدّق بالرجل أمامه.
الرجل، أطول قليلًا من يودل، ذو شعر أشقر مُرتّب، وعينين زرقاوين صافيَتين خلف وجهٍ شاحب، كان — لا يجد تاليس إلا أن يصفه هكذا — وسيمًا.
بخلاف سحر أسدا الهادئ، كان وسامته أكثر “سطوعًا وبساطة”، ومع ذوقٍ أنيقٍ بسيط في ملبسه، لا شك أنه يأسر الفتيات أينما ذهب. لكن تاليس لم يشعر منه بدفءٍ البتة.
تصاعد من جسده عطرٌ لطيف. حتى فتى ريفي مثل تاليس عرف أنه ليس من العطور الرخيصة في الأسواق.
ابتسم الرجل الوسيم ابتسامة باهتة:
نهض غيلبرت من جوار جثة، ولوّح بيده لحارس كي يحملها بعيدًا.
“كان مجرد تمرينٍ بسيط… لكن انظر ماذا وجدت.
“مخلوق فانٍ.”
مخلوق فانٍ؟’ دوّن تاليس هذا المصطلح الغريب.
تابع الرجل: “الرائحة التي تنبع منك… همهمة… شهية للغاية. حقًا، الطعام يُصادَف في أماكن غير متوقعة!”
لكن في اللحظة التالية، تبدّل وجه الرجل الأشقر المتهاون.
أمسك بتاليس وأطبق عليه مجددًا، وفي ومضةٍ صار الفتى في قبضته، فمه مكمّم.
تمتم الرجل: “لقد أدركني بسرعة. ذلك المقنّع… لا أستطيع مجابهته. لا بأس، سأصطحب هذا لأتغدّى به. لحسن الحظ أن الشمس تغرب.”
كان ذلك آخر ما سمعه تاليس. في اللحظة التالية، غمر عينيه ضبابٌ دمويٌّ يغلي، وتهاوى وعيه مع دوران السماء.
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
تقلّص مشهد قاعة مينديس أمامه، مبتعدًا ويصبح أصغر.
“مع أننا ضاعفنا عدد الحُرّاس في قاعة مينديس، ومع أنهم كانوا جميعًا من فرسان الإبادة المتمرّسين، من الفئة العادية والفئة العليا، ومع أنهم كانوا مجرد أدوات اختبار، إلا أننا حسمنا الأمر بسهولة وبسذاجة.”
وقبل أن يختفي وعيه، لمح قناع يودل يظهر وسط فرسان الإبادة الثمانية الساقطين.
حاول تاليس أن يصرخ، لكن فجأة امتدّت يد يمنى أمامه، وكممت فمه.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
في ظهيرة السادس عشر من نوفمبر، في سوق الشارع الأحمر.
كان قد ودَّع منذ قليل ببسمةٍ باهتة بضعة مسؤولين من دار البلدية، أولئك المتأنقين بملابسهم الزاهية كأنهم ممثلون وراء الكواليس، وكان قد أنصت لهم بأدبٍ بل وتواضعٍ لشكواهم السخيفة بأن ما جرى هنا من مسؤولية الشرطة، بينما البلدية مشغولة بخدمة الشعب ولا وقت لها لهدر الموارد هنا.
(تبا… الأخوية).
انحنى ثانيةً بانحناءةٍ غير تقليدية وغادر.
شحب وجه لوربك وهو يمعن النظر في القطعة. كانت ذراع المبارز الممسكة بالسيف مكسورة، وكأنها قُطعت بفعل صدمةٍ مفاجئة.
خرج صوت أجش من الفراغ: “الأمران معًا، لكن الغالب هو الثاني — لم يخبرهم صاحب العمل بالحقيقة، مثل ’لن تواجهوا شخصًا من الفئة العليا، ولن تجدوا أكثر من عشرين حارسًا‘.”
بخلاف سحر أسدا الهادئ، كان وسامته أكثر “سطوعًا وبساطة”، ومع ذوقٍ أنيقٍ بسيط في ملبسه، لا شك أنه يأسر الفتيات أينما ذهب. لكن تاليس لم يشعر منه بدفءٍ البتة.
(تبا… الأخوية).
لوّح بيده واهناً إشارةً لرجاله أن يتنحّوا.
توقف تاليس عن المقاومة العبثية. هدّأ أنفاسه، وضبط نبضه، وحدّق بالرجل أمامه.
“أربع فرق من خمسة رجال، تقسيمٌ واضح للعمل، تعاون صامت، يقودهم مقاتل من الفئة العليا مع نُخبة من الفئة العادية — كانوا أصحاب خبرة وبراعة استثنائية، لكن بالنظر إلى عتادهم وهوياتهم، فهم مرتزقة مأجورون.”
لكن في اللحظة التالية، تبدّل وجه الرجل الأشقر المتهاون.
وبعض الأهالي ما إن يروا زيّ المسؤولين حتى ينفجروا غيظاً ويهجموا، لكن الشرطة والجنود المتهيّئون سرعان ما كانوا يكبحونهم.
ابتسم الرجل ذو المعطف الأحمر ابتسامةً ملؤها السخرية وهو يكشف عن وجهٍ نحيل مغطى بلحية: “أمتأكد؟ إنما هذا طلبٌ من صاحب السعادة… ومن عصابة قوارير الدم.”
وما إن اختفى نيكولاي حتى تلاشى كذلك بعض أولئك المراقبين.
أكمل يودل: “كأنهم جاؤوا ليموتوا.”
…
(اختفى صوفي الهواء… لا بدّ لنا من الإذعان حتى يعود صوفي الدم. تبا للشرطي وتبا للنبلاء أيضاً).
لكن الدماء قد جفّت على القطعة ولم تعد تنظف.
كان ذلك آخر ما سمعه تاليس. في اللحظة التالية، غمر عينيه ضبابٌ دمويٌّ يغلي، وتهاوى وعيه مع دوران السماء.
واجه تاليس خصومًا أقوياء من قبل، مثل الصوفي آسدا، لكن لم يلقَ قطّ عدوًّا يظهر بهذه الفجائية.
راقب لوربك ظهره المبتعد وهزّ رأسه، ثم تمتم منهكاً: “لماذا تريدون تلك الأجساد؟”
قطّب غيلبرت جبينه: “هذا غير منطقي. حتى لو كانوا هنا للاختبار فقط، فإن اندفاعهم كان متهوّرًا. كأنهم…”
(هذا الشرطي… جريء حقاً).
توقف لحظة ثم أضاف بغيظ: “والآن تريدون… جثثهم أيضاً؟”
ابتسم الرجل ذو المعطف الأحمر ابتسامةً ملؤها السخرية وهو يكشف عن وجهٍ نحيل مغطى بلحية: “أمتأكد؟ إنما هذا طلبٌ من صاحب السعادة… ومن عصابة قوارير الدم.”
لقد بات سوق الشارع الأحمر بعيداً عن يد عصابة قوارير الدم. نظر نيكولاي في قوة الشرطة وتهديد الأخوية، فكتم ضغينةً هائلة وتراجع خطوةً إلى الوراء.
…
قبض لوربك كفّه بقوة وهو يذكّر نفسه ألّا يتصرّف بطيش.
خرج صوت أجش من الفراغ: “الأمران معًا، لكن الغالب هو الثاني — لم يخبرهم صاحب العمل بالحقيقة، مثل ’لن تواجهوا شخصًا من الفئة العليا، ولن تجدوا أكثر من عشرين حارسًا‘.”
هزّ يودل رأسه: “لا. لم أرصد أي شخص آخر.”
في ظهيرة السادس عشر من نوفمبر، في سوق الشارع الأحمر.
(حثالة… أنتم العصابات تتحاربون، وتريدون مني أن أرسل رجالي ليخدموكم؟) شتم لوربك في داخله.
تمتم غيلبرت بعبوس. “تلك المرأة. لطالما كرهت الأماكن الضيّقة كالعربات، لكنها تحمّلت نفورها كي تمارس خُدعة.”
اقترب بعض أفراد الدوريات وقد تنبّهوا للتوتر. أمّا قائدا فرسان الإبادة فأمسكا بمقابض سيوفهما بوجوهٍ جامدة. لمح نيكولاي ذلك من طرف عينه فبرُد قلبه قليلاً.
وطئ لوربك على لوحةٍ خشبية تحطّمت إلى أشلاء، ولمّا تبيّن أنّها لوحة نادٍ للشطرنج تصلّب وجهه ودخل بين الأنقاض.
قال غيلبرت: “إن لم يكن هناك أحد…”
ضحك نيكولاي وأدار ظهره، مغادراً… حتى جاءه النداء المنتظر من ورائه.
وحين التفت، كانوا قد سقطوا جميعًا على الأرض، يتلوّون ويُصدرون أنينًا محتضرًا.
لكن الدماء قد جفّت على القطعة ولم تعد تنظف.
راقب لوربك ظهره المبتعد وهزّ رأسه، ثم تمتم منهكاً: “لماذا تريدون تلك الأجساد؟”
مخلوق فانٍ؟’ دوّن تاليس هذا المصطلح الغريب.
شعر لوربك أنّ سخطه يكاد يخترق السماء.
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
همس الحارس المقنّع السري: “لم يكونوا واعين للموت، ولم يكن قصدهم قتل الحُرّاس.”
حتى حين كان المعلّم رالف، متتبع الريح الشبحية، يندفع بسرعة، كانت ظلاله وخطوط تحرّكاته تُرى.
اقترب بعض أفراد الدوريات وقد تنبّهوا للتوتر. أمّا قائدا فرسان الإبادة فأمسكا بمقابض سيوفهما بوجوهٍ جامدة. لمح نيكولاي ذلك من طرف عينه فبرُد قلبه قليلاً.
استشاط لوربك بدوره وصاح: “كفاك هراءً عن تفاهاتكم، يا زمرة الفاشلين! عصابة قوارير الدم لا ترضخ؟ أحقاً تظن أنه إن سحبتُ الشرطة والدوريات ستقدرون حتى على مغادرة سوق الشارع الأحمر أحياء؟!”
(يا لنجاستك… لماذا نفوك من الجبهة الغربية؟ كان الأجدر بهم أن يقطعوا رأسك!) لعن لوربك في قلبه.
تابع الرجل: “الرائحة التي تنبع منك… همهمة… شهية للغاية. حقًا، الطعام يُصادَف في أماكن غير متوقعة!”
وقف النبيل في منتصف العمر في الطابق الأول من القاعة، يداه مشبوكتان خلف ظهره، يكبح اشمئزازه من المتواطئين. ثم خاطب زاويةً فارغة: “بما أنك كنت مغامرًا سابقًا، ما رأيك؟”
Arisu-san
ارتسمت ابتسامةٌ على فم نيكولاي، ورأى لوربك يطبق جفنيه بألم. بعد لحظة، همس الرئيس بصوتٍ مرتجف:
الفصل 23: المخلوقات الفانية
“مخلوق فانٍ.”
