لستُ معالِجًا نفسيًا [3]
الفصل 306: لستُ معالِجًا نفسيًا [3]
“قيمتكِ لا تُقاس بإنجازاتكِ. قيمتكِ لا تُقاس بكيفية نظرة الآخرين إليكِ. الشخص الوحيد القادر على تحديد قيمتكِ هو أنتِ. تمامًا كما أنّ الشخص الوحيد القادر على انتقادكِ هو أنتِ.”
“…..”
لكنها لم تستطع.
جلست كلارا في صمت، وملامح وجهها تتقلّب بين ظلالٍ عابرةٍ من الألوان، حتى انهار تماسكها أخيرًا. اشتدّت قسماتها، وحدّقت في سيث بنظرةٍ حادّة.
توقّف سيث لحظة، وراح يطرق بأصابعه على الورقة أمامه.
“أيّ هراءٍ هذا الذي تتفوّه به؟ من الواضح أنّ هذا لا علاقة له بالفشل!”
با… نبضة! با… نبضة!
“أليس كذلك…؟”
“لا بأس أن تفشلي.”
“ليس كذلك.”
“لا، لستَ كذلك.”
أنكرت كلارا تمامًا.
اهتزّت عيناها وهي تحدّق في سيث.
“لقد فشلتُ مراتٍ كثيرة من قبل. هذا بالتأكيد ليس السبب.”
“أيّ هراءٍ هذا الذي تتفوّه به؟ من الواضح أنّ هذا لا علاقة له بالفشل!”
“أهكذا إذًا؟”
“هل تستمع إليّ أصلًا؟”
“ماذا تعني بـ ‘أهكذا إذًا’؟”
وما هو أسوأ—
تقاطعت حاجبا كلارا أكثر.
أنـا لـسـتُ مـعـالِـجًـا نـفـسـيًّـا.
“أخبرك أنّه ليس كذلك. وإن كنتُ أنا من يقول ذلك، فاعلم أنّه بالتأكيد ليس كذلك.”
أيّ نوعٍ من…؟
“حسنًا.”
“حسنًا.”
أومأ سيث وهو يدوّن شيئًا في دفتر ملاحظاته. ازداد وجه كلارا توترًا أكثر.
انطبقت فكّا كلارا بشدّة حتى بدأت تصدر أصوات طحنٍ غريبة. ظلّ وجه سيث جامدًا بلا انفعال، بينما مرّر لسانه على أسنانه العُليا، وشرع في تدوين المزيد من الملاحظات على الورقة.
وفي الوقت نفسه، أخرج شيئًا من جيبه.
كان يبدو ككرةٍ حمراء طريةٍ قابلةٍ للعصر.
“إن لم تسمحي لها بأن تؤثر، فلن تفعل. لهذا السبب، قيمتكِ تُحدّدينها أنتِ. لأن كلّ ما يحدث لكِ نابعٌ من أفعالكِ وأفكاركِ.”
أيّ نوعٍ من…؟
وفي النهاية، أطرقت رأسها ناعمةً، وأومأت بخفوت.
“هل تستمع إليّ أصلًا؟”
“حسنًا.”
“…هاه؟”
“نعم.”
توقّف سيث ونظر إليها.
“إنّكِ تخافين من الفشل.”
“أنا أستمع إليكِ.”
لكنها لم تكن كذلك الآن. كانت أفكارها تسير ببطءٍ شديد، وحتى مجرّد التفكير بوضوح بدا كأنه صراع.
“لا، لستَ كذلك.”
هاه؟
“وما الذي يجعلكِ تظنّين ذلك؟”
مع كلّ نبضة قلب، كانت تسمع شيئًا آخر… شيئًا يشبه عزف كمان، يجعل شعر جسدها يقفُّ خوفًا. ومع ذلك، وكأن جسدها شُلّ في مكانه، لم تستطع تحريك رأسها البتة.
“إذًا لِمَ تمسك بتلك الكرة؟”
كاد الكرسي أن يتحطّم من شدّة حركتها.
“هذه؟”
فليك!
رفع سيث الكرة لتراها. ثبتت عينا كلارا عليها، لكن قبل أن تتمكّن من قول شيء، رماها بخفّة إلى الجانب. حاولت تتبّع مسارها، لتراها تختفي في الهواء كأنها لم تكن. وفي اللحظة ذاتها، شعرت بشيءٍ يخترق عقلها.
“لا بأس أن تفشلي.”
كان الإحساس طفيفًا للغاية، ولو كانت في حالتها الذهنية المثلى، لكانت قد أدركته.
“إن لم تسمحي لها بأن تؤثر، فلن تفعل. لهذا السبب، قيمتكِ تُحدّدينها أنتِ. لأن كلّ ما يحدث لكِ نابعٌ من أفعالكِ وأفكاركِ.”
لكنها لم تكن كذلك الآن. كانت أفكارها تسير ببطءٍ شديد، وحتى مجرّد التفكير بوضوح بدا كأنه صراع.
لكن رغم قولها هذا لنفسها، لم ينجح الأمر. كلّما نظرت إليه، ازداد غضبها اشتعالًا. وحين كانت على وشك فقدان السيطرة والنهوض للرحيل، فتح سيث فمه وقال:
“مـ..ماذا—”
“مـ..ماذا—”
“أيّة كرة؟ لا أرى أيّ كرة.”
وما هو أسوأ—
“….”
كان يبدو ككرةٍ حمراء طريةٍ قابلةٍ للعصر.
انطبقت فكّا كلارا بشدّة حتى بدأت تصدر أصوات طحنٍ غريبة. ظلّ وجه سيث جامدًا بلا انفعال، بينما مرّر لسانه على أسنانه العُليا، وشرع في تدوين المزيد من الملاحظات على الورقة.
أنكرت كلارا تمامًا.
كان المنظر كافيًا ليجعل كلارا تكاد تنقضّ عليه.
وفي الوقت ذاته، تقدّمت نحو سيث الذي ظلّ جالسًا في مكانه، وجهه خالٍ من أيّ تعبير، كأنّ ما يحدث حوله لا يعنيه.
‘تنفّسي بعمق. تنفّسٍ عميق. اهدئي.’
أنـا لـسـتُ مـعـالِـجًـا نـفـسـيًّـا.
لكن رغم قولها هذا لنفسها، لم ينجح الأمر. كلّما نظرت إليه، ازداد غضبها اشتعالًا. وحين كانت على وشك فقدان السيطرة والنهوض للرحيل، فتح سيث فمه وقال:
أنـا لـسـتُ مـعـالِـجًـا نـفـسـيًّـا.
“لنفترض أنّني مخطئ. برأيك، ما السبب الرئيس لكوابيسك؟ هل هو المايسترو؟ مظهره؟ حضوره…؟”
“….”
“ماذا… نعم، إنّه…”
“نعم، هو… بسببه. في كلّ مرةٍ أُغمض فيها عينيّ، أتخيّل المايسترو.”
تفاجأت كلارا، ولم تعرف كيف تجيب للحظة، لكنها سرعان ما استجمعت نفسها.
“ليس كذلك.”
“نعم، هو… بسببه. في كلّ مرةٍ أُغمض فيها عينيّ، أتخيّل المايسترو.”
رمقها بعينيه مباشرة، مشيرًا نحوها بالقلم.
“همم.”
ذلك الصوت العالي لدقّات قلبها المتسارعة.
أومأ سيث بجدّية. للحظةٍ، استرخت حاجبا كلارا عند رؤيته كذلك، وظنّت أنّه أخيرًا فهمها، لكنّه نقر قلمه على الورقة وقال:
“نعم، إنّكِ خائفة من الفشل.”
“نعم، إنّكِ خائفة من الفشل.”
جلست كلارا في صمت، وملامح وجهها تتقلّب بين ظلالٍ عابرةٍ من الألوان، حتى انهار تماسكها أخيرًا. اشتدّت قسماتها، وحدّقت في سيث بنظرةٍ حادّة.
وما إن تردّدت الكلمات مجددًا حتى انكسر شيءٌ داخل كلارا. لم تعلم متى حدث ذلك، لكن فجأة وجدت نفسها واقفة، وجهها متورّدٌ بالغضب، وضغطٌ خانقٌ هائلٌ ينبعث من جسدها.
كان الإحساس طفيفًا للغاية، ولو كانت في حالتها الذهنية المثلى، لكانت قد أدركته.
بانغ!
هل… يبدأ؟
كاد الكرسي أن يتحطّم من شدّة حركتها.
زيييين!
وفي الوقت ذاته، تقدّمت نحو سيث الذي ظلّ جالسًا في مكانه، وجهه خالٍ من أيّ تعبير، كأنّ ما يحدث حوله لا يعنيه.
وفي النهاية، أطرقت رأسها ناعمةً، وأومأت بخفوت.
“اسمع جيّدًا، أيّها اللعين!”
ومض شيءٌ في مجال رؤيتها بعد لحظاتٍ قليلة.
ارتفع صوت كلارا، تتقيّأ الكلمات كأنّها سمّ، وهي تمسكه من ياقة قميصه وتقرب وجهها من وجهه.
ذلك الصوت العالي لدقّات قلبها المتسارعة.
“هل أنت عنيد؟ أم جئتَ لتسخر منّي؟ لقد عشتُ أسوأ أسبوعٍ في حياتي، ولم أعد أحتمل الأمور كما في السابق. أنا على بُعد ثوانٍ من الانفجار، وصدّقني…” توقّفت لحظة، وانخفض صوتها، وازدادت نظرتها حدّةً وتهديدًا. “آخر ما تريده حقًّا… هو أن تراني وأنا أنفجر. ذاك هو—”
“اللحظة التي تتوقفين فيها عن السماح للآخرين، سواكِ، بتحديد قيمتكِ، ستكون اللحظة التي تنسين فيها كلّ هذا.”
سناب!
“كلّ شيء يبدأ منكِ.”
دوّى صوتُ فرقعةٍ مفاجئ، وشعرت كلارا برؤيتها تتماوج. بدا وكأنّ شيئًا اخترق عقلها في تلك اللحظة، لكن بسبب ضعف حالتها الذهنية، عجزت عن مقاومته.
أومأ برأسه.
“أوخ…!”
وما هو أسوأ—
وفي النهاية، تراخت قبضتها عن ياقة سيث، وانزلقت أصابعها مبتعدةً بينما تراجعت بضع خطواتٍ إلى الوراء، تمسك رأسها بيديها.
“اسمع جيّدًا، أيّها اللعين!”
دوى في ذهنها طنينٌ مستمرٌّ غطّى على كلّ صوتٍ آخر.
“إذًا لِمَ تمسك بتلك الكرة؟”
“مـ… ما الذي… مـ.. ما الذي يحدث…”
كان يبدو ككرةٍ حمراء طريةٍ قابلةٍ للعصر.
فليك!
ارتفع صوت كلارا، تتقيّأ الكلمات كأنّها سمّ، وهي تمسكه من ياقة قميصه وتقرب وجهها من وجهه.
ومض شيءٌ في مجال رؤيتها بعد لحظاتٍ قليلة.
كان الإحساس طفيفًا للغاية، ولو كانت في حالتها الذهنية المثلى، لكانت قد أدركته.
لم تستطع تمييزه بوضوح، لكنّه بدا كأنه هاتف. وفيه… رأت شيئًا أحمرَ وأبيض.
“ثِقل المسؤولية على كتفيكِ.”
واجهت كلارا صعوبةً في إدراك ما تراه، لكن ما إن وقعت عيناها عليه، حتّى انفتح في ذهنها شيءٌ كالنقطة المفصلية… وكأنّ ذاكرةً ما قد عادت لتنبض من جديد.
“…..!؟”
تلاشى الطنين، وصدح صوت سيث مجددًا في عقلها.
“لنفترض أنّني مخطئ. برأيك، ما السبب الرئيس لكوابيسك؟ هل هو المايسترو؟ مظهره؟ حضوره…؟”
“إنّكِ تخافين من الفشل.”
كانت بشكلٍ غريبٍ مُقنعة.
“ماذا…”
“ماذا تعني بـ ‘أهكذا إذًا’؟”
عاد بصرها إلى طبيعته كذلك.
لم يعبأ سيث بأفكارها، بل واصل ببطء، وصوته ينساب برفقٍ في أرجاء المكتب، متسلّلًا إلى ذهنها المترنّح.
وأمامها، كان سيث يحدّق فيها بوجهٍ خالٍ من التعابير. متقاطع الساقين، بدأ يتحدّث.
أنكرت كلارا تمامًا.
“سجلكِ لا تشوبه شائبة. منذ لحظة انضمامكِ إلى النقابة وحتى الآن، اجتزتِ تقريبًا كلّ البوابات بنجاحٍ باهر، من دون فشلٍ واحد. لقد اكتسبتِ لقب نجمة النقابة، حاملةً على كتفيكِ مسؤوليةً ثقيلة.”
“نعم، إنّكِ خائفة من الفشل.”
كان صوته ناعمًا، منسابًا إلى الأذن كخيط ماء.
كان المنظر كافيًا ليجعل كلارا تكاد تنقضّ عليه.
في ذلك الصوت شيءٌ جعلها تتوقف لحظة، لكن سرعان ما تحرّكت شفتاها لتجادله.
“همم.”
لكن—
كان الإحساس طفيفًا للغاية، ولو كانت في حالتها الذهنية المثلى، لكانت قد أدركته.
“….”
“لهذا السبب، ما إن واجهتِ موقفًا لم تجدِ فيهِ حيلةً، بدأتِ بالارتباك. ثِقل الموقف سحقكِ، وربما رأيتِ تلك البوابة كأوّل إخفاقٍ لكِ، رغم أنّ العالم لا يرى ذلك كذلك. بدأتِ تُدركين كم هو مؤلمٌ الفشل، وذقتِ طعمه أخيرًا…”
هاه؟
بانغ!
وقفت صامتة، عاجزة عن إيجاد الكلمات. وكأن عقلها توقّف فجأة عن العمل.
“أيّة كرة؟ لا أرى أيّ كرة.”
اغتنم سيث اللحظة ليواصل.
“نعم.”
“لهذا السبب، ما إن واجهتِ موقفًا لم تجدِ فيهِ حيلةً، بدأتِ بالارتباك. ثِقل الموقف سحقكِ، وربما رأيتِ تلك البوابة كأوّل إخفاقٍ لكِ، رغم أنّ العالم لا يرى ذلك كذلك. بدأتِ تُدركين كم هو مؤلمٌ الفشل، وذقتِ طعمه أخيرًا…”
“….”
توقّف…
“….”
توقّف سيث، وقد وقعت عيناه عليها.
وأمامها، كان سيث يحدّق فيها بوجهٍ خالٍ من التعابير. متقاطع الساقين، بدأ يتحدّث.
“ثِقل المسؤولية على كتفيكِ.”
“أنا أستمع إليكِ.”
ساد الصمت أرجاء الغرفة إثر كلماته. ارتفع صدر كلارا وهبط مرارًا، وقد شحب وجهها تمامًا.
“شيء ما يتغيّر عندما تتوقفين عن محاولة إثبات نفسك.”
لكنّ ذلك لم يكن كلّ شيء، إذ سرعان ما سمعَتْه.
“لا بأس أن تفشلي.”
با… نبضة! با… نبضة!
ذلك الصوت العالي لدقّات قلبها المتسارعة.
ذلك الصوت العالي لدقّات قلبها المتسارعة.
“نعم.”
وما هو أسوأ—
بانغ!
زيييي!
تردّد صوت سيث في الهواء بهدوء.
“…..!؟”
وفي الوقت نفسه، أخرج شيئًا من جيبه.
مع كلّ نبضة قلب، كانت تسمع شيئًا آخر… شيئًا يشبه عزف كمان، يجعل شعر جسدها يقفُّ خوفًا. ومع ذلك، وكأن جسدها شُلّ في مكانه، لم تستطع تحريك رأسها البتة.
“أهكذا إذًا؟”
اهتزّت عيناها وهي تحدّق في سيث.
وما إن تردّدت الكلمات مجددًا حتى انكسر شيءٌ داخل كلارا. لم تعلم متى حدث ذلك، لكن فجأة وجدت نفسها واقفة، وجهها متورّدٌ بالغضب، وضغطٌ خانقٌ هائلٌ ينبعث من جسدها.
غير أنّ نظرته بقيت هادئة، ساكنة، وهو يتأمّلها.
“ثِقل المسؤولية على كتفيكِ.”
“لا بأس أن تفشلي.”
لكن—
تردّد صوت سيث في الهواء بهدوء.
“أوخ…!”
زيييين!
وأمامها، كان سيث يحدّق فيها بوجهٍ خالٍ من التعابير. متقاطع الساقين، بدأ يتحدّث.
ازداد صوت الكمان وضوحًا. ازداد ذهن كلارا بطئًا، وأخيرًا، وللمرة الأولى، وجدت نفسها تصغي إلى سيث بإنتباهٍ حقيقي، بينما أخذ لحظة ليجمع أفكاره قبل أن يتكلم.
“إنّكِ تخافين من الفشل، لا من المايسترو.”
“شيء ما يتغيّر عندما تتوقفين عن محاولة إثبات نفسك.”
“أوخ…!”
رمقها بعينيه مباشرة، مشيرًا نحوها بالقلم.
“لا، لستَ كذلك.”
“قيمتكِ لا تُقاس بإنجازاتكِ. قيمتكِ لا تُقاس بكيفية نظرة الآخرين إليكِ. الشخص الوحيد القادر على تحديد قيمتكِ هو أنتِ. تمامًا كما أنّ الشخص الوحيد القادر على انتقادكِ هو أنتِ.”
أومأ سيث وهو يدوّن شيئًا في دفتر ملاحظاته. ازداد وجه كلارا توترًا أكثر.
توقّف سيث لحظة، وراح يطرق بأصابعه على الورقة أمامه.
تفاجأت كلارا، ولم تعرف كيف تجيب للحظة، لكنها سرعان ما استجمعت نفسها.
فتحت كلارا شفتيها وأغلقتهما مرارًا، يحاول عقلها جاهدًا أن يجادل كلماته.
كان صوته ناعمًا، منسابًا إلى الأذن كخيط ماء.
لكنها لم تستطع.
“وما الذي يجعلكِ تظنّين ذلك؟”
دون وعيٍ منها، أخذت شفتاها ترتجفان.
‘تنفّسي بعمق. تنفّسٍ عميق. اهدئي.’
كلماته…
رفع سيث الكرة لتراها. ثبتت عينا كلارا عليها، لكن قبل أن تتمكّن من قول شيء، رماها بخفّة إلى الجانب. حاولت تتبّع مسارها، لتراها تختفي في الهواء كأنها لم تكن. وفي اللحظة ذاتها، شعرت بشيءٍ يخترق عقلها.
كانت بشكلٍ غريبٍ مُقنعة.
با… نبضة! با… نبضة!
لا، هذا لا—
وفي الوقت نفسه، أخرج شيئًا من جيبه.
“إهانة الإنسان لا تؤثر فيكِ إلا إن سمحتِ لها بأن تؤثر.”
“نعم، هو… بسببه. في كلّ مرةٍ أُغمض فيها عينيّ، أتخيّل المايسترو.”
لم يعبأ سيث بأفكارها، بل واصل ببطء، وصوته ينساب برفقٍ في أرجاء المكتب، متسلّلًا إلى ذهنها المترنّح.
“إن لم تسمحي لها بأن تؤثر، فلن تفعل. لهذا السبب، قيمتكِ تُحدّدينها أنتِ. لأن كلّ ما يحدث لكِ نابعٌ من أفعالكِ وأفكاركِ.”
دون وعيٍ منها، أخذت شفتاها ترتجفان.
“….”
“ماذا تعني بـ ‘أهكذا إذًا’؟”
سرعان ما أصبح الصوت الوحيد الذي تسمعه كلارا هو صوته فقط.
لكنها لم تستطع.
كانت نغمات الكمان الخافتة تتداخل مع كلماته الرقيقة، فابتلعت ريقها بهدوء، شاعرةً بشيءٍ يتحرك في أعماق عقلها.
“إنّكِ تخافين من الفشل.”
“اللحظة التي تتوقفين فيها عن السماح للآخرين، سواكِ، بتحديد قيمتكِ، ستكون اللحظة التي تنسين فيها كلّ هذا.”
رمقها بعينيه مباشرة، مشيرًا نحوها بالقلم.
توقّف سيث، مُغمضًا عينيه ببطء، فيما ساد الصمت الغرفة.
“ماذا…”
“كلّ شيء يبدأ منكِ.”
فليك!
نظرت إليه كلارا، وابتلعت لعابها بخفوت.
جلست كلارا في صمت، وملامح وجهها تتقلّب بين ظلالٍ عابرةٍ من الألوان، حتى انهار تماسكها أخيرًا. اشتدّت قسماتها، وحدّقت في سيث بنظرةٍ حادّة.
هل… يبدأ؟
“قيمتكِ لا تُقاس بإنجازاتكِ. قيمتكِ لا تُقاس بكيفية نظرة الآخرين إليكِ. الشخص الوحيد القادر على تحديد قيمتكِ هو أنتِ. تمامًا كما أنّ الشخص الوحيد القادر على انتقادكِ هو أنتِ.”
أومأ برأسه.
“…هاه؟”
“أنتِ عدوّ نفسكِ الوحيد.”
زيييي!
أنا؟
“سجلكِ لا تشوبه شائبة. منذ لحظة انضمامكِ إلى النقابة وحتى الآن، اجتزتِ تقريبًا كلّ البوابات بنجاحٍ باهر، من دون فشلٍ واحد. لقد اكتسبتِ لقب نجمة النقابة، حاملةً على كتفيكِ مسؤوليةً ثقيلة.”
“إنّكِ تخافين من الفشل، لا من المايسترو.”
“هذه؟”
“….”
تردّد صوت سيث في الهواء بهدوء.
فتحت كلارا فمها، لكن سرعان ما أغلقته.
ذلك الصوت العالي لدقّات قلبها المتسارعة.
وفي النهاية، أطرقت رأسها ناعمةً، وأومأت بخفوت.
‘تنفّسي بعمق. تنفّسٍ عميق. اهدئي.’
“”أ… أفهم.”
فليك!
“نعم.”
لا، في الحقيقة…
ارتسمت ابتسامة على شفتي سيث وهو ينظر إليها، ثم حوّل نظره نحو الظلّ القائم خلفها، حكّ جانب وجهه وأشار له بإبهامه سرًّا.
“…..!؟”
“والآن، لا تترددي في إخباري بما كان يضايقكِ مؤخرًا. أنا أُصغي إليكِ تمامًا.”
مع كلّ نبضة قلب، كانت تسمع شيئًا آخر… شيئًا يشبه عزف كمان، يجعل شعر جسدها يقفُّ خوفًا. ومع ذلك، وكأن جسدها شُلّ في مكانه، لم تستطع تحريك رأسها البتة.
لا، في الحقيقة…
نظرت إليه كلارا، وابتلعت لعابها بخفوت.
اخرُج.
غير أنّ نظرته بقيت هادئة، ساكنة، وهو يتأمّلها.
أنـا لـسـتُ مـعـالِـجًـا نـفـسـيًّـا.
توقّف…
“هل تستمع إليّ أصلًا؟”
فتحت كلارا شفتيها وأغلقتهما مرارًا، يحاول عقلها جاهدًا أن يجادل كلماته.
