لستُ معالِجًا نفسيًا [3]
الفصل 306: لستُ معالِجًا نفسيًا [3]
“اللحظة التي تتوقفين فيها عن السماح للآخرين، سواكِ، بتحديد قيمتكِ، ستكون اللحظة التي تنسين فيها كلّ هذا.”
“…..”
“نعم، إنّكِ خائفة من الفشل.”
جلست كلارا في صمت، وملامح وجهها تتقلّب بين ظلالٍ عابرةٍ من الألوان، حتى انهار تماسكها أخيرًا. اشتدّت قسماتها، وحدّقت في سيث بنظرةٍ حادّة.
“كلّ شيء يبدأ منكِ.”
“أيّ هراءٍ هذا الذي تتفوّه به؟ من الواضح أنّ هذا لا علاقة له بالفشل!”
لم تستطع تمييزه بوضوح، لكنّه بدا كأنه هاتف. وفيه… رأت شيئًا أحمرَ وأبيض.
“أليس كذلك…؟”
لم تستطع تمييزه بوضوح، لكنّه بدا كأنه هاتف. وفيه… رأت شيئًا أحمرَ وأبيض.
“ليس كذلك.”
أنـا لـسـتُ مـعـالِـجًـا نـفـسـيًّـا.
أنكرت كلارا تمامًا.
توقّف سيث، مُغمضًا عينيه ببطء، فيما ساد الصمت الغرفة.
“لقد فشلتُ مراتٍ كثيرة من قبل. هذا بالتأكيد ليس السبب.”
ذلك الصوت العالي لدقّات قلبها المتسارعة.
“أهكذا إذًا؟”
تلاشى الطنين، وصدح صوت سيث مجددًا في عقلها.
“ماذا تعني بـ ‘أهكذا إذًا’؟”
كان صوته ناعمًا، منسابًا إلى الأذن كخيط ماء.
تقاطعت حاجبا كلارا أكثر.
ارتفع صوت كلارا، تتقيّأ الكلمات كأنّها سمّ، وهي تمسكه من ياقة قميصه وتقرب وجهها من وجهه.
“أخبرك أنّه ليس كذلك. وإن كنتُ أنا من يقول ذلك، فاعلم أنّه بالتأكيد ليس كذلك.”
“نعم، إنّكِ خائفة من الفشل.”
“حسنًا.”
سرعان ما أصبح الصوت الوحيد الذي تسمعه كلارا هو صوته فقط.
أومأ سيث وهو يدوّن شيئًا في دفتر ملاحظاته. ازداد وجه كلارا توترًا أكثر.
انطبقت فكّا كلارا بشدّة حتى بدأت تصدر أصوات طحنٍ غريبة. ظلّ وجه سيث جامدًا بلا انفعال، بينما مرّر لسانه على أسنانه العُليا، وشرع في تدوين المزيد من الملاحظات على الورقة.
وفي الوقت نفسه، أخرج شيئًا من جيبه.
اخرُج.
كان يبدو ككرةٍ حمراء طريةٍ قابلةٍ للعصر.
“مـ..ماذا—”
أيّ نوعٍ من…؟
لكنها لم تكن كذلك الآن. كانت أفكارها تسير ببطءٍ شديد، وحتى مجرّد التفكير بوضوح بدا كأنه صراع.
“هل تستمع إليّ أصلًا؟”
سناب!
“…هاه؟”
كاد الكرسي أن يتحطّم من شدّة حركتها.
توقّف سيث ونظر إليها.
“سجلكِ لا تشوبه شائبة. منذ لحظة انضمامكِ إلى النقابة وحتى الآن، اجتزتِ تقريبًا كلّ البوابات بنجاحٍ باهر، من دون فشلٍ واحد. لقد اكتسبتِ لقب نجمة النقابة، حاملةً على كتفيكِ مسؤوليةً ثقيلة.”
“أنا أستمع إليكِ.”
ازداد صوت الكمان وضوحًا. ازداد ذهن كلارا بطئًا، وأخيرًا، وللمرة الأولى، وجدت نفسها تصغي إلى سيث بإنتباهٍ حقيقي، بينما أخذ لحظة ليجمع أفكاره قبل أن يتكلم.
“لا، لستَ كذلك.”
“شيء ما يتغيّر عندما تتوقفين عن محاولة إثبات نفسك.”
“وما الذي يجعلكِ تظنّين ذلك؟”
هاه؟
“إذًا لِمَ تمسك بتلك الكرة؟”
كان صوته ناعمًا، منسابًا إلى الأذن كخيط ماء.
“هذه؟”
وأمامها، كان سيث يحدّق فيها بوجهٍ خالٍ من التعابير. متقاطع الساقين، بدأ يتحدّث.
رفع سيث الكرة لتراها. ثبتت عينا كلارا عليها، لكن قبل أن تتمكّن من قول شيء، رماها بخفّة إلى الجانب. حاولت تتبّع مسارها، لتراها تختفي في الهواء كأنها لم تكن. وفي اللحظة ذاتها، شعرت بشيءٍ يخترق عقلها.
وما إن تردّدت الكلمات مجددًا حتى انكسر شيءٌ داخل كلارا. لم تعلم متى حدث ذلك، لكن فجأة وجدت نفسها واقفة، وجهها متورّدٌ بالغضب، وضغطٌ خانقٌ هائلٌ ينبعث من جسدها.
كان الإحساس طفيفًا للغاية، ولو كانت في حالتها الذهنية المثلى، لكانت قد أدركته.
“وما الذي يجعلكِ تظنّين ذلك؟”
لكنها لم تكن كذلك الآن. كانت أفكارها تسير ببطءٍ شديد، وحتى مجرّد التفكير بوضوح بدا كأنه صراع.
‘تنفّسي بعمق. تنفّسٍ عميق. اهدئي.’
“مـ..ماذا—”
ارتسمت ابتسامة على شفتي سيث وهو ينظر إليها، ثم حوّل نظره نحو الظلّ القائم خلفها، حكّ جانب وجهه وأشار له بإبهامه سرًّا.
“أيّة كرة؟ لا أرى أيّ كرة.”
واجهت كلارا صعوبةً في إدراك ما تراه، لكن ما إن وقعت عيناها عليه، حتّى انفتح في ذهنها شيءٌ كالنقطة المفصلية… وكأنّ ذاكرةً ما قد عادت لتنبض من جديد.
“….”
جلست كلارا في صمت، وملامح وجهها تتقلّب بين ظلالٍ عابرةٍ من الألوان، حتى انهار تماسكها أخيرًا. اشتدّت قسماتها، وحدّقت في سيث بنظرةٍ حادّة.
انطبقت فكّا كلارا بشدّة حتى بدأت تصدر أصوات طحنٍ غريبة. ظلّ وجه سيث جامدًا بلا انفعال، بينما مرّر لسانه على أسنانه العُليا، وشرع في تدوين المزيد من الملاحظات على الورقة.
وفي النهاية، أطرقت رأسها ناعمةً، وأومأت بخفوت.
كان المنظر كافيًا ليجعل كلارا تكاد تنقضّ عليه.
الفصل 306: لستُ معالِجًا نفسيًا [3]
‘تنفّسي بعمق. تنفّسٍ عميق. اهدئي.’
الفصل 306: لستُ معالِجًا نفسيًا [3]
لكن رغم قولها هذا لنفسها، لم ينجح الأمر. كلّما نظرت إليه، ازداد غضبها اشتعالًا. وحين كانت على وشك فقدان السيطرة والنهوض للرحيل، فتح سيث فمه وقال:
كاد الكرسي أن يتحطّم من شدّة حركتها.
“لنفترض أنّني مخطئ. برأيك، ما السبب الرئيس لكوابيسك؟ هل هو المايسترو؟ مظهره؟ حضوره…؟”
“اسمع جيّدًا، أيّها اللعين!”
“ماذا… نعم، إنّه…”
تردّد صوت سيث في الهواء بهدوء.
تفاجأت كلارا، ولم تعرف كيف تجيب للحظة، لكنها سرعان ما استجمعت نفسها.
تفاجأت كلارا، ولم تعرف كيف تجيب للحظة، لكنها سرعان ما استجمعت نفسها.
“نعم، هو… بسببه. في كلّ مرةٍ أُغمض فيها عينيّ، أتخيّل المايسترو.”
أنا؟
“همم.”
“نعم.”
أومأ سيث بجدّية. للحظةٍ، استرخت حاجبا كلارا عند رؤيته كذلك، وظنّت أنّه أخيرًا فهمها، لكنّه نقر قلمه على الورقة وقال:
ساد الصمت أرجاء الغرفة إثر كلماته. ارتفع صدر كلارا وهبط مرارًا، وقد شحب وجهها تمامًا.
“نعم، إنّكِ خائفة من الفشل.”
ذلك الصوت العالي لدقّات قلبها المتسارعة.
وما إن تردّدت الكلمات مجددًا حتى انكسر شيءٌ داخل كلارا. لم تعلم متى حدث ذلك، لكن فجأة وجدت نفسها واقفة، وجهها متورّدٌ بالغضب، وضغطٌ خانقٌ هائلٌ ينبعث من جسدها.
“….”
بانغ!
“أوخ…!”
كاد الكرسي أن يتحطّم من شدّة حركتها.
فليك!
وفي الوقت ذاته، تقدّمت نحو سيث الذي ظلّ جالسًا في مكانه، وجهه خالٍ من أيّ تعبير، كأنّ ما يحدث حوله لا يعنيه.
لكنها لم تستطع.
“اسمع جيّدًا، أيّها اللعين!”
زيييين!
ارتفع صوت كلارا، تتقيّأ الكلمات كأنّها سمّ، وهي تمسكه من ياقة قميصه وتقرب وجهها من وجهه.
كان صوته ناعمًا، منسابًا إلى الأذن كخيط ماء.
“هل أنت عنيد؟ أم جئتَ لتسخر منّي؟ لقد عشتُ أسوأ أسبوعٍ في حياتي، ولم أعد أحتمل الأمور كما في السابق. أنا على بُعد ثوانٍ من الانفجار، وصدّقني…” توقّفت لحظة، وانخفض صوتها، وازدادت نظرتها حدّةً وتهديدًا. “آخر ما تريده حقًّا… هو أن تراني وأنا أنفجر. ذاك هو—”
توقّف سيث، وقد وقعت عيناه عليها.
سناب!
اخرُج.
دوّى صوتُ فرقعةٍ مفاجئ، وشعرت كلارا برؤيتها تتماوج. بدا وكأنّ شيئًا اخترق عقلها في تلك اللحظة، لكن بسبب ضعف حالتها الذهنية، عجزت عن مقاومته.
“والآن، لا تترددي في إخباري بما كان يضايقكِ مؤخرًا. أنا أُصغي إليكِ تمامًا.”
“أوخ…!”
أيّ نوعٍ من…؟
وفي النهاية، تراخت قبضتها عن ياقة سيث، وانزلقت أصابعها مبتعدةً بينما تراجعت بضع خطواتٍ إلى الوراء، تمسك رأسها بيديها.
“ماذا… نعم، إنّه…”
دوى في ذهنها طنينٌ مستمرٌّ غطّى على كلّ صوتٍ آخر.
“كلّ شيء يبدأ منكِ.”
“مـ… ما الذي… مـ.. ما الذي يحدث…”
كان صوته ناعمًا، منسابًا إلى الأذن كخيط ماء.
فليك!
زيييين!
ومض شيءٌ في مجال رؤيتها بعد لحظاتٍ قليلة.
دوى في ذهنها طنينٌ مستمرٌّ غطّى على كلّ صوتٍ آخر.
لم تستطع تمييزه بوضوح، لكنّه بدا كأنه هاتف. وفيه… رأت شيئًا أحمرَ وأبيض.
“نعم، هو… بسببه. في كلّ مرةٍ أُغمض فيها عينيّ، أتخيّل المايسترو.”
واجهت كلارا صعوبةً في إدراك ما تراه، لكن ما إن وقعت عيناها عليه، حتّى انفتح في ذهنها شيءٌ كالنقطة المفصلية… وكأنّ ذاكرةً ما قد عادت لتنبض من جديد.
توقّف سيث، مُغمضًا عينيه ببطء، فيما ساد الصمت الغرفة.
تلاشى الطنين، وصدح صوت سيث مجددًا في عقلها.
سناب!
“إنّكِ تخافين من الفشل.”
اغتنم سيث اللحظة ليواصل.
“ماذا…”
وفي الوقت ذاته، تقدّمت نحو سيث الذي ظلّ جالسًا في مكانه، وجهه خالٍ من أيّ تعبير، كأنّ ما يحدث حوله لا يعنيه.
عاد بصرها إلى طبيعته كذلك.
رفع سيث الكرة لتراها. ثبتت عينا كلارا عليها، لكن قبل أن تتمكّن من قول شيء، رماها بخفّة إلى الجانب. حاولت تتبّع مسارها، لتراها تختفي في الهواء كأنها لم تكن. وفي اللحظة ذاتها، شعرت بشيءٍ يخترق عقلها.
وأمامها، كان سيث يحدّق فيها بوجهٍ خالٍ من التعابير. متقاطع الساقين، بدأ يتحدّث.
“مـ..ماذا—”
“سجلكِ لا تشوبه شائبة. منذ لحظة انضمامكِ إلى النقابة وحتى الآن، اجتزتِ تقريبًا كلّ البوابات بنجاحٍ باهر، من دون فشلٍ واحد. لقد اكتسبتِ لقب نجمة النقابة، حاملةً على كتفيكِ مسؤوليةً ثقيلة.”
غير أنّ نظرته بقيت هادئة، ساكنة، وهو يتأمّلها.
كان صوته ناعمًا، منسابًا إلى الأذن كخيط ماء.
توقّف سيث، وقد وقعت عيناه عليها.
في ذلك الصوت شيءٌ جعلها تتوقف لحظة، لكن سرعان ما تحرّكت شفتاها لتجادله.
“لا، لستَ كذلك.”
لكن—
“ماذا تعني بـ ‘أهكذا إذًا’؟”
“….”
“أوخ…!”
هاه؟
“لا بأس أن تفشلي.”
وقفت صامتة، عاجزة عن إيجاد الكلمات. وكأن عقلها توقّف فجأة عن العمل.
“والآن، لا تترددي في إخباري بما كان يضايقكِ مؤخرًا. أنا أُصغي إليكِ تمامًا.”
اغتنم سيث اللحظة ليواصل.
دون وعيٍ منها، أخذت شفتاها ترتجفان.
“لهذا السبب، ما إن واجهتِ موقفًا لم تجدِ فيهِ حيلةً، بدأتِ بالارتباك. ثِقل الموقف سحقكِ، وربما رأيتِ تلك البوابة كأوّل إخفاقٍ لكِ، رغم أنّ العالم لا يرى ذلك كذلك. بدأتِ تُدركين كم هو مؤلمٌ الفشل، وذقتِ طعمه أخيرًا…”
لم يعبأ سيث بأفكارها، بل واصل ببطء، وصوته ينساب برفقٍ في أرجاء المكتب، متسلّلًا إلى ذهنها المترنّح.
توقّف…
“اللحظة التي تتوقفين فيها عن السماح للآخرين، سواكِ، بتحديد قيمتكِ، ستكون اللحظة التي تنسين فيها كلّ هذا.”
توقّف سيث، وقد وقعت عيناه عليها.
“حسنًا.”
“ثِقل المسؤولية على كتفيكِ.”
“…..!؟”
ساد الصمت أرجاء الغرفة إثر كلماته. ارتفع صدر كلارا وهبط مرارًا، وقد شحب وجهها تمامًا.
لكنّ ذلك لم يكن كلّ شيء، إذ سرعان ما سمعَتْه.
سرعان ما أصبح الصوت الوحيد الذي تسمعه كلارا هو صوته فقط.
با… نبضة! با… نبضة!
واجهت كلارا صعوبةً في إدراك ما تراه، لكن ما إن وقعت عيناها عليه، حتّى انفتح في ذهنها شيءٌ كالنقطة المفصلية… وكأنّ ذاكرةً ما قد عادت لتنبض من جديد.
ذلك الصوت العالي لدقّات قلبها المتسارعة.
لم تستطع تمييزه بوضوح، لكنّه بدا كأنه هاتف. وفيه… رأت شيئًا أحمرَ وأبيض.
وما هو أسوأ—
“…هاه؟”
زيييي!
وفي النهاية، أطرقت رأسها ناعمةً، وأومأت بخفوت.
“…..!؟”
“نعم، إنّكِ خائفة من الفشل.”
مع كلّ نبضة قلب، كانت تسمع شيئًا آخر… شيئًا يشبه عزف كمان، يجعل شعر جسدها يقفُّ خوفًا. ومع ذلك، وكأن جسدها شُلّ في مكانه، لم تستطع تحريك رأسها البتة.
لكنها لم تستطع.
اهتزّت عيناها وهي تحدّق في سيث.
“إهانة الإنسان لا تؤثر فيكِ إلا إن سمحتِ لها بأن تؤثر.”
غير أنّ نظرته بقيت هادئة، ساكنة، وهو يتأمّلها.
أنـا لـسـتُ مـعـالِـجًـا نـفـسـيًّـا.
“لا بأس أن تفشلي.”
أومأ برأسه.
تردّد صوت سيث في الهواء بهدوء.
“….”
زيييين!
أومأ سيث وهو يدوّن شيئًا في دفتر ملاحظاته. ازداد وجه كلارا توترًا أكثر.
ازداد صوت الكمان وضوحًا. ازداد ذهن كلارا بطئًا، وأخيرًا، وللمرة الأولى، وجدت نفسها تصغي إلى سيث بإنتباهٍ حقيقي، بينما أخذ لحظة ليجمع أفكاره قبل أن يتكلم.
“لقد فشلتُ مراتٍ كثيرة من قبل. هذا بالتأكيد ليس السبب.”
“شيء ما يتغيّر عندما تتوقفين عن محاولة إثبات نفسك.”
“أنتِ عدوّ نفسكِ الوحيد.”
رمقها بعينيه مباشرة، مشيرًا نحوها بالقلم.
كاد الكرسي أن يتحطّم من شدّة حركتها.
“قيمتكِ لا تُقاس بإنجازاتكِ. قيمتكِ لا تُقاس بكيفية نظرة الآخرين إليكِ. الشخص الوحيد القادر على تحديد قيمتكِ هو أنتِ. تمامًا كما أنّ الشخص الوحيد القادر على انتقادكِ هو أنتِ.”
‘تنفّسي بعمق. تنفّسٍ عميق. اهدئي.’
توقّف سيث لحظة، وراح يطرق بأصابعه على الورقة أمامه.
“لقد فشلتُ مراتٍ كثيرة من قبل. هذا بالتأكيد ليس السبب.”
فتحت كلارا شفتيها وأغلقتهما مرارًا، يحاول عقلها جاهدًا أن يجادل كلماته.
رفع سيث الكرة لتراها. ثبتت عينا كلارا عليها، لكن قبل أن تتمكّن من قول شيء، رماها بخفّة إلى الجانب. حاولت تتبّع مسارها، لتراها تختفي في الهواء كأنها لم تكن. وفي اللحظة ذاتها، شعرت بشيءٍ يخترق عقلها.
لكنها لم تستطع.
“…هاه؟”
دون وعيٍ منها، أخذت شفتاها ترتجفان.
“لا، لستَ كذلك.”
كلماته…
لا، هذا لا—
كانت بشكلٍ غريبٍ مُقنعة.
با… نبضة! با… نبضة!
لا، هذا لا—
“إنّكِ تخافين من الفشل.”
“إهانة الإنسان لا تؤثر فيكِ إلا إن سمحتِ لها بأن تؤثر.”
“…..!؟”
لم يعبأ سيث بأفكارها، بل واصل ببطء، وصوته ينساب برفقٍ في أرجاء المكتب، متسلّلًا إلى ذهنها المترنّح.
انطبقت فكّا كلارا بشدّة حتى بدأت تصدر أصوات طحنٍ غريبة. ظلّ وجه سيث جامدًا بلا انفعال، بينما مرّر لسانه على أسنانه العُليا، وشرع في تدوين المزيد من الملاحظات على الورقة.
“إن لم تسمحي لها بأن تؤثر، فلن تفعل. لهذا السبب، قيمتكِ تُحدّدينها أنتِ. لأن كلّ ما يحدث لكِ نابعٌ من أفعالكِ وأفكاركِ.”
توقّف سيث ونظر إليها.
“….”
“إنّكِ تخافين من الفشل، لا من المايسترو.”
سرعان ما أصبح الصوت الوحيد الذي تسمعه كلارا هو صوته فقط.
كانت نغمات الكمان الخافتة تتداخل مع كلماته الرقيقة، فابتلعت ريقها بهدوء، شاعرةً بشيءٍ يتحرك في أعماق عقلها.
واجهت كلارا صعوبةً في إدراك ما تراه، لكن ما إن وقعت عيناها عليه، حتّى انفتح في ذهنها شيءٌ كالنقطة المفصلية… وكأنّ ذاكرةً ما قد عادت لتنبض من جديد.
“اللحظة التي تتوقفين فيها عن السماح للآخرين، سواكِ، بتحديد قيمتكِ، ستكون اللحظة التي تنسين فيها كلّ هذا.”
لكنها لم تستطع.
توقّف سيث، مُغمضًا عينيه ببطء، فيما ساد الصمت الغرفة.
“هذه؟”
“كلّ شيء يبدأ منكِ.”
“…هاه؟”
نظرت إليه كلارا، وابتلعت لعابها بخفوت.
تردّد صوت سيث في الهواء بهدوء.
هل… يبدأ؟
سناب!
أومأ برأسه.
“ماذا تعني بـ ‘أهكذا إذًا’؟”
“أنتِ عدوّ نفسكِ الوحيد.”
ارتسمت ابتسامة على شفتي سيث وهو ينظر إليها، ثم حوّل نظره نحو الظلّ القائم خلفها، حكّ جانب وجهه وأشار له بإبهامه سرًّا.
أنا؟
زيييي!
“إنّكِ تخافين من الفشل، لا من المايسترو.”
“….”
“….”
“….”
فتحت كلارا فمها، لكن سرعان ما أغلقته.
“إنّكِ تخافين من الفشل.”
وفي النهاية، أطرقت رأسها ناعمةً، وأومأت بخفوت.
لكن رغم قولها هذا لنفسها، لم ينجح الأمر. كلّما نظرت إليه، ازداد غضبها اشتعالًا. وحين كانت على وشك فقدان السيطرة والنهوض للرحيل، فتح سيث فمه وقال:
“”أ… أفهم.”
“سجلكِ لا تشوبه شائبة. منذ لحظة انضمامكِ إلى النقابة وحتى الآن، اجتزتِ تقريبًا كلّ البوابات بنجاحٍ باهر، من دون فشلٍ واحد. لقد اكتسبتِ لقب نجمة النقابة، حاملةً على كتفيكِ مسؤوليةً ثقيلة.”
“نعم.”
ساد الصمت أرجاء الغرفة إثر كلماته. ارتفع صدر كلارا وهبط مرارًا، وقد شحب وجهها تمامًا.
ارتسمت ابتسامة على شفتي سيث وهو ينظر إليها، ثم حوّل نظره نحو الظلّ القائم خلفها، حكّ جانب وجهه وأشار له بإبهامه سرًّا.
“والآن، لا تترددي في إخباري بما كان يضايقكِ مؤخرًا. أنا أُصغي إليكِ تمامًا.”
تفاجأت كلارا، ولم تعرف كيف تجيب للحظة، لكنها سرعان ما استجمعت نفسها.
لا، في الحقيقة…
“أنا أستمع إليكِ.”
اخرُج.
نظرت إليه كلارا، وابتلعت لعابها بخفوت.
أنـا لـسـتُ مـعـالِـجًـا نـفـسـيًّـا.
“أنتِ عدوّ نفسكِ الوحيد.”
انطبقت فكّا كلارا بشدّة حتى بدأت تصدر أصوات طحنٍ غريبة. ظلّ وجه سيث جامدًا بلا انفعال، بينما مرّر لسانه على أسنانه العُليا، وشرع في تدوين المزيد من الملاحظات على الورقة.
“والآن، لا تترددي في إخباري بما كان يضايقكِ مؤخرًا. أنا أُصغي إليكِ تمامًا.”
