نتقاتل لأننا نعرف بعضنا
قبل أن أتوجّه لمقابلة شيطان الابتسامة الشريرة، مررت بمقرّ إقامة شيطان نصل السماء الدموي. كان لا بدّ لي أن أستوضح أمرًا منه.
أبدى اهتمامًا:
“أنك غدوتَ أحمقًا أرثوذكسيًا متزمّتًا.”
كان غو تشيونبا جالسًا عند النافذة، يقرأ كتابًا تحت دفء أشعة الشمس.
إلا أنه في لحظة واحدة، عبر حياة كاملة، خلع قناعه أمام شخص واحد…
قلت ممازحًا:
كان لقاؤنا هذا في الحقيقة أوّل لقاء شخصي بيننا عبر حياتين.
“حقًا تقرأ الكتب كثيرًا.”
“تفضّل.”
“لقد مضى وقت طويل، سيدي المحترم.”
ابتسم بسخرية وأجاب:
“مجرد استعراض. حين أسمع وقع خطواتك من بعيد، أسرع نحو الرف وأمسك كتابًا.”
غادرت بابتسامة، متجهًا إلى وادي الأشرار في أقصى الشمال الشرقي من الحرم الداخلي.
سألته بابتسامة:
ثم وضع الكتاب جانبًا، ونظر إليّ متسائلًا:
عرفت أنه شغوف بمثل هذه الأفعال المفاجئة. وهذه ثاني مرة أسمعها منه. الأولى حين عدتُ أبحث عن روح الشيطان السماوي، آنذاك ربطني به المصير، وقال لي الشيء نفسه.
“ما الذي جاء بك؟”
“هل يتقاتل المرء مع الغرباء؟ نحن نتقاتل لأننا نعرف بعضنا جيدًا.”
وقفت خارج النافذة وخاطبته دون أن أدخل:
قهقه كأنما وجد لذة في الجواب.
“جئت لأسألك عن شخص ما.”
“من؟”
أمامي أنا.
“شيطان الابتسامة الشريرة… هل تعرفه؟”
“لا أصادق رجالًا يختبئون خلف الأقنعة.”
ارتعشت ملامح شيطان النصل للحظة قبل أن يجيب:
“لماذا تسأل عنه؟”
استدرت مجددًا وأجبته:
“أفكر في ضمّه إلى صفّنا.”
“لماذا تسأل عنه؟”
تجعّدت تقاسيم وجه غو تشيونبا.
“لماذا جئت إليّ؟”
“اللعنة… إنك تثرثر كالعجائز.”
“ماذا تعني؟”
“لا تتصنّع الغباء.”
“هذا قول يبرّر به الأشرار أنفسهم. فالشر هاوٍ في قعر هاوية لا قرار لها، والخير قمة جبل شاهق. لا يلتقيان.”
بحدسه الحاد أدرك أن سيدة السيف ذو الضربة الواحدة أفشت لي سرًّا، ولأنه لم يكن ممّن يشيع الأسرار، أجبت بارتياح:
“أتظاهر بأنني مخدوع.”
“لست أنا من أراد إقناعها، بل أنت يا سيدي المحترم. ومن أجلك تحديدًا.”
“الشائعات صحيحة.”
“ليس من أجلي، بل من أجل ضميري.”
“ليس من أجلي، بل من أجل ضميري.”
سألته بابتسامة:
“لماذا تتقاتلان كثيرًا ما دمتما تعرفان بعضكم جيدًا؟”
هززت رأسي:
ردّ ببرود:
“هل يتقاتل المرء مع الغرباء؟ نحن نتقاتل لأننا نعرف بعضنا جيدًا.”
سألته بابتسامة:
ضحكت بخفة إذ لم أجد ردًّا يدحض قوله.
“لا أنظر إلى شيء.”
“إذن، ماذا تريد أن تسأل؟”
قهقه كأنما وجد لذة في الجواب.
“كيف أقنعت شيطان الابتسامة الشريرة؟”
قلت:
كان هذا جوهر زيارتي له. لكن جوابه كشف عن حقيقة صادمة:
صعدت الدرج الحلزوني حتى وصلت الغرفة. وما إن خطوت بداخلها حتى لفحني إحساس مروّع.
“بل هو من جاءني أولًا.”
“شيطان الابتسامة الشريرة اقترب منك أنت؟”
قبل ارتدادي، حين كنت أبحث في الطائفة عن آخر قطعة مفقودة من تقنية الانحدار العظيم. أنا الوحيد الذي رأيتُ الوجه خلف القناع.
“أجل. ولماذا أذهب أنا إلى ذاك المزعج أستجديه؟”
“وما الأول؟”
تمتمت بدهشة:
رغم أن كلامي بدا كوشاية، لكنّ هدفي كان التمهيد لمصالحة بينهما. كان لا بد أن أُبقي اسميهما حاضرَين في ذهن كل منهما، حتى يظل الكره يقظًا… وعند اللحظة المناسبة، يتحوّل ذلك الكره إلى مدخل للتصالح. فالمصالحة لا تحدث بين ليلة وضحاها.
“إذن كانت سيدة السيف مخطئة…”
ابتسم بسخرية وأجاب:
“ماذا قالت؟”
كانت لحظة تستحق الضحك، لكنه لم يضحك. بل رأيت بعينيّ ابتسامة باردة خلف القناع، ابتسامة تدلّ على غضب دفين.
“قالت إنك أقنعته لأنكما أشرارٌ متشابهون.”
ابتسم ابتسامة مبطّنة:
“الشر لا عظمة فيه، إلا حين يلتهم شرًا آخر.”
قفز غو تشيونبا غاضبًا:
كان غو تشيونبا جالسًا عند النافذة، يقرأ كتابًا تحت دفء أشعة الشمس.
“ماذا؟! قرنتني بذلك الرجل؟”
ضحكت بخفة إذ لم أجد ردًّا يدحض قوله.
بحدسه الحاد أدرك أن سيدة السيف ذو الضربة الواحدة أفشت لي سرًّا، ولأنه لم يكن ممّن يشيع الأسرار، أجبت بارتياح:
رغم أن كلامي بدا كوشاية، لكنّ هدفي كان التمهيد لمصالحة بينهما. كان لا بد أن أُبقي اسميهما حاضرَين في ذهن كل منهما، حتى يظل الكره يقظًا… وعند اللحظة المناسبة، يتحوّل ذلك الكره إلى مدخل للتصالح. فالمصالحة لا تحدث بين ليلة وضحاها.
سألني ببرود. فأجبته بهدوء مماثل:
“ما الشروط التي وضعها عليك؟”
“كيف أقنعت شيطان الابتسامة الشريرة؟”
“قال إنه سيؤيد تشونغ سون، وطلب أن أساعده حين يحتاج لاحقًا.”
“حقًا تقرأ الكتب كثيرًا.”
“هل قبلت، مع أنك لا تعرف ما الذي قد يطلبه؟”
هززت رأسي:
“إن طلب ما لا يُحتمل فلن ألبّيه.”
“أبدًا. كيف يكون منافقًا من يحمل ‘الشر’ بجلاء في لقبه؟”
“لكن لمَ لم تحتفظ بالفضل على الأقل؟ كان بوسعك أن تقول: ‘عليّ دين بفضلك، فماذا ستفعل حياله؟’ لمَ صمتَّ؟”
“لا أصادق رجالًا يختبئون خلف الأقنعة.”
تمتمت بدهشة:
زمجر غو تشيونبا:
قال وهو يمشي:
“وما جدوى حفظ الأفضال؟!”
“سيد جناح العالم السفلي لا يمتزج مع شيطان الابتسامة الشريرة.”
رغم مهابته، كان صوته عذبًا للأذن، وهيئته الأنيقة تزيد من غرابة الانطباع. مهذّب… لدرجة مرعبة.
في البداية، كنت أظنه رجلًا لا يضيّع فضلًا ولا يُهدر دينًا. لكن كلما تعمقتُ فيه، وجدت وجهًا آخر: رجل يركن مثل هذه الحسابات في الزاوية، ويكتفي بالجلوس قرب النافذة مستمتعًا بكتاب.
كانت لحظة تستحق الضحك، لكنه لم يضحك. بل رأيت بعينيّ ابتسامة باردة خلف القناع، ابتسامة تدلّ على غضب دفين.
قلت له:
“الأفضال ليست عبثًا، سيدي. الاحتفاظ بها يُرغم الآخر على الاعتراف بك.”
فكّرت في الأمر: إن كان حدسي صائبًا، فما الذي دفعه لمساعدتنا إذن؟
لمعت عيناه خلف القناع:
هز رأسه بازدراء.
“على أي حال، شكرًا لك. سأتوجّه الآن إلى لقائه.”
“لم يكن في نية شيطان الابتسامة الشريرة أن يجني فائدة مني. أتراه يطلب مني شيئًا أصلًا؟”
أجابني ببرود وهو يتصفح الكتاب:
نظر إليّ بنظرة تقول: ‘حتى أنت لا تصدّق ذلك.’
فكّرت في الأمر: إن كان حدسي صائبًا، فما الذي دفعه لمساعدتنا إذن؟
ثم قال:
“أجل. ولماذا أذهب أنا إلى ذاك المزعج أستجديه؟”
ابتسمت وأنا أتهيأ للرحيل:
“على أي حال، شكرًا لك. سأتوجّه الآن إلى لقائه.”
“أبدًا. كيف يكون منافقًا من يحمل ‘الشر’ بجلاء في لقبه؟”
أعاد غو تشيونبا كتابه إلى حضنه، وبدت عليه رغبة صادقة في القراءة.
أجبته بتحفّظ:
سألته أخيرًا:
سألته أخيرًا:
“ألستَ قلقًا من لقائي به؟”
أجابني ببرود وهو يتصفح الكتاب:
“لأن البكاء أهون من الابتسام. البكاء راحة، أما الابتسام في عالم كعالمنا… قسوة.”
“وعلى من يقلق المرء؟ عليك؟ أم على ذاك الشيطان؟”
ابتسم من خلف القناع:
غادرت بابتسامة، متجهًا إلى وادي الأشرار في أقصى الشمال الشرقي من الحرم الداخلي.
كانت لحظة تستحق الضحك، لكنه لم يضحك. بل رأيت بعينيّ ابتسامة باردة خلف القناع، ابتسامة تدلّ على غضب دفين.
كان الوادي، كما يدل اسمه، مقرًّا للمفسدين. لم يكن طبيعيًا بل مصطنعًا، تحفّه مقارّ بأحجام مختلفة تتوزع على طول جدول ماء. ورغم أن منظرها يوحي بالعشوائية، إلا أن التخطيط كان مقصودًا، أشبه بقلاع صغيرة رتّبت بعناية وفق مهارات ومقام السيافين عديمي الوجوه، وللتهيؤ لأي غزو خارجي.
ضحك.
عند مدخل الوادي أعلنت أنني جئت لرؤية شيطان الابتسامة الشريرة، فأرشدني سياف عديم الوجه، يرتدي قناعًا أبيض.
“بل هو من جاءني أولًا.”
كل أتباعه يلقَّبون بالسيافين عديمي الوجوه، يرتدون أقنعة بيضاء لا يظهر منها سوى فتحات هلالية للعينين. تبدو باسمة، لكن العيون الحقيقية خلفها مظلمة، ما يجعل الأقنعة أشد رعبًا.
“لأن البكاء أهون من الابتسام. البكاء راحة، أما الابتسام في عالم كعالمنا… قسوة.”
قال وهو يمشي:
كان مقرّ إقامته في أعمق نقطة من الوادي. مبنى مشيّد على هيئة قناع أبيض ضخم، نوافذه الوحيدة في موضع العينين، كأنها تحدّد غرفة سيده.
ردّ ببرود:
دخلت، وشعور الابتلاع يزداد داخلي، كأنني أُساق إلى جوفه.
أصرّ على يقينه، ووعدني:
تجعّدت تقاسيم وجه غو تشيونبا.
صعدت الدرج الحلزوني حتى وصلت الغرفة. وما إن خطوت بداخلها حتى لفحني إحساس مروّع.
“يقولون إن الخير والشر كوجهي عملة. تعلم الشر مني سيساعدك على إقامة الخير.”
قلت:
الغرفة بيضاء خالية تمامًا: لا طاولة، ولا كرسي، ولا وسادة. في الفراغ التام وقف شيطان الابتسامة الشريرة، باردًا، يواجه الجدار. لولا خصلات شعره الأسود المتدلية لما ميزته وسط البياض.
“ماذا تعني؟”
تقدّمت ووقفت بجانبه.
“ليس من أجلي، بل من أجل ضميري.”
“ما الذي تنظر إليه؟”
ابتسمت وأنا أتهيأ للرحيل:
أدار رأسه نحوي ببطء. كان يرتدي قناعًا أبيض مثل أتباعه، لكن قناعه خُصّص بحيث لا يُرى ما خلفه. ومع ذلك، بتقنية العين الجديدة، استطعت أن أبصر عينيه الباردتين.
“وما الأول؟”
قال بصوت رنان مهيب:
“أنا حقا لم أقتله.”
“لا أنظر إلى شيء.”
“سيدي المحترم؟ أنا ما زلتُ شابًا، عاملني كصديق.”
“ماذا؟! قرنتني بذلك الرجل؟”
رغم مهابته، كان صوته عذبًا للأذن، وهيئته الأنيقة تزيد من غرابة الانطباع. مهذّب… لدرجة مرعبة.
“يمكنك قول ذلك.”
عرفت أنه شغوف بمثل هذه الأفعال المفاجئة. وهذه ثاني مرة أسمعها منه. الأولى حين عدتُ أبحث عن روح الشيطان السماوي، آنذاك ربطني به المصير، وقال لي الشيء نفسه.
ابتسم وقال:
“لقد مضى وقت طويل، سيدي المحترم.”
“لا بأس بها، بشرط ألا يكون المخطأ في حقه شيطان الابتسامة الشريرة.”
هززت رأسي:
كان لقاؤنا هذا في الحقيقة أوّل لقاء شخصي بيننا عبر حياتين.
رغم مهابته، كان صوته عذبًا للأذن، وهيئته الأنيقة تزيد من غرابة الانطباع. مهذّب… لدرجة مرعبة.
قلت له:
أجابني ببرود وهو يتصفح الكتاب:
“سيدي المحترم؟ أنا ما زلتُ شابًا، عاملني كصديق.”
ابتسم ابتسامة مبطّنة:
“كم شخصًا غادر الحياة مخدوعًا بهذه الكلمات؟”
“أجل. ولماذا أذهب أنا إلى ذاك المزعج أستجديه؟”
ضحك ضحكة عالية، مصطنعة كممثل مسرح شعبي. لكني لم أثق بها لحظة. تلك الضحكة لم تكن إلا مخالب ملونة في أعماق الظلام، تجرّك نحو الفم الكامن خلفها.
ضحك كما يوحي لقبه. ضحكة لا تحمل الطمأنينة، بل أنيابًا خفية.
“وعلى من يقلق المرء؟ عليك؟ أم على ذاك الشيطان؟”
“وماذا عنك، السيد الشاب الثاني؟ هل أنت ممّن يُخدَع، أم ممن يخدعون؟”
قلت بهدوء:
سار بمحاذاة الجدار الأبيض، وتبعته. كان خيط قناعه يتدلّى من مؤخرة رأسه. عقدة يمكن لأي طفل أن يفكّها… لكن لا أحد في عالم القتال يجرؤ على الاقتراب منها.
“أتظاهر بأنني مخدوع.”
رغم أن كلامي بدا كوشاية، لكنّ هدفي كان التمهيد لمصالحة بينهما. كان لا بد أن أُبقي اسميهما حاضرَين في ذهن كل منهما، حتى يظل الكره يقظًا… وعند اللحظة المناسبة، يتحوّل ذلك الكره إلى مدخل للتصالح. فالمصالحة لا تحدث بين ليلة وضحاها.
قهقه كأنما وجد لذة في الجواب.
ضحك كما يوحي لقبه. ضحكة لا تحمل الطمأنينة، بل أنيابًا خفية.
قلت:
قال بصوت رنان مهيب:
“ألا يُرهقك أن تبتسم دائمًا هكذا؟”
لمعت عيناه خلف القناع:
“شيطان الابتسامة الشريرة… هل تعرفه؟”
“ولِمَ يكون الابتسام صعبًا؟”
“وما المشكلة في بعض الأخطاء؟”
“لأن البكاء أهون من الابتسام. البكاء راحة، أما الابتسام في عالم كعالمنا… قسوة.”
غادرت بابتسامة، متجهًا إلى وادي الأشرار في أقصى الشمال الشرقي من الحرم الداخلي.
ضحك ضحكة عالية، مصطنعة كممثل مسرح شعبي. لكني لم أثق بها لحظة. تلك الضحكة لم تكن إلا مخالب ملونة في أعماق الظلام، تجرّك نحو الفم الكامن خلفها.
في البداية، كنت أظنه رجلًا لا يضيّع فضلًا ولا يُهدر دينًا. لكن كلما تعمقتُ فيه، وجدت وجهًا آخر: رجل يركن مثل هذه الحسابات في الزاوية، ويكتفي بالجلوس قرب النافذة مستمتعًا بكتاب.
سألني فجأة:
“لماذا جئت إليّ؟”
ضحك بحرارة، لكن عيناه ظلّتا ميتتين خلف القناع. وحدها تقنية العين الجديدة كشفت لي ذلك.
أجبته بتحفّظ:
“كلا.”
“لم تتح لنا فرصة لحديث كهذا من قبل. جئت لأتعرّف إليك… ولأكون صريحًا، جئت آملاً أن تدعمني بدلًا من أخي.”
“أنا حقا لم أقتله.”
“فلنتمشَّ إذن.”
“من؟”
“ماذا قالت؟”
سار بمحاذاة الجدار الأبيض، وتبعته. كان خيط قناعه يتدلّى من مؤخرة رأسه. عقدة يمكن لأي طفل أن يفكّها… لكن لا أحد في عالم القتال يجرؤ على الاقتراب منها.
“اللعنة… إنك تثرثر كالعجائز.”
“لأن البكاء أهون من الابتسام. البكاء راحة، أما الابتسام في عالم كعالمنا… قسوة.”
قال وهو يمشي:
“لقد مضى وقت طويل، سيدي المحترم.”
“إن أجبت عن سؤال واحد، سأفكر في دعمك.”
“تفضّل.”
هز رأسه ببطء.
“كيف قتلتَ شيطان حاصد الأرواح؟”
دخلت، وشعور الابتلاع يزداد داخلي، كأنني أُساق إلى جوفه.
سألني ببرود. فأجبته بهدوء مماثل:
قلت له:
“لم أقتله.”
أبدى اهتمامًا:
دخلت، وشعور الابتلاع يزداد داخلي، كأنني أُساق إلى جوفه.
ابتسم من خلف القناع:
“لا تتصنّع الغباء.”
“لقد قتلته، أنا لا أسألك هل فعلت أم لا. أسأل كيف فعلت.”
“لكن لمَ لم تحتفظ بالفضل على الأقل؟ كان بوسعك أن تقول: ‘عليّ دين بفضلك، فماذا ستفعل حياله؟’ لمَ صمتَّ؟”
“لماذا تسأل عنه؟”
أصرّ على يقينه، ووعدني:
أمامي أنا.
“أخبرني، وسأمنحك صوتًا كما منحتُ تشونغ سون.”
كان الوادي، كما يدل اسمه، مقرًّا للمفسدين. لم يكن طبيعيًا بل مصطنعًا، تحفّه مقارّ بأحجام مختلفة تتوزع على طول جدول ماء. ورغم أن منظرها يوحي بالعشوائية، إلا أن التخطيط كان مقصودًا، أشبه بقلاع صغيرة رتّبت بعناية وفق مهارات ومقام السيافين عديمي الوجوه، وللتهيؤ لأي غزو خارجي.
“لقد قتلته، أنا لا أسألك هل فعلت أم لا. أسأل كيف فعلت.”
قلت بثبات:
“لم يكن في نية شيطان الابتسامة الشريرة أن يجني فائدة مني. أتراه يطلب مني شيئًا أصلًا؟”
“أنا حقا لم أقتله.”
توقف، ثم اقترب مني ومدّ يده:
“لأن البكاء أهون من الابتسام. البكاء راحة، أما الابتسام في عالم كعالمنا… قسوة.”
“لنكن أصدقاء.”
“على أي حال، شكرًا لك. سأتوجّه الآن إلى لقائه.”
في البداية، كنت أظنه رجلًا لا يضيّع فضلًا ولا يُهدر دينًا. لكن كلما تعمقتُ فيه، وجدت وجهًا آخر: رجل يركن مثل هذه الحسابات في الزاوية، ويكتفي بالجلوس قرب النافذة مستمتعًا بكتاب.
عرفت أنه شغوف بمثل هذه الأفعال المفاجئة. وهذه ثاني مرة أسمعها منه. الأولى حين عدتُ أبحث عن روح الشيطان السماوي، آنذاك ربطني به المصير، وقال لي الشيء نفسه.
“أنا حقا لم أقتله.”
“كيف قتلتَ شيطان حاصد الأرواح؟”
“كلا.”
سألته بابتسامة:
“ولم لا؟”
“لا بأس بها، بشرط ألا يكون المخطأ في حقه شيطان الابتسامة الشريرة.”
“لثلاثة أسباب.”
أبدى اهتمامًا:
“وما الأول؟”
الغرفة بيضاء خالية تمامًا: لا طاولة، ولا كرسي، ولا وسادة. في الفراغ التام وقف شيطان الابتسامة الشريرة، باردًا، يواجه الجدار. لولا خصلات شعره الأسود المتدلية لما ميزته وسط البياض.
“إن تصرّفنا كأصدقاء، قد أرتكب خطأً في حقك. الارتياح يجلب قلة الاحترام، أما الرسميات فتمنعني من ذلك.”
قلت له:
ضحك.
“لا بد من ذلك. أستأذن الآن.”
“وما المشكلة في بعض الأخطاء؟”
“لماذا جئت إليّ؟”
“لا بأس بها، بشرط ألا يكون المخطأ في حقه شيطان الابتسامة الشريرة.”
“لنكن أصدقاء.”
قهقه مطولًا.
ضحكت بخفة إذ لم أجد ردًّا يدحض قوله.
“أنت أمتع مما يقولون عنك. حسنًا، ما السبب الثاني؟”
“بل هو من جاءني أولًا.”
“ولم لا؟”
قلت بصرامة:
قلت له:
“سيد جناح العالم السفلي لا يمتزج مع شيطان الابتسامة الشريرة.”
“يقولون إن الخير والشر كوجهي عملة. تعلم الشر مني سيساعدك على إقامة الخير.”
استدرت مجددًا وأجبته:
في البداية، كنت أظنه رجلًا لا يضيّع فضلًا ولا يُهدر دينًا. لكن كلما تعمقتُ فيه، وجدت وجهًا آخر: رجل يركن مثل هذه الحسابات في الزاوية، ويكتفي بالجلوس قرب النافذة مستمتعًا بكتاب.
هززت رأسي:
“هذا قول يبرّر به الأشرار أنفسهم. فالشر هاوٍ في قعر هاوية لا قرار لها، والخير قمة جبل شاهق. لا يلتقيان.”
قلت:
قال:
ابتسم بسخرية وأجاب:
“إذن تراني منافقًا؟”
“أبدًا. كيف يكون منافقًا من يحمل ‘الشر’ بجلاء في لقبه؟”
“هل قبلت، مع أنك لا تعرف ما الذي قد يطلبه؟”
“هل تراني عظيمًا إذن؟”
ابتسمت وأنا أتهيأ للرحيل:
“الشر لا عظمة فيه، إلا حين يلتهم شرًا آخر.”
كان هذا جوهر زيارتي له. لكن جوابه كشف عن حقيقة صادمة:
ضحك بحرارة، لكن عيناه ظلّتا ميتتين خلف القناع. وحدها تقنية العين الجديدة كشفت لي ذلك.
قلت ممازحًا:
“الشر لا عظمة فيه، إلا حين يلتهم شرًا آخر.”
ثم قال:
“الشائعات صحيحة.”
الغرفة بيضاء خالية تمامًا: لا طاولة، ولا كرسي، ولا وسادة. في الفراغ التام وقف شيطان الابتسامة الشريرة، باردًا، يواجه الجدار. لولا خصلات شعره الأسود المتدلية لما ميزته وسط البياض.
“أي شائعات؟”
“قال إنه سيؤيد تشونغ سون، وطلب أن أساعده حين يحتاج لاحقًا.”
“أنك غدوتَ أحمقًا أرثوذكسيًا متزمّتًا.”
قلت له:
ابتسمت ساخرًا:
“أجل. ولماذا أذهب أنا إلى ذاك المزعج أستجديه؟”
“بل لأننا انحدرنا حتى صرنا أسوأ من أولئك المتزمّتين. لذا أحاول إصلاح ما انكسر.”
سأل وهو يضحك:
“أهذا هو المسار الجديد للشياطين الذي تحلم به؟”
“يمكنك قول ذلك.”
“لأن البكاء أهون من الابتسام. البكاء راحة، أما الابتسام في عالم كعالمنا… قسوة.”
تجعّدت تقاسيم وجه غو تشيونبا.
هز رأسه ببطء.
“إذن لن نجتمع أبدًا. سأظل إلى جانب السيد الشاب الأول.”
ثم قال:
قلت:
أجابني ببرود وهو يتصفح الكتاب:
“لا بد من ذلك. أستأذن الآن.”
توقف، ثم اقترب مني ومدّ يده:
“يقولون إن الخير والشر كوجهي عملة. تعلم الشر مني سيساعدك على إقامة الخير.”
انحنيت بوقار، وهممت بالمغادرة. لكنه ناداني:
إلا أنه في لحظة واحدة، عبر حياة كاملة، خلع قناعه أمام شخص واحد…
“ما السبب الثالث؟”
“أفكر في ضمّه إلى صفّنا.”
“لا بد من ذلك. أستأذن الآن.”
استدرت مجددًا وأجبته:
“إذن لن نجتمع أبدًا. سأظل إلى جانب السيد الشاب الأول.”
“لا أصادق رجالًا يختبئون خلف الأقنعة.”
بحدسه الحاد أدرك أن سيدة السيف ذو الضربة الواحدة أفشت لي سرًّا، ولأنه لم يكن ممّن يشيع الأسرار، أجبت بارتياح:
ثم وضع الكتاب جانبًا، ونظر إليّ متسائلًا:
كانت لحظة تستحق الضحك، لكنه لم يضحك. بل رأيت بعينيّ ابتسامة باردة خلف القناع، ابتسامة تدلّ على غضب دفين.
“أفكر في ضمّه إلى صفّنا.”
لم يخلع قناعه أمام أحد قط. لا أحد رآه، ولا أحد يعرف ملامحه أو حتى عمره. طلب خلع القناع يُعد خيانة، بل إهانة لا تُغتفر.
صعدت الدرج الحلزوني حتى وصلت الغرفة. وما إن خطوت بداخلها حتى لفحني إحساس مروّع.
إلا أنه في لحظة واحدة، عبر حياة كاملة، خلع قناعه أمام شخص واحد…
أبدى اهتمامًا:
أمامي أنا.
“لثلاثة أسباب.”
“لماذا تتقاتلان كثيرًا ما دمتما تعرفان بعضكم جيدًا؟”
قبل ارتدادي، حين كنت أبحث في الطائفة عن آخر قطعة مفقودة من تقنية الانحدار العظيم. أنا الوحيد الذي رأيتُ الوجه خلف القناع.
“إذن تراني منافقًا؟”
