نتقاتل لأننا نعرف بعضنا
قبل أن أتوجّه لمقابلة شيطان الابتسامة الشريرة، مررت بمقرّ إقامة شيطان نصل السماء الدموي. كان لا بدّ لي أن أستوضح أمرًا منه.
سألني فجأة:
“أفكر في ضمّه إلى صفّنا.”
كان غو تشيونبا جالسًا عند النافذة، يقرأ كتابًا تحت دفء أشعة الشمس.
قهقه مطولًا.
“ما السبب الثالث؟”
قلت ممازحًا:
“ماذا تعني؟”
“حقًا تقرأ الكتب كثيرًا.”
بحدسه الحاد أدرك أن سيدة السيف ذو الضربة الواحدة أفشت لي سرًّا، ولأنه لم يكن ممّن يشيع الأسرار، أجبت بارتياح:
“ما الذي تنظر إليه؟”
ابتسم بسخرية وأجاب:
“لا أنظر إلى شيء.”
“مجرد استعراض. حين أسمع وقع خطواتك من بعيد، أسرع نحو الرف وأمسك كتابًا.”
ثم وضع الكتاب جانبًا، ونظر إليّ متسائلًا:
الغرفة بيضاء خالية تمامًا: لا طاولة، ولا كرسي، ولا وسادة. في الفراغ التام وقف شيطان الابتسامة الشريرة، باردًا، يواجه الجدار. لولا خصلات شعره الأسود المتدلية لما ميزته وسط البياض.
“ما الذي جاء بك؟”
ابتسم ابتسامة مبطّنة:
وقفت خارج النافذة وخاطبته دون أن أدخل:
“كلا.”
“جئت لأسألك عن شخص ما.”
“الأفضال ليست عبثًا، سيدي. الاحتفاظ بها يُرغم الآخر على الاعتراف بك.”
“من؟”
“ولم لا؟”
“شيطان الابتسامة الشريرة… هل تعرفه؟”
كان الوادي، كما يدل اسمه، مقرًّا للمفسدين. لم يكن طبيعيًا بل مصطنعًا، تحفّه مقارّ بأحجام مختلفة تتوزع على طول جدول ماء. ورغم أن منظرها يوحي بالعشوائية، إلا أن التخطيط كان مقصودًا، أشبه بقلاع صغيرة رتّبت بعناية وفق مهارات ومقام السيافين عديمي الوجوه، وللتهيؤ لأي غزو خارجي.
ارتعشت ملامح شيطان النصل للحظة قبل أن يجيب:
“لا بأس بها، بشرط ألا يكون المخطأ في حقه شيطان الابتسامة الشريرة.”
“لماذا تسأل عنه؟”
“أخبرني، وسأمنحك صوتًا كما منحتُ تشونغ سون.”
“أفكر في ضمّه إلى صفّنا.”
كل أتباعه يلقَّبون بالسيافين عديمي الوجوه، يرتدون أقنعة بيضاء لا يظهر منها سوى فتحات هلالية للعينين. تبدو باسمة، لكن العيون الحقيقية خلفها مظلمة، ما يجعل الأقنعة أشد رعبًا.
“كيف قتلتَ شيطان حاصد الأرواح؟”
تجعّدت تقاسيم وجه غو تشيونبا.
انحنيت بوقار، وهممت بالمغادرة. لكنه ناداني:
“اللعنة… إنك تثرثر كالعجائز.”
“فلنتمشَّ إذن.”
“ماذا تعني؟”
“لا تتصنّع الغباء.”
قلت بثبات:
بحدسه الحاد أدرك أن سيدة السيف ذو الضربة الواحدة أفشت لي سرًّا، ولأنه لم يكن ممّن يشيع الأسرار، أجبت بارتياح:
“قال إنه سيؤيد تشونغ سون، وطلب أن أساعده حين يحتاج لاحقًا.”
“لست أنا من أراد إقناعها، بل أنت يا سيدي المحترم. ومن أجلك تحديدًا.”
“ليس من أجلي، بل من أجل ضميري.”
“أبدًا. كيف يكون منافقًا من يحمل ‘الشر’ بجلاء في لقبه؟”
سألته بابتسامة:
سألني ببرود. فأجبته بهدوء مماثل:
“لماذا تتقاتلان كثيرًا ما دمتما تعرفان بعضكم جيدًا؟”
“لا بأس بها، بشرط ألا يكون المخطأ في حقه شيطان الابتسامة الشريرة.”
بحدسه الحاد أدرك أن سيدة السيف ذو الضربة الواحدة أفشت لي سرًّا، ولأنه لم يكن ممّن يشيع الأسرار، أجبت بارتياح:
ردّ ببرود:
“هل يتقاتل المرء مع الغرباء؟ نحن نتقاتل لأننا نعرف بعضنا جيدًا.”
هز رأسه بازدراء.
ضحكت بخفة إذ لم أجد ردًّا يدحض قوله.
“لا أصادق رجالًا يختبئون خلف الأقنعة.”
“جئت لأسألك عن شخص ما.”
“إذن، ماذا تريد أن تسأل؟”
“من؟”
“كيف أقنعت شيطان الابتسامة الشريرة؟”
قال:
ثم وضع الكتاب جانبًا، ونظر إليّ متسائلًا:
كان هذا جوهر زيارتي له. لكن جوابه كشف عن حقيقة صادمة:
وقفت خارج النافذة وخاطبته دون أن أدخل:
“بل هو من جاءني أولًا.”
“أبدًا. كيف يكون منافقًا من يحمل ‘الشر’ بجلاء في لقبه؟”
“شيطان الابتسامة الشريرة اقترب منك أنت؟”
ضحك ضحكة عالية، مصطنعة كممثل مسرح شعبي. لكني لم أثق بها لحظة. تلك الضحكة لم تكن إلا مخالب ملونة في أعماق الظلام، تجرّك نحو الفم الكامن خلفها.
“أجل. ولماذا أذهب أنا إلى ذاك المزعج أستجديه؟”
ضحك ضحكة عالية، مصطنعة كممثل مسرح شعبي. لكني لم أثق بها لحظة. تلك الضحكة لم تكن إلا مخالب ملونة في أعماق الظلام، تجرّك نحو الفم الكامن خلفها.
تمتمت بدهشة:
“إن أجبت عن سؤال واحد، سأفكر في دعمك.”
“إذن كانت سيدة السيف مخطئة…”
“أخبرني، وسأمنحك صوتًا كما منحتُ تشونغ سون.”
“ماذا قالت؟”
“قالت إنك أقنعته لأنكما أشرارٌ متشابهون.”
أمامي أنا.
قفز غو تشيونبا غاضبًا:
“هل يتقاتل المرء مع الغرباء؟ نحن نتقاتل لأننا نعرف بعضنا جيدًا.”
“ماذا؟! قرنتني بذلك الرجل؟”
أصرّ على يقينه، ووعدني:
“وعلى من يقلق المرء؟ عليك؟ أم على ذاك الشيطان؟”
رغم أن كلامي بدا كوشاية، لكنّ هدفي كان التمهيد لمصالحة بينهما. كان لا بد أن أُبقي اسميهما حاضرَين في ذهن كل منهما، حتى يظل الكره يقظًا… وعند اللحظة المناسبة، يتحوّل ذلك الكره إلى مدخل للتصالح. فالمصالحة لا تحدث بين ليلة وضحاها.
قلت بصرامة:
“ما الشروط التي وضعها عليك؟”
“ما الذي تنظر إليه؟”
“قال إنه سيؤيد تشونغ سون، وطلب أن أساعده حين يحتاج لاحقًا.”
“هل قبلت، مع أنك لا تعرف ما الذي قد يطلبه؟”
“كيف أقنعت شيطان الابتسامة الشريرة؟”
“إن طلب ما لا يُحتمل فلن ألبّيه.”
“لكن لمَ لم تحتفظ بالفضل على الأقل؟ كان بوسعك أن تقول: ‘عليّ دين بفضلك، فماذا ستفعل حياله؟’ لمَ صمتَّ؟”
“كم شخصًا غادر الحياة مخدوعًا بهذه الكلمات؟”
زمجر غو تشيونبا:
“وما جدوى حفظ الأفضال؟!”
“لقد قتلته، أنا لا أسألك هل فعلت أم لا. أسأل كيف فعلت.”
“وما المشكلة في بعض الأخطاء؟”
في البداية، كنت أظنه رجلًا لا يضيّع فضلًا ولا يُهدر دينًا. لكن كلما تعمقتُ فيه، وجدت وجهًا آخر: رجل يركن مثل هذه الحسابات في الزاوية، ويكتفي بالجلوس قرب النافذة مستمتعًا بكتاب.
“اللعنة… إنك تثرثر كالعجائز.”
“الشر لا عظمة فيه، إلا حين يلتهم شرًا آخر.”
قلت له:
ابتسم من خلف القناع:
“الأفضال ليست عبثًا، سيدي. الاحتفاظ بها يُرغم الآخر على الاعتراف بك.”
“لم أقتله.”
هز رأسه بازدراء.
قال بصوت رنان مهيب:
“لم يكن في نية شيطان الابتسامة الشريرة أن يجني فائدة مني. أتراه يطلب مني شيئًا أصلًا؟”
رغم أن كلامي بدا كوشاية، لكنّ هدفي كان التمهيد لمصالحة بينهما. كان لا بد أن أُبقي اسميهما حاضرَين في ذهن كل منهما، حتى يظل الكره يقظًا… وعند اللحظة المناسبة، يتحوّل ذلك الكره إلى مدخل للتصالح. فالمصالحة لا تحدث بين ليلة وضحاها.
نظر إليّ بنظرة تقول: ‘حتى أنت لا تصدّق ذلك.’
غادرت بابتسامة، متجهًا إلى وادي الأشرار في أقصى الشمال الشرقي من الحرم الداخلي.
“قال إنه سيؤيد تشونغ سون، وطلب أن أساعده حين يحتاج لاحقًا.”
فكّرت في الأمر: إن كان حدسي صائبًا، فما الذي دفعه لمساعدتنا إذن؟
“الشر لا عظمة فيه، إلا حين يلتهم شرًا آخر.”
ابتسمت وأنا أتهيأ للرحيل:
“على أي حال، شكرًا لك. سأتوجّه الآن إلى لقائه.”
“ماذا؟! قرنتني بذلك الرجل؟”
أعاد غو تشيونبا كتابه إلى حضنه، وبدت عليه رغبة صادقة في القراءة.
لمعت عيناه خلف القناع:
سألته أخيرًا:
“يمكنك قول ذلك.”
“ألستَ قلقًا من لقائي به؟”
“لم أقتله.”
أجابني ببرود وهو يتصفح الكتاب:
“كم شخصًا غادر الحياة مخدوعًا بهذه الكلمات؟”
“وعلى من يقلق المرء؟ عليك؟ أم على ذاك الشيطان؟”
كان لقاؤنا هذا في الحقيقة أوّل لقاء شخصي بيننا عبر حياتين.
هززت رأسي:
غادرت بابتسامة، متجهًا إلى وادي الأشرار في أقصى الشمال الشرقي من الحرم الداخلي.
“لماذا تسأل عنه؟”
“أجل. ولماذا أذهب أنا إلى ذاك المزعج أستجديه؟”
كان الوادي، كما يدل اسمه، مقرًّا للمفسدين. لم يكن طبيعيًا بل مصطنعًا، تحفّه مقارّ بأحجام مختلفة تتوزع على طول جدول ماء. ورغم أن منظرها يوحي بالعشوائية، إلا أن التخطيط كان مقصودًا، أشبه بقلاع صغيرة رتّبت بعناية وفق مهارات ومقام السيافين عديمي الوجوه، وللتهيؤ لأي غزو خارجي.
“ما الذي تنظر إليه؟”
قفز غو تشيونبا غاضبًا:
عند مدخل الوادي أعلنت أنني جئت لرؤية شيطان الابتسامة الشريرة، فأرشدني سياف عديم الوجه، يرتدي قناعًا أبيض.
“إن تصرّفنا كأصدقاء، قد أرتكب خطأً في حقك. الارتياح يجلب قلة الاحترام، أما الرسميات فتمنعني من ذلك.”
هززت رأسي:
كل أتباعه يلقَّبون بالسيافين عديمي الوجوه، يرتدون أقنعة بيضاء لا يظهر منها سوى فتحات هلالية للعينين. تبدو باسمة، لكن العيون الحقيقية خلفها مظلمة، ما يجعل الأقنعة أشد رعبًا.
قلت بصرامة:
كان مقرّ إقامته في أعمق نقطة من الوادي. مبنى مشيّد على هيئة قناع أبيض ضخم، نوافذه الوحيدة في موضع العينين، كأنها تحدّد غرفة سيده.
“بل لأننا انحدرنا حتى صرنا أسوأ من أولئك المتزمّتين. لذا أحاول إصلاح ما انكسر.”
دخلت، وشعور الابتلاع يزداد داخلي، كأنني أُساق إلى جوفه.
“كم شخصًا غادر الحياة مخدوعًا بهذه الكلمات؟”
ابتسم من خلف القناع:
صعدت الدرج الحلزوني حتى وصلت الغرفة. وما إن خطوت بداخلها حتى لفحني إحساس مروّع.
“إن تصرّفنا كأصدقاء، قد أرتكب خطأً في حقك. الارتياح يجلب قلة الاحترام، أما الرسميات فتمنعني من ذلك.”
ابتسمت ساخرًا:
الغرفة بيضاء خالية تمامًا: لا طاولة، ولا كرسي، ولا وسادة. في الفراغ التام وقف شيطان الابتسامة الشريرة، باردًا، يواجه الجدار. لولا خصلات شعره الأسود المتدلية لما ميزته وسط البياض.
وقفت خارج النافذة وخاطبته دون أن أدخل:
تقدّمت ووقفت بجانبه.
“ما الذي تنظر إليه؟”
“قالت إنك أقنعته لأنكما أشرارٌ متشابهون.”
الغرفة بيضاء خالية تمامًا: لا طاولة، ولا كرسي، ولا وسادة. في الفراغ التام وقف شيطان الابتسامة الشريرة، باردًا، يواجه الجدار. لولا خصلات شعره الأسود المتدلية لما ميزته وسط البياض.
أدار رأسه نحوي ببطء. كان يرتدي قناعًا أبيض مثل أتباعه، لكن قناعه خُصّص بحيث لا يُرى ما خلفه. ومع ذلك، بتقنية العين الجديدة، استطعت أن أبصر عينيه الباردتين.
قلت ممازحًا:
قال بصوت رنان مهيب:
“أتظاهر بأنني مخدوع.”
“لا أنظر إلى شيء.”
“لم أقتله.”
“ماذا؟! قرنتني بذلك الرجل؟”
رغم مهابته، كان صوته عذبًا للأذن، وهيئته الأنيقة تزيد من غرابة الانطباع. مهذّب… لدرجة مرعبة.
نظر إليّ بنظرة تقول: ‘حتى أنت لا تصدّق ذلك.’
ابتسم وقال:
“وما جدوى حفظ الأفضال؟!”
“لقد مضى وقت طويل، سيدي المحترم.”
“قال إنه سيؤيد تشونغ سون، وطلب أن أساعده حين يحتاج لاحقًا.”
كان لقاؤنا هذا في الحقيقة أوّل لقاء شخصي بيننا عبر حياتين.
لمعت عيناه خلف القناع:
قلت له:
“سيد جناح العالم السفلي لا يمتزج مع شيطان الابتسامة الشريرة.”
“سيدي المحترم؟ أنا ما زلتُ شابًا، عاملني كصديق.”
ابتسمت وأنا أتهيأ للرحيل:
كان مقرّ إقامته في أعمق نقطة من الوادي. مبنى مشيّد على هيئة قناع أبيض ضخم، نوافذه الوحيدة في موضع العينين، كأنها تحدّد غرفة سيده.
ابتسم ابتسامة مبطّنة:
وقفت خارج النافذة وخاطبته دون أن أدخل:
“كم شخصًا غادر الحياة مخدوعًا بهذه الكلمات؟”
“بل هو من جاءني أولًا.”
قال بصوت رنان مهيب:
ضحك كما يوحي لقبه. ضحكة لا تحمل الطمأنينة، بل أنيابًا خفية.
“لكن لمَ لم تحتفظ بالفضل على الأقل؟ كان بوسعك أن تقول: ‘عليّ دين بفضلك، فماذا ستفعل حياله؟’ لمَ صمتَّ؟”
“اللعنة… إنك تثرثر كالعجائز.”
“وماذا عنك، السيد الشاب الثاني؟ هل أنت ممّن يُخدَع، أم ممن يخدعون؟”
استدرت مجددًا وأجبته:
كان الوادي، كما يدل اسمه، مقرًّا للمفسدين. لم يكن طبيعيًا بل مصطنعًا، تحفّه مقارّ بأحجام مختلفة تتوزع على طول جدول ماء. ورغم أن منظرها يوحي بالعشوائية، إلا أن التخطيط كان مقصودًا، أشبه بقلاع صغيرة رتّبت بعناية وفق مهارات ومقام السيافين عديمي الوجوه، وللتهيؤ لأي غزو خارجي.
قلت بهدوء:
“أتظاهر بأنني مخدوع.”
قلت بصرامة:
رغم مهابته، كان صوته عذبًا للأذن، وهيئته الأنيقة تزيد من غرابة الانطباع. مهذّب… لدرجة مرعبة.
قهقه كأنما وجد لذة في الجواب.
قلت بهدوء:
عند مدخل الوادي أعلنت أنني جئت لرؤية شيطان الابتسامة الشريرة، فأرشدني سياف عديم الوجه، يرتدي قناعًا أبيض.
قلت:
“أجل. ولماذا أذهب أنا إلى ذاك المزعج أستجديه؟”
“ألا يُرهقك أن تبتسم دائمًا هكذا؟”
قبل أن أتوجّه لمقابلة شيطان الابتسامة الشريرة، مررت بمقرّ إقامة شيطان نصل السماء الدموي. كان لا بدّ لي أن أستوضح أمرًا منه.
لمعت عيناه خلف القناع:
“لماذا تسأل عنه؟”
“ولِمَ يكون الابتسام صعبًا؟”
استدرت مجددًا وأجبته:
“لأن البكاء أهون من الابتسام. البكاء راحة، أما الابتسام في عالم كعالمنا… قسوة.”
ابتسم وقال:
ضحك ضحكة عالية، مصطنعة كممثل مسرح شعبي. لكني لم أثق بها لحظة. تلك الضحكة لم تكن إلا مخالب ملونة في أعماق الظلام، تجرّك نحو الفم الكامن خلفها.
نظر إليّ بنظرة تقول: ‘حتى أنت لا تصدّق ذلك.’
سألني فجأة:
قهقه كأنما وجد لذة في الجواب.
“لماذا جئت إليّ؟”
قلت:
“أهذا هو المسار الجديد للشياطين الذي تحلم به؟”
أجبته بتحفّظ:
“كلا.”
“لم تتح لنا فرصة لحديث كهذا من قبل. جئت لأتعرّف إليك… ولأكون صريحًا، جئت آملاً أن تدعمني بدلًا من أخي.”
“أي شائعات؟”
“فلنتمشَّ إذن.”
“من؟”
سار بمحاذاة الجدار الأبيض، وتبعته. كان خيط قناعه يتدلّى من مؤخرة رأسه. عقدة يمكن لأي طفل أن يفكّها… لكن لا أحد في عالم القتال يجرؤ على الاقتراب منها.
قال وهو يمشي:
“إن أجبت عن سؤال واحد، سأفكر في دعمك.”
“إذن، ماذا تريد أن تسأل؟”
“تفضّل.”
“كيف قتلتَ شيطان حاصد الأرواح؟”
صعدت الدرج الحلزوني حتى وصلت الغرفة. وما إن خطوت بداخلها حتى لفحني إحساس مروّع.
سألني ببرود. فأجبته بهدوء مماثل:
ضحك.
“لم أقتله.”
قال بصوت رنان مهيب:
ابتسم من خلف القناع:
“لقد قتلته، أنا لا أسألك هل فعلت أم لا. أسأل كيف فعلت.”
قهقه مطولًا.
أصرّ على يقينه، ووعدني:
“إذن لن نجتمع أبدًا. سأظل إلى جانب السيد الشاب الأول.”
“أخبرني، وسأمنحك صوتًا كما منحتُ تشونغ سون.”
كان الوادي، كما يدل اسمه، مقرًّا للمفسدين. لم يكن طبيعيًا بل مصطنعًا، تحفّه مقارّ بأحجام مختلفة تتوزع على طول جدول ماء. ورغم أن منظرها يوحي بالعشوائية، إلا أن التخطيط كان مقصودًا، أشبه بقلاع صغيرة رتّبت بعناية وفق مهارات ومقام السيافين عديمي الوجوه، وللتهيؤ لأي غزو خارجي.
“هل تراني عظيمًا إذن؟”
قلت بثبات:
“أفكر في ضمّه إلى صفّنا.”
“أنا حقا لم أقتله.”
“سيدي المحترم؟ أنا ما زلتُ شابًا، عاملني كصديق.”
قهقه كأنما وجد لذة في الجواب.
توقف، ثم اقترب مني ومدّ يده:
“لنكن أصدقاء.”
“وما جدوى حفظ الأفضال؟!”
عرفت أنه شغوف بمثل هذه الأفعال المفاجئة. وهذه ثاني مرة أسمعها منه. الأولى حين عدتُ أبحث عن روح الشيطان السماوي، آنذاك ربطني به المصير، وقال لي الشيء نفسه.
“أفكر في ضمّه إلى صفّنا.”
“كلا.”
“ولم لا؟”
أدار رأسه نحوي ببطء. كان يرتدي قناعًا أبيض مثل أتباعه، لكن قناعه خُصّص بحيث لا يُرى ما خلفه. ومع ذلك، بتقنية العين الجديدة، استطعت أن أبصر عينيه الباردتين.
“لثلاثة أسباب.”
فكّرت في الأمر: إن كان حدسي صائبًا، فما الذي دفعه لمساعدتنا إذن؟
أبدى اهتمامًا:
عند مدخل الوادي أعلنت أنني جئت لرؤية شيطان الابتسامة الشريرة، فأرشدني سياف عديم الوجه، يرتدي قناعًا أبيض.
“وما الأول؟”
“بل لأننا انحدرنا حتى صرنا أسوأ من أولئك المتزمّتين. لذا أحاول إصلاح ما انكسر.”
“إن تصرّفنا كأصدقاء، قد أرتكب خطأً في حقك. الارتياح يجلب قلة الاحترام، أما الرسميات فتمنعني من ذلك.”
ضحك.
“كلا.”
“وما المشكلة في بعض الأخطاء؟”
“لا بأس بها، بشرط ألا يكون المخطأ في حقه شيطان الابتسامة الشريرة.”
أبدى اهتمامًا:
وقفت خارج النافذة وخاطبته دون أن أدخل:
قهقه مطولًا.
“أنت أمتع مما يقولون عنك. حسنًا، ما السبب الثاني؟”
“الأفضال ليست عبثًا، سيدي. الاحتفاظ بها يُرغم الآخر على الاعتراف بك.”
أمامي أنا.
قلت بصرامة:
“سيد جناح العالم السفلي لا يمتزج مع شيطان الابتسامة الشريرة.”
“وما جدوى حفظ الأفضال؟!”
“يقولون إن الخير والشر كوجهي عملة. تعلم الشر مني سيساعدك على إقامة الخير.”
“لم يكن في نية شيطان الابتسامة الشريرة أن يجني فائدة مني. أتراه يطلب مني شيئًا أصلًا؟”
لمعت عيناه خلف القناع:
هززت رأسي:
صعدت الدرج الحلزوني حتى وصلت الغرفة. وما إن خطوت بداخلها حتى لفحني إحساس مروّع.
“هذا قول يبرّر به الأشرار أنفسهم. فالشر هاوٍ في قعر هاوية لا قرار لها، والخير قمة جبل شاهق. لا يلتقيان.”
قلت بهدوء:
“هل يتقاتل المرء مع الغرباء؟ نحن نتقاتل لأننا نعرف بعضنا جيدًا.”
قال:
“أجل. ولماذا أذهب أنا إلى ذاك المزعج أستجديه؟”
“إذن تراني منافقًا؟”
“أبدًا. كيف يكون منافقًا من يحمل ‘الشر’ بجلاء في لقبه؟”
سار بمحاذاة الجدار الأبيض، وتبعته. كان خيط قناعه يتدلّى من مؤخرة رأسه. عقدة يمكن لأي طفل أن يفكّها… لكن لا أحد في عالم القتال يجرؤ على الاقتراب منها.
“هل تراني عظيمًا إذن؟”
“كيف قتلتَ شيطان حاصد الأرواح؟”
“الشر لا عظمة فيه، إلا حين يلتهم شرًا آخر.”
“لماذا جئت إليّ؟”
قهقه كأنما وجد لذة في الجواب.
ضحك بحرارة، لكن عيناه ظلّتا ميتتين خلف القناع. وحدها تقنية العين الجديدة كشفت لي ذلك.
“ماذا قالت؟”
ثم قال:
“ولِمَ يكون الابتسام صعبًا؟”
“الشائعات صحيحة.”
“أنك غدوتَ أحمقًا أرثوذكسيًا متزمّتًا.”
“أي شائعات؟”
قلت بصرامة:
“أنك غدوتَ أحمقًا أرثوذكسيًا متزمّتًا.”
ابتسمت ساخرًا:
سأل وهو يضحك:
“بل لأننا انحدرنا حتى صرنا أسوأ من أولئك المتزمّتين. لذا أحاول إصلاح ما انكسر.”
“ما الذي تنظر إليه؟”
سأل وهو يضحك:
“أهذا هو المسار الجديد للشياطين الذي تحلم به؟”
“لماذا تسأل عنه؟”
“يمكنك قول ذلك.”
ردّ ببرود:
هز رأسه ببطء.
“إذن لن نجتمع أبدًا. سأظل إلى جانب السيد الشاب الأول.”
وقفت خارج النافذة وخاطبته دون أن أدخل:
قلت:
“الأفضال ليست عبثًا، سيدي. الاحتفاظ بها يُرغم الآخر على الاعتراف بك.”
“لا بد من ذلك. أستأذن الآن.”
أدار رأسه نحوي ببطء. كان يرتدي قناعًا أبيض مثل أتباعه، لكن قناعه خُصّص بحيث لا يُرى ما خلفه. ومع ذلك، بتقنية العين الجديدة، استطعت أن أبصر عينيه الباردتين.
انحنيت بوقار، وهممت بالمغادرة. لكنه ناداني:
“على أي حال، شكرًا لك. سأتوجّه الآن إلى لقائه.”
“ما السبب الثالث؟”
استدرت مجددًا وأجبته:
“لماذا تتقاتلان كثيرًا ما دمتما تعرفان بعضكم جيدًا؟”
“لا أصادق رجالًا يختبئون خلف الأقنعة.”
كان هذا جوهر زيارتي له. لكن جوابه كشف عن حقيقة صادمة:
انحنيت بوقار، وهممت بالمغادرة. لكنه ناداني:
كانت لحظة تستحق الضحك، لكنه لم يضحك. بل رأيت بعينيّ ابتسامة باردة خلف القناع، ابتسامة تدلّ على غضب دفين.
“شيطان الابتسامة الشريرة… هل تعرفه؟”
في البداية، كنت أظنه رجلًا لا يضيّع فضلًا ولا يُهدر دينًا. لكن كلما تعمقتُ فيه، وجدت وجهًا آخر: رجل يركن مثل هذه الحسابات في الزاوية، ويكتفي بالجلوس قرب النافذة مستمتعًا بكتاب.
لم يخلع قناعه أمام أحد قط. لا أحد رآه، ولا أحد يعرف ملامحه أو حتى عمره. طلب خلع القناع يُعد خيانة، بل إهانة لا تُغتفر.
“وعلى من يقلق المرء؟ عليك؟ أم على ذاك الشيطان؟”
إلا أنه في لحظة واحدة، عبر حياة كاملة، خلع قناعه أمام شخص واحد…
أمامي أنا.
كان الوادي، كما يدل اسمه، مقرًّا للمفسدين. لم يكن طبيعيًا بل مصطنعًا، تحفّه مقارّ بأحجام مختلفة تتوزع على طول جدول ماء. ورغم أن منظرها يوحي بالعشوائية، إلا أن التخطيط كان مقصودًا، أشبه بقلاع صغيرة رتّبت بعناية وفق مهارات ومقام السيافين عديمي الوجوه، وللتهيؤ لأي غزو خارجي.
قبل ارتدادي، حين كنت أبحث في الطائفة عن آخر قطعة مفقودة من تقنية الانحدار العظيم. أنا الوحيد الذي رأيتُ الوجه خلف القناع.
“إذن تراني منافقًا؟”
“إذن، ماذا تريد أن تسأل؟”
