نتقاتل لأننا نعرف بعضنا
قبل أن أتوجّه لمقابلة شيطان الابتسامة الشريرة، مررت بمقرّ إقامة شيطان نصل السماء الدموي. كان لا بدّ لي أن أستوضح أمرًا منه.
رغم مهابته، كان صوته عذبًا للأذن، وهيئته الأنيقة تزيد من غرابة الانطباع. مهذّب… لدرجة مرعبة.
كان غو تشيونبا جالسًا عند النافذة، يقرأ كتابًا تحت دفء أشعة الشمس.
“إن أجبت عن سؤال واحد، سأفكر في دعمك.”
قلت ممازحًا:
دخلت، وشعور الابتلاع يزداد داخلي، كأنني أُساق إلى جوفه.
“حقًا تقرأ الكتب كثيرًا.”
“لم تتح لنا فرصة لحديث كهذا من قبل. جئت لأتعرّف إليك… ولأكون صريحًا، جئت آملاً أن تدعمني بدلًا من أخي.”
ابتسم بسخرية وأجاب:
“لماذا تتقاتلان كثيرًا ما دمتما تعرفان بعضكم جيدًا؟”
“مجرد استعراض. حين أسمع وقع خطواتك من بعيد، أسرع نحو الرف وأمسك كتابًا.”
“أجل. ولماذا أذهب أنا إلى ذاك المزعج أستجديه؟”
“وما المشكلة في بعض الأخطاء؟”
ثم وضع الكتاب جانبًا، ونظر إليّ متسائلًا:
قفز غو تشيونبا غاضبًا:
“ما الذي جاء بك؟”
“يمكنك قول ذلك.”
وقفت خارج النافذة وخاطبته دون أن أدخل:
ثم وضع الكتاب جانبًا، ونظر إليّ متسائلًا:
“جئت لأسألك عن شخص ما.”
“من؟”
كان الوادي، كما يدل اسمه، مقرًّا للمفسدين. لم يكن طبيعيًا بل مصطنعًا، تحفّه مقارّ بأحجام مختلفة تتوزع على طول جدول ماء. ورغم أن منظرها يوحي بالعشوائية، إلا أن التخطيط كان مقصودًا، أشبه بقلاع صغيرة رتّبت بعناية وفق مهارات ومقام السيافين عديمي الوجوه، وللتهيؤ لأي غزو خارجي.
“شيطان الابتسامة الشريرة… هل تعرفه؟”
لم يخلع قناعه أمام أحد قط. لا أحد رآه، ولا أحد يعرف ملامحه أو حتى عمره. طلب خلع القناع يُعد خيانة، بل إهانة لا تُغتفر.
“كيف قتلتَ شيطان حاصد الأرواح؟”
ارتعشت ملامح شيطان النصل للحظة قبل أن يجيب:
“لماذا تسأل عنه؟”
“أفكر في ضمّه إلى صفّنا.”
“ماذا؟! قرنتني بذلك الرجل؟”
قلت بصرامة:
تجعّدت تقاسيم وجه غو تشيونبا.
“اللعنة… إنك تثرثر كالعجائز.”
“ماذا تعني؟”
ابتسمت وأنا أتهيأ للرحيل:
“لا تتصنّع الغباء.”
قلت:
أجابني ببرود وهو يتصفح الكتاب:
بحدسه الحاد أدرك أن سيدة السيف ذو الضربة الواحدة أفشت لي سرًّا، ولأنه لم يكن ممّن يشيع الأسرار، أجبت بارتياح:
“لم يكن في نية شيطان الابتسامة الشريرة أن يجني فائدة مني. أتراه يطلب مني شيئًا أصلًا؟”
“لست أنا من أراد إقناعها، بل أنت يا سيدي المحترم. ومن أجلك تحديدًا.”
“ليس من أجلي، بل من أجل ضميري.”
“سيدي المحترم؟ أنا ما زلتُ شابًا، عاملني كصديق.”
سألته بابتسامة:
“لماذا تتقاتلان كثيرًا ما دمتما تعرفان بعضكم جيدًا؟”
“بل هو من جاءني أولًا.”
“وما جدوى حفظ الأفضال؟!”
ردّ ببرود:
“أخبرني، وسأمنحك صوتًا كما منحتُ تشونغ سون.”
“هل يتقاتل المرء مع الغرباء؟ نحن نتقاتل لأننا نعرف بعضنا جيدًا.”
ضحكت بخفة إذ لم أجد ردًّا يدحض قوله.
“لست أنا من أراد إقناعها، بل أنت يا سيدي المحترم. ومن أجلك تحديدًا.”
“هل يتقاتل المرء مع الغرباء؟ نحن نتقاتل لأننا نعرف بعضنا جيدًا.”
“إذن، ماذا تريد أن تسأل؟”
“كيف أقنعت شيطان الابتسامة الشريرة؟”
قلت له:
“أخبرني، وسأمنحك صوتًا كما منحتُ تشونغ سون.”
كان هذا جوهر زيارتي له. لكن جوابه كشف عن حقيقة صادمة:
“قالت إنك أقنعته لأنكما أشرارٌ متشابهون.”
“بل هو من جاءني أولًا.”
“وعلى من يقلق المرء؟ عليك؟ أم على ذاك الشيطان؟”
“شيطان الابتسامة الشريرة اقترب منك أنت؟”
انحنيت بوقار، وهممت بالمغادرة. لكنه ناداني:
“أجل. ولماذا أذهب أنا إلى ذاك المزعج أستجديه؟”
“تفضّل.”
تمتمت بدهشة:
“إذن كانت سيدة السيف مخطئة…”
“ماذا قالت؟”
ضحك.
“قالت إنك أقنعته لأنكما أشرارٌ متشابهون.”
“الأفضال ليست عبثًا، سيدي. الاحتفاظ بها يُرغم الآخر على الاعتراف بك.”
قفز غو تشيونبا غاضبًا:
“ماذا تعني؟”
“ماذا؟! قرنتني بذلك الرجل؟”
ارتعشت ملامح شيطان النصل للحظة قبل أن يجيب:
ضحك.
رغم أن كلامي بدا كوشاية، لكنّ هدفي كان التمهيد لمصالحة بينهما. كان لا بد أن أُبقي اسميهما حاضرَين في ذهن كل منهما، حتى يظل الكره يقظًا… وعند اللحظة المناسبة، يتحوّل ذلك الكره إلى مدخل للتصالح. فالمصالحة لا تحدث بين ليلة وضحاها.
“إن أجبت عن سؤال واحد، سأفكر في دعمك.”
“ما الشروط التي وضعها عليك؟”
“قال إنه سيؤيد تشونغ سون، وطلب أن أساعده حين يحتاج لاحقًا.”
“لقد قتلته، أنا لا أسألك هل فعلت أم لا. أسأل كيف فعلت.”
“هل قبلت، مع أنك لا تعرف ما الذي قد يطلبه؟”
“كم شخصًا غادر الحياة مخدوعًا بهذه الكلمات؟”
“إن طلب ما لا يُحتمل فلن ألبّيه.”
“لكن لمَ لم تحتفظ بالفضل على الأقل؟ كان بوسعك أن تقول: ‘عليّ دين بفضلك، فماذا ستفعل حياله؟’ لمَ صمتَّ؟”
كان مقرّ إقامته في أعمق نقطة من الوادي. مبنى مشيّد على هيئة قناع أبيض ضخم، نوافذه الوحيدة في موضع العينين، كأنها تحدّد غرفة سيده.
زمجر غو تشيونبا:
“وما جدوى حفظ الأفضال؟!”
في البداية، كنت أظنه رجلًا لا يضيّع فضلًا ولا يُهدر دينًا. لكن كلما تعمقتُ فيه، وجدت وجهًا آخر: رجل يركن مثل هذه الحسابات في الزاوية، ويكتفي بالجلوس قرب النافذة مستمتعًا بكتاب.
نظر إليّ بنظرة تقول: ‘حتى أنت لا تصدّق ذلك.’
قلت له:
ابتسمت ساخرًا:
“الأفضال ليست عبثًا، سيدي. الاحتفاظ بها يُرغم الآخر على الاعتراف بك.”
“أفكر في ضمّه إلى صفّنا.”
هز رأسه ببطء.
هز رأسه بازدراء.
“لم يكن في نية شيطان الابتسامة الشريرة أن يجني فائدة مني. أتراه يطلب مني شيئًا أصلًا؟”
استدرت مجددًا وأجبته:
كانت لحظة تستحق الضحك، لكنه لم يضحك. بل رأيت بعينيّ ابتسامة باردة خلف القناع، ابتسامة تدلّ على غضب دفين.
نظر إليّ بنظرة تقول: ‘حتى أنت لا تصدّق ذلك.’
قلت:
فكّرت في الأمر: إن كان حدسي صائبًا، فما الذي دفعه لمساعدتنا إذن؟
أصرّ على يقينه، ووعدني:
ابتسمت وأنا أتهيأ للرحيل:
وقفت خارج النافذة وخاطبته دون أن أدخل:
“على أي حال، شكرًا لك. سأتوجّه الآن إلى لقائه.”
سألته بابتسامة:
قلت:
أعاد غو تشيونبا كتابه إلى حضنه، وبدت عليه رغبة صادقة في القراءة.
“كلا.”
“لكن لمَ لم تحتفظ بالفضل على الأقل؟ كان بوسعك أن تقول: ‘عليّ دين بفضلك، فماذا ستفعل حياله؟’ لمَ صمتَّ؟”
سألته أخيرًا:
قال وهو يمشي:
“ألستَ قلقًا من لقائي به؟”
“لست أنا من أراد إقناعها، بل أنت يا سيدي المحترم. ومن أجلك تحديدًا.”
أجابني ببرود وهو يتصفح الكتاب:
“ليس من أجلي، بل من أجل ضميري.”
“وعلى من يقلق المرء؟ عليك؟ أم على ذاك الشيطان؟”
“الشر لا عظمة فيه، إلا حين يلتهم شرًا آخر.”
غادرت بابتسامة، متجهًا إلى وادي الأشرار في أقصى الشمال الشرقي من الحرم الداخلي.
“إذن لن نجتمع أبدًا. سأظل إلى جانب السيد الشاب الأول.”
كان الوادي، كما يدل اسمه، مقرًّا للمفسدين. لم يكن طبيعيًا بل مصطنعًا، تحفّه مقارّ بأحجام مختلفة تتوزع على طول جدول ماء. ورغم أن منظرها يوحي بالعشوائية، إلا أن التخطيط كان مقصودًا، أشبه بقلاع صغيرة رتّبت بعناية وفق مهارات ومقام السيافين عديمي الوجوه، وللتهيؤ لأي غزو خارجي.
“لثلاثة أسباب.”
“وعلى من يقلق المرء؟ عليك؟ أم على ذاك الشيطان؟”
عند مدخل الوادي أعلنت أنني جئت لرؤية شيطان الابتسامة الشريرة، فأرشدني سياف عديم الوجه، يرتدي قناعًا أبيض.
قال وهو يمشي:
“لا بأس بها، بشرط ألا يكون المخطأ في حقه شيطان الابتسامة الشريرة.”
كل أتباعه يلقَّبون بالسيافين عديمي الوجوه، يرتدون أقنعة بيضاء لا يظهر منها سوى فتحات هلالية للعينين. تبدو باسمة، لكن العيون الحقيقية خلفها مظلمة، ما يجعل الأقنعة أشد رعبًا.
“قالت إنك أقنعته لأنكما أشرارٌ متشابهون.”
“اللعنة… إنك تثرثر كالعجائز.”
كان مقرّ إقامته في أعمق نقطة من الوادي. مبنى مشيّد على هيئة قناع أبيض ضخم، نوافذه الوحيدة في موضع العينين، كأنها تحدّد غرفة سيده.
دخلت، وشعور الابتلاع يزداد داخلي، كأنني أُساق إلى جوفه.
ضحك بحرارة، لكن عيناه ظلّتا ميتتين خلف القناع. وحدها تقنية العين الجديدة كشفت لي ذلك.
صعدت الدرج الحلزوني حتى وصلت الغرفة. وما إن خطوت بداخلها حتى لفحني إحساس مروّع.
أجبته بتحفّظ:
فكّرت في الأمر: إن كان حدسي صائبًا، فما الذي دفعه لمساعدتنا إذن؟
الغرفة بيضاء خالية تمامًا: لا طاولة، ولا كرسي، ولا وسادة. في الفراغ التام وقف شيطان الابتسامة الشريرة، باردًا، يواجه الجدار. لولا خصلات شعره الأسود المتدلية لما ميزته وسط البياض.
أعاد غو تشيونبا كتابه إلى حضنه، وبدت عليه رغبة صادقة في القراءة.
“ما الذي تنظر إليه؟”
تقدّمت ووقفت بجانبه.
“ما الذي تنظر إليه؟”
“أنت أمتع مما يقولون عنك. حسنًا، ما السبب الثاني؟”
أدار رأسه نحوي ببطء. كان يرتدي قناعًا أبيض مثل أتباعه، لكن قناعه خُصّص بحيث لا يُرى ما خلفه. ومع ذلك، بتقنية العين الجديدة، استطعت أن أبصر عينيه الباردتين.
“لقد قتلته، أنا لا أسألك هل فعلت أم لا. أسأل كيف فعلت.”
“ما الشروط التي وضعها عليك؟”
قال بصوت رنان مهيب:
تمتمت بدهشة:
“لا أنظر إلى شيء.”
قفز غو تشيونبا غاضبًا:
رغم مهابته، كان صوته عذبًا للأذن، وهيئته الأنيقة تزيد من غرابة الانطباع. مهذّب… لدرجة مرعبة.
“ألا يُرهقك أن تبتسم دائمًا هكذا؟”
ابتسم وقال:
“لا بأس بها، بشرط ألا يكون المخطأ في حقه شيطان الابتسامة الشريرة.”
“لقد مضى وقت طويل، سيدي المحترم.”
كان لقاؤنا هذا في الحقيقة أوّل لقاء شخصي بيننا عبر حياتين.
قلت له:
ردّ ببرود:
“سيدي المحترم؟ أنا ما زلتُ شابًا، عاملني كصديق.”
“لا أنظر إلى شيء.”
ابتسم ابتسامة مبطّنة:
زمجر غو تشيونبا:
“كم شخصًا غادر الحياة مخدوعًا بهذه الكلمات؟”
ابتسم وقال:
“أتظاهر بأنني مخدوع.”
ضحك كما يوحي لقبه. ضحكة لا تحمل الطمأنينة، بل أنيابًا خفية.
ابتسمت ساخرًا:
“وماذا عنك، السيد الشاب الثاني؟ هل أنت ممّن يُخدَع، أم ممن يخدعون؟”
“ما السبب الثالث؟”
قلت بهدوء:
“هل يتقاتل المرء مع الغرباء؟ نحن نتقاتل لأننا نعرف بعضنا جيدًا.”
“أتظاهر بأنني مخدوع.”
قهقه كأنما وجد لذة في الجواب.
“حقًا تقرأ الكتب كثيرًا.”
“لم أقتله.”
قلت:
نظر إليّ بنظرة تقول: ‘حتى أنت لا تصدّق ذلك.’
“ألا يُرهقك أن تبتسم دائمًا هكذا؟”
“سيدي المحترم؟ أنا ما زلتُ شابًا، عاملني كصديق.”
“لماذا جئت إليّ؟”
لمعت عيناه خلف القناع:
ابتسم بسخرية وأجاب:
“ولِمَ يكون الابتسام صعبًا؟”
قلت بصرامة:
“لأن البكاء أهون من الابتسام. البكاء راحة، أما الابتسام في عالم كعالمنا… قسوة.”
تقدّمت ووقفت بجانبه.
لم يخلع قناعه أمام أحد قط. لا أحد رآه، ولا أحد يعرف ملامحه أو حتى عمره. طلب خلع القناع يُعد خيانة، بل إهانة لا تُغتفر.
ضحك ضحكة عالية، مصطنعة كممثل مسرح شعبي. لكني لم أثق بها لحظة. تلك الضحكة لم تكن إلا مخالب ملونة في أعماق الظلام، تجرّك نحو الفم الكامن خلفها.
“ولِمَ يكون الابتسام صعبًا؟”
سألني فجأة:
“لماذا جئت إليّ؟”
“قال إنه سيؤيد تشونغ سون، وطلب أن أساعده حين يحتاج لاحقًا.”
هز رأسه بازدراء.
أجبته بتحفّظ:
قلت بثبات:
“لم تتح لنا فرصة لحديث كهذا من قبل. جئت لأتعرّف إليك… ولأكون صريحًا، جئت آملاً أن تدعمني بدلًا من أخي.”
غادرت بابتسامة، متجهًا إلى وادي الأشرار في أقصى الشمال الشرقي من الحرم الداخلي.
“فلنتمشَّ إذن.”
كان هذا جوهر زيارتي له. لكن جوابه كشف عن حقيقة صادمة:
ابتسمت وأنا أتهيأ للرحيل:
سار بمحاذاة الجدار الأبيض، وتبعته. كان خيط قناعه يتدلّى من مؤخرة رأسه. عقدة يمكن لأي طفل أن يفكّها… لكن لا أحد في عالم القتال يجرؤ على الاقتراب منها.
قهقه مطولًا.
ضحك كما يوحي لقبه. ضحكة لا تحمل الطمأنينة، بل أنيابًا خفية.
قال وهو يمشي:
“أتظاهر بأنني مخدوع.”
“إن أجبت عن سؤال واحد، سأفكر في دعمك.”
ضحك بحرارة، لكن عيناه ظلّتا ميتتين خلف القناع. وحدها تقنية العين الجديدة كشفت لي ذلك.
“تفضّل.”
“كيف قتلتَ شيطان حاصد الأرواح؟”
نظر إليّ بنظرة تقول: ‘حتى أنت لا تصدّق ذلك.’
قلت بصرامة:
سألني ببرود. فأجبته بهدوء مماثل:
“شيطان الابتسامة الشريرة… هل تعرفه؟”
“لم أقتله.”
“وعلى من يقلق المرء؟ عليك؟ أم على ذاك الشيطان؟”
ابتسم من خلف القناع:
“لقد قتلته، أنا لا أسألك هل فعلت أم لا. أسأل كيف فعلت.”
“الأفضال ليست عبثًا، سيدي. الاحتفاظ بها يُرغم الآخر على الاعتراف بك.”
وقفت خارج النافذة وخاطبته دون أن أدخل:
أصرّ على يقينه، ووعدني:
فكّرت في الأمر: إن كان حدسي صائبًا، فما الذي دفعه لمساعدتنا إذن؟
“أخبرني، وسأمنحك صوتًا كما منحتُ تشونغ سون.”
سار بمحاذاة الجدار الأبيض، وتبعته. كان خيط قناعه يتدلّى من مؤخرة رأسه. عقدة يمكن لأي طفل أن يفكّها… لكن لا أحد في عالم القتال يجرؤ على الاقتراب منها.
قلت بثبات:
“أنا حقا لم أقتله.”
ثم وضع الكتاب جانبًا، ونظر إليّ متسائلًا:
توقف، ثم اقترب مني ومدّ يده:
“لا بأس بها، بشرط ألا يكون المخطأ في حقه شيطان الابتسامة الشريرة.”
“لنكن أصدقاء.”
“ولم لا؟”
“أهذا هو المسار الجديد للشياطين الذي تحلم به؟”
عرفت أنه شغوف بمثل هذه الأفعال المفاجئة. وهذه ثاني مرة أسمعها منه. الأولى حين عدتُ أبحث عن روح الشيطان السماوي، آنذاك ربطني به المصير، وقال لي الشيء نفسه.
“سيدي المحترم؟ أنا ما زلتُ شابًا، عاملني كصديق.”
قلت:
“كلا.”
“ولم لا؟”
“لثلاثة أسباب.”
بحدسه الحاد أدرك أن سيدة السيف ذو الضربة الواحدة أفشت لي سرًّا، ولأنه لم يكن ممّن يشيع الأسرار، أجبت بارتياح:
أبدى اهتمامًا:
“كيف أقنعت شيطان الابتسامة الشريرة؟”
“وما الأول؟”
“إن تصرّفنا كأصدقاء، قد أرتكب خطأً في حقك. الارتياح يجلب قلة الاحترام، أما الرسميات فتمنعني من ذلك.”
ضحك.
“إن أجبت عن سؤال واحد، سأفكر في دعمك.”
“وما المشكلة في بعض الأخطاء؟”
“لا بأس بها، بشرط ألا يكون المخطأ في حقه شيطان الابتسامة الشريرة.”
قهقه مطولًا.
“أنت أمتع مما يقولون عنك. حسنًا، ما السبب الثاني؟”
قهقه مطولًا.
قلت بصرامة:
أدار رأسه نحوي ببطء. كان يرتدي قناعًا أبيض مثل أتباعه، لكن قناعه خُصّص بحيث لا يُرى ما خلفه. ومع ذلك، بتقنية العين الجديدة، استطعت أن أبصر عينيه الباردتين.
“سيد جناح العالم السفلي لا يمتزج مع شيطان الابتسامة الشريرة.”
“كيف قتلتَ شيطان حاصد الأرواح؟”
“يقولون إن الخير والشر كوجهي عملة. تعلم الشر مني سيساعدك على إقامة الخير.”
“مجرد استعراض. حين أسمع وقع خطواتك من بعيد، أسرع نحو الرف وأمسك كتابًا.”
هززت رأسي:
“هذا قول يبرّر به الأشرار أنفسهم. فالشر هاوٍ في قعر هاوية لا قرار لها، والخير قمة جبل شاهق. لا يلتقيان.”
“إذن لن نجتمع أبدًا. سأظل إلى جانب السيد الشاب الأول.”
قال:
“اللعنة… إنك تثرثر كالعجائز.”
“إذن تراني منافقًا؟”
“ألستَ قلقًا من لقائي به؟”
“أبدًا. كيف يكون منافقًا من يحمل ‘الشر’ بجلاء في لقبه؟”
“هل تراني عظيمًا إذن؟”
“الأفضال ليست عبثًا، سيدي. الاحتفاظ بها يُرغم الآخر على الاعتراف بك.”
“الشر لا عظمة فيه، إلا حين يلتهم شرًا آخر.”
“إذن كانت سيدة السيف مخطئة…”
ضحك بحرارة، لكن عيناه ظلّتا ميتتين خلف القناع. وحدها تقنية العين الجديدة كشفت لي ذلك.
ضحك.
ثم قال:
“بل لأننا انحدرنا حتى صرنا أسوأ من أولئك المتزمّتين. لذا أحاول إصلاح ما انكسر.”
“الشائعات صحيحة.”
“وما الأول؟”
“أي شائعات؟”
“أنك غدوتَ أحمقًا أرثوذكسيًا متزمّتًا.”
ابتسمت ساخرًا:
“شيطان الابتسامة الشريرة اقترب منك أنت؟”
“بل لأننا انحدرنا حتى صرنا أسوأ من أولئك المتزمّتين. لذا أحاول إصلاح ما انكسر.”
غادرت بابتسامة، متجهًا إلى وادي الأشرار في أقصى الشمال الشرقي من الحرم الداخلي.
“تفضّل.”
سأل وهو يضحك:
“أهذا هو المسار الجديد للشياطين الذي تحلم به؟”
سألني ببرود. فأجبته بهدوء مماثل:
“يمكنك قول ذلك.”
ارتعشت ملامح شيطان النصل للحظة قبل أن يجيب:
هز رأسه ببطء.
“الشر لا عظمة فيه، إلا حين يلتهم شرًا آخر.”
“إذن لن نجتمع أبدًا. سأظل إلى جانب السيد الشاب الأول.”
أجابني ببرود وهو يتصفح الكتاب:
قلت:
“لا بد من ذلك. أستأذن الآن.”
قلت بهدوء:
انحنيت بوقار، وهممت بالمغادرة. لكنه ناداني:
هززت رأسي:
“ما السبب الثالث؟”
استدرت مجددًا وأجبته:
استدرت مجددًا وأجبته:
“لا أصادق رجالًا يختبئون خلف الأقنعة.”
ثم قال:
كانت لحظة تستحق الضحك، لكنه لم يضحك. بل رأيت بعينيّ ابتسامة باردة خلف القناع، ابتسامة تدلّ على غضب دفين.
تجعّدت تقاسيم وجه غو تشيونبا.
ابتسم ابتسامة مبطّنة:
لم يخلع قناعه أمام أحد قط. لا أحد رآه، ولا أحد يعرف ملامحه أو حتى عمره. طلب خلع القناع يُعد خيانة، بل إهانة لا تُغتفر.
ضحك بحرارة، لكن عيناه ظلّتا ميتتين خلف القناع. وحدها تقنية العين الجديدة كشفت لي ذلك.
إلا أنه في لحظة واحدة، عبر حياة كاملة، خلع قناعه أمام شخص واحد…
“على أي حال، شكرًا لك. سأتوجّه الآن إلى لقائه.”
“كم شخصًا غادر الحياة مخدوعًا بهذه الكلمات؟”
أمامي أنا.
قال وهو يمشي:
قبل ارتدادي، حين كنت أبحث في الطائفة عن آخر قطعة مفقودة من تقنية الانحدار العظيم. أنا الوحيد الذي رأيتُ الوجه خلف القناع.
ضحك ضحكة عالية، مصطنعة كممثل مسرح شعبي. لكني لم أثق بها لحظة. تلك الضحكة لم تكن إلا مخالب ملونة في أعماق الظلام، تجرّك نحو الفم الكامن خلفها.
