نتقاتل لأننا نعرف بعضنا
قبل أن أتوجّه لمقابلة شيطان الابتسامة الشريرة، مررت بمقرّ إقامة شيطان نصل السماء الدموي. كان لا بدّ لي أن أستوضح أمرًا منه.
رغم أن كلامي بدا كوشاية، لكنّ هدفي كان التمهيد لمصالحة بينهما. كان لا بد أن أُبقي اسميهما حاضرَين في ذهن كل منهما، حتى يظل الكره يقظًا… وعند اللحظة المناسبة، يتحوّل ذلك الكره إلى مدخل للتصالح. فالمصالحة لا تحدث بين ليلة وضحاها.
“لم يكن في نية شيطان الابتسامة الشريرة أن يجني فائدة مني. أتراه يطلب مني شيئًا أصلًا؟”
كان غو تشيونبا جالسًا عند النافذة، يقرأ كتابًا تحت دفء أشعة الشمس.
“أنك غدوتَ أحمقًا أرثوذكسيًا متزمّتًا.”
“ألستَ قلقًا من لقائي به؟”
قلت ممازحًا:
“وما جدوى حفظ الأفضال؟!”
“حقًا تقرأ الكتب كثيرًا.”
ابتسم بسخرية وأجاب:
“جئت لأسألك عن شخص ما.”
“مجرد استعراض. حين أسمع وقع خطواتك من بعيد، أسرع نحو الرف وأمسك كتابًا.”
كان لقاؤنا هذا في الحقيقة أوّل لقاء شخصي بيننا عبر حياتين.
قلت له:
ثم وضع الكتاب جانبًا، ونظر إليّ متسائلًا:
“ما الذي جاء بك؟”
ابتسم وقال:
وقفت خارج النافذة وخاطبته دون أن أدخل:
“لم تتح لنا فرصة لحديث كهذا من قبل. جئت لأتعرّف إليك… ولأكون صريحًا، جئت آملاً أن تدعمني بدلًا من أخي.”
“جئت لأسألك عن شخص ما.”
“إذن لن نجتمع أبدًا. سأظل إلى جانب السيد الشاب الأول.”
“من؟”
سار بمحاذاة الجدار الأبيض، وتبعته. كان خيط قناعه يتدلّى من مؤخرة رأسه. عقدة يمكن لأي طفل أن يفكّها… لكن لا أحد في عالم القتال يجرؤ على الاقتراب منها.
“شيطان الابتسامة الشريرة… هل تعرفه؟”
“إذن كانت سيدة السيف مخطئة…”
ارتعشت ملامح شيطان النصل للحظة قبل أن يجيب:
“لماذا تسأل عنه؟”
“ما الذي جاء بك؟”
“أفكر في ضمّه إلى صفّنا.”
قال بصوت رنان مهيب:
“لا تتصنّع الغباء.”
تجعّدت تقاسيم وجه غو تشيونبا.
“اللعنة… إنك تثرثر كالعجائز.”
“ماذا تعني؟”
ارتعشت ملامح شيطان النصل للحظة قبل أن يجيب:
“لا تتصنّع الغباء.”
“أبدًا. كيف يكون منافقًا من يحمل ‘الشر’ بجلاء في لقبه؟”
بحدسه الحاد أدرك أن سيدة السيف ذو الضربة الواحدة أفشت لي سرًّا، ولأنه لم يكن ممّن يشيع الأسرار، أجبت بارتياح:
“ليس من أجلي، بل من أجل ضميري.”
“لست أنا من أراد إقناعها، بل أنت يا سيدي المحترم. ومن أجلك تحديدًا.”
قبل ارتدادي، حين كنت أبحث في الطائفة عن آخر قطعة مفقودة من تقنية الانحدار العظيم. أنا الوحيد الذي رأيتُ الوجه خلف القناع.
“ليس من أجلي، بل من أجل ضميري.”
“وما المشكلة في بعض الأخطاء؟”
سألته بابتسامة:
رغم أن كلامي بدا كوشاية، لكنّ هدفي كان التمهيد لمصالحة بينهما. كان لا بد أن أُبقي اسميهما حاضرَين في ذهن كل منهما، حتى يظل الكره يقظًا… وعند اللحظة المناسبة، يتحوّل ذلك الكره إلى مدخل للتصالح. فالمصالحة لا تحدث بين ليلة وضحاها.
“لماذا تتقاتلان كثيرًا ما دمتما تعرفان بعضكم جيدًا؟”
كانت لحظة تستحق الضحك، لكنه لم يضحك. بل رأيت بعينيّ ابتسامة باردة خلف القناع، ابتسامة تدلّ على غضب دفين.
ردّ ببرود:
“هل يتقاتل المرء مع الغرباء؟ نحن نتقاتل لأننا نعرف بعضنا جيدًا.”
“ماذا تعني؟”
“وما الأول؟”
ضحكت بخفة إذ لم أجد ردًّا يدحض قوله.
“إن أجبت عن سؤال واحد، سأفكر في دعمك.”
“لا أصادق رجالًا يختبئون خلف الأقنعة.”
“إذن، ماذا تريد أن تسأل؟”
“وعلى من يقلق المرء؟ عليك؟ أم على ذاك الشيطان؟”
“كيف أقنعت شيطان الابتسامة الشريرة؟”
كان هذا جوهر زيارتي له. لكن جوابه كشف عن حقيقة صادمة:
“سيدي المحترم؟ أنا ما زلتُ شابًا، عاملني كصديق.”
“بل هو من جاءني أولًا.”
“شيطان الابتسامة الشريرة اقترب منك أنت؟”
“أجل. ولماذا أذهب أنا إلى ذاك المزعج أستجديه؟”
“بل هو من جاءني أولًا.”
“لماذا جئت إليّ؟”
تمتمت بدهشة:
“إذن كانت سيدة السيف مخطئة…”
“ماذا قالت؟”
“كيف قتلتَ شيطان حاصد الأرواح؟”
“قالت إنك أقنعته لأنكما أشرارٌ متشابهون.”
“الشر لا عظمة فيه، إلا حين يلتهم شرًا آخر.”
“الشائعات صحيحة.”
قفز غو تشيونبا غاضبًا:
هززت رأسي:
“ماذا؟! قرنتني بذلك الرجل؟”
لمعت عيناه خلف القناع:
“الشائعات صحيحة.”
رغم أن كلامي بدا كوشاية، لكنّ هدفي كان التمهيد لمصالحة بينهما. كان لا بد أن أُبقي اسميهما حاضرَين في ذهن كل منهما، حتى يظل الكره يقظًا… وعند اللحظة المناسبة، يتحوّل ذلك الكره إلى مدخل للتصالح. فالمصالحة لا تحدث بين ليلة وضحاها.
انحنيت بوقار، وهممت بالمغادرة. لكنه ناداني:
“ما الشروط التي وضعها عليك؟”
“إن طلب ما لا يُحتمل فلن ألبّيه.”
“قال إنه سيؤيد تشونغ سون، وطلب أن أساعده حين يحتاج لاحقًا.”
ابتسم من خلف القناع:
“هل قبلت، مع أنك لا تعرف ما الذي قد يطلبه؟”
دخلت، وشعور الابتلاع يزداد داخلي، كأنني أُساق إلى جوفه.
“إن طلب ما لا يُحتمل فلن ألبّيه.”
“مجرد استعراض. حين أسمع وقع خطواتك من بعيد، أسرع نحو الرف وأمسك كتابًا.”
“لكن لمَ لم تحتفظ بالفضل على الأقل؟ كان بوسعك أن تقول: ‘عليّ دين بفضلك، فماذا ستفعل حياله؟’ لمَ صمتَّ؟”
“لم أقتله.”
زمجر غو تشيونبا:
“لأن البكاء أهون من الابتسام. البكاء راحة، أما الابتسام في عالم كعالمنا… قسوة.”
“وما جدوى حفظ الأفضال؟!”
“الأفضال ليست عبثًا، سيدي. الاحتفاظ بها يُرغم الآخر على الاعتراف بك.”
في البداية، كنت أظنه رجلًا لا يضيّع فضلًا ولا يُهدر دينًا. لكن كلما تعمقتُ فيه، وجدت وجهًا آخر: رجل يركن مثل هذه الحسابات في الزاوية، ويكتفي بالجلوس قرب النافذة مستمتعًا بكتاب.
“كيف قتلتَ شيطان حاصد الأرواح؟”
قلت له:
لم يخلع قناعه أمام أحد قط. لا أحد رآه، ولا أحد يعرف ملامحه أو حتى عمره. طلب خلع القناع يُعد خيانة، بل إهانة لا تُغتفر.
“الأفضال ليست عبثًا، سيدي. الاحتفاظ بها يُرغم الآخر على الاعتراف بك.”
هز رأسه بازدراء.
“وعلى من يقلق المرء؟ عليك؟ أم على ذاك الشيطان؟”
“لم يكن في نية شيطان الابتسامة الشريرة أن يجني فائدة مني. أتراه يطلب مني شيئًا أصلًا؟”
“ما السبب الثالث؟”
نظر إليّ بنظرة تقول: ‘حتى أنت لا تصدّق ذلك.’
صعدت الدرج الحلزوني حتى وصلت الغرفة. وما إن خطوت بداخلها حتى لفحني إحساس مروّع.
فكّرت في الأمر: إن كان حدسي صائبًا، فما الذي دفعه لمساعدتنا إذن؟
ابتسمت وأنا أتهيأ للرحيل:
“على أي حال، شكرًا لك. سأتوجّه الآن إلى لقائه.”
انحنيت بوقار، وهممت بالمغادرة. لكنه ناداني:
“كيف قتلتَ شيطان حاصد الأرواح؟”
أعاد غو تشيونبا كتابه إلى حضنه، وبدت عليه رغبة صادقة في القراءة.
كان لقاؤنا هذا في الحقيقة أوّل لقاء شخصي بيننا عبر حياتين.
“هل يتقاتل المرء مع الغرباء؟ نحن نتقاتل لأننا نعرف بعضنا جيدًا.”
سألته أخيرًا:
كان لقاؤنا هذا في الحقيقة أوّل لقاء شخصي بيننا عبر حياتين.
“ألستَ قلقًا من لقائي به؟”
“إن طلب ما لا يُحتمل فلن ألبّيه.”
“ما الذي جاء بك؟”
أجابني ببرود وهو يتصفح الكتاب:
“وعلى من يقلق المرء؟ عليك؟ أم على ذاك الشيطان؟”
وقفت خارج النافذة وخاطبته دون أن أدخل:
كان لقاؤنا هذا في الحقيقة أوّل لقاء شخصي بيننا عبر حياتين.
غادرت بابتسامة، متجهًا إلى وادي الأشرار في أقصى الشمال الشرقي من الحرم الداخلي.
أعاد غو تشيونبا كتابه إلى حضنه، وبدت عليه رغبة صادقة في القراءة.
كان الوادي، كما يدل اسمه، مقرًّا للمفسدين. لم يكن طبيعيًا بل مصطنعًا، تحفّه مقارّ بأحجام مختلفة تتوزع على طول جدول ماء. ورغم أن منظرها يوحي بالعشوائية، إلا أن التخطيط كان مقصودًا، أشبه بقلاع صغيرة رتّبت بعناية وفق مهارات ومقام السيافين عديمي الوجوه، وللتهيؤ لأي غزو خارجي.
عند مدخل الوادي أعلنت أنني جئت لرؤية شيطان الابتسامة الشريرة، فأرشدني سياف عديم الوجه، يرتدي قناعًا أبيض.
“لا بأس بها، بشرط ألا يكون المخطأ في حقه شيطان الابتسامة الشريرة.”
كل أتباعه يلقَّبون بالسيافين عديمي الوجوه، يرتدون أقنعة بيضاء لا يظهر منها سوى فتحات هلالية للعينين. تبدو باسمة، لكن العيون الحقيقية خلفها مظلمة، ما يجعل الأقنعة أشد رعبًا.
عرفت أنه شغوف بمثل هذه الأفعال المفاجئة. وهذه ثاني مرة أسمعها منه. الأولى حين عدتُ أبحث عن روح الشيطان السماوي، آنذاك ربطني به المصير، وقال لي الشيء نفسه.
“يقولون إن الخير والشر كوجهي عملة. تعلم الشر مني سيساعدك على إقامة الخير.”
كان مقرّ إقامته في أعمق نقطة من الوادي. مبنى مشيّد على هيئة قناع أبيض ضخم، نوافذه الوحيدة في موضع العينين، كأنها تحدّد غرفة سيده.
“ولِمَ يكون الابتسام صعبًا؟”
“لا أصادق رجالًا يختبئون خلف الأقنعة.”
دخلت، وشعور الابتلاع يزداد داخلي، كأنني أُساق إلى جوفه.
“يمكنك قول ذلك.”
صعدت الدرج الحلزوني حتى وصلت الغرفة. وما إن خطوت بداخلها حتى لفحني إحساس مروّع.
تجعّدت تقاسيم وجه غو تشيونبا.
الغرفة بيضاء خالية تمامًا: لا طاولة، ولا كرسي، ولا وسادة. في الفراغ التام وقف شيطان الابتسامة الشريرة، باردًا، يواجه الجدار. لولا خصلات شعره الأسود المتدلية لما ميزته وسط البياض.
أمامي أنا.
تقدّمت ووقفت بجانبه.
“ما الذي تنظر إليه؟”
“ما الذي جاء بك؟”
أدار رأسه نحوي ببطء. كان يرتدي قناعًا أبيض مثل أتباعه، لكن قناعه خُصّص بحيث لا يُرى ما خلفه. ومع ذلك، بتقنية العين الجديدة، استطعت أن أبصر عينيه الباردتين.
“هل يتقاتل المرء مع الغرباء؟ نحن نتقاتل لأننا نعرف بعضنا جيدًا.”
“ما السبب الثالث؟”
قال بصوت رنان مهيب:
“وماذا عنك، السيد الشاب الثاني؟ هل أنت ممّن يُخدَع، أم ممن يخدعون؟”
“لا أنظر إلى شيء.”
كانت لحظة تستحق الضحك، لكنه لم يضحك. بل رأيت بعينيّ ابتسامة باردة خلف القناع، ابتسامة تدلّ على غضب دفين.
رغم مهابته، كان صوته عذبًا للأذن، وهيئته الأنيقة تزيد من غرابة الانطباع. مهذّب… لدرجة مرعبة.
تقدّمت ووقفت بجانبه.
“وعلى من يقلق المرء؟ عليك؟ أم على ذاك الشيطان؟”
ابتسم وقال:
هز رأسه ببطء.
“لقد مضى وقت طويل، سيدي المحترم.”
“ما السبب الثالث؟”
“ما الذي جاء بك؟”
كان لقاؤنا هذا في الحقيقة أوّل لقاء شخصي بيننا عبر حياتين.
قلت له:
“ألستَ قلقًا من لقائي به؟”
قلت له:
“كيف أقنعت شيطان الابتسامة الشريرة؟”
“سيدي المحترم؟ أنا ما زلتُ شابًا، عاملني كصديق.”
ابتسمت ساخرًا:
قلت:
ابتسم ابتسامة مبطّنة:
قلت له:
“كم شخصًا غادر الحياة مخدوعًا بهذه الكلمات؟”
ضحك كما يوحي لقبه. ضحكة لا تحمل الطمأنينة، بل أنيابًا خفية.
“من؟”
“وماذا عنك، السيد الشاب الثاني؟ هل أنت ممّن يُخدَع، أم ممن يخدعون؟”
“ألا يُرهقك أن تبتسم دائمًا هكذا؟”
قلت بهدوء:
“أتظاهر بأنني مخدوع.”
“على أي حال، شكرًا لك. سأتوجّه الآن إلى لقائه.”
“إن أجبت عن سؤال واحد، سأفكر في دعمك.”
قهقه كأنما وجد لذة في الجواب.
“ما الذي جاء بك؟”
“أجل. ولماذا أذهب أنا إلى ذاك المزعج أستجديه؟”
قلت:
“ألا يُرهقك أن تبتسم دائمًا هكذا؟”
“لماذا تتقاتلان كثيرًا ما دمتما تعرفان بعضكم جيدًا؟”
لمعت عيناه خلف القناع:
“أبدًا. كيف يكون منافقًا من يحمل ‘الشر’ بجلاء في لقبه؟”
“ولِمَ يكون الابتسام صعبًا؟”
لم يخلع قناعه أمام أحد قط. لا أحد رآه، ولا أحد يعرف ملامحه أو حتى عمره. طلب خلع القناع يُعد خيانة، بل إهانة لا تُغتفر.
“لأن البكاء أهون من الابتسام. البكاء راحة، أما الابتسام في عالم كعالمنا… قسوة.”
“وماذا عنك، السيد الشاب الثاني؟ هل أنت ممّن يُخدَع، أم ممن يخدعون؟”
قلت بثبات:
ضحك ضحكة عالية، مصطنعة كممثل مسرح شعبي. لكني لم أثق بها لحظة. تلك الضحكة لم تكن إلا مخالب ملونة في أعماق الظلام، تجرّك نحو الفم الكامن خلفها.
أصرّ على يقينه، ووعدني:
سألني فجأة:
“لماذا جئت إليّ؟”
“لنكن أصدقاء.”
توقف، ثم اقترب مني ومدّ يده:
أجبته بتحفّظ:
“لماذا جئت إليّ؟”
“لم تتح لنا فرصة لحديث كهذا من قبل. جئت لأتعرّف إليك… ولأكون صريحًا، جئت آملاً أن تدعمني بدلًا من أخي.”
“شيطان الابتسامة الشريرة اقترب منك أنت؟”
“فلنتمشَّ إذن.”
“اللعنة… إنك تثرثر كالعجائز.”
سار بمحاذاة الجدار الأبيض، وتبعته. كان خيط قناعه يتدلّى من مؤخرة رأسه. عقدة يمكن لأي طفل أن يفكّها… لكن لا أحد في عالم القتال يجرؤ على الاقتراب منها.
قلت له:
“يمكنك قول ذلك.”
قال وهو يمشي:
“لا تتصنّع الغباء.”
“إن أجبت عن سؤال واحد، سأفكر في دعمك.”
لمعت عيناه خلف القناع:
“تفضّل.”
“كيف قتلتَ شيطان حاصد الأرواح؟”
أجابني ببرود وهو يتصفح الكتاب:
“أفكر في ضمّه إلى صفّنا.”
سألني ببرود. فأجبته بهدوء مماثل:
“وماذا عنك، السيد الشاب الثاني؟ هل أنت ممّن يُخدَع، أم ممن يخدعون؟”
“لم أقتله.”
“مجرد استعراض. حين أسمع وقع خطواتك من بعيد، أسرع نحو الرف وأمسك كتابًا.”
كانت لحظة تستحق الضحك، لكنه لم يضحك. بل رأيت بعينيّ ابتسامة باردة خلف القناع، ابتسامة تدلّ على غضب دفين.
ابتسم من خلف القناع:
“أتظاهر بأنني مخدوع.”
“لقد قتلته، أنا لا أسألك هل فعلت أم لا. أسأل كيف فعلت.”
“الشر لا عظمة فيه، إلا حين يلتهم شرًا آخر.”
أصرّ على يقينه، ووعدني:
قهقه مطولًا.
“أخبرني، وسأمنحك صوتًا كما منحتُ تشونغ سون.”
ثم وضع الكتاب جانبًا، ونظر إليّ متسائلًا:
“ماذا؟! قرنتني بذلك الرجل؟”
قلت بثبات:
“لا بأس بها، بشرط ألا يكون المخطأ في حقه شيطان الابتسامة الشريرة.”
“أنا حقا لم أقتله.”
قلت ممازحًا:
ارتعشت ملامح شيطان النصل للحظة قبل أن يجيب:
توقف، ثم اقترب مني ومدّ يده:
أصرّ على يقينه، ووعدني:
“لنكن أصدقاء.”
عرفت أنه شغوف بمثل هذه الأفعال المفاجئة. وهذه ثاني مرة أسمعها منه. الأولى حين عدتُ أبحث عن روح الشيطان السماوي، آنذاك ربطني به المصير، وقال لي الشيء نفسه.
“كيف أقنعت شيطان الابتسامة الشريرة؟”
“أهذا هو المسار الجديد للشياطين الذي تحلم به؟”
“كلا.”
“ولم لا؟”
“لثلاثة أسباب.”
قهقه كأنما وجد لذة في الجواب.
أبدى اهتمامًا:
“لماذا تتقاتلان كثيرًا ما دمتما تعرفان بعضكم جيدًا؟”
“وما الأول؟”
“إن تصرّفنا كأصدقاء، قد أرتكب خطأً في حقك. الارتياح يجلب قلة الاحترام، أما الرسميات فتمنعني من ذلك.”
ضحك.
قلت:
“وما المشكلة في بعض الأخطاء؟”
“هل تراني عظيمًا إذن؟”
“لا بأس بها، بشرط ألا يكون المخطأ في حقه شيطان الابتسامة الشريرة.”
قهقه مطولًا.
“لا بأس بها، بشرط ألا يكون المخطأ في حقه شيطان الابتسامة الشريرة.”
“أنت أمتع مما يقولون عنك. حسنًا، ما السبب الثاني؟”
“قالت إنك أقنعته لأنكما أشرارٌ متشابهون.”
فكّرت في الأمر: إن كان حدسي صائبًا، فما الذي دفعه لمساعدتنا إذن؟
قلت بصرامة:
“سيد جناح العالم السفلي لا يمتزج مع شيطان الابتسامة الشريرة.”
“يقولون إن الخير والشر كوجهي عملة. تعلم الشر مني سيساعدك على إقامة الخير.”
كل أتباعه يلقَّبون بالسيافين عديمي الوجوه، يرتدون أقنعة بيضاء لا يظهر منها سوى فتحات هلالية للعينين. تبدو باسمة، لكن العيون الحقيقية خلفها مظلمة، ما يجعل الأقنعة أشد رعبًا.
“ما الذي تنظر إليه؟”
هززت رأسي:
“هذا قول يبرّر به الأشرار أنفسهم. فالشر هاوٍ في قعر هاوية لا قرار لها، والخير قمة جبل شاهق. لا يلتقيان.”
“شيطان الابتسامة الشريرة… هل تعرفه؟”
قال:
“إذن تراني منافقًا؟”
“أهذا هو المسار الجديد للشياطين الذي تحلم به؟”
“أبدًا. كيف يكون منافقًا من يحمل ‘الشر’ بجلاء في لقبه؟”
“وماذا عنك، السيد الشاب الثاني؟ هل أنت ممّن يُخدَع، أم ممن يخدعون؟”
“هل تراني عظيمًا إذن؟”
“ماذا؟! قرنتني بذلك الرجل؟”
“الشر لا عظمة فيه، إلا حين يلتهم شرًا آخر.”
قال بصوت رنان مهيب:
قلت ممازحًا:
ضحك بحرارة، لكن عيناه ظلّتا ميتتين خلف القناع. وحدها تقنية العين الجديدة كشفت لي ذلك.
“لماذا تسأل عنه؟”
فكّرت في الأمر: إن كان حدسي صائبًا، فما الذي دفعه لمساعدتنا إذن؟
ثم قال:
“مجرد استعراض. حين أسمع وقع خطواتك من بعيد، أسرع نحو الرف وأمسك كتابًا.”
“الشائعات صحيحة.”
“سيدي المحترم؟ أنا ما زلتُ شابًا، عاملني كصديق.”
“أي شائعات؟”
“ألا يُرهقك أن تبتسم دائمًا هكذا؟”
“أنك غدوتَ أحمقًا أرثوذكسيًا متزمّتًا.”
ابتسم وقال:
ابتسمت ساخرًا:
“بل لأننا انحدرنا حتى صرنا أسوأ من أولئك المتزمّتين. لذا أحاول إصلاح ما انكسر.”
توقف، ثم اقترب مني ومدّ يده:
سأل وهو يضحك:
كان الوادي، كما يدل اسمه، مقرًّا للمفسدين. لم يكن طبيعيًا بل مصطنعًا، تحفّه مقارّ بأحجام مختلفة تتوزع على طول جدول ماء. ورغم أن منظرها يوحي بالعشوائية، إلا أن التخطيط كان مقصودًا، أشبه بقلاع صغيرة رتّبت بعناية وفق مهارات ومقام السيافين عديمي الوجوه، وللتهيؤ لأي غزو خارجي.
“أهذا هو المسار الجديد للشياطين الذي تحلم به؟”
“يمكنك قول ذلك.”
هز رأسه ببطء.
دخلت، وشعور الابتلاع يزداد داخلي، كأنني أُساق إلى جوفه.
“إذن لن نجتمع أبدًا. سأظل إلى جانب السيد الشاب الأول.”
قلت:
لمعت عيناه خلف القناع:
“لا بد من ذلك. أستأذن الآن.”
“لأن البكاء أهون من الابتسام. البكاء راحة، أما الابتسام في عالم كعالمنا… قسوة.”
ابتسم وقال:
انحنيت بوقار، وهممت بالمغادرة. لكنه ناداني:
انحنيت بوقار، وهممت بالمغادرة. لكنه ناداني:
“ما السبب الثالث؟”
“لماذا تتقاتلان كثيرًا ما دمتما تعرفان بعضكم جيدًا؟”
استدرت مجددًا وأجبته:
“لا أصادق رجالًا يختبئون خلف الأقنعة.”
قلت بثبات:
الغرفة بيضاء خالية تمامًا: لا طاولة، ولا كرسي، ولا وسادة. في الفراغ التام وقف شيطان الابتسامة الشريرة، باردًا، يواجه الجدار. لولا خصلات شعره الأسود المتدلية لما ميزته وسط البياض.
كانت لحظة تستحق الضحك، لكنه لم يضحك. بل رأيت بعينيّ ابتسامة باردة خلف القناع، ابتسامة تدلّ على غضب دفين.
أمامي أنا.
“ما الشروط التي وضعها عليك؟”
لم يخلع قناعه أمام أحد قط. لا أحد رآه، ولا أحد يعرف ملامحه أو حتى عمره. طلب خلع القناع يُعد خيانة، بل إهانة لا تُغتفر.
قال وهو يمشي:
إلا أنه في لحظة واحدة، عبر حياة كاملة، خلع قناعه أمام شخص واحد…
“أنا حقا لم أقتله.”
تقدّمت ووقفت بجانبه.
أمامي أنا.
قبل ارتدادي، حين كنت أبحث في الطائفة عن آخر قطعة مفقودة من تقنية الانحدار العظيم. أنا الوحيد الذي رأيتُ الوجه خلف القناع.
قبل ارتدادي، حين كنت أبحث في الطائفة عن آخر قطعة مفقودة من تقنية الانحدار العظيم. أنا الوحيد الذي رأيتُ الوجه خلف القناع.
