Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

سليل المملكة 36

تحالف الليل المرصَّع بالنجوم (1)
PDF
ملوك الروايات

حمّل تطبيق ملوك الروايات الآن!

تابع أحدث الفصول براحة تامة، بدون إعلانات مزعجة، مع ميزة التحميل للقراءة أوفلاين.

تحميل التطبيق

تحالف الليل المرصَّع بالنجوم (1)

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

ما الذي عليّ فعله؟ تساءل تاليس في نفسه وهو يتأمل النظرات الموحية في أعين مصّاصي الدماء الثلاثة.

اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ

 

تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:

“توقفي عن البحث، يودل ليس هنا.” غيلبرت وضع يديه خلف ظهره وتحدث بهدوء.

Arisu-san

لهث الفتى بشدّة محاولًا رفع رأسه وصدره، إلا أن الدرع الثقيل ضغط على صدره الأيسر، فلم يستطع النهوض.

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

’و…’

الفصل 36: تحالف الليل المرصَّع بالنجوم (1)

 

…

 

بعد ساعتين.

 

“انتبه لخطواتك! اضبط أنفاسك! جوهر أسلوب الجسد الحديدي يكمن في قدميك. في اللحظة التي تتعرض فيها للهجوم، عدِّل المسافة بين ساقيك وانشر قوتك! إن لم تُرِد أن تموت، فارفع درعك في وجه العدو!”

 

صوت جينيس الواضح اخترق الهواء، وتبعه ضربٌ قاسٍ لا رحمة فيه.

“مقارنة بذلك- ألا تلاحظ غرابة جسده؟” أصبحت ملامح وجه جينيس جادة وهي تراقب تاليس يختفي.

شد تاليس على أسنانه بقوة، ولوّح بالسيف في يده اليمنى، فاستدار جسده معه في حركة دائرية. تفجّرت عروق ذراعه اليسرى بينما استخدم قوة كتفه لرفع الدرع الخشبي الثقيل الذي يفوق طاقته. ثنى ساقه اليمنى قليلًا واستعدّ لمدّها إلى الخلف لتخفيف أثر الضربة.

 

دوووم!

هذه المرأة، وعشيقة والده في الوقت ذاته، كانت تلوّح بالسيف منذ ساعتين متواصلتين—لكن لِمَ… لِمَ لا يبدو عليها أي أثرٍ للإرهاق؟

أغلق غيلبرت، الذي كان يراقب القتال من الجانب، عينيه بهدوء.

لكن سرعان ما وجد الجواب.

بعد أن اصطدم سيف جينيس بأسفل درع تاليس، فقد توازنه للمرة الخامسة والعشرين وسقط مجددًا على الرمال. لكن هذه المرة كان قد استنفد آخر ذرة من قوّته، ولم يعُد قادرًا على رفع الدرع مرة أخرى.

 

“تـ… تبًّا.”

وما إن سمع فرسان الإبادة ذلك حتى وضعوا أيديهم على مقابض سيوفهم. جمعتهم كراهيةٌ مشتركة، وازدادت نظراتهم قسوةً.

لهث الفتى بشدّة محاولًا رفع رأسه وصدره، إلا أن الدرع الثقيل ضغط على صدره الأيسر، فلم يستطع النهوض.

 

هذه المرأة، وعشيقة والده في الوقت ذاته، كانت تلوّح بالسيف منذ ساعتين متواصلتين—لكن لِمَ… لِمَ لا يبدو عليها أي أثرٍ للإرهاق؟

 

“أسلوب السيف العسكري الشمالي يعود إلى عصر الممالك الشوفينية القديمة قبل أكثر من ثلاثة آلاف عام. تكوّن في عهد الملوك الإقطاعيين، أي قبل زمن الإمبراطوريات القديمة.” بدا صوت غيلبرت وكأنه يقرأ أفكار تاليس وهو يشرح من طرف الساحة الفارغة. “وفقًا للسجلات، كانت الحروب محتدمة آنذاك بين الإلف والتنانين، بينما غزا الأورك القدماء ممالك الشمال…”

 

“وُضع هذا الأسلوب خصيصًا لمواجهة خصومٍ مرعبين تتجاوز قوّتهم وأجسادهم حدود البشر—كالأورك القدماء، بل وحتى التنانين.” رمق غيلبرت تاليس الراقد على الأرض بنظرة جادّة وقال بصوت خافت: “إنه أقدم أسلوبٍ قتالي بالسيف سُجِّل في تاريخ البشرية. وتحت ظروفٍ غير متكافئة حدّ اليأس، خاض البشر معاركهم حتى شارفوا على الفناء. وبينما يقاومون مقاومةً ميؤوسًا منها ويشنّون هجماتٍ انتحارية، كان هناك فرسانٌ أصبحوا أول من استيقظت فيهم قوى خارقة للطبيعة. تلك القوى تُعرف اليوم باسم «قوى الإبادة»، وهؤلاء الفرسان هم أوائل مقاتلي الفئة العليا في التاريخ البشري.”

 

تلألأت عينا غيلبرت ببريقٍ حاد. “الآنسة جينيس تُعد من أعظم مقاتلي الفئة العليا. وباستثناء قوة الإبادة الفريدة التي تمتلكها، فإن حاستها، وقوّتها، وتوازنها، وكل خصائصها البدنية تقريبًا، تقع في مستوى لا يمكن مقارنته بمستواك. الفارق بينكما يعادل الفارق بين الأورك القدماء الشرسين ذوي البأس وبين البشر الضعفاء الصغار آنذاك.”

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

حدّق تاليس في جينيس بإعجابٍ ممزوجٍ بالحرج. حتى الآن، لم يكن يعرف كيف يتعامل مع عشيقة والده. كانت تداعب معصمها بخفة، متجاهلة تمامًا مديح غيلبرت لها.

 

“كلّما استُخدمت القوة الخارقة أكثر وازدادت خبرة مستخدمها بها، ازدادت قوّتها. وتعلّم الفرسان كيفية تسخير طاقاتهم العميقة والتحكّم في قواهم الهائلة إلى حدّ الإتقان التام. وبالمقارنة مع الفئة العليا، فإن أولئك الفرسان—الذين تجاوزوها بدرجة—يمتلكون قوى هائلة لا تُقاس ومهاراتٍ لا تضاهى. لقد فهموا جوهر القوة والقتال، وأصبحوا قادرين على التحول بحرية، والقتال بلا قيود، وإنهاء المعارك بأعلى كفاءةٍ وأقلّ خسائر ممكنة.” تقدّم غيلبرت بخطوة وأومأ برأسه بخفة نحو نقطةٍ في الهواء.

“جيد جدًا، إنني أتوق لرؤية رؤوسهم تتدحرج…” تجمّد وجه تاليس وهو يحدّق في إسترون بنظرةٍ دامية.

“يُعرف هؤلاء باسم الفئة الفائقة، أقوى المحاربين الذين تجاوزوا حدود قواهم.”

 

نظر تاليس إلى السماء بشرودٍ وهو يستحضر صورة آسدا، التي تتحكّم بالهواء كما تشاء، ويودل، الذي يتحرّك كالشبح.

 

“الفئة العادية، الفئة العليا، والفئة الفائقة. هذا التصنيف للقوى انتشر بين شعوب العالم كلّها بعد ازدهار البشرية.” رفع غيلبرت رأسه نحو السماء وأومأ لجينيس. “حتى الأورك القدماء، والإلف القدماء، وأصحاب القدرات النفسية… تبنّوا هذا النظام من التصنيف.

 

كلّ ذلك انبثق من أسلوب السيف العسكري الشمالي—من شجاعة مقاتلة الأورك والتنانين في سبيل البقاء.” كلمات غيلبرت جعلت تاليس يغرق في شروده.

وكأنه بينه وبينهما عداوةٌ دامية حقًا.

“الآن لم يعُد الأورك القدماء يشكّلون تهديدًا، والتنانين انقرضت. أسلوب السيف العسكري الشمالي لم يعُد يُتوارث بين الناس. حتى في جيش مملكة إكستيدت، التي تفخر بدماء الشماليين وتقطن أرض الشمال القديم، تلاشى هذا الفن منذ زمن بعيد. ولم يتبقَّ سوى مكانين فقط يحتفظان بكامل إرث هذا الأسلوب: الكوكبة وبرج الإبادة.

 

الآنسة جينيس واحدة من القلائل في العالم الذين ما زالوا يتقنون هذا الفن. أيها السيد الشاب تاليس، تجاه هذا الأسلوب الذي أنقذ أسلافنا يومًا ما، أَضمِر في قلبك الاحترام، وتدرّب بلا كلل.”

 

“أسلوبٌ صُمّم لقتال الأورك والتنانين؟ لا عجب.” تمتم تاليس بمرارة بعد أن عاد لوعيه. “كنت أتساءل لماذا بدا السيف كقطعة رصاص حين لوّحت به.”

 

وهو يتذكّر كيف رفع درعه ولوّح بسيفه كالأحمق (وكيف قاده السلاح بدلًا من أن يقوده)، وخطواته المتعثّرة (التي جرّها ثقل الدرع)، وتدريبه مع جينيس (التي كانت تتلاعب به كدمية)، شعر وكأنه مجرد كيس رمل يُطرَق منذ ساعتين. أطلق تنهيدة عميقة، وبوجهٍ مفعم بالندم، سقط على ظهره منهكًا.

 

“هذا يكفي لصباح اليوم، فجرحك القديم بدأ يتمزق من جديد.” رفعت جينيس رأسها نحو الشمس، وألقت سيفها ودرعها على الأرض، وقالت ببرودها المعتاد.

حدّق تاليس في جينيس بإعجابٍ ممزوجٍ بالحرج. حتى الآن، لم يكن يعرف كيف يتعامل مع عشيقة والده. كانت تداعب معصمها بخفة، متجاهلة تمامًا مديح غيلبرت لها.

“هذه المجموعات الثلاث من تكتيكات الدفاع لأسلوب السيف العسكري الشمالي ستكون واجبك لهذا الأسبوع. أما الفروسية…” حدّقت جينيس في المهر الصغير الذي كان يلهو بسعادة مع فراشة قرب عمود الربط، ثم في تاليس الذي كان يعاني لفكّ ذراعه من الدرع الخشبي. تنهدت هي الأخرى وهزت رأسها. “اذهب واستحم وتناول غداءك. لقد أعدّ غيلبرت دروسًا داخلية خاصة لك في الساعة الواحدة بعد الظهر.”

 

“دروس بعد الظهر؟ يا إلهي، هل عليّ أن أدرس ذاتيًّا في الليل أيضًا؟”

 

تاليس، الذي اعتاد على حياة فوضوية كطالب دراسات عليا، أطلق تنهيدة أخرى.

“وبالحديث عن مصاصي الدماء، لماذا كشفت عن هوية تاليس لهم ودعوتهم إلى قاعة مينديس؟ أحقًا تؤمن بالاتفاق بين تاليس والدوقة الكبرى المنكوبة؟ هو عمره سبع سنوات فقط. أنت تعلم أن مصاصي الدماء قتلوا رجالنا من قبل؛ لا يمكن الوثوق بهم. بالنسبة لهم، نحن صدفة غير متوقعة، لا يمكنهم الوثوق بنا أيضًا.”

بينما شعر بألم في جسده كله، أغمض عينيه واستسلم لمصيره.

تاليس، الذي اعتاد على حياة فوضوية كطالب دراسات عليا، أطلق تنهيدة أخرى.

أرفع أبناء الكوكبة غير الشرعيين نزع المعدّات من جسده بصعوبة (وسحب ذراعه اليسرى من الدرع)، وعرج إلى قاعة مينديس.

 

كان لديه ساعة واحدة فقط للاستحمام وتناول الطعام.

ما الذي عليّ فعله؟ تساءل تاليس في نفسه وهو يتأمل النظرات الموحية في أعين مصّاصي الدماء الثلاثة.

“عليّ أن أعترف، فهمه وقدرته على التعلم جيدة. بعد ساعتين فقط، فهم جوهر هذا الأسلوب القتالي تقريبًا.” غيلبرت راقب تاليس يغادر وأومأ برأسه بخفة.

“حيلة أخرى من حيل مورات.”

“حين كنت في عمره، كنت أتمرن بجسدي على استخدام السيف. هذا الطفل يتعلم السيف بعقله.”

كان تاليس يعلم أن التعامل مع هؤلاء المخلصين لا يكون بالتكبّر وإصدار الأوامر المتعالية كما يفعل أبطال القصص السطحية، خصوصًا أنهم فقدوا ثمانية من خيرة رفاقهم دفاعًا عنه مؤخرًا. وكان يعلم أن أمرهم بالمغادرة أمام الغرباء وكأن شيئًا لم يكن سيُثلج صدره مؤقتًا لكنه سيُطفئ حماسهم للأبد.

“مقارنة بذلك- ألا تلاحظ غرابة جسده؟” أصبحت ملامح وجه جينيس جادة وهي تراقب تاليس يختفي.

’و…’

“أذكر أن الشخص ذو القناع الملعون يرى حتى ذرة غبار على بعد مئة متر.”

 

“توقفي عن البحث، يودل ليس هنا.” غيلبرت وضع يديه خلف ظهره وتحدث بهدوء.

“جيد جدًا، إنني أتوق لرؤية رؤوسهم تتدحرج…” تجمّد وجه تاليس وهو يحدّق في إسترون بنظرةٍ دامية.

“منذ أن اختُطف تاليس على يد عشيرة الدماء، لم يفارق يودل جانبه لحظة واحدة.”

ما الذي عليّ فعله؟ تساءل تاليس في نفسه وهو يتأمل النظرات الموحية في أعين مصّاصي الدماء الثلاثة.

“ولاحظنا،” غيلبرت عبس قليلًا، “أن الطفل عمره حوالي سبع سنوات، وقد تعرّض لإصابات كبيرة قبل يومين. ومع ذلك، خلال يومين، تعافى تقريبًا بالكامل… وتمكن من التدريب على السيف تحت الشمس لساعتين دون صعوبة… ليس غريبًا أن مصباح السلالة، الذي يكشف دماء العائلة الملكية، لم يتفاعل طوال سبع سنوات…”

تلاشت ابتسامة رولانا، وازداد وجه إسترون خضارًا.

“بهذه البنية الجسدية، لم يعد يُوصف بأنه ’بشري عادي‘، إنه عمليًا…” زفر وتوقف عن التفكير في الاحتمال الآخر.

 

“عائلة جيدستار. كما هو متوقع من أقدم سلالة ملكية باقية.”

كانت غرفة الدراسة في الطابق الثاني معزولة الصوت تمامًا، وقد أكّد له غيلبرت أن حتى مصاصي الدماء لن يتمكنوا من سماع حرفٍ واحد منها.

جينيس صمتت لفترة قصيرة ولم تضف شيئًا.

 

انحنت جينيس لتنفض الغبار عن حذائها.

“حسنًا، حسنًا.” تحدثت الآنسة سيرينا بلسانٍ طفوليّ خفيف، إذ جعلها حجم جسدها المصغّر كدمية صغيرة تَـلثغ قليلًا. لكنها هزّت رأسها بجدّية: “ولِمَ لا نُضيف إلى البنود أيضًا مسألة وضعك؟”

“وبالحديث عن مصاصي الدماء، لماذا كشفت عن هوية تاليس لهم ودعوتهم إلى قاعة مينديس؟ أحقًا تؤمن بالاتفاق بين تاليس والدوقة الكبرى المنكوبة؟ هو عمره سبع سنوات فقط. أنت تعلم أن مصاصي الدماء قتلوا رجالنا من قبل؛ لا يمكن الوثوق بهم. بالنسبة لهم، نحن صدفة غير متوقعة، لا يمكنهم الوثوق بنا أيضًا.”

عبست رولانا بشراسة وفتحت ذراعيها بتحدٍّ.

“لقد ذكرت الإجابة بالفعل.” غيلبرت عينيه تتلألأ وهو يفكر في شيخ عشيرة الدماء العجوز ذو الملامح الجامدة والمليء بالحكمة.

 

“لأن الطرفين يفتقران للثقة ويخافان من بعضهما ويهددان بعضهما، فعلت ما فعلت.

 

لهذا علينا استخدام الأسرار والمصالح المشتركة لتقييد بعضنا البعض. هذا ما يُسمّى الفهم الضمني والمكر في العلاقات الدبلوماسية. إنه ليس كالبحث المباشر والصريح.”

أغلق غيلبرت، الذي كان يراقب القتال من الجانب، عينيه بهدوء.

“همم، تحاول أن تكون غامضًا وسريًا.” جينيس تذكرت ذكريات مزعجة، وغادرت ساحة التدريب إلى الداخل.

“شكرًا على حمايتك، شورا. بوجودك أشعر بطمأنينةٍ تامة.” ابتسم تاليس وشدّ طرف درع قائد الفرسان من الأسفل.

“حيلة أخرى من حيل مورات.”

عبس تاليس، وغرس شوكته في قطعةٍ من ضلوع البقر المتبّلة بعناية ثم قضَم منها لقمة. لم يتذوّق مثل هذه الوجبة الشهية منذ انتقاله إلى هذا العالم، وقد تأثّر لدرجةٍ جعلت قلبه يلهث إعجابًا. وفي الوقت نفسه، تجنّب بعناية نظراتِ الفتاة الصغيرة ذات الملامح الطفولية الجالسة أمامه.

“شكرًا على هذا الإطراء، سيدتي جينيس.” غيلبرت أمال قبعته على رأسه وابتسم.

 

“لست جديرًا بأن أُقارن برئيس الاستخبارات السرية للمملكة.”

 

’و…’

فور سماع ذلك، خطا شورا والفرسان خطوةً للأمام بهالةٍ هائلة. “أتنوون التجسّس؟”

غيلبرت لم يأخذ تجاهل جينيس على محمل الجد.

“هذا يكفي لصباح اليوم، فجرحك القديم بدأ يتمزق من جديد.” رفعت جينيس رأسها نحو الشمس، وألقت سيفها ودرعها على الأرض، وقالت ببرودها المعتاد.

(رغم أن الطفل عمره سبع سنوات فقط، إلا أن دهاءه لا يقل عن الدوقة الكبرى التي عاشت مئات السنين.)

 

فكر غيلبرت بتمعن

 

…..

 

حين وصل كلٌّ من غيلبرت وجينيس إلى غرفة دراسة تاليس في الوقت نفسه بعد نصف ساعة، كان تاليس، الذي استحم على عجل وبدأ يتناول طعامه، يراقب الفتاة الصغيرة عديمة التعبير ذات العينين الحمراوين وعبوسٍ يعلو وجهه.

“تـ… تبًّا.”

تابعاها — إسترون ورولانا — كانا يتبادلان نظراتٍ عدائية مع فرسان الإبادة الذين أحاطوا بتاليس إحاطةً تامة بحيث لم يكن لذبابة أن تمرّ بينهم.

 

“تراجعوا، يا مصاصي الدماء.” قال أحد الحراس، الذي بدا وكأنه القائد، بنبرةٍ كريهة وقد حدّق بغضبٍ من خلف خوذته. “لا نرحّب بكم هنا.”

تنفّس تاليس بعمق بينما كانت الطفلة ذات العينين الحمراوين تراقبه باستغراب. أغلق باب الغرفة الثقيل بعناية وسحب الستائر ليحجب ضوء الشمس.

“لا تسيئوا الفهم. أنا أيضًا لا أطيقكم كثيرًا، أيها المخلوقات الفانية.” كلمات إسترون اللامبالية زادت من استياء الحراس. “هل تذكرون أنني ذبحتُ ثمانية من أمثالكم فحسب البارحة؟” قالها بسخريةٍ واستفزاز.

 

عبس تاليس، وغرس شوكته في قطعةٍ من ضلوع البقر المتبّلة بعناية ثم قضَم منها لقمة. لم يتذوّق مثل هذه الوجبة الشهية منذ انتقاله إلى هذا العالم، وقد تأثّر لدرجةٍ جعلت قلبه يلهث إعجابًا. وفي الوقت نفسه، تجنّب بعناية نظراتِ الفتاة الصغيرة ذات الملامح الطفولية الجالسة أمامه.

 

من المؤسف أنّ هذا الطعم، على الرغم من روعته، لن يُقارن يومًا بلحم الكلاب الذي أكله يومًا مع جالا.

 

راقب تاليس الموقف أمامه وزفر أنفاسًا ضجرة. يا له من صداع.

 

“لن تحظى بمثل هذه الفرصة مجددًا، أيها الجرذ الحقير الذي يختبئ في المجارير!” انخفض صوت قائد الفرسان إلى حدّ التجمد، والسيف الفضي عند خصره خرج قدمًا من غمده. “لِمَ لا تحاول أن تخطو خطوةً أخرى؟ أتوقُ أشدّ التوق للثأر لرفاقي القتلى. أو ربما أرفع الستائر لتتنعّموا ببعض أشعة الشمس.”

 

تغيّر وجه مصّاص الدماء الأشقر الوسيم إلى سواد، وهمَّ أن يتقدّم خطوةً للأمام.

“الفئة العادية، الفئة العليا، والفئة الفائقة. هذا التصنيف للقوى انتشر بين شعوب العالم كلّها بعد ازدهار البشرية.” رفع غيلبرت رأسه نحو السماء وأومأ لجينيس. “حتى الأورك القدماء، والإلف القدماء، وأصحاب القدرات النفسية… تبنّوا هذا النظام من التصنيف.

“لا تتحمسوا، يا أولاد.” جذبت رولانا ابن عمّها الغاضب خطوةً إلى الخلف في اللحظة المناسبة. كانت تبتسم، لكن نبرتها حادّة وجادّة. “أيها الخدم، إلى الخلف. سيّدنا وسيّدكم لديهما اتفاق.”

…..

وهي تنظر إلى فرسان الإبادة الذين كانوا يتوقون لذبحهم، ازدادت نظرتها اللاهية بريقًا. “هذا ما قاله سيّدكم — نحن حلفاء الآن، أليس من الواجب أن ننسى أحقاد الماضي؟ بعد كل شيء، لم تكن سوى ثماني أرواح…”

شد تاليس على أسنانه بقوة، ولوّح بالسيف في يده اليمنى، فاستدار جسده معه في حركة دائرية. تفجّرت عروق ذراعه اليسرى بينما استخدم قوة كتفه لرفع الدرع الخشبي الثقيل الذي يفوق طاقته. ثنى ساقه اليمنى قليلًا واستعدّ لمدّها إلى الخلف لتخفيف أثر الضربة.

ازدادت اضطرابات مشاعر فرسان الإبادة، وراح بعضهم يطحن أسنانه حتى سُمِع صريرها من خلف الخُوَذ.

“وهي مشكِلةُ أنَّك لم تُعترَف بحقِّكَ كوريثٍ للأمير رغم مرور هذا الوقت الطويل.”

كما هو متوقَّع من أختي الكبرى، فكّر إسترون في نفسه وهو يحدّق بالحراس الغاضبين الذين يكبحون أنفسهم بشقّ الأنفس. إنها حقًّا تملأ قلبي نشوةً.

لكن سرعان ما وجد الجواب.

في الخارج، عبست جينيس وهمّت بالدخول، لكن غيلبرت أمسك بذراعها. الدبلوماسي السابق ذو الشعر الرمادي هزّ رأسه نظرةً غامضة في عينيه، مشيرًا إلى سيّدهم الصغير الجالس على الكرسي خلف الحراس.

 

بدت الحيرة على وجه جينيس، واستمرّت حتى رأت تاليس يضع أدوات الطعام بعد أن أنهى لقيماته الأخيرة، ثم يتجشأ راضيًا وينزل عن الكرسي.

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

ما الذي عليّ فعله؟ تساءل تاليس في نفسه وهو يتأمل النظرات الموحية في أعين مصّاصي الدماء الثلاثة.

 

لكن سرعان ما وجد الجواب.

كان لديه ساعة واحدة فقط للاستحمام وتناول الطعام.

“شكرًا على حمايتك، شورا. بوجودك أشعر بطمأنينةٍ تامة.” ابتسم تاليس وشدّ طرف درع قائد الفرسان من الأسفل.

 

كان شورا قد ضحك يومه الأول هنا عندما وخزه تاليس في بطنه ليتأكد إن كان “الحراس مصنوعين من الحجر”. وكان أيضًا قائد هؤلاء الحراس، والرجل الذي نظّم بنفسه القضاء على المرتزقة المهاجمين واحدًا تلو الآخر.

 

كان تاليس يعلم أن التعامل مع هؤلاء المخلصين لا يكون بالتكبّر وإصدار الأوامر المتعالية كما يفعل أبطال القصص السطحية، خصوصًا أنهم فقدوا ثمانية من خيرة رفاقهم دفاعًا عنه مؤخرًا. وكان يعلم أن أمرهم بالمغادرة أمام الغرباء وكأن شيئًا لم يكن سيُثلج صدره مؤقتًا لكنه سيُطفئ حماسهم للأبد.

“حين كنت في عمره، كنت أتمرن بجسدي على استخدام السيف. هذا الطفل يتعلم السيف بعقله.”

تجهّم تاليس وقال بصرامة: “أحتاج منكم خدمة.”

“لا تسيئوا الفهم. أنا أيضًا لا أطيقكم كثيرًا، أيها المخلوقات الفانية.” كلمات إسترون اللامبالية زادت من استياء الحراس. “هل تذكرون أنني ذبحتُ ثمانية من أمثالكم فحسب البارحة؟” قالها بسخريةٍ واستفزاز.

“سنطيع أوامرك.”

 

ورغم أن ملامح القائد كانت محجوبة، إلا أن نبرته المليئة بالاحترام عبّرت عن كل شيء. فالفرسان الذين يحرسون هنا كانوا نخبة النخبة من جنود عائلة جيدستار الموثوقين. لم يُخبروا بتفاصيل الأمر، لكن من المهام الموكلة إليهم ومن تعاملهم مع الفتى خلال الأيام الماضية، استنتجوا تقريبًا هويته — ذاك الذي جلبه غيلبرت ويودل بنفسيهما.

تغيّر وجه مصّاص الدماء الأشقر الوسيم إلى سواد، وهمَّ أن يتقدّم خطوةً للأمام.

“بسبب ما حدث سابقًا، لم أعد أطمئن لذلك الوسيم إسترون كورليوني، ولا لابنة عمه الجميلة الخَطِرة رولانا كورليوني.”

 

انعقد حاجباه وتقلصت شفتاه وهو يواصل: “لقد تسببا لي بالكثير من الإهانة، ووجودهما يثير في نفسي القلق والخوف والاضطراب.”

 

وكأنه بينه وبينهما عداوةٌ دامية حقًا.

 

تفاجأ إسترون ورولانا والتفتا نحو الدوقة الكبرى خلفهما، لكن الأخيرة لم تُبدِ أيّ ردّ فعل.

 

“يكفينا أمرك يا سيّدي الصغير…” ازداد بريق عيني شورا خلف الخوذة، وخرج سيفه قدمًا أخرى من غمده. “فكلمةٌ منك تكفينا لنستلّ سيوفنا لأجلك.”

 

وما إن سمع فرسان الإبادة ذلك حتى وضعوا أيديهم على مقابض سيوفهم. جمعتهم كراهيةٌ مشتركة، وازدادت نظراتهم قسوةً.

“حسنًا.” قال كريس كورليوني الشاحب وهو يُدير رأسه بعدما اهتزّت أذناه. “رجالنا لم يبدأوا القتال، ويبدو أن سموّها تتفاوض الآن مع ذلك الفتى الصغير.

“جيد جدًا، إنني أتوق لرؤية رؤوسهم تتدحرج…” تجمّد وجه تاليس وهو يحدّق في إسترون بنظرةٍ دامية.

ارتسم الغضب على وجه إسترون وكاد يتكلّم، لكن ابنة عمّه أوقفته قبل أن ينطق.

تقدّم الفرسان خطوةً واحدة في انسجامٍ، مطوّقين مصّاصي الدماء.

 

نظر إسترون إلى تعابير الصبي، فارتجف قلبه قليلًا.

 

عبست رولانا بشراسة وفتحت ذراعيها بتحدٍّ.

ورغم أن ملامح القائد كانت محجوبة، إلا أن نبرته المليئة بالاحترام عبّرت عن كل شيء. فالفرسان الذين يحرسون هنا كانوا نخبة النخبة من جنود عائلة جيدستار الموثوقين. لم يُخبروا بتفاصيل الأمر، لكن من المهام الموكلة إليهم ومن تعاملهم مع الفتى خلال الأيام الماضية، استنتجوا تقريبًا هويته — ذاك الذي جلبه غيلبرت ويودل بنفسيهما.

هذا غير ممكن. شعر إسترون بخوفٍ غريب يجتاحه وتراجع خطوةً دون وعي، حتى سمع الهمس الطفولي في أذنه — صوت الدوقة الكبرى الذي لا يسمعه سوى أبناء العشيرة: “تماسك يا إيزا.” كان ذلك الصوت الطفولي كافيًا لطمأنته. “إنه لا ينوي معاداتنا.”

 

“…لكن بسبب التحالف المقدّس، لا أستطيع أن أؤذيهم في داري…”

“يكفينا أمرك يا سيّدي الصغير…” ازداد بريق عيني شورا خلف الخوذة، وخرج سيفه قدمًا أخرى من غمده. “فكلمةٌ منك تكفينا لنستلّ سيوفنا لأجلك.”

ثم أدار نظره نحو شورا وأمر ببرود، وهو يضمّ ذراعيه إلى صدره: “لهذا السبب، باستثناء هذه الآنسة، أطردوا الآخرين إلى الممرّ، شورا.”

خصوصًا ذلك الأشقر.”

تجمّدت نظرات الجميع حين أردف تاليس بعينين تلمعان ببريقٍ بارد جعل إسترون، الذي ما زال يعاني من الصدمة، يتوتر: “إن تجرؤوا على مقاطعة الحديث الخاص بيني وبين السيّدة سيرينا كورليوني…”

 

تابع بلا رحمة: “شورا، والجميع… سيكون لديكم حينها مبرّر شرعيّ للثأر.

لكن سرعان ما وجد الجواب.

خصوصًا ذلك الأشقر.”

ما لم يكن أحدٌ يدركه هو أنه بينما كان تاليس يتملّص بمهارة من ضغائن الحراس ومصاصي الدماء ويبدأ مفاوضاته مع سيرينا، كان كريس كورليوني مختبئًا في ظلّ المدخنة فوق غرفة الدراسة في الطابق الثاني، بعيدًا عن ضوء الشمس. كانت وضعيتُه غريبة، ووجهه جامد بلا ملامح.

تقلّص قلب إسترون.

دوووم!

“إن خرجت سيوفنا من أغمادها، فلن نخذلك أبدًا.” قال شورا بعزمٍ ومدّ يده نحو باب الغرفة.

 

“سمعتموه، أيها المصّاصون.”

“الفئة العادية، الفئة العليا، والفئة الفائقة. هذا التصنيف للقوى انتشر بين شعوب العالم كلّها بعد ازدهار البشرية.” رفع غيلبرت رأسه نحو السماء وأومأ لجينيس. “حتى الأورك القدماء، والإلف القدماء، وأصحاب القدرات النفسية… تبنّوا هذا النظام من التصنيف.

“اخرجوا، الممرّ مكانكم الطبيعي.”

“إن خرجت سيوفنا من أغمادها، فلن نخذلك أبدًا.” قال شورا بعزمٍ ومدّ يده نحو باب الغرفة.

ارتسم الغضب على وجه إسترون وكاد يتكلّم، لكن ابنة عمّه أوقفته قبل أن ينطق.

 

أخفت رولانا دهشتها بابتسامةٍ غامضة، ثم انحنت باحترام أمام الطفلة الصغيرة سيرينا، وسحبت إسترون إلى خارج الغرفة.

“لا تسيئوا الفهم. أنا أيضًا لا أطيقكم كثيرًا، أيها المخلوقات الفانية.” كلمات إسترون اللامبالية زادت من استياء الحراس. “هل تذكرون أنني ذبحتُ ثمانية من أمثالكم فحسب البارحة؟” قالها بسخريةٍ واستفزاز.

في الخارج، ابتسم غيلبرت وأفسح الطريق مع جينيس المندهشة، ليمرّ الحراس ومصاصو الدماء. وظلّ الفريقان يتبادلان النظرات الحذرة فيما واصلا المواجهة عند الممرّ البعيد.

 

“مساء الخير، السيّد كورليوني والسيّدة كورليوني.” انحنى غيلبرت بأناقةٍ خفيفة، ولُفّ شاربه بابتسامةٍ مهذّبة. “أعلم أن لأفراد عشيرة الدم سمعًا فائقًا. من السهل جدًا عليكم سماع ما يدور في الغرفة من هنا. لكن أتساءل… هل يُعدّ التنصّت إزعاجًا لمحادثةٍ خاصة بين السيّد تاليس والسيّدة كورليوني؟”

…

فور سماع ذلك، خطا شورا والفرسان خطوةً للأمام بهالةٍ هائلة. “أتنوون التجسّس؟”

 

تلاشت ابتسامة رولانا، وازداد وجه إسترون خضارًا.

راقب تاليس الموقف أمامه وزفر أنفاسًا ضجرة. يا له من صداع.

وعندما رأت جينيس الفرسان الغاضبين يدفعون بمصاصي الدماء إلى قرب السلالم وتتوقف هناك، غرقت في التفكير.

 

إن كان الأمر كذلك… خفضت رأسها في صمت. فكلام غيلبرت صحيح — إنه فتى ذكيّ رصين…

’و…’

بل ذكيّ أكثر مما ينبغي.

“جيد جدًا، إنني أتوق لرؤية رؤوسهم تتدحرج…” تجمّد وجه تاليس وهو يحدّق في إسترون بنظرةٍ دامية.

تنفّس تاليس بعمق بينما كانت الطفلة ذات العينين الحمراوين تراقبه باستغراب. أغلق باب الغرفة الثقيل بعناية وسحب الستائر ليحجب ضوء الشمس.

“وُضع هذا الأسلوب خصيصًا لمواجهة خصومٍ مرعبين تتجاوز قوّتهم وأجسادهم حدود البشر—كالأورك القدماء، بل وحتى التنانين.” رمق غيلبرت تاليس الراقد على الأرض بنظرة جادّة وقال بصوت خافت: “إنه أقدم أسلوبٍ قتالي بالسيف سُجِّل في تاريخ البشرية. وتحت ظروفٍ غير متكافئة حدّ اليأس، خاض البشر معاركهم حتى شارفوا على الفناء. وبينما يقاومون مقاومةً ميؤوسًا منها ويشنّون هجماتٍ انتحارية، كان هناك فرسانٌ أصبحوا أول من استيقظت فيهم قوى خارقة للطبيعة. تلك القوى تُعرف اليوم باسم «قوى الإبادة»، وهؤلاء الفرسان هم أوائل مقاتلي الفئة العليا في التاريخ البشري.”

كانت غرفة الدراسة في الطابق الثاني معزولة الصوت تمامًا، وقد أكّد له غيلبرت أن حتى مصاصي الدماء لن يتمكنوا من سماع حرفٍ واحد منها.

“دروس بعد الظهر؟ يا إلهي، هل عليّ أن أدرس ذاتيًّا في الليل أيضًا؟”

“حسنًا، كنّا على عجلةٍ البارحة، أما الآن…” زفر تاليس وقال بجدّ: “فلنتحدث بتفصيلٍ عن بنود التحالف.

“مقارنة بذلك- ألا تلاحظ غرابة جسده؟” أصبحت ملامح وجه جينيس جادة وهي تراقب تاليس يختفي.

وخاصةً تلك التي تتعلق بدمي، وكيف ستخدمونني.”

 

“حسنًا، حسنًا.” تحدثت الآنسة سيرينا بلسانٍ طفوليّ خفيف، إذ جعلها حجم جسدها المصغّر كدمية صغيرة تَـلثغ قليلًا. لكنها هزّت رأسها بجدّية: “ولِمَ لا نُضيف إلى البنود أيضًا مسألة وضعك؟”

 

بدت الحيرة على وجه تاليس، لكن سرعان ما تبدّل وجهه كليًا حين نطقت الصغيرة التالية.

 

تلك الدوقة الكبرى، المرأة في هيئة طفلة، الوريثة الحقيقية لعائلة كورليوني، والحاكمة الشرعية لـ تلّ الألم، سموّ سيرينا إل. آيه. كورليوني، تمتمت بصوتٍ طفوليّ متلعثم:

“سمعتموه، أيها المصّاصون.”

“وهي مشكِلةُ أنَّك لم تُعترَف بحقِّكَ كوريثٍ للأمير رغم مرور هذا الوقت الطويل.”

انعقد حاجباه وتقلصت شفتاه وهو يواصل: “لقد تسببا لي بالكثير من الإهانة، ووجودهما يثير في نفسي القلق والخوف والاضطراب.”

ما لم يكن أحدٌ يدركه هو أنه بينما كان تاليس يتملّص بمهارة من ضغائن الحراس ومصاصي الدماء ويبدأ مفاوضاته مع سيرينا، كان كريس كورليوني مختبئًا في ظلّ المدخنة فوق غرفة الدراسة في الطابق الثاني، بعيدًا عن ضوء الشمس. كانت وضعيتُه غريبة، ووجهه جامد بلا ملامح.

 

“حسنًا.” قال كريس كورليوني الشاحب وهو يُدير رأسه بعدما اهتزّت أذناه. “رجالنا لم يبدأوا القتال، ويبدو أن سموّها تتفاوض الآن مع ذلك الفتى الصغير.

 

نحن الاثنان من الفئة الفائقة، كما تعلم، فلا داعي لأن نبقى في هذا الموقف المحرج، أليس كذلك؟”

“هذا يكفي لصباح اليوم، فجرحك القديم بدأ يتمزق من جديد.” رفعت جينيس رأسها نحو الشمس، وألقت سيفها ودرعها على الأرض، وقالت ببرودها المعتاد.

أمامه مباشرةً وقف يودل كاتو، الرجل المقنّع الغريب الذي ظلّ صامتًا منذ البداية. ولم يتحرك إلا حين سمع تلك الكلمات، حيث أعاد خنجره القصير إلى مكانه داخل قميصه، وبدأ جسده يتلاشى ببطء.

 

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

أخفت رولانا دهشتها بابتسامةٍ غامضة، ثم انحنت باحترام أمام الطفلة الصغيرة سيرينا، وسحبت إسترون إلى خارج الغرفة.

 

لكن سرعان ما وجد الجواب.

 

تغيّر وجه مصّاص الدماء الأشقر الوسيم إلى سواد، وهمَّ أن يتقدّم خطوةً للأمام.

 

“مقارنة بذلك- ألا تلاحظ غرابة جسده؟” أصبحت ملامح وجه جينيس جادة وهي تراقب تاليس يختفي.

 

بينما شعر بألم في جسده كله، أغمض عينيه واستسلم لمصيره.

 

ازدادت اضطرابات مشاعر فرسان الإبادة، وراح بعضهم يطحن أسنانه حتى سُمِع صريرها من خلف الخُوَذ.

 

“لا تسيئوا الفهم. أنا أيضًا لا أطيقكم كثيرًا، أيها المخلوقات الفانية.” كلمات إسترون اللامبالية زادت من استياء الحراس. “هل تذكرون أنني ذبحتُ ثمانية من أمثالكم فحسب البارحة؟” قالها بسخريةٍ واستفزاز.

 

اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ

 

“الآن لم يعُد الأورك القدماء يشكّلون تهديدًا، والتنانين انقرضت. أسلوب السيف العسكري الشمالي لم يعُد يُتوارث بين الناس. حتى في جيش مملكة إكستيدت، التي تفخر بدماء الشماليين وتقطن أرض الشمال القديم، تلاشى هذا الفن منذ زمن بعيد. ولم يتبقَّ سوى مكانين فقط يحتفظان بكامل إرث هذا الأسلوب: الكوكبة وبرج الإبادة.

 

 

 

“هذا يكفي لصباح اليوم، فجرحك القديم بدأ يتمزق من جديد.” رفعت جينيس رأسها نحو الشمس، وألقت سيفها ودرعها على الأرض، وقالت ببرودها المعتاد.

 

انعقد حاجباه وتقلصت شفتاه وهو يواصل: “لقد تسببا لي بالكثير من الإهانة، ووجودهما يثير في نفسي القلق والخوف والاضطراب.”

 

 

 

“حسنًا، حسنًا.” تحدثت الآنسة سيرينا بلسانٍ طفوليّ خفيف، إذ جعلها حجم جسدها المصغّر كدمية صغيرة تَـلثغ قليلًا. لكنها هزّت رأسها بجدّية: “ولِمَ لا نُضيف إلى البنود أيضًا مسألة وضعك؟”

 

هذا غير ممكن. شعر إسترون بخوفٍ غريب يجتاحه وتراجع خطوةً دون وعي، حتى سمع الهمس الطفولي في أذنه — صوت الدوقة الكبرى الذي لا يسمعه سوى أبناء العشيرة: “تماسك يا إيزا.” كان ذلك الصوت الطفولي كافيًا لطمأنته. “إنه لا ينوي معاداتنا.”

 

 

 

“لا تتحمسوا، يا أولاد.” جذبت رولانا ابن عمّها الغاضب خطوةً إلى الخلف في اللحظة المناسبة. كانت تبتسم، لكن نبرتها حادّة وجادّة. “أيها الخدم، إلى الخلف. سيّدنا وسيّدكم لديهما اتفاق.”

 

 

 

غيلبرت لم يأخذ تجاهل جينيس على محمل الجد.

 

“وهي مشكِلةُ أنَّك لم تُعترَف بحقِّكَ كوريثٍ للأمير رغم مرور هذا الوقت الطويل.”

 

 

 

لكن سرعان ما وجد الجواب.

 

 

 

 

 

إن كان الأمر كذلك… خفضت رأسها في صمت. فكلام غيلبرت صحيح — إنه فتى ذكيّ رصين…

 

اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ

 

نحن الاثنان من الفئة الفائقة، كما تعلم، فلا داعي لأن نبقى في هذا الموقف المحرج، أليس كذلك؟”

 

 

 

راقب تاليس الموقف أمامه وزفر أنفاسًا ضجرة. يا له من صداع.

 

تاليس، الذي اعتاد على حياة فوضوية كطالب دراسات عليا، أطلق تنهيدة أخرى.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

“حيلة أخرى من حيل مورات.”

 

 

 

تجمّدت نظرات الجميع حين أردف تاليس بعينين تلمعان ببريقٍ بارد جعل إسترون، الذي ما زال يعاني من الصدمة، يتوتر: “إن تجرؤوا على مقاطعة الحديث الخاص بيني وبين السيّدة سيرينا كورليوني…”

 

صوت جينيس الواضح اخترق الهواء، وتبعه ضربٌ قاسٍ لا رحمة فيه.

 

فكر غيلبرت بتمعن

 

شد تاليس على أسنانه بقوة، ولوّح بالسيف في يده اليمنى، فاستدار جسده معه في حركة دائرية. تفجّرت عروق ذراعه اليسرى بينما استخدم قوة كتفه لرفع الدرع الخشبي الثقيل الذي يفوق طاقته. ثنى ساقه اليمنى قليلًا واستعدّ لمدّها إلى الخلف لتخفيف أثر الضربة.

 

 

 

 

 

“أسلوبٌ صُمّم لقتال الأورك والتنانين؟ لا عجب.” تمتم تاليس بمرارة بعد أن عاد لوعيه. “كنت أتساءل لماذا بدا السيف كقطعة رصاص حين لوّحت به.”

 

“مساء الخير، السيّد كورليوني والسيّدة كورليوني.” انحنى غيلبرت بأناقةٍ خفيفة، ولُفّ شاربه بابتسامةٍ مهذّبة. “أعلم أن لأفراد عشيرة الدم سمعًا فائقًا. من السهل جدًا عليكم سماع ما يدور في الغرفة من هنا. لكن أتساءل… هل يُعدّ التنصّت إزعاجًا لمحادثةٍ خاصة بين السيّد تاليس والسيّدة كورليوني؟”

 

“لن تحظى بمثل هذه الفرصة مجددًا، أيها الجرذ الحقير الذي يختبئ في المجارير!” انخفض صوت قائد الفرسان إلى حدّ التجمد، والسيف الفضي عند خصره خرج قدمًا من غمده. “لِمَ لا تحاول أن تخطو خطوةً أخرى؟ أتوقُ أشدّ التوق للثأر لرفاقي القتلى. أو ربما أرفع الستائر لتتنعّموا ببعض أشعة الشمس.”

 

نحن الاثنان من الفئة الفائقة، كما تعلم، فلا داعي لأن نبقى في هذا الموقف المحرج، أليس كذلك؟”

 

 

 

كان تاليس يعلم أن التعامل مع هؤلاء المخلصين لا يكون بالتكبّر وإصدار الأوامر المتعالية كما يفعل أبطال القصص السطحية، خصوصًا أنهم فقدوا ثمانية من خيرة رفاقهم دفاعًا عنه مؤخرًا. وكان يعلم أن أمرهم بالمغادرة أمام الغرباء وكأن شيئًا لم يكن سيُثلج صدره مؤقتًا لكنه سيُطفئ حماسهم للأبد.

 

 

 

“وهي مشكِلةُ أنَّك لم تُعترَف بحقِّكَ كوريثٍ للأمير رغم مرور هذا الوقت الطويل.”

 

الفصل 36: تحالف الليل المرصَّع بالنجوم (1)

 

 

 

“لا تسيئوا الفهم. أنا أيضًا لا أطيقكم كثيرًا، أيها المخلوقات الفانية.” كلمات إسترون اللامبالية زادت من استياء الحراس. “هل تذكرون أنني ذبحتُ ثمانية من أمثالكم فحسب البارحة؟” قالها بسخريةٍ واستفزاز.

 

أغلق غيلبرت، الذي كان يراقب القتال من الجانب، عينيه بهدوء.

 

 

 

كما هو متوقَّع من أختي الكبرى، فكّر إسترون في نفسه وهو يحدّق بالحراس الغاضبين الذين يكبحون أنفسهم بشقّ الأنفس. إنها حقًّا تملأ قلبي نشوةً.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

كان لديه ساعة واحدة فقط للاستحمام وتناول الطعام.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

(رغم أن الطفل عمره سبع سنوات فقط، إلا أن دهاءه لا يقل عن الدوقة الكبرى التي عاشت مئات السنين.)

 

“عليّ أن أعترف، فهمه وقدرته على التعلم جيدة. بعد ساعتين فقط، فهم جوهر هذا الأسلوب القتالي تقريبًا.” غيلبرت راقب تاليس يغادر وأومأ برأسه بخفة.

 

 

 

هذا غير ممكن. شعر إسترون بخوفٍ غريب يجتاحه وتراجع خطوةً دون وعي، حتى سمع الهمس الطفولي في أذنه — صوت الدوقة الكبرى الذي لا يسمعه سوى أبناء العشيرة: “تماسك يا إيزا.” كان ذلك الصوت الطفولي كافيًا لطمأنته. “إنه لا ينوي معاداتنا.”

 

“الفئة العادية، الفئة العليا، والفئة الفائقة. هذا التصنيف للقوى انتشر بين شعوب العالم كلّها بعد ازدهار البشرية.” رفع غيلبرت رأسه نحو السماء وأومأ لجينيس. “حتى الأورك القدماء، والإلف القدماء، وأصحاب القدرات النفسية… تبنّوا هذا النظام من التصنيف.

 

في الخارج، عبست جينيس وهمّت بالدخول، لكن غيلبرت أمسك بذراعها. الدبلوماسي السابق ذو الشعر الرمادي هزّ رأسه نظرةً غامضة في عينيه، مشيرًا إلى سيّدهم الصغير الجالس على الكرسي خلف الحراس.

 

 

 

ما لم يكن أحدٌ يدركه هو أنه بينما كان تاليس يتملّص بمهارة من ضغائن الحراس ومصاصي الدماء ويبدأ مفاوضاته مع سيرينا، كان كريس كورليوني مختبئًا في ظلّ المدخنة فوق غرفة الدراسة في الطابق الثاني، بعيدًا عن ضوء الشمس. كانت وضعيتُه غريبة، ووجهه جامد بلا ملامح.

 

 

 

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

 

 

 

وهي تنظر إلى فرسان الإبادة الذين كانوا يتوقون لذبحهم، ازدادت نظرتها اللاهية بريقًا. “هذا ما قاله سيّدكم — نحن حلفاء الآن، أليس من الواجب أن ننسى أحقاد الماضي؟ بعد كل شيء، لم تكن سوى ثماني أرواح…”

 

“شكرًا على هذا الإطراء، سيدتي جينيس.” غيلبرت أمال قبعته على رأسه وابتسم.

 

انحنت جينيس لتنفض الغبار عن حذائها.

 

 

 

“هذه المجموعات الثلاث من تكتيكات الدفاع لأسلوب السيف العسكري الشمالي ستكون واجبك لهذا الأسبوع. أما الفروسية…” حدّقت جينيس في المهر الصغير الذي كان يلهو بسعادة مع فراشة قرب عمود الربط، ثم في تاليس الذي كان يعاني لفكّ ذراعه من الدرع الخشبي. تنهدت هي الأخرى وهزت رأسها. “اذهب واستحم وتناول غداءك. لقد أعدّ غيلبرت دروسًا داخلية خاصة لك في الساعة الواحدة بعد الظهر.”

 

ثم أدار نظره نحو شورا وأمر ببرود، وهو يضمّ ذراعيه إلى صدره: “لهذا السبب، باستثناء هذه الآنسة، أطردوا الآخرين إلى الممرّ، شورا.”

 

بدت الحيرة على وجه جينيس، واستمرّت حتى رأت تاليس يضع أدوات الطعام بعد أن أنهى لقيماته الأخيرة، ثم يتجشأ راضيًا وينزل عن الكرسي.

 

“كلّما استُخدمت القوة الخارقة أكثر وازدادت خبرة مستخدمها بها، ازدادت قوّتها. وتعلّم الفرسان كيفية تسخير طاقاتهم العميقة والتحكّم في قواهم الهائلة إلى حدّ الإتقان التام. وبالمقارنة مع الفئة العليا، فإن أولئك الفرسان—الذين تجاوزوها بدرجة—يمتلكون قوى هائلة لا تُقاس ومهاراتٍ لا تضاهى. لقد فهموا جوهر القوة والقتال، وأصبحوا قادرين على التحول بحرية، والقتال بلا قيود، وإنهاء المعارك بأعلى كفاءةٍ وأقلّ خسائر ممكنة.” تقدّم غيلبرت بخطوة وأومأ برأسه بخفة نحو نقطةٍ في الهواء.

 

وكأنه بينه وبينهما عداوةٌ دامية حقًا.

 

 

 

(رغم أن الطفل عمره سبع سنوات فقط، إلا أن دهاءه لا يقل عن الدوقة الكبرى التي عاشت مئات السنين.)

 

 

 

…..

 

 

 

 

 

ورغم أن ملامح القائد كانت محجوبة، إلا أن نبرته المليئة بالاحترام عبّرت عن كل شيء. فالفرسان الذين يحرسون هنا كانوا نخبة النخبة من جنود عائلة جيدستار الموثوقين. لم يُخبروا بتفاصيل الأمر، لكن من المهام الموكلة إليهم ومن تعاملهم مع الفتى خلال الأيام الماضية، استنتجوا تقريبًا هويته — ذاك الذي جلبه غيلبرت ويودل بنفسيهما.

 

 

 

خصوصًا ذلك الأشقر.”

 

 

 

 

 

 

 

 

 

لهث الفتى بشدّة محاولًا رفع رأسه وصدره، إلا أن الدرع الثقيل ضغط على صدره الأيسر، فلم يستطع النهوض.

 

كانت غرفة الدراسة في الطابق الثاني معزولة الصوت تمامًا، وقد أكّد له غيلبرت أن حتى مصاصي الدماء لن يتمكنوا من سماع حرفٍ واحد منها.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

“تـ… تبًّا.”

 

بعد ساعتين.

 

هذا غير ممكن. شعر إسترون بخوفٍ غريب يجتاحه وتراجع خطوةً دون وعي، حتى سمع الهمس الطفولي في أذنه — صوت الدوقة الكبرى الذي لا يسمعه سوى أبناء العشيرة: “تماسك يا إيزا.” كان ذلك الصوت الطفولي كافيًا لطمأنته. “إنه لا ينوي معاداتنا.”

 

تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:

تابعاها — إسترون ورولانا — كانا يتبادلان نظراتٍ عدائية مع فرسان الإبادة الذين أحاطوا بتاليس إحاطةً تامة بحيث لم يكن لذبابة أن تمرّ بينهم.

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط