ميدير جيدستار
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
فلنرى إن كان دوق الرمال السوداء سيغتنم هذه الفرصة.”
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
لكنه لم ينتبه إلى إشارة سيشيل المتكررة بجانبه.
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
لقد أخطأ بالفعل، وسيحمل ضغينةً في قلبه، ويغدو مكتئبًا،
Arisu-san
حتى حدّقت جينيس فيه مذهولة.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
الفصل 41: ميدير جيدستار
الفارسان من الفئة العليا الواقفان أمام مكتب الدوق — اللورد كاساين واللورد سيشيل — لم ينطقا بكلمة.
…
احذرا، لا تثيرا أي نزاعٍ معهما.”
في تلك الليلة، وتحت نظرات جينيس الثاقبة وتوبيخها القاسي، أنهى تاليس عشاءه (الذي تضمن العديد من القواعد، وكان في الوقت ذاته درسًا مملًا في الإتيكيت لا مفرّ منه) بصعوبة.
مكثوا طويلًا في قصرنا، وأخذوا مقدارًا كبيرًا من الدم…”
فالإتيكيت كان في النهاية قانونَ السلوك، وأحدَ المعايير التي تُفرّق بين طبقات المجتمع.
“ليست لك يدٌ في هذا الخطأ. يمكنك الانصراف الآن. لكن كن أكثر حذرًا في المرة القادمة.”
على الأقل، وبيدين مرتجفتين، صار قادرًا الآن على استخدام السكين والشوكة على النحو الصحيح بحسب القواعد.
لقد حمل هذا القسم وزنًا هائلًا، عبئًا ثقيلًا. حتى تاليس نفسه، الذي لم يكن يعرف أسطورة بناء تورموند الأول للمملكة معرفةً تامة، لم يستطع إلا أن يخفق قلبه ويتقد دمه حماسةً عند سماعه.
ومع ذلك، استطاع تاليس أن يشعر بالغضب والسخط المكنونين خلف عيني جينيس الجميلتين.
نظر إليه زاين فجأة، وكانت نظرته حادةً كالسيوف.
وكان يعلم على نحوٍ غامض أن لذلك علاقة بتاريخ مملكة الكوكبة الذي كان غيلبرت يتحدث عنه في فترة الظهيرة.
نظر تاليس إلى جينيس بذهول.
“ستدوم الإمبراطورية ما دامت النجوم.”
“كاساين أصبح عجوزًا بالفعل.” قال بنبرةٍ خافتة.
لقد حمل هذا القسم وزنًا هائلًا، عبئًا ثقيلًا. حتى تاليس نفسه، الذي لم يكن يعرف أسطورة بناء تورموند الأول للمملكة معرفةً تامة، لم يستطع إلا أن يخفق قلبه ويتقد دمه حماسةً عند سماعه.
حينها فقط أدرك كاساين إشارة سيشيل، فانحنى برأسه وصمت.
غيلبرت، وكل قاعة الحراس من حوله (الذين علم تاليس لاحقًا أنهم جميعًا من نسل آخر فيلق بقي من الإمبراطورية الأخيرة)، جسّدوا تلك الروح في كلماتهم تلك.
عفا عني علنًا، ووعدني بأنني لستُ مضطرةً للالتزام بالقواعد والإتيكيت التي تُقيّد الفتيات النبيلات عادةً.
إلا أنّ تاليس، بما له من حِدّة إدراك، لاحظ كراهية جينيس لتلك الجملة، بل وحتى للمعنى الكامن خلفها.
فالإتيكيت كان في النهاية قانونَ السلوك، وأحدَ المعايير التي تُفرّق بين طبقات المجتمع.
لكنه لم يجرؤ على السؤال.
تحدث تاليس مترددًا بحذر، “سيدتي جينيس… درس التاريخ الذي ألقاه غيلبرت بعد الظهر… أنتِ… لم… لم تبدين…”
فهو لم يكن يعلم ما الموقف الحقيقي لتلك المسؤولة الملكية (التي ادعت أنها عشيقة والده) منه.
(هذا… يشبه فعلًا قصة مسلسل.)
ومن نظرات جينيس نحوه، رأى تاليس ومضاتٍ من الكراهية، ورأى كبحًا قسريًّا لنفسها، وتردّدًا حين تقترب منه.
غير أنّ جينيس بدت كأنها تُحدث نفسها، وارتسمت على شفتيها ابتسامة خفيفة دون أن تلاحظ ردة فعله أصلًا.
أما الشيء الوحيد الذي لم يره منها قط، فكان ابتسامةً صادقة.
كان والدي عمدة البلدة، مشهورًا بين مقاطعات الشرق.
ولهذا، كان درس الإتيكيت بأسره ثقيلًا كئيبًا.
وقد ربّانا دائمًا تربيةً صارمة على الطاعة والالتزام بالإتيكيت لنصير سيداتٍ نبيلات.
إلى أن كسرت جينيس الصمت أولًا، على غير المتوقع، بعينيها المتقدتين.
“كان رجلًا موهوبًا في الماضي، لكنه الآن بلا نفع.
“أنت لا تحب هذه القواعد والإتيكيت، أليس كذلك؟”
“لكننا استأجرناهم باسمٍ آخر! بعضهم من برج الإبادة وهم أصحابي—”
قالت ذلك وهي تنظر إلى تاليس، الذي كان يثني معصمه بقوةٍ كي لا يتجاوز الحركة المسموح بها للذراع أثناء الأكل.
أومأ آشفورد برأسه.
نطقت جينيس فجأة ببرود،
“يجب أن تغادرا الآن. كلٌّ من عائلتي كالين ونانشستر سترسل ممثلين لهما.
“ملامح وجهك قبيحة أكثر من حصانٍ وُضِع اللجام على رأسه للتو.”
“لكنني كنتُ ابنةً عنيدة متمرّدة. كرهت هذه القواعد والإتيكيت منذ صغري.
أُخذ تاليس على حين غرّة من كلامها المفاجئ، فسارع إلى الرد بارتباكٍ وبعباراتٍ رسمية.
“يا سيدي الدوق الجليل،” لم يتمالك نفسه وتحدث.
“أمّ… سيدتي جينيس، أعلم أن كل هذا ضروري، وأنا أحاول جاهدًا التأقلم—”
ابدأ التحقيق من أولئك الفرسان الذين اقتحموا قصر الكرمة تلك الليلة.”
لكن جينيس قاطعته ثانية.
فلنرى إن كان دوق الرمال السوداء سيغتنم هذه الفرصة.”
“بالطبع عليك أن تتعلّم هذه الأشكال من الإتيكيت،” قالت ببرود، غير أن نبرتها كانت مشبعةً بالازدراء، على نحوٍ بدا كأنها تسخر منه،
“لكنني كنتُ ابنةً عنيدة متمرّدة. كرهت هذه القواعد والإتيكيت منذ صغري.
“لكن من الأفضل ألا تُصبح أسيرًا لها… أن تمشي وتجلس وتستلقي على نحوٍ يسمّونه رصينًا لا يعني أنك حقًّا ذو رصانة.
“بالطبع، لم يكن والدي ليسمح لي بالعبث.
وبالمثل، أن تحمل وراءك تاريخًا مجيدًا مفعمًا بالفخر لا يعني أنك حقًّا…”
تحدث زاين، وملامح الأسى على وجهه وهو يرفع كأسه.
توقفت جينيس فجأة، وكأنها كبحت نفسها عن إتمام الجملة.
(انتظرْ، يا أبي…
اجتاح تاليس شعورٌ بالبرودة.
لكن في مثل هذه الأسرار الحساسة، لا أريد أخطاءً طائشة.
ويبدو أن هذه السيدة تحمل ضغينةً ما ضد أسلوب غيلبرت في التعليم.
الفارسان من الفئة العليا الواقفان أمام مكتب الدوق — اللورد كاساين واللورد سيشيل — لم ينطقا بكلمة.
تحدث تاليس مترددًا بحذر، “سيدتي جينيس… درس التاريخ الذي ألقاه غيلبرت بعد الظهر… أنتِ… لم… لم تبدين…”
لقد حمل هذا القسم وزنًا هائلًا، عبئًا ثقيلًا. حتى تاليس نفسه، الذي لم يكن يعرف أسطورة بناء تورموند الأول للمملكة معرفةً تامة، لم يستطع إلا أن يخفق قلبه ويتقد دمه حماسةً عند سماعه.
“هه، يا له من هراء. تلك مملكة عظيمة قديمة… كيف لي أن أتجرأ على الاعتراض؟”
ابدأ التحقيق من أولئك الفرسان الذين اقتحموا قصر الكرمة تلك الليلة.”
ضحكت جينيس بسخرية، نافيةً كلام تاليس، لكن الأخير قرأ بوضوحٍ السخرية والاستهزاء في عينيها.
تلعثم قليلًا ثم أضاف: “وكان معهم… رسالتكم المكتوبة بخط يدكم…”
ثبت تاليس نظره عليها، على عشيقة والده.
“أما الرسول الذي أُرسل إلى إكستيدت، فلا بد أنه في طريق عودته الآن.
“سيدتي جينيس،” سأل بخفوتٍ وحذر،
“أمّ… سيدتي جينيس، أعلم أن كل هذا ضروري، وأنا أحاول جاهدًا التأقلم—”
“لم تكوني موظفة والدي الملكية منذ البداية، أليس كذلك؟”
باختصار، لم تكن تلك الذكريات سارّة.
ارتفع حاجب جينيس، وارتجفت شفتاها قليلًا، حتى أنّ الشامة الصغيرة قرب شفتيها اهتزّت بدورها.
وكان يعلم على نحوٍ غامض أن لذلك علاقة بتاريخ مملكة الكوكبة الذي كان غيلبرت يتحدث عنه في فترة الظهيرة.
“وأنتِ… لا تحبين هذه القواعد والإتيكيت أيضًا، بل وتكرهين—”
أخبر كاترينا بما جرى هنا، واغتنم الفرصة لرفع أوراقنا في المساومة.”
تردد تاليس لحظةً، لكنه، وهو يحدّق إلى الشوكة والملعقة في يديه، وتابع كلامه.
(الملك كيسل… متغطرسٌ، طائشٌ، أميرٌ جامح؟)
“تكرهين هذه المملكة؟”
هزّت جينيس رأسها بازدراءٍ لذاتها.
ما إن أنهى كلامه…
قطّب الدوق زاين حاجبَيه، ووضع رسالةً كان ختمها يحمل رمز الأنياب السوداء.
حتى حدّقت جينيس فيه مذهولة.
ثم نطقت ببطء، كلمةً بعد أخرى.
(هذا الطفل… إنه شديد الحساسية.)
“سيدي! نتخلّص منهم؟”
أدارت جينيس رأسها ونظرت إلى رمز النجمة التساعية الذهبية الفضية المنقوش فوق المدفأة في غرفة الدراسة.
“ابعثوا رجالنا للسيطرة المباشرة على عصابة قوارير الدم.
ولم تتحدث لوقتٍ طويل.
اتكأ زاين على مقعده الوثير وأغمض عينيه نصف إغماضة.
وحين أخرج تاليس لسانه، ظانًّا أنه قال شيئًا خاطئًا، وهمّ أن يخفض رأسه ليواصل معركته مع السكين والملعقة كأن شيئًا لم يكن،
“أمّ… سيدتي جينيس، أعلم أن كل هذا ضروري، وأنا أحاول جاهدًا التأقلم—”
أطلقت جينيس تنهيدة، وحدّقت في السكين والملعقة في يديه، وقد سرح فكرها بعيدًا، ثم تحدثت بصوتٍ خافت.
“لا خيار آخر إذًا.”
“وُلدتُ في بلدة بايجكوفيتش في مقاطعة سيوود، وهي بلدة صغيرة على ساحل المملكة الشرقي.
أُخذ تاليس على حين غرّة من كلامها المفاجئ، فسارع إلى الرد بارتباكٍ وبعباراتٍ رسمية.
ليست ميناءً تجاريًا مزدهرًا، لكن أهلها يعيشون على الصيد، يعتمدون على أنفسهم، وهي تُعد مكانًا جميلًا في مملكة الكوكبة.
“بالطبع عليك أن تتعلّم هذه الأشكال من الإتيكيت،” قالت ببرود، غير أن نبرتها كانت مشبعةً بالازدراء، على نحوٍ بدا كأنها تسخر منه،
كان والدي عمدة البلدة، مشهورًا بين مقاطعات الشرق.
تنهد الدوق زاين، ودلّك ما بين حاجبيه.
وقد ربّانا دائمًا تربيةً صارمة على الطاعة والالتزام بالإتيكيت لنصير سيداتٍ نبيلات.
ضحك تاليس بخجل، ثم سأل سؤالًا شعر أنه مأخوذ من المسلسلات فعلًا.
كان يأمل أن تُصبح عائلتنا ذات يوم عائلةً أرستقراطية ذات إرثٍ طويل.”
حتى حدّقت جينيس فيه مذهولة.
ضاقت عينا تاليس قليلًا، وفيما كانت جينيس شاردة، استغل الفرصة ليُحرّك معصمه المتصلّب خفيةً.
حينها فقط أدرك كاساين إشارة سيشيل، فانحنى برأسه وصمت.
“لكنني كنتُ ابنةً عنيدة متمرّدة. كرهت هذه القواعد والإتيكيت منذ صغري.
“تلك الابتسامة الدافئة، المتسامحة، المشرقة كأشعة الشمس.
لذلك، حتى حين بلغت السادسة عشرة وكدتُ أبلغ سنّ الرشد، كنت ما أزال فتاةً جامحة لا تعرف حتى رقصات البلاط الرسمية، آكل بفظاظة وأتحدث بتهوّر.”
وفوق ذلك، فهو يعلم بشأن اتصالنا بعائلة كورليوني.
ابتسمت جينيس بمرارة تحت ضوء المصباح وهي تنظر إلى القمر خارج النافذة، غير أن في صوتها نغمة حنينٍ خافتة.
“لا، سيدي.” أجابه آشفورد بانحناءةٍ خفيفة.
“بالطبع، لم يكن والدي ليسمح لي بالعبث.
(هذا الطفل… إنه شديد الحساسية.)
باختصار، لم تكن تلك الذكريات سارّة.
وهذا مرتبط بتلك الخطة — وأنتما تعلمان تمامًا مدى أهميتها.”
كانت الأمور قد وصلت إلى طريقٍ مسدودٍ تقريبًا.
تحدث زاين، وملامح الأسى على وجهه وهو يرفع كأسه.
أرادوا أن ينزعوا عني مقامي وحقّي في الميراث، وأن يرسلوني إلى القاعة لأُصبح كاهنة.”
من المدنيين إلى الجنود، ومن النبلاء إلى التجار.”
أخرج تاليس لسانه خلسةً حيث لا تراه.
وحين أخرج تاليس لسانه، ظانًّا أنه قال شيئًا خاطئًا، وهمّ أن يخفض رأسه ليواصل معركته مع السكين والملعقة كأن شيئًا لم يكن،
كان يعلم أن كهنة القاعات يتعهّدون بعدم الزواج وخدمة التجسدات طيلة حياتهم.
ظلّ تاليس مصدومًا للحظة.
(كي تصل الأمور إلى هذا الحد، فلا بد أن “الطريق المسدود” كان أعمق مما تصف.)
ابتسم زاين ابتسامةً مريرة، وتحدث بنبرةٍ فيها استسلام.
خفضت جينيس رأسها قليلًا، وبدت نظرتها قاتمة، لكنها رفعت رأسها فجأة وابتسمت ابتسامةً مشرقة.
فلنرى إن كان دوق الرمال السوداء سيغتنم هذه الفرصة.”
“لكن في ذلك الوقت، جاء أميرٌ ضيفًا إلى قصرنا.”
مكثوا طويلًا في قصرنا، وأخذوا مقدارًا كبيرًا من الدم…”
(ماذا؟) تجمّد تاليس وهو يُمارس تمرين معصمه.
وتقول الشائعات إنه رحل إلى ما وراء البحار بحثًا عن صوفي الدم.”
(أمير؟ لا تقل لي أن القصة تسير كما في المسلسلات الرخيصة التي أفكر بها الآن…)
(ما كان اسمه مجددًا؟)
“سمع قصتي، ثم ضحك بصوتٍ عالٍ.
قال آشفورد بهدوء:
عفا عني علنًا، ووعدني بأنني لستُ مضطرةً للالتزام بالقواعد والإتيكيت التي تُقيّد الفتيات النبيلات عادةً.
“بالطبع، لم يكن والدي ليسمح لي بالعبث.
لكن الشرط كان أنّه بعد بلوغي، عليّ أن أجد وسيلةً للعيش بجهدي، دون الاتكال على لقبي كابنة نبيل.”
ففي نظره، كانت جينيس مثالًا للأرستقراطية المهيبة في البلاط.
(هذا… يشبه فعلًا قصة مسلسل.)
لم يكن ليتخيل أن لها ماضيًا حافلًا كهذا.
لكن في قلب تاليس بقيت لمحة من الشك.
(هذا الطفل… إنه شديد الحساسية.)
(ألا يبدو تصرّف الأمير وأفكاره… كيف أقول… متقدمة جدًا؟)
…..
غير أنّ جينيس بدت كأنها تُحدث نفسها، وارتسمت على شفتيها ابتسامة خفيفة دون أن تلاحظ ردة فعله أصلًا.
ما إن أنهى كلامه…
“ثم غادرتُ قلعة عائلتي وتبعتُ الأمير إلى العاصمة.
أغلق زاين عينيه بإحكام وزفر طويلًا.
من قراءة الصحف اليومية له، إلى عملٍ شاق ككاتبةٍ ومُنسّقة حسابات بأجرٍ زهيد عن كل صفحة، إلى سكرتيرة في مركز الشرطة، ثم إلى ضابطة شرطة من الفئة الخامسة… تغيّرت حياتي بالكامل بفضله.”
لم يكن ليتخيل أن لها ماضيًا حافلًا كهذا.
ظلّ تاليس مصدومًا للحظة.
وفوق ذلك، فهو يعلم بشأن اتصالنا بعائلة كورليوني.
ففي نظره، كانت جينيس مثالًا للأرستقراطية المهيبة في البلاط.
أخبر كاترينا بما جرى هنا، واغتنم الفرصة لرفع أوراقنا في المساومة.”
لم يكن ليتخيل أن لها ماضيًا حافلًا كهذا.
“أما ما يخص أولئك اللاجئين من عائلة كورليوني، آشفورد، فتولَّ الأمر بنفسك.
“لكن بعد تنقلي بين المهن طوال تلك السنوات، انتهى بي المطاف مسؤولة ملكية.”
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
هزّت جينيس رأسها بازدراءٍ لذاتها.
“للأسف، ما نفتقر إليه أكثر من أي شيءٍ الآن هو الوقت.
“انظر إليّ الآن… وصمةُ عارٍ بين النبلاء، أكره القواعد والأعراف،
وهذا مرتبط بتلك الخطة — وأنتما تعلمان تمامًا مدى أهميتها.”
ومع ذلك ها أنا ذا، أُعلّم وريث المملكة… أُعلّمه العادات التي كنتُ أكرهها أكثر من أي شيء.”
حتى حدّقت جينيس فيه مذهولة.
وما إن أنهت حديثها، حتى أعادت جينيس نظرها إلى مائدة الطعام، وحدّقت في تاليس — الذي سقط سكينه مجددًا.
اجتاح تاليس شعورٌ بالبرودة.
ضحك تاليس بخجل، ثم سأل سؤالًا شعر أنه مأخوذ من المسلسلات فعلًا.
لكن في مثل هذه الأسرار الحساسة، لا أريد أخطاءً طائشة.
“ذلك الأمير الطيب… هل كان… والدي؟”
قطّب الدوق زاين حاجبَيه، ووضع رسالةً كان ختمها يحمل رمز الأنياب السوداء.
(والدك؟)
أرسلوه فورًا إلى شبه الجزيرة الشرقية مجددًا، وتخلّصوا منه في المياه الدولية.
شردت نظرة جينيس للحظة، وغامت عيناها.
لكن جينيس قاطعته ثانية.
لكن تاليس لم يتلقَّ الإجابة التي كان ينتظرها.
“لو تركتموه يعيش، فلعله يُكرّس نفسه أكثر في خدمتكم…”
فقد أدارت المسؤولة رأسها ببطء، وعلى وجهها تعبيرٌ مبهم، معقّد، يصعب تفسيره.
“سيدتي جينيس،” سأل بخفوتٍ وحذر،
“لا، لم يكن هو.” قالت جينيس بصوتٍ خافت، “حتى الآن، ما زلتُ أتذكر نوع الابتسامة التي ارتسمت على وجه ذلك الأمير حين عفا عني — عن فتاةٍ قذرة، كثيرة الشكوى، مقيدة المعصمين.”
تذكّر كاساين أن هذا الرجل الأصلع خدم تحت إمرة الدوق العجوز في الوقت نفسه الذي انضم فيه هو أيضًا، وكان من دفعة برج الإبادة ذاتها، يخدم تحت راية زهور السوسن الثلاثية لعائلة كوڤندير.
“تلك الابتسامة الدافئة، المتسامحة، المشرقة كأشعة الشمس.
اجتاح تاليس شعورٌ بالبرودة.
كانت كأنها تتلذذ بجمال العالم كله، ولا قُبحٌ ولا دَنَسٌ في هذا العالم قادرٌ على أن يُغيّر ملامحها.”
عند سماع ذلك، راود كاساين خاطرٌ ثقيل.
“أما والدك كيسل، ففي ذلك الوقت، كان لا يزال أميرًا متغطرسًا، مشهورًا بطيشه وتفلّته من القيود.
“كان رجلًا موهوبًا في الماضي، لكنه الآن بلا نفع.
الشيء الوحيد الذي كان على وجهه هو ابتسامة شيطانية تُجمِّد قلوب النساء رعبًا واضطرابًا.
“وُلدتُ في بلدة بايجكوفيتش في مقاطعة سيوود، وهي بلدة صغيرة على ساحل المملكة الشرقي.
لم تكن له قط تلك الابتسامة المطمئنة.”
غير أنّ جينيس بدت كأنها تُحدث نفسها، وارتسمت على شفتيها ابتسامة خفيفة دون أن تلاحظ ردة فعله أصلًا.
نظر تاليس إلى جينيس بذهول.
“ذلك الأمير الطيب… هل كان… والدي؟”
(الملك كيسل… متغطرسٌ، طائشٌ، أميرٌ جامح؟)
لقد أخطأ بالفعل، وسيحمل ضغينةً في قلبه، ويغدو مكتئبًا،
رأى أن نظرات جينيس كانت لامعة، وكأنها تحمل في طيّاتها مشاعرَ جَمّةً لا تُحصى.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
ثم نطقت ببطء، كلمةً بعد أخرى.
بحث كاساين في ذاكرته جاهدًا، لكنه لم يستطع تذكّره مهما حاول.
“في ذلك اليوم، الذي جاء إلى قصرنا كان الابن الأكبر للملك الراحل…
تحدث زاين، وملامح الأسى على وجهه وهو يرفع كأسه.
جلالة الملك كيسل له شقيقٌ أكبر… ميدير جيدستار، وليّ العهد السابق.”
“لا، سيدي.” أجابه آشفورد بانحناءةٍ خفيفة.
…..
كان والدي عمدة البلدة، مشهورًا بين مقاطعات الشرق.
قطّب الدوق زاين حاجبَيه، ووضع رسالةً كان ختمها يحمل رمز الأنياب السوداء.
“حين كان والدي على قيد الحياة، لم يكونوا بهذا التسيب في العمل.”
“وهكذا إذًا، الثلاثة الذين ظنناهم من النخبة، الذين يفون باتفاق عائلة كورليوني لتقديم العون، لم يكونوا سوى خاسرين في صراعٍ داخليٍّ داخل عشيرتهم.”
“لم تكوني موظفة والدي الملكية منذ البداية، أليس كذلك؟”
شبك يديه أسفل زهور السوسن الثلاثية الألوان.
“أما ما يخص أولئك اللاجئين من عائلة كورليوني، آشفورد، فتولَّ الأمر بنفسك.
“تحت ستار اسم عائلة كورليوني، استخدموا بطاقة الدعوة الخاصة بنا، واستعاروا سفينتنا في الرحلة، واعتمدوا على جوازاتنا، واستخدمونا — نحن عائلة كوڤندير — كالحمقى.
من قراءة الصحف اليومية له، إلى عملٍ شاق ككاتبةٍ ومُنسّقة حسابات بأجرٍ زهيد عن كل صفحة، إلى سكرتيرة في مركز الشرطة، ثم إلى ضابطة شرطة من الفئة الخامسة… تغيّرت حياتي بالكامل بفضله.”
ثم أبحروا عبر محيط الإبادة، ونجوا من تلة الألم، وتواروا في مدينة النجم الأبدي.
وقد ربّانا دائمًا تربيةً صارمة على الطاعة والالتزام بالإتيكيت لنصير سيداتٍ نبيلات.
مكثوا طويلًا في قصرنا، وأخذوا مقدارًا كبيرًا من الدم…”
لكن تاليس لم يتلقَّ الإجابة التي كان ينتظرها.
“أهكذا الأمر؟”
ويبدو أن هذه السيدة تحمل ضغينةً ما ضد أسلوب غيلبرت في التعليم.
الفارسان من الفئة العليا الواقفان أمام مكتب الدوق — اللورد كاساين واللورد سيشيل — لم ينطقا بكلمة.
لكنه لم يجرؤ على السؤال.
كانا فقط ينظران إلى الرجل الأصلع، متوسط العمر، المتعرق، الراكع على الأرض بينهما بنظراتٍ معقدة.
ضحكت جينيس بسخرية، نافيةً كلام تاليس، لكن الأخير قرأ بوضوحٍ السخرية والاستهزاء في عينيها.
تذكّر كاساين أن هذا الرجل الأصلع خدم تحت إمرة الدوق العجوز في الوقت نفسه الذي انضم فيه هو أيضًا، وكان من دفعة برج الإبادة ذاتها، يخدم تحت راية زهور السوسن الثلاثية لعائلة كوڤندير.
على الأقل، وبيدين مرتجفتين، صار قادرًا الآن على استخدام السكين والشوكة على النحو الصحيح بحسب القواعد.
لكن لسوء الحظ، لم يكن الرجل موهوبًا، وأُصيب بجراحٍ بالغة في معركة.
“ذلك الأمير الطيب… هل كان… والدي؟”
ومنذ ذلك الحين، اقتصر عمله على الشؤون المدنية.
“سيدي، لا تقلق.
ومع ذلك، رقّ له قلب الدوق العجوز، فوكل إليه الثقة ومسؤولية الإشراف على كل ما يتعلق بالعبور عبر البحر.
توقفت جينيس فجأة، وكأنها كبحت نفسها عن إتمام الجملة.
(ما كان اسمه مجددًا؟)
نظر إليه زاين فجأة، وكانت نظرته حادةً كالسيوف.
بحث كاساين في ذاكرته جاهدًا، لكنه لم يستطع تذكّره مهما حاول.
لقد أجبرته كل تعاليمه على أن يستخدم كل قوته ليكتم الشتيمة الفظة التي رغِب حقًا في إطلاقها.
“نعم… هذا ما حدث…”
انحنى سيشيل بذكاءٍ وسحب كاساين، الذي شحب وجهه، خارج الغرفة.
قال الرجل الأصلع بصوتٍ مرتعش، ورأسه يكاد يلامس الأرض،
“إذن، أنصح صديقك بأن يعود إلى منزله،” قال زاين ببرود.
“لقد أظهروا خاتم الدم المقدّس الذي لا يمتلكه إلا أفراد سلالة كورليوني المباشرين.
“لو كان الأمر شأنًا عاديًا لتغاضيتُ عنه،
كما أن الأشقر منهم هدّدنا بسلوكٍ فظيع…”
ففي نظره، كانت جينيس مثالًا للأرستقراطية المهيبة في البلاط.
تلعثم قليلًا ثم أضاف: “وكان معهم… رسالتكم المكتوبة بخط يدكم…”
(والدك؟)
“كفى.”
“ملامح وجهك قبيحة أكثر من حصانٍ وُضِع اللجام على رأسه للتو.”
تنهد الدوق زاين، ودلّك ما بين حاجبيه.
لكن الشرط كان أنّه بعد بلوغي، عليّ أن أجد وسيلةً للعيش بجهدي، دون الاتكال على لقبي كابنة نبيل.”
فما إن لاحظ كبير الخدم آشفورد الموقف، حتى صبّ له كأسًا من نبيذ العنب المصنوع يدويًا من دوقية سيرا.
لكن في قلب تاليس بقيت لمحة من الشك.
ابتسم زاين ابتسامةً مريرة، وتحدث بنبرةٍ فيها استسلام.
قال الرجل الأصلع بصوتٍ مرتعش، ورأسه يكاد يلامس الأرض،
“ليست لك يدٌ في هذا الخطأ. يمكنك الانصراف الآن. لكن كن أكثر حذرًا في المرة القادمة.”
“أمّ… سيدتي جينيس، أعلم أن كل هذا ضروري، وأنا أحاول جاهدًا التأقلم—”
وكأنما مُنِحَ عفوًا ملكيًا، أخذ الرجل الأصلع يومئ برأسه متكررًا معتذرًا،
قالت ذلك وهي تنظر إلى تاليس، الذي كان يثني معصمه بقوةٍ كي لا يتجاوز الحركة المسموح بها للذراع أثناء الأكل.
ولم يغادر الغرفة مرتجفًا إلا بعد أن حثّه سيشيل على ذلك.
قطّب الدوق زاين حاجبَيه، ووضع رسالةً كان ختمها يحمل رمز الأنياب السوداء.
تحدث زاين، وملامح الأسى على وجهه وهو يرفع كأسه.
“ابعثوا رجالنا للسيطرة المباشرة على عصابة قوارير الدم.
“كان رجلًا موهوبًا في الماضي، لكنه الآن بلا نفع.
“لكنني كنتُ ابنةً عنيدة متمرّدة. كرهت هذه القواعد والإتيكيت منذ صغري.
أرسلوه فورًا إلى شبه الجزيرة الشرقية مجددًا، وتخلّصوا منه في المياه الدولية.
“وأنتِ… لا تحبين هذه القواعد والإتيكيت أيضًا، بل وتكرهين—”
لا تفعلوها داخل حدود المملكة أو مياهها الإقليمية. لا أريد أن أُتَّهم بالقتل.”
“انظر إليّ الآن… وصمةُ عارٍ بين النبلاء، أكره القواعد والأعراف،
عند سماع ذلك، راود كاساين خاطرٌ ثقيل.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
“يا سيدي الدوق الجليل،” لم يتمالك نفسه وتحدث.
فما إن لاحظ كبير الخدم آشفورد الموقف، حتى صبّ له كأسًا من نبيذ العنب المصنوع يدويًا من دوقية سيرا.
“لو تركتموه يعيش، فلعله يُكرّس نفسه أكثر في خدمتكم…”
أفرغ زاين ما تبقى من النبيذ في كأسه على الأرض، وعيناه جليديتان.
لكنه لم ينتبه إلى إشارة سيشيل المتكررة بجانبه.
قال الرجل الأصلع بصوتٍ مرتعش، ورأسه يكاد يلامس الأرض،
“لو كان الأمر شأنًا عاديًا لتغاضيتُ عنه،
لكن تاليس لم يتلقَّ الإجابة التي كان ينتظرها.
لكن في مثل هذه الأسرار الحساسة، لا أريد أخطاءً طائشة.
“سيدي، لا تقلق.
لقد أخطأ بالفعل، وسيحمل ضغينةً في قلبه، ويغدو مكتئبًا،
كانت نظرات زاين جليدية، وهو يتحدث بتمعّنٍ لكاساين وسيشيل.
وكلما مرّ الزمن، سيزداد شكه في مستقبله.
“ثم غادرتُ قلعة عائلتي وتبعتُ الأمير إلى العاصمة.
وفوق ذلك، فهو يعلم بشأن اتصالنا بعائلة كورليوني.
ومع ذلك ها أنا ذا، أُعلّم وريث المملكة… أُعلّمه العادات التي كنتُ أكرهها أكثر من أي شيء.”
وهذا مرتبط بتلك الخطة — وأنتما تعلمان تمامًا مدى أهميتها.”
كان وجه آشفورد ساكنًا كعادته، وأومأ قليلًا.
حينها فقط أدرك كاساين إشارة سيشيل، فانحنى برأسه وصمت.
من المدنيين إلى الجنود، ومن النبلاء إلى التجار.”
“في الرحلة القادمة، استبدلوه بغيره.”
“وُلدتُ في بلدة بايجكوفيتش في مقاطعة سيوود، وهي بلدة صغيرة على ساحل المملكة الشرقي.
تذوّق زاين رشفةً من النبيذ بخيبةٍ ظاهرة.
“لا، لم يكن هو.” قالت جينيس بصوتٍ خافت، “حتى الآن، ما زلتُ أتذكر نوع الابتسامة التي ارتسمت على وجه ذلك الأمير حين عفا عني — عن فتاةٍ قذرة، كثيرة الشكوى، مقيدة المعصمين.”
“حين كان والدي على قيد الحياة، لم يكونوا بهذا التسيب في العمل.”
أما زال نيكولاي غير موجود؟”
قال آشفورد بهدوء:
“وهكذا إذًا، الثلاثة الذين ظنناهم من النخبة، الذين يفون باتفاق عائلة كورليوني لتقديم العون، لم يكونوا سوى خاسرين في صراعٍ داخليٍّ داخل عشيرتهم.”
“الولاء والحذر يحتاجان إلى وقتٍ لينشآ.”
ضيّق زاين عينيه ونظر إلى آشفورد.
هز زاين رأسه متنهّدًا.
“للأسف، ما نفتقر إليه أكثر من أي شيءٍ الآن هو الوقت.
“لو كان الأمر شأنًا عاديًا لتغاضيتُ عنه،
ذلك الأمر سيقع بعد شهرٍ واحد، ورجالنا لن يكونوا جزءًا منه.
جلالة الملك كيسل له شقيقٌ أكبر… ميدير جيدستار، وليّ العهد السابق.”
من الأفضل ألا تقع أي حوادث.”
“كما تأمر، سيدي.”
أومأ سيشيل قليلًا وتحدث.
“أما والدك كيسل، ففي ذلك الوقت، كان لا يزال أميرًا متغطرسًا، مشهورًا بطيشه وتفلّته من القيود.
“سيدي، لا تقلق.
اتكأ زاين على مقعده الوثير وأغمض عينيه نصف إغماضة.
أولئك المرتزقة الذين أنفقنا ثروةً على استئجارهم، حتى لو كُلّفوا باغتيال الملك نفسه، فاحتمال نجاحهم كبير.”
“كفى.”
ارتجف كاساين قليلًا؛ لم يفهم جرأة زميله في الكلام على هذا النحو.
“حين كان والدي على قيد الحياة، لم يكونوا بهذا التسيب في العمل.”
صمت زاين لحظة، ثم رفع نظره نحو سيشيل.
لكنه لم يجرؤ على السؤال.
“لا تتحدث بخفّة.” قال الدوق الشاب ببرود.
“أما ما يخص أولئك اللاجئين من عائلة كورليوني، آشفورد، فتولَّ الأمر بنفسك.
انحنى سيشيل معتذرًا، لكن في قلبه كان يضحك ببرود.
“في الرحلة القادمة، استبدلوه بغيره.”
(يبدو أن الدوق لم يُبدِ انزعاجًا فعليًا.)
أما الشيء الوحيد الذي لم يره منها قط، فكان ابتسامةً صادقة.
قال زاين بنبرةٍ صارمة:
ارتجف كاساين قليلًا؛ لم يفهم جرأة زميله في الكلام على هذا النحو.
“يجب أن تغادرا الآن. كلٌّ من عائلتي كالين ونانشستر سترسل ممثلين لهما.
قال الرجل الأصلع بصوتٍ مرتعش، ورأسه يكاد يلامس الأرض،
احذرا، لا تثيرا أي نزاعٍ معهما.”
أُخذ تاليس على حين غرّة من كلامها المفاجئ، فسارع إلى الرد بارتباكٍ وبعباراتٍ رسمية.
كانت نظرات زاين جليدية، وهو يتحدث بتمعّنٍ لكاساين وسيشيل.
باختصار، لم تكن تلك الذكريات سارّة.
“حين ينجح المرتزقة في مهمتهم… تخلّصا منهم.”
“اتصل بعائلة كورليوني، واكتب رسالة مباشرة إلى ملكة الليل.
“سيدي! نتخلّص منهم؟”
اتكأ زاين على مقعده الوثير وأغمض عينيه نصف إغماضة.
ارتجف كاساين بشدة، ورفع رأسه مصعوقًا.
“بالطبع عليك أن تتعلّم هذه الأشكال من الإتيكيت،” قالت ببرود، غير أن نبرتها كانت مشبعةً بالازدراء، على نحوٍ بدا كأنها تسخر منه،
“لكننا استأجرناهم باسمٍ آخر! بعضهم من برج الإبادة وهم أصحابي—”
خلال شهرين من الآن، أريد السيطرة على كل الشائعات والمعلومات في أراضيهم —
نظر إليه زاين فجأة، وكانت نظرته حادةً كالسيوف.
وكان يعلم على نحوٍ غامض أن لذلك علاقة بتاريخ مملكة الكوكبة الذي كان غيلبرت يتحدث عنه في فترة الظهيرة.
ارتعش حلق كاساين، ولم يقدر الفارس من الفئة العليا على إتمام كلماته.
“يجب أن تغادرا الآن. كلٌّ من عائلتي كالين ونانشستر سترسل ممثلين لهما.
“إذن، أنصح صديقك بأن يعود إلى منزله،” قال زاين ببرود.
ارتفع حاجب جينيس، وارتجفت شفتاها قليلًا، حتى أنّ الشامة الصغيرة قرب شفتيها اهتزّت بدورها.
لكن آشفورد علم أن هذا هو أسلوبه في إظهار السخط.
قطّب الدوق زاين حاجبَيه، ووضع رسالةً كان ختمها يحمل رمز الأنياب السوداء.
“واستبدله بشخصٍ لا يمتّ لك بصلة.”
وقد ربّانا دائمًا تربيةً صارمة على الطاعة والالتزام بالإتيكيت لنصير سيداتٍ نبيلات.
جذبه سيشيل من ثيابه من الخلف، مانعًا إياه من التحدث.
“لو كان الأمر شأنًا عاديًا لتغاضيتُ عنه،
“كما تشاء، سيدي.”
وقد ربّانا دائمًا تربيةً صارمة على الطاعة والالتزام بالإتيكيت لنصير سيداتٍ نبيلات.
انحنى سيشيل بذكاءٍ وسحب كاساين، الذي شحب وجهه، خارج الغرفة.
“أهكذا الأمر؟”
تنفس زاين بعمقٍ ليهدئ نفسه، ثم نظر إلى لوحة الدوق العجوز المعلّقة في البعيد.
إلا أنّ تاليس، بما له من حِدّة إدراك، لاحظ كراهية جينيس لتلك الجملة، بل وحتى للمعنى الكامن خلفها.
“كاساين أصبح عجوزًا بالفعل.” قال بنبرةٍ خافتة.
لم تكن له قط تلك الابتسامة المطمئنة.”
“بعد أن تنتهي هذه المسألة، أرسلوه إلى مدينة اليشم أو إلى أراضيه الخاصة.”
“لكن بعد تنقلي بين المهن طوال تلك السنوات، انتهى بي المطاف مسؤولة ملكية.”
كان وجه آشفورد ساكنًا كعادته، وأومأ قليلًا.
أرادوا أن ينزعوا عني مقامي وحقّي في الميراث، وأن يرسلوني إلى القاعة لأُصبح كاهنة.”
“أما ما يخص أولئك اللاجئين من عائلة كورليوني، آشفورد، فتولَّ الأمر بنفسك.
الفارسان من الفئة العليا الواقفان أمام مكتب الدوق — اللورد كاساين واللورد سيشيل — لم ينطقا بكلمة.
ابدأ التحقيق من أولئك الفرسان الذين اقتحموا قصر الكرمة تلك الليلة.”
اتكأ زاين على مقعده الوثير وأغمض عينيه نصف إغماضة.
أفرغ زاين ما تبقى من النبيذ في كأسه على الأرض، وعيناه جليديتان.
Arisu-san
“اتصل بعائلة كورليوني، واكتب رسالة مباشرة إلى ملكة الليل.
فالإتيكيت كان في النهاية قانونَ السلوك، وأحدَ المعايير التي تُفرّق بين طبقات المجتمع.
أخبر كاترينا بما جرى هنا، واغتنم الفرصة لرفع أوراقنا في المساومة.”
“تحت ستار اسم عائلة كورليوني، استخدموا بطاقة الدعوة الخاصة بنا، واستعاروا سفينتنا في الرحلة، واعتمدوا على جوازاتنا، واستخدمونا — نحن عائلة كوڤندير — كالحمقى.
أومأ آشفورد برأسه.
“كما تأمر، سيدي.”
“كما تأمر، سيدي.”
تردد تاليس لحظةً، لكنه، وهو يحدّق إلى الشوكة والملعقة في يديه، وتابع كلامه.
“أذكر أن تحقيق قاعة مينديس كان موكولًا إلى عصابة قوارير الدم.
هزّت جينيس رأسها بازدراءٍ لذاتها.
أما زال نيكولاي غير موجود؟”
الشيء الوحيد الذي كان على وجهه هو ابتسامة شيطانية تُجمِّد قلوب النساء رعبًا واضطرابًا.
ضيّق زاين عينيه ونظر إلى آشفورد.
أفرغ زاين ما تبقى من النبيذ في كأسه على الأرض، وعيناه جليديتان.
“لا، سيدي.” أجابه آشفورد بانحناءةٍ خفيفة.
أُخذ تاليس على حين غرّة من كلامها المفاجئ، فسارع إلى الرد بارتباكٍ وبعباراتٍ رسمية.
“عصابة قوارير الدم الآن كجماعة تنينٍ بلا رأس.
“أما الرسول الذي أُرسل إلى إكستيدت، فلا بد أنه في طريق عودته الآن.
وتقول الشائعات إنه رحل إلى ما وراء البحار بحثًا عن صوفي الدم.”
قطّب الدوق زاين حاجبَيه، ووضع رسالةً كان ختمها يحمل رمز الأنياب السوداء.
(صوفي الدم؟)
زهرة السوسن الثلاثية ستتقدم خطوة إلى الأمام قريبًا…
أغلق زاين عينيه بإحكام وزفر طويلًا.
وفوق ذلك، فهو يعلم بشأن اتصالنا بعائلة كورليوني.
لقد أجبرته كل تعاليمه على أن يستخدم كل قوته ليكتم الشتيمة الفظة التي رغِب حقًا في إطلاقها.
(هذا الطفل… إنه شديد الحساسية.)
“لا خيار آخر إذًا.”
لقد أجبرته كل تعاليمه على أن يستخدم كل قوته ليكتم الشتيمة الفظة التي رغِب حقًا في إطلاقها.
فتح دوق زاين عينيه، وقد انطفأت منهما المشاعر تمامًا،
اتكأ زاين على مقعده الوثير وأغمض عينيه نصف إغماضة.
ووضع كأسه جانبًا.
“في الرحلة القادمة، استبدلوه بغيره.”
“ابعثوا رجالنا للسيطرة المباشرة على عصابة قوارير الدم.
ضحك تاليس بخجل، ثم سأل سؤالًا شعر أنه مأخوذ من المسلسلات فعلًا.
خلال شهرين من الآن، أريد السيطرة على كل الشائعات والمعلومات في أراضيهم —
“بالطبع عليك أن تتعلّم هذه الأشكال من الإتيكيت،” قالت ببرود، غير أن نبرتها كانت مشبعةً بالازدراء، على نحوٍ بدا كأنها تسخر منه،
من المدنيين إلى الجنود، ومن النبلاء إلى التجار.”
كما أن الأشقر منهم هدّدنا بسلوكٍ فظيع…”
أومأ آشفورد بخفة.
وفوق ذلك، فهو يعلم بشأن اتصالنا بعائلة كورليوني.
“أما الرسول الذي أُرسل إلى إكستيدت، فلا بد أنه في طريق عودته الآن.
“ليست لك يدٌ في هذا الخطأ. يمكنك الانصراف الآن. لكن كن أكثر حذرًا في المرة القادمة.”
فلنرى إن كان دوق الرمال السوداء سيغتنم هذه الفرصة.”
هز زاين رأسه متنهّدًا.
اتكأ زاين على مقعده الوثير وأغمض عينيه نصف إغماضة.
…
(انتظرْ، يا أبي…
“لا، سيدي.” أجابه آشفورد بانحناءةٍ خفيفة.
زهرة السوسن الثلاثية ستتقدم خطوة إلى الأمام قريبًا…
ومنذ ذلك الحين، اقتصر عمله على الشؤون المدنية.
… إن سار كل شيءٍ كما خُطِّط له.)
(ألا يبدو تصرّف الأمير وأفكاره… كيف أقول… متقدمة جدًا؟)
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
ومن نظرات جينيس نحوه، رأى تاليس ومضاتٍ من الكراهية، ورأى كبحًا قسريًّا لنفسها، وتردّدًا حين تقترب منه.
(يبدو أن الدوق لم يُبدِ انزعاجًا فعليًا.)
