ستدوم الإمبراطورية ما دامت النجوم
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
“تاليس… يا سيدي الشاب، هل تستطيع أن تتخيّل ذلك الشعور؟”
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
تجمّد تاليس، المذهول من التاريخ والغارق في شروده، حتى ارتد خطوةً إلى الوراء من الفزع.
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
“ستدوم الإمبراطورية… ما دامت… النجوم.”
Arisu-san
قطّب تاليس جبينه وردّد معهم تلك العبارة.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
الفصل 40: ستدوم الإمبراطورية ما دامت النجوم
تجمّد تاليس، المذهول من التاريخ والغارق في شروده، حتى ارتد خطوةً إلى الوراء من الفزع.
….
….
“غرقت الإمبراطورية، وسقطت السماء، وتصدّعت الأرض.
“الأمير الأخير للإمبراطورية الأخيرة”.
عاصمة النصر، عاصمة الإمبراطورية التي امتدّ تاريخها لأكثر من ألفين وثلاثة آلاف عام منذ عهد الملوك الإقطاعيين، والتي شهدت صعود وسقوط سلالتي الإمبراطورية كلتيهما، دُفنت بالكامل في قاع بحر الإبادة، مع زوال الإمبراطورية الأخيرة.”
لقد فهم الآن لماذا أخبره غيلبرت بكلّ هذا.
كانت نبرة غيلبرت المفعمة بالأسى كفيلة بأن تمسّ قلوب الحرس الواقفين على جانبي القاعة. استطاع تاليس أن يلحظ ارتجاف أيديهم وهي تضغط على مقابض سيوفهم.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
ضغط غيلبرت على كتفي تاليس وهو يحدّق في الفارس الشاب المرسوم على الجدار، ذاك الذي يندفع إلى الأمام في صرخةٍ أبدية، وكأنه لن يبلغ النهاية أبدًا.
“كلّ أولئك الذين، بلا اختيارٍ منهم، جُرّوا إلى محرقة المعركة، لا يفرّق بينهم مولدٌ ولا منزلةٌ ولا عِرق.
“أما تورموند الأول، ففي ذلك الوقت، لم يكن ملكًا بعد؛ كان واحدًا من الناجين من الإمبراطورية الأخيرة.”
ارتعش تاليس قليلًا، ونظر إلى الأمير. كانت نظرة السلف قد تغيّرت.
شعر تاليس بقوّة قبضة غيلبرت عليه. وفتح الوزير السابق للشؤون الخارجية فمه بهدوء، تاليًا بعض الأبيات من مجموعة كاهيل لأشعار الأوراق الهاوية:
(هل وُجدت الكوكبة فقط من أجل إمبراطوريةٍ كانت موجودةً في الماضي؟ هناك شيءٌ خاطئ في هذا الدافع لتأسيس مملكة. شيءٌ بالتأكيد غير صائب.)
«رفع البطل رايته، ورفع الملك رمحه. سقطت الإمبراطورية، وعمّ الظلام العالم.
تابع غيلبرت وهو شارد البصر.
ارتعب الأحياء، وتاهوا في الوحدة، بلا مأوى ولا وطن.»
لزم تاليس الصمت، لكن إحساسًا غريبًا غمر قلبه.
تابع غيلبرت وهو شارد البصر.
لم يبقَ سوى تورموند وجيشه دليلًا على أنّ الإمبراطورية القديمة والأخيرة لم تكونا أسطورة، بل وُجِدتا حقًا.”
بعد عشر سنواتٍ من الدم والنار، عاد الجنود مهلّلين بالنصر، لكنهم لم يستطيعوا أبدًا العودة إلى حياتهم السابقة. فالأرض التي قاتلوا لأجلها دون انقطاع، لم يبقَ في بيوت نبلائها دمٌ واحد، فقد أبيدوا جميعًا.”
وفي الجنوب، رفع أمّا ميمو هانبول رايته، ناشرًا شهرة سلالة هانبول العظيمة بين جموع المؤمنين.
“تاليس… يا سيدي الشاب، هل تستطيع أن تتخيّل ذلك الشعور؟”
اخذ تاليس نفسًا عميقًا.
تأمّل تاليس صورة تورموند الشجاع، ذاك الفارس الذي بدا جسورًا لا يهاب شيئًا.
اخذ تاليس نفسًا عميقًا.
(كم بدا مهيبًا ومتألّقًا وسط أهوال ساحةٍ لا تُحتمل… تُرى، هل كان يعلم آنذاك أنّه لن يعود إلى موطنه أبدًا؟)
وبوجهٍ مهيب، تكلّم غيلبرت بصوتٍ مملوءٍ بالرهبة والاحترام:
لم ينتظر غيلبرت إجابة، بل تنهد بهدوء.
كانت نبرة غيلبرت المفعمة بالأسى كفيلة بأن تمسّ قلوب الحرس الواقفين على جانبي القاعة. استطاع تاليس أن يلحظ ارتجاف أيديهم وهي تضغط على مقابض سيوفهم.
“لا… على الأقل، أنا لا أستطيع.”
“إن وجودك، ووجود عائلة جيدستار، يجسّدان العصر الذهبي للبشرية. إنهما الدليل الأقوى على أنّ الإمبراطورية العظمى القديمة، الإمبراطورية الأخيرة البطولية، لا تزال قائمةً في هذا العالم!”
لزم تاليس الصمت، لكن إحساسًا غريبًا غمر قلبه.
واصل غيلبرت كلامه بصوتٍ جهوري، “في السابع والعشرين من سبتمبر، في السنة العاشرة من تقويم الإبادة — وُلدت الكوكبة.”
(«ارتعب الأحياء، وتاهوا في الوحدة.»)
“لا تستهِن بنفسك، ولا بدمك، ولا بالمعنى الكامن وراء مكانتك وسلالتك”
تمتم تاليس في نفسه البيتين التاليين، بصوتٍ خافتٍ يحمل رهبة الشعر.
كل يوم، كان الأمير الوحيد تورموند يصارع وسط المعارك، والمؤامرات، والأحلام الطموحة، والسلطة، مجاهدًا للبقاء وسط أولئك الذين يسخرون منه، ويهزؤون به، ويستغلونه، ويكِنون له الحقد. وعندما بلغ السادسة والعشرين، كان شعر رأسه قد شاب بأكمله.
وفي خياله، ظهرت مدينةٌ عظيمة شامخة، تغوص ببطءٍ في الأعماق.
“فإنّ الإمبراطورية الأخيرة، التي ورثت مجد الإمبراطورية القديمة، فقدت أرضها وشعبها في ليلةٍ واحدة، ولم يبقَ منها سوى آخر نسلها.”
كان الناس يركضون في كل اتجاه، يصرخون بجنون، تملؤهم الفوضى والفزع، لكنّهم لم يستطيعوا سوى النظر بعجزٍ إلى المحيط وهو يبتلع كلّ شيء.
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
رفع تاليس رأسه فجأة وسأل بصوتٍ حزينٍ مفعمٍ بالأسى والغضب لما حلّ بتلك الأرواح البائسة، “وماذا عن أولئك الناس؟”
“أنصت جيدًا إلى كلماتي التالية.”
أدار غيلبرت رأسه بدهشةٍ طفيفة، وقد كان غارقًا في ذكريات ملك النهضة.
لزم تاليس الصمت، لكن إحساسًا غريبًا غمر قلبه.
“همم؟”
لم يكن لدى تورموند أرضٌ، ولا شعب، ولا مؤن، ولا ثروات. باستثناء الفرسان الستة الذين معه، لم يكن يملك سوى جيشٍ من ألفي رجل. تقدّموا إلى الأراضي الأجنبية بخوفٍ ووجل، بآمالٍ مقطوعة ومستقبلٍ قاتم أمامهم.
كان تاليس يحدّق فيه بثبات، وقد هدأت انفعالاته.
وفي خياله، ظهرت مدينةٌ عظيمة شامخة، تغوص ببطءٍ في الأعماق.
“أفراد العائلة المالكة، النبلاء، الفرسان، والجنود… كانوا جميعًا أطرافًا في الحرب، لكن كان هناك أيضًا من عاشوا على تلك الأرض — المزارعون، والتجّار، والشيوخ، والأطفال.” قال الفتى بنبرةٍ وادعة.
(هل وُجدت الكوكبة فقط من أجل إمبراطوريةٍ كانت موجودةً في الماضي؟ هناك شيءٌ خاطئ في هذا الدافع لتأسيس مملكة. شيءٌ بالتأكيد غير صائب.)
“كلّ أولئك الذين، بلا اختيارٍ منهم، جُرّوا إلى محرقة المعركة، لا يفرّق بينهم مولدٌ ولا منزلةٌ ولا عِرق.
لكن غيلبرت خفّض رأسه على الفور، وانعكست في عينيه كآبةٌ عميقة.
أثناء الحرب، وحين غاصت الأرض في البحر، كانوا أبرياء أكثر من الكوارث، وأكثر من الإمبراطور والنبلاء وسواهم. ومع ذلك، كانوا هم الغاية الحقيقية من وجود الإمبراطورية. ألم ينجُ أحدٌ منهم؟”
في تلك اللحظة، رأى تاليس الحراس الواقفين على جانبي القاعة باحترام، رؤوسهم مرفوعة وصدورهم منتفخة. ارتفعت في القاعة الرحبة أصوات تصادم الدروع بعضها ببعض.
ضيّق غيلبرت عينيه وهو يتأمّل تاليس كما لو كان يراه لأول مرة.
وما إن أنهى النبيل متوسط العمر حديثه، حتى بدأ جميع الجنود والحراس في القاعة بالسير ببطءٍ وثقل، وصدى خطواتهم يتردد في الأرجاء.
“أنت حقًا تشبه جدّك، يا سيدي الشاب، في تعاطفك مع عامة الناس.” تنهد بأسى.
لقد فهم الآن لماذا أخبره غيلبرت بكلّ هذا.
“قلبك رقيقٌ مليءٌ بالرحمة.”
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
(تعاطف مع العامة؟! حتى في تعبيره هذا، لا يضع نفسه ضمنهم. أما الرحمة والطيبة؟) هزّ تاليس رأسه في نفسه بصمت.
كل يوم، كان الأمير الوحيد تورموند يصارع وسط المعارك، والمؤامرات، والأحلام الطموحة، والسلطة، مجاهدًا للبقاء وسط أولئك الذين يسخرون منه، ويهزؤون به، ويستغلونه، ويكِنون له الحقد. وعندما بلغ السادسة والعشرين، كان شعر رأسه قد شاب بأكمله.
لكن غيلبرت خفّض رأسه على الفور، وانعكست في عينيه كآبةٌ عميقة.
تمتم تاليس في نفسه البيتين التاليين، بصوتٍ خافتٍ يحمل رهبة الشعر.
“لا، لم ينجُ أحد. جميع مواطني الإمبراطورية الأخيرة، من النبلاء إلى العامة، غرقوا في البحر.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
لم يبقَ سوى تورموند وجيشه دليلًا على أنّ الإمبراطورية القديمة والأخيرة لم تكونا أسطورة، بل وُجِدتا حقًا.”
“مقارنةً بك، لم يكن يملك شيئًا يُذكر. وكانت الظروف التي أحاطت به أشدّ خطرًا مئة مرّةٍ مما أنت فيه الآن.”
خفض تاليس رأسه وأغمض عينيه، مطلقًا تنهيدةً خفيفة.
وبوجهٍ مهيب، تكلّم غيلبرت بصوتٍ مملوءٍ بالرهبة والاحترام:
في تلك اللحظة، شدّ غيلبرت قبضتيه على كتفيه ببطء، وقال بوضوحٍ تامٍّ،
أثناء الحرب، وحين غاصت الأرض في البحر، كانوا أبرياء أكثر من الكوارث، وأكثر من الإمبراطور والنبلاء وسواهم. ومع ذلك، كانوا هم الغاية الحقيقية من وجود الإمبراطورية. ألم ينجُ أحدٌ منهم؟”
“وفي ذلك الزمن، كان الأمير تورموند الابن غير الشرعي، والأكثر كراهيةً في العائلة الملكية للإمبراطورية الأخيرة.”
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
ارتعد جسد تاليس، والتفت بحدةٍ إلى غيلبرت، مذهولًا.
شعر تاليس ببعض الارتباك، رغم أنّ قصة تورموند هزّت أعماقه.
لقد فهم الآن لماذا أخبره غيلبرت بكلّ هذا.
“أفراد العائلة المالكة، النبلاء، الفرسان، والجنود… كانوا جميعًا أطرافًا في الحرب، لكن كان هناك أيضًا من عاشوا على تلك الأرض — المزارعون، والتجّار، والشيوخ، والأطفال.” قال الفتى بنبرةٍ وادعة.
“انسَ الألقاب، والأراضي، والثروات. لم يكن يمتلك حتى الحقّ في وراثة اسم عائلته. حتى لقب (الأمير) لم يكن سوى مجاملةٍ شكلية.”
«رفع البطل رايته، ورفع الملك رمحه. سقطت الإمبراطورية، وعمّ الظلام العالم.
رمقه غيلبرت بنظرةٍ حادّةٍ وثابتة.
“همم؟”
“مقارنةً بك، لم يكن يملك شيئًا يُذكر. وكانت الظروف التي أحاطت به أشدّ خطرًا مئة مرّةٍ مما أنت فيه الآن.”
شعر تاليس بقوّة قبضة غيلبرت عليه. وفتح الوزير السابق للشؤون الخارجية فمه بهدوء، تاليًا بعض الأبيات من مجموعة كاهيل لأشعار الأوراق الهاوية:
تأمّل تاليس غيلبرت في صمت، ثم نظر إلى صورة ذلك الابن غير الشرعي على الجدار، الذي أصبح ملكًا فيما بعد.
“كلّ أولئك الذين، بلا اختيارٍ منهم، جُرّوا إلى محرقة المعركة، لا يفرّق بينهم مولدٌ ولا منزلةٌ ولا عِرق.
أبعد غيلبرت يديه عن كتفيه وهزّ رأسه قبل أن يتابع، “لقد انتصروا في معركة الإبادة. احتفل البشر والعالم المتمدّن أجمع بالنصر العظيم. وتغيّر ميزان القوى في العالم تغيّرًا كبيرًا.
غزت قلب تاليس مشاعرُ تنافرٍ واضطراب. غير أنّه، عندما رأى أعين غيلبرت المتقدة بالتوقع، وسمع أنفاس الحراس وقد غدت أثقل وأقصر، لم يسعه إلا أن يعضّ على أسنانه ويهزّ رأسه بعمق.
في الشرق، حمل سينجيم، ملك الجبال، آمال أهل الشرق البعيد، وأقام سلالة الفجر والظلام بعد أن أطاح بالسلالة السابقة.
وبوجهٍ مهيب، تكلّم غيلبرت بصوتٍ مملوءٍ بالرهبة والاحترام:
وفي الجنوب، رفع أمّا ميمو هانبول رايته، ناشرًا شهرة سلالة هانبول العظيمة بين جموع المؤمنين.
“تاليس!”
وفي الغرب، تُوّج البطل رايكارو إكستيدت ملكًا وسط صيحات الجماهير، ومنذ ذلك اليوم وُلدت مملكة إكستيدت القوية الفخورة.
كل يوم، كان الأمير الوحيد تورموند يصارع وسط المعارك، والمؤامرات، والأحلام الطموحة، والسلطة، مجاهدًا للبقاء وسط أولئك الذين يسخرون منه، ويهزؤون به، ويستغلونه، ويكِنون له الحقد. وعندما بلغ السادسة والعشرين، كان شعر رأسه قد شاب بأكمله.
لكن بالمقارنة مع كلّ ذلك…”
هكذا كان الناس في كلا شبهَي الجزيرة يسخرون منه ويهزؤون به.
نظر غيلبرت إلى لوحة المعلّم كولفن بعينين مملوءتين بالوقار والأسى.
لكن غيلبرت خفّض رأسه على الفور، وانعكست في عينيه كآبةٌ عميقة.
“فإنّ الإمبراطورية الأخيرة، التي ورثت مجد الإمبراطورية القديمة، فقدت أرضها وشعبها في ليلةٍ واحدة، ولم يبقَ منها سوى آخر نسلها.”
كانت نبرة غيلبرت المفعمة بالأسى كفيلة بأن تمسّ قلوب الحرس الواقفين على جانبي القاعة. استطاع تاليس أن يلحظ ارتجاف أيديهم وهي تضغط على مقابض سيوفهم.
“في ليلةٍ واحدة، أصبح الطفل غير الشرعي التافه سابقًا القائدَ الأعلى الوحيد المتبقي — للإمبراطورية التي مُحيت من الوجود.
فكّر تاليس في معنى هذه الكلمات.
لم يكن لدى تورموند أرضٌ، ولا شعب، ولا مؤن، ولا ثروات. باستثناء الفرسان الستة الذين معه، لم يكن يملك سوى جيشٍ من ألفي رجل. تقدّموا إلى الأراضي الأجنبية بخوفٍ ووجل، بآمالٍ مقطوعة ومستقبلٍ قاتم أمامهم.
كان تورموند، البالغ من العمر أربعةً وعشرين عامًا، يتنقّل بين القوى المختلفة والإقطاعيين، مستخدمًا كل وسيلةٍ ممكنة ليحصل على أدنى قدرٍ من العلف، أو أقل كميةٍ من المؤن، أو مكانٍ للمبيت، أو حتى دفعةٍ من الأسلحة — من التذلل والتوسل إلى الجدل المستند إلى المنطق، ومن الكلمات اللطيفة والمديح إلى الاحتيال والنهب. لقد ضمن بقاء أتباعه على قيد الحياة بشكلٍ مستقل، وحافظ على آخر ما تبقى من كرامة الإمبراطورية.
“الإمبراطورية… ستبقى؟ ما دامت النجوم؟”
كل يوم، كان الأمير الوحيد تورموند يصارع وسط المعارك، والمؤامرات، والأحلام الطموحة، والسلطة، مجاهدًا للبقاء وسط أولئك الذين يسخرون منه، ويهزؤون به، ويستغلونه، ويكِنون له الحقد. وعندما بلغ السادسة والعشرين، كان شعر رأسه قد شاب بأكمله.
وامتلأت القاعة الرحبة على الفور بصدى صافٍ واضح!
وضع غيلبرت يديه خلف ظهره، وامتلأت عيناه بإجلالٍ عميق.
عاصمة النصر، عاصمة الإمبراطورية التي امتدّ تاريخها لأكثر من ألفين وثلاثة آلاف عام منذ عهد الملوك الإقطاعيين، والتي شهدت صعود وسقوط سلالتي الإمبراطورية كلتيهما، دُفنت بالكامل في قاع بحر الإبادة، مع زوال الإمبراطورية الأخيرة.”
“الأمير الأخير للإمبراطورية الأخيرة”.
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
هكذا كان الناس في كلا شبهَي الجزيرة يسخرون منه ويهزؤون به.
مضت عشر سنوات. تقلّص عدد المجموعة شيئًا فشيئًا، ومعه تقلّصت آمالهم. وأخيرًا، بعد معركةٍ مثقلةٍ بالخسائر والموت، احتضن الأتباع اليائسون جثث رفاقهم، وأحاطوا بالأمير تورموند المرهق، وسألوه وهم يذرفون الدموع.
نظر تاليس مطولًا إلى الأمير الشجاع المتوهج دون أن ينطق بكلمة.
تابع غيلبرت وهو شارد البصر.
مضت عشر سنوات. تقلّص عدد المجموعة شيئًا فشيئًا، ومعه تقلّصت آمالهم. وأخيرًا، بعد معركةٍ مثقلةٍ بالخسائر والموت، احتضن الأتباع اليائسون جثث رفاقهم، وأحاطوا بالأمير تورموند المرهق، وسألوه وهم يذرفون الدموع.
ضغط غيلبرت على كتفي تاليس وهو يحدّق في الفارس الشاب المرسوم على الجدار، ذاك الذي يندفع إلى الأمام في صرخةٍ أبدية، وكأنه لن يبلغ النهاية أبدًا.
“ما الغاية من مواصلة هذا القتال؟ لقد هلكت الإمبراطورية ولم تبقَ لها شبرُ أرض. نحن كالأشجار بلا جذور، رمادُ التاريخ، وسنفنى أخيرًا بلا أثر. لِمَ نقاتل بعد؟ لِمَ لا نستسلم فحسب؟!”
“ستدوم الإمبراطورية… ما دامت… النجوم.”
ارتعش تاليس قليلًا، ونظر إلى الأمير. كانت نظرة السلف قد تغيّرت.
“لا، لم ينجُ أحد. جميع مواطني الإمبراطورية الأخيرة، من النبلاء إلى العامة، غرقوا في البحر.
“حين لا يبقى لك شيء، وكلُّ شيءٍ قد فنى، فلأي شيءٍ تقاتل؟”
“الإمبراطورية… ستبقى؟ ما دامت النجوم؟”
نظر غيلبرت إلى تعبير تاليس وتنهد بأسى، لكنه سرعان ما اتخذ ملامح العزم والثبات.
قبل أن يتمكن من استيعاب الموقف، انحنى غيلبرت فجأة، وأمسك كتفي الصبي، ونظر في عينيه على مستواه.
“تاليس!”
“لا… على الأقل، أنا لا أستطيع.”
للمرة الأولى خاطبه غيلبرت بصرامةٍ دون ألقاب.
تابع غيلبرت وهو شارد البصر.
“أنصت جيدًا إلى كلماتي التالية.”
ثم رفعوا قبضاتهم وضربوا الدرع الفضي الذهبي الذي يحمل نجمةً ذات تسع رؤوس!
تحت مساء تلك الليلة، وبينما كان أتباعه يلومونه والدموعُ تنهمر من عينيه، خلع تورموند درعه البالي، وأطلق أعظم نذرٍ في حياته، مشيرًا إلى النجوم التي لا تُحصى في السماء!
“مقارنةً بك، لم يكن يملك شيئًا يُذكر. وكانت الظروف التي أحاطت به أشدّ خطرًا مئة مرّةٍ مما أنت فيه الآن.”
في تلك اللحظة، رأى تاليس الحراس الواقفين على جانبي القاعة باحترام، رؤوسهم مرفوعة وصدورهم منتفخة. ارتفعت في القاعة الرحبة أصوات تصادم الدروع بعضها ببعض.
وقالت ببرود، “حان وقت العشاء.”
وبوجهٍ مهيب، تكلّم غيلبرت بصوتٍ مملوءٍ بالرهبة والاحترام:
في تلك اللحظة، رأى تاليس الحراس الواقفين على جانبي القاعة باحترام، رؤوسهم مرفوعة وصدورهم منتفخة. ارتفعت في القاعة الرحبة أصوات تصادم الدروع بعضها ببعض.
“ستدوم الإمبراطورية ما دامت النجوم.”
“أنصت جيدًا إلى كلماتي التالية.”
اخذ تاليس نفسًا عميقًا.
وقالت ببرود، “حان وقت العشاء.”
“الإمبراطورية… ستبقى؟ ما دامت النجوم؟”
“الأمير الأخير للإمبراطورية الأخيرة”.
فكّر تاليس في معنى هذه الكلمات.
“لا، لم ينجُ أحد. جميع مواطني الإمبراطورية الأخيرة، من النبلاء إلى العامة، غرقوا في البحر.
وما إن أنهى النبيل متوسط العمر حديثه، حتى بدأ جميع الجنود والحراس في القاعة بالسير ببطءٍ وثقل، وصدى خطواتهم يتردد في الأرجاء.
“أنصت جيدًا إلى كلماتي التالية.”
دَمدَمة!
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
ثم رفعوا قبضاتهم وضربوا الدرع الفضي الذهبي الذي يحمل نجمةً ذات تسع رؤوس!
“كلّ أولئك الذين، بلا اختيارٍ منهم، جُرّوا إلى محرقة المعركة، لا يفرّق بينهم مولدٌ ولا منزلةٌ ولا عِرق.
طَنين!
ضيّق غيلبرت عينيه وهو يتأمّل تاليس كما لو كان يراه لأول مرة.
وامتلأت القاعة الرحبة على الفور بصدى صافٍ واضح!
“ما الغاية من مواصلة هذا القتال؟ لقد هلكت الإمبراطورية ولم تبقَ لها شبرُ أرض. نحن كالأشجار بلا جذور، رمادُ التاريخ، وسنفنى أخيرًا بلا أثر. لِمَ نقاتل بعد؟ لِمَ لا نستسلم فحسب؟!”
تجمّد تاليس، المذهول من التاريخ والغارق في شروده، حتى ارتد خطوةً إلى الوراء من الفزع.
شعر تاليس بقوّة قبضة غيلبرت عليه. وفتح الوزير السابق للشؤون الخارجية فمه بهدوء، تاليًا بعض الأبيات من مجموعة كاهيل لأشعار الأوراق الهاوية:
“تاليس!”
قطّب تاليس جبينه وردّد معهم تلك العبارة.
قبل أن يتمكن من استيعاب الموقف، انحنى غيلبرت فجأة، وأمسك كتفي الصبي، ونظر في عينيه على مستواه.
فكّر تاليس في معنى هذه الكلمات.
“لا تستهِن بنفسك، ولا بدمك، ولا بالمعنى الكامن وراء مكانتك وسلالتك”
تحت مساء تلك الليلة، وبينما كان أتباعه يلومونه والدموعُ تنهمر من عينيه، خلع تورموند درعه البالي، وأطلق أعظم نذرٍ في حياته، مشيرًا إلى النجوم التي لا تُحصى في السماء!
“إن وجودك، ووجود عائلة جيدستار، يجسّدان العصر الذهبي للبشرية. إنهما الدليل الأقوى على أنّ الإمبراطورية العظمى القديمة، الإمبراطورية الأخيرة البطولية، لا تزال قائمةً في هذا العالم!”
تأمّل تاليس غيلبرت في صمت، ثم نظر إلى صورة ذلك الابن غير الشرعي على الجدار، الذي أصبح ملكًا فيما بعد.
كانت عينا غيلبرت في تلك اللحظة متقدتين بالحماسة، ويداه ترتجفان بعنفٍ لسببٍ مجهول، مما جعل تاليس يشعر بالقلق.
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
واصل غيلبرت كلامه بصوتٍ جهوري، “في السابع والعشرين من سبتمبر، في السنة العاشرة من تقويم الإبادة — وُلدت الكوكبة.”
بعد عشر سنواتٍ من الدم والنار، عاد الجنود مهلّلين بالنصر، لكنهم لم يستطيعوا أبدًا العودة إلى حياتهم السابقة. فالأرض التي قاتلوا لأجلها دون انقطاع، لم يبقَ في بيوت نبلائها دمٌ واحد، فقد أبيدوا جميعًا.”
“أشار الأمير تورموند إلى السماء ونذر قسمه بأن يغيّر اسم عائلته إلى «جيدستار»، ويصبح الملك المؤسس للكوكبة، تورموند الأول.”
شعر تاليس بقوّة قبضة غيلبرت عليه. وفتح الوزير السابق للشؤون الخارجية فمه بهدوء، تاليًا بعض الأبيات من مجموعة كاهيل لأشعار الأوراق الهاوية:
“وبعد عقود، أصبحت الكوكبة أقوى دولةٍ في شبه الجزيرة الغربية! عُرفت مع إكستيدت بـ”سيف شبه الجزيرة الغربية ودرعها”.
كان تاليس يحدّق فيه بثبات، وقد هدأت انفعالاته.
“نهضت الإمبراطورية من رمادها، وباسم الكوكبة عادت إلى الوجود! أشرق مجدها من جديد، وتجدّدت عظمتها! ،وعندما تحدّث الناس عن تورموند جيدستار، لم يَعُد أحدٌ يذكر «الأمير الأخير». لقد عرفوه فقط باسم «ملك النهضة».”
وضع غيلبرت يديه خلف ظهره، وامتلأت عيناه بإجلالٍ عميق.
ارتجّ شارب غيلبرت، وتألّقت عيناه ببريقٍ حاد كأن نارًا مشتعلة فيهما.
وفي الغرب، تُوّج البطل رايكارو إكستيدت ملكًا وسط صيحات الجماهير، ومنذ ذلك اليوم وُلدت مملكة إكستيدت القوية الفخورة.
“لقد وُلد شعار عائلة جيدستار من تلك اللحظة!”
نظر غيلبرت إلى لوحة المعلّم كولفن بعينين مملوءتين بالوقار والأسى.
شعر تاليس ببعض الارتباك، رغم أنّ قصة تورموند هزّت أعماقه.
وفي الجنوب، رفع أمّا ميمو هانبول رايته، ناشرًا شهرة سلالة هانبول العظيمة بين جموع المؤمنين.
لكن حين نظر إلى غيلبرت المشتعل حماسةً أمامه، وجد صعوبةً في أن يقلد تلك المشاعر.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
(هل وُجدت الكوكبة فقط من أجل إمبراطوريةٍ كانت موجودةً في الماضي؟ هناك شيءٌ خاطئ في هذا الدافع لتأسيس مملكة. شيءٌ بالتأكيد غير صائب.)
ارتعش تاليس قليلًا، ونظر إلى الأمير. كانت نظرة السلف قد تغيّرت.
غزت قلب تاليس مشاعرُ تنافرٍ واضطراب. غير أنّه، عندما رأى أعين غيلبرت المتقدة بالتوقع، وسمع أنفاس الحراس وقد غدت أثقل وأقصر، لم يسعه إلا أن يعضّ على أسنانه ويهزّ رأسه بعمق.
وما إن أنهى النبيل متوسط العمر حديثه، حتى بدأ جميع الجنود والحراس في القاعة بالسير ببطءٍ وثقل، وصدى خطواتهم يتردد في الأرجاء.
قطّب تاليس جبينه وردّد معهم تلك العبارة.
لكن غيلبرت خفّض رأسه على الفور، وانعكست في عينيه كآبةٌ عميقة.
“ستدوم الإمبراطورية… ما دامت… النجوم.”
“لا تستهِن بنفسك، ولا بدمك، ولا بالمعنى الكامن وراء مكانتك وسلالتك”
في تلك اللحظة، دوّى في القاعة صوتٌ جميل لكنه غاضب، مفعمٌ بالتوبيخ: “كفى!”
“أنت حقًا تشبه جدّك، يا سيدي الشاب، في تعاطفك مع عامة الناس.” تنهد بأسى.
استدار تاليس وغيلبرت في آنٍ واحد، لتقع أعينهما على جينيس بايجكوفيتش، وهي تنظر إلى التلميذ والمعلّم بنظرةٍ باردةٍ متجهمة.
عاصمة النصر، عاصمة الإمبراطورية التي امتدّ تاريخها لأكثر من ألفين وثلاثة آلاف عام منذ عهد الملوك الإقطاعيين، والتي شهدت صعود وسقوط سلالتي الإمبراطورية كلتيهما، دُفنت بالكامل في قاع بحر الإبادة، مع زوال الإمبراطورية الأخيرة.”
وقالت ببرود، “حان وقت العشاء.”
“الإمبراطورية… ستبقى؟ ما دامت النجوم؟”
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
في تلك اللحظة، رأى تاليس الحراس الواقفين على جانبي القاعة باحترام، رؤوسهم مرفوعة وصدورهم منتفخة. ارتفعت في القاعة الرحبة أصوات تصادم الدروع بعضها ببعض.
لكن حين نظر إلى غيلبرت المشتعل حماسةً أمامه، وجد صعوبةً في أن يقلد تلك المشاعر.
