هاوية الجليد الأبدي
الفصل 13: هاوية الجليد الأبدي
جلده لم يكن كجلد مخلوق.
“تبا. كتاب يتحدث، كما أنه يحاول خداعي.”
لم يكن لين قد بلغ عتبة الباب بعد، حتى صدح صوت البطريكة بنبرة باردة كجليدها:
وفي إحدى الليالي، وبينما كان يتأمل رف الممنوعات من بعيد…
“على يمينك: سحر العناصر—نار، ريح، ماء، جليد… لكن احترس، فإتقانها مرهون ببركتك.”
“أنتظر؟”
فقط يد بشرية مبتورة، ممددة على الأرض.
توقف في مكانه.
كما أنه كان يحافظ على تدريباته.
بل خامة زجاجية جليدية، شفافة جزئيًا،
ثم وجهت كلامها لإحدى الفتيات الواقفات كتماثيل صامتة:
“سيلفيريا فروست.”
ممرٌ ضيقٌ مغلق.
“إيسلين. اصطحبيه إلى المكتبة. ستكونين مسؤولة عنه.”
توقف في مكانه.
خرج لين بهدوء. خطواته خافتة، كمن يمشي فوق ثلج هش. لكن صوته الداخلي لم يصمت:
لكنها تنزف برودةً تشق الهواء.
“المكتبة؟… خطة واضحة. تقييدي، مراقبتي، وضع فروسيتا على رأسي كقيود ناعمة. لكن الأمور… لن تسير كما تهوى هي.”
“تبا. كتاب يتحدث، كما أنه يحاول خداعي.”
لا، بل انزلقوا داخل صمتٍ أزلي.
التفت إلى الفتاة التي كُلّفت به. كانت تحدق فيه دون تعبير.
أجاب الكتاب، لكن بصوت متلعثم.
“إيسلين، خذيني إلى المكتبة.”
ممرٌ ضيقٌ مغلق.
“كما تشاء، سيد لين.”
سقط السيف من يده، وانزلق على الجليد،
ما الهدف؟
وقفت عند المدخل، تحدثت مع الحارس، ثم التفتت إليه بابتسامة باهتة:
“هذا إذًا هو الشاب الذي فاز ببطولة العائلة وسحر أختي؟”
سمع صوتًا.
“سأنتظرك في الخارج.”
“يا هذا.
قرأ ليلًا، وتدرّب نهارًا.
دخل وحده.
وعندما التفت من جديد…
ثم توقف.
لا مهرب. لا خلاص.
كأن الزمن تجمد.
ثم، دون إنذار،
أهدأ من الموت،
أمام عينيه امتد عالم من الرفوف المتشابكة، كأعصاب حية. سلالم لولبية ترتفع إلى العدم، كأنها تؤدي للسماء. كتب مكدسة بلا ترتيب، الغبار يرقص فوقها، لكنه لم يكن غبارًا… بل شيء يشبه المانا النائمة.
بلا لون.
أحس ببرودة تسري في عموده الفقري.
كان روتين لين يتلخص في التدرب، قراءة الكتب، والتحدث مع سيلفيريا.
وفجأة…
لمسة خفيفة على كتفه.
ثم توقف.
كما أنه كان يحافظ على تدريباته.
استدار بغريزة النجاة.
ووجدها.
لم يكن خوفًا.
فتاة… تبتسم.
“دلّيني على الأقسام أولاً.”
في عائلة لا تعرف الابتسامة.
سقطوا…
“ما الذي أتى بك إلى هنا، أيها الوسيم؟”
ثم صمتت، ونظرت إلى الرفوف:
قالتها بنبرة لعوبة، لكن عينيها كانتا أكثر فطنة من اللازم.
استدار بغريزة النجاة.
تراجع خطوة.
ابتسامتها لم تتغير. اقتربت ولمست خده.
للذهاب لرحلة الاستكشافية.
“هذا إذًا هو الشاب الذي فاز ببطولة العائلة وسحر أختي؟”
طريقٌ مسدود.
أضخم من أن تُحيط به العين، أطول من ظلّ جبل،
تأملها جيدًا… شعر أبيض مثل الثلج، عينان لونهما بحر متجمد… لكن فيهما دفء غريب.
ابتسمت.
بلا معنى.
“من أنتِ؟” سأل بهدوء.
سُحب إلى الداخل.
“أنا فقط…
“سيلفيريا فروست.”
أضاف الصوت، وكأن الكلمات نفسها تتسرب عبر الفجوات بين طبقات الزمن.
“أخت فروسيتا.”
اسمه ارتدده داخله كجرس إنذار.
صرخت به، وصوتها يرتجف بين الأنين والرجاء:
“ولمَ كل هذه الرهبة؟” قالتها بضحكة خفيفة، كأنها تعرف أكثر مما تُظهر.
سُحب إلى الداخل.
استيقظ لين من الصوت.
ثم صمتت، ونظرت إلى الرفوف:
“أي نوع من الكتب تبحث عنه؟”
وفجأة…
“دلّيني على الأقسام أولاً.”
تحولت نبرتها فجأة، واكتسبت وزنًا غامضًا:
“المكتبة؟… خطة واضحة. تقييدي، مراقبتي، وضع فروسيتا على رأسي كقيود ناعمة. لكن الأمور… لن تسير كما تهوى هي.”
“على يمينك: سحر العناصر—نار، ريح، ماء، جليد… لكن احترس، فإتقانها مرهون ببركتك.”
كم مرة يجب أن أموت كي أرضيه؟
أشارت إلى رفٍ آخر:
“السحر المتقدم. تشكيل المانا، التعاويذ المتصلة بالروح، وتلك التي تُكتب لا بالحبر… بل بالذاكرة.”
“لعنات. بعضها حي. لا تقرأ بصوت مرتفع. صفحاتها تنبض إن اقتربت منها أكثر مما يجب.”
“هل قرأتِ كل هذا سيدة سيلفيريا؟”
مرت يدها على الكتب بلطف، فانبعث ضباب سحري خافت.
تحولت نبرتها فجأة، واكتسبت وزنًا غامضًا:
ثم واصلت:
أجاب الكتاب، لكن بصوت متلعثم.
ثم انهمرت دموعه.
“هذا… تاريخ العالم. من نشأة القارات إلى سقوط السلالات. هنا تُكتب الحروب التي لم يُرد أحد أن تُروى.”
ابتسامتها لم تتغير. اقتربت ولمست خده.
ليس كاللهب، بل كدمٍ اشتعل فيه الغضب.
توقفت أمام رف وحيد، كأن الزمن عنده يتباطأ.
“السحر المتقدم. تشكيل المانا، التعاويذ المتصلة بالروح، وتلك التي تُكتب لا بالحبر… بل بالذاكرة.”
توغل لين ورفاقه في الأعماق، مغيرًا خطته السابقة؛ فالتجوال بمفرده لم يعد خيارًا حكيمًا إن أراد النجاة.
نظر إليها لين وسأل:
أيامه بدأت تشبه الصفحات… تتكرر بلا عنوان.
ركبتاه ارتجفتا، وفجأة… لم يعد يشعر بجسده.
“هل قرأتِ كل هذا سيدة سيلفيريا؟”
حسنًا، هل تعرف أي شيء عن نوكتارين؟ سأل لين.
قذفته عبر الفراغ، بعيدًا، كأنها تقذف قلبها معه.
“يمكنك مناداتي بسيلفيريا فقط.”
” كما انني قرأت البعض.”
“على يمينك: سحر العناصر—نار، ريح، ماء، جليد… لكن احترس، فإتقانها مرهون ببركتك.”
سألها: “هل تعرفين شيئًا عن عشيرة قديمة تدعى نوكتارين؟”
نظرت سيلفيريا إليه بنظرة فاحصة.
“لا توجد أي عشيرة قديمة بهذا الاسم.”
“يا هذا.
استأذن منها، واتجه للبحث.
وعندما التفت من جديد…
أبيض.
أي شيء… أي سطر… عن “نوكتارين”.
سمع صوتًا.
وجد كتابًا يتحدث.
لم يجد.
مرت يدها على الكتب بلطف، فانبعث ضباب سحري خافت.
تركه لين ورحل.
قرأ ليلًا، وتدرّب نهارًا.
أيامه بدأت تشبه الصفحات… تتكرر بلا عنوان.
“على يمينك: سحر العناصر—نار، ريح، ماء، جليد… لكن احترس، فإتقانها مرهون ببركتك.”
هل هذا… خطأ؟”
وحين سأل عن لونا وفروسيتا، أخبروه أنهن في الأكاديمية.
مرت يدها على الكتب بلطف، فانبعث ضباب سحري خافت.
اختفوا من يومها.
وصار روتينه يتكوّن من ثلاث كلمات: كتب، مانا، وتدريب.
وجد كتابًا يتحدث.
وكأن وقت الراحة يدردش مع سيلفيريا.
وأقسى من الحياة.
وفي إحدى الليالي، وبينما كان يتأمل رف الممنوعات من بعيد…
فقط يد بشرية مبتورة، ممددة على الأرض.
سمع صوتًا.
قالت إسلين بصوت ميت:
“يا هذا.
أعلم أنك تسمعني.”
“إن خرجت… احمِ إيان… احمِ لونا… افعل ما لم أستطع فعله أنا!”
لكنها تنزف برودةً تشق الهواء.
وجد كتابًا يتحدث.
تراجع خطوة.
“لعنات. بعضها حي. لا تقرأ بصوت مرتفع. صفحاتها تنبض إن اقتربت منها أكثر مما يجب.”
مغطى بطبقة من الجليد الأسود، والعنوان محفور لا بحروف… بل بنبض، كأن الكتاب نفسه ينبض بالحياة.
تشقّقت السماء.
اقترب منه لين بحذر، يداه مترددة في اللمس، وكأنها تشعر بوجود شيء غريب خلف هذا الكتاب، شيء يفوق مجرد الورق والغلاف.
انا لن انقذ أحدا مجددا.
قبل أن يلمسه، سمع همسة خافتة، غريبة، غامضة. لم يعرف إن كانت في أذنه… أو في قلبه:
أي شيء… أي سطر… عن “نوكتارين”.
“أنت… حررني، وسأساعدك.”
كم مرة… يجب أن أنكسر؟”
كانت الكلمات تترنح في ذهنه، كأنها تلتف حوله مثل سلاسل غير مرئية.
أما الجبال في الأفق، فكانت تقف شامخة كحراس قدامى. قممها مغطاة بالثلوج، وحوافها تنحتها الرياح بعناية، فتبدو كمنحوتات من الجليد الخالص. الضباب كان ينساب بين السفوح، يُخفي أجزاءً ويُظهر أخرى، ما أضفى عليها هالة من الغموض والجمال القاسي.
“أنا لدي معرفة ضخمة جدًا.”
أضاف الصوت، وكأن الكلمات نفسها تتسرب عبر الفجوات بين طبقات الزمن.
“ماذا يريد مني هذا العالم؟
توقف لين في مكانه، قلبه ينبض بشدة، وشعور غريب يتسرب إلى جسده. كانت الهمسات تعني أكثر مما يبدو للوهلة الأولى. كان الكتاب يعده بشيء لا يستطيع تصوره، لكن كان في داخله شعور قوي أن هذه المعرفة… قد تكلفه أكثر مما يعتقد.
“من أنت؟”
أبيض.
سأل بصوت منخفض، لكنه في قلبه كان يشعر بثقل السؤال.
انا لن انقذ أحدا مجددا.
“أنا سجين هنا.”
أجاب الصوت، وكأنه يعكس الألم من أعماق الكتاب.
تأملها جيدًا… شعر أبيض مثل الثلج، عينان لونهما بحر متجمد… لكن فيهما دفء غريب.
“أنا مجرد روح تبحث عن المعرفة.”
“تبا. كتاب يتحدث، كما أنه يحاول خداعي.”
“إذا حرّرتني، يمكنني أن أفيدك كما تعلم. أنا لدي معرفة.”
مسح العرق البارد عن جبينه، زفر بعمق، وتمتم بمرارة:
حسنًا، هل تعرف أي شيء عن نوكتارين؟ سأل لين.
كم مرة يجب أن أموت كي أرضيه؟
أجاب الكتاب، لكن بصوت متلعثم.
لكن لين لم يجد شيئًا مفيدًا.
الفصل 13: هاوية الجليد الأبدي
تركه لين ورحل.
“تبا. كتاب يتحدث، كما أنه يحاول خداعي.”
“أنا لدي معرفة ضخمة جدًا.”
“لن أمسه.”
أعلم أنك تسمعني.”
“إن خرجت… احمِ إيان… احمِ لونا… افعل ما لم أستطع فعله أنا!”
“ليس لي فضول بأن ألمس أشياء غريبة.”
نبضه تباطأ، أنفاسه صارت أشباح هواء، والعالم حوله… تلاشى.
أجاب الكتاب، لكن بصوت متلعثم.
“هذا سيكون تصرف أحمق.”
وجلس يبحث عن أي شيء يتعلق بعشيرة نوكتارين، لكنه لم يجد شيئًا.
كم مرة… يجب أن أنكسر؟”
بعد الفحص لمدة أيام، تبين عدم وجود شيء.
لم يكن لين قد بلغ عتبة الباب بعد، حتى صدح صوت البطريكة بنبرة باردة كجليدها:
جلس يبحث عن خرائط للمنطقة التي سيذهبون إليها.
صرخت به، وصوتها يرتجف بين الأنين والرجاء:
ثم توقف.
استسلم لين وبدأ في تعلم بعض أساسيات السحر. كما كان يحاول تنفس المانا أينما ذهب.
كم مرة… يجب أن أنكسر؟”
بلا صوت.
كما أنه كان يحافظ على تدريباته.
تراجع خطوة.
ومع مرور الوقت، لم يستطع أن يرى لونا أو إيان أو فروسيتا ، حتي كاميليا و امها ذهبوا مع فروسيتا للاعتناء بها. سمع أنهم ذهبوا إلى الأكاديمية.
توقّف الزمن.
كانت الشقوق هادئة، غير مرئية تقريبًا، كأنها نحت خفيّ في السماء.
كان روتين لين يتلخص في التدرب، قراءة الكتب، والتحدث مع سيلفيريا.
كان قد اتي اليوم الموعود .
“لا توجد أي عشيرة قديمة بهذا الاسم.”
للذهاب لرحلة الاستكشافية.
دخل لين إلى القاعة، فوجد المشرفة وإسلين في انتظاره.
اقترب منه لين بحذر، يداه مترددة في اللمس، وكأنها تشعر بوجود شيء غريب خلف هذا الكتاب، شيء يفوق مجرد الورق والغلاف.
“شكرًا لك لإنقاذ لونا”، قالت المشرفة بابتسامة باهتة.
ركض كأن الهروب سينقذه من الندم، من العجز، من الحقيقة.
مغطى بطبقة من الجليد الأسود، والعنوان محفور لا بحروف… بل بنبض، كأن الكتاب نفسه ينبض بالحياة.
لعن لين في نفسه، متمتمًا:
كان كل شيء يهمس بلغة الجليد: صامتة، لكن مؤثرة، تلامس القلب دون كلمات.
“كان أسوأ قرار اتخذته في حياتي.”
انا لن انقذ أحدا مجددا.
قرأ ليلًا، وتدرّب نهارًا.
كان لين قد حضر شنطة من الطعام و اخذ كتابا من المكتبة بحجة الاستعارة.
عيناه الحمراوان تتوهّجان وسط العتمة، لا تغضبان، لا ترحمان—بل تراقبان بصمتٍ ثقيل، كأن الزمن نفسه توقّف احترامًا لهيبته.
وأقسى من الحياة.
وجهز بعض الخناجر.
جلس يبحث عن خرائط للمنطقة التي سيذهبون إليها.
وانطلقوا.
“…هل هذا جحيم آخر؟”
ثم وقع بصره على الكابوس
كان لين يفكر كيف سيهرب منهم.
ثم، دون إنذار،
دعنا من هذا عندما نصل سأضع خطة.
فقط يد بشرية مبتورة، ممددة على الأرض.
صرخت به، وصوتها يرتجف بين الأنين والرجاء:
الطريق الجليدي امتدّ كوشاح أبيض نقي، يلمع تحت ضوء الشمس الباهت كأنه مرصوف بالكريستال. خطوات الخيول فوقه كانت تُحدث صريرًا ناعمًا، كأنها تعزف موسيقى الشتاء. على جانبيه، ارتفعت أشجار الصنوبر شاهقة، جذوعها مغطاة بطبقات سميكة من الجليد، وأغصانها المثقلة بالثلج تدلّت برقة كأنها تنحني احترامًا للمارة. كانت أوراقها الإبرية تحتفظ بلونها الأخضر القاتم، لكنها تلتمع تحت أشعة الضوء كما لو أن الطبيعة وضعت فوقها مساحيق من الفضة.
“هذا إذًا هو الشاب الذي فاز ببطولة العائلة وسحر أختي؟”
العربة، الأفراد، كل شيء…
الغابة كانت هادئة، إلا من صوت الريح وهي تمرّ بين الأشجار، محمّلة برائحة باردة، نقية، تشبه أول نفس بعد سقوط الثلج.
قبل أن يتمكن أحد من الهرب، انفجرت الجاذبية.
وبين الأشجار، ظهرت بحيرات صغيرة متجمّدة، سطحها أملس كالمرآة، يعكس زرقة السماء وألوان الغروب الباهتة. في بعض الأماكن، كان الجليد شفافًا لدرجة أن الصخور والنباتات الميتة في الأعماق كانت تُرى كأشباح نائمة.
“أنا فقط…
أما الجبال في الأفق، فكانت تقف شامخة كحراس قدامى. قممها مغطاة بالثلوج، وحوافها تنحتها الرياح بعناية، فتبدو كمنحوتات من الجليد الخالص. الضباب كان ينساب بين السفوح، يُخفي أجزاءً ويُظهر أخرى، ما أضفى عليها هالة من الغموض والجمال القاسي.
تلمع تحت الضوء الباهت كأنها تصنع من الكريستال الحي،
كان كل شيء يهمس بلغة الجليد: صامتة، لكن مؤثرة، تلامس القلب دون كلمات.
“ولمَ كل هذه الرهبة؟” قالتها بضحكة خفيفة، كأنها تعرف أكثر مما تُظهر.
من كثرة الجمال الخلاب.
كان لين قد نام.
اقتربت منه المشرفة، هزته برفق حتى فتح عينيه، ثم همست:
ثم وقع بصره على الكابوس
حين اخترقت العربة الغابة النقية، تبدّل الهواء من بارد إلى خانق.
ثم، دون إنذار،
اسمه ارتدده داخله كجرس إنذار.
تشقّقت السماء.
“سيلفيريا فروست.”
استيقظ لين من الصوت.
كان لين يفكر كيف سيهرب منهم.
كانت الشقوق هادئة، غير مرئية تقريبًا، كأنها نحت خفيّ في السماء.
لكن من داخلها، انبثقت دوامة جليدية… لا، هاوية معلّقة في السماء.
“إذا حرّرتني، يمكنني أن أفيدك كما تعلم. أنا لدي معرفة.”
ثم، بكل ما تبقى فيها من قوة… رمته.
قالت إسلين بصوت ميت:
مرت يدها على الكتب بلطف، فانبعث ضباب سحري خافت.
– “لا… تلك ليست فتحة …..إنها هاوية فلنهرب.
قبل أن يتمكن أحد من الهرب، انفجرت الجاذبية.
العربة، الأفراد، كل شيء…
سُحب إلى الداخل.
تدحرج فوق الجليد، جسده يتألم وروحه تتمزق.
سقطوا…
لا، بل انزلقوا داخل صمتٍ أزلي.
الثعبان كان يقترب، ببرودة لا ترحم، لكن عينيها لم تتركا لين.
استفاق الجميع مذعورين، ما عدا لين الذي ظل غارقًا في اللاوعي.
وجد كتابًا يتحدث.
اقتربت منه المشرفة، هزته برفق حتى فتح عينيه، ثم همست:
“فلتستيقظ… يجب علينا ان نتحرك من هنا.”
حدّق لين بعينيها المشتعلتين للحظة، ثم نهض ببطء، وهو يتمتم:
نبضه تباطأ، أنفاسه صارت أشباح هواء، والعالم حوله… تلاشى.
“…هل هذا جحيم آخر؟”
مسح العرق البارد عن جبينه، زفر بعمق، وتمتم بمرارة:
حسنا.
كما أنه كان يحافظ على تدريباته.
توغل لين ورفاقه في الأعماق، مغيرًا خطته السابقة؛ فالتجوال بمفرده لم يعد خيارًا حكيمًا إن أراد النجاة.
سُحب إلى الداخل.
توقّف الزمن.
كانت الأرض تحت أقدامهم بيضاء نقية، مكسوة بطبقاتٍ من الجليد الشفاف، تعكس الأضواء الباهتة المتناثرة من بلوراتٍ جليدية نمت عشوائيًا من الصخور والهواء، كأنما تنبض بالحياة. الجبال أحاطت بالمكان كجدران صامتة، شاهقة ومهيبة، لتجعلهم كأنهم دخلوا إلى قلب كوكبٍ آخر… مكان ساحر وجميل بشكل يبعث على القشعريرة.
كأن الصقيع لم يكتفِ بتجميد أطرافه، بل زحف إلى داخله—حتى عقله، حتى قلبه.
اختفوا من يومها.
في غفلة، وفي لمحة سريعة، حدث ما لم يتوقّعه أحد.
نبضه تباطأ، أنفاسه صارت أشباح هواء، والعالم حوله… تلاشى.
ظهر الثعبان.
لم يكن زئيرًا ولا اهتزازًا ما أعلن عن وجوده… بل كان الاختفاء الفوري لإسلين، التي التهمها الثعبان في ومضة واحدة، دون صوت، دون مقاومة… اختفت كما تختفي نجمة شهاب في سماء مظلمة.
“أنا فقط…
صرخة خافتة انطلقت من المشرفة، وهرعت نحو لين… لكن يدها لم تصل.
ثم صمتت، ونظرت إلى الرفوف:
التهام مفاجئ، صامت، قاطع. اختفت في لمح البصر.
استدار بغريزة النجاة.
وحين التفت لين…
قالتها بنبرة لعوبة، لكن عينيها كانتا أكثر فطنة من اللازم.
صمت مطبق.
” كما انني قرأت البعض.”
لا صرخات. لا أنفاس. لا حتى نسمة هواء.
فقط يد بشرية مبتورة، ممددة على الأرض.
المشرفة – رغم الألم الذي كان يمزق جسدها – أمسكت بـ لين بقوة، كأنها تتمسك بالحياة ذاتها. أطلقت سرعتها الخارقة، تنسج طريقها بين البلورات، بينما الثعبان ينزلق خلفها بصمتٍ مميت، كأن الموت نفسه يلاحقها.
بُترت يدها قبل أن تتمكن من سحب لين للخلف.
مرت يدها على الكتب بلطف، فانبعث ضباب سحري خافت.
وعندما التفت من جديد…
وجهز بعض الخناجر.
تتوهج بلونٍ أحمر قانٍ،
الصمت نفسه.
تحولت نبرتها فجأة، واكتسبت وزنًا غامضًا:
لا صرخات. لا أنفاس. لا حتى نسمة هواء.
فقط يد بشرية مبتورة، وحولها بقع دم داكنة تتّسع، كأن الأرض تنزف من هول ما جرى.
اهتزّ السيف في يد لين.
صمت المشهد كان يصرخ، والدماء المتمددة بدت كوشم شيطاني على الثلج.
اقتربت منه المشرفة، هزته برفق حتى فتح عينيه، ثم همست:
تجمّد لين في مكانه، وعيناه تتسعان برعب لم يختبره من قبل.
الغابة كانت هادئة، إلا من صوت الريح وهي تمرّ بين الأشجار، محمّلة برائحة باردة، نقية، تشبه أول نفس بعد سقوط الثلج.
“من أنتِ؟” سأل بهدوء.
التفت إلى الفتاة التي كُلّفت به. كانت تحدق فيه دون تعبير.
لين تجمّد، عيناه تتسعان،
ثم وقع بصره على الكابوس
ركض كأن الهروب سينقذه من الندم، من العجز، من الحقيقة.
ثم وقع بصره على الكابوس—
ابتسامة وداع، ابتسامة ألم، ابتسامة أم تحتضن قدرها.
ثعبان.
حتى أنفاس لين… خانته.
أبيض.
“أخت فروسيتا.”
ذو عينين قرمزيتين،
ذو عينين قرمزيتين،
أضخم من أن تُحيط به العين، أطول من ظلّ جبل،
“أنت… حررني، وسأساعدك.”
ينساب بين الصخور كما لو أن الأرض نفسها تتنفس عبره.
وقلبه يخفق كأن الصمت نفسه سيصرخ.
استدار بغريزة النجاة.
جلده لم يكن كجلد مخلوق.
استدار بغريزة النجاة.
بل خامة زجاجية جليدية، شفافة جزئيًا،
تلمع تحت الضوء الباهت كأنها تصنع من الكريستال الحي،
– “لا… تلك ليست فتحة …..إنها هاوية فلنهرب.
لكنها تنزف برودةً تشق الهواء.
أجاب الصوت، وكأنه يعكس الألم من أعماق الكتاب.
وعيناه…
ثم واصلت:
ثنائية الكارثة.
توقّف كل شيء.
نظر إليها لين وسأل:
تتوهج بلونٍ أحمر قانٍ،
دخل لين إلى القاعة، فوجد المشرفة وإسلين في انتظاره.
ليس كاللهب، بل كدمٍ اشتعل فيه الغضب.
صمت مطبق.
لم تكن لحيوان.
تركه لين ورحل.
بل لشيءٍ أقدم من الزمن،
أهدأ من الموت،
توقف أمامه بلمعانٍ باهت… كصدى نجمةٍ تموت.
وأقسى من الحياة.
وفي إحدى الليالي، وبينما كان يتأمل رف الممنوعات من بعيد…
ووجدها.
وجهه هناك—ممسوح، بلا ملامح. بلا هوية. كأنه لم يكن يومًا.
المشرفة – رغم الألم الذي كان يمزق جسدها – أمسكت بـ لين بقوة، كأنها تتمسك بالحياة ذاتها. أطلقت سرعتها الخارقة، تنسج طريقها بين البلورات، بينما الثعبان ينزلق خلفها بصمتٍ مميت، كأن الموت نفسه يلاحقها.
وفي تلك اللحظة… انطفأ شيءٌ بداخله.
صرخت به، وصوتها يرتجف بين الأنين والرجاء:
“تبا. كتاب يتحدث، كما أنه يحاول خداعي.”
“إن خرجت… احمِ إيان… احمِ لونا… افعل ما لم أستطع فعله أنا!”
توقّف الزمن.
تركه لين ورحل.
ثم، بكل ما تبقى فيها من قوة… رمته.
قالت إسلين بصوت ميت:
قذفته عبر الفراغ، بعيدًا، كأنها تقذف قلبها معه.
ابتسمت.
الثعبان كان يقترب، ببرودة لا ترحم، لكن عينيها لم تتركا لين.
بُترت يدها قبل أن تتمكن من سحب لين للخلف.
التفت إلى الفتاة التي كُلّفت به. كانت تحدق فيه دون تعبير.
ابتسمت.
“السحر المتقدم. تشكيل المانا، التعاويذ المتصلة بالروح، وتلك التي تُكتب لا بالحبر… بل بالذاكرة.”
ابتسامة وداع، ابتسامة ألم، ابتسامة أم تحتضن قدرها.
نظرت إليه، ودموعها تتساقط بصمت، وقالت بصوت خافت، مهزوز، كأن العالم كله ينهار من حولها:
“أخت فروسيتا.”
“أنا آسفة يا لين… آسفة لأني كنت قاسية… آسفة لأني حمّلتك ما لا يُحتمل…”
التهام مفاجئ، صامت، قاطع. اختفت في لمح البصر.
استأذن منها، واتجه للبحث.
وفي اللحظة التالية… ابتلعها الثعبان.
توقّف الزمن.
ركض كأن الهروب سينقذه من الندم، من العجز، من الحقيقة.
توقّف كل شيء.
أعلم أنك تسمعني.”
حتى أنفاس لين… خانته.
كأن روحه تمزقت بهدوء… دون صراخ.
تدحرج فوق الجليد، جسده يتألم وروحه تتمزق.
بعد الفحص لمدة أيام، تبين عدم وجود شيء.
وحين تمكن من الوقوف… ركض.
“كما تشاء، سيد لين.”
ركض كأن الهروب سينقذه من الندم، من العجز، من الحقيقة.
نظر إليها لين وسأل:
ركض بلا وعي، بلا اتجاه، بلا أمل.
للذهاب لرحلة الاستكشافية.
“السحر المتقدم. تشكيل المانا، التعاويذ المتصلة بالروح، وتلك التي تُكتب لا بالحبر… بل بالذاكرة.”
حتى وصل.
طريقٌ مسدود.
ممرٌ ضيقٌ مغلق.
لا مهرب. لا خلاص.
كان شيئًا أبرد. أعمق.
استدار ببطء…
“أنا مجرد روح تبحث عن المعرفة.”
وقلبه يخفق كأن الصمت نفسه سيصرخ.
لا، بل انزلقوا داخل صمتٍ أزلي.
كان الثعبان هناك.
بل خامة زجاجية جليدية، شفافة جزئيًا،
لم يجد.
واقفًا أمامه، شامخًا، أبديًا… كأنه قدر لا يمكن الهرب منه.
عيناه الحمراوان تتوهّجان وسط العتمة، لا تغضبان، لا ترحمان—بل تراقبان بصمتٍ ثقيل، كأن الزمن نفسه توقّف احترامًا لهيبته.
وعيناه…
اهتزّ السيف في يد لين.
ركبتاه ارتجفتا، وفجأة… لم يعد يشعر بجسده.
كأن الصقيع لم يكتفِ بتجميد أطرافه، بل زحف إلى داخله—حتى عقله، حتى قلبه.
بلا صوت.
نبضه تباطأ، أنفاسه صارت أشباح هواء، والعالم حوله… تلاشى.
ليس كاللهب، بل كدمٍ اشتعل فيه الغضب.
بلا صوت.
حين اخترقت العربة الغابة النقية، تبدّل الهواء من بارد إلى خانق.
بلا لون.
بلا معنى.
“أي نوع من الكتب تبحث عنه؟”
“شكرًا لك لإنقاذ لونا”، قالت المشرفة بابتسامة باهتة.
ثم، بصمتٍ مطبق… سقط على ركبتيه.
كان روتين لين يتلخص في التدرب، قراءة الكتب، والتحدث مع سيلفيريا.
حدّق في الأرض الجليدية، ولم يرَ الجليد.
“هذا إذًا هو الشاب الذي فاز ببطولة العائلة وسحر أختي؟”
بل رأى نفسه.
وجهه هناك—ممسوح، بلا ملامح. بلا هوية. كأنه لم يكن يومًا.
توقّف كل شيء.
سقط السيف من يده، وانزلق على الجليد،
“إيسلين، خذيني إلى المكتبة.”
توقف أمامه بلمعانٍ باهت… كصدى نجمةٍ تموت.
وصار روتينه يتكوّن من ثلاث كلمات: كتب، مانا، وتدريب.
أهدأ من الموت،
وفي تلك اللحظة… انطفأ شيءٌ بداخله.
رفع بصره إلى السماء الرمادية، كأنها تراقبه من علٍ بسخرية،
لم يكن خوفًا.
“أنا فقط…
كان شيئًا أبرد. أعمق.
“أي نوع من الكتب تبحث عنه؟”
كأن روحه تمزقت بهدوء… دون صراخ.
قبل أن يتمكن أحد من الهرب، انفجرت الجاذبية.
كأن اليأس احتواه لا كوحش، بل كصديقٍ قديم… جاء ليأخذه إلى الراحة الأخيرة.
صرخت به، وصوتها يرتجف بين الأنين والرجاء:
ما الهدف؟
مرت يدها على الكتب بلطف، فانبعث ضباب سحري خافت.
ما الجدوى؟
تلك الأسئلة لم تُسأل بصوت… بل بنظرةٍ زجاجية، بعينين توقّفتا عن الانعكاس.
ثم انهمرت دموعه.
ثم، بكل ما تبقى فيها من قوة… رمته.
لم تكن دموع نجاة.
ولا حتى حزن.
بل دموع إنسانٍ سُلب منه حقّه في أن يكون إنسانًا.
“دلّيني على الأقسام أولاً.”
همس، بصوتٍ مكسورٍ كحافة السيف: “أنا فقط… كنت أريد أن أعيش.”
أبيض.
توقّف، ابتلع أنفاسه المرتجفة، ثم أكمل:
“هل هذا كثير؟
هل هذا… خطأ؟”
“فلتستيقظ… يجب علينا ان نتحرك من هنا.”
رفع بصره إلى السماء الرمادية، كأنها تراقبه من علٍ بسخرية،
“ما الذي أتى بك إلى هنا، أيها الوسيم؟”
وهمس بنبرةٍ تكاد تنهار:
مرت يدها على الكتب بلطف، فانبعث ضباب سحري خافت.
“ماذا يريد مني هذا العالم؟
“سأنتظرك في الخارج.”
كم مرة يجب أن أموت كي أرضيه؟
كم مرة… يجب أن أنكسر؟”
“كما تشاء، سيد لين.”
كم مرة يجب أن أموت كي أرضيه؟
ثم، بصوتٍ مبحوح، كأنه يُزفّ من صدره لا من فمه، تمتم:
كأن روحه تمزقت بهدوء… دون صراخ.
“أنا فقط…
وعندما التفت من جديد…
أريد أن أعيش.”
“أنتظر؟”
وقفت عند المدخل، تحدثت مع الحارس، ثم التفتت إليه بابتسامة باهتة:
صرخة خافتة انطلقت من المشرفة، وهرعت نحو لين… لكن يدها لم تصل.
نبضه تباطأ، أنفاسه صارت أشباح هواء، والعالم حوله… تلاشى.
لين تجمّد، عيناه تتسعان،
